أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عادل الامين - هكذا تكلم د.عمر القراي :الدين ورجال الدين عبر السنين






















المزيد.....

هكذا تكلم د.عمر القراي :الدين ورجال الدين عبر السنين



عادل الامين
الحوار المتمدن-العدد: 3381 - 2011 / 5 / 30 - 12:07
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الاولى)
د. عمر القراى - 18 مايو 2003
(1)

ليس في المعاني الانسانية ما هو أرفع من الدين ، فلقد نشأت المجتمعات على الأعراف الدينية ، فحفظتها ، بما ارست فيها من قواعد الأخلاق والسلوك .. فالدين أول ماعرف الانسان ، وسيكون آخر ما يعرف .. فقد تصور الانسان البدائي قوى الطبيعة المختلفة ، آلهة جبارة تتحكم في حياته ، ولا تأبه بمصيره ، فتزلف اليها ، وقرب لها القرابين .. وكان يرى اقرباءه الذين ماتوا في احلامه ، وهم يتحركون وكأنهم في حياتهم العادية ، ومن هنا نشأت فكرة الحياة الأخرى ، ومختلف التصورات عنها.. وزاد الخوف من بطش الآلهه ، اذ تعدى الأذى في الدنيا الى العذاب في الحياة الدائمة !! ولكن ذلك الخوف هو الذي حفز الانسان في مراقي التطور ، فخوفه من عناصر الطبيعة ، ومن الحيوانات المفترسة ، ومن اعدائه ممن هم مثله ، مدد خياله ، ووسع حيلته في التخفي ، والمناجزة ، وشحذ ذكاءه ، فاكتشف قوانين الطبيعة واستغلاها في تصنيع سلاحه وتطويره من السلاح الحجري حتى القنبلة الهايدروجينية !! أما الخوف من عقاب الآلهه في الحياة الأخرى ، فقد اعانه على كبت رغائبه وشهواته، والخضوع لعرف الجماعة ، حتى في غياب الرقيب ، وضمان الأمن من بطشها ، ومن هنا نشأ الضمير الانساني في سحيق الآماد ..

فلم يرسل الله الرسل ليخبروا الناس بان لهم الهاً ، لأن ذلك سبقتهم اليه رسل العقول . فقد ادرك العقل البدائي الساذج بالتجربة المعاشة ، ان ليس هناك شئ صنع نفسه بنفسه .. فقام في خلده ان هذه الأرض الواسعة ، والجبال الهائلة ، والبحار والانهار والاشجار السامقة والسماء والشمس والقمر والنجوم ، لا يمكن الا ان تكون قد صنعت بيد صانع قدير ، أقوى وأحكم من الانسان !! وهكذا نشأ الدين في الأرض ، ثم ألمت به أسباب السماء ، على مكث ، وتلبث ، فهذبته ، وسيرته وفق أرادة هادية من ظلام الوثنيات الى نور التوحيد .. فعرفت أديان التوحيد الله للناس ، ووصفته لهم على قدر طاقتهم ، ومهدت طريق الرجعى له بمناهج العبادة وحسن الخلق ، والطقوس المختلفة ، مما نشرته الأديان على مر الأزمان ..

(2)

في تلك المراحل البدائية من مسيرة الدين ، كان هناك مشرفون على القرابين وحراس للنار ، وامكنة العبادة ، فأخذ هؤلاء يفسرون للعوام رغبة الآلهه ، ويستلمون الهدايا باسمها ، ويحافظون على مكانتهم بتلاوة التعاويز والرقي ، التي لا يفهمها عامة الناس !! فاذا ارتفع الدين في النفوس ، قام سدنة النار ، وحراس المعابد ، والكهنة بواجبهم تجاه الآلهه ، وتجاه المواطنين ، ومثلوا صوت العقل ، بينهم وبين الأقوياء ، الذين كانوا يغتصبون حقوق الجماعة ، ويبنون على آلامها امجادهم الشخصية .. وحين ينحط الدين في النفوس يخاف رجال الدين من الزعماء الأقوياء ، ويطمعون في عطاياهم ، فيهرعون لمساعدتهم في بسط نفوذهم على الفقراء ، والمساكين ، ويستعملون الحجج الدينية التي تدعو العامة للتسليم للزعماء ، والخضوع لهم ، والا غضبت عليهم الآلهه ، واستحقوا بطش الزعماء !! وهكذا يختل ميزان العدل ، ويسود الظلم والفساد ، ويجمع الطغاة الى السلطة الزمنية ، الني اغتصبوها بالقوة ، سلطة دينية تلحقهم برضا الآلهه يحققها لهم الكهان ورجال الدين .. وبسبب جهل العامة بالدين، لاحتكار رجال الدين لاسراره ، وبسبب ضعف علماء الدين ، وطمعهم ، جاء الحكام الأقوياء الذين ادعوا الآلوهية نفسها !! ومن هؤلاء الفراعنة الذين حكموا مصر ، وغيرهم ممن عاصرهم ، وسبقهم ، أو لحقهم من الملوك ..

(3)

وحين تأذن الله تعالى أن يسوق الوثنيات الى غايتها ، بعد ان استنفدت غرضها ، جاءت أديان التوحيد مواجهة لعقائد الشرك ، وللملوك الذين نصبوا أنفسهم آلهه على البشر .. فكانت ثورة أبراهيم الخليل ، عليه السلام ، على آلهة قومه ، وحواره المشهود مع ملكهم النمرود الذي ادعى الالوهية .. ثم جاء موسى عليه السلام ينازع فرعون الوهيته المزعومة ، ويخرج بني اسرائيل من بطشه وقهره ، ويهلكه وسدنته من رجال الديانة المصرية القديمة .. ولما كانت سطوة الملوك لا تزال قوية في النفوس ، والاتباع بعيدين عن الوعي الذي يؤهلهم لحكم انفسهم ، فقد ارسل الله الانبياء الملوك فجاء داؤد وسليمان عليهما السلام .. ولعل هذا ما جعل اليهود ينتظرون نبياً ملكاً ، فلما جاء عيسى عليه السلام فقيراً زاهداً ، رفضوه واغروا به حكامهم من الرومان .. ولقد كان فقهاء اليهود الذين يُسمّون الكتبة أو الفريسيون يحاولون بشتى الطرق ان يعزلوا المسيح عليه السلام عن الناس ، ويوقعوا بينه وبين الحاكم ، حين عجزوا من مناظرته ، وحواره .. ولقد كانوا كمن سبقهم من الكهنة يتمسكون بقشور الشريعة ، ويفرطون في جوهر الدين !! ولقد وصفهم المسيح عليه السلام وأحسن وصفهم حين قال :

لكن الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيّون المراءوون ! فانكم تغلقون ملكوت السموات في وجوه الناس ، فلا انتم تدخلون ولا تدعون الداخلين يدخلون ! الويل لكم ايها الكتبة والفريسيّون المراءوون فانكم تلتهمون بيوت الارامل ، وتتذرعون باطالة صلواتكم لذلك ستنزل بكم دينونة أقسى ! الويل لكم أيها الكتبة والفريسيّون المراءوون ! فانكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا متهوداً واحداً فاذا تهود جعلتموه أهلاً لجهنم ضعف ما انتم عليه .. الويل لكم أيها القادة العميان ! الويل لكم ايها الكتبة والفريسيّون المراءوون فانكم تؤدون حتى عشور النعنع والشبث والكمون وقد أهملتم أهم ما في الشريعة : العدل والرحمة والأمانة ... ايها القادة العميان ! انكم تصّفون الماء من البعوضة ولكنكم تبلعون الجمل ! الويل لكم أيها الكتبة والفريسيّون المراءوون فانكم كالقبور المطلية بالكلس تبدو جميلة من الخارج ولكنها من الداخل ممتلئة بعظام الموتى وكل نجاسة ! كذلك انتم أيضاً تبدون للناس ابراراً ولكنكم من الداخل ممتلؤن بالرياء والنفاق ![1]



ولقذ تآمر الفريسيّون على عيسى عليه السلام ، وسلموه لقتلته ، وذلك أقصى ما بلغ رجال الدين من السوء ومن تزلف الحكام .. على ان المسيحية نفسها وقعت في شرك رجال الدين وتبريرهم لصلف الحكام !! فبعد بضع سنوات من عهد المسيح عليه السلام كتب القديس بولس "ومن يقاوم السلطان فانما يعاند ترتيب الله "!![2] وبعد فترة ظهر رجال الدين المسيحي الذين يستغلون أقدس المقدسات لمصلحتهم الشخصية .. وكانوا يبيعون صكوك الغفران للمذنبين ، ويرفلون في الحرير الى جانب الحكام ، ثم يثبطون من همم الثوار من الفقراء والمحرومين ، ويعدونهم بالجنة اذا هم خضعوا للملوك وأدوا عطاياهم للكنيسة !! وحتى يحكموا قبضتهم على رقاب الناس ، عقّّد رجال الدين المسيحية ، وصبغوها بالكهنوت والاسرار ، وجعلوها طلاسم تصعب على العامة ، واخضعوا المكانة عند الله الى الدراسة والتخصص في علوم الكهنوت ، واصبحوا يشرعون لأتباعهم ما يناقض جوهر الدين المسيحي ويجوزونه باسمه !!

(4)

لقد كانت ثورة مارتن لوثر ( 1483-1546) تستهدف تخليص الدين المسيحي من عقابيل الكهنوت والغنوصية ، التي أزرت بهيبته في نفوس الأذكياء ، وكان اعتراضه على الكنيسة يتجه الى تعميم المعرفة التي كانت تحتكرها، وتوجيه النظر الى غاية الدين بدلاً عن مظاهره التي أغرقه فيها رجاله .. ومع ان المذهب البروتستانتي سار خطوات في طريق الاصلاح الا انه أيضاً أوجد رجال دينه بعد فترة ، مما ساق الى الاعتراض من جديد ، باساليب جديدة ..

على ان الاعتراض هذه المرة ، جاء متأثراً بزخم الثورة الفرنسية وعنفوانها ، فلم يقف عند رجال الدين وانما تعداهم الى الدين نفسه !! ومن ابرز الفلسفات التي ثارت على المؤسسة الدينية ورفضت الدين من ثم ، فلسفة كارل ماركس (1818 – 1883 ) فقد رأى الدين كوسيلة في يد رجال يستغلون به البسطاء ، ويخدمون به مصالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة .. ورأى اتباع الدين عاجزين عن الادراك السليم لمأساتهم ، وكأنهم قد خُدّروا بواسطة الوعود والخطب الدينية ، فوصف الدين بانه "افيون الشعوب" !! وكل الافكار التي تلت الماركسية تأثرت بها بصورة من الصور ، وسعت بمختلف الوسائل والعلوم لتثبت صحة الزعم بان الدين ما هو الا تصور الانسان البدائي للطبيعة ، وهو تصور لا بد من تجاوزه كشرط من شروط تطور الواقع الجديد .. وهكذا تبنت مرحلة الحداثة التصور العلماني ، ونجحت أوربا في فصل الدين عن الدولة ، وعزلته عن دوره التشريعي والأخلاقي ، واقامت مفاهيمها على أديم الفكر المادي بشقيه الشيوعي والرأسمالي..

(5)

وحين جاء الاسلام ، وضع نفسه من أول وهلة ضد ظاهرة رجال الدين .. وسحب البساط من تحت أرجلهم ، حين جعل منهاج المعرفة الاساسي التقوى بدلاً عن الدرس والاطلاع ، فكان رسوله أمّي وامته أمّية !! قال تعالى "هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين" .. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يعلم الناس ما لا تصح العبادة الا به عن طريق الهيئة ، فلم يتحدث عن فرائض الوضوء أو مستحباته ، وانما كان يتوضأ امام الأعرابي فيعلمه الوضوء ، وهكذا علمه جبريل عليه السلام .. ولقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم للأمة ان العلم الحقيقي لا يتأتى بكثرة الاطلاع ، واحتراف الحفظ والاستذكار ، وانما هو ثمرة التقوى ، وبلغهم قوله تعالى "واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم" وقال في شرح ذلك "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" !! .. ولهذا انشغل الأصحاب رضوان الله عليه بالعمل ، وكان أحدهم لا يحفظ الآيات التي تنزل حديثاً ، ما لم يكن قد طبق الآيات السابقة ، خشية النفاق !! وهم في ذلك ينظرون لقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون"!!

وفي اتجاه المحاربة العملية لظاهرة رجال الدين ، لم يتميز النبي صلي الله عليه وسلم على اتباعه بلبس معين ، أو مكانة معينة ، حتى ان الأعرابي اذا قدم الى مجلسه سأل : أيكم محمد؟! ولقد تنبأ النبي صلي الله عليه وسلم للمسلمين بالانحدار، والمفارقة ، واتباع نفس انحرافات الامم السابقة فقال "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه !! قالوا : أاليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟!" !! ولقذ رأينا كيف ان الأمم السابقة ، ابتدعت ظاهرة رجال الدين ، الذين يتميزون بزي خاص ، ومكانة خاصة ، وكيف ان المتأخرين من علماء المسلمين وفقهائهم كانوا يلبسون ثياباً خاصة ، مميزة ، تشبه الى حد كبير لبس حاخامات اليهود وقساوسة النصارى!!

ولعل اول اشارة في النعي على رجال الدين ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها فقد رأت بعض الرجال يغطون رؤوسهم ، ويمشون ببطء ، ويتظاهرون بالمسكنة ، ويخفضون أصواتهم ، فقالت: من هؤلاء ؟! قالوا : هؤلاء القراء !! قالت : أخبروهم لا يفسدوا علينا ديننا !! فقد كان عمر أقرأ الناس ، وكان اذا تكلم أسمع ، واذا مشى أسرع ، واذا ضرب أوجع!!

(6)

على ان الفقهاء والوعاظ ورجال الدين لم يظهروا في شكل مؤسسة بالغة الأثر في حياة المسلمين الا بعد الفتنة الكبرى ، حين انتصر معاوية بن ابي سفيان على عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه فتحولت الخلافة الى ملك عضوض !! ولما كان الملك وتوارث الحكم ، بدعة جديدة ، تفتقر الى السند الديني ، والتأييد الشعبي ، فقد اعتمد ملوك بني أميّة على الفقهاء ووعاظ السلاطين ليوطدوا سلطانهم ويبرروا ظلمهم ، وفسادهم !! ولم يحدث ذلك الانحراف في يوم وليلة ، وانما كان أوائل الفقهاء أقرب الى روح الدين ، فأعترض قلة منهم على بعض ملوك بني أميّة فنكلوا بهم ، وارهبوا بهم غيرهم ، حتى خضع سائر الفقهاء ، وعلماء الشريعة الى الحكام ، واصبح ذلك الخضوع المنكر ، ديدنهم منذ ذلك الوقت ..

وبينما احتضنت دولة بني أميّة الفقهاء وعلماء الشريعة ، قتلت آل البيت ، وشردتهم ، ففروا بدينهم الى الفلوات ، وقضوا أوقاتهم في اللجأ الى الله ، والذكر والفكر ، بعيد عن بطش السلطة ، ومن هؤلاء نشأ التصوف الاسلامي ، كفكر واسلوب مغاير تماماً للفقهاء ومذاهبهم !! فحين شغل الفقهاء وقتهم بمداهنة الحكام ، وترقب عطاياهم ، والخوف من بطشهم ، والاجتهاد في تفصيل الفتاوى حسب مصالحهم وأهوائهم ، انشغل السادة الصوفية بتجويد العبادة والتوسل اليها بالزهد في الدنيا ، ثم حسن معاملة الناس ، بكف الأذى عنهم ، وتحمل أذاهم وتوصيل الخير لهم !!

ومن حسن التوفيق الالهي ان السودان ، لم يفتح بالسيف كغيره من البلاد ، وانما توغل الدين في ربوعه عن طريق التصوف .. فلو كان الاسلام قد قدم الينا تحت ظلال السيوف ، لكان للفقهاء الذين يسيرون في ركاب الملوك ، الاثر البالغ على حياة الناس ، واخلاقهم ، وانشغالهم بمظهر الدين بدلاً من مخبره !! ومع ذلك فان السلطة التي وجدها الفقهاء في السودان ، انما كانت بسبب من اثر النفوذ المصري علينا ، فقد درس كثير من السودانيين في الأزهر ، وعادوا لينشئوا المعاهد الدينية التي يروجون من خلالها لآراء الفقهاء القدامى ، دون فهم لجوهر الدين ، أو اعتبار لتطور الحياة !!

(7)

كتب د. عبد الله علي ابراهيم ، الباحث والمؤرخ المعروف عدة مقالات نشرت في شهر ابريل الماضي بجريدة الرأي العام ، ولقد أوضح غرضه من كتابة هذه المقالات بقوله:

أريد في المقالات التي انشرها متتابعة ان ارد الشريعة الى مطلبها الحق ان تكون مصدراً للقوانين في بلد للمسلمين . ولست أرى في مطلبها هذا بأساً أو ظلماً لغير المسلمين . فهي عندي مما يسع التشريع الوطني العام ويهش له متى خلا دعاتها من نازعة "الوطنية الاسلامية " وبذلوا سماحتها للوطن لا يفرقون بين أهله متوسلين الى ذلك بحرفة القانون عارضين اجتهادهم من خلال مؤسسات التشريع بالدولة . ولست ادعي علماُ فيما يجد غير انني اتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب وذوق المشرعين بها من قضاة المحاكم الشرعية على عهد الاستعمار وما تلاه في ترتيب قوانين ألتزمت خير الأسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها . وهي ما اسميه التقليد الشرعي السوداني 1898 -1983 .[3]

ومع ان مقالات الكاتب قد جاءت طويلة ومفصلة ، الا انه لم يخبرنا كيف ان الشريعة ، لوكانت هي مصدر القوانين ، لن يكون في ذلك ظلم لغير المسلمين ، أو ظلم للمرأة ، بل لم يعط القارئ أي نصوص مما تقوم عليه الشريعة ليدلل بها على ما يمكن ان تحققه من مساواة وعدالة .. كما انه لم يقف عند محاولات تطبيق الشريعة في السودان أو ايران أو باكستان ليحدثنا عن السبب في فشل تلك التجارب ، وضمان عدم فشل التجربة الجديدة لو أردنا تطبيق الشريعة مرة أخرى !!

لقد اتجهت مقالات د. عبد الله علي ابراهيم لتؤكد ان محافظتنا على ديننا وثقافتنا تقتضي ان نجعل الشريعة مصدر كافة قوانينا بما في ذلك قوانين الأحوال الشخصية ، وينتج عن ذلك رد اعتبار الفقهاء وعلماء الشريعة الذين قلل الاستعمار من مكانتهم بسبب انهم كانوا رمز للوطنية لدفاعهم عن قوانين الشريعة في وجه القانون الانجليزي الوضعي !!

ان محاولتي في هذه المقالات تتجه لأن توضح ان تمسكنا بالدين يقتضي الفهم الذي يميز بين الدين والشريعة ، فيدعو الى تطوير الشريعة حتى ترتفع الى جوهر الدين ، والى قامة العصر من تحقيق الحرية والديمقراطية ، وان غياب هذا الفهم هو الذي أدى الى فشل تطبيق الشريعة !! كما ان الفقه قد قصّر قصوراً مزرياً ، أخرجه عن جادة الشريعة دع عنك جوهر الدين .. ومن هنا جاء ظلم الفقهاء وعلماء الشريعة للمرأة ولغير المسلمين بصورة لا يمكن تعميتها ، بمثل محاولات د. عبدالله !! ولم يكن القضاة الشرعيون والفقهاء وطنيين وانما كانوا يخدمون غرض الاستعمار ، ويتسقطون رضاه !! ثم انهم ساروا من بعد الاستقلال في ركاب الطائفية ، واستغلوا بواسطة الجماعات الاسلامية ، لرفع شعار الدولة الدينية ، الذي تحول الى تصعيد للحرب الأهلية باسم الجهاد !! وهم بذلك كانوا يشوهون الدين بمساندتهم للسلطة ، وبرفضهم وتآمرهم على الصورة المتقدمة التي طرح بها في السودان منذ مطلع الخمسينات فيما عرف بالفكر الجمهوري ، ومن هنا كان لا بد من كشفهم ، ومواجهتهم حتى لا ينفر الاذكياء عن الدين ، بسبب سوء ممارسة رجال الدين ، ويرد شعبنا المعين الصافي بعد ان تطهر من اوضار الجهلات !!

ان مقالات د. عبد الله علي ابراهيم ، قد جاءت في وقت مناسب يتحاور فيه السودانيون بالداخل والخارج ، حول مستقبل بلادهم ، ويسعون الى تحقيق السلام ، وتوسيع قاعدة المشاركة ، وهي بذلك تعطينا فرصة لنوضح ربما للكثيرين من ابنائنا وبناتنا جانب من تاريخنا ، وقع عليه كثير من التزييف لمصلحة قوى التخلف ، مما جعل قضية الدين والدولة أهم القضايا التي يجب ان نثيرها ، دون ان نمل الحديث فيهاً !!
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الثانية)
د. عمر القراى - 23 مايو 2003
(

ان الافتراض الاساسي في مقالات د. عبد الله علي ابراهيم لجعل الشريعة مصدر القوانين في السودان ، وتحسره على عدم الأخذ بها منذ ان جلا الاستعمار عن هذه البلاد، هو ان الشريعة ليس بها "بأساً أو ظلماً لغير المسلمين" كما انها "انتصفت للمرأة ما وسعها"[1] !! ولعل ما ساق لهذا الخطأ هو الخلط بين الدين وبين الشريعة ، وهو خلط قد جاز طويلاً على علماء المسلمين وعامتهم .. فالدين هو التوحيد ، وهو في بدايته الاقرار لله بالوحدانية ، وفي قمته التسليم التام له سبحانه وتعالى . وحين قال تعالى "ان الدين عند الله الاسلام " عنى التسليم للارادة الالهيه ، ولم يعن الاسلام بمعنى الشريعة التي اتى بها محمد صلى الله عليه وسلم !! وذلك لأن الاسلام سابق لهذه الشريعة وعن ذلك يقول تعالى "انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" ، فأنبياء بني اسرائيل قد كانوا مسلمين ، وابراهيم الخليل عليه السلام قد كان مسلماً ، قال تعالى "ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين * اذ قال له ربه أسلم قال اسلمت لرب العالمين" !! والدين بهذا المعني واحد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي لا اله الا الله" .. ومع ان الدين واحد الا ان الشرائع قد اختلفت باختلاف الامم ، بسبب تطور الحياة ، ومن ثم تغيير المجتمعات .. ذلك ان الشريعة انما هي القوانين والاحكام ، التي تنزلت من الدين ، لتدرج المجتمات نحو غايات الدين العليا ، وهي لملامستها لواقع المجتمع تتأثر به ، وتراعي امكانات وطاقات افراده .. ولتوضيح هذا الأمر يضرب الاستاذ محمود محمد طه المثل باختلاف شريعة الزواج بين آدم عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، فبينما كان زواج الأخ من أخته شريعة دينية في عهد آدم ، اصبح حراماً في شريعة محمد ، بل شمل التحريم ما هو أبعد من الأخت كالخالة و العمة وغيرها، يقول الاستاذ محمود :

فاذا كان هذ الاختلاف الشاسع بين الشريعتين سببه اختلاف مستويات الأمم ، وهو من غير أدنى ريب كذلك ، فان من الخطأ الشنيع ان يظن انسان ان الشريعة الاسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها ، للتطبيق في القرن العشرين . ذلك بان اختلاف مجتمع القرن السابع ، عن مستوى القرن العشرين ، أمر لا يقبل المقارنة ، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلاً ، وانما هو يتحدث عن نفسه . فيصبح الأمر عندنا أمام أحدى خصلتين: أما ان يكون الاسلام كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف ، قادراً على استيعاب طاقات القرن العشرين ، فيتولى توجيهه في مضمار التشريع ، وفي مضمار الأخلاق ، واما ان تكون قدرته قد نفدت ، وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع الفرن السابع ، والمجتمعات التي تلته مما هي مثله . فيكون على بشرية القرن العشرين ان تخرج عنه ، وتلتمس حل مشاكلها في فلسفات اخريات ، وهذا ما لا يقول به مسلم .. ومع ذلك فان المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة .. وهم يظنون ان مشاكل القرن العشرين يمكن ان يستوعبها وينهض بحلها ، نفس التشريع الذي استوعب ، ونهض بحل مشاكل القرن السابع ، وذلك جهل مفضوح ..[2]

ولما كان القرآن قد حوي كل شئ ، فان التطور الذي حدث لا يحتاج الى رسالة جديدة ، وان احتاج الى تشريع جديد !! ولقد حوى القرآن المكي الذي كان منسوخاً ، بسبب قصور المجتمع عن شأوه ، التشريع المناسب للبشرية في عصرنا الحاضر ، وانما بعث هذا التشريع لتفصل منه القوانين هو ما اسماه الاستاذ محمود محمد طه تطوير التشريع ، وزعم انه السبيل الوحيد لعودة الاسلام في حياة المسلمين .. هذه الفكرة التي فصلها الاستاذ محمود في حوالي الاربعين كتاباً، وكتب حولها تلاميذه ما يربو على المائة وخمسين كتاباً، وقاوم بسببها تطبيق قوانين سبتمبر التي زعمت كافة الجماعات الاسلامية بانها الشريعة، حتى بذل حياته ثمناً لذلك ، لم تحظ من د. عبد الله علي ابراهيم بأي اشارة على الرغم من ان بحثه المطول قد كان حول الخلاف المحتدم حول القوانين الشرعية في السودان ، ولم ينس ان يذكر فيه حتى معارضة أو موافقة الاتحاد النسائي!!

(9)

أول ما تجدر الاشارة اليه في أمر الشريعة ، هو انها لا تساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات لانها تقوم على العقيدة التي تفضل المسلم على غيره !! قال تعالى في ذلك "ان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين" .. ولقد اتجه التطبيق العملي لهذا المفهوم الى قتال المشركين حتى يسلموا ، وقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى - حتى يسلموا أو يعطوا الجزية !! قال تعالى "فاذا انسلخ الاشهر الحرم فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم" .. ولقد حددت هذه الآية ، وهي من آخر ما نزل في شأن التعامل مع المشركين ، زمان قتالهم بانقضاء الاشهر الحرم ، وحددت مكان قتالهم بانه حيث وجدوا ، وحددت سبب قتالهم بانه كفرهم وعدم اقامتهم شعائر الاسلام ، وحددت وقف القتال معهم ، بدخولهم في الاسلام واقامتهم الشعائر !! واعتماداً على هذه الآية جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم "أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فان فعلوا عصموا مني دماءهم واموالهم وأمرهم الى الله"..

أما أهل الكتاب فقد قال تعالى عنهم "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" !!

ونزولاً عند هذا التوجيه ارسل النبي صلى الله عليه وسلم رسائله المشهودة لملوك الفرس والروم "أسلموا تسلموا يكن لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فان ابيتم فأدوا الجزية والا فاستعدوا للقتال" !! هذه هي خيارات الشريعة لليهود والنصارى : اما الاسلام ، أو الجزية، أو القتال ..أما بالنسبة للمشركين فهما خياران لا ثالث لهما : الاسلام أو القتال !!

والجزية ليست ضريبة دفاع ، يدفعها أهل الذمّة ، من يهود ونصارى ، للمسلمين الذين غزوا بلادهم وبسطوا سلطانهم عليها، لأنهم يقومون بحمايتهم فحسب ، لكنها الى جانب ذلك اقرار بالخضوع ، واظهار للطاعة ، واشعار بالمهانة والذل ، هدفه ان يسوق الذمي الى الاسلام .. جاء في تفسير قوله تعالى "عن يد وهم صاغرون" "أي عن قهر وغلبة .. وصاغرون أي ذليلون حقيرون مهانون ولذلك لا يجوز اعزاز أهل الذمّة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام واذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه الى أضيقه"[3]

ومعلوم ان غير المسلم لا يصح له ان يكون رئيساً للدولة المسلمة ، ولا ان يتولى قيادة الجيش لأن الجيش جيش جهاد !! وليس له الحق في تولي القضاء الذي يقوم على قوانين الشريعة الاسلامية !! ومن الناحية الاجتماعية لا يجوز له ان يتزوج المرأة المسلمة ، ولما كان دفعه للجزية الغرض منه اشعاره بالصغار ، فانه لنفس الغرض لا يتولى المناصب الرفيعة ولا يؤتمن على اسرار المسلمين .. فقد روي ان ابو موسى الاشعري اتخذ كاتباً نصرانياً ، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الا اتخذت حنيفياً ؟ قال: يا امير المؤمنين لي كتابته وله دينه !! قال عمر: لا اعزهم اذ اذلهم الله ولا ادنيهم اذ ابعدهم الله !! ثم قرأ قوله تعالى "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين"!![4]

فهل يمكن لمثقف أمين ان يقول بان غير المسلم لا يتضرر بتطبيق قوانين الشريعة الاسلامية ؟!

(10)

ومما يترتب على الجهاد اتخاذ الاسرى رقيقاً ، ومع ان الاسلام وجد الرق سائداً في الجاهلية ، الا انه لم يلغه ، كما ألغى الزنا ، والربا ، والميسر ، وغيرها ، وذلك لانه فرض الجهاد ، فاضطر الى مجاراة عرف الحرب والاسر .. ولقد اقرت الشريعة الرق كنظام اجتماعي ، وتعايش المسلمون االأوائل مع عبيدهم يبيعونهم ، ويشترونهم ، ويعتقونهم احياناً اذا لزمت احدهم الكفارة .. ورغم ان الشريعة دعت الى حسن معاملة العبيد ، من الناحية الاخلاقية ، الا ان الوضع القانوني للعبد ، يجعله أقل في القيمة الانسانية من الحر ، فمع انه انسان الا انه اعتبر مثل المتاع الذي يملكه سيده .. وقد اسرف الفقهاء في بيان ذلك بمستوى ينفر منه الذوق السليم .. فالسيد اذا قتل العبد لا يقتل ، واذا اصابه دون القتل يقدر المصاب بالقيمة الماليه للعبد !! فقد ورد ان العبد "ان كسرت يده أو رجله ثم صح كسره فليس على من اصابه شئ فان اصاب كسره ذلك نقص أو عثل (جبر على غير استواء) كان على من اصابه قدر ما نقص من ثمنه"!![5]

وحين يتخذ الاسرى من الرجال عبيداً ، يتخذ الاسيرات من النساء إماء ، ويعتبرن مما ملكت يمين اسيادهن .. وقد اجازت الشريعة للمسلمين ان يعاشروا ما ملكت ايمانهم بغير زواج ، فاصبح للمسلم الحق في معاشرة عدد غير محدود من النساء .. قال تعالى "والذين هم لفروجهم حافظون * الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين" .. ويجوز للمسلم ان يبيع جاريته لغيره ، وان يشتري غيرها من الجواري ، يعاشرهن ثم يبيعهن مرة أخرى !! وهكذا نشأ سوق للجواري بجانب سوق العبيد ، واصبح نظام الإماء مثل نظام العبيد ، نظاماً اجتماعياُ راسخاً مرتبطاً أيضاً بالجهاد !!

