أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - أحمد الشيخ أحمد ربيعة - دراما النضال من اجل يوم مشرق















المزيد.....


دراما النضال من اجل يوم مشرق


أحمد الشيخ أحمد ربيعة

الحوار المتمدن-العدد: 3396 - 2011 / 6 / 14 - 23:38
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    


دراما النضال من اجل يوم مشرق*

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة
الى الشهيد صفاء العاقولي (1)

كل من يتعرف على الكاتب جاسم المطير يدرك انه إنسان يعرف لعبة الحياة ويجيد لعبة الكتابة، فالسنوات والأيام المتقادمة بكل اضطراباتها تمر بجنبه كأنه غير معني بخيباتها . ينظر اليها باعتداد جميل. لذلك يكتب جاسم المطير بتلك الروح الحية والوثابة، روح تختزن طاقة غير محدودة من التفاؤل والتحدي، يكتب بذاكرة حية ومصداقية يسعى لحد كبير ان يكون لصيقاً بها، فارضا على نفسه قداسة احترام التاريخ بمجرياته ومشاهداته السابقة، دون الانجرار إلى تسييسه أو إخضاعه لرغبات او انجازات شخصية، فهو يرى التاريخ ويرويه من الزاوية التي يقف فيها. . بهذه الروح تلتقي النظرة الأولى بعنوان الكتاب ( الهروب من نفق مضئ)، بذلك يفتح المطير نافذة على تاريخ مشرف لأبطال أرادوا ان يلونوا الحياة بألوان زاهية.
عموما بماذا يحلم السجين سوى حريته، لكن هل يسعى كل سجين لحريته؟ هل تكتسب قوى التحدي والإصرار شكلا موحدا للصمود والنضال من اجل حريته؟ هل تنتج كل طاقة ثورية عملا ثوريا يعتد به بعيدا عن جنون المغامرة الطائشة؟ هل تتشابه التقديرات لإمكانية الهروب؟، وإذا توفرت إمكانية الهروب، فما هي مجسات السجين او المعتقل كي يفرزها كإمكانية واقعية وليست مصيدية جديدة، فالفشل هنا تترتب عليه نتائج وخيمة تنعكس نتائجه ليس على السجين وحده وإنما على كل السجناء.
السجن هو اختبارات يومية إن لم تكن كل ساعة لإرادة السجين وتحديه لتلك القوى الغاشمة، فالسلطة تستعرض قوتها من خلال المشاهد اليومية من البناء الى السجان المسلح، بينما المناضل يغذي تحديه اليومي بصموده المتنوع، فهناك من يجد في السجن محطة يتآلف معها بالدراسة والمتابعة وتجديد طاقته وعناده الثوري والتكيف مع هذا الواقع المرير الذي لا يريد الانحناء أمامه، وهناك من يشتعل في رأسه بحمية الهروب والإفلات من قبضة النظام ، بعيدا عن مدى واقعية أو عدم واقعية هذه الفكرة. والسجين الذي تشتعل في رأسه فكرة الهروب يحتاج إلى طاقة أخرى من التفكير والتنفيذ.

