أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - مصطفى اسماعيل - الاختزالية السورية وتخوين المختلف














المزيد.....

الاختزالية السورية وتخوين المختلف


مصطفى اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 3422 - 2011 / 7 / 10 - 16:45
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    


السوريون اليوم أسرى حقل التخوين المتبادل, فالسلطة تُخوٍّن المعارضة, والمعارضة تُخوِّن السلطة, المُوالون للسلطة يُخوِّنونَ ما عداهم ويشهرون الصفعات والعصي في وجوههم, فنانٌ يُخوِّن آخرَ لأنه يدَّعي امتلاكَ جُرعةِ وطنية زائدة, وهي جرعة مسحوبة من صيدليات الأجهزة الأمنية, وتطولُ قائمة التخوين إلى اللانهاية السورية.

الشعاراتُ البرَّاقة واللمَّاعة التي رفعتها السلطة السورية خلال عقود من هيمنتها على مفاصل المجتمعات السورية كانت البيئة الخصبة لإنتاج مفاهيم اختزالية غير أخلاقية, من خلال تعليب الإنسان السوري وإرضاعه حليب الفكر الإيديولوجي الأحادي في شرطه البروكوستي الذي يقزم الآخر المختلف ويشطب عليه, محاولاً جره إلى فيء السلطة المُتغوِّلة التي طرحت على الدوام نفسها كهيولى للقومية والوطنية, وفي الأزمة الحالية هي التي أطلقت ثقافة التخوين من عقالها عبر فضائيتها والمنابر التي تدور في فلكها.

الحالة السورية اليوم تدعونا إلى الابتعاد عن التخوين, وعدم اعتماد المفردات التخوينية, فالبلاد تعيش مرحلة مخاض مستجدة, وينبغي التخلص من المفاهيم القاصرة, ومفارقة تسطيح المسائل, لأن الذهنية التخوينية هي ذهنية كارثية, وذهنية متأزمة, وذهنية عاقر, لا يمكنها وليس بوسعها إنتاج حلٍّ, بل تزيد الطين بلة, وتُفاقِمُ الأزمات, فما تحتاجه البلاد في راهنها الموَّار هو المزيد من الوئام الأهلي والمكابرة على الجراحات والبحث عن القواسم المشتركة الكثيرة فيما بين السوريين ( التطلع إلى الحرية من بينها ), ولا يخدم البلاد من قريب أو بعيد تحويلها إلى مجموعة كانتونات لفظية, تُشنُّ من كل منها حرب بسوسٍ لفظية إقصائية, مضافة إلى الإقصاء العنفي العملياني الذي للسلطة, من شأن ذلك تقسيم سوريا أفقياً وعامودياً, وهذا لا يخدم سوريا الراهن وسوريا الغد.

لا يوجد في سوريا ولا في أي بلد آخر من العالم أهراماتٌ محددة ومطلقة للوطنية الحقة, كل السوريين وطنيون حتى يثبت العكس بدليل شفاف وواضح وقاطع, ويُفترضُ أن ليس هنالك من هو أكثر سورية من غيره, ومن هو أكثر حرصاً على سوريا من غيره.

الكائنُ التخويني هو كائن مريض نفسياً, هو لا وطني وخارج عن السرب الوطني, فلا تمنح الوطنية عبر الصكوك والبطاقات التموينية وقسائم المازوت.

قد يختلف سوريان إثنان في مقاربة الوطنية ومصلحة البلاد, لكن اختلاف الآراء ثروة, فلا يُعقلُ أن يكون 23 مليون سوري نسخاً فوتوكوبي واحدة, ولا يستدعي الاختلافُ الشطبَ المتبادل.
أكثرُ من سجين رأي عبر من برزخ الاعتقال أكد تعرضه لنوع من الاضطهاد النفسي والمعنوي والتخوين, فمحققٌ بائسٌ, شبه أمي, مستسلم ليقينياته الأحادية الكبرى, يقرر ببساطة مطلقة مدى منسوب الوطنية السورية في دمك.

أحد السجناء الكورد أخبرني أن محققاً أمنياً كان يقول له أن ( صرماية ) رئيس وزراء تركيا ( أردوغان ) تساويه وأهله وشعبه الكوردي, وآخر كان منزعجاً لأن محققاً كان يشتم الكورد بلا استثناء ويعدهم عملاء لإسرائيل, أي خونة, وفهمي المتواضع لاتهامي من قبل القضاء العسكري في مدينة حلب السورية بمحاولة اقتطاع جزء من الأراضي السورية وضمًّها إلى دولة أجنبية هو أنه اعتماد لنهج تخويني بحقي.