وقد يقول قائل ان نظام الرق والإماء قد كان سائداً في الماضي لكنه لا يعنينا الآن !! وفي الحق ان الدعوة لجعل الشريعة مصدراً للقوانين انما تسوق كنتيجة طبيعية الى اقامة الدولة الاسلامية .. ومتى ما قامت الدولة الاسلامية ، ولو بمجرد الادعاء ، فان حربها مع خصومها أو مع الاقليات غير المسلمة تعتبر جهاداً ، مما يعيد كل هذه الصور من جديد !!

(11)

عندما تعالت صيحات منظمات حقوق الانسان عن اعادة الرق في السودان في منتصف التسعينات ، قامت بعثة من المنظمة السودانية لحقوق الانسان بالسفر لجنوب السودان وكتبت الآتي في تقريرها الذي كان له اثراً بالغاً :

خلال الفترة ما بين 17 و22 مايو عام 1999 قامت المنظمة السودانية لحقوق الانسان فرع القاهرة ، ممثلة في نائب رئيسها والامين العام بزيارة الى إقليم بحر الغزال في جنوب السودان ، بغرض الوقوف على أوضاع حقوق الانسان في المنطقة وللتحري في اتهامات بممارسة الرق. وقد اجرت المنظمة خلال الزيارة – التي شارك فيها ممثلون لمنظمة التضامن المسيحي ومجموعة تمثل التلفزيون والصحافة الكندية - تحقيقات ميدانية ومقابلات مباشرة مع كافة الاطراف ذات الصلة بقضية الرق من مواطنين تمت اعادتهم من الاسترقاق ، وتجار شاركوا في عمليات استعادة الرقيق ، وسلاطين وزعماء ، ومسؤولين عن الادارة الأهلية ، واهالي وذوي العائدين من الاسترقاق الى جانب مواطنين عرب يعيشون في المنطقة وتجار قادمين من الشمال. وابدت المنظمة اهتماماً خاصاً بافادات الاطفال وعملت على توثيق لقاءاتها المباشرة بالمعنيين عبر عدة وسائل للتوثيق وخلصت الى ما يلي :

• ظاهرة الرق ليست مستحدثة بل قديمة وهي قد ارتبطت بداية بالصراعات القبلية في المنطقة غير انها اتسعت بشكل يدعو للقلق في ظل النظام الحالي الذي تقوم سلطاته بالتشجيع على ممارسة الرق وتنظيمها والاشراف عليها . وتقوم السلطات بتجنيد أعداد من ابناء المسيرية والرزيقات ضمن قوات الدفاع الشعبي وتوفر للمجند منهم حصاناً وبندقية كلاشنكوف ومبلغ 50 الف جنيه للقيام بغارات على القرى التي تشتبه السلطات في انها تدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان ، ويحتفظ المغيرون من هؤلاء المجندين بما يحصلون عليه من رقيق وأبقار وممتلكات باعتبارها مغانم الحرب الجهادية .

• يشارك في الغارات على القرى والبلدات المراحيل – وهو الاسم الذي يطلقه الأهالي المحليون على مجموعات المجندين – وافراد الدفاع الشعبي أو القوات المسلحة. وسواء تمت الغارات بمشاركة الاطراف الثلاثة أو عن طريق مجموعة واحدة منها يتم نقل حصيلة الغارات من رقيق وابقاروخلافه الى مناطق تقع تحت سمع وبصر السلطات السودانية.

• يتم تجميع الرقيق والغنائم الاخرى في حظائر معدة لهذا الغرض تقوم بحراستها قوات نظامية ( قوات مسلحة و قوات دفاع شعبي ) وتقع هذه الحظائر على مسافة تتراوح بين 5 الى 7 ساعات سيراً على الأقدام من المناطق التي استهدفتها الغارات .

• في مرحلة لاحقة ينقل الرقيق الى مدن المجلد والميرم عبر رحلات تستغرق من 6 الى 9 أيام ويتم أثناء هذه الرحلات إعدام أعداد كبيرة من الرجال بضربهم ، وهم مقيدي الايدي والأرجل ، بهراوات على الرأس ، كما يتم الاحتفاظ باعداد من الشباب كمجندين ، وتتعرض النساء الى عمليات أغتصاب متكرر بواسطة الحراس والعاملين على نقلهم ، ويتم أثناء الرحلة ربط كل 9 أو 10 من الرقيق بواسطة حبل طويل الى بعضهم البعض .

• يتم بيع الرقيق الى اسياد جدد حيث تستخدم النساء في أعمال الزراعة والرعي وجلب الماء وطحن الذرة ( بلا مقابل ) بالاضافة لتقديم خدمات جنسية نزولاُ على رغبات اسيادهن ، ولا تتبدل معاملة الرقيق بعد انجابهن من سادتهن كما لا يعامل اطفالهن بذات المعاملة التي يحظى بها الاطفال الطبيعيون للسادة ويطلق على الرقيق اسماء جديدة تكون في الغالب اسماء عربية.[6]

ولعل من أهم ما جاء في هذا التقرير، الافادات العديدة المسجلة ، لأشخاص عانوا من تجربة الاسترقاق المريرة . ورغم قسوة هذه الافادات ومرارتها حتى لمن يقرأها الا انني ارى ان نورد واحدة منها كنموذج بالغ الدلالة على ما وصل اليه الحال تحت الحكومة التي تدعي تطبيق الشريعة . جاء في الافادة :

من "كوروك" غرب "أويل" تم اختطافها قبل 14 شهراً ومعها حوالي 300 شخص من الدينكا تم اختطافهم بواسطة اعداد كبيرة من المهاجمين الذين كانوا خليطاً من الجنود النظاميين وقوات الدفاع الشعبي والمدنيين : ثم اخذنا الى "ابو مطارق" وفي الطريق تم إغتصابي بواسطة عدة اشخاص ، وقد تعرضت للضرب الشديد –زوجي "بول يول داو" قتل قبل عامين من اختطافي – تم اخذي من "ابو مطارق" بواسطة شخص اسمه علي وكان يعاملني بقسوة شديدة ، يضربني ويقذف بالأكل على الأرض ويطلب مني أكله وكان علي مرتبط بالزراعة في مكان بعيد من المنزل ، وكان يناديني "بنت الجانقي" وكان يطلب مني الصلاة وحين اذكر له اني لا اعرف كان يضربني ب "القنا" .... اصرّ سيدها على ان يقوم بطهارتها حتى يتزوجها ، وقد تم ذلك بعد ان تم تثبيتها على "العنقريب" بحضور زوجة سيدها وعدد آخر من النساء ، وقد تمت الطهارة دون بنج ، وكان الجرح ينزف لمدة أربعة أيام دون توقف ، وبالرغم من الألم والإرهاق بسبب النزيف ، فقد اجبرت على العمل في اليوم التالي مباشرة ، وقد ضاجعها سيدها بعد ثلاثة أشهر من "الطهارة".[7]

( 12)

ولقد يلاحظ ان السيدة الجنوبية ، التي وقع عليها هذا الاعتداء الاثيم ، اعتبرته اغتصاباً ، بينما اعتبره الرجل الذي يعتقد انه سيدها ، عملاً مقبولاً ، لانه يظنها مما ملكت يمينه !! وانه لذلك ، له الحق الشرعي في بيعها وشرائها وختانها ومضاجعتها !! فهل كان مثل هذا الفهم وهذه الممارسة يمكن ان تتم لو ان شعارات القوانين الاسلامية لم ترفع وطبول الجهاد لم تدق من كافة وسائل الاعلام ؟! أفان قال هذا الرجل ان عمله هذا يتفق مع الشريعة الاسلامية التي اجازت قتال الوثنيين وسبي نسائهم واتخاذهم جواري ومعاشرتهم بغير زواج ، وانه فعل ذلك تطبيقاً للقوانين الاسلامية ، واقتداء بالاصحاب رضوان الله عليهم ، فهل سيقبل د. عبد الله علي ابراهيم عمله هذا أم سيرفضه باعتبار انه "يصطدم مع العدالة واملاءات الوجدان السليم" ؟! فان كان سيرفضه فقد اجاب على سؤاله حيث قال "لماذا لم يستفد القضاة الانجليز وخلفهم من السودانيين من الشريعة الاسلامية في انشاء قوانين السودان في حين كان متاحاً لهم ذلك بفضل الصيغة الموجهه لعملهم القضائي والتشريعي القائله ان بمقدورهم الاستعانه بأي قانون طالما لم يصادم العدالة والسوية واملاءات الوجدان السليم"[8] !! ذلك ان الشريعة في وقتنا الحاضر تصادم العدالة والسوية والوجدان السليم !! ان دعوة د. عبد الله علي ابراهيم ، لتطبيق الشريعة ، منذ الاستقلال ، لو حدثت بالفعل ، لكنا قد دخلنا في تجارب الجهاد ، والرق ، وما ملكت ايمانكم ، من قبل خمسين سنه!!

ألم يكن "الافندية" الذين على اصرّوا ان يتبع القانون السوداني ، بعد الاستقلال القانون الانجليزي الوضعي ، ابعد نظراً ، واعرف بواقع التنوع الثقافي ، من دعاة تطبيق الشريعة ، ابتداء من الترابي ، ومروراً بالنميري وانتهاء بعبد الله علي ابراهيم ؟!

ان حكومة الجبهة الاسلامية القومية ، الحاضرة ، انما تمارس تضليلاً واسعاً ، حين تزعم في مفاوضاتها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ، بانها تقبل ان تعفى مناطق تواجد غير المسلمين من قوانين الشريعة .. ذلك لأن الشريعة لا تعترف بالقوانين الأخرى بل تعتبرها مجرد أهواء البشر ، وتنهى لذلك الحاكم المسلم ان يحكم بها .. قال تعالى "وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق ..." !! فالشريعة لا تقوم فقط على ما ينبغي ان يطبقه المسلم على نفسه ، بل تقوم ايضاً على ما يجب ان يطبقه على غيره ، ولهذا شرعت الجهاد والجزية عقوبة لغير المسلمين ، ولم يمنعها من ذلك كونهم غير مسلمين!! فاذا تنازلت حكومة الجبهة عن تدخل الشريعة في حياة غير المسلمين ، فانما هو تكتيك سياسي مؤقت لا تسنده الشريعة ، ولا تلتزمه الجبهة الا ريثما تملك القدرة مرة اخرى على استئناف ما تعتبره جهاداً !!

ومقالات د. عبد الله علي ابراهيم ، انما جاءت في هذا الوقت بالذات ، لتدعم من موقف الجبهة في المفاوضات الجارية ، فالجبهة تحتاج ان تؤكد بان القوانين الاسلامية يؤيدها "مثقفون" من خارج تنظيمها وان هؤلاء يعتقدون ان قوانين الشريعة تضاهي القوانين الانسانية الرفيعة التي تحتوي على حقوق الانسان ، فلا يتضرر منها غير المسلمين ولا تتضرر منها المرأة !! ولقد اوجزنا موقف الشريعة من غير المسلمين ، وسنحاول باذن الله ان نتطرق الى موقفها من المرأة في الحلقة القادمة ، حتى نفرغ لرجال الدين ..

(نواصل)

عمر القراي



----------------------------------------------

[1] - راجع مفالات د. عبد الله

[2] - محمود محمد طه – الرسالة الثانية ص 8

[3] - تفسير ابن كثير –الجزء الثاني ص 132

[4] - المصدر السابق .

[5] - راجع موطأ الامام مالك باب الرقيق .

[6]- للمزيد من التفاصيل راجع دورية حقوق الانسان السوداني –الرق في السودان - المنظمة السودانية لحقوق الانسان _ فبراير 2000

[7] - المصدر السابق .

[8] - مقالات د. عبد الله بالراي العام

حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الثالثة)
د. عمر القراى - 6 يونيو 2003
(13)

يقول د. عبد الله علي ابراهيم " ولست أدعي علماً فيما يجد غير انني اتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب وذوق المشرعين بها من قضاة المحاكم الشرعية على عهد الاستعمار وما تلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الاسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها. " [1]

أحب ان ابدأ بان الشريعة الاسلامية ، قد كانت حكيمة كل الحكمة ، في كافة أحكامها ، وهي قد قفزت بالمرأة قفزة كبيرة عما كان عليه وضعها في الجاهلية .. فقد كانت المرأة في عرف المجتمع الجاهلي توأد ، وتباع ، وتسبى ، وكان الرجل يعاشر العشرة والعشرين ، دون أي قيد ، ولم يكن للمرأة أي قيمة الا من حيث انتسابها للرجل !! ولقد منعت الشريعة كل ذلك ، وأعطت المرأة من الحقوق بقدر ما كانت تسمح به طاقة المجتمع في القرن السابع الميلادي .. ولكن أحكام الشريعة انما تقصر عن أمكانات المرأة الحديثة ، مما يجعل الدعوة الى تطبيق قوانينها اليوم ، دعوة الى التخلف ، بالغة الظلم للمرأة ، وبالغة التشويه للدين !!

ولعل ابقاء الاسلام في مستوى الشريعة على بعض صور عدم المساواة ، وعدم الكرامة للمرأة ، هو الذي ضلل فقهاء المسلمين الأوائل ، وعلماءهم الحاضرين ، وبعض المثقفين حين ظنوا ان ذلك هو مراد الدين بالاصالة ، وحكمه النهائي ، وغفلوا عن حقيقة ان الاسلام انما كان يدرج المجتمع ، ويراعي ضعفه ، وان أحكامه التي طبقت على مجتمع العهد الأول ، وخرج بفضلها من ظلام الجاهلية الأولى ، لا يمكن ان تكون كلمته النهائية للمجتمع البشري الحاضر بعد ان قطع زهاء الألف وخمسمائة عام من التطور . والآن !! بفضل الله ثم بفضل تطور المجتمع ، وتطور المرأة ، وتمردها على واقعها ، ومشاركتها بكفاءة في شتى ميادين الحياة ، ظهر مبلغ الخلف الشاسع بين الفكر الاسلامي السلفي التقليدي وما يتبناه من قوانين الشريعة وبين واقع العصر !!

(14)

لقد اعتمدت جملة آراء الفقهاء ، في كافة القوانين التي أعطت المرأة حقوقاً منقوصة ، على آية القوامة ، وهي قوله تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ، ان الله كان علياً كبيراً " .. جاء في تفسير الآية :

الرجال قوامون على النساء" أي الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها اذا اعوجت .." بما فضل الله بعضهم على بعض" ، أي لأن الرجال افضل من النساء ، والرجل خير من المرأة ، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال ، وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (رواه البخاري) وكذا منصب القضاء .." وبما انفقوا من اموالهم "، أي المهور والنفقات والكلف التي اوجبها الله عليهم في كتابه وسنة نبيه .. فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والافضال فناسب ان يكون قيماً عليها .. قال الحسن البصري : جاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو ان زوجها لطمها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : القصاص . فانزل الله عز وجل "الرجال قوامون على النساء" الآية ، فرجعت المرأة بغير قصاص .. " واللاتي تخافون نشوزهن" أي و النساء اللاتي تتخوفون ان ينشزن عن أزواجهن ، والنشوز هو الارتفاع ، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركه لأمره المعرضة عن المنفعة له ، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه ، فان الله أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته ، لما له عليها من الفضل والافضال .. قوله " واهجروهن في المضاجع " قال علي بن طلحة عن ابن عباس الهجر هو ان الا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويولها ظهره ، وزاد آخرون منهم السدّي والضحاك وعكرمة : ولا يكلمها ولا يحادثها .. " واضربوهن" اذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم ان تضربوهن ضرباً غير مبرح . [2]

وذهب بعض المفسرين ومنهم الطبري ، الى ان المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها لها ، ولا تهتم باعراضه عنها ، ولذلك رأوا ان كلمة " واهجروهن" لم تشتق من الهجران وهو الأعراض ، وانما من الهجار وهو القيد الذي يشد به البعير حتى لا يهرب !! " واهجروهن" اذاً تعني قيدوهن في المضجع حتي يظهرن الخضوع والطاعة!! [3]

ولقد فهم الفقهاء الأوائل ان طاعة المرأة لزوجها من جنس طاعة الخدم والعبيد ، فقد سئل ابن تيمية الذي كان يلقب بشيخ الاسلام : هل يجب على المرآة ان تخدم زوجها أم لا ؟ فقال : "وقيل وهو الصواب وجوب الخدمة ، فان الزوج سيدها في كتاب الله ، وهي عانية عنده بسنة رسول الله ، وعلى العاني والعبد الخدمة " !![4]

ولم يستطع رجال الدين ، أو مفكرو الجماعات الاسلامية الحديثة ، تجاوز مفهوم القوامة ، وان وضعوه بصور لطيفة على أمل ان تتقبله النساء داخل الحركات الاسلامية .. يقول حسن البنا مؤسس جماعة الأخوان المسلمين " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم –سورة النساء 34 – هذا التعاون لم يجعله الاسلام على صورة جافة ، بل تعاون يتخلله الحب والتسامح والتقدير ، فعلى المرأة ان تكون طائعة وعلى الرجل ان يكون رحيماً .. ولما كانت الشركة تحتاج الى مدير في تصريف الأمور ، والشركاء ليسوا جميعاً على مستوى واحد فقد حفظ الاسلام الاشراف للرجل لانه أكمل عقلاً من المرأة " !![5]

ولما كانت القوامة تتبعها مسائل اصعب منها مثل الهجر والضرب ، فان مهمة التبرير تصبح شاقة ومتعثرة على مفكر اسلامي بارز مثل الاستاذ محمد قطب فهو يقول " يتفرع من قوامة الرجل على المرأة حق الزوج في تأديب زوجته الناشزة وهو الحق الذي تبينه هذه الآية (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) ويلاحظ ان الآية تدرجت في وسائل التأديب حتى وصلت الى الضرب غير المبرح في نهاية المطاف .. لا بد من سلطة محلية تقوم بهذا التأديب هي سلطة الرجل المسئول في النهاية عن امر هذا البيت وتبعاته ، فاذا لم تفلح جميع الوسائل فاننا أمام حالة من الجموح العنيف لا يصلح لها الا اجراء عنيف هو الضرب بغير قصد الايذاء وانما بقصد التأديب ، لذا نص التشريع على انه ضرب غير مبرح. وهنا شبه الاهانة لكبرياء المرأة والفظاظة في معاملتها ، ولكن ينبغي ان نذكر من جهة ان السلاح الاحتياطي لا يستعمل الا حين تخفق كل الوسائل السلمية الأخرى ، ومن ناحية ثانية ان هناك حالات انحراف نفسي لا تجدي معه الا هذه الوسيلة .. " !![6]

ومحمد قطب ، هنا ، انما يرد على شبهات المستشرقين ، الذين يزعم انهم يطعنون الاسلام ، في كتابه المشهور" شبهات حول الاسلام" ، فاذا به يعطيهم حجة ، لم تخطر لهم على بال ، مفادها ان الاسلام فرض على الرجل ضرب زوجته لان هناك حالات انحراف نفسي ، لا يعرف لها الاسلام علاجاً غير ضرب المريض !! فالاسلام ، بهذا الفهم ، قد جاء بالضرب للمرضى ، بينما جاءت الاديان بالرفق والرحمة حتى للاصحاء !! ومن عجب ان هذا الكتاب المتخلف ، قد جعل بفضل تعالي اصوات الجماعات الاسلامية ، من ضمن مقرر الدراسة في المرحلة الثانوية بالمدارس السودانية !!

ويترتب على القوامة ، وكون المرأة تابعة لزوجها في منزلها ، الا يكون لها الحق في قيادة غيره من الرجال ، في الشئون العامة ، ومنعت بسبب ذلك ، من كل الوظائف القيادية في المجتمع .. يقول الشيخ أبو الأعلى المودودي زعيم الجماعة الاسلامية في باكستان " الرجال قوامون على النساء (النساء 34 ) لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (رواه البخاري) هذان النصان يقطعان بان المناصب الرئيسية في الدولة رئاسة كانت أو وزارة أو عضوية مجلس شورى او ادارة مختلف مصالح الحكومة لا تقوض الى النساء ، وبناء على ذلك فان مما يخالف النصوص الصريحة ان تنزل النساء تلك المنزلة في دستور الدولة الاسلامية أو يترك فيها مجال لذلك . وارتكاب تلك المخالفة لا يجوز البتة لدولة رضيت لنفسها التقييد بطاعة الله ورسوله ".[7] ويرد الشيخ المودودي على من يعترض عليه بان آية القوامة لا علاقة لها بشئون الدولة ووظائفها لانها محصورة في شئون الاسرة فيقول " وقد يقول المعترض في هذا المقام : ان هذا الحكم انما يتعلق بالحياة العائلية لا بسياسة الدولة ، فنقول ان القرآن لم يقيد قوامة الرجال على النساء بالبيوت ولم يأت بكلمة " في البيوت " في الآية ، مما لا يمكن بدونه ان يحصر الحكم في دائرة الحياة العائلية ، ثم هبنا نقبل منكم هذا القول فنسألكم التي لم يجعلها الله قواماً في البيت بل وضعها موضع القنوت أأنتم تريدون ان تخرجوهامن نظام القنوت الى منزلة القوامة على جميع البيوت أي جميع الدولة ؟ أمن شك في ان قوامة الدولة أخطر شأناً وأكثر مسئولية من قوامة البيوت؟! فهل انتم تظنون بالله ان يجعل المرأة قواماً على مجموعة من ملايين البيوت ولم يشأ ان يجعلها قواماً داخل بيتها؟! ثم ارجع البصر في القرآن انه يحدد دائرة أعمال المرأة بهذه الكلمات الصريحة (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) "[8]

(15)

ومن ابلغ النماذج ، التي يمكن ان تعطي تصوراً واضحاً لما يمكن ان يصل اليه الاعتداء على حقوق النساء ، باسم الدين وفتاوي الفقهاء ما حدث في المملكة العربية السعودية اثناء حرب الخليج الاولى عام 1990 . ففي يوم الثلاثاء 6 /11/1990 تحركت 47 مواطنة سعودية – معظمهن من العاملات في قطاع التعليم أو طالبات فيه- في مدينة الرياض يقدن 14 سيارة مطالبات بحقهن في قيادة السيارة تجنباً للأعباء المادية الناجمة عن اضطرارهن لتأجير سائق اجنبي ، مع المشاكل الاجتماعية المصاحبة لوجوده ، وكذلك لمواجهة احتمالات الحرب التي قد تدفع بالرجال الى الجبهة وتجبر النساء على تولي كافة الأمور في الداخل . وقد ترتب على ذلك :

1- اقتيدت النساء الى مقر الشرطة للتحقيق معهن ، وقد بقين حتى صباح اليوم التالي ، ولم يفرج عنهن الا بعد أخذ تعهد على أزواجهن أو آبائهن بعدم تكرار ذلك.

2- أصدرت وزارة الداخلية بياناً بتحريم قيادة المرأة السيارة ، وهددت بانزال عقوبات رادعة بحقها ، ونشر ذلك في أجهزة الأعلام السعودي يوم 14/11/1990 .

3- افتى منظر النظام السعودي عبد العزيز بن باز بان ما حدث بادرة سوء يجب منعها ، ودعا للابلاغ عن من يتبنى هذا المطلب ، وارسل برقيات استنكار الى ولاة الأمور.

4- طرد العاملات منهن من العمل والطالبات من الدراسة .

5- منعهن من السفر كما أمتد الحظر ليشمل أزواجهن أو آباءهن أو اخوانهن الذين أجبروا على توقيع التعهد.

6- صرح وزير الداخلية بان هؤلاء النسوة تربين خارج بيوتنا الاسلامية ، وشجب عملهن وموافقة اهلهن على هذا العمل.

7- أنطلق الجناح المتزمت في التيار الديني لأكمال المأساة فانهالت المنشورات التي تصفهن بالساقطات والمنحلات أخلاقياً ودينياً .. ونشرت اسماءهن في قائمة تحت عنوان (أعرف عدوك) مختتمة بقولها (هذه اسماء الساقطات وبعض من يقف وراءهن من الشيوعيين والعلمانيين.. افعل ما تراه مناسباً) !!

8- تحولت المساجد الى منابر لشتمهن وتجريحهن والمطالبة باستتابتهن أو إقامة الحد الشرعي عليهن ، وتعدى ذلك الى الدعوة الى قصر تعليم الفتاة الى المرحلة الابتدائية وتركيزه على علوم الدين فقط.[9]

أما خطاب وزارة الداخلية فقد جاء فيه " تود وزارة الداخليه ان تعلن لعموم المواطنين والمقيمين انه بناء على الفتوى الصادرة بتاريخ 20/4/1411 ، من كل من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لأدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد ، وفضيلة الشيخ عبد الرازق عفيفي نائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء ، وعضو هيئة كبار العلماء ، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن غريان عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء ، وعضو هيئة كبار العلماء ، وفضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة وعضو هيئة كبار العلماء ، بعدم جواز قيادة النساء للسيارات ، ووجوب معاقبة من تقوم منهن بذلك بالعقوبة المناسبة التي يتحقق بها الزجر ، والمحافظة على الحرم ومنع بوادر الشر "[10]

اما فتوى الشيخ ابن باز فقد جاء فيها " فقد كثر حديث الناس في صفحة الجزيرة عن قيادة المرأة للسيارة ، ومعلوم انها تؤدي مفاسد لا تخفى على الداعين اليها ، منها الخلوة المحرمة بالمرأة ، ومنها السفور ، ومنها الأختلاط بالرجال بدون جدار ، ومنها ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور ، والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية الى المحرم واعتبرها محرمة ، وقد أمر الله جل وعلا نساء النبي ونساء المؤمنين بالاستقرار في البيوت والحجاب وتجنب اظهار الزينة لغير محارمهن لما يؤدي اليه ذلك كله من الاباحة التي تقضي على المجتمع ..."[11]



يتضح من هذه القصة العجيبة ، التي ما كان لأحد ان يتوقع حدوثها ، في اواخر القرن العشرين، ان فقهاء السعودية ، لم يجدوا نصاً واضحاً يمنع المرأة قيادة السيارة ، لأنه ليس هناك نص ديني ، منعها في الماضي ، من قيادة الناقة أو الفرس !! فلم يترددوا في ايراد ما لديهم من نصوص جاهزة ، ضد الخلوة ، والاختلاط ، وخروج المرأة من البيت ، مع ان كل هذا لا علاقة له بقيادة السيارة .. بل ان المرأة داخل السيارة ، قد تكون في أمان من الاختلاط ، والخلوة ، والسفور لانها مختفية بالسيارة ، كما كانت المرأة في الماضي تختفي بالهودج وهي تسافر فيه .. فالمرأة في السيارة ، أقرب الى تنفيذ الشرع ، من المرأة التي تسير في الشارع ، والتي لم تقم ضدها أي فتاوي !!

ان هذه الفتوى فتوى سياسية ، هدفها ارضاء السلطة ، التي اتخذت حركة النساء مناسبة لتقمع أي حركة جماعية ، تتخذ صور الخروج على النظام ، وذلك قفلاً للباب الذي قد يؤدي الى الثورة الحقيقية ضد النظام الملكي المتوارث الذي يخوض في الفساد ويرزح في الجهل والتخلف .. ولما كانت ورقة الدين مجربة في تضليل الشعوب ، فقد هرع هؤلاء الاشياخ ، المرتزقة ، ليخرجوا بهذه الفتوى الهزيلة ..



(16)

يعتمد الفقهاء ، في إعطاء المرأة حقوقاً قانونية ناقصة ، على الآية الكريمة " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فلرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى ..." جاء في تفسير الآية " وهذا انما يكون في الأموال ، وانما اقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة .." [12] !! ولقد يطيب لبعض الدعاة الاسلاميين ، ان يذكر ان شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، في الامور المالية فقط ، حتى يفهم الحاضرون ، انها مساوية له في شهادتها فيما عدا ذلك !! والحق ان المرأة في قوانين الشريعة ، وآراء الفقهاء ، ليس لها الحق مطلقاً في الشهادة ، فيما عدا الامور المالية هذه ، التي تساوي شهادتها فيها نصف شهادة الرجل !! لذلك "يرى جمهور الفقهاء عدم قبول شهادة المرأة في الحدود والحرابة والقذف والبغي والزنا وشرب الخمر والسرقة والقصاص ، سواء كن منفردات وان كثرن أو مع رجال ، واستندوا في ذلك على حجج من المنقول والمعقول. المنقول: وهو ما يستخلص من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .

1- الكتاب الحكيم : قوله تعالى " واستشهدوا ذوي عدل منكم " (الطلاق 2 ) ، وقوله عز وجل " لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فاذا لم يأتوا بالشهداء فاؤلئك عند الله هم الكاذبون " (النور 13) ويستدل من هذه الآيات على اشتراط الذكور في الشهود دون النساء .

2- السنة النبوية الشريفة : ما رواه مالك عن الزهري انه قال مضت السنه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده انه لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص (البخاري جزء 13 ص 222 )

المعقول : استند الجمهور الى حجج مستخلصة من المعقول وذلك فيما يلي :

1- ان الحدود تدرأ بالشبهات ، فلا تثبت بحجة فيها شبهة ، وشهادة النساء شبهة لتطرق الضلال والنسيان اليها تطبيقاُ لقوله تعالى " ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى " فالضلالة شبهة والحد يسقط بالشبهات . كما ان الرسول صلى الله عليه وسلم وصفهن بنقصان العقل والدين ..."[13] !!