الهروب وحفر الأنفاق من السجون العراقية، يمتلك تاريخا مجيدا في صفحات نضال الشيوعيين العراقيين، وهو تاريخ لم يؤرخ له الا قبل عدة سنوات وبشكل عفوي. للأسف تعرض هذا التراث الثوري للإهمال وضعف تسجيله،لا في وقته ولا في سنوات لاحقة.
يبدو أن فكرة الهروب من السجين هي فكرة وممارسة متأخرة ، نسبيا، قياسا لنشوء الحزب في 1934. فمنذ النصف الثاني لأربعينات القرن الماضي أخذت السجون العراقية تضم أعدادا كبيرة من سجناء الرأي وبالذات الشيوعيين العراقيين كما في سجن الكوت وسجن نقرة السلمان. الرفيق الخالد فهد ، الباني الحقيقي للحزب الشيوعي وركيزته الأساسية في تراثه الثوري، وجد في سجن الكوت محطة لإعداد الشيوعيين وبناء الكادر، وهو أرسى بذلك تقاليد سجنية نظمت حياة السجناء الشيوعيين وأعدتهم للأيام والصراعات القادمة، ورفض فكرة الهروب كما تشير المعلومات عن ذلك، رغم عدم توثيقها كما ذكر لي مرة المناضل أكرم حسين في سوريا 1979 في دمشق، وهو رفيق فهد في سجن الكوت، انه خلال وثبة كانون كانوا يسمعون صوت وخطابات عزيز الحاج من خلف جدران السجن وهو يقود المظاهرات.
أخبرني المناضل أكرم: قلت للرفيق فهد لماذا لا نهدم الجدار(كان جدارا متهرئاً) ونضيع في وسط المتظاهرين..؟ كانت إجابة فهد الرفض خشية حدوث مجزرة للسجناء في حالة هروبه. كذلك فأن اعترافات مالك سيف التي تتصف بتفاصيلها الدقيقة في كتاب أصدرته مديرية الجنائية المنشور في 1949، لم تشر الى اي تفكير او خطة بهذا الصدد. استمد الشيوعيون العراقيون في نضالهم المشرف لاحقا، تراث فهد في تنظيم الحياة السجنية وفي تحديه وصموده وإقدامه وجرأته.
في عام 1949 استقبل سجن نقرة السلمان في قلاعه القديمة اول وجبة من السجناء الشيوعيين وكان عددهم حوالي 200 سجين. (2).
كانت اول محاولة للهروب الجماعي هي في عام 1951 من سجن الكوت، تلتها محاولات هروب ثلاتة سجناء عام 1953 من نقرة سجن السلمان، ثم من سجن بعقوبة 1956 وغيرها. بقيت المحاولات مستمرة سواء كانت فردية او محدودة العدد ، الناجحة او التي جرى إجهاضها ، مستمرة سواء من السجون العراقية او من مراكز الإبعاد مثل بدرة وجصان في الكوت وغيرها من مناطق العراق. هذا في واقع الأمر ما فرضه الفراغ القيادي بعد استشهاد الرفيق فهد وتواصل الضربات المتتالية للقيادات الجديدة في حينها، أي أن مستوجبات النضال فرضت شروطها بما فيها أهمية وجود الكادر على رأس النضال السياسي او النضال الداخلي .. تبقى في الذاكرة تلك الملحمة البطولية الرائعة المجللة بالمجد لمحاولة هروب الضابط الشيوعي صلاح الدين احمد من نقرة السلمان بعد 1963 والتي دفع حياته ثمنا غاليا لها.

اما هروب السجناء السياسيين من سجن الحلة 1967، فهي كانت هي اول عملية (هروب جماعية ناجحة) حيث هرب 40 سجين من خلال حفر نفق طوله 14 متر، استغرق حفره 6 أشهر وكان يمكن ان يكون العدد اكبر لولا بعض الإشكالات التي احاطت بالحدث. في نفس هذه الفترة كان السجناء الشيوعيون في سجن نقرة السلمان منشغلين بحفر نفق اخر في سجن النقرة، حيث كرسوا فرق عمل واصلت العمل ليل نهار لانجاز نفق يقدر طوله ب 24 متر وكان السجناء قد انجز منه 17 متر، حيث كان من المقرر هروب قيادات حزبية هامة مثل كاظم فرهود؛ عبدالوهاب طاهر، سامي احمد، حامد ايوب العاني وغيرهم.(3)
الهروب من السجن ومن قبضة الجلاد هي كسر لأنف الجلاد كما يقال في أمثالنا وسحق كبريائه وعجرفتة الكاذبة وتمريغ وجهه في الوحل، هي انتصار لكرامة المناضل التي يحاول النظام سحقها ، واصرار وتحدٍ للخيبة التي يسعى السجان أن يسقطها على السجين، هي تجسيد لحق الناس في حرية الاعتقاد ومشروعية وعدالة قضيتهم وشرفها. بهذه الروحية يؤرخ الكتاب لهذه الملحمة البطولية، مواصلاً بذلك ما بدأه في كتاب سجن نقرة السلمان في تسجيل تلك السنوات لحياة وبطولة السجناء السياسيين الذين افنوا في السجون زهرات شبابهم، سجناء جلهم من الشباب ومن خيرة ما أنجب الشعب العراقي، لو جمعت سنوات محكومياتهم سواء الاسمية او ما قضوه في السجون لشكل عمرا خرافيأ. بذلك يشتغل المطير على الذاكرة العراقية المعطلة والمنقطعة عن تراثها الثوري الأصيل بفعل سياسية النظام الساقط او اللاحق، وهذا بحد ذاته خطوة في مشروع أساسي في ربط العراقيين على الأقل بتاريخهم الحديث المغيب.

