أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد علي الشبيبي - 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 6















المزيد.....

4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 6


محمد علي الشبيبي

الحوار المتمدن-العدد: 3401 - 2011 / 6 / 19 - 01:29
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


هذا الاهتمام بالفوز، ومكسب المعلمين زيادة الحصص؟
لقد أنظم للجبهة التعليمية بعض الذين كانوا ذيولا لرجال العهد الملكي أمثال حسين الخزرجي، صالح المانع، صاحب الوكيل، وبعض المعلمين الذين هم من أصل فارسي مثل جواد باقر، مهدي باقر أبو غراش، وأمثالهم. أما المدرس فاضل زيني فقد كان نبيلا وأشبه ما يكون بين أعضاء وممثلي تلك الجبهة بزهرة لكنها منكمشة. حسين الخزرجي موظف في ذاتية المعارف، حين كان طالبا كان شيوعيا. أعطى التوبة بواسطة والده. كان ذكيا فخدم بقلمه ذلك العهد. وهو أحد الأقطاب الذين استغلوا جمعية المعلمين. وخلال خوضهم الانتخابات كان يتجول في مدارس البنات، يهدد المعلمات ويأخذ تواقيعهن على الولاء للجبهة التعليمية. ومسؤول القوميين العرب يقول بزهو (المعلمون ورق كارتون، وسنفوز حتما لأن السلطة معنا). ولكن المفاوضات كانت مستمرة بين الجهات المتنافسة لتوحيد العمل في قائمة مهنية، فسلطة "قاسم" لا أمان لها. وهم يعلمون ذلك. الوزير منع الدعاية، ولكن الجبهة التعليمية مستمرة باجتماعاتها. مدير مدرستي "مهدي علي" رجل بسيط شعاره الذي يعظني به -الياخذ أمنه يصير عمنه!-. أخذ يبدي لي النصح، حذار من ترشيح نفسك لهذه الانتخابات. قلت: ولماذا ترشح نفسك وأنت تلعنهم؟ قال: أرادوا هذا مني واستجيب دفعا للضرر!
واشتدت الاستفزازات يوم الانتخابات -10/2/1961-، إلى حد التعدي بالضرب، ورمي الرصاص بالهواء، وجر أحد مؤيدينا على الأرض. رأيت عراك "الشمرتي" متقلدا وشاحا، ودافعا صدره، فاشمأزت نفسي، إذ تذكرت أسباب فصله من التعليم حين وشى الفراش به وبمدير المدرسة وابن رئيس القرية، ولما رأى مدير المعارف الحال بعينه أصدر فصله (ذكرت الحادث في –الدرب الطويل/ وما نصيبي أنا-). لكنه أعيد بعد عام. القضايا الخلقية لا تهتم بها دوائر العهد المباد، إذا كانت من فرد ينتمي للطبقة الموالية.
وبعد تآلف أربع فئات فاز القوميون العرب، مثلهم "عبد الأمير الوكيل". والبعث مثله "شاكر أمين"، والعربي الاشتراكي مثلهم "فاضل زيني". أعضاء النقابة في القطر واحد وثلاثون ألف. صوت منهم واحد وعشرون ألف وتغيب عشرة آلاف، فنسبة الغائبين 33% بينما هم في انتخابات العام الماضي 7%. وبدا لنا مكتسب عاجل بفضل الأعضاء الجدد، فقد بُلغت المدارس اليوم -12/3/1961- عن حصص الدروس 32 حصة لمعلمي الابتدائية، و24 حصة للمدرس في المتوسطة والإعدادية، فكانت فاتحة عهد الجبهة ومن مكتسبات جهودها. بعد أن كنا نتمتع بحصص مريحة فقد تكون حصة الواحد 23 أو 24. بجهود النقابة صارت استراحتنا ساعتين أسبوعيا. وحضرنا المؤتمر في 19/2/1961، وألقى الزعيم كلمته. بدأ كلمته بالآية (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) وبدت حركة التفاتات وابتسامات من المؤتمرين. ترى من هم الذين كفروا يا حضرة الزعيم؟ تلاه وزير المعارف ثم النقيب السابق. وقد أستعرض ما لقي المعلمون من أجل التنظيم النقابي، وما حققته النقابة. وضحكنا من الزعيم حين مد يده إلى كأس الماء، وسأل المؤتمرين، من منكم صائم؟ فرفع الأكثرون أيديهم. لم يشرب لكنه بلّ فمه. وحضر مساء وألقى كلمة استمرت أكثر من ساعة، وطال مكوثه، وجرى بينه وبين المؤتمرين نقاش، طالب بعضهم بـ "الوحدة العربية". وحين ألقى السكرتير السابق تقريره، كانت وجوه بعض المؤتمرين تضحك هازئة. وعندما أعترض أحدهم عبر عن الهيأة السابقة بـ "المندثرة" إنه تعبير غير مهذب.