فالمرأة اذاً ليس لها الحق في الشهادة ، ما عدا في الأموال ، حيث تكون شهادتها منقوصة ، اذ تساوي نصف شهادة الرجل ، أكثر من ذلك ان شهادتها هذه لا تقبل أصلاً الا بوجود رجل !! فلا يمكن ان يشهد أربعة نساء بدلاً عن رجلين !! ولقد تعرضنا الى عدم حقها حسب الشريعة وآراء الفقهاء ، في تولي مناصب الرئاسة والقيادة ، كما لا يجوز ان تلي القضاء ، فتقيم شهادة الشهود ، وهي تقصر عن مدى الشاهد !! فلم يبق لها من الحقوق القانونية للمواطن في الدولة الا حق الشكوى عند وقوع الاعتداء عليها !!

ولم تأت التيارات الاسلامية الحديثة ، بجديد فيما يخص الحقوق القانونية ، المنقوصة للمرأة ، بل تذهب في تبريرها على انها الوضع الطبيعي .. يقول حسن البنا " واذا كان الاسلام قد انتقص من حق المرأة فجعل شهادتها نصف شهادة الرجل ، فهو مجاراة للطبيعة ، فطبيعة المرأة تجعلها تعيش بعاطفتها لا بعقلها ، والعاطفة تتأثر ، وتمتاز المرأة بعاطفتها ولا تمتاز بعقلها ، وهي مع ذلك سريعة النسيان ، لذا لم يساو الاسلام بينها وبين الرجل في الشهادة وعلل ذلك بقوله تعالى " ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى ".[14] ولا يكتفي زعيم الأخوان المسلمين بذلك ، بل يسعى لحرمان المرأة من ممارسة مهنة المحاماة ، ومن الترشيح والانتخاب فيقول " اما ما يريد دعاة التفرنج واصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة فنرد عليهم بان الرجال وهم أكمل عقلاً من النساء لم يحسنوا اداء هذا الحق ، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين "!! [15]

ولما كان مفكرو الجماعات الاسلامية ، لا يدركون ان النصوص الفرعية مرحلية ، فقد اتعبهم هذا الحديث واضطرهم الى صور من التدليس ، لا تبقي لأحد ديناً ولا خلقاً .. حتى بلغ بهم الحد ، ان يحاولوا اقناع النساء ، بان الحديث لا يعتبر ذماً وانما هو في مقام المدح !! فقد كتب د. محمد عمارة الكاتب الاسلامي المصري المعروف "ونحن هنا نود ان نتساءل هل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقصان العقل والدين يعني (الذم) ام انه يعني تقرير واقع غير مذموم ، بل قد يكون هو الواقع (المحمود)، ان النقص المذموم في أي أمر من الأمور هو الذي يزول بتغييره ، فهل يجوز للمرأة ان تجبر النقص في شهادتها عن شهادة الرجل فتزيل الذم عنها؟ بالطبع لا، فهي مثابة ومحمودة على هذا النقص لأنها به تمتثل شرع الله فهو ليس بالنقص المذموم، انما هو (المحمود)" !![16]

فهل كان د. محمد عمارة سيجد فرصة لهذا الالتواء ، لو أورد الحديث كاملاً ؟ فقد جاء " عن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فاني رايتكن أكثر أهل النار . فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت : يا رسول الله ما نقصان العقل والدين ؟ قال : أما نقصان عقلها فشهادة إمراتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي لا تصلي ، وتفطر في رمضان ، فهذا نقصان الدين " !! [17] هذا هو الحديث فهل يمكن ان يكون د. محمد عمارة قد فهم منه ان دخول النساء النار، وكفرهن العشير ، ونقص عقلهن ودينهن ليس ذماً لأنهن لا يستطعن ان يغيرنه؟! واذا كان هذا الوضع لا يتغير فما الداعي لموعظة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟!

(17)

ان تعريف الزواج ، لم يتعد عند الفقهاء العلاقة الجنسية ، مما يعد مفارقة لروح الدين ، كان لها سود العواقب في تشاريعهم ، التي تضررت منها النساء ابلغ الضرر .. فقد جاء ان " الحنفية عرّف بعضهم النكاح بانه عقد المتعة قصداً ، الشافعية عرّف بعضهم النكاح بأنه قصد يتضمن ملك الوطء بلفظ انكاح أو تزويج ، المالكية عرّف بعضهم النكاح بأنه عقد على مجرد التلذذ بآدمية"[18] !!

وحين عّرف الفقهاء الزواج بانه الاستمتاع الجنسي ، ساقهم ذلك الى ان يقرروا أن المرأة اذا أضحت عاجزة عن القيام بدورها في الامتاع ، فان النفقة الشرعية عليها ، تصبح غير ملزمة للرجل !! فالنفقة عندهم لا تجب الا نظير الاستمتاع ، والزوجة المريضة لا تصلح للاستمتاع ، فلا تجب لها نفقة !! والذين لا يرون هذا الرأي من الفقهاء ، وهم السادة الحنفية ، ويوجبون النفقة على الزوجة ولو كانت مريضة ، يشترطون لذلك بقاءها في المنزل ولهذا قالوا " ان النفقة تجب نظير حبس الزوجة في منزل زوجها ولو لم تكن صالحة للاستمتاع "[19] . وهكذا نرى أن المرأة اذا كانت مريضة ، لا يجب الانفاق عليها ، عند سائر الفقهاء أصحاب المذاهب ، ما عدا الحنفية الذين اشترطوا الحبس ، بدلاً عن عدم المرض كثمن للانفاق على الزوجة !! وابلغ سوءاً من عدم الانفاق على زوجته المريضة ، كونه ، في رأي الفقهاء ، ليس مسئولاً عن علاجها ولا عن دفع ثمن الدواء !! الأمر الذي لا يبقي في هذه العلاقة أي ظل من المرحمة أو العاطفة الانسانية . فقد ورد أن " الحنفية يرون كل ما هو غير ذلك من كحل وأبيض وأحمر وخضاب وتصفيف شعر ونحو ذلك فانه لا يجب عليه وكذا لا يلزمه دواء ولا فاكهه ".[20] ويقول المالكية " فلا يفترض عليه السمن والحلوى ، كما لا يفترض عليه الفاكهه ، أما ثمن الدواء واجرة الطبيب ففي وجوبهما عليه قولان والذي في المتون انهما لا يجبان عليه"[21] .. وقال الشافعية " اما الخضاب والزينة فلا تجب عليه لأن ذلك تابع لما يراه زينة لها ، فأنها تلزم به ولا يلزمه دواء مرض ولا أجرة طبيب وحاجم وفاصد ونحو ذلك ".[22] وقال الحنابلة " ولا يجب عليه أدوات الزينة كالحناء والخضاب وشراء الحلي ونحو ذلك ، وكذا لا يجب عليه ثمن الدواء وأجرة الطبيب " [23].

وأركان الزواج في الشريعة : الشاهدان ، وخلو المحل ، والولي والمهر .. والاصرار على ان يتولى رجل عن المرأة أهم شئون حياتها وهو عقد زواجها ، سببه ان الشريعة ترى ان المرأة مهما كان حظها من التقوى ، أو التعليم ، أو الوضع الاجتماعي تظل قاصراً ، لا تستحق ان تلي أمر نفسها بنفسها !! ولما كان أي رجل مهما كان مستواه يمكن ان يكون ولياً على أي إمرأة ، فأن هذا يعتبر تمييزاً لا يقوم الا على اساس الجنس من ذكورة وأنوثة!!

أما المهر ، فانه يمثل ثمن شراء المرأة ، ودفعه بواسطة الرجل وحده ، يعني أن له حقوقاً اكثر في هذه الشراكة . ولتأكيد معنى الشراء هذا ، قبل الفقهاء ان ينعقد الزواج بصيغة تفيد الشراء والبيع .. فقد ورد عن صيغة عقد الزواج " أما الصيغة وهي عبارة عن إيجاب وقبول ، فانه يشترط فيها شروطاً كأن تكون بلفظ صريح أو كناية.. والكنايات التي ينعقد بها النكاح تنقسم الى اربعة اقسام منها: ... القسم الثاني : وفي الانعقاد به خلاف والصحيح الأنعقاد وهو ما كان بلفظ البيع والشراء ، فلو قالت : بعت نفسي منك بكذا ناوية به الزواج وقبل فانه يصح ، ومثل ذلك اذا قالت : أسلمت لك نفسي في عشرين أردباً من القمح آخذها بعد شهر تريد الزواج فانه يصح . وكذا اذا قال: صالحتك على الألف التي عليّ لأبنتي يريد به الزواج ، فقال قبلت فينعقد النكاح على الصحيح بلفظ البيع والشراء والسلم والصلح والفرض ..."[24]

ورغم ان الفقهاء يرون ان الاسلام أعطى المرأة الحق ، في دخول العلاقة الزوجية برضاها ، الا انهم يرون انها لا تملك الحق في الخروج منها بنفس الصورة !! ذلك لأن الشريعة أعطت حق الطلاق للرجل دون المرأة .. فقالوا " ان الرجل هو الذي يملك حق الطلاق دون المرأة وذلك لأمرين أحدهما : ان الشريعة قد كلفت الرجل بالانفاق على المرأة وأولادها ، وكلفته ان يبذل لها صداقاً .. وثانيهما: ان المرأة مهما أوتيت من حكمة إلا أنها سريعة التأثر بطبيعتها وليس لها من الجلد والصبر مثل ما للرجل فلوكان الطلاق بيدها فانها تستعمله أسوأ استعمال .."[25].

ولعل من افظع المآسي ، الناجمة عن استئثار الرجل بحق الطلاق ، ما عرف في المجتمعات الاسلامية ببيت الطاعة.. فاذا إختلفت المرأة مع زوجها ، وذهبت الى بيت ابيها ، فان له الحق في اجبارها بالقوة ، للرجوع اليه والدخول في طاعته .. وقد كانت أحكام الطاعة تنفذ بان تؤخذ المرأة قسراً بواسطة رجال الشرطة ، وتحمل الى بيت زوجها ، الذي من حقه اجبارها على معاشرته والعيش معه .. فان لم يرد إرغامها بواسطة السلطة يمكنه ان يعلقها فلا يطلقها ولا ينفق عليها حتى تضطر ان تزعن له !! ولقد رأينا من قوانين الفقهاء كيف ان الانفاق لا يكون الا نظير الحبس في البيوت عند السادة الحنفية ، أو نظير الاستمتاع عند سائر الفقهاء .. ورغم اعتراض الحركات النسوية على بيت الطاعة ، في بعض الدول العربية والاسلامية ، ورغم الغاء تنفيذه بالقوة ، في بعض الدول الا انه لا زال موجوداً ، وينفذ بالضغط على المرأة بموضوع الانفاق عليها .. والسبب في عجز الحكومات عن الغائه هو انه مأخوذ مباشرة من آية القوامة التي اشرنا اليها ، والتي تخلص الى قوله تعالى " فأن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً"!!



-نواصل-

د. عمر القراي



-------------------------

[1] - مقالات د. عبد الله بالرأي العام
[2] - تفسير ابن كثير الجزء الأول ص 491
[3] - راجع تفسير الطبري الجزء الثامن ص 298
[4] - ابن تيمية : فتاوي النساء ص 265
[5] - حسن البنا : حديث الثلاثاء ص 382 -383
[6] - محمد قطب : شبهات حول الاسلام ص 129
[7] - أبو الاعلى المودودي : تدوين الدستور الاسلامي ص 57 .
[8] - المصدر السابق ص 58-59 .
[9] - لجنة مناصرة المرأة بالجزيرة العربية : سلطة العبائم ص 157-158
[10] - المصدر السابق ص 17 .
[11] - المصدر السابق ص 18-19
[12] - تفسير ابن كثير- الجزء الأول ص335
[13] - د. حسن الجندي : أحكام المرأة في التشريع الجنائي الاسلامي ص 104 -105 .
[14] - حسن البنا : حديث الثلاثاء ص 369 .
[15] - المصدر السابق ص 370
[16] - محمد عمارة : هل الاسلام هو الحق؟ ص 152
[17] - ابن كثير الجزء الأول ص 335 .
[18] - عبد الرحمن الجزيري : الفقه على المذاهب الأربعة ص 181
[19] - المصدر السابق ص 488
[20] -المصدر السابق ص 488
[21] -المصدر السابق ص 489
[22] - المصدر السابق ص 491
[23] - المصدر السابق ص 491
[24] - المصدر السابق ص 17-19
[25] - المصدر السابق ص 327
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الرابعة)
د. عمر القراى - 21 يونيو 2003
(1

ختمنا المقال السابق بالحديث عن بيت الطاعة ، ومبلغ ما فيه من أذى واساءة للمرأة ، وذكرنا ان المرأة في الشريعة تدخل في علاقة الزواج باختيارها ، ولكنها لا تستطيع الخروج بنفس المستوى !! فالطلاق بيد الرجل ، ولو كرهت المرأة معاشرته ، وذهبت الى بيت ابيها، فانه يمكن ان يحضرها بقوة القانون .. وقلنا ان الحكومة حين ألغت تنفيذ بيت الطاعة ، بواسطة الشرطة ، لم تلغ الحكم نفسه لانه يعتمد على نص صريح في القرآن ، ورد في آخر آية القوامة .. ومما يؤخذ على القضاة الشرعيين ، في السودان ، انهم كانوا يحكمون بهذا الحكم القاسي عبر سنين طويلة، دون ان يحتجوا عليه ، أو يجتهدوا لتغييره ، أو حتى يفتحوا عقولهم لاجتهاد من اجتهد في أمر الشريعة ودعا لتطويرها !! أكثر من ذلك ، حين الغى نميري تنفيذ حكم بيت الطاعة ، بواسطة الشرطة ، وفرحت بهذه الخطوة جموع النساء ، اشتكى القضاة الشرعيون لنميري ، ولما كانوا يخشونه ، لم يقولوا بانهم يرون قراره خاطئا ،ً وانما تذرعوا بان عدم اجبار المرأة الى بيت الطاعة بالبوليس لا يحل المشكلة ، لأن المرأة تظل غير مطلقة ، ولا ينفق عليها زوجها بسبب نشوزها !! مع ان ربط الانفاق بالمعاشرة أو الحبس في البيت ، هو نفسه من قوانينهم التي جردت العلاقة من كل قيمة انسانية !!

يقول د. عبد الله علي ابراهيم (ففي مؤتمر عام للقضاة عام 1974 حضره الرئيس نميري ، وقد أعيد توحيد القضائية تحت سلطة رئيس القضاة المدني إشتكى قاض شرعي من قرار كان نميري قد أصدره بعدم تنفيذ أحكام بيت الطاعة وقال ان هذا يؤدي الى إزدياد حالات النشوز التي تعلق المرأة فلا هي زوجة ولا هي طالق)[1].. فهذا القاضي يرى ان عدم تنفيذ حكم الطاعة بالبوليس ، يؤدي الى ازدياد حالات النشوز !! فهو يريد هذا العنف حتى تخاف النساء فلا تجرؤ على النشوز !! ولم يخطر ببال هذا القاضي ان سبب ازدياد النشوز ، هو سوء معاملة الرجال ، خاصة عندما يعرفوا ان وراء القانون المتخلف الذي يجبرهن على العيش معهم ، أمثال هذا القاضي الذي لا يكتفي بالأذى ، الذي يسببه كونها اصبحت لا هي زوجة ينفق عليها ولا هي مطلقة يمكن ان تجد فرصة اخرى أفضل ، وانما يريد لها ان تحمل بالقوة (بكومر) البوليس الى بيت زوجها !!

ومن عجب ان د. عبد الله رغم كل هذا يعتبر القضاة الشرعيين لطفاء في موضوع بيت الطاعة !! فما هو لطفهم وما دليله عليه ؟! اسمعه يقول (وقد مال القضاة الى اللطف في أخذ حكم بيت الطاعة حين تمتع قسمهم باستقلاله الذاتي في اطار القضائية بفضل التعديل الدستوري في 1966 الذي جعله مسئولاً مباشرة الى مجلس السيادة . وكان أميز ما في قانون المحاكم الشرعية 1967 هو منح المحاكم الشرعية سلطات مدنية وجنائية لتنفيذ حكم الطاعة بموجب اللائحة الشرعية لاجراءات التنفيذ لعام 1968 . ولما أصبح تنفيذ الطاعة من اختصاص القضاة لم يستبدوا بالأمر . ولم تبدر من القضاة غلظة أو ترويعاً في إنفاذ حكم الطاعة . فقد قضت تلك اللائحة بأن يجري تنفيذ حكم بيت الطاعة برفق بمنح المرأة التي حكم عليها بالطاعة اسبوعاً لتقبل الحكم والتهيئة لعيشها مع زوجها. فإن انقضى الاسبوع ولم تعد أمرت المحكمة باعتقالها وإعادتها بالقوة) !! أين هو اللطف ؟ هل هو في اعطائها اسبوع لتجهز نفسها والا اعيدت بالقوة ؟!

ولعل د. عبد الله نفسه غير مقتنع بهذا اللطف الذي نسبه بغير حق للقضاة الشرعيين ، ولذلك قال (وهكذا لم يغير القضاة الشرعيون حين آل اليهم أمر تنفيذ بيت الطاعة شيئاً ذا بال في الممارسة السابقة التي استنها الاستعمار) !!



(19)

يتحدث د. عبد الله على ابراهيم عن الاستاذة فاطمة أحمد ابراهيم ، ويقول بانها كانت توافق على قوانين الاحوال الشخصية (ولم تجد ما تعترض عليه أصلاً غير بيت الطاعة . أما في بقية المواد فهي اما استحسنتها وتركتها على حالها مثل قوانين الحضانه أو طالبت ان يتم امام قاضي مثل الطلاق ، وعقد الزواج وتعدد الزوجات وبشروط دقيقة)[2] !! ولعل د. عبد الله قد أقحم الاستاذة فاطمة في موضوعه هذا ، ليؤكد ان مناضلة عتيدة من اجل حقوق المرأة مثلها وجدت في قوانين الاحوال الشخصية ما يرضيها ، مما يدل على صلاح وعدالة هذه القوانين !! ونحن لا نعرف عن الاستاذة فاطمة انها كانت تقبل هذه القوانين ، ومن هنا نعتبر حديث د. عبد الله اجحاف في حقها واساءة اليها .. على انها لو كانت تقبل بهذه القوانين ، فان هذا لن يجعل هذه القوانين انسانية ، وانما سيجعل الاستاذة فاطمة كغيرها من النساء اللاتي يقبلن بالظلم حتى لا يوصفن بالاعتراض على الاسلام !! ويجعل بذلك انشغالها بالنضال من اجل حقوق المرأة لغو باطل لا طائل تحته ..

ويضرب لنا د. عبد الله مثلاً من نضال الاتحاد النسائي ، وكيف أثر في تحسين القوانين الشرعية التي تختص بشئون المرأة فيقول (وقد وجدت فاطمة في بعض التشريعات الشرعية أثراً باقياً من نضالها هي نفسها ونضال الاتحاد النسائي مثل المنشور الشرعي رقم "54" لعام 1960 الذي كفل للفتاة الاستشارة حول من تقدم لزواجها . وقد جاء المنشور استجابة لمذكرة تقدم بها الاتحاد الى قاضي القضاة في 1954 يحتج على تزايد حالات الانتحار من فتيات لم يقبلن الاقتران بمن اختارته الاسر لهن .)[3].. الا يكفي هذا المثل دليلاً على سوء وفساد القضاة الشرعيين وجور قوانينهم؟! فالاتحاد احتج عام 1954 ولم يستجب القضاة الشرعيون الا عام 1960 رغم ما ذكر لهم من حالات الانتحار !! هذا مع ان المطلب نفسه لا يحتاج الى اجتهاد أو تردد لانه مطلب في حد ذاته شرعي!! الم يقل النبي صلى الله عليه وسلم " لا تزوج الثيب حتى تستأمر ولا تزوج البكر حتى تستأذن واذنها صمتها"؟!فلماذا لم يكن هذا معمولاً به ابتداء وقبل ان يطالب به الاتحاد النسائي؟! الا يستحي هؤلاء الاشياخ ان يحرموا النساء حقاً مشروعاً باسم الشريعة نفسها ثم يصروا على التلكؤ لعدة سنوات قبل ان يستجيبوا لمطلب فتيات في اعمار بناتهم كن لمجرد الحس الانساني اقرب منهم لروح الدين؟!



(20)

ويرى د. عبد الله ، ان الفضل في تفتح التقليد الشرعي ، يرجع الى الامام محمد عبده فيقول (ولو تأملت فاطمة الأمر قليلاً لعرفت ان سماحة التقليد الشرعي وتفتحه لحقائق المجتمع كما اختبرته هي واتحادها النسائي انما يعود الفضل فيه للإمام محمد عبده) .. ولا يكتفي د. عبد الله بذلك بل يقول (ومن جهة أخرى تحاشى الفكر لجمهوري هذا التقليد الشرعي مع ان اصلهما واحد هو الحداثة الاسلامية التي ركنها وحجتها الامام محمد عبده) !!

وفي الحق ، ان الامام محمد عبده يعتبر متقدماً ، بالمقارنة الى نظرائه من الأزهريين .. ولقد كان رحمه الله ، ثائراً على الفقهاء وعلى الازهر ، وهذا ما أهله للأخذ بطرف من التقدم والتحديث .. فقد نقد مرة اسلوب التعليم في الازهر فقال له أحدهم (ألم تتعلم انت في الأزهر؟ وقد بلغت ما بلغت من طرق العلم وصرت فيه العلم الفرد؟ فاجاب الامام : ان كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر فانني لم أحصله الا بعد ان مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من "وساخة" الأزهر ، وهو الى الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة !)[4]!! بهذه العبارات القوية ، شهد الامام محمد عبده على الأزهر ، وهو من خريجيه ، بالتخلف والفساد ، الذي يبلغ حد الوسخ .. ولم نسمع مثل هذه الشهادة من الفقهاء ، والقضاة الشرعيين ، وغيرهم من رجال الدين في السودان ، الذين يعتبرون مشايخ الازهر اساتذتهم !!

ولقد ظل الأزهر على تخلفه وفساده ، وزاد عليه في أوقات متأخرة ، مواطأة الحكام وتكفير المفكرين ، مما سنعرض له في موقعه من هذه الدراسة لاحقاً ، على ان آخر فتاوي الأزهر ضد النساء ، هي فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق ، رحمه الله في مطلع عام 1995بأن خفاض الاناث واجب ديني وعلى المسلمين مجاهدة كل من يمتنع عنه!! وكان لهذه الفتوى الجاهلة صدى واسع في مصر ، اذ هاجمتها المنظمات النسائية في الصحف والندوات ، أما جمعية حقوق الانسان المصرية فقد رفعت دعوى في المحكمة ضد شيخ الأزهر !! واضطر مفتي الديار المصرية آنذاك ، الشيخ طنطاوي ، ان يخرج فتوى معارضة لفتوى شيخ الأزهر ، يقول فيها ان ختان الاناث ليس واجباً دينياً !! وخرجت مجلة روز اليوسف يومها بعدد ساخر عنوانه من يصدق الشعب : شيخ الأزهر أم مفتي الجمهورية؟!

ولعل تأثر الامام محمد عبده ، بشيخه الامام جمال الدين الافغاني ، الذي كان متصوفاً ، هو الذي جعله يختلف من سائر الفقهاء ويتجه الى انصاف المرأة .. فقد قال (" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " وهذه كلمة جليلة جداً جمعت على ايجازها ما لا يؤدى بالتفصيل في سفر كبير ، فهي قاعدة كلية ناطقة بان المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق الا أمراً واحداً عبر عنه بقوله " وللرجال عليهن درجة" وسيأتي بيانه وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشرتهم ومعاملتهم في أهليهم ، وما يجري عليه عرف الناس وهو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم. فهذه بالجملة تعطي الرجل ميزاناً يزن به معاملته لزوجته في جميع الشئون والاحوال ، فاذا هم بمطالبتها بامر من الامور يتذكر انه يجب عليه مثله بازائه ، فما من عمل تعمله المرأة للرجل الا وللرجل عمل يقابله لها، ان لم يكن مثله في شخصه فهو مثله في جنسه فهما متماثلان في الحقوق والأعمال ، كما انهما متماثلان في الذات والاحساس والشعور والعقل ، أي ان كلاً منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه ، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به ويكره ما لا يلائمه وينفر منه ، فليس من العدل ان يتحكم أحد الصنفين في الآخر ويتخذه عبداً يستذله ويستخدمه في مصالحه ، ولاسيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة الا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه). [5]

ولكن الامام محمد عبده ، بعد كل هذا الحديث عن المساواة ، يرى ان ان قوله تعالى " وللرجال عليهن درجة" يعطي الرجل حق الرئاسة على المرأة في البيت ، وهو رأي يتفق مع كل فقهاء السلف الذين اعتمدوا على هذا الجزء من الآية ، كمبرر للقوامة ، وبنوا عليه آراءهم في عدم المساواة ، بالصورة التي اوردناها في الحلقة الماضية. يقول الامام محمد عبده (أما قوله تعالى " وللرجال عليهن درجة " فهو يوجب على المرأة شيئاً وعلى الرجل اشياء ، ذلك بان هذه الدرجة هي الرياسة والقيام على المصالح المفسرة في قوله تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم" فالحياة الزوجية حياة اجتماعية ، ولابد لكل اجتماع من رئيس لأن المجتمعين لابد ان تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور ..والرجل أحق بالرياسة لأنه اعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بقوته وماله ، ومن ثم كان هو المطالب شرعاً بحماية المرأة والنفقة عليها وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف ، فان نشزت عن طاعته كان له الحق في تأديبهابالوعظ والهجر والضرب غير المبرح)[6]!!

وهكذا رجع الإمام محمد عبده ، الى نفس رأي السلف ، ولم يلاحظ أن هذا الرأي يتناقض تماماً مع مبدأ المساواة الذي قرره منذ البداية . فإذا كان للرجل حق الرياسة التي تبلغ تأديب المرأة وضربها ، فإن هذا يعني أنه وصي عليها ، وانه أكمل منها عقلاً ، وأقدر منها على تقييم الأمور من شتى الوجوه .. ولسوف تبنى على القوامة والوصاية ، أحكام عديدة ، تحط من قدر المرأة مثل منعها من الرئاسة على الرجال في مختلف مرافق الدولة ، بسبب نقص عقلها الذي منعها من الرئاسة داخل بيتها ، والى غير من الأحكام التي تتناقض بالضروة مع مبدأ المساواة التامة في الحقوق والواجبات ، الأمر الذي لم يتضح للإمام محمد عبده ، وهو يقرر ما قرر.

ورغم هذه الانتكاسة الفكرية ، استطاع الإمام محمد عبده ، أن يكتشف السبب الحقيقي للقوامة ، حيث قال (وأقدر على التنفيذ بقوته وماله) فارجع أمر القوامة الى القوة العضلية وقوة المال . ولكنه عجز عن أن يرى في هذه الاسباب التي فرضت القوامة ، انها الى زوال. وذلك حين يجئ المجتمع المتحضر المتمدن ، الذي لا يلقي بالاً للقوة العضلية ، وانما يقدر قوة الفكر. في هذا المجتمع الجديد ، يمكن للمرأة بالعلم والعمل ، ان تكسب المال فلا تحتاج لينفق الرجل عليها ، بل ربما انفقت هي على الصغار والعاجزين من افراد اسرتها .. ثم ان القانون يحل محل القوة العضلية ، فيحمي الضعيف من القوي ، فلا تجدي القوي عضلاته .. عند ذلك تسقط القوامة بسقوط اسبابها ، وتحل دولة القانون محل الوصاية ، وبهذا وحده تتحقق المساواة التامة بين الرجال والنساء ، في الحقوق والواجبات ، الامر الذي اشار اليه الامام محمد عبده ، ثم منعه عن رؤيته ، فهمه الخاطئ لآية الدرجة ، حيث فسرها مثل فقهاء السلف ، على انها القوامة ، فوقع بذلك في هذا التناقض بين بداية حديثه ونهايته !!

ولعل الإمام كان يشعر ، في دخيلة نفسه ، بهذا التناقض الكبير ، خاصة في دعوته للمساواة واباحته للرجل ضرب زوجته !! ولذلك يقول (وإذا صلحت البيئة وصار النساء يعقلن النصيحة ويستجبن للوعظ أو يزجرن ، فيجب الاستغناء عن الضرب .. ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن)[7].. وبطبيعة الحال ، فإن ايقاف الضرب اذا جاء عن طريق تادب المرأة أو عطف الرجل عليها ، فانه لا عبرة به . وانما العبرة بان يقف الضرب لأن المرأة شخص حر ، مسئول، ومساو تماماً للرجل ، فلا يجوز ان يضربها مهما اختلف معها، كما انها لا تضربه مهما إختلفت معه ، وكان في رأيها مخطئاً .. ذلك انهما شخصان رشيدان ، يقوم التعامل بينهما على الود والاحترام ، فاذا انعدمت هذه المعاني يفارق كل صاحبه في ادب واحترام ، أما الضرب فانه معاملة الرشيد للقاصر ، ولهذا لا يصح في المساواة ، بل اننا في عصرنا الحاضر خلصنا الى فشل الضرب كأسلوب تربوي حتى للاطفال ، فكيف يعامل الرجل المرأة وكانها طفلة ثم يعاشرها كزوجة ؟!

والامر الذي عجز عنه الإمام محمد عبده ، ادركه الفكر الجمهوري ، حيث فسر الدرجة على انها درجة في الخلق وليس في القانون !! فبالرغم من ان ابي بكر الصدّيق ، افضل من رجل من عامة المسلمين ، الا انهما أمام القانون سواء .. والدرجة لجنس الرجال على جنس النساء سببها في الاساس معنى عرفاني ، وهو ان الذات المحمدية ، وهي على قمة هرم الكمال البشري ، كانت من جنس الرجال ، وفيما دون هذه القمة الشماء ، يتفاوت الرجال والنساء في النشاة والخلق مع المساواة التامة أمام القانون .. بهذا الفهم ينسجم قوله تعالى " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " مع قوله " وللرجال عليهن درجة" وبغيره يقع التناقض بينهما !!