يواصل المطير في كتابة أسلوبه التسجيلي للحدث وللبطولة الجماعية وبلغة سلسلة وبوتيرة واحدة متصاعدة دون تقطيع للحدث، رغم احتواء الكتاب على عدة فصول، غير مهتم كثيرا باللوحة الخلفية للأحداث مثل ( الحياة السجنية في سجن الحلة ونظامها، شخصيات الحدث وتركيبا ، إلا ما ندر، طبيعة وتفاصيل الخلافات السياسية التي قادت لاحقا إلى الانشقاق وغيرها ). طبعا يستثنى هذا الموقف السياسي العام والمرتبط باتخاذ قرار الهروب، وبذلك ابتعد عن كل التفاصيل التي يمكن أن تشتت القارئ في الابتعاد عن تطور الحدث وعن هذه البطولة الجماعية. انا اشك بان ذاكرة الكاتب جاسم المطير وكما يعرفه العديد من أصدقائه، ربما تكون تراخت في هذا الأمر ولكني اعتقد وربما أكون جازما ان المطير ما أراد أن تسقط تصوراته وانطباعته الشخصية في تلك الايام او حاليا على أشخاص وأحداث في تلك الفترة إلا ما ندر. أراد ان يعرض فعالية وقوة وحدة الراي وحدة الارادة ووحدة العمل. التي كنت اشعر بانها وصيته بعد عمر طويل يخطها في هذا الكتاب، هذا الهدف رغم محدودية كلماته ولكن يظهر أننا نحن العراقيين لم نتعلم فن الوصول إليه وما زلنا بما فيهم من سياسيين ومناضلين بحاجة الى مشوار قد يبدوا طويلا كي نتعلم هذا الامر.
هذه الفكرة وغيرها من تأكيد الثقة بالحياة والإرادة الجماعية والإصرار والتحدي الثوري وعدم الاستسلام لواقع الامر، والانتقال الى مواقع الهجوم وتعزيز روح المبادرة والاقدام وبطولة وثقة الشيوعيين بمستقبلهم النابع من عدالة وشرف قضيتهم التي يناضلون من اجلها وشعورهم العالي بالمسؤولية والمصير المشترك حيث يؤكدها الكتاب في مواقع عديدة من صفحاته.

قضية الهروب هي ليست قضية تتعلق بمصير او رغبة شخص او اشخاص معينين؛ هي قضية بالاساس سياسية وبذلك تنازعها عوامل عدة. أبرزها الوصول الى قرار حول الهروب الذي بدونه لا يمكن عمل اي شئ، فللسجناء نظام ادارة داخلية وقيادة حزبية، ومما يعقد اتخاذ قرار كهذا هو التصورات المختلفة والمتعارضة معا الوضع السياسي العام إضافة للوضع العربي.

