أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - جواد بولس - جنى المستقبل














المزيد.....

جنى المستقبل


جواد بولس

الحوار المتمدن-العدد: 3405 - 2011 / 6 / 23 - 20:55
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لم يطرأ تغييرٌ لافت على حرم جامعة حيفا. بعد أكثر من ثلاثة عقود عدت إليها أبًا يصاحب "جناه" في يوم تخرّجها وحصولها على شهادة البكالوريوس.
بجانبي مَشَت، وعلى الرغم من أنٌها اعتادت إخفاء سعادتها بوجود أفراد عائلتها وبعض من صديقاتها المقرّبات، إلّا أنني لمست فرحتها المكبوتة في كل بسمة أطلقتها وعيونها التي كانت جميلة بشكل مميّز في هذا المساء.
كانت كالنحلة، كثيرة الحركة، لا من قلق بل من طبع غالب "وعجقة" ترافق النهايات وأكثر عندما تكون تلك هي البدايات.
كلما خطوتُ خطوة فُتح شباك من ذاكرة تلك الأيام، التي كنا نتردد فيها على جامعة حيفا كنشطاء في الحركة الطلابية. ما أعجبه من دماغ، لا يمحو شيئًا بل يغلّف الذكرى بأكياس الضباب وهذه تنفك وتنقشع إذا لامسها مبضع الصدفة الحاضرة ورائحة المكان.
لا شيء تغيّر هناك على قمة الكرمل. مساكن الطلبة تروي وتحفل بقصص الفَراش وبالليالي تضيؤها أقمار لفت على نجومها. وحيفا يروي خليجها حكايات الأمل المفقود، حكايات عرائس ما زالت تنتظر فوارسها بعدما رحلت الجياد!
مبانٍ من الاسمنت تراصّت كمحطة قطار لا تنتهي. أدراج تأخذك إلى أعلى وأعلى وتتركك بلا حول وبلا نفس. وتصر أن تذكرك أن لا شيء هناك تغير وأنت أنت الذي مضت بك السنين، وبعضها، في زوايا المكان لاصق، يشهد عليك ويسخر: ما عدت ذاك الظبي يرقص كالبرق فالجأ إلى حكمة السلحفاة ودع الظباء تحيا وتكمل الطريق إلى أعلى.
مئات من العائلات رافقت أبناءها. كلهم فرحون، يمشون بوجوه تشعّ غبطة واعتزاز، فلا وقت لهمٍّ ولا فسحة لسؤال. إنّه الحاضر يتلألأ جنى لماضٍ مؤرق ومكلف، فلا بأس لو أرجئ التفكير في غم المستقبل إلى حين يزول دفء اللحظة والمشهد.
أحاول أن أشغلهم ببعض مما تهافت من ذكرى وذكريات تخثّرت في رأسي ودبَّت فيها حياة. يصغون من باب أدب لا تأديب فأعود إلى ما قالته "جنى" مرارًا: أنتم يا أبي بعيدون عنّا، إنكم موهومون ولا تتواصلون مع ما نعيشه ونخبره، في الجامعات وفي معمعان الحياة. هكذا واجهتني وصحبها في أكثر من حادثة ومناسبة. هكذا اتهمتني وجيلي. سهمها طُيّر صوب كل من يعمل في "السياسة" و"الشؤون العامة" وما شابهها.
حاولت مرارًا، وما زلت، أن أتحاور "معهم" وفي كل جولة أرمى بتحدٍ وبقضية. وبعدها أعي عمق ما تحفره الأيام من هوات تستدعينا لأكثر من أن نمارس أبوة يتيحها فائض "همومنا" الضاغطة أو تشاوف مسكر بأننا نحيط بكل علم وشاردة وواردة، خاصة فيما يتعلق بأولادنا وشؤونهم.
أبعد عن ذهني ما كاد ينغِّص بهجة رقص الفراشات حولي وطراوة النسيم الكرمليٌ المنعش. مع الحشود جلسنا وسمعنا ما تيسّر من خطابات محاضري الجامعة أتوا فيها على تعداد الانجازات وما بقي من أحلامٍ للمستقبل.
أخمّن أنٌ الخريجين أهملوا الإصغاء إليها وهكذا فعلت العائلات التي انتظرت سماع أسماء أبنائها يعتلون المنصات واستلام شهادة "العرق" المسفوك.
كان المساء جميلًا في حيفا، لولا رطوبة الجو كان مثاليًا. تحلقنا طاولة لنختم النهاية. وكمن خبر أنّ "مرآة العواقب في يد ذي التجارب" استقدمت هم الصباح وبين كل قهقهة وبسمة بدأت أفكر في البداية وفي غد "جنى" وجيلها. تمنيت أن تسألني عن نصيحة أو اثنتين تليقان بالمناسبة وبدور الأب المرشد العام!، ولكنها كالنحلة كانت فرحة برحيق النهاية وعطر الكرمل الفوَّاح.
رافقتها بنظري وهو كالسيف دائمًا، وودت لو تعرف أنني أخشى عليها وأنني "بصير بأعقاب الأمور إذا التوت/ كأن لي في اليوم عين على غد".
أنّها البداية يا "جنى" وأعرف أنه مهما تمنى جيلُنا الوداعة منكم وأن تسكني وجيلك الريح، ستمضون جيلًا يرفع راية المستقبل وهذه لن يرفعها إلّا من قَلِقَ وسَكَنَ على الريح!



#جواد_بولس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رويدك.. واحكم!
- إنها العاصفة
- نريد طلابًا يحبون
- مجاز كروي
- -عاش البلد مات البلد-
- أنوماليا
- الرؤيا أم الرؤية؟..
- للبدايات فرحٌ
- صوت من الجبل
- قوتُكَ لا قاتُهُم
- أمر مبكياتك
- ميداننا في صفد
- لا رأيَ لحاقن


المزيد.....




- هارفارد تنضم للجامعات الأميركية وطلابها ينصبون مخيما احتجاجي ...
- خليل الحية: بحر غزة وبرها فلسطيني خالص ونتنياهو سيلاقي في رف ...
- خبراء: سوريا قد تصبح ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران
- الحرب في قطاع غزة عبأت الجهاديين في الغرب
- قصة انكسار -مخلب النسر- الأمريكي في إيران!
- بلينكن يخوض سباق حواجز في الصين
- خبيرة تغذية تحدد الطعام المثالي لإنقاص الوزن
- أكثر هروب منحوس على الإطلاق.. مفاجأة بانتظار سجناء فروا عبر ...
- وسائل إعلام: تركيا ستستخدم الذكاء الاصطناعي في مكافحة التجسس ...
- قتلى وجرحى بقصف إسرائيلي على مناطق متفرقة في غزة (فيديو)


المزيد.....

- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا
- مدخل إلى الديدكتيك / محمد الفهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - جواد بولس - جنى المستقبل