فإذا وضح ذلك فان قولة د. عبد الله علي ابراهيم (ومن جهة أخرى تحاشى الفكر الجمهوري هذا التقليد الشرعي مع ان اصلهما واحد هو الحداثة الاسلامية التي ركنها وحجتها الامام محمد عبده) تدل بكل أسف ، على جهل كبير بأمر الفكر الجمهوري ، اذ يعتبره متأثر بالإمام محمد عبده ، مع انه متفدم عليه وبما لا يقاس ، ولقد ترتب على عدم معرفة د. عبدالله بالفكر الجمهوري وعدم تقديره له ، عدم تصور للخلاف بين هذا الفكر الثائر وبين الفقهاء ورجال الدين مما سنبينه في الحلقات القادمة باذن الله ..



(21)

لقد اشار د. عبد الله على ابراهيم ، الى دعوة الاستاذة فاطمة أحمد إبراهيم ، والاتحاد النسائي ، الى تقييد تعدد الزوجات، ولكنه لم يذكر لنا رأيه هو ، أو رأي الفقهاء الذين وصفهم بالتفهم والحداثة في هذه القضية .. أما الفقهاء الأوائل ، الذين يعتبرهم الفقهاء الحاضرين اساتذتهم ، فقد اتفقوا على انه يجوز للرجل ، ان يتزوج أربع نساء .. مما يجعل للمرأة ربع رجل ، ويجعل مؤسسة الزواج ، من ثم ، تقوم على غير التكافؤ والمساواة .. والآية التي إعتمد عليها الفقهاء ، في جواز التعدد ، هي قوله تعالى " وإن خفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تعولوا " جاء في تفسير الآية (أي اذا كانت تحت احدكم يتيمة وخاف الا يعطيها مهر مثلها فليعدل الى ما سواها من النساء ، فإن هن كثير ولم يضيق عليه "مثنى وثلاث ورباع" أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن ان شاء احدكم إثنتين وان شاء ثلاثاً وان شاء أربعاً " فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم" أي ان خفتم من تعداد النساء ان تعدلوا بينهن ، فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري والسراري فإنه لا يجب قسم بينهن ولكنه يستحب ، فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج وقوله " ذلك أدنى الا تعولوا" قال بعضهم : ذلك ادنى الا تكثر عيالكم ، والصحيح قول الجمهور : أن لا تجوروا).[8]

والغرض من التعدد ، في فهم الفقهاء ، هو زيادة استمتاع الرجل ، واظهاره لقوته الجنسية !! يقول القاضي عياض الفقيه المشهور (أما النكاح فمتفق فيه شرعاً وعادة ، فانه دليل الكمال وصحة الذكورية ، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به سيرة ماضية ، وأما في الشرع فسنه مأثورة ، وقد كان زهاد الصحابة رضي الله عنهم كثيري الزواجات والسراري وكثيري النكاح)[9] !! وعلى مستوى هذا الفهم ، سار الفقهاء ورجال الدين السلفيين ، الحاضرين، أيضاً ، فهم يرون ان التعدد (ليس مشروطاُ كما يقول بعض الناس بكون الزوجة الأولى لا تنجب أو مريضة أو تحت ظروف إجتماعية قاهرة ، وانما هو مباح من الأصل فللمسلم أن يتزوج إثنين أو ثلاثاً أو أربعاً ما دام قادراً ويأنس من نفسه العدل ولا يقتصر الا اذا خشي الا يعدل لقوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء" الآية ، فالآية الكريمة تصرح بأن وجوب الاقتصار على واحدة لا يكون الا في حالة خوف العدل ، فإذا تيقن المسلم من انه سيعدل فليعدد ما دام قادراً . وليس العدل المطلوب شيئاً مستحيلاً كما يزعم البعض في تفسيرهم قوله تعالى " ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " "النساء129" فقد قالوا ان العدل غير مستطاع وقد شرط التعدد العدل ، واذاً لا تعدد فهذا في الحقيقة فهم خاطئ ، فالعدل غير المستطاع الذي ذكرته هذه الآية هو العدل المطلق المادي والمعنوي من الحب والميل ، أما العدل المطلوب في الآية الأولى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء" فهو العدل المادي ، وهذا في مقدور المسلم ان يحققه حين يسوي بين زوجاته في المأكل والملبس والمبيت ، على انه في حالة حبه لواحدة أكثر من الأخرى ، وهذا أمر لا يملكه، فقد نهاه الله ان يميل نهائياً الى التي تعلق بها قلبه فيترك الأخرى معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة.)[10] ..

أما الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي السعودية فقد قال (الآية تدل على شرعية التزوج باثنتين أو ثلاث أو اربع لأن ذلك أكمل في الاحصان وفي غض البصر وإحصان الفرج ولأن ذلك سبب لأكثار النسل وعفة الكثير من النساء والاحسان اليهن من الانفاق عليهن ، ولا شك ان المرأة التي يكون لها نصف الرجل أو ثلثه أو ربعه خير من كونها بلازوج ، ولكن بشرط العدل في ذلك والقدرة عليه ومن خاف الا يعدل إكتفى بواحدة مع ما ملكت يمينه من السراري)[11] !!

ومن الحجج التي يسوقها مؤيدو تعدد الزوجات (ان يكون الزوج عنده من القوة الجنسية مالا يكتفي معه بزوجة واحدة ، وخاصة ان المرأة تمر بفترة الحيض والنفاس ، وهذه قد تطول عند بعض النساء ، وهو قادر على ان يضم الى حوزته إمرأة ثانية بالحلال ، فهل نقول له لا تتزوج ثانية لأن القوانين والعادات المخالفة للشرع لا تسمح باكثر من واحدة ، فسندفعه للحرام واتخاذ الخليلات) !![12]

أول ما تجدر الاشارة اليه ، هو ان الفقهاء لم يدركوا ان مفهوم العدل ، قد تغير بسبب التطور .. فالمرأة التي أخرجها الاسلام من حفرة الوأد ، وكانت تعتمد على الرجل ، ليعيشها ويحميها ، فان العدل يقوم في حقها اذا تزوج الرجل اكثر من واحدة ، وساوى بينهن في العطاء المادي ، رغم ميله العاطفي الأكثر لاحداهن .. ولكن هذا لا يمكن ان ينطبق على على المرأة الحديثة ، التي تعيش في عصر المساواة ، وتملك من الحقوق الاجتماعية ما يجعلها لا تحتاج لعطاء الرجل المادي ، فالعدل بالنسبة لها هو المعاملة بالمثل في المشاعر .. فهي تريد الرجل كله لها ، كما هي كلها له ، ولا يكفيها نصفه أو ربعه لانها مساوية له .. ومعلوم انه ليس هنالك محب صادق له محبوبان !! ولما كان الله يأمر بالعدل فهو يأمر بوحدانية الزواج ، وانما يجب ان يتلمس التشريع الجديد هذه المعاني فيمنع التعدد ..

ولقد كان أحرى بالداعين للتعدد ، النظر في مضار الضرار ، وتمزق الاسر بسببه ، بدلاً من الحديث عن الطاقة الجنسية الزائدة للرجل ، لأن مثل هذه الحجة ، لو رفعتها المرأة فكيف سيجيب عليها دعاة التعدد ؟! ان الدين لا يجاري الشهوات وانما يهذبها لخدمة الفرد والمجتمع !!



(22)

وأود ان اختم الحديث عن حقوق المرأة المنقوصة ، في قوانين الشريعة ، وفي فهم الفقهاء ورجال الدين ، بموضوع الحجاب .. وذلك لأنه اصبح من الشعارات الاساسية ، للجماعات الاسلامية ، ومن اول ما تطبق الحكومات حين تزعم انها تحكم بشرع الله ، ولقد رأينا صوراً من فرض الزيّ على النساء ، وعقوبات توقع بسببه ودعوة لحرمان المرأة من السفر ، وحدها ، أو الخروج او الاختلاط بالرجال ، كإقامة لشرعة الحجاب!!

يرى الفقهاء وعلماء السلف ، ضرورة حجب المرأة عن الرجل ، خشية وقوع الفتنة ، التي تسوق الى الحرام ، ويحرمون لذلك اختلاط المرأة بالرجال ، واجتماعها معهم ، أو حتى مصافحتها لهم !! ولقد اعتمد الفقهاء في ذلك على الآية الكريمة "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن ، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ، وقلن قولاً معروفاً * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، واقمن الصلاة وآتين الزكاة واطعن الله ورسوله .. انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" . جاء في تفسير هاتين الآيتين (هذه آداب أمر الله بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم ونساء الأمة تبع لهن في ذلك . "وقرن في بيوتكن" أي إلزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة من الحوائج الشرعية كالصلاة في المسجد ، قال البزاز: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عمر بن عاصم حدثنا همام عن قتادة عن مورف عن ابي الأحوص عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" رواه الترمزي. "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى. وقال مقاتل : التبرج ان تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها.).[13]

يتضح من هذا ، ان الحجاب يعني في المكان الأول ، حبس المرأة في بيتها ، ومنعها من الخروج ، الا لضرورة شرعية .. وهو بهذا المعني ، اذا نظر اليه ، في وقتنا الحاضر ، يمثل سجن مواطن برئ ، بسبب جريمة لم يرتكبها، وانما يخشى عليه ان يقع فيها ، إذا أخرج من سجنه ، وهي هنا جريمة الزنا أو ما يشبهها من ارتكاب الفواحش. ومعلوم ان الزنا لا تمارسه المرأة وحدها ، وانما يشاركها فيه رجل ، ومع ذلك لم يحبس الرجل بالبيت لنفس السبب !! وذلك لأن الرجل مظنة الرشد ، ويعتبر مسئولاً عن نفسه ، فلا يعاقب الا بعد إرتكاب الجريمة . أما المرأة فهي مظنة الغواية ، وهي لا تعتبر مسئولة عن نفسها ، وانما هي قاصر ، وقد جعل الرجل وصياً عليها.. والقاصر لا يعطي الفرصة في الممارسة التي قد توقعه في الخطأ ، وانما يصادر حقه ابتداء ، بغرض المحافظة عليه من الاضرار بنفسه .. بالاضافة الى هذا ، فأن الرجل قد كان عماد المجتمع ، فاذا حبس في البيت توقفت الحياة ، اذ عليه تعتمد كافة الاعمال ، والحروب ، وحماية المرأة نفسها ، من ما يمكن ان يلحق بها من عار السبي في ذلك المجتمع ..

فاذا اضطرت الظروف المرأة لتخرج من بيتها ، لضرورة شرعية ، كالصلاة أو الحج أو المرض ، فإنها يجب ان تخرج وعليها من الغطاء ما لايمكن من تمييز شكلها ، حتى لا يعرفها من يراها ، وتكون بذلك وكأنها في بيتها !! جاء في تفسير قوله تعالى "يا ايها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً." قال علي بن طلحة عن ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين اذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة)[14]..

وهذا الحجاب بالثياب هو الحجاب في المكان الثاني ، حين تلجأ الضرورة المرأة للخروج من البيت ، وذلك بغرض تجاوز الفتنة التي كانت في الاساس سبب حبسها في بيتها .. فإذا صح هذا ، وهو صحيح دون أدنى ريب ، فإن الفتاة المؤمنة بالفهم الاسلامي السلفي ، تعتبر مفارقة للشريعة الاسلامية ، بمجرد خروجها من منزلها لغير ضرورة شرعية ، كأن تكون قد خرجت للنزهة ، أو لزيارة صديقتها ، أو للمشاركة في عمل سياسي ، أو ثقافي ، أو لشراء بعض أدوات الزينة .. الخ ، وذلك حتى لو لبست الحجاب الشرعي ، وغطت كل جسدها ، لأنها تجاوزت الأمر في قوله تعالى "وقرن في بيوتكن" وهو اساس الحجاب ، دون ضرورة تبرر ذلك ، في نظر الاسلام من وجهة نظرها .. وهذه المفارقة الظاهرة ، قد اصبحت اليوم تشمل كافة المحجبات ، وهن يخرجن للأغراض العادية ، في الحياة اليومية المعاصرة ، ذلك ان وقع الحياة الجديد ، وما استجد فيها ، لم يكن يخطر على بال الفقهاء الاوائل ، الذين لم يروا بأساً في حبس المرأة في بيتها!!

واعتبر الفقهاء الأوائل جسد المرأة عورة ، فلا يجوز كشفه للرجال على خلاف لهم في ذلك !! فقال الحنابلة وبعض الشافعية (جميع بدن المرأة عورة لا يصح لها ان تكشف اي جزء جسدها امام الرجال الاجانب الا اذا دعت لذلك ضرورة ، كالطبيب للعلاج ، والخطيب للزواج ، والشهادة أمام القضاء) أما الحنفية والمالكية والرأي الثاني للشافعية فهو (جميع بدن المرأة الحرة عورة الا الوجه والكفين ، فيباح كشف وجهها وكفيها في الطرقات وامام الرجال الاجانب ولكنهم قيدوا الاباحة بشرط أمن الفتنة . أما اذا كان كشف الوجه واليدين يثير الفتنة لجمالها الطبيعي أو ما عليها من الزينة والحلي ، فانه يجب عليها سترهما ويعدان عورة كبقية الأعضاء)[15] !!

كما إختلف الفقهاء في صوت المرأة فقال بعضهم (انه ليس بعورة لأن نساء النبي كن يروين الأخبار للرجال) وقال آخرون (ان صوتها عورة وهي منهية عن رفعه بالكلام بحيث يسمع ذلك الاجانب واذا كان صوتها أقرب الى الفتنة من صوت خلخالها ، وقد قال تعالى "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" فقد نهى الله تعالى عن استماع صوت خلخالها ، لأنه يدل على زينتها فحرمة رفع صوتها أولى من ذلك ، ولذلك كره الفقهاء آذان المرأة لانه يحتاج الى رفع الصوت ، والمرأة منهية عن ذلك ، وعلى هذا فيحرم رفع صوت المرأة بالغناء اذا سمعها الاجانب سواء ان كان الغناء على آلة لهو أو غيرها) !! [16]

ولقد امتد هذا الفهم ، في عزل المرأة عن المجتمع ، الذي تعيش فيه ، ليشمل عدم مصافحة المرأة للرجال ، خوف الفتنة ، التي تحدث من الاثارة لمجرد التلامس بالايدي !! يقول احد الدعاة الاسلاميين (روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد إمرأة الا إمرأة يملكها- أي يملك نكاحها... والاحاديث التي رويناها في تحريم اللمس تصحح الفهم وتدرك السلامة ، وتنأى بالمرء عن المزلق الخطر ، فان المرأة مشتهاه خلقة ، واللمس مثير شهوة الوقاع ، وهي أعصى الشهوات للدين والعقل ، فكل سبب يدعو اليها في غير حل ممنوع في الاسلام ومحظور)[17]!!

ان الدعوة الى تطبيق القوانين الاسلامية ، التي تقوم على الشريعة ، دون اعتبار تطويرها ، اذا جاءت من المثقفين، انما هي دعوة لسيادة هذه المفاهيم المتخلفة عن روح الدين وعن واقع العصر .. والاشادة بالفقهاء الذين يعتمد فقههم على هذه القوانين ، ووصفهم بالحداثة والتقدم ، وانتظار أي خير من تطبيق قوانينهم ، انما هو سير في التيه ، وتضليل للشعب ، وخيانة لامانة الثقافة !!

-نواصل-

د. عمر القراي


--------------------------

[1] - مقال د. عبد الله الاخير بسودانايل.
[2] - مقالاته بالراي العام- ابريل 2003
[3] - لمصدر السابق.
[4] - محمد عمارة : الامام محمد عبده ص 55-56
[5] - محمد عمارة : الاسلام والمرأة في رأي الامام محمد عبده ص 55
[6] - المصدر السابق ص62 -63
[7] -المصدر السابق ص69
[8] - تفسير ابن كثير –الجزء الأول ص 450
[9] - القاضي عياض: الشفا الجزء الأول ص 87
[10] - د. محممد عبد السلام محمد : دراسات في الثقافة الاسلامية ص 283
[11] - هاشم بن حامد الرفاعي : الكلمات في بيان محاسن تعدد الزوجات ص 23
[12] - المصدر السابق ص32
[13] - تفسير ابن كثير الجزء الثالث ص 449 .
[14] - المصدر السابق ص575
[15] - عبد الرحمن الجزيري : الفقه على المذاهب الأربعة – الجزء الخامس ص 52
[16] - تامصدر السابق ص 53
[17] - الشيخ محمد الحامد : حكم الاسلام في مصافحة المرأة الاجنبية ص 10-11
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الخامسة)
د. عمر القراى - 29 يونيو 2003
(23)

يقول د. عبد الله علي إبراهيم عن تطبيق الاستعمار للقانون الانجليزي على السودانيين (ولما كانت هذه القوانين الجنائية والمدنية "مستوردة" وتفترض خلو السودان قبل الاستعمار من اقباس العدالة والشرائع فانها قد اساءت الى السودانين في عزتهم وخلقهم إساءة مرة) [1] .. والحق ان الانجليز لم يكن لديهم بديل آخر !! فلقد استعمروا مصر قبل السودان ، وتعرفوا على الازهر ورجال الدين فيه، فلم يروا الا نموذجاً سيئاً في الفكر والممارسة .. وكانت تلك المؤسسة التي تمثل الاسلام تخضع للمستعمرين ، وتثبط من همم الثائرين ، ثم هي فوق ذلك تجنح الى تكفير المفكرين ، وتحارب الحداثة بافكار عتيقة ، متخلفة عن قامة العصر، وبعيدة عن قيم الانسانية التي يدعي الانجليز الحرص عليها ..

ولا يعني هذا إعذار الاستعمار، أو تاييده ، أو تبرأته من المصلحة والغرض ، في السيطرة ، ومحاولة عزل الأمة عن تاريخها واخلاقها ودينها، مما يخشى ان يؤدي الى الثورة ضده .. ولكننا انما أردنا التركيز على جانب آخر - هو المهم في التعليق على دراسة د.عبد الله- وهو ان مواقف رجال الدين ، وفهمهم المتخلف ، قد أعطى الانجليز عذراً مديداً أمام انفسهم ، وامام العالم لإقامة القوانين الجنائية والمدنية ، على القانون الأنجليزي ، وحصر القانون الشرعي في الأحوال الشخصية .. فالنقطة المهمة هنا ، والتي ما أحب ان ازايل مقامي هذا قبل توكيدها ، هي ان هوان الشريعة الاسلامية في صدر المستعمر ، وفي نفوس المثقفين الوطنيين الذين حكموا بعده ، انما مرده للصورة الشائهه للدين التي يقدمها من يطيب لهم ان يسموا برجال الدين !! ولما كان مشايخ الأزهر هم نموذج فقهائنا واساتذتهم فإننا سنخصص هذه الحلقة لمناقشة مواقفهم وآرائهم ..

(24)

في عهد الاستعمار الفرنسي على مصر، كون ديوان من العلماء والاعيان ، لمعاونة الحكومة ، ولقد اصدر هؤلاء العلماء بياناً للشعب المصري لتهدئة ثورته على المستعمر ، وتثبيط همته عن النضال !! جاء في ذلك البيان (نصيحة من كافة علماء الاسلام بمصر المحروسة ، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونبرأ من الساعين في الارض بالفساد ...) الى ان يقول (فعليكم الا تحركوا الفتنة ولا تطيعوا المفسدين ولا تسمعوا كلام من لا يقرأون العواقب ، لأجل ان تحفظوا أوطانكم وتطمئنوا على عيالكم واديانكم فإن الله سبحانه وتعالى يؤتي ملكه من يشاء ، ويحكم بما يريد ، ونصيحتنا لكم الا تلقوا بأيديكم الى التهلكة)!![2]



فبدلاً من ان يحث هؤلاء العلماء الشعب على مقاومة المستعمر ، دفاعاً عن أرضه ، وعرضه ، ودينه ، اذا بهم يدعونه للتخاذل والخنوع !! وحتى تجد هذه الدعوة العجيبية ، صدى في نفوس البسطاء ، يتوسلون لها بالمفاهيم الدينية نفسها ، في صورة من القدرية التي تسقط العمل بالواجب الديني المباشر .. فهم يؤكدون ان الله هو الذي أعطى الفرنسيين الحكم على مصر ، وهو سبحانه وتعالى يعطي حكمه من يشاء !! لذلك فان الجهاد ضد المستعمر يعتبر تهور ، بل هو عندهم يعد مفارقة دينية لمخالفته لقوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) مع ان التهلكة الحقيقية هي عدم مناهضة الظلم الذي يمثله الاستعمار ، وهي في هذه الآية بالذات تعني القعود عن الجهاد ، فاستعملها الفقهاء في عكس مقصدها ، تحريفاً للكلم عن مواضعه من اجل المكسب الدنيوي الزائل!! جاء في تفسير الآية وهي"وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة إن الله يحب المحسنين" (قال البخاري: حدثنا اسحق اخبرنا النضر اخبرنا شعبة عن سليمان سمعت ابا وائل عن حذيفة قال نزلت في النفقة ... وعن اسلم ابي عمران قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا ابو ايوب الانصاري فقال ناس القى بيده الى التهلكة فقال ابو ايوب نحن اعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا .. صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الاسلام وظهر اجتمعنا معشر الانصار تحبباً فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلىالله عليه وسلم ونصره حتى فشا الاسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع الى أهليناوأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا "وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة" فكانت التهلكة في الأقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه ابوداؤود والترمزي والنسائي)[3]

واثناء الاحتلال الانجليزي لمصر، استعان الانجليز بعلماء الأزهر لتهدئة حركة المقاومة الشعبية ، وعن ذلك نقرأ (لم يكتف القوم باعلان الاحكام العرفية ولا باصدار القائد العام للجيوش البريطانية المنشور الذي اعترف فيه بما للخليفة من الاعتبار عند مسلمي القطر بل لجأوا من باب زيادة الحيطة الى الاستعانة بهيئة كبار العلماء بالديار المصرية فاستصدروا منها في 16/11/1914 رسالة الى الأمة تدعوها فيها الى السكون والتفادي عن الفتن ، واطاعة الحكومة. وكان على رأس كبار العلماء صاحب الفضيلة الاستاذ الأكبر الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر والشيخ بكري عاشور مفتي الديار المصرية . ولم يترك اصحاب الفضيلة العلماء آية من آيات الذكر الحكيم أو حديثاً من الأحاديث النبوية تحض على عدم المخاطرة وعدم القاء النفس الى التهلكة أو اتقاء الفتنة أو البعد عن تدخل المرء فيما لا يعنيه الا أتوا به في هذه الرسالة)!![4]

فاذا كان هذا التاريخ الملئ بالخزي ، هو تاريخ الانجليز مع علماء الأزهر ، فهل يمكن ان يحترموا ، أو يعتبروا قوانين الفقه ، الذي أفنى هؤلاء الاشياخ أعمارهم في اجترار متونه وحواشيه؟!

(25)

واستمر الأزهر يتملق الحكام بعد ذهاب الانجليز ، فلقد كان مثلاً ، يحتفل سنوياً بعيد ميلاد الملك فاروق !! ومما جاء في وصف أحدى مشاركاتهم في تلك المناسبة (فنهض الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر فألقى خطبة جمعت فأوعت في مناقب حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق) وكان مما قاله شيخ الأزهر في تلك الخطبة عن فاروق (انه مثال من مثل الخير العليا وصورة كاملة من صور الفضيلة المحببة للنفوس)!![5]

وكتبت مجلة الأزهر ، أيضاً ، بقلم رئيس تحريرها أحمد حسن الزيات ، قبل شهرين فقط من الإطاحة بفاروق (وبهدى صاحب الرسالة محمد صلوات الله عليه لسان الوحي ومنهاج الشرع ومعجزة البلاغة وبعطف صاحب الجلالة الفاروق ناصر الاسلام ومؤيد العروبة وحامي الأزهر ، أعز الله نصره وجمل بالعلوم والآداب عصره)!![6]

ولما قامت ثورة يوليو 1952 واطاحت بنظام فاروق ، كتب أحمد حسن الزيات نفسه ، في مجلة الأزهر نفسها، عن فاروق (وكان آية من آيات أبليس في الجرأة على دين الله ، انه كان كما حدثني أحد بطانته المقربين اليه انه اذا اضطرته رسوم الملك أن يشهد صلاة الجمعة خرج اليها من المضجع الحرام وصلاها من غير غسل ولا وضوء، واداها من غير فاتحة ولا تشهد . وكان يقول أخوف ما أخافه ان يغلبني الضحك وانا اتابع الإمام في هذه الحركات العجيبة . وبلغ من جرأته على الحرمات انه كان يغتصب الزوجة ويقتل الزوج ويسرق الدولة) !![7]

وهكذا تحول الملك فاروق ، من "الفاروق" الملك الصالح ، نموذج الفضيلة المحببة للنفوس ، الى الحاكم الظالم الفاسق الذي يخرج للصلاة من المضجع الحرام ، ويغتصب النساء ، ويقتل ازواجهن!!

وليس هذا الكذب والنفاق ، حظ مجلة الأزهر ، ورئيس تحريرها فحسب ، وانم هو وصمة عار ، في جبين كل الفقهاء والعلماء الراضين عن الأزهر ، والذين لم يسجل التاريخ ، لأي منهم ، أي إعتراض على هذه المؤسسة الدينية ، او على الحكام الظالمين الذين كانت تواليهم وتتملقهم ..

ولقد كان الهجوم على الملك فاروق ، بعد زواله ، تزلفاُ لنظام عبد الناصر.. فقد كتب الشيخ محمود شلتوت ، وكان من أبرز مشايخ الأزهر (فعلى المسلم السمع والطاعة فقد عرف انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وواجب المسلم لا يختلف ولا يقل نحو حكومته ما دام كل عملها في المصلحة العامة وما دامت لا تخالف أوامرها أوامر الله ولا أوامر الرسول لا فرق في ذلك بين حكومة علمانية أو حكومة دينية) !![8]

فالشيخ شلتوت ، لا يخلص هنا لفهمه الديني الذي يوجب تطبيق الشريعة وقوانينها، فيدعو الى طاعة الحكومة العلمانية ، ويزعم انها يمكن الا تخالف أوامر الله ورسوله !! فهل يمكن ان يكون قد قال ما قال ، اقتناعاً بنظام جمال عبد الناصر ، أم انه الخوف من بطشه والطمع في مودته ؟!



وكتب أحمد حسن الزيات ، في وصف الميثاق الوطني ، الذي وضعته حكومة عبد الناصر (ان ميثاقك الذي عاهدت الله الوفاء به وعاهدك الشعب على اللقاء عليه حروف من كلمات الله لم يؤلفها أحد قبلك في أي عهد لا في القديم ولا في الحديث لا في الشرق ولا في الغرب)!![9] ميثاق عبد الناصر حروف من كلمات الله !! وهذا يكتب في مجلة الأزهر دون ان يعترض العلماء والفقهاء والشيوخ ورجال الدين !!

ولقد زادت مجلة الأزهر في مدح الميثاق بقولها (وسينتشر ضوء ميثاقك المحكم الهادي في كل نفس ، وفي كل ارض ، انتشار كلمة الله ، لأنه الحق الذي وضعه الله في شرعه والنهج الذي سنه لجميع خلقه)!![10] ولوكانت هذه المجلة غير مجلة الأزهر ، لكان مجرد صمت شيوخ الازهر على مثل هذا الحديث ، عار يجلل هاماتهم أبد الدهر ، دع عنك أنها مجلتهم التي تصدر باسمهم و تتصدر الدعوة لتطبيق القوانين الاسلامية !!

وفي نفس العام ، حدثت مشكلة بسبب مقال آخر ، كتبه احمد حسن الزيات في مجلة الازهر، وذلك حين مدح الاشتراكية التي دعا اليها الرئيس جمال عبد الناصر ، وذكر انها أفضل من اشتراكية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم !! وذلك لأن اشتراكية محمد تقوم على العقيدة ، بينما تقوم اشتراكية عبد الناصر على العلم الحديث !! ولقد احتج بعض مشايخ الأزهر على هذه المقارنة الجائرة ، فتدخل الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر لتهدئة خواطرهم والاعتذار عن زلة الزيات وتأكيد حسن مقصده !![11]

ولم يكتف فقهاء الأزهر، وحماة الاسلام من رجال الدين ، بتملق الحكام ، وانما جنحوا الى تكفير الكتاب والمفكرين ، ثم استعداء الحكومات عليهم لتخلصهم منهم ، وقد عجزوا عن منازلتهم في ميدان الفكر والحوار .. ومن أمثلة ذلك رد الشيخ محمد النواوي ، على هجوم الدكتور طه حسين ، على جمود الأزهر وتخلفه ، فقد قال (ان الأزهر حق الله لأنه يبلغ رسالة الله ورسالة الانبياء من قبل ، إصلاح عالمي ، وسلام إسلامي ، لأنه يعاون الحكم الصالح الذي يثمثل اليوم في حكومة الثورة) !![12]

ان هذا الفقيه يحذر المفكر ، من التعرض للأزهر لأنه "حق الله" و "لأنه يعاون حكومة الثورة" ، وهو بهذا يستعدي الحكومة ويشير لها بان د. طه حسين ضدها لأنه نقد الأزهر!!