الاغلبية من وعائلاتهم تتجه تصوراتهم نحو انفراج الوضع السياسي العام وامكانية صدور العفو العام عن السجناء السياسيين، واقلية منهم لها تصور اخر. كذلك فان الكاتب يكشف عن سر او حقيقة غير متداولة بشكل واسع ترتبط بموقف الفقيد حسين سلطان الذي كان المسؤول الحزبي الاول في السجن باعتباره عضو في اللجنة المركزية. حسين سلطان كان منقولا من سجن نقرة السلمان الى الحلة و يبدو انه كان محجم بقرار ان لا تتم اي محاولة للهروب الا بعد اتمام الهروب من سجن السلمان الذي كان يجري الاعداد له، لكن المؤكد في هذه القضية وهذا ما ذكره الرفيق حامد ايوب العاني في حديثي معه في 22-05-2011 انهم في نقرة السلمان كانوا على علم بالاستعدادات للهروب من سجن الحلة، وعند تحويل حامد ايوب للعلاج في مدينة الديوانية، كلف من قبل كاظم فرهود الذي كان يشغل موقعا حزبيا اعلى، اضافة لكون التنظيم الحزبي في سجن الحلة كان مرتبطا بنتظيم سجن السلمان، بكتابة رسالة الى حسين سلطان يطلب فيها تاجيل اي محاوالة للهروب من سجن الحلة الى ما بعد اتمام الهروب من سجن نقرة السلمان لما له من اهمية ونوعية الكادر الذي كان من المفروض تهريبه في العملية، اضافة لتاثيرها المعنوي على السلطة الحاكمة وخوفا من تفتح عيون السلطة وتشديد سلطاتها ورقابتها على السجناء في حالة انكشاف او نجاح عملية الهروب من سجن الحلة. وقد استطاع الرفيق الكتور حامد ايوب العاني ارسال هذه الرسالة وبنجاح الى سجن الحلة.

هذه المعلومة التي يشير اليها الكاتب والتي لم تكن معروفة له سابقا وقد حصل عليها في سنوات متاخرة من الدكتور حامد ايوب العاني في 1999، اضافة لذلك، ما حدثني الرفيق حامد ايوب العاني بتفاصيل محاولة عملية هروب السلمان وتاكيده هذه المعلومة، متمنيا ان تحتوي مذكرات الدكتور حامد ايوب التفاصيل الادق حول هذا الامر. هذه المعلومة يتعامل الكاتب معها بامانة كما في تعامله مع تفاصيل عديدة ومتنوعة للحدث، ربما تكشف عن عمق المرارة التي كان المسؤول الاول في السجن يمر بها.

ان عملية الهروب كانت فعالية موحدة وبشكل ناجح لطاقات وشخصيات متنوعة وحتى متناقضة الى حد غير قليل، استطاعت الادارة السليمة والصادقة لهذا الاختلاف والصراع ان تنتج عملا مثمرا ومبدعا. من هذا الجانب تتلاليء اضواء شخصية اخرى في القيادة السجنية هي شخصية نصيف الحجاج ( اخو الشهيد البطل فصيل الحجاج الذي تم تصفيتة في مسلخ قصر النهاية بعد انقلاب شباط الاسود 1963) والتي كان يمثل القيادية الفعلية للتنظيم السجني في سجن الحلة. هذه الشخصية القيادية بكل بمواصفاتها ا ( التنظيمية، السياسية، الاخلاقية ) كانت تمثل بيضة القبان في ظل هذه الاجواء المتعارضة. شخصية قادرة ان تكون قاسما مشتركا لكي تخرج كل هذه التعارضات بوجهات نظر وقرارات محددة وموحدة. هذه الشخصية الشفافة في طريقة تفكيرها ونزاهتها في التعامل مع الاراء بموضوعية واستقلالية وبروح ثورية صادقة، شخصية قادرة على اشاعة اجواء العمل المشترك والثقة المتبادلة، التي يتجسد دورها ليس في المساهمة الفعالة في عملية الهروب فقط وانما تبرز هيبتها واقدامها وادراكها لدورها ومسؤوليتها ايضا في رفضه الهروب بعد ان اصبح كل شئ جاهزا، والاصرارعلى البقاء في السجن لما يتوقع من هجوم من قبل السلطة على السجناء والتي تتطلب ضرورة تواجده على راس المنظمة السجنية لمواجهة شراسة السلطة المهزومة. انه بطل من زمان اخر يعي وبصدق اهمية دوره ومسؤوليته.