23/2/1960 مؤتمر نقابة المعلمين. من يمين الناظر المربي الراحل علي الشبيبي،
حسين زيني، عبد الأمير خراسان، محمد الحلو وبينه وبين الخراسان في الخلف
كاظم الحسين من الرفاعي، ومحمد حسون الخياط


مؤتمر نقابة المعلمين 23/2/1960 المربي الراحل علي الشبيبي أمام لوحة
لوحة وفد كربلاء وعلى يمينه مصطفى شعيب


إلى ديالى
صباح يوم الخميس 15/6/1961 حضر إلى باب داري ثلة من شرطة الأمن وبسيارة مسلحة أخذت إلى الموقف. هناك وجدت الزميلين جليل السهروردي وعلي عبد الحسين عجام، ونحن الثلاثة لم تكن لنا أبدا عضوية أو انتماء للحزب الشيوعي أو غيره. وقد اعتقل قبل أيام المدرس عبد الله الخطيب، وبعد يومين علمنا -نحن الثلاثة- انه أُمر بأبعادنا!
يوم السبت الذي وصلنا به إلى مركز شرطة السراي وجه إلينا كاتب الشرطة سؤال: أنتم من أي فئة؟ أجبنا معلمين. تململ ضاحكا وقال: من الجبهة التعليمية، أو المهنية؟ قلنا المهنية. فصاح: خلص يعني شيوعيين، قولوها من أول، حتى نعرف ويامن نخليكم.
ومكثنا حتى العصر، استقبلنا عدد كبير من الموقوفين، بعضهم لأنه شيوعي، حدثني عما لقي وكشف لي ما لقي من عذاب حتى إنهم كانوا يشدون آلته بخيط قوي أكثر من ساعتين، فإذا أصابه حصر البول زادت آلامه، وبالنتيجة صار "...." كخيط بال. وأصيب بالالتهاب المجاري البولية! أما أكثر الموقوفين فإنهم من المحسوبين على القائمة المهنية.
صحبنا شرطي واحد ومعاون الشرطة "صالح أحمد السامرائي". قبل أن تتحرك السيارة قال: أحب أن أتعرف على أسمائكم. فأجبناه، مشفوعة بنكات. وحين تجاوزت السيارة حدود بغداد، أوقف السيارة. أمر الشرطي الذي كان قد ركب معنا وقابضا على بندقيته بيده أن يتحول إلى مكان بصدر السيارة، وتحول هو إلى جانبنا. قال: أنتم ظرفاء. يا أخوان الشيوعية لا يمكن أن تنمو في بلادنا. فالتقاليد السائدة تحاربها، والاستعمار أيضا، ومفاهيمها عسيرة على مجتمعنا.
قلت: ولكن الغريب أنكم تعتبرون كل من لا ينضم إلى الفئات المناوئة للشيوعية -شيوعي- نحن الثلاثة الآن حين نقول لك لسنا شيوعيين، فإننا لا نقولها خوفا، أبداً. ونحن نقولها بصراحة إننا نؤمن بحرية الفكر. وعليك أن تستغرب -بدلا من استنكارك لوجود شيوعيين- كيف تكونت جبهة الاتحاد الوطني من أحزاب لا تؤمن بالشيوعية في هذه الجبهة مع "الحزب الشيوعي". وإن انفراط عقد الجبهة أفسح المجال أكثر لاستبداد عبد الكريم قاسم.
وتطرق إلى توقيف الشاعر "محمد مهدي ألجواهري" وهو يضحك من مجريات الأمور: إن توقيفه لأنه قال عنه الرجل في قصيدته يوم تصدوا له:
لك الحيــاة رفاهـا أيهـا الرجـــل وللأكف استساغت لحمك الشلل
قال الشاعر هذه يوم تصدى نفر من الأحزاب القومية، في مقدمتهم حزب البعث، لاغتيال "قاسم" فأصيب بيده، بينما قتل أحد المتآمرين "عبد الوهاب الغريري" وفرّ الباقون. وقد حدثت هذه المحاولة في 7/10/1959. وعقب، انكى من التوقيف أن يأمر بإطلاق سراحه بكفالة قدرها خمسون فلسا. وتنشر هذا الجرائد تنكيلا وهزءاً بالشاعر.
وصلنا مركز شرطة بعقوبة غروبا، لم نجد غير شرطيين. طلب المعاون أن يبلغوا المعاون الخفر والمفوض. حين حضر قال صاحبنا: قبل كل شيء ناد لي شرطيا يجلب العشاء "كباب ولبن" على حسابي. فأصر المفوض: كلا على حسابي أنا. وطلب أن يهيأ لنا فراش النوم، وفي ساحة المركز! وهو يثني علينا: إنهم أدباء فضلاء. أنا مطمئن إلى حد لو قلنا لهم كل يذهب إلى البلد الذي تقرر أن يقضي فيه مدة الإبعاد لذهب بدون صحبة شرطي!
قلت له: بصراحة، أنا لم أصادف في حياتي مثلك في سلك الشرطة. من هواة الشعر وحفاظه، وربما تنظم. قال: أنا كذلك. قلت: متابعتك للأوضاع السياسية، ورأيك فيها رائع أيضا. ولكني أقول: حرية الفكر لا يصح لأي إنسان أن يستنكرها. إنها شرط إنساني في تطور الأمة والوصول إلى الحياة الأفضل. وفي الصباح افترقنا كل إلى حيث سيقيم ويقضي المدة التي لا نعلم ما مداها. بينما عاد هو إلى بغداد في نفس الليلة. وكم تمنيت أن ألتقي به ثانية!