ولقد سار الشيخ محمد علي عامر، على نفس المنوال، فقال (ما كنت أظن ان الدكتور طه حسين ... يتمادى في التهكم بالأزهريين ، ويدأب على التهوين من شأنهم ، في الوقت الذي تمر به مصر الآن ، فيكتب عنهم بأنهم "لايتعلمون كما يتعلم الناس" ويصفهم بانهم "لا يعرفون من العلوم الا اسماءها" ويرد على بعض كتاب الأزهر ، فيقول عن الأزهر "انما عاش ولا زال يعيش في القرون الوسطى" وهو يعلم حق العلم بان الرئيس عبد الناصر وصحبه من رجال الثورة أغير الناس على الأزهر وأشدهم حرصاً على كرامته)!![13]

ولم يكتف علماء الأزهر بتكفير د. طه حسين ، وانما كفروا أيضاً الشيخ علي عبد الرازق ، وهو من خريجي الأزهر ، وطالبوه بارجاع شهادة "العالمية" التي منحوها له ، فأرسلها لهم وقد كتب معها "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" !! كما كفروا الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار .. واتهم الشيخ التفنتازي وبعض علماء الأزهر عمر لطفي المحامي بالالحاد لدعوته لإقامة الجمعيات التعاونية!![14] واتهم جماعة منهم على رأسهم الشيخ عليش الشيخ جمال الدين الأفغاني بالإلحاد لأفكاره العلمية ، كما كفروا قاسم أمين بسبب دعوته المناصرة للمرأة !! واتهموا محمد عبده بالزندقة لأنه أفتى بان لبس "البرنيطة" حلال!![15]

وفي عام 1992 أفتى بعض مشايخ الأزهر بكفر الكاتب د. فرج فودة ، فقام اثنان من الجماعات الاسلامية بالتنفيذ فاطلقا النار عليه أمام منزله واردياه قتيلاً!! وفي عام 1995 قام شاب بمحاولة اغتيال الكاتب المشهور نجيب محفوظ ، ولما قبض عليه إتضح اته لا يعرف نجيب محفوط ، ولم يقرأ له ، ولقد فعل ذلك بسبب فتوى قديمة افتاها الشيخ عمر عبد الرحمن !! وفي منتصف التسعينات رفع أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة دعوى ردة ضد د. نصر حامد أبوزيد ، ووجد من مشايخ الأزهر دعماً وتأييداً ، وإزاء حكم المحكمة لم يملك د. نصر حامد أبو زيد بدا من مغادرة مصر !! ومؤخراً افتى شيوخ الأزهر بردة د. نوال السعداوي الأمر الذي إعترضت عليه كافة منظمات حقوق الانسان ..

(26)

ولم يكن مستغرباً، بعد هذا التاريخ الحافل، ان يكفر الأزهر الجمهوريين ، ولكن الغريب، ان يعطي نفسه الحق بالتدخل في شئون السودانيين، فيوجه المسئولين الرسميين في الوزارات ، لا ليناقشوا الفكر الجمهوري وانما ليحرضوا السلطة لإيقافه !! ولو كان علماء الأزهر قد أقاموا الدين في مصر ، فخلت من كافة المفارقات ، وطبق حكامها الاسلام ، لبرء انشغالهم بالسودان من النفاق .. واعجب من موقف الأزهر موقف الفقهاء ووعاظ الشئون الدينية، الذين قبلوا بهذه الوصاية المصرية الجاهلة ، وطمأنوا اساتذتهم على انهم سائرون نحو القضاء على الفكر بالسلطة بعد ان قاموا بتكفيره !! ولقد تبع الأزهر، في ذلك علماء رابطة العالم الاسلامي ، التي يشرف عليها ملوك السعودية ، فلقد صمت هؤلاء عن الملك العضوض ، والفساد المتوارث، والبذخ باموال الشعب ، وهرعوا ليقيموا الدين في السودانيين بمصادرة فكر الجمهوريين!!

هذا هو موقف فقهاء الأزهر ، ووعاظ السلاطين ، فهم لن يعدوا قدرهم ، فما هو موقف المثقفين أمثال د. عبد الله علي ابراهيم ، الذين تلقوا تعليماً مدنياً ، بل وتبنوا في مرحلة من مراحل نضجهم الفكري والثقافي ، الآراء اليسارية التقدمية ؟! لماذا صمتوا على التكفير ومصادرة الرأي ، والتدخل الأجنبي لتصفية الخلاف الفكري باستعداء السلطة ، ثم جاؤا ليحدثوننا الآن عن سماحة الفقهاء وقوانينهم ؟!

ولقد استطاع الجمهوريون، الحصول على صور طبق الأصل، من هذه الوثائق، ونشروها على شعبهم في وقتها ، واني اذ أوردها هنا، مرة أخرى، أختم بها حديثي عن رجال الدين السعوديين و المصريين لنفرغ في الحلقة القادمة لرجال الدين السودانيين.



(صورة طبق الأصل)

بسم الله الرحمن الرحيم

" واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"

رابطة العالم الاسلامي

الرقم (1-3) 7/2631

رابطة العالم الاسلامي

الامانة العامة

التاريخ 5 ربيع الأول1395

مكة المكرمة



حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور عون الشريف قاسم الموقر

وزير الشئون الدينية والأوقاف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أفيد معاليكم بأن من ضمن القضايا الاسلامية التي ناقشها المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي في دورته السادسة عشرة (محمود محمد طه) السوداني الذي إدعى الرسالة وأنكر ختم الرسالة وانه المسيح المنتظر كما انكر الجزء الثاني من الشهادة الى آخر ما جاء في إدعاءاته الباطلة ..

وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه أصدر المجلس حكمه بالاجماع بارتداد المذكور عن الاسلام وتأييداً لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم وانه يجب على المسلمين ان يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.

أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذها وخاصة قد صدر عن مجلس يضم نخبة من العلماء والزعماء الممثلين من معظم الشعوب الاسلامية في العالم.

وانتهز هذه الفرصة للاعراب عن صادق مشاعري وتقديري لتعاونكم الدائم مع الرابطة فيما يرفع شأن الاسلام والمسلمين.

وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام.

التوقيع/ الأمين العام

أحمد صالح القزاز



أما خطاب الأزهر فقد كان كالأتي :



الأزهر

مجمع البحوث الاسلامية

مكتب الأمين العام

5/6/ 1972

السيد / وكيل وزارة الشئون الدينية والاوقاف بالسودان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد

فقد وقع تحت يدي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف كتاب الرسالة الثانية من الاسلام تأليف محمود محمد طه طبع في أمدرمان الطبعة الرابعة عام 1971 ص.ب 1151

وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية . وقد بلغ الرسالة الفرعية. وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعده. لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول. وبما ان هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه. فالرجاء التكرم بإتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الاسلامي العريق. وفقكم الله وسدد خطاكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الامين العام

لمجمع البحوث الاسلامية

دكتور محمد عبدالرحمن البيصار



أما رد الشئون الدينية فقد جاء كالاتي :



(صورة طبق الأصل)

23/7/ 1972

النمرة وش دو /1/1/8/1

السيد الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار

الأمين لمجمع البحوث الاسلامية

الأزهر- القاهرة

تحية طيبة

بالاشارة الى خطابكم المؤرخ 5/6/1972/ والخاص بكتاب الرسالة الثانية من الاسلام تأليف الاستاذ محمود محمد طه ان موضوع مؤلفات الاستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية وسنتخذ فيه الإجراءات المناسبة بعد إكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه .

هذا وتجدر الاشارة الى ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكماُ غيابياُ بانه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبه عن جميع الأقوال والأفعال التي أدت الى ردته وتجري الآن عمليه جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الإجراءات اللازمة وشكراً .



محمد أحمد ياجي

وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف[16]

-نواصل-

د. عمر القراي



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - مقالاته باراي العام

[2] - راجع تاريخ الجبرتي

[3] - تفسير ابن كثير الجزء الأول ص217

[4] - أحمد شفيق باشا : حوليات مصر السياسية الجزء الأول

[5] - مجلة الأزهر –مايو 1939

[6] - المصدر السابق مايو 1952

[7] - المصدر السابق يوليو 1960

[8] - المصدر السابق ديسمبر 1960

[9] -المصدر السابق يونيو 1962

[10] - المصدر السابق يناير1963

[11] - المصدر السابق مارس 1963

[12] -المصدر السابق نوفمبر 1955

[13] - أحمد أمين : زعماء الإصلاح ص 110 .

[14] - مجلة الأزهر فبراير 1963

[15] - أحمد أمين : زعماء الاصلاح ص 111

[16] - الأخوان الجمهوريون : الدين ورجال الدين عبر السنين . أمدرمان 1975
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة السادسة)
د. عمر القراى - 5 يوليو 2003
(27)

يقول د. عبد الله علي ابراهيم (وزاد الفكر الجمهوري في جفائه لهذا التقليد الشرعي بجعله هدفاً لحملات نقد وتنقيص . وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السريّة في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين أن يلطفوا عباراتهم في نقد القضاة مع علمي بمحنة الجمهوريين وما نالهم من القضاة والوعاظ في المساجد من أذى وترويع. ومغاضبة الجمهوريين لم تقع من جهة احسان ذلك التقليد الشرعي أو إساءته بل من إرث مواجهة سياسية راجعة الى ايام الحركة الوطنية . فقد صنف من ظنوا في انفسهم مجاهدة الاستعمار من امثال المرحوم محمود القضاة الشرعيين والاعيان وزعماء القبائل والطوائف بانهم من اعوان الاستعمار. وهذا كلام جاز طويلاً غير انه خاضع للنظر والمراجعة الآن . ويكفي ان تقرأ ما كتبه الدكتور حسن احمد ابراهيم عن السيد عبد الرحمن المهدي لكي تشكك في صواب هذه الزائعة عن اؤلئك الرجال. وقد دق حكم المحكمة الشرعية بردة المرحوم محمود محمد طه عليه الرحمة في 1968 اسفين الخصومة بين القضاة والمرحوم واختلط حابل تطوير الشريعة بعاديات السياسة واطوارها وبمنطويات النفوس).[1]

وقبل ان نوثق مفارقات القضاة الشرعيين ، نود ان نتساءل لماذا طالب د. عبد الله علي ابراهيم ، الجمهوريين ان يلطفوا عباراتهم في نقد القضاة ، ولم يكن له اي موقف ، حين اساءوا للجمهوريين وآذوهم وكفروهم؟ ألأنه يحترم الفقهاء والوعاظ ولا يعبأ بما جرى للجمهوريين حين اهدرت دماءهم؟!

ثم ماذا كتب د. حسن أحمد إبراهيم ، عن السيد عبد الرحمن المهدي ، مما يشكك في نقد الفقهاء والاعيان وزعماء الطائفية ؟ ألم يرض السيد عبد الرحمن المهدي ، بان يمنحه الاستعمار ، لقب "سير" ؟ ألم يسافر مع الوفد المكون من زعماء الطائفية والاعيان وزعماء القبائل والذي ذهب ليهنئ ملك انجلترا بانتصارها في الحرب ؟! ألم يقدم سيف المهدي - رمز الثورة الاسلامية الوطنية - هدية للملك المستعمر المسيحي والذي شكره ورده له ؟! الا يستحي د. عبد الله علي ابراهيم ، وهو يشيد بمثل "سير" عبد الرحمن المهدي ، ان يقول عن أول سجين سياسي سوداني في الحركة الوطنية (من ظنوا في انفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود) ؟!

ان د. عبد الله ، قد شعر ان ثناءه على الفقهاء وقوانينهم ، قد يقابل بالرفض من بعض القراء ، بسبب هجوم الجمهوريين على الفقهاء ورجال الدين .. فحاول ان يجد تبريراً لذلك الهجوم ، لا يقدح في القضاة الشرعيين ، فمال الى ناحية الجمهوريين ، فصور موقفهم الديني والوطني ، وكأنه مجرد رد فعل لمحكمة الردّة ، أو لخلاف قديم نشأ ابان الحركة الوطنية ، لأن الاستاذ محمود كان يظن في نفسه مجاهدة الاستعمار!!

وحين ذكر د. عبد الله محكمة الردّة ، لم يعلق عليها بكلمة ، ولم يشأ ان يوضح لقرائه ، انها كانت تعمل خارج اختصاصها ، وانها لذلك ، عجزت عن ان تحضر الاستاذ محمود أمامها ، فحكمت عليه غيابياً. وانها استغرقت ثلث ساعة ، وهي لا تكفي لمجرد قراءة الاقوال ، وقبلت شهادة شاهد قال "في رأي كذا وكذا .." ولم ترجع لنصوص الكتب ، رغم البتر المتعمد ، والتشوية المغرض. أكثر من ذلك ، انها كانت مؤامراة لأن الشاكي اتصل بالقاضي الذي سيحكم القضية ، ورئيس محكمة الاستئناف ، الذي يمكن ان يستأنف له الحكم ، قبل ان يرفع القضية ، ولم يرفعها حتى وعدوه خيراً !! فاذا كان كل هذا لا يهم د. عبد الله كمثقف ، مهتم بالعدالة والحداثة ، الا يهمه ان محكمة الردّة قد كانت مصادرة حق مواطن ، في الحياة ، لمجرد اختلافه مع الفقهاء في فهم الدين؟!

إن الخزي والعار ، ليجلل هامة أي مثقف سوداني ، عجز عن ان يقول مثل ما قاله د. منصور خالد في الفقهاء (أنا ما عندي أدنى شك في انه أي واحد فيهم لا يرقي إلى أخمص قدم محمود في العلم ناهيك عن الخلق)!![2]

(2

وكما ساعد علماء الازهر ، المستعمر الانجليزي ، بالفتاوى التي تثبط الشعب عن المقاومة ، قدم القضاة الشرعيّون والعلماء ورجال الدين في السودان خدمات مماثلة ، بل لعلها أسوأ . جاء عن تلك المواقف المخزية (وجهت الحكومة استفتاء لحضرة صاحب الفضيلة مفتي الديار السودانية عن إفطار المحاربين والمتصلين بهم عملياً في شهر رمضان فأصدر فضيلته الفتوى التالية: وتريدون معرفة نصوص الشريعة الاسلامية في مثل هذه الأحوال فأفيدكم بانه يجوز الافطار والحال كما ذكر بالسؤال) !![3] فالحكومة المستعمرة ، قد طلبت فتوى من الشيخ أبو شامة عبد المحمود ، قاضي قضاة السودان وكبير القضاة الشرعيين ، يجوز فيها للجنود السودانيين ، في قوة دفاع السودان ، والذين يحاربون بإمرة الانجليز مع الحلفاء ضد النازيين ، ان يفطروا في رمضان ، فافتى بذلك باعتبارهم مجاهدين في سبيل الله !!

ولم يكن هذا رأي المفتي وحده ، ولا رأي القضاة الشرعيين في ذلك الوقت فحسب ، وانما يشاركهم فيه المعاصرون منهم !! ففي عام 1975 رفع الشيخ ابراهيم جاد الله قاضي مديرية البحر الأحمر الشرعي قضية ضد الجمهوريين يتهمهم فيها بقذف القضاة الشرعيين لوصفهم لهم بالجهل بالدين والسياسة. ولقد كان اتجاه الجمهوريين هو اثبات ما قالوا مما يسقط تهمة القذف ، ولقد اتخذوا من الشاكي نفسه ومن شهوده نموذجاُ لاثبات دعواهم .. ولقد انعقدت جلسات هذه المحاكمة التاريخية في مدينة بورتسودان ، وحولت بعد الجلسة الأولى الى قاعة المجلس لكثاقة الحضور واستمرت لعشرة جلسات بدات في 2/6/1975 وانتهت في 12/6/197 حيث خسر الشيخ ابراهيم جاد الله ومن خلفه من القضاة الشرعيين وائمة المساجد واضطر الى سحب البلاغ.

ولقد جرى اثناء القضية الحوار التالي بين الاستاذ محمود والشاكي الشيخ ابراهيم جاد الله حول هذه الفتوى:



الاستاذ: طيب يا شيخ ابراهيم .. في نفس الباب دا في تطويع الدين للأمراء نحن لمن قلنا أنو فتوي المفتي ، كانت لمصلحة الاستعمار وهي تطويع للدين لخدمة الاستعمار، حين أفتى قوة دفاع السودان بانها تستطيع ان تفطر في رمضان قياساً على المجاهدين في سبيل الله ... في وقت انت قلت فيه أنو فتوى المفتي ما أصدرها لحكومة السودان وانما أصدرها للجنود .. هل انت على الرأي دا ؟ هل المفتي ما أفتى حكومة السودان بأن الجنود يمكن ان يفطروا ؟

الشاكي: البفطر منو؟

الاستاذ: حكومة السودان هي المهتمة بفطور الجنود .

الشاكي: أنا داير أعرف البفطر منو؟

الاستاذ: المهتم بفطور الجنود هو حكومة السودان.

الشاكي: هل العايز يفطر دا حكومة السودان وللا الجنود؟

الاستاذ: يا شيخ ابراهيم أظن انت بتجاوب الاسئلة .

القاضي: هل انت بتعتبر الفتوى ...

الشاكي: للجنود طبعاً . لأنهم هم الذين يصومون ويفطرون .

الاستاذ: السؤال للمفتي جاء من الحكومة .. هل الحكومة في عملها الدنيوي دا منتفعة بفطورالجنود ؟ وللأ هي عملتو لغير غرض رحمة بالجنود؟

الشاكي: الجنود منتفعين بالعمل دا .. وهم في ضبط وربط جندوا أنفسهم وطلبوا فتوى ووسيلتهم للاتصال هي الحكومة لمصلحتهم يشوفوا عملهم دا يفطروا معاه .

القاضي: هل الحكومة ما عندها مصلحة؟

الشاكي: الحكومة ما عندها مصلحة .

الاستاذ: نعم ؟ الإجابة شنو؟

القاضي: الحكومة ما عندها مصلحة.

الاستاذ: يا شيخ ابراهيم أقوى المحارب الصايم وللا الفاطر؟

الشاكي: القوة البدنية مثلاً ؟

الاستاذ: نعم .

الشاكي: أقوى الفاطر .

الاستاذ: على هذا القياس هل من مصلحة الحكومة ان يكونوا الجنود صايمين وللا فاطرين ؟

الشاكي: مصلحتها ياتا ؟

الاستاذ: من حيث ان المقاتل الفاطر أقوى من المقاتل الصايم . من وجهة النظر دي . هل من مصلحة الحكومة أنو الجنود يكونوا صايمين وللأ فاطرين ؟

الشاكي: الحكومة اذا هي بتنتفع من القتال أفضل يكونوا فاطرين .

الاستاذ: ...... الحديث في البخاري وعنوانه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل في المغنم ، والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله ؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله . فهل بتقيم على رايك داك ، انو يمكن ان يقاتل الناس البقاتلو ليبقى الاستعمار في البلد اذا انتصر على الغازي هم في سبيل الله؟

الشاكي: لم أقل ذلك وانما قلت ان المقاتلين لاخراج الاستعمار من بلدهم هم في سبيل الله.

الاستاذ: اذا انتصرت قوات الحلفاء كانت النتيجة بتكون شنو؟

الشاكي: اذا انتصر النازيون النتيجة شنو؟

الاستاذ: أيه رأيك في القتال في سبيل الله أذن ..هل القياس صحيح ؟ هل قياس المفتي لقوة دفاع السودان بالمقاتلين في سبيل الله حتى يفتيهم بالافطار في رمضان قياس صحيح ؟

الشاكي: أنا لا أريد ان اصحح فتوى المفتي ، انما قلت ان الجهاد في سبيل الله بتنضوي تحته اشياء كثيرة يعني من يقاتل في سبيل وطنو ليحفظ سلامتو وليحفظ عرضوا وسلامة دينو قد يكون في سبيل الله .

الاستاذ: يا شيخ ابراهيم نحن ما بنتكلم في فراغ .. نحن عندنا مسائل معينة فتوى المفتي الماك عايز تناقشا دي هي الاثارتنا لنعارض القضاء الشرعي ، وانت مشتكينا اليوم بتلومنا على شنو ، اذا كان دي فتوى المفتي بالصورة دي ، يدلس في الدين ودا ما وريناك ياهو ، ونحن هاجمناه وانت مشتكينا على اننا هاجمناه .[4]

فالمواجهة بين الجمهوريين وبين الفقهاء ورجال الدين سببها في البداية موالاة الفقهاء للمستعمر ، وتملقهم له على حساب الدين والوطن .. وليس سببها محكمة الردّة أو ان الاستاذ محمود كان يظن انه يواجه الاستعمار كما قرر د. عبد الله علي ابراهيم .

(29)

في منتصف الاربعينات ، نشأ الحزب الجمهوري مناهضاً للاستعمار ، وكان من ضمن نشاطه المكثف ، الخطب في المساجد ، ومن ذلك مثلاً (وهذه هي حالتنا نحن المسلمين اليوم فقد ذهبت هيبتنا في كل مكان وهنّا على اعدائنا اشد الهوان ان ظننا ان الاسلام هو مجرد الصلاة والصيام فأكتفينا بمجرد الركوع والسجود واطالة السبحة أو التطويل في السجدة وبمجرد الجوع والعطش وخيل لنا هوسنا انه يمكننا ان نجمع في قلوبنا بين حب الدنيا على أية حال وبين ما جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وانه يمكننا ان نجمع في قلوبنا بين الجبن وبين ما جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك هو الضلال البعيد ).[5] وفي مسجد رفاعة ، جاء في الخطبة التي حركت ثورة رفاعة (ليس هذا وقت العبادة في الخلاوي والزوايا ، أيها الناس ، وانما هو وقت الجهاد .. فمن قصّر عن الجهاد وهو قادر عليه ألبسه الله ثوب الذل وغضب عليه ولعنه. أيها الناس من رأى منكم المظلوم ولم ينصفه فلن ينصفه الله من عدو . ومن رأى منكم الذليل فلم ينصره فلن ينصره الله من عدو. ألا ان منظر الظلم شنيع ، الا ان منظر الظلم فظيع فمن رأى مظلوماً لا ينتصف من ظالمه ومن رأى ذليلاً لا ينتصر على مذله فلم تتحرك فيه نخوة الاسلام وشهامة الاسلام الى النصرة والمدافعة فليس له من الايمان ولا قلامة ظفر). [6]

في هذا الجو، من المعارضة السياسية للاستعمار ، حيث وظفت رسالة المسجد ، أعظم توظيف في دفع حركة المقاومة الشعبية ، وجهت الادارة البريطانية القضاة الشرعيين لايقاف الحديث في السياسة في المساجد !! فصدر المنشور التالي (اتصل بعلمنا ان بعض الخطباء والواعظين في المساجد خلطوا في خطبهم بين الدين والسياسة ، وهذا لا يصح في المساجد التي انشئت لعبادة الله تعالى . نصت المادة 11 من المنشور الشرعي نمرة 32 على ان للقاضي الشرعي حق الاشراف العام على المساجد وإقامة الشعائر الدينية فيه ..الخ ، لذلك نلفت نظر حضرات القضاة الشرعيين الى تنفيذ ما جاء بهذه الفقرة بجميع المساجد ، سواء كانت عامة أو خاصة كل في دائرة اختصاصه . والله الموفق لما فيه خير المسلمين وسعادتهم.

إمضاء

أحمد الطاهر

نائب قاضي قضاة السودان

16/6/1946).[7]

وهكذا بدلاً من ان يشارك القضاة الشرعييون ، في الحركة الوطنية ، دفاعاً عن وطنهم ودينهم ، اذا بهم يتمرغون في وحل الخيانة ، و يطعنون المقاومة الشعبية في خاصرتها ، بمنعها من تعبئة الجماهير من داخل المساجد !! يحدث هذا ، في ظروف قاسية ، يؤدي الحديث فيها في المنابر العامة ، أو توزيع المنشورات ، الى السجن مباشرة!! فنقرأ مثلاً (مثل الاستاذ محمود محمد طه المهندس امس أمام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الاخلال بالامن العام . وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لا يشتغل خلاله بالسياسة ولا يوزع منشورات او يودع السجن لمدة سنة اذا رفض ذلك . ولكن الاستاذ محمود رفض التوقيع مفضلاً السجن . وقد اقتيد لتوه الى سجن كوبر العمومي )!![8]

فما هو الثمن الذي باع به هؤلاء الاشياخ دينهم ووطنهم؟! نقرأ في غازيته الحكومة السودانية (قد تعطف حضرة صاحب المعالي الحاكم العام فأنعم بالكساوي الدينية وكساوي وحزامات الشرف على العلماء والمشايخ والأعيان الآتي ذكرهم بعد وذلك اعترافاً بخدماتهم الجليلة للحكومة )[9].. ولقد وردت اسماء كثيرة في قائمة الخزي هذه يهمنا منها: الشيخ محمد الجزولي - الشيخ عوض الله صالح- الشيخ عبد الماجد أبو قصيصة - الشيخ توفيق أحمد الصدّيق وسنعود لتفصيل الحديث عن هذه الشخصيات عندما نتناول محكمة الردّة لاحقاً.. ولكن المهم هنا ان نؤكد ان القضاة الشرعيين قد فرحوا بهذه الجبب والكساوي (الدينية) التي منحها لهم الحاكم العام الانجليزي ، ورضوا ان يبيعوا بها وطنهم ، وتلك سنة قديمة عرف بها رجال الدين في غير السودان .. ألم يقل احمد شوقي عن أتاتورك واصحابه في تركيا:

المنقذوك بمالهم ودمائهم * حين الشيوخ بجبة باعوك

ومع ان الاسلام لا يقبل ظاهرة رجال الدين ، ولا ان يتميز شخص بزي خاص به أي قدر من القداسة ، وان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتميز بزي خاص حتى ان الأعرابي اذا قدم مجلسه سأل: أيكم محمد؟ إلا أن القضاة الشرعيين أصروا بالزام أنفسهم بجبب الانجليز !! ومن ذلك نقرأ:

( نشرة عامة نمرة 18/5/1945

الخرطوم في 13/8/1945

جرت عادة البلاد على ان يرتدي رجال الدين الزي الذي يلبسه قضاة المحاكم الشرعية وهو الجبة وللمحاكم القفطان والحزام والعمة ، وهو الزي الذي يكسب صاحبه الإحترام المطلوب لهم وللعمال القضائيين بالمحاكم الشرعية ولذلك يتعين أن يرتدي الجميع هذا الزي . ولا يقبل بحال ارتداء الجلابية أو البالطو الأفرنجي . ولكن يجوز للظروف الحالية لبس العمة البلدية أو البالطو المقفول الذي يلبسه بعض الشيوح في هذه البلاد ومصر . واننا لنأمل الا نحتاج بعد هذا التنبيه الى إتخاذ أي إجراء آخر لحمل جميع العمال القضائيين على إلتزام زي الشيوخ الذي أشرنا اليه ، فنرجوكم ملاحظة تنفيذ ما تقدم إبتداء من أول اكتوبر1945 وافادتنا بكل مخالفة له مستقبلاً.

قاضي قضاة السودان

امضاء: حسن مأمون )[10]

ولقد شعر الاستاذ محمود ، بان القضاة الشرعيين ، ورجال الدين عموماً ، انما ينفرون الشباب الذكي ، عن الدين بجهلهم بحقائق الدين ، واظهارهم له بالعجز والهوان ، لأنهم يتزلفون الاستعمار، ويقفون حجر عثرة في طريق الحركة الوطنية الصادقة ، والبعث الديني الحقيقي .. ولذلك يقول (واني لشديد الثقة بأن هذا الشعب لن يتحرر مهما بلغت محاولاته الا عن طريق الاسلام ، وابادر فأطمئن الشباب المثقف اني لا أعني الاسلام الذي أحترفه المجلببون بجبب شرف الانجليز، انما أعني الاسلام الذي يقوم على روح القرآن ويستنبطه الذين يعلمونه . ولقد وظفت نفسي للدعوة اليه ، ولن يهدأ لي بال حتى أرى الانسانية قاطبة وقد قام ما بينها وبين ربها على الصلاة ، وبينها ، فيما بينها على الصلة ).[11]

-نواصل-

د. عمر القراي


---------------------------------

[1] - حديثه بجريدة الراي العام
[2] - حديثه لقناة ابوظبي في برنامج بين زمنين فبراير 2003
[3] - راجع نشرات وتعليمات المحاكم الشرعية يوليو 1941
[4] - الاخوان الجمهوريون : وقائع قضية بورتسودان –الكتاب الثالث – 1975 ص 27 -33.
[5] - خطبة الاستاذ محمود بجامع أمدرمان نوفمبر 1945
[6] - خطبة الاستاذ بجامع رفاعة سبتمبر 1946
[7] - راجع نشرات وتعليمات المحاكم الشرعية 1946
[8] - الراي العام 3/6/1946
[9] - راجع غازيته حكومة السودان العدد 798 يناير 1949 والعدد 838 يناير 1952
[10] - راجع نشرات وتعليمات المحاكم الشرعية 1945
[11] - الاستاذ محمود : جريدة الجمهورية يونيو 1954
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة السابعة)
د. عمر القراى - 27 يوليو 2003
(30)

وبعد الاستقلال ، استمر تملق الفقهاء ورجال الدين للحكام العسكريين ، والثناء عليهم بغير حق ، مما يعتبر تضليلاً للشعب ودعماً للباطل .. وعن هذا الموضوع ، جرت الاسئلة التاليه ، في قضية بورتسودان التي اشرنا الى ملابساتها في الحلقة الماضية ، من الاستاذ محمود للشيخ ابراهيم جاد الله ، قاضي مديرية البحر الاحمر:

الاستاذ : بسبيل برضو من هجومنا على المحاكم الشرعية انت اوردت اننا بنهاجم الأزهر ، وفي الحقيقة لنفس السبب ، ولأن الأزهر اكبر مؤسسة او جامعة اسلامية في العالم الاسلامي ، وكان زعماها مطية للاستعمار- هل تعلم يا شيخ ابراهيم عن فتوى رجال الأزهر بتكفير الاخوان المسلمين ، واباحة دمهم ، عندما كان جمال عبد الناصر يعارضوه الاخوان؟

الشاكي : والله لا أذكر .

الاستاذ : هل تقرأ مجلة الأزهر ؟

الشاكي : كنت اقراها من وقت لآخر عندي منها اعداد .

الاستاذ : هل تذكر اسم رئيس تحرير الاعداد التي إطلعت عليها؟

الشاكي : حسن الزيات على ما اعتقد .

الاستاذ : هل قرأت في مجلة الأزهر على عهد احمد حسن الزيات مقارنة بين اشتراكية محمد واشتراكية جمال عبد الناصر؟

الشاكي : لا أعرف .

الاستاذ : اذا قيل ليك انت لا تعرف اشياء كثيرة عن الأزهر لماذا تعترض على الذين يعرفونه ويهاجمونه؟

الشاكي: أنا اعرف ان الازهر هو اشعاع الثقافة الاسلامية ، ثقافتنا الاسلامية نفسها اتتنا من الازهر . واعرف ان الازهر خرج رجالاً ناضلوا وحاربوا الاستعمار في شتى انواعه وقادوا الثورات ضده وبزوا مثقفين اوربا وآسيا امثال الافغاني ومحمد عبده ,الشرقاوي وعليش .. واشتركوا في الثورة العرابية ، ولذا لا اقبل الهجوم على الأزهر.

الاستاذ: هل جمال الدين الافغاني أزهري؟

الشاكي: ثقافتو متعددة لكن انتهى به المقام في الأزهر ثقافتو نفس ثقافة الأزهر.