لم تحل صعوبة وتواصل الاسئلة اليومية من عزم هؤلاء الثوريين من تحقيق حلمهم في الهروب، هذه الاسئلة الممتدة من اتخاذ القرار وتحديد الحفر من خارج السجن ام داخله، تحديد موقع الحفر من المطبخ ام من الصيدلية، وقوع حرب مفاجئة واحتمال نقل السجناء، تحديد طول النفق وفي اي مكان ستكون فتحة الخروج، التصرف بالكميات الكبيرة من التراب المحفور، عيون رقباء السجن من الداخل، صيانة هذه من انظار نحو 550 سجين سياسي، اجراءات السجن المتشددة وحملات التفتيش المفاجئة، عملية الانشقاق واثارها السلبية ،التي كان يمكن ان تكون مدمرة على عملية الهروب، تفاصيل ما بعد الخروج من النفق وغيرها من الاسئلة المركبة وفي ظروف قاهرة، يستعرضها الكتاب ولكن مقابل هذه الاسئلة وغيرها المصاعب والمفاجئات التي يشير اليها الكاتب، كان هناك ذلك العقل الثوري المفتوح على كل الاسئلة والنقاشات اضافة للاصرار الشيوعي الصادق على بلوغ هذا الهدف النبيل وهنا يعرض الكاتب شخصيات متالقة في مجموعة التخطيط والانسجام بين مظفر النواب وحافظ رسن وجاسم مطير ونصيف الحجاج اضافة لمجموعة التنفيذ فاضل عباس وحسين ياسين و عقيل الجنابي وحميد غني (جدو)، اضافة لدور ممثلي السجناء وبطولاتهم ودورهم (شاطئ عودة ولاحقا النقيب جبار خضير- اخو الشهيد ستار خضير) وغيرها من الشخصيات الاخرى التي هي تقع في اللوحة الخلفية للحدث، لكن كل منهم هو خالق بشكل او اخر لهذا الحدث ولهذه البطولة، مثل اخت حافظ رسن، سميرة محمود ( اخت الشهيد شاكر محمود وزوجة الكاتب، وام جاسم المطير، عبدالامير الصادق الذي من بين ترجماته خرجت الفكرة لتطوع تجربة الهروب البرازيلية في اجواء عراقية، رضا المنتظر – الراسمالي العراقي الذي يربط حياته ومصيره بالحزب الشيوعي) وغيرها من الشخصيات.

يبدو ان اي مغامرة لا يحالفها النجاح الا اذا كانت تمتلك حظاً او بعض الحظوظ الطبية، وهذا ما لايخفيه الكاتب ومما كان يسهل امر هذه الحظوظ هو غباء السلطة وترهل اجهزتها السجنية، فالسلطة المتجبرة مثلا( تمنع دخول كتاب سارتر لانه من اصدقاء الشيوعيين الفرنسيين بينما يمنع دخول كتاب ديكارت لمجهولية انتمائه السياسي) وغيرها من المفارقات العديدة، اضافة لذلك طيبة وبساطة ونبل شرائح واسعة من ابناء شعبنا العراقي وتعاطفها مع مناضليه ورفضهم السلطة الجائرة . هذا الامر الذي ينعكس في احداث عديدة بما فيها بعض السجانين. شعب ضم مناضليه بين اجنحته وافتخر بهم قبل ان تعبث بهم فاشية البعث وحروبه وشعاراته القومية الزائفة. في الكتاب تجد العديد من الاسماء التي ينحني الكاتب امامها اجلالا وعرفانا لبطولتها وشهامتها.