البلد الطيب
في الخالص، بعد الإجراءات الخاصة بالشرطة، توجه بي شرطي بأمر المعاون إلى فندق "جواد الحداد" يديره رجل حداد أيضا يدعى "حسن الحداد"، وأختار لي الرجل غرفة، وأبدل شراشف الفراش والمخدة. يدعى هذا الشرطي "صاحب" بمرور الأيام تأكدت من تصرفاته معي، وتنبيهي إلى أراذل من ناس البلد، إنه طيب للغاية معي.
أجرة الغرفة زهيدة جدا إنها لم تزد على 600 فلس، سقفها من الخشب وحصر القصب "بواري". كلما قفز قط من الشرفة إلى أرض السطح، نزل الغبار الناعم على وجهي منها، فغلفت السقف على حسابي بالورق.
اليوم الأول قضيت النهار كله في الغرفة. وعند الغداء كلفت "محمد بن حسن الحداد" أن يجلب لي تكة وطماطة مشوية مع الخبز. بعد الغروب نزلت إلى المقهى، تحت الفندق من جانب الشارع العام، حين دخلت سلمت على جلاس المقهى، ردّوا عليّ التحية بوجوه متهللة باسمين. وبدأوا على العادة الجارية عند أمثالهم -مساكم الله بالخير-. في اليوم الثاني طرق عليّ الباب مأمور البريد، وقد أعتدت أن أتركها شبه مغلقة. دخل وصافحني وكأنه مسبوق بمعرفتي. كان ظريفا لطيفا، قدم لي نفسه "حاج عبد الرحمن مجيد" من الأعظمية، أدعى هنا "حاج بريد"ومنذ عينت أنا هنا. ثم دعاني إلى الغداء عنده لليوم التالي.
يدعي بعض أهل الخالص من الشباب إنه جاسوس، لذا هم يبتعدون عن أي حديث سياسي أمامه. ويبالغ بعضهم أنه جاسوس للانكليز. تأكدت من عدم صحة هذه التهمة، ولكنه بسببها مرهوب الجانب ومحترم، وقد وجدته سمحا كريما لا يتأخر عن مساعدة من يرجوه المساعدة.
أنا لا أتخوف من الناس مهما كانت سمتهم، وقد جربت نفسي كثيرا. إني أستطيع أن أبدل ما في أذهان بعضهم عني، وأكسب محبتهم. بعد الغداء حدثني الرجل كثيرا عن البلد وسكانه، تماما كما فهمتهم من أحاديثهم ومظاهرهم، وتحياتهم لي، ونظراتهم التي كانت بريئة تماما.
صحيح أنه لا يوجد بلد يخلو من خبثاء وأنذال يفوقون العقارب. وبمقدار ما أهلها بسطاء وطيبون، فأن البلدة وهي قضاء، وفيها ذوو ثروة أيضا، إلا أنها عموما عادية في المباني، وقذرة جدا، خاصة ما نصطلح عليه بـ "الدرابين". ونبهني الحاج بريد إلى بعض العقارب، بل هم أفاعي. العلوَجي الأعور مقابل الفندق، كان ينظر إلي بعين حاقد. بجانبه علوَجي آخر، لكنه طيب للغاية، فلقد عرض علي الجلوس في علوته حين سلمت عليه وأجبته، ولم يتحرج أن يبدي عن جاره نفس الملاحظة. وعلل السبب، أن له ولدا برتبة ضابط من العسكريين، وابنه الذي يساعده شديد العداء لأمثالك. فأوضحت لهذا الرجل، إن أشد الناس غباء، من يعادي من لا يعرف. أنا يا حاج مالي أية علاقة بما يظنون بي. ولا ينبغي للمسلم أن يبني أفكاره عن الآخرين دون إطلاع، فبين الحق والباطل كما يقول الإمام علي أربع أصابع، أي أن عليه يرى ويسمع ويفهم ما سمع ثم يحكم ما لا ينافي الواقع الذي سمعه أو رآه.
وعن يسار الصاعد إلى الفندق بزاز يدعى "إبراهيم" من منتسبي الحزب الوطني الديمقراطي. استقبلني هاشا باشا، وطلب أن أجلس قليلا عنده. لم تمل نفسي إليه، لكني جاملته، لم أرتح له، لأنه حياني شافعا تحيته بنكتة تنم عن ذوق ألغلماني، كما سماني "النجفي" ذلك منه جهل وسوء ذوق.
بعد أيام دنا مني كثير من الشباب، هم طيبون لم يكشفوا عن أنفسهم، وكان حديثهم عن العلم والتعليم، وما يعانيه المعلم من متاعب. وحذرني أحدهم من شاب يدعى "عدنان عناد" كان ينظر إليّ شزرا. وعلق آخر وقال: سل عنه أبا شاكر -يقصد جار باب الفندق-! كان هذا السافل إذا لقيني وحدي يسمعني كلمات نابية ويتوعدني!؟