الاستاذ : نجي للشئون الدينية ، هل تذكر متى وكيف واين نشأت الشئون الدينية؟

الشاكي : نشأت في عهد الحكومة الوطنية سنة 1953 أو 54 نشأت لترعى المعاهد الاسلامية وتوسعت فيما بعد الى ان اصبحت ليها وزارة خاصة في هذا العهد اسندت اليها اختصاصات أخرى.

الاستاذ : قبل ان تصبح بصورتها الحاضرة هل تذكر نواتها بدأت كيف؟

الشاكي : نواتها المعاهد الدينية .

الاستاذ : هل تذكر ان قاضي القضاة كان يرعى نشاط كبير من النشاط الذي تقوم هي عليه اليوم؟

الشاكي : نعم جزء كبير منو.

الاستاذ : الوعظ والارشاد بالذات ؟

الشاكي: جزء كبير منو.

الاستاذ : هل تذكر احد رجالات الوعظ والارشاد الذين كان صوتهم عالي؟

الشاكي : اذكر الشيخ الغبشاوي وحسن طنون.

الاستاذ : في ايام الحكم الحكم العسكري هل تعرف شئ عن طنون الذي هو كبير وعاظها؟

الشاكي : كان يؤيد الحكم الموجود آنذاك.

الاستاذ : هل تذكر مواقف معينه لحسن طنون ايام الحكم العسكري ؟

الشاكي : لا أذكر – فقط اذكر انه يؤيد الحكم في ذلك الوقت .

الاستاذ : هل تذكر انه كان يقول طلعت فريد يذكره بعمر بن الخطاب وان الابراهيم ابراهيمان ابراهيم عبود وابراهيم الخليل؟

الشاكي : سمعت انو قال طلعت يذكره بعمر بن الخطاب .

الاستاذ : هل كان قاضي القضاة بيعلم كلام حسن طنون او يجب ان يعلم ؟

الشاكي : اذا كان هو الرئيس المباشر المفروص انو يعلم.

الاستاذ: هل قاضي القضاة ما بيعتبر مسئول عن الوعظ والارشاد اللي يباشروا طنون؟

الشاكي : بين قاضي القضاة والشئون الدينية كان مجرد تعاون.

الاستاذ : عندما يباشر حسن طنون وعظوا بالصورة دي ما بتفتكر انه بزيد في تضليل الشعب باسم الدين؟

الشاكي : اذا كان يشبه شخص بعمر بن الخطاب دا تصرف ما متمشي مع الحق.

الاستاذ : حسن طنون كان النواة اللي اتبلور حولها والوعظ والارشاد عندما ظهرت الشئون الدينية اللي اخذت من القضاء الشرعي جانب الوعظ والارشاد هل دا صحيح ؟ انو كان من اوائل وعاظ الشئون الدينية؟

الشاكي : كان من الاسماء اللامعة.

الاستاذ : اذا كانت هذه الصورة صحيحة لماذا تعترض على من يهاجم الشئون الدينية؟

الشاكي : انا اعترض على ذكر الاسماء ، وحسن طنون ليس كل الشئون الدينية وهناك في الشئون الدينية من يخالفه الرأي.

الاستاذ : نحن برضو ما بنحب ذكر الاسماء لكن الشخصية لما تصبح شخصية عمومية ، ما بتصبح ملك نفسها. الا تعتبر الشئون الدينية مسئولة عنه وهو واعظ تابع لها؟[1]



(31)



لم تكن مواجهة الجمهوريين ، للقضاة الشرعيين والفقهاء ورجال الدين ، سببها مواقفهم المخزية اثناء وجود الاستعمار والحكومات العسكرية فحسب ، بل لان دورهم في عهد الديمقراطية قد كان اسوأ .. اذ استغلوا في تصعيد الفتنة ، لخدمة القوى السلفية ، التي كانت تصادر الديمقراطية باسم الدين ..

ففي عام 1965 تآمرت الاحزاب الطائفية ، على الحزب الشيوعي السوداني ، فعدلت الدستور بتغيير المادة 5 (2) والتي كانت تعطي حق التعبير ، وحق التنظيم لجميع الاشخاص .. ثم حلت الحزب الشيوعي وطردت النواب الشيوعيين المنتخبين من الجمعية التأسيسية !! ولقد حدث ذلك بسبب ان طالباً ، تحدث في ندوة بمعهد المعلمين العالي ، وتعرض بالسب للنبي الكريم .. ولقد نفى الحزب الشيوعي ان تكون لهذا الطالب اي علاقة بالحزب .. ثم ظهر ان الطالب يعاني من مرض نفسي !! وكل ذلك لم يؤثر في القضية ، حتى بعد ان رفع الحزب شكوى للقضاء ، وحكم القضاء بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي !! وذلك لان السيد رئيس الوزراء ، آنذاك ، الصادق المهدي ، لم يستجب لحكم المحكمة العليا ، واصر على ابعاد الشيوعيين ، فاستقال السيد بابكر عوض الله رئيس القضاء مما احدث الازمة الدستورية ..

في هذا الجو من التوتر ، كانت القوي السلفية التي يوجهها رجال الدين ، تعمل في اتجاهين: اتجاه قانوني ، يحاول تبرير حل الحزب الشيوعي ، باعتباره اجراء ديمقراطي ، طالما ان الاغلبية قد وافقت عليه !! وكان يقود هذا الاتجاه د. الترابي ، وقد اخرج فيه كتاباً اسماه اضواء على المشكلة الدستورية .. واما الاتجاه الثاني فهو يتجه الى تعبئة جماهيرية ضد الشيوعيين ، بالتحريض عليهم ، والاعتداء على دورهم ، وهي حملة يقودها الوعاظ والائمة ، وجاراهم فيها ايضاً القضاة الشرعيين ..

ولقد واجه الجمهوريون كل هذه التيارات ، فقدم الاستاذ مجموعة محاضرات تحت عنوان "اسبوع مناهضة حل الحزب الشيوعي" !! ووزع الجمهوريون منشورات تخاطب الشعب ، وتواجه الطائفية دراء للفتنة وتتصدى للفقهاء والقضاة الشرعيين .. ومن ذلك مثلاً:

إن من الشيوعية على البلد لخطراً ، وإن من الطائفية على البلد لخطراً . وخطر الشيوعية على البلد ليس خطراً ماثلاً الآن ، والخطر الماثل هو خطر الطائفية .. إن الطائفية بتزييفها للدين، واستغلاله في مصالحها ، وضد مصالح الشعب ، هي صديق للشيوعية في ثياب عدو ، هي اكبر عون على نشر المذهبية الشيوعية من حيث لا تدري .. والشيوعيون السودانيون ، في هذه المرحلة من مراحل تطور البلاد ، يمثلون خطراً كبيراً على مصالح الطائفية ، ولذلك لا تستطيع الطائفية ان تحتمل وجودهم ، وهي لذلك تحب ان تستغل هذا الحادث المشؤوم ، لتقرنه بالحزب الشيوعي ، ولتجد المبررات لحله .. وهي تستخذم الحماس الديني ، عند الجماهير ، لتخفي حقيقة غرضها وراء الدين كعادتها دائماً .. اللباس الديني دائماً ستار ، يخفي المطامع السياسية والمطامع الدنيوية .

ان خوف رجال الطائفية ، من الشيوعيين ، قد جعلهم يتصرفون تصرفاً غير مسئول . فانك حين تقرأ بيان وزير الداخلية ، تشعر بالتحريض والاثارة للجماهير بصورة محزنة . وقد كان واجب الوزير ان يخبر الشعب ، بان سلطات الامن لن تتساهل مع أي انسان يحاول ان يأخذ القانون في يده . وان الحادث فردي ، وان المجرم معتقل ، ويجب ان يترك الناس الفرصة للقضاء ليأخذ مجراه ، وان المتهم لم تثبت له علاقة بالحزب الشيوعي فقد أعلن الحزب الشيوعي عدم انتسابه له وتبرأ من فعله وادانه ادانة تامة – هذا ما كان يجب ان يقوله رجل مسئول ، مثل وزير الداخلية .. ثم ان الصحف طلعتنا بتصريح للسيد اسماعيل الأزهري ، لا يمكن ان يصدر عن رجل في مثل منصبه ، ومسئوليته ، فان صح هذا التصريح ، فإن بلادنا في خطر ، أعظم مما يظن أكثر الناس تشاؤماً .. فقد نشرت الرأي العام ، انه قال بعد حديث يخاطب فيه المتظاهرين "انتظروا ساعات قليلة فان لم تضع الحكومة والجمعية التأسيسية حداً لهذا الفساد فسأنزل معكم اقود المظاهرات في تطهير هذا البلد" .. فان صح هذا القول ، فان نكبة هذا البلد جد عظيمة .. أما جماعة الاخوان المسلمين ، فانها تستغل هذا الحادث المؤسف ، استغلالاً سياسياً بشعا ،ً يأباه الدين وتأباه الخصومة النظيفة .. وهي بعملها هذا ، لعبة في يد الطائفية تمثل لها مخلب القط ..

ان المؤامرة التي تدار اليوم ، وتحاك ضد الحزب الشيوعي باسم الدين الاسلامي ، وباسم الدفاع عن حرمة رسوله الكريم ، تلك الحرمة التي جلت عن كيد الكائدين ، ونيل النائلين على مدى العصور، انما هي مؤامرة ضد االشعب السوداني- ضد حريته وضد تقدمه وضد ديمقراطيته .. فان سكت عنها الاحرار والمثقفون اليوم ، بان جاز عليهم هذا التباكي على الدين ، فإن حلقاتها ستطبق عما قريب على كل حر، وكل مفكر يطمح الى منازل الكرامة والشرف.

أيها الشعب السوداني ، انك تعيش في هذه الايام احلك ساعاتك ، وتمر بتجربة لا تستطيع ان تجتازها بسلام ، الا اذا حكمت عقلك ، ونبذت تلك التبعية العمياء لكل ناعق وكل مشئوم من الدعاة .. إن الله متوليك وحارسك .. إن الله لا يهدي كيد الخائنين .[2]

وحتى تطفأ الفتنة ، كتب بعض المواطنين في الصحف ، ان على الشاب ان يعلن توبته ، ويعتذر للمسلمين عن ما قال .. ولكن رجال الدين لم يرضوا عن ذلك واصدرت الهيئة القضائية الشرعية العليا بياناً يقول بان الشاب قد سب النبى صلى الله عليه وسلم وان من يسب النبى لا تقبل توبته !!

وعن هذا الموضوع ، جرى الحوار التالي ، بين الأخ بدر الدين السيمت ، وبين الشاكي الشيخ ابراهيم جاد الله:

بدر الدين: هل عندكم في الشريعة ان باب التوبة يقفل؟

الشاكي : أبداً .

بدر الدين: هذا بيان عن الهيئة الشرعية العليا صدر في نوفمبر 1965 يقول "ان المرتد يستتاب ثلاثة أيام والا قتل ما لم تكن ردته إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم فان التوبة لا تقبل فيها" ومعنى هذا هو قفل باب التوبة وهو اوسع الابواب لأنه باب الرحمة التي وسعت كل شئ . ما رايك في ان الهيئة الشرعية قد قفلت باب التوبة؟

الشاكي : في بعض الاشياء التوبة لا تقبل انا لا يحضرني نص يثبت ذلك .

بدر الدين: هل توافق على الاستثناء الذي اوردته الهيئة الشرعية؟

الشاكي : انا اوافق على استثناء الهيئة الشرعية لانها لا بد هي تكون مستندة الى نص لكن انا لا يحضرني النص .

بدر الدين: أيه رايك في الآية " قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفرالذنوب جميعاً" ؟

الشاكي : القرآن فيه خاص وعام وفيه ان الله لا يغفر ان يشرك به وهذه الآية تفسيرها عام

بدر الدين: بعض الذنوب عندك لا تغفر؟

الشاكي : نعم

بدر الدين: والقرآن يقول " ان الله يغفر الذنوب جميعاً "؟

الشاكي : القرآن فيه محكم وخاص وعام.

(القاضي يسجل الآية ويسأل الشاكي عن تفسيرها)

الشاكي : الآية تفسيرها عام لأن هناك استثناء مثل الآية "ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" .

(ممثل الاتهام يطالب بتسجيل هذه الآية)

بدر الدين: البيان صدر في سنة 65 ورد عليه الاستاذ في نفس السنة:

إن الهيئة القضائية الشرعية العليا كما يطيب لها ان تسمي نفسها ومن جاراها في اصدار هذا البيان الردئ لا يعرفون عن السياسة شيئاً ولا يعرفون عن الدين ما يكفي ونحن لا نناقشهم في السياسة وانما نناقشهم فيما يدعون معرفته .. يقول هذا البيان الردئ إن المرتد يستتاب ثلاثة أيام فان تاب والا قتل ما لم تكن ردته إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم فان التوبة لا تقبل فيها .. ومعنى هذا هو قفل باب التوبة وهو اوسع الابواب لانه باب الرحمة التي وسعت كل شئ . يقول الله تعالى "ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وهذا باب واسع واوسع منه قوله تعالى "والذين لا يدعون مع الله الهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً الا من تاب وآمن وعمل صالحاً فاؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً" واوسع ابواب التوبة على الاطلاق لانه يستمد من الاطلاق قول تعالى "قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم" .. إن رجلاً يقفل باب التوبة باسم الدين لا يحق له ان يتحدث عن الدين . ان جهل رجال الدين بالدين لهو الذي جعل شبان هذا الجيل شيوعيين فان اردتم ان تعرفوا من المسئول عن نشر الالحاد والانحراف عن الدين في هذا البلد فانما هم رجال الدين والطائفية. ايها القضاة الشرعيون انكم ببيانكم الردئ الممعن في الرداءة والجهل تحرضون على الفتنة وقتل الابرياء ولقد عهدناكم دائماً تسيرون خلف السلطة مما افقد الشبان احترامكم وساقهم ذلك خطأ وجهلاً الى عدم احترام الدين.[3]

هل تعتبر هذا البيان رد فعل لمحكمة الردّة ؟

الشاكي : لم احصر هجوم محمود على القضاة الشرعيين في سبب واحد هو صدور الحكم عليه بالارتداد عن الدين.

بدر الدين: سؤالي محدد هل هذا رد فعل لمحكمة الردّة ؟

الشاكي : إعتبره رد فعل لمسألة أخرى غير محكمة الردّة .[4]



(32)

وفي اتجاه الدعم القانوني ، لحل الحزب الشيوعي كتب د. حسن الترابي (وليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه للتفريق بين نص ونص على اساس ان هذا قابل للتعديل ، والآخر غير قابل ، ولا ما يسند الزعم بان لفصل الحقوق الاساسية خاصية تميزه في هذا الصدد عن سائر الفصول ، فكلها تستوي في قوة مفعولها ، وايما قانوني تعلل بمجرد الاهمية النسبية لهذا الفصل أو ذاك في تقديره الشخصي ، فانما هو متكلف لا شاهد له من الدستور ، ومغالط لا حجة له من القانون ، ومتعبط يتجنى على القانون . ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من اضعفها لانه يخضع للتشريع) !![5]



ولقد كتب الاستاذ محمود كتاباً في الرد على كتاب د. الترابي جاء في مقدمته (بين ايدينا الآن كتاب اخرجه الدكتور حسن الترابي باسم "اضواء على المشكلة الدستورية" وهو كتاب من حيث هو ، لا قيمة له ولا خطر ، لأنه متهافت ، ولأنه سطحي ، ولانه ينضح بالغرض ، ويتسم بقلة الذكاء الفطري . ولكن خطره انما يجئ من مؤلفه ، فأنه دكتور في القانون الدستوري ، وهو قد كان عميداً من عمداء كلية الحقوق السابقين ، وهو زعيم جبهة الميثاق الاسلامي ، وهو عضو في الجمعية التأسيسية ، وهو من مؤلفي الأزمة الدستورية ، وهو مع ذلك من مستشاري مجلس السيادة الذين على هدى نصيحتهم يرجى لهذه الازمة الدستورية العجيبة ان تحل .)[6] ..

وفي الرد على النقطة التي اثارها كتاب د. الترابي واقتطفناها اعلاه رجع الاستاذ الى تعريف الديمقراطية عند الاغريق واستشهد بخطبة بركليس المشهورة بخطبة الجنازة ثم قال:

هذا ما قاله بركليس قبل الفين واربعمائة سنة ، ومنه يتضح ان الديمقراطية اسلوب حكم ، ومنهاج حياة ، بها تتنسق جميع العلاقات بين الناس ، وهي تقوم ، فوق كل اعتبار ، على احترام كرامة الانسان ، وحيثما يجد هذا الاعتبار اعترافاً فتطبيقاته تكون مستويات السلوك في المجتمع ، وهي تكون اتفاقاً متبادلاً اكثر منها قسراً ، وصدقاً وليس زيفاً .. ويجب ان يكون واضحاً ان الديمقراطية ليست اجهزة الحكم الديمقراطي ، فنحن لا نكون ديمقراطيين لمجرد ان عندنا جمعية تأسيسية لتضع لنا الدستور ، ولا نكون ديمقراطيين لمجرد ان عندنا هيئة تشريعية ، وهيئة تنفيذية ، وهيئة قضائية ، تحتفظ كل هيئة باستقلالها وتعمل ، مع ذلك ، في تناسق مع بعضها .. ولكننا نكون ديمقراطيين اذا كانت عندنا جميع هذه الهيئات ، وهي تعمل لتكفل لنا اسلوباً من الحكم يحقق كرامة الانسان .... وتعد المساواة بين كافة الناس مظهراً من أهم مظاهر المذهب الديمقراطي .. فالناس من حيث هم ناس ، مهما فرقت بينهم فوارق الجنس ، او اللون ، أو اللغة ، أو الدين ، او القومية ، او الطبقة . فان هناك شيئاً اساسياً مشتركاً بينهم ، هو العقل .. والقدرة على التفكير .. والناس بهذه النظرة ليسوا اعضاء في طائفة اجتماعية او طبقة اقتصادية ، او قومية معينة ، لان "الذي يتساوون فيه بصفة اساسية يأتي مما يشتركون فيه لا مما يفرق بينهم" . وفي اعلان الاستقلال الامريكي ينعكس الايمان بان جميع الناس متساوون من ناحية إمتلاكهم حقوقاً اساسية معينة ، لا نزاع فيها: مثل "حق الحياة" و "الحرية" و "السعي وراء السعادة" .. وفي راي واضعي هذا الاعلان ان المساواة التي يحصل عليها الانسان عند الميلاد ليست منحة وانما هي حق .. وانما قام نظام الحكم الديمقراطي ليجعل كل هذه الحقوق الاساسية مكفولة . والدستور الذي هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي هو القانون الاساسي ، وانما سمي قانوناً اساسياً لانه ينصص على هذه الحقوق الاساسية ، وانما سميت الهيئة التي تضع الدستور جمعية تأسيسية لانها تضع القانون الاساسي ، وواضح ان الحقوق الاساسية انما سميت حقوقاً اساسية لانها تولد مع الانسان .. الحياة والحرية: هي حقوق لانها لا تمنح ولا تسلب في شرعة العدل .. وهي اساسية لانها كالغذاء وكالهواء والماء ..

ويمكن اذن ان يقال ان الدستور هو "حق حرية الرأي" وان كل مواد الدستور الاخرى ، بل وكل مواد القانون ، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة .. فان النخلة بكل عروقها ، وفروعها ، وساقها ، موجودة في "الحصاية" تراها عين العقل . فاذا وجدت "الحصاية" الظرف المناسب ، من التربة ، والماء ، خرجت منها النخلة ، بكل مقوماتها واصبحت ماثلة تراها عين الرأس ايضاً ، بعد ان كانت معدومة في حقها .. وكذلك الدستور هو موجود بالجرثومة في الحق الاساسي "حق حرية الرأي" وما الجمعية التأسيسية الا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور ، بفروعها ، وعروقها ، وساقها تنطلق من تلك البذرة الصغيرة ، كما انطلقت النخلة من "الحصاية".

هذا فهم للديمقراطية وللدستور وللحقوق الاساسية يفهمه كل مثقف استطاع ان ينفذ من قشور الثقافة الغربية الى اللباب ، ولكن الدكتور الترابي وقف مع القشور حين ظن ان "ليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه في التفريق بين نص ونص على اساس ان هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل"

ولو كان الدكتور الترابي قد نفذ الى لباب الثقافة الغربية لعلم ان المادة 5 (2) من دستور السودان المؤقت غير قابلة للتعديل ، وهذه المادة تقول "لجميع الاشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون" وهي غير قابلة للتعديل لانها جرثومة الدستور، التي انما يكون عليها التفريع .. وهي الدستور ، فاذا عدلت تعديلاً يمكن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي فان الدستور قد تقوض تقوضاً تاماً .. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي الا على اساس الديمقراطية المزيفة .. وهي ما يبدو ان الدكتور الترابي قد تورط في تضليلها.

المادة 5 (2) هي دستور السودان المؤقت وهي دستور السودان المستديم ، وهي دستور كل حكم ديمقراطي ، حيث وجد هذا الحكم الديمقراطي ، وعمل الجمعية التأسيسية في وضع الدستور انما هو تفريع عليها ، ليجعل تحقيقها أكمل وأتم .

وهناك قولة قالها الدكتور الترابي هي احدى الكبر في شرعة العقل المفكر ، والثقافة الصحيحة ، وتلك هي قوله "ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من اضعفها لانه يخضع للتشريع" فعبارة "لانه يخضع للتشريع" تدل دلالة قوية على ان الدكتور يجهل اموراً ما ينبغي ان تجهل في امر الحرية ، وفي امر التشريع .. واول هذه الأمور ان الحرية لا تضار بالتشريع ، وانما تزدهر بالتشريع ، اللهم الا اذا كان هذا التشريع يقوم على نزوات الحكم المطلق ، الذي يسمي نفسه ديمقراطية ، زوراً وبهتاناً .. وهذا ما يبدو ان الدكتور يعنيه .. وهذه احدى مشاكل تفكير الدكتور .. وعبارة "في حدود القانون" التي وردت في عجز المادة 5 (2) هي روح المادة .. لان القانون هو الذي يعطي الحرية معناها ، ويميزها عن الفوضى .. فالتشريع صديق الحرية وليس عدوها ، وكل تشريع غير ذلك لا يسمى تشريعاً ، الا من قبيل تضليل الناس .. فالتشريع في النظام الديمقراطي طرف من الدستور وهذا هو المعني بدستورية القوانين .. فكل تشريع يعارض الحرية ليس تشريعاً دستورياً.[7]



(33)

لقد كانت هذه بعض نماذج ، من مواجهة الاستاذ محمود ، والجمهوريين ، للفقهاء ورجال الدين ، سواء ان كانوا يدعون التقدمية ، والديمقراطية ، أمثال د. الترابي أو كانوا يتمسكون بالفقه مثل القضاة الشرعيين .. ولم تكن تلك المواجهة ، بسبب محكمة الردّة ، لانها كانت سابقة لها .. وانما هي بسبب الدفاع عن الشعب السوداني ، وحريته وكرامته . ولقد اتخذت قضية حل الحزب الشيوعي السوداني ، انموذجاً لفساد الاحزاب الطائفية ، وجبهة الميثاق الاسلامي ، والفقهاء والقضاة الشرعيين ، الذين ساقوا البلاد الى فتنة ، حين ضاقوا بالديمقراطية ، التي كانوا يدعونها..



ولقد وقف كثير من المثقفين ، مع حملة الجمهوريين ، في مناهضة حل الحزب الشيوعي .. ورأوا في فساد هذه الاحزاب الطائفية ، والجماعات الاسلامية ، ما يبرر العبارات الشديدة ، التي كانت ترد في نقد الجمهوريين لهذه الجماعات ، خاصة اؤلئك الذين تضرروا مباشرة ، مثل كثير من الشيوعين والديمقراطيين..

اما د. عبد الله علي ابراهيم ، فانه حتى بعد محكمة الردّة ، وبعد شكوى القضاة الشرعيين ، للجمهوريين ، في قضية بورتسودان ، لم يكن يوافق على هجوم الجمهوريين ، على القضاة الشرعيين بعبارات شديدة !! ولذلك قال (وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين ان يلطفوا عباراتهم في نقد القضاة)!![8]



-نواصل-



د. عمر القراي


-----------------------------------

[1] - الاخوان الجمهوريون : وقائع قضية بورتسودان – الكتاب الثالث 1975
[2] - بيان الاخوان الحمهوريين بتاريخ 16/11/1965
[3] - محمود محمد طه : بيان عام 15/11/ 1965 صدر بالرونيو ثم نشر في السودان الجديد والميدان .
[4] - الاخوان الجمهوريون : قضية بورتسودان الكتاب الاول –الطبعة الثانية اغسطس 1975
[5] - د. الترابي : اضواء على المشكلة الدستورية ص 16
[6] - محمود محمد طه : زعيم جبهة الميثاق الاسلامي في ميزان : 1- الثقافة الغربية 2- الاسلام ص 2
[7] - المصدر السابق ص 11 - 14
[8] - مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في سودانايل .
حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الثامنة)
د. عمر القراى - 9 أغسطس 2003
(34)

ورغم ان د. عبدالله على ابراهيم ، قد أثنى على الفقهاء ، عموماً ، الا انه لم يذكر بالاسم ، غير الشيخ محمد الجزولي ، فقال ( يكفي انهن قد صرن بفضله قاضيات شريعة بفقه ذكي لمولانا شيخ الجزولي وقد صليت لروحه الطاهر التقدمي عند زيارتي لأضرحة الختمية بحلة حمد ... وقد سمعت الجزولي يقول النساء أدرى بوجع النساء واقرب الى ظلاماتهن ...) !![1]

ونحن ، أيضاً ، نرجو ان يغفر الله للشيخ الجزولي ، ويرحمه ، ولكننا نرى انه كان كغيره من الفقهاء ، ممن تلقوا جبب الشرف ، من الاستعمار ، فاختالوا فيها ، وما علموا انها جبب عدم الشرف ، لانها دليل التعاون مع المستعمر الغاصب ، في وقت كان فيه الشرفاء ، يناهضونه ، من داخل السجون .. ولقد اثبتنا اسمه في وثائق العار، من غازيتة حكومة السودان ، في مقال سابق ، من هذه السلسلة فليراجع .. كما ان الشيخ الجزولي ، لم يكن "تقدميا" كما ذكر د. عبد الله ، بغير حق ، وانما كان اكثر تخلفاً من بقية رصفائه من القضاة الشرعيين . ورغم انه كان ممن تولوا أرفع المناصب في القضاء الشرعي ، الا انه لم يحسن من قوانين الاحوال الشخصية، التي يرى ان بها اجحافاً في حق المرأة ، بل يدعو المرأة والرجل الى الاخلاق الرفيعة ، حتى لا يحتاجا لهذه القوانين !!

(الشيخ الجزولي هو رئيس جهاز الاحوال الشخصية ، اذ يحتل المرتبة التي كان يحتلها قاضي القضاة ، فهو نائب رئيس المحكمة العليا . وقد تبوأ هذا المنصب ممثلاً لدوائر الاحوال الشخصية ، وبصفته هذه ، وجد طريقه ليقدم بحثاً لسمنار المرأة والتنمية بالدويم .. وقد كان بحثه ، بعنوانه ، وبصفة مقدمه ، يتعلق بقوانين الاحوال الشخصية ، ولكنه تهرب من توضيح هذه القوانين ، رغم ان البحث فدم في مجال يعالج دور المرأة في التنمية ، ومن ثم نشأ التساؤل عن قانون الاحوال الشخصية ، وهل هو معوق للمرأة عن دورها؟ بعجزه عن تحقيق الكرامة و الاستقرار لها في بيتها، وبتنكره لطاقتها ... والذي يهمنا من البحث تساؤل الشيخ "هل يمكن اجراء تعديلات في قانون الاحوال الشخصية ؟" وسؤاله "ما هي الاسباب الدافعة للمطالبة بالتعديلات ؟" ويجيب "ان الاسباب في اعتقادنا هي ما يلمس في حياة البعض الزوجية من الشقاق ويلاحظ من الاضطراب وعدم الاستقرار ، ونتساءل مرة أخرى هل الشقاق والاضطراب منشؤه خلل في طبيعة عقد الزواج الشرعي وما يرتبه من حقوق وواجبات على كلا الزوجين ، ام منشؤه الخلل في التزامنا بحقوق وواجبات هذا العقد ؟ ان الجواب هو ان الخلل في التزامنا بحقوق وواجبات هذا العقد هو السبب الحقيقي لذلكم الشقاق والاضطراب في حياة البعض الزوجية " . وهكذا بدلاً من ان يحدثنا الشيخ عن حقوق المرأة في عقد الزواج ، وهل هي متكافئة مع حقوق الرجل ، ومع قامتها الحاضرة بما يكفل كرامتها واستقرارها ، أم انها دون ذلك فتحتاج لتعديل ، بدلاً من هذه الاجابة المباشرة ، يترك الشيخ امر القوانين التي يجب ان يتحدث عنها ، وينطلق ليعظنا عن الاخلاق .. والحديث عن الاخلاق قد احترفه قرناء له آخرون يرتزقون منه .. وكنا ننتظر منه هو ، كرئيس لدوائر الاحوال الشخصية ، ان يحدثنا عن القوانين والحقوق والواجبات في قانون الاحوال الشخصية .. ولا عذر له في ذلك الا ان يكون هذا القانون على حالة من التخلف يجب سترها واخفاءها كما سنوضح .. فالشيخ الواعظ يختم وعظه بقوله "ولذلك فانه لا ينصلح الأمر باقتراح التعديلات في قوانين الاحوال الشخصية ولكن بالعودة الى التخلق بالاخلاق السامية والتحلي بالصفات النبيلة التي وجه اليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم" هذا ما يقوله هذا الشيخ . ولكن البديهيات التي يعلمنا اياها الكتاب وتعلمنا اياها السنة ان امر الحقوق المتجددة لا يترك لاخلاق الناس . والاسلام ليس وصايا اخلاقية معلقة في الهواء ، وانما هو تشريع يعطي الحقوق وينفذها .. وهذا التشريع هو الحد الادنى من الاخلاق .. والاخلاق تدعمه وتؤكده وتتسامى به. واذا كان الشيخ الجزولي هو المنوط به تحضير التشريعات الخاصة بالاحوال الشخصية ، وهو يجهل الفرق بين القوانين والاخلاق ، ولا يعلم ان احقاق الحقوق يترك لاخلاق الناس ، وانما ينصص ويلزم الناس باحترامه وتطبيقه ، فاذا كان نائب رئيس المحكمة العليا يجهل كل هذه البديهيات ، فيبدو ان جهاز الاحوال الشخصية محكوم عليه بالتحجر ، والعجز عن معالجة مشاكل العصر في أي مستوى . ولماذا لم يترك جهاز الاحوال الشخصية المرأة لخلقها ، فان هي رأت ان تتحمل زوجها وتصبر عليه عاشت معه والا فلا؟ لماذا كانوا يسوقونها الى بيت الطاعة بالبوليس ، والآن يسوقونها بالتجويع والحرمان اذ ان من لم تنفذ حكم الطاعة يسقط حقها في النفقة وتظل معلقة حتى ترجع ذليلة تحت وطأة الحاجة؟

وماهي طبيعة عقد الزواج الشرعي كما هو في قوانين الاحوال الشخصية ؟ وما هي حقوق المرأة فيه؟ هذا ما لم يجب عليه رئيس دوائر الاحوال الشخصية ، وهو اساس بحثه .. ولكنه تهرب ليغرق القضية بالوعظ ويموهها بالتعميمات التي تخدع عن اصل الداء .