لم يتحدث الكاتب عن تفاصيل الحفر فكما يذكر انه لم يكن مشاركا في هذا الجانب والذي هو بحاجة لاتمامه من قبل مجموعة الحفر والتنفيذ او بالاحرى ما تبقى منها( الملازم فاضل عباس، عقيل حبش الجنابي، حسين ياسين، كمال كمالة ملكي، حميد غني جعفر الملقب جدو) لمعرفة تفاصيلها اليومية وبكل مشاقها ومفارقاتها التي اشار الكاتب للبعض منها( مثل اكتشاف قطة في النفق ووصل نهاية الحفر الى المساحة الفاصلة بين سوري السجن الداخلي والخارجي) والتي تبدو فيها اليوم كانها لعبة سينمائية ولكن في وقتها كانت كارثة تتطلب سرعة التفكير وضبط الانفعالات والعمل المشترك لحل هذه المصاعب غير المتوقعة.
ان كتاب ( الهروب من نفق مضئ ) 208 صفحة من الحجم الكبير الذي قامت بطباعته دار الرواد المزدهرة، يؤرخ ليس فقط لتلك البطولة المشرفة وانما يعكس دراما حقيقية لاحداث ظل قسم كبير مجهولا لحد الان، وربما دراما ذلك الحدث لا ينعكس في تفاصيله وانما كذلك في المصائر اللاحقة لمن شارك في صناعة هذا الحدث التي اشارت مقدمة الدكتور كاظم حبيب للكتاب الى جزء منها.

ان من يقرأ هذا الكتاب ، من السياسيين والشيوعيين ، وفي روحه واعماقه تلك الروح الثورية الخلابة وفي ذاكرته لوحة ابطال من سبقوهم في النضال ومنها ملحمة الهروب من سجن الحلة دون وجود لتلك التفاصيل التي لم يتشبع بها بسب ظروف سياسية معينة، فجيلي كان من واصل رفع راية النضال والشيوعية بعد ان تسلمها من جيل مناضلي الخمسنيات وبداية الستينيات، ولذلك وجدت نفسي متعاطفا مع ذلك الاصرار ومع تلك البطولة ومع ذلك التحدي ومع ذلك النجاح ومع تلك الخيبة واخيرا لا يسعني الا ان انحني اجلالا لكل اولئك اللذين عرفناهم او الذين لم نعرفهم، اولئك اللذين تركوا لنا تاريخ نفتخر ونعتز به.
......………………………………………………………………………………

• المداخلة القيت في الامسية التي اقامتها منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا في 10-6-2011. بمناسبة توقيع الكاتب جاسم المطير لكاتبه ( الهروب من نفق مضئ) الصادر من دار الرواد الزدهرة.

1- الشهيد صفاء العاقولي. شيوعي عراقي من البصرة كان طالبا في الصف المنتهي كلية الادارة والاقتصاد في جامعة البصرة. كان صفاء رساما ً موهوباً بشكل فطري لو قدر له الحياة لابداع في هذا المجال.
كنا نحن اعضاء اتحاد الطلبة في الجمهورية العراقية في البصرة وبالذات في الاعدادية المركزية او اعدادية العشار نسعد بالفوز اثناء المسابقات باحد الكارتات التي كان يتميز برسمها اما صفاء او عبدالحسين الموسوي- المقيم حاليا في السويد-. كان صفاء وسيم الطلعة، خمري اللون، اخضر العنين، ذو ابتسامة جميلة وذو طبع حنين وربطتني به علاقة جميلة بسب انتقاله لاحقا الى منطقتنا وهو اخو الصحفي اسعد العاقولي احد الهارب من سجن الحلة. كان صفاء في تلك السنوات الشبابية ومازال بذكراه يلون احلامنا واغانينا وحماسنا الثوري المتقد من اجل يوم مشرق لهذا الشعب ولهذا الوطن المنكوب. بقيت أتساءل مع نفسي عن مصيره منذ الهجمة على الشيوعيين في البصرة في 1978، وطوال هذه السنوات ظل السؤال معلقا في ذهني إلى ان وجدت اسمه واسم اخيه بين قوائم الشيوعيين التي نشرت بعد سقوط النظام الذين اعدموا في الثمانينات من القرن الماضي. مر العمر وبقيت صورة صفاء وصور عشرات الشهداء من الرفاق والاصدقاء اللذين عرفتهم في تلك السنوات، محتفظة بشبابها وعيونها الباسمة واغانيها المجللة وحماسها المتقد، عاصية ان ياخذ الزمن او العمر شيئا منها، لصفاء واخيه وامهما المنكوبة التي لم يحل عزيمتها بشاعة البعث الساقط والتي واصلت تغذية احفادها بحب الوطن والشعب والشيوعية، وهذا ما عكسته في رسالة في طريق الشعب احدى حفيداتها، لامهات الشيوعيين وكل المناضلين من اجل كرامة وسعادة هذا الوطن اللذين اهداهم الكاتب هذا الكتاب.