واقترب ذات يوم مني معلم في سني. وعلمت من حديثه إنه أيضا من الحزب الوطني الديمقراطي. كان رجلا طيبا، وقد عرض عليّ أن يساعدني، فيأخذ ملابسي التي هي بحاجة للغسل. وجاء إلى الفندق فعذلته، وفي اليوم الثاني استدعاه الحاكم علي المتولي. هذا المتولي شديد الحنق ضد كل من يقال عنه انه سياسي وليس بقومي! حتى أنه جيء إليه بمعلم لمحاسبته من أهل المدينة، يدعى عبد العظيم ومتهم بالشيوعية، أو أنه حقيقة كذلك، ولا غرابة فإن انكشاف ميول كثير من الشباب أسبابه انخداعهم بثورة تموز، التي أخذ زمامها عبد الكريم قاسم لينتقم من ذوي الأفكار الديمقراطية والتقدمية، بزعامته الزائفة.
مرة لاح لي شيء أسود معلق على واجهة مطعم كباب، ولما اقتربت منه وجدته معلاك -مصطلح شعبي، أي الكبد والرئتين والقلب من الذبائح- وقد غطاه جيش عرمرم من الذباب. تألمت كثيرا لأني كنت أعيش على الكباب والتكة، لاعتقادي أن هؤلاء لا يحسنون الطبخات الأخرى "الامراق". وحين رجعت أدراجي لحظت أن أحد باعة الخبز من صبيان وصبايا، يركض خلف بقرة قد خطفت من سلته رغيف خبز. وإثناء ركضه خلف البقرة، نهش حمار من رغيف آخر لقمة، إذ زبره زميل لصاحب تلك السلة. كثير من الأبقار والحمير تجوب الشوارع والأسواق، أما الكلاب فحدث ولا حرج.
فهم مضحك
كنت في الأيام الأولى لإقامتي أحصل على وجبات الغذاء بواسطة صاحب الفندق "حسن الحداد". كان إنسانا بسيطا وطيبا. وحين رأيت "المعلاق" والذباب، وباعة الخبز، أضربت عن شراء أي شيء من تلك المطاعم، وأبرقت إلى أبني أن يجلب أواني الطبخ وعدتها بأسمائها. وقصدت إحدى الخبازات، واشتريت منها بعض الأرغفة -من بيتها مباشرة-، وعشت خلال يومين على الخبز والجبن والشاي. ومنذ ذلك الحين صرت أهيئ طعامي في أحسن حال.
في اليوم الثاني استدعاني صديقي الحاج بريد، هناك قص عليّ، أن أمن بعقوبة أتصل بشرطة الخالص، طالبا التحقيق معي، ومعرفة المعنى المقصود في كلمة "راديوك الترانزيستور وترمسك"!؟ ولما كانت دائرة البريد على علم -مأمور البريد- وشرطة الخالص معا، فقد ردهم صاحبي بسخريته المعروفة.
الواقع إن تعبيري كان مغلوطا، وان لم يستعصِ هذا الغلط، على أي إنسان يدقق فيه. كان يجب أن أكتب الراديو الصغير، لكن أذهان الأمن حفظهم الله لأمن الشعب، حَسِبتها شفرة خطرة، وربما تأهبوا لإنزال الضربة القاضية بي. فسلمت والحمد الله.
لم أترك قضية أبعادي مستسلما للأهواء. فكنت أكثر من إرسال العرائض مباشرة، وبواسطة البريد المسجل، إلى الزعيم. لا بصيغة الاسترحام، بل بالتساؤل عما أوجب هذا الإجراء تارة، وبالتلميح إلى أنه شغب من جهة دأبها النفاق والشقاق، وابتكار التهم لمن يعرف حقيقة أصحابها، وليعيدونا تحت رحمة الرجعية التي أطاحت ثورة تموز بكيانها. وأكاتب كبير أسرتنا العلامة الجليل الشيخ محمد رضا الشبيبي عن هذا أيضا.
مفوض الشرطة أيضا فكر أن يبرز، على حساب هذا المبعد "أنا"، فيشكر المسؤولون له يقظته وحزمه. استدعاني، وبلهجة فجة حذرني أن لا أمشي مع أحد، وأن أخرج منفردا!؟. وسألني بغضب: أين تريد في خروجك إلى نهاية البلد؟
حقا، كنت أتنفس الصعداء، واشعر بالراحة من كابوس الغربة، حيث الفضاء الواسع من جهة الغرب، ومنظر الشمس وهي تغيب وتختفي وراء الأفق، ويرتسم شعاعها الأصفر الرائع على النخيل والأشجار، في جهة الشرق، ولكن متوحدا منفردا وأهل البلد على طيبتهم التي تتجلى لي في ابتساماتهم حين أمر عليهم مُسلما أو حين أشتري من بعضهم حاجة. يتجنبون الحديث معي ولكنهم يرحبون بي حين أدنو منهم لشراء حاجة.
قلت: أعتقد أن هذا من حقي وغير محرم عليّ.
أجاب: إن لم تكف أتخذ إجراء بحقك، إجراءاً صارما!
قلت: جرب!؟ فصاح: المعلم شر، لو أن الله يخلصنا من المعلم، نخلص من كل شر!؟
قلت: وهل وصلت إلى هذه الوظيفة عن غير طريق المعلم؟ وحين التقيت بالمعاون، شكوت إليه سوء معاملة ذلك المفوض.
كان المعاون "حسين علي العمر" موظفا مدركا لمسؤوليته، وقد أعفاني من التوقيع اليومي ثلاث مرات، واكتفى بمرة واحدة. وكنت تعرفت عليه خلال وقت أقضيه في مخزن بيع، بواسطة حاج بريد، وعلمت أن صاحبه "محمد غني" من جماعة حركة أنصار السلام، وقد صارحني، إنه مسبوق بمعرفتي حين كان يحضر بعض الاجتماعات.