فمن طبيعة هذا العقد ، ان المرأة ، مهما كان مستواها من الرشد ، لا ينعقد تصرفها في أخص شئونها "زواجها" الا اذا تولى أمرها ولي رجل .. ومن طبيعة هذا العقد ان المرأة حين تدخل حياتها الزوجية لا يمكنها كطرف في العقد ان تفض هذه العلاقة مهما تكشفت لها حقائقها المرة .. ولكن الرجل يمكنه ان ينهي هذه العلاقة بكلمة ولا يسأل عن سبب ، كما يمكنه ان يعلق الزوجة بحبل الطلاق فلا تجد منه فكاكاً .. ومن طبيعة هذا العقد ، ان احد طرفي العقد ، الرجل، يمكنه ان يضيف الى هذه العلاقة الزوجية اطرافاً من الضرات بالتعدد ، وقانون الاحوال الشخصية لا يسأله عن ذلك ولا يقيده .. هذه هي طبيعة العقد في قانون الاحوال الشخصية ، فقد اخفاه الشيخ الجزولي وراوغ فيه مما لبس القضية على البعض . )[2]



(35)

في يوم الاثنين 27 شعبان 1388 ، الموافق 18 نوفمبر 1968 انعقدت ما سميت بالمحكمة الشرعية العليا ، لتنظر في دعوى الردة المرفوعة ضد محمود محمد طه ، رئيس الحزب الجمهوري ، من الشيخين الامين داؤود محمد وحسين محمد زكي .. وقد طلب المدعيان من المحكمة الآتي :

1- إعلان ردة محمود محمد طه عن الاسلام ، بما يثبت عليه من الأدلة .

2- حل حزبه لخطورته على المجتمع الاسلامي .

3- مصادرة كتبه وإغلاق دار حزبه .

4- إصدار بيان للجمهور يوضح رأي العلماء في معتقدات المدعى عليه .

5- تطليق زوجته المسلمة منه .

6- لا يسمح له أو لأي من اتباعه بالتحدث باسم الدين أو تفسير آيات القرآن .

7- مؤاخذة من يعتنق مذهبه بعد هذا الاعلان وفصله ان كان موظفاً ، ومحاربته ان كان غير موظف وتطليق زوجته المسلمة منه .

8- الصفح عمن تاب واناب وعاد الى حظيرة الاسلام من متبعيه أو من يعتنقون مذهبه .

وقد استمعت المحكمة لخطابي المدعيين ، ولاقوال شهودهما لمدة ثلاث ساعات ، ثم رفعت جلستها لمدة ثلث ساعة.. وعند انعقادها للمرة الثانية قرأ القاضي الحيثيات التالية :

"حكمنا غيابياً للمدعيين حسبة الاستاذين الامين داؤود محمد هذا وحسين محمد زكي هذا على المدعى عليه الاستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري الغائب عن هذا المجلس بانه مرتد عن الاسلام وامرناه بالتوبة من جميع الافعال والاقوال التي ادت الى ردته كما قررنا صرف النظر عن البنود من نمرة 2 الى نمرة 6 من العريضة وهي الامور التي تتعلق وتترتب على الحكم بالردّة وفهم الحاضرون ذلك" .

القاضي

توفيق احمد الصدّيق[3]

ولقد قرر الاستاذ محمود من البداية ، تصعيد المواجهة ، لانه ادرك ان الموضوع مواجهة سياسية ، تلتحف قداسة الاسلام .. فلم يحترم المحكمة بالمثول امامها ، ورفض ان يوقع على الاعلان ، ولم تستطع المحكمة ان تحضره امامها ، لانها كانت في الاساس تعمل خارج اختصاصها .. وكان من ضمن استغلال المحكمة لتوعية الشعب مواجهة محكمة الردّة ، ونقد حكمها، وفهم قضاتها ، بكتابة كتاب ومنشورات عنها ، واقامة سلسلة من المحاضرات العامة طاف بها مختلف انحاء السودان، كانت تعطى فيها الفرصة في الحوار لرجال الدين ومؤيديهم حتى يرى الشعب مبلغ جهلهم بالدين ..

ومن ما ورد في تلك المنشورات رداً على حكم المحكمة (أما أمركم لي بالتوبة عن جميع اقوالي ، فانكم أذل وأخس ، من ان تطمعوا فيّ . وأما إعلانكم ردتي عن الاسلام فما أعلنتم به غير جهلكم الشنيع بالاسلام ، وسيرى الشعب ذلك مفصلاً في حينه .. هل تريدون الحق ايها القضاة الشرعيون؟ إذن فاسمعوا !! انكم آخر من يتحدث عن الاسلام ، فقد افنيتم شبابكم في التمسح باعتاب السلطة من الحكام الانجليز ، والحكام العسكريين ، فاريحوا الاسلام واريحوا الناس من هذه الغثاثة) ومما ورد أيضاً ( متى عرف القضاة الشرعيون رجولة الرجال وعزة الاحرار وصمود اصحاب الافكار؟ ان القضاة الشرعيين لا يعرفون حقيقة انفسهم ، وقد يكون من مصلحتهم ، ومصلحة هذا البلد الذي نعزه ، ومن مصلحة الدعوة التي نفديها ان نتطوع نحن ونوظف اقلامنا ومنبرنا لكشف هذه الحقيقة لشعبنا العزيز) !![4]

ولقد فهم بعض المثقفين السودانيين ، ان محكمة الردّة ، ليست مؤامرة ضد الاستاذ محمود والجمهوريين فحسب ، وانما هي ضد الحرية ، وضد الديمقراطية، فادانوها بشدة ، وكتبوا في الصحف انها باطلة ، لانها تعمل خارج اختصاصها.. وهاجموا القضاة الذين ولغوا في زيفها ، ومن هؤلاء د. محمد ابراهيم خليل ود. منصور خالد .

ومن المثقفين السودانيين، من اعتبر ان محكمة الردّة مجرد خصومة سياسية ، بين الاستاذ محمود والقضاة الشرعيين.. ربما ترجع اسبابها لخلاف قديم ، منذ ايام الاستعمار، وان الاستاذ محمود قد غضب على القضاة الشرعيين ، وقامت بينه وبينهم خصومة، لانهم حكموا عليه بالردة !! وبسبب هذا الفهم السطحي ، المغرض ، لم يهتم هؤلاء اصلاً لمحكمة الرذّة ، ولم يدينوها بل ادانوا الجمهوريين حين ناهضوها ونقدوا القضاة !! ومن هؤلاء د. عبد الله علي ابراهيم فقد قال (ومغاضبة الجمهوريين لم تقع من جهة احسان ذلك التقليد الشرعي أو اساءته بل من ارث مواجهة سياسية راجعة الى ايام الحركة الوطنية. فقد صنف من ظنوا في انفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود القضاة الشرعيين والاعيان وزعماء القبائل والطوائف بانهم من اعوان الاستعمار... وقد دق حكم المحكمة الشرعية بردة المرحوم محمود محمد طه عليه الرحمة في 1968 إسفين الخصومة بين القضاة والمرحوم واختلط حابل تطوير الشريعة بعاديات السياسة واطوارها وبمنطويات النفوس)!![5]

ألم يكن من الممكن لو كان د. عبد الله مجرد باحث ، أو مؤرخ امين ، ان يذكر حين ذكر محكمة الردّة ، ان حكمها قد كان جائراً ، وانه كمثقف يعترض على مبدأ التكفير .. وما دام مقاله عن القوانين ، لماذا لم يقل انها كانت مخالفة للقوانين ، بعملها خارج اختصاصها؟ فهل يستحق ثناء د. عبد الله على القضاة الشرعيين ، وممالاة حكومة الجبهة ، التي تصر على القوانين الاسلامية ، ومغازلة الجماعات الاسلامية المتطرفة ، ان يسكت عن ادانه التكفير؟! حسناً !! لماذا وقع د. عبد الله اسمة ، في المذكرة التي رفعها بعض المثقفين للحكومة ، ادانة للبيانات التي صدرت مؤخراً ، في تكفير بعض الافراد ، واعضاء الجبهة الديمقراطية ؟!

ويجدر بالملاحظة ، ان هذه العبارات من منشورات الجمهوريين ، التي صدرت كرد على محكمة الردّة ، قد كانت ضمن لوحات معروضة بنادي الخريجين ، وهي بالذات قد كانت مادة الاتهام ، في القضية التي رفعها الشيخ ابراهيم جاد الله قاضي مديرية البحر الاحمر ، ضد الاستاذ محمود وخمسة من الاخوان الجمهوريين كانوا مشرفين على المعرض المشار اليه عام 1975 .. ولقد ذكر ممثل الاتهام في تلك القضية ، انه قد كلف من الشيخ محمد الجزولي نائب رئيس المحكمة العليا ، للقيام بمهمة مساندة القضاة الشرعيين في تلك القضية !!



(36)

ولقد ذكرنا من قبل ، ان محكمة الردّة ، لم تكن محكمة بالمعنى الصحيح .. وانما كانت مؤامرة من القوى السلفية لاسكات صوت الجمهوريين ، بسبب عجزهم عن مواجهة الفكرة في ميدان الحوار الموضوعي .. وان مما دفع اليها، بالاضافة الى ما تقدمه الفكرة من بديل عن الطرح السلفي ، مواقف الجمهورين في نقد رجال الدين وزعاماتهم الطائفية ، وكشف مؤامراتهم لتقويض الديمقراطية .. وعن كون محكمة الردّة قد كانت مؤامرة ، وانها لم تتقيد باجراءات المحاكم ، في تحري العدالة ، يرد الحوار التالي بين الأخ بدر الدين السيمت ، وبين الشاكي الشيخ ابراهيم جاد الله في قضية بورتسودان :

بدر الدين : كلمة قاضي شرعي وقضاء شرعي مقرونة بالشريعة سيادتك بتحكم بالشريعة؟

الشاكي : انا بحكم ببعض الشريعة في الاحوال الشخصية .

بدر الدين : هل تطبق الحدود والقصاص ؟

الشاكي : لا اطبق ذلك لانه ما من اختصاصي والسلطة لا تعطيني ذلك .

بدر الدين : هل في الشريعة يمكن الايمان ببعض الكتاب وترك البعض؟

الشاكي : لا . لا يمكن ذلك.

بدر الدين: هل توافقني ان الحكم ببعض الكتاب وترك البعض هدم للشريعة؟

الشاكي : مامن الشريعة.

(ممثل الاتهام يحتج على الاسئلة والقاضي يرفض الاعتراض)

الشاكي : نحن كنا مغلوبين على أمرنا وقت الاستعمار .

القاضي : هل الحكم ببعض الاسلام وترك البعض الآخر هدم للشريعة؟

الشاكي : أنا عندي مبرر لأنه الحكومة أدتني دي وشئ افضل من لا شئ .

بدر الدين: هل يوافقني السيد ابراهيم ان الشريعة ما قايمة اليوم يعني الحكم غير قائم على الشريعة ؟

الشاكي : نعم .

بدرالدين : هل توافق على ان اسم المحاكم الشرعية مع عدم وجود الشريعة فيه تضليل للشعب؟

الشاكي : لا أوافق .. التسمية اساساً ما صحيحة المفروض يكون القانون واحد .

بدر الدين : هل الاسم صحيح؟

الشاكي : الاسم صحيح .

بدر الدين : المحاكم الشرعية اسمها صحيح؟

الشاكي : اسمها صحيح في الجانب الذي نحكم به ويحتمل يكون ما صحيح من جانب آخر.

بدر الدين: يعني من يحكم بجزء من الشريعة يمكن يسمى بيحكم بالشريعة ويكون صحيح؟

الشاكي : كل اختصاصاتنا بنحكم فيها بالشريعة.

بدر الدين : هل تسمية القضاة الشرعيين (اللفظ) تحوي كل الشريعة؟ هل كلمة قاضي شرعي مش اكبر من الحاصل ؟

الشاكي : أنا لن اتعمد الحكم بغير الشريعة وانما رضيت بحكم البعض لانه افضل من ترك الشريعة كلها.

بدر الدين : هل تعلم ان عبد الماجد ابو قصيصة وتوفيق صدّيق اتصل بهما المدعي قبل محكمة الردّة ؟

الشاكي : انا لا أعرف محكمة الردّة !! انما أعرف المحكمة الشرعية.

بدر الدين : هل في نظام محاكمكم أن يتصل المدعي بالقاضي ويأخذ موافقته قبل نظر الدعوى؟

الشاكي : لا أبداً .. أنا افتكر الكلام دا ما عنده علاقة بموضوع الشكوى .

القاضي : هو يريد ان يوضح للمحكمة إجراءات المحاكم الشرعية.

الشاكي : انا لا اريد الدفاع عن حكم المحكمة مع اني اجد المبرر لهم في ان دعوى الحسبة أول دعوى من نوعها في السودان وهم كانوا يلتمسون رأي الهيئة القضائية ليعرفوا كيف يعملوا .. وهو توجهوا له في الندوات والمحاضرات فرفض واستمر يتحدث باسم الاسلام.

بدر الدين : يعني في حالة الدعوى الغريبة يمكن ان تتصل بالقاضي ويوعدك يقيف معاك؟

الشاكي : ما ممكن القاضي يوعدك يقيف معاك.

بدر الدين : لو حصل يكون العمل دا محترم؟

الشاكي : لا أبداً .

بدر الدين : أنا أقرأ ليك من كتاب الامين داؤود "نقض مفتريات محمود محمد طه " صفحة 85:

"ولما رأينا استعداداً طيباً وروحاً عالية من حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الماجد أبوقصيصة قاضي قضاة السودان لقبول دعوى الحسبة ، وانها كما قال فضيلته من صميم عمل المحاكم الشرعية . وكذلك ما لمسناه من المحكمة العليا والوقوف مع الحق من صاحب الفضيلة الشيخ توفيق أحمد الصديق عضو محكمة الاستئناف العليا الشرعية – تقدمنا بدعوى الحسبة" .. هل قاضي القضاة سلطة استئنافية ؟

الشاكي : نعم .

بدر الدين : اذا كان القاضي يقول رأيه في قضية يمكن ان تستأنف اليه ، هل يمكن ان يكون دا عمل محترم ؟

الشاكي : نعم لان المحكمة قالت رأيها وهو الذي كونها.

القاضي : اذا كان القاضي يقول رأيه في قضية يمكن ان ترفع اليه .. هل يمكن ان يكون دا عمل محترم؟

الشاكي : بداهة لا

بدر الدين: اذا حصل علقت هذه السلطة الاستئنافيه هل بتكون دي سلطة محترمه؟

الشاكي : ما محترمة .

بدر الدين : ( يقرأ من الرأي العام ) جريدة الرأي العام الخميس 21 /11/1968 العدد 8323:

"البيان الذي نشره محمود محمد طه إساءة بالغة للقضاء الشرعي في ماضيه وحاضره ومستقبله وهو امر غير مقبول ...

وقال فضيلته ان للمحاكم الشرعية صلاحية الحكم يالردّة ... ان محكمة الاستئناف الشرعية العليا ستجتمع اليوم لاتخاذ الاجراءات القانونية الكفيلة بوقف الاساءات الموجهة للقضاء الشرعي " .. هل تعلم ان ابوقصيصة اتخذ أي اجراءات قانونية؟

الشاكي : أنا كنت قاضي جزئي بسمع زي وزي الناس

بدر الدين : أنت ما بتعلم انه نفذ؟

الشاكي : فيما أعلم بدأ في ذلك.

بدر الدين : هل فتح بلاغ؟

الشاكي : لا أعلم .

بدر الدين : هل تعلم انه اي واحد من القضاة الشرعيين فتح بلاغ؟

الشاكي : لا أعرف .

بدر الدين : محكمة الردّة أخذت ثلاثة ساعات استمعت الى قضية الادعاء واستمعت الى اقوال اربعة من الشهود ثم رفعت الجلسة لثلث ساعة وعقدت مرة أخرى لتنطق بالحكم . هل تظن ان ثلث ساعة تكفي لقراءة الاقوال؟

الشاكي : يحتمل المحكمة رأت ان التهمة لا تحتاج لأنها واضحة وان المتهم غائب.

بدر الدين : يعني اذا كان المتهم غائب يمكن الحكم دون الرجوع للاقوال وفحصها؟

الشاكي : لا بد من فحصها .

بدر الدين : حسين محمد زكي أحد المدعيين في محكمة الردّة قال ان الاستاذ محمود محمد طه يتهم الله بالحقد وأورد النص التالي من كتاب الرسالة الثانية "والخطأ كل الخطأ ، ظن من ظن ان العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً ، فجعل بذلك الشر اصلاً من أصول الوجود وما هو بذاك ، وحين يصبح العذاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقدة " ويقف عند هذا الحد من النقل ، ويترك عبارة " عن ذلك تعالى الله علواً كبيراً " وهي العبارة التي وردت مباشرة بعد كلمة " نفس حاقدة " من كتاب الرسالة الثانية . فإذا جاء امامكم واحد وقال فلان الفلاني كتب كذا وكذا مش من واجب المحكمة ان ترجع لمصدر الكلام دا ؟

الشاكي : للعدالة يمكن ان ترجع .

بدر الدين : من العدالة وللا من واجب المحكمة ؟

الشاكي : من العدالة ويمكن للقاضي ان لا يرجع اذا وضحت البينة .

بدر الدين : اذا اتضح ان الشاكي ضلل المحكمة باقواله ، ايه يكون رايك في المحكمة؟

الشاكي : أنا لم اكن عضواً في تلك المحكمة ، واعتبر ان القاضي الذي وصل لتلك المرحلة لابد يكون عارف هذه النقطة.. المحكمة تحكم بما يثبت لها. وما من اختصاصها اذا ثبت غير ذلك بعد المحكمة .

بدر الدين : هل القول بالرأي بتاخدوا بيه في المحاكم الشرعية؟

الشاكي : نأخذه بتحفظ .

بدر الدين : ما رأيك في محكمة لم تستجوب شهودها وثبت خطأ اقوالهم ؟

الشاكي : رأيي ان يستأنف حكمها.

بدر الدين : دا كتاب "حوار مع الصفوة " للدكتور منصور خالد .. هذا مقال أيام محكمة الردة: "من بين رجال الدين هؤلاء طائفة قضاة الشرع .. ماكنت اود ان اتناولها بالحديث لو اقتصرت على اداء واجبها كموظفي دولة يتقاضون رواتبهم من مال دولتهم التي تجبيه فيما تجبي من ريع الخمور .." الى ان يقول "نريد وقد خرجتم من اطار سلطانكم المشروع كقضاة انكحة وميراث .. نريد ان نسمع حكم الاسلام في الأمير الكاذب والوالي الظالم والوزير السفيه .. نريد حكمه في السفاه السياسي الذي نعيشه اليوم وهو سفاه شيوخ لا حلم بعده .. شيوخ يرتدي بعضهم قفطاناً مثلكم ويتمنطق بحزام مثلكم ويضع على رأسه عمامة كشأنكم " .. هل هذا الكلام مش اساءة للقضاء الشرعي؟

الشاكي : ما إساءة .. لأن منصور خالد عنده طموح سياسي .. ويعتبر موضوع محمود سياسي وهو عاوز يكتب وعاوز يسخر ..

بدر الدين : يا مولانا "سفاه الشيوخ الذي لا حلم بعده شيوخ يرتدي بعضهم قفطاناً مثلكم" هل هو اساءة أم غير اساءة ؟

الشاكي : لفظ ما مهذب .

بدر الدين : يعني أي كلام زي دا في القضاة الشرعيين ما اساءة ؟

الشاكي : نعم ولكنه لفظ غير مهذب .ي أ



(37)

وعن كون محكمة الردّة كانت تعمل خارج اختصاصها ورد في قضية بورتسودان الحوار التالي بين الاستاذ محمود وبين الشاكي الشيخ ابراهيم جاد الله :

الاستاذ : عاوزين نسألك عن رأيك في محكمة الردّة شنو؟ هل حكمت في اختصاصها وللا خارج اختصاصها؟

الشاكي : حكمت في اختصاصها.

الاستاذ : هي محكمة شرعية اختصاصها الشريعة يعني اذا هي نفذت حكمها دا هل هو حكم الشريعة ؟

القاضي : بيقول المحكمة ادانتو لكن ما اصدرت عقوبة .

الاستاذ : لكن دا ما حكم الشريعة .. هل دا حكم الشريعة؟ اذا المحكمة حكمت وما نفذت هل دا حكم وللا تقرير ساكت ؟

الشاكي : كأنها الشريعة .. نظرت هل اتيتو أو قلتو أو فعلتو ...

الاستاذ : طيب يا شيخ ابراهيم نحن نذكرك : قال المدعيين نفسهم طالبوا باعلان ردّة محمود محمد طه عن الاسلام بما يثبت عليه من الأدلة (2) حل حزبه لخطورته على المجتمع الاسلامي (3) مصادرة كتبه واغلاق دار حزبه – دي المطالبة للمحكمة – بعدين اصدار بيان للجمهور يوضح رأي العلماء في معتقدات المدعى عليه بعدين تطليق زوجته المسلمة منه ... لا يسمح له أو لاي من اتباعه التحدث باسم الدين او تفسير آيات القرآن بعدين مؤاخذة من يعتنق مذهبه بعد ذلك وفصله ان كان موظفاً ومطاردته وتطليق زوجته المسلمة منه .. دي كانت البنود الطلبها المدعيان من المحكمة ، لشنو المحكمة قالت "لذلك حكمنا غيابياً للمدعيين حسبة الاستاذين الامين داؤد محمد هذا وحسين محمد زكي هذا على المدعى عليه الاستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري الغائب عن هذا المجلس بانه مرتد عن الاسلام وامرناه بالتوبة عن جميع الاقوال والافعال التي ادت الى ردته كما قررنا صرف النظر عن البنود من نمرة 2 الى نمرة 6" ليه قرروا صرف النظر عنهن ؟

الشاكي : ما عندهم انو بقية البنود بترتبوا على البند الحكموا بيه

الاستاذ : ليه قالوا صرفنا النظر عن بقية البنود ؟

الشاكي : أي صرف النظر عنها لانها بتترتب تلقائياً على البند الأول .

الاستاذ : جميل .. لكن ليه ما يقرروا انو المطالب دي تكون الحكم وانو تكون المطالبة بالتنفيذ ؟

الشاكي : ما هي مترتبة .. لما انا احكم كدا معناها هو ما يتحدث باسم الاسلام ، ما يطبع كتب .. وما يعاشر المسلمة كزوجة ...الخ

الاستاذ : الحصل شنو في التنفيذ ؟

الشاكي : لا أدري ما حصل .

الاستاذ : ما هو انا واقف قدامك .

الشاكي : العقوبة ما نفذت.

الاستاذ : لكن العقوبة ما طرف من القانون؟ اذا كان هم بيعملموا في اختصاصهم يبقى التنفيذ يتبع. انا سألتك قلت ليك: هل المحكمة بتعمل في اختصاصها؟ قلت : نعم . قلت ليك وجد انها ما بتعمل في اختصاصها...

الشاكي : اذا كان حصل أنو دا ما اختصاصها ، لمن يكون الاختصاص ؟ من الذي يقرر أنو الانسان دا داخل الدين او خارجه؟

الاستاذ : ماحدش يقرر .. الوصاية انتهت ما حدش يقرر .

الشاكي : نعم ؟!

الاستاذ : ماحدش يقرر لو انت داخل الدين أو لا .. وإلا كان كل واحد نازع التاني : انت مافي الدين . وعهد الاستعمار كلو حكمت بجانب من الكتاب وعطلت جانب ، وجيت في العهد الوطني وجدت نفسك إنك برضو بتعمل بنفس القانون وانك ماك شرعي ، وانو تكوينك ما بديك الحق ، بدليل انك حكمت وماقدرت تنفذ ، وما حاجة بتسمى قانون إلا اذا كان التنفيذ طرف منها ، يبقى دا دليل على انك بتعمل خارج اختصاصك .. توافق على كدا ؟

الشاكي : انت الاختصاص تدي لي منو ؟

"القاضي يشرح صلة التنفيذ بالحكم"

الشاكي : والله انا موضوع التنفيذ دا أنا ما بعتبرو ذنب المحكمة .. اذا كان ما عندها اختصاص تنفذ دا ما ذنب المحكمة .

الاستاذ : هل الحاكم المسلم الماعندو اختصاص في التنفيذ عندو اختصاص في الحكم ؟

الشاكي : دا لا ينفي انها مختصة بمحاكمة الموضوع -الحكم- او نظر الدعوى .

الاستاذ : طيب نحن نقول رأي الاستاذ محمد ابراهيم خليل في عدم اختصاص المحكمة وافتكر قرئ عليك طرف منو: "لعله من المعلوم لدى الناس جميعاً ان المحاكم الشرعية في السودان اسست على قانون المحاكم الشرعية السودانية 1902 وان إختصاص هذه المحاكم قد حددته المادة السادسة التي تنص على ان للمحاكم الشرعية الصلاحية في الفصل في :

أ‌- أي مسألة تتعلق بالطلاق و الزواج والولاية والعلاقات العائلية بشرط ان يكون الزوج قد عقد على الشريعة الاسلامية ، او ان يكون الخصوم من المسلمين .

ب‌- أي مسألة تتعلق بالوقف أو الهبة أو الميراث او الوصية ..الخ

ت‌- أي مسألة سوى ما ذكر في الفقرتين السابقتين على شرط ان تتقدم الاطراف المتنازعة بطلب كتابي ممهور بتوقيعاتهم يلتمسون فيه من المحكمة ان تقضي بينهم مؤكدين انهم عازمون على الالتزام بحكم الشريعة في الامر المتنازع عليه .

لذلك ترى ياسيدي انه ليس من اختصاص المحاكم الشرعية في السودان ان تحكم بكفر احد او زندقته او ردته " .. محمد ابراهيم خليل هو هسع محامي وكان وزير العدل وعميد كلية الحقوق بجامعة الخرطوم ونايب النايب العام سابقاً وهو قال بعدم الاختصاص .

الشاكي : طيب دا راي محمد ابراهيم خليل .. هل انت طعنت بعدم الاختصاص؟

الاستاذ : جميل انا جاي للموضوع ..هل انت بتوافق على أنو القانون اللي اتكونت بيهو المحاكم الشرعية عام 1902 وذكره هذا القانوني وبقول فيهو انو هذه المحكمة عملت خارج اختصاصها .. هل بتوافق على القول دا؟

الشاكي : لا أوافق .. لانو ليهو ارتباط بالاختصاص يعني أنا لما أقول دا ما مسلم بترتب عليهو أحكام كثيرة جداً جداً هي من اختصاص المحاكم .. ولذلك هي هنا بتعمل في نفس الغرض .

الاستاذ : تبين للمحكمة .. المحكمة ما كان عندها إختصاص في نظر القانونيين وجابو المادة ..

الشاكي : انا واحد من القانونيين ، دا رأيك انت بتقول انو الاختصاص المنصوص عليهو في المادة ما بشمل الحكاية دي ، دا ٍايو كدا ..

الاستاذ : الأمر دا يا شيخ ابراهيم ما أمر رأي دا تحديد .

الشاكي : معنى كلامو دا أنو ليس للمحكمة ان تنظر في حكم من هو مسلم ومن ليس مسلم .

الاستاذ : طيب ...

الشاكي : فأنا بقول يعني ليس ضرورياً أن يشمل أن يكون في تفصيل فألامر دا ليهو تعلق بما هو من إختصاص المحكمة .

الاستاذ : هل المحكمة ما قبلت ان تعمل تحت القانون بتاع 1902 ؟

الشاكي : تأسست بذلك القانون.

الاستاذ : هل بتتقيد بيهو؟

الشاكي : بتتقيد بيهو طبعاً

الاستاذ : هل فيهو انها من اختصاصها ان تحكم بالكفر على انسان ؟

الشاكي : ما منصوص عليها صراحة.

الاستاذ : هل دا أمر يترك للتفكير ؟ هل الأمور الأقل منو ما منصوصة؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الاستاذ : طيب الحكاية الأنت قلتها .. انت سألتني برضو سؤال أنا أحب ان أرد فيهو .. أنا ليه ما أستأنفت ، بل أنا ليه ما مثلت أمام المحكمة .. سؤالي حيكون : ما بتعتقد انو عجز المحكمة من ان تحضر الانسان المتهم أمامها في مسألة ردّة وبتجب فيها الاستتابة وتوجيه الكلام ليهو.. عجزها من ان تحضره أمامها يجعلها عاجزه من أن تحكم عليهو أيضاً ؟

الشاكي : والله أنا ما بعتقد انها عجزت ان تحضرك أمامها .

الاستاذ : كيف بقى ؟

الشاكي : لم تعجز المحكمة .. انما لم ترد .. او لم تر ان هناك حاجة .