لا يُستغربُ ذلك, فالسائد كان أن محققاً أمنياً لم يقرأ في حياته ثمة قصيدة شعرية ولم يتصفح جريدة أو لا يستوعب الفكر والثقافة والمصطلحات يعد نفسه بالمطلق المتحدث الرسمي والناطق الرسمي باسم الوطنية السورية, ويعتبر نفسه طنجرة الوطنية وغطائها, ومبتدأ الوطنية ومنتهاها, أما الآخرون – في عرفهِ – فهم مجرد فاقدي وطنية أو مصابون بفقر الوطنية.

ثمة اخطاء لا عدَّ لها تراكمت وتناسلت طيلة العقود السابقة, أخطاء مبرمجة أفرزت أخطاء أكثر هولاً, تماماً كدمى بابوشكا الروسية, ولأنها كانت أخطاء مسكوتاً عنها, وعصية على المساءلة والمحاسبة ولا تزالُ, فإنها وضعت قطار الوطن على مفترق سككٍ.

اللحظة السورية الراهنة تستدعي من الجميع ومن السلطة أكثر نبذ المفردات اللاوطنية ونبذ ذهنية الأحكام المسبقة القبلية, والابتعاد إلى أقصى الحدود عن الانفعالات الآنية وردود الأفعال الارتجالية.

التسامح المطلق, والوئام المطلق, والابتسامات المطلقة المتبادلة, والاعتراف المطلق المتبادل, هي الضرورات في اللحظة الراهنة من عمر البلاد, أما اعتماد الاختزاليات المريضة وتخوين المغاير والمختلف فهو قاصمة الظهر سورياً.

ملاحظة : كُتِبَ المقالُ في سجن حلب المركزي بتاريخ 21 مايو/ أيار 2011





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,694,625
- وثيقة هيئة التنسيق الوطنية : تسويف الكورد إلى إشعار سوري آخر
- الصمت والخرس والسكوت منتجٌ كوردي بامتياز
- ادّكارات
- هزيمة
- محاولة للوداع
- فيديل الزرقاوي وأبو مصعب كاسترو
- نعمْ .. كلُّ داخلٍ سيهتفُ لأجلكَ وكلُّ خارجٍ أيضاً ...
- غارة على الحبر
- لماذا ينسحب الكرد من الاهتمام بالشأن العام ؟.
- كما يليق بعدو الفرح
- أجراس حلبجة وقامشلو
- ماكو الكردية والحماقات الإيرانية
- المشروع البروكوستي لخلق أحزاب للتصفيق
- العفلقية الجديدة : رياض تركمبوس والذين معه
- إيران النووية أخطر أم إيران القمعية
- لا لطاولة إعلان دمشق .. نعم لطرابيزة الإعلان الكردي
- جمهورية الأنفلونزا -- دجاجة لكل كردي
- ترجمة الكائن
- هرطقات شاعر
- بصيصُ انتظار في مقهى الغيابات


المزيد.....




- بعثة الأمم المتحدة تدعو كل الأطراف في ليبيا إلى احترام القان ...
- تأجيل نظر قضية تعويضات أسر الشهداء إلى سبتمبر القادم
- السعودية والإمارات تردان على انتقادات الأمم المتحدة
- العراق: استعدادات لاعتقال عائلات داخل مخيّم
- المغرب.. معارضون ومؤيدون لحكم الإعدام لقتلة سائحتين إسكندناف ...
- بمرسوم ملكي.. تعيين بن صالح أمينا عاما لحقوق الإنسان في المغ ...
- تظاهرات تعمّ الولايات المتحدة منددة بمداهمة أماكن إقامة المه ...
- تعيين ملكي لكل من الرفيقة فاطمة الشعبي و الرفيق محتات الرقاص ...
- عشرات الآلاف من اتباع الحكيم يتظاهرون في 14 محافظة عراقية
- رئيس وزراء كوسوفو يعلن استقالته بعد استدعائه لمحكمة جرائم ال ...


المزيد.....

- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش
- ذكرياتِي في سُجُون العراق السِّياسِيّة / حـسـقـيل قُوجـمَـان
- نقش على جدران الزنازن / إدريس ولد القابلة
- تازمامارت آكل البشر 2011 / إدريس ولد القابلة
- يوميات سجين مبتورة لولا الحلم لانتهيت / إدريس ولد القابلة
- ذكرياتي في سجون العراق السياسية- الجزء الاول / حسقيل قوجمان
- سياسة السجون بالمغرب بولمهارز مراكش نمودجا -ابوغريب المغرب - ... / غسان المغربي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - مصطفى اسماعيل - الاختزالية السورية وتخوين المختلف