الناشر
محمد علي الشبيبي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,152,947
- تصحيح معلومة حول تأريخ إعدام قادة الحزب!
- 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 5
- 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 4
- أطلقوا سراح الشباب الشجعان، واعتقلوا بدلهم المسؤولين الذين ب ...
- 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 3
- 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 2
- 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف /1
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 13
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 12
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 11
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 10
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 9
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 8
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 7
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 6
- 3- عودة ومصائب وعواصف / 5
- 3- عودة ومصائب وعواصف/ 4
- نداء إلى رواد التيار الديمقراطي أينما كان
- 3- عودة ومصائب وعواصف/ 3
- 3- عودة ومصائب وعواصف/ 2


المزيد.....




- مظاهرات لبنان.. سبب استباق باسيل خطاب الحريري وما قاله يثير ...
- صحف بريطانية تناقش -مزاعم استخدام تركيا الكيماوي بسوريا- وتش ...
- برنامج -ما خفي أعظم- يكشف خبايا قائمة -ورلد تشيك- للإرهاب
- محادثات تركية إيرانية حول -نبع السلام-
- الشفق القطبي في الامبراطورية الآشورية
- قبل الاتفاق على الهدنة.. هذه كانت نقطة الخلاف بين بنس وأردوغ ...
- للحصول على مساعدات أمريكية… إيفانكا ترامب: على الدول النامية ...
- مقتل وإصابة العشرات جراء انهيار سد قرب مدينة كراسنويارسك الر ...
- الديموقراطيون يسعون لمنع نادي غولف يملكه ترامب من استضافة قم ...
- ثورة السودان وتحديات المرحلة القادمة


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد علي الشبيبي - 4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 6