2- انصفوا سجن نقرة السلمان، ورجاله البواسل – عبدالقادر أحمد العيداني- موقع الناس- 16-05-2011.
3- احاديث ومعلومات عن طريق ر. الدكتور حامد ايوب العاني.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,751,858
- شمعة من اجل ضحايا الانفال
- الذكرى العاشرة لتاسيس اتحاد الجمعيات الديمقراطية العراقية في ...
- خراب الدعوة ام خراب البصرة
- ظهور القوى الاجتماعية الجديدة طبيعتها وسماتها التاريخية وقدر ...
- ظهور القوى الاجتماعية الجديدة طبيعتها وسماتها التاريخية وقدر ...
- ظهور القوى الاجتماعية الجديدة طبيعتها وسماتها التاريخية وقدر ...
- هل فتح المالكي باب جهنم؟
- الشيوعي والعراقية، من ؟ خسر من؟
- الذكرى الثلاثون لاستشهاد الطالب الشيوعي جمال وناس
- هل ستستوعب الحركة القومية الكردية العراقية الدرس؟
- جند السماء ومحنة حقوق الأنسان
- الى اي حد سيدعم الشيوعين حكومة المالكي؟
- القراءة الخاطئة لبيان الحزب الشيوعي العراقي حول تضامنه مع ال ...


المزيد.....




- روسيا تقترح نقل مقر عمل اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم ا ...
- روسيا تقدم رسميا مشروع قرار لنقل اللجنة الأولى للأمم المتحدة ...
- الهجوم السوري الروسي على مجمّع للنازحين جريمة حرب واضحة
- بعد اعتقال نجل إمبراطور المخدرات إل تشابو… معارك بالأسلحة في ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يرحب بوقف هجوم تركيا في الشمال ال ...
- الخارجية السودانية ترحب بفوز السودان بعضوية مجلس حقوق الإنسا ...
- عمان ترفض حكما إسرائيليا بالاعتقال الإداري للأردنية هبة اللب ...
- ثلاث دول عربية وفنزويلا تحصل على العضوية في مجلس حقوق الإنسا ...
- حجة.. تواصل المعارك لليوم السابع وسقوط عشرات القتلى والأسرى ...
- الزيف الإعلامي والطرق الشيطانية لتشويه الحقائق وقلبها


المزيد.....

- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش
- ذكرياتِي في سُجُون العراق السِّياسِيّة / حـسـقـيل قُوجـمَـان
- نقش على جدران الزنازن / إدريس ولد القابلة
- تازمامارت آكل البشر 2011 / إدريس ولد القابلة
- يوميات سجين مبتورة لولا الحلم لانتهيت / إدريس ولد القابلة
- ذكرياتي في سجون العراق السياسية- الجزء الاول / حسقيل قوجمان
- سياسة السجون بالمغرب بولمهارز مراكش نمودجا -ابوغريب المغرب - ... / غسان المغربي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - أحمد الشيخ أحمد ربيعة - دراما النضال من اجل يوم مشرق