الاستاذ : طيب يا شيخ ابراهيم اذا انت هسع ارسلت اعلان لمتهم ورفض ان يوقع حتى عليهو ، وانت حاكم محترم ، ما بتعتقد أنو دا فيهو إهانة للمحكمة؟

الشاكي : أبداً .. اعتبر ترك حقو .. ترك الدفاع عن نفسو وبمضي في قضيتي وبحكم عليهو غيابياً وليهو الحق بعدين يجئ يستأنف الحكم دا ويطعن فيهو .

الاستاذ : سؤالي يا شيخ ابراهيم ياهو دا : اذا حتى رفض .. جاهو المعلن رفض ان يوقع ؟

الشاكي : ما القانون موجود يا سيدي العزيز .. قانون الاجراءات المدنية ، هسع نحن بنشتغل بيهو ، والمحاكم بتشتغل بيهو ، اذا حد رفض التوقيع أنا بمشي في القضية غيابياً -بعتبرو معلن- لكن اذا شتم المعلن أو شتم المحضر ، او قال حاجة تانية دا البعتبرو إهانة للمحكمة.

القاضي : هو اجاب قبل كدا قال : اذا كانت الدعوى تتعلق بحق شخصي أما اذا كانت الدعوى متعلقة بحقوق الله يجبر الطرف التاني على الحضور .

الاستاذ : هل حق الردّة ما بتعلق بالله ؟

الشاكي : ردّة الانسان عن الاسلام ؟ آي طبعاً ليهو تعلق .. لكن في واقع الأمر أنو دا برجع ليهو كفرو .

الاستاذ : هل غيرت الاجابة القبيل ؟

الشاكي : نعم ؟

الاستاذ : الاجابة القبيل اتغيرت واللا هي نفسها؟

الشاكي : لا دا تفصيل الاجابة .

الاستاذ : لكن دا نفي ليها.

الشاكي : ما نفي انا بقول هناك تفصيل يعني .. في حق الله .

القاضي : اجابتك ؟

الشاكي : انا بقول هناك تفصيل في حق الله يعني ...

القاضي : كل الدعاوي البتتعلق بحق الله لا يجبر؟

الشاكي : لو كان القاضي يرى انو يمثل أمامو أو لا يمثل متروكة للقاضي باختصار يعني ..

الاستاذ :الاجابة القديمة كانت : اذا كان الامر دا بتعلق بحق الله يبقى القاضي يحضر المتهم .. بعدين اتبنى عليها: هل الردّة فيها حق لله ؟ الاجابة دي هل اتغيرت؟

القاضي : هو قال الردّة فيها حق الله .. وقال ان في الفصل التاني في سلطة تقديرية للمحكمة ، ليها الحق ان تجيب الزول او لا تجيبو .. .

الشاكي : أو ما تجيبو لانو في حاجة اسمها اصدار حكم غيابي .. كل المحاكم .. كل الاحكام .

الاستاذ : يا شيخ ابراهيم الحكمة في حكم الردّة شنو؟

الشاكي : لا تحتاج لتعليل .

الاستاذ : الحكمة فيهو شنو؟

الشاكي : منع الناس ما يرتدوا عن الاسلام ، ويفكروا قبل ما يرتدوا .. الحكمة يمكن تكون واسعة جداً يعني ... الا يحدث فساد ، الا يشجع غيرو على الخروج من الاسلام .

الاستاذ : في تحديد للمسألة دي يحسن ان نقولوا : هل حكم الردّة المقصود منو إصلاح الانسان المرتد واصلاح المجتمع ، وحفظ حق الله ؟

الشاكي : آي نعم .

الاستاذ : هل الحاكم العاجز عن التنفيذ بقدر يصل الى الحكمة دي ؟

الشاكي : والله انا برى ان لم يصل الى كل الحكمة يكون وصل بعضها ، العاجز عنها ما بحققها كلها .. العاجز عن التنفيذ ما بحقق كل الحكمة ..

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الاستاذ : المسألة النحن جينا ليها يا شيخ ابراهيم – ظهر في الكلام اننا قي بداية أمرنا في مواقفنا مع القضاة الشرعيين كنا بنتكلم بالاسلوب الهادئ الانت شفتو ووافقت عليهو- بعدين لمن مشينا لقدام ....

الشاكي : ما وافقت عليهو .. ماوريتني الاسلوب الوافقت عليهو .

الاستاذ : أمس كانت قرئت عليك "مفتينا ومفتيهم" وقلت انت بتوافق على انها معتدلة .

الشاكي : آي فعلاً .

الاستاذ : طيب .. المخاطبة كانت بالصورة دي لغاية ما جينا في مرحلة ظهر لينا بوضوح كبير أنو في زي استعلاء .. عدم قبول لأي رأي يقال فيهم .. حتى الاستعلاء دا ظهر في مسألة هنا برضو وردت الاسئلة عليها ووافقت كمان .. قيل ليك أنو القاضي قال محمود محمد طه يوجه الاهانة لأكبر هيئة قضائية في السودان ، نحن قلنا منذ متى أصبح القضاء الشرعي أكبر هيئة قضائية في السودان؟ أحين كان خاضعاً للسكرتير القضائي منذ نشأته والى ان ازال الله بالافندية عهد الاستعمار ؟ أم حين ظل خاضعاً لاشراف رئيس القضاء السوداني منذ فجر الاستقلال ؟ وانت بتعرف في العهد الحاضر كانت في محاولة لتجعل القضاء الشرعي والقضاء المدني في مستوى واحد .. فإذا كان القضاء الشرعي في طول وقتو كان خاضع للقضاء المدني ثم وجد الفرصة ليكون ند ليهو هل من الدقة في التعبير ومن الامانة ان يقال اكبر هيئة قضائية في السودان عن القضاء الشرعي ؟

الشاكي : القال كدي منو ؟ قاضي القضاة ؟

الاستاذ : قال قاضي القضاة دا منشور - أنا سؤالي حيكون قائم "يعيد السؤال"

الشاكي : يجوز بالنسبة لغير القضاء المدني ، في هيئات قضائية أخرى .. هو أكبر هيئة قضائية والمدني اكبر هيئة قضائية - التفضيل دا ما بالنسبة للقضاء المدني .

الاستاذ : من وين تجيب الكلام دا .. من نص الكلام ؟ بجي من وين؟

الشاكي : إحتمالات في التعبير..

الاستاذ : الاحتمالات البتعطيها اللغة هي أنو اكبر هيئة قضائية في السودان .. وما في كلام يحتاج لتأويل فيها.

الشاكي : ما بقصد ..

الاستاذ : معليش المابقصدو لكن دا مش هو؟

الشاكي : معناها تساوت معاهو والاثنين بقوا اكبر هيئة .

الاستاذ : هسع الاجابة شنو؟ هل من الامانة والدقة ان يقال أنو القضاء الشرعي – الكان وضعوا بالصورة دي – اكبر هيئة قضائية في السودان؟

الشاكي : الى اليوم هو اكبر هيئة قضائية في السودان دا ما يظهر منو انو المدني اقل منو .

الاستاذ : هسع يا شيخ ابراهيم انت قلت الى اليوم .. هسع رئيس المحكمة العليا شرعي ؟

الشاكي : لا ما شرعي .

الاستاذ : نايبو مش قاضي شرعي ؟

الشاكي : قاضي شرعي .

الاستاذ : اذن كيف تقول الى الآن اكبر هيئة قضائية ؟

الشاكي : القضاء واحد .

الاستاذ : لكن في داخل القضاء الواحد ، القضاء الشرعي ثانوي بالنسبة للقمة

الشاكي : كيف لكن ، دا بقولوا ثانوي ؟ دا قاضي محكمة عليا ودا قاضي محكمة عليا .

الاستاذ : رئيس المحكمة العليا اللي هو في مكان رئيس القضاء تقريباً ، النايب بتاعو قاضي شرعي اللي هو في مكان قاضي القضاة زمان .

الشاكي : مافي نص على انو يمنع دا يكون رئيس محكمة عليا . وكان مرشح ليكون رئيس محكمة عليا . هو ذاتو النايب الاول لرئيس المحكمة العليا كان مرشح ليكون رئيس محكمة عليا.

الاستاذ : اجابتك السجلتها شنو؟

الشاكي : ما في نص يمنع ، انو لازم يكون مدني.

الاستاذ : ما الواقع نص .. الواقع أقوى من النص ..

الشاكي : مالو لكن .. في الواقع ممكن يكون . كان مرشح ...

الاستاذ : ما يمكن دا لما يبقى نتكلم فيهو - لكن واقعنا هسع هو دا .. دا من الاسباب الخلتنا نمشي في تشديد الكلمات. انت لما سئلت عن كلام منصور خالد - اذا شئت يقرأ عليك مرة ثانية- قلت كلام منصور خالد ما فيهو اهانة .. اذا كلام منصور خالد ما فيهو اهانة ، ونحن عايزين نصل الى ان يكون في احساس يخلي التكبر شوية يطامن ، عشان يكون في مصلحة الناس شوية ان يعوا ، لا بد ان تكون في كلمات اشد من كلمات منصور خالد، ليأتي الأثر- هي دي الصورة .. بعدين السؤال يبقى .

الشاكي : انا قلت الكلام ما موجه للقضاء الشرعي .. ما فيهو إهانة للقضاء الشرعي .

الاستاذ : لكن ما موجه للقضاء الشرعي ..نراجعو تاني ؟

الشاكي : في الاستعراض هو بتكلم عن الشريعة .

الاستاذ : هو بتكلم عن القضاة الشرعيين ، نعيد الاسئلة مرة ثانية اذا شئت .. هل فيهو إهانة وللا ما فيهو ؟ نقراهو تاني ؟

. . . . . .. . . ... . . .. .

الاستاذ : طيب ياشيخ ابراهيم قال "تعقد محكمة الاستئناف الشرعية اليوم إجتماعاً لاتخاذ موقف ضد تصريحات السيد محمود محمد طه الأخيرة وضد الصحف التي نشرت تلك التصريحات . وقد صرح السيد عبد الماجد ابوقصيصة قاضي القضاة للصحافة بان ما نشر لمحمود يعتبر اساءة لاكبر هيئة قضائية في السودان .. وان المحكمة بعد دراسة بيانه الاخير وفي اجتماعها اليوم ستتخذ موقفاً من المذكورين اعلاه دفاعاً عن مركزها وقال ان الحكم الذي اصدرته المحكمة ضد محمود من صميم اعمالها والوقائع الماضية والقانون يؤيدان ذلك الحق وان كل ما نشر في الصحف عن عدم احقية المحكمة لادارة ذلك الحكم خطأ اذ ان هذا الحكم تترتب عليه اشياء كثيرة .. مثل الميراث والاحكام الزوجية وهذه كلها من صميم أعمال المحاكم الشرعية" يبقى السؤال دا انت سئلت عنو قبل كدا . أنا ما رايح أسألوا - قيل ليك اذا كان قاضي القضاة هو جهة الاستئناف وعلق على الحكم بما يفيد انو مؤيدو لأنو استئنافنا نحن رايح يكون طعن – زي ما قال محمد ابراهيم خليل – طعن في عدم الاختصاص ، يبقى الفرصة في الاستئناف كيف؟

الشاكي : والله محكمة الاستئناف هي الكونت المحكمة دي .. كونت المحكمة البتنظر الدعوى – وكونتها على اساس انو تنظر في اختصاصها.

الاستاذ : الاستئناف رايح يكون لي منو؟

الشاكي : لمحكمة الاستئناف العليا .. ثم تاني انو الكلام دا ما كلام جريدة .. نحن بنتلقى كل حاجة من قاضي القضاة وبنتعامل معاهو بنشرات ومكاتبات رسمية ما بنتلقاها من من جرايد ولا مجلات.

الاستاذ : طيب ياشيخ ابراهيم نحن عملنا الكلام دا نفسو في منشور ووصلناهو لقاضي القضاة ما صحح الجريدة ولا قال لينا.

الشاكي : والله ما عارف .

القاضي : الاجابة على السؤال دا انو تكوين المحكمة هي محكمة بتعمل في اختصاصها ومافي داعي للاستئناف لمحكمة الاستئناف بحجة عدم الاختصاص مسبقاً المحكمة بتكوينها ...

الشاكي : " مقاطعاً" يعني هي مختصة تنظر هذه المسائل لكن دا ما بمنع الزول ، بعدين الدعوى هي كحاجة مفردة أو كحاجة تفصيلة ما داخله في الاطار دا

القاضي : كيف لكن ؟

الشاكي : لا أنا ما بقول من ناحية عامة قاضي القضاة الناس ديل قالوا ليهو نحن حصل كدا كدا نعمل شنو؟ الدعوى باعتبار انها دعوى جديدة وغريبة – دعوى الحسبة- وما معروفة جوا سألوا نعمل شنو ؟

القاضي : لا دا مش السؤال .. السؤال في الاختصاص ...

الشاكي : " مقاطعاً " ما عايز اصل ليهو انا .. قلت ليك ما عندو تفنيد ، نحن قضايا الحسبة من اختصاصنا تتكون محكمة عشان تنظر في قضية الحسبة دي .

القاضي : يعني ما كان في داعي للاستئناف ؟

الشاكي : لا ما بيعني كدا .. انا قلت ليك قاضي القضاة قال الحسبة من اختصاصنا بعدين السيد محمود ..

الاستاذ : السلطات القررت انو المحكمة مختصة مش هي سلطات الاستئناف نفسها . نحن اذا استأنفنا الاستئناف يكون لي منو؟ مش لي نفس السلطة القررت سلفاً انو المحكمة مختصة؟

الشاكي : قررت تكوين المحكمة

الاستاذ : هي قررت انو هذه المحكمة مختصة .

الشاكي : قررت مبدئياُ انو الدعوى دي يمكن ممكن تكون من اختصاص المحكمة .. بعدين دا ما يمنعك ان تأتي بعد ذلك وتقول انو المحكمة ليست مختصة . هي مبدئياً قررت .

الاستاذ : هل استأنف أنا لانسان أظهر انحيازو ضدي ؟

القاضي : المحكمة قررت قرار .. هل المحكمة بتشك في قرارها .. تعيد النظر في قرارها؟

الشاكي : ممكن تعيد النظر هي قررت بصفة عامة انو قضايا الحسبة من اختصاصها .. دا ما يمنع انها تقرر انو القضية دي ليس من اختصاصها.

القاضي : هل من المعقول تاني تقول القضية دي ما من اختصاصي؟!

الشاكي : لكن قضايا الحسبة دي من اختصاصهم لأنو ما في محاكم حسبية مكونة في السودان.

القاضي : ماكويس .. هل كان ممكن تاني محكمة الاستئناف تاني تقرر انو المحكمة ما كانت مختصة ؟

الشاكي : محتمل تقول انو القضية ما بتخص المحكمة .. كانت تعيد النظر في قرارها.

الاستاذ : يا شيخ ابراهيم هنا قاضي القضاة قال انو محكمة الاستئناف الشرعية العليا اجتمعت وقررت الا تقف مكتوفة الايدي وتاني مرة اجتمعت وقررت ان تؤجل هذا القرار ضد محمود محمد طه الى ان تنتهي مدة الاستئناف . انتهت مدة الاستئناف ولم يتخذ أي قرار ولم يفتح اي بلاغ .. تفتكر السبب شنو؟

الشاكي : وين قال ؟

الاستاذ : هنا .. اقراهو ليك ؟

الشاكي : في جريدة يعني ؟ انا ما سمعتو ولا قاضي القضاة جاب لي بيهو نشرة .

الاستاذ : طيب انت ما سمعتو ونحن سمعناهو من الجرايد ما أقوى منك انت على اي حال؟

الشاكي : لا أقوى انا لو قاضي القضاة جاب لي ..

الاستاذ : لا لا ما دام انت ما سمعت أي حاجة ونحن سمعنا من الجرايد وضعنا احسن من وضعك.

الشاكي : لا أبداً لانو انا لو قاضي القضاة قال لي كلام يجيبوا لي في نشرة رسمية .

الاستاذ : انت ما بتعتقد انو قاضي القضاة كان عايز يقاضينا؟ انت كنت في الخرطوم؟

الشاكي : لا .. كنت بعتقد انو حيقاضي .

الاستاذ : طيب جميل خلاص دا هو موضوعنا . طيب تفتكر ليه ما قاضانا ، ومضت هسع ست سنين عشان ما تجي انت تقاضي؟

الشاكي : لا أعرف .. انو يجوز أعتقد انها حاجة عابرة أو صفح .

الاستاذ : هل بتعتقد انو وضعكم في القضاء الموحد بيعطيكم فرصة عشان تواجهونا اكتر مما كان يمكن تواجهونا زمان؟

الشاكي : المواجهة دي كيف؟

الاستاذ : يعني تقاضونا .. انتو مضى عليكم ستة سنين واكبر رأس فيكم اتوعد بانو ما بصمت وصمت .. ومضت ست سنين وجدت احداث جعلتكم انتو في قضاء موحد، هل بتفتكر فرصتكم مع القضاء الموحد في مقاضاتنا أكبر من فرصتكم لما كنتو قضاة شرعيين براكم ؟

الشاكي : لا اعتقد .

الاستاذ : شكراً.



- نواصل -



د. عمر القراي


-----------------------------------

[1] -مقالات د. عبدالله المشار اليها في هذا التعقيب من قبل.
[2] - الاخوان الجمهوريون (1975) : قانون وقضاة الاحوال الشخصية قصور عن الشريعة وتخلف عن العصر
[3] - محمود محمد طه (196 بيننا وبين محكمة الردّة ص 6 -7
[4] - الاخوان الجمهوريون : مهزلة القضاة الشرعيين 1969
[حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة التاسعة)
د. عمر القراى - 21 أغسطس 2003
(3

ولم تكن محكمة الردّة ، على سوئها ، آخر مؤامرات الفقهاء ، ورجال الدين ، ضد الاستاذ محمود والجمهوريين.. ولم يكن عجز كثير من المثقفين ، من مناهضة التكفير والتحريض على القتل ، قد وقف عند حد موقفهم الهزيل ، بازاء محكمة الردّة ، وانما استمر فيما تلى من احداث ، باستثناء قلة منهم ، حتى انتهى بنا الامر الى الوضع الحالي ، الذي تعاد فيه بواسطة الجماعات الاسلامية شعارات التكفير ويدعم الفقهاء و رجال الدين، هذا الاتجاه بينما يشيد بعض المثقفين أمثال د. عبد الله علي ابراهيم ، في هذا الوقت بالذات ، بالقوانين المنسوبة للاسلام والرجال الذين يسعون الى تطبيقها في بلد متعدد الثقافات كالسودان !!

في منتصف عام 1983، وفد الى السودان الشيخ محمد نجيب المطيعي ، الواعظ المصري ، كاستاذ في الجامعة الاسلامية .. وقد احتفلت به الجماعات الاسلامية ، وأصبح امام مسجد "التقوى" ، الذي كان يصلي فيه عمر محمد الطيب ، نائب رئيس الجمهورية ، ورئيس جهاز الامن آنذاك .. واخذت مواعظ الشيخ المطيعي ، تبث من وسائل الاعلام الرسمية ، رغم انها كانت تحوي اساءة وتكفير للجمهوريين ، الذين استعدى عليهم ودعا لقتلهم !!

ولقد كتب الجمهوريون كتاباً ، في مواجهة هذا المخطط ، عنوانه "الهوس الديني يثير الفتنة ليصل الى السلطة" ومما جاء في ذلك الكتاب:

فهناك فقيه مصري وافد للعمل في بلادنا بجامعة امدرمان الإسلامية، مرتبط، بصورة أو بأخرى بأحداث (الزاوية الحمراء) بمصر، والتي انفجرت منها الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين حتى تصاعدت الأحداث التي أودت بزعيم مصر الشهيد السادات.. هذا الشيخ، باعترافه، كان إماما لهذه الزاوية.. وقد أخذ هذا الشيخ، وهو بهذه الخلفية السياسية والدينية المشبوهة، يمارس نشاطا صريحا في إثارة الفتنة الدينية بين المواطنين، وفي التكفير، والتحريض، وفي تحقير موروثات الشعب المقدسة، وفي تشويه أفكار الدعوات الدينية، وفي التدخل السافر في شئون البلاد الداخلية.. وهو ينطلق بهذا النشاط الهدّام من (مسجد التقوى) الذي تنسب رعايته للنائب الأول ورئيس جهاز أمن الدولة، مما أكسب هذا النشاط صفة الشرعية، ومد له في التمادي، حتى تصاعد إلى أجهزة الإعلام فاتخذ صورة متوالية منظّمة.. وذلك مما ينبئ عن معالم مخطط واسع لنقل موجة الهوس الديني من مصر إلى السودان، ولإقامة دولة الهوس عليه، مما أخفقت فيه الجماعات الإسلامية بمصر وذلك استغلالا لعوامل شتى منها جو التكامل، ومنها الإسماح الأمني النسبي، ومنها طبيعة هذا الشعب المحب للدين.. وهذا الشيخ، بذلك، لا بد أن يكون هو رأس السهم في هذا المخطط.. إن التفريط الذي يقابل به المسئولون الأمنيون، والسياسيون، والإعلاميون هذا النشاط إنما هو بمثابة جواز المرور لينتقل إلى كافة المساجد، وإلى كافة المنابر العامة، وليدخل أعرافا غريبة على بيئتنا، من صراع اجتماعي، وعصبية دينية.. وهذا الشيخ، بهذا الصنيع، إنما يسيء للعلاقة بين البلدين أسوأ الإساءة، ويسعى ليحوّل التكامل ليكون تكاملا بين عناصر الهوس لفرض الإرهاب والتخلّف على البلدين ولقد استهدف هذا الشيخ الفكر الجمهوري، بوصفه المعوّق الأساسي الذي يقف في طريق مخططات الهوس والإرهاب في البلاد، فذهب يشوه هذا الفكر بصورة تنضح بسوء الغرض، وتدعو للرّيبة، وتكشف عن روح التآمر.. ولا يزال مسئولونا السياسيون والأمنيون، والإعلاميون في سكوت تام عن هذا النشاط الإرهابي.. مما يدعو للتساؤل: هل مرد هذا التفريط إلى الغفلة، أم إلى السقوط ضحية الإرهاب أم إلى التواطؤ؟؟ ولماذا يجد هذا الأجنبي الحق في التعبير الذي لا نجده، وأبسطه حق الدفاع عن النفس؟؟)[1]

ورغم ان الشيخ المطيعي ، قد تعرض للفكرة الجمهورية أكثر من مرة ، الا انه لم يطلع عليها ، ولم يناقشها في مستواها ، وانما لجأ الى التشويه ، والتخريج بلا دليل ولا حجة .. فمثلاً:

زعم الشيخ المطيعي أننا نؤيد دعوة الهيبز، على ما هي عليه من انحلال وفساد خلقي، وأننا ننادي بأن الهيبز على حق، وذلك في حديث الشيخ التلفزيوني يوم 12-4-1983.. وقد جاء فيه: "نجد في عصرنا هذا من ينادي بأن الهيبز على حق، آي والله، وقرأت لمن يقول أن الهيبز الذين يتحللون من كل المثل، ولا يدينون بدين، ولا يتأدبون بأدب، وليس لهم نظام حياة يمكن أن تقبله العقول السليمة، وإنما يحيون حياة شاذة هذا قرأته في رسالة لا أدري ما اسمها، اسمها الصلاة، أو شئ من هذا.. وقرأت فيها تمجيدا للهيبز، ويقولون أن الهيبز علامة صحة لا علامة مرض.. فالذي يقر مثل هذه الأشياء إنما قد انسلخ انسلاخا كاملا من فضائل الإسلام، ومن قيوده، ومن آدابه، ومن أحكامه" انتهى.. هذا ما قاله المطيعي عنّا، وهو في جميع أحاديثه عنا، والتي تناهت إلينا، لا يذكرنا بالاسم، وإنما يعرض بنا بصورة مكشوفة لا تخفى على أحد من المواطنين غير أن هذا الشيخ قد قرأ نصّا من كتابنا "رسالة الصلاة"، وقد قرأه مبتورا، حتى يخرّج عليه ما يريد من تخريجات، وذلك في حديثه في التلفزيون يوم 19-4-1983، حيث جاء فيه "نرى في مجتمعنا هذا، ونرى في بيئتنا المسلمة، من يمجّد هذه الهيبز، ومن يحكم بأنها طريق صحيح.. انظر إلى هذا القول، وإلى هذا الصوت الناشز، وإلى هذا اللفظ الخبيث، الذي يستدرج الإنسان، ويستدرج بخاصة الشباب، هذا المجتمع الطاهر البرئ الذي يرتبط بعلاقة وثقى بالإسلام، وبالفضائل الإسلامية، وبالمثل العليا، انظر إليه وهو يقول: "من أجل ذلك فإنّا لا نعتبر حركات الشباب التي تتجه اتجاه الهيبز علامة مرض، وإنما هي عندنا علامة صحة، وهذا هو الذي جعلنا نجزم بأننا إنما نعيش في أخريات أيام مرحلة التطور العضوي ـ العقلي" انتهى.. ثم يمضي الشيخ ليتهمنا بأننا نعمل على تدمير قيم الشباب، ونعمل على القضاء على الإسلام، فيقول: "هذا التمجيد لمبدأ الهيبز، وأنه ليس علامة مرض وإنما هو علامة صحة يعني أنه دعوة الشباب إلى الهيبز، وهذه الدعوة إنما هي دعوة يجب أن يتصدى لها كل إنسان حر غيور، ويجب أن يعرف أن هذه الدعوة الباطلة قامت من أجل تدمير الشباب، ومن أجل تدمير قيمه ومثله، وإنهاء كل هذا الدرب الطويل الذي يبدأ منذ أن بعث رسول الله إلى اليوم، من أجل القضاء على الإسلام، ومن أجل التآمر الصهيوني الخبيث" انتهى.. هذا بعض ما قاله الشيخ المطيعي في تشويه دعوتنا، وفي التحريض علينا، من حديث طويل له لا يرمي فيه إلا إلى إثارة الفتنة.. وكل هذه الاتهامات الباطلة إنما بناها المطيعي على نص قد نقله مبتورا من كتابنا، ثم ذهب يخرّجه بما يتناقض مع ما رمينا إليه من عبارتنا.. فنحن عندما قلنا أن ظاهرة الهيبز في الغرب ظاهرة صحة، وليس ظاهرة مرض إنما على اعتبار أنها تملك فضيلة الشعور بالمشكلة، وإن لم تهتد إلى الحل، وهذا أمر لم يتوفر للكثيرين في الغرب.. ثم إننا قد دعونا إلى هداية الهيبز عن طريق الإسلام.. فأقوالنا عن الهيبز أقوال واضحة لا تحتمل هذا التحريف مطلقا..

فماذا قلنا عن الهيبز؟؟ ولنبدأ بإيراد النص الكامل من "رسالة الصلاة"، الصفحة 49، الطبعة السابعة، والذي بتر منه الشيخ ما بتر، ثم نذهب إلى نصوص أخرى حول هذه الظاهرة.. فقد جاء في ذلك النص: "وفي سبيل هذا التفهم برزت في أوربا، وفي أمريكا، أساليب في الحياة، والفكر، كأساليب "الهيبز" وأساليب "اللامعقول" ولكنها أساليب تدل على الحيرة، وعلى القلق، وعلى الجهل بأصل المشكلة.. ومع ذلك فإنها تملك فضيلة الاعتراف بهذه المأساة في حياتنا التي تحاول الكثرة الغالبة تجاهلها.. ومن أجل ذلك فإنّا لا نعتبر حركات الشباب التي تتجه اتجاه "الهيبز" علامة مرض، وإنما هي عندنا علامة صحة.. وهذا هو الذي جعلنا نجزم بأنّا نعيش الآن في أخريات مرحلة التطور العضوي ـ العقلي" انتهى.. وهكذا بتر الشيخ حديثنا عن ظاهرة الهيبز بأنها ظاهرة تدل على الحيرة، وعلى القلق، وعلى الجهل بأصل المشكلة، ثم ذهب ليتهمنا تلك الاتهامات الباطلة.. وقد أهمل هذا الشيخ تعليلنا لهذه الظاهرة بأنها ظاهرة صحة، حيث بتر النص الذي يرد فيه هذا التعليل والذي يقول: "ومع ذلك فإنها تملك فضيلة الاعتراف بهذه المأساة في حياتنا، التي تحاول الكثرة الغالبة تجاهلها" ففي حين أننا نقول أن هذه الظاهرة مأساة، يقول هو عنّا أننا ندعو إلى الهيبز ونمجدهم!! وإليكم ما قاله الأستاذ محمود محمد طه في تحليل ظاهرة الهيبز في كتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري"، صفحة 6: "فأما حاجة هذا العصر فإلى الهداية.. فإن البشرية لم تكن يوما في التيه كما هي اليوم.. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر "الهيبيز".. جماعات من الشباب، من الجنسين، يزيد عددهم كل يوم، ويستطير شرهم كل يوم، حتى عم جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض، فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية، الآلية، مجتمع إنتاج واستهلاك، فقد الإنسان المعاصر فيه روحه، وقيمته، وحريته، واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك، فرفضوه، ورفضوا معه كل عرف، ودين.. وفزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة، فهم يلبسون المرقعات، ويسيرون حفاة، ويرسلون شعورهم، ويبيتون على الأرصفة، والطرقات، ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم، وعن إنسانيتهم، وعن فرديتهم، فلا يكادون يجدون غير الضياع، وغير القلق، وغير الإضطراب.. فهل عند مصطفى محمود إدراك واسع لهذه الظاهرة، واهتمام بها، وسعي لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصري؟؟"[2]

ولقد حاول الشيخ ، ان يشيع ان دعوة الاستاذ محمود ، الى الحرية الفردية المطلقة ، هي دعوة للاباحية وعدم التقييد بأي منهج اخلاقي !! ولم يكن ذلك مجرد عدم فهم ، وانما هو غرض مبيت ، في التشويه والاثارة واستعداء البسطاء .. جاء في ذلك :

ويقول الشيخ المطيعي، في ذلك الحديث التلفزيوني، إمعانا في تشويه فكرنا: "وهو ـ يعني الأستاذ محمود ـ لا يتقيد بقيد لأنه يدعو للحرية المطلقة" ومضى يقول "وهذه الحرية المطلقة التي لا تتقيد بشريعة سماوية، ولا تتقيد بآداب نبوية" انتهى.. هذا ما قاله الشيخ المطيعي عن مفهومنا للحرية الفردية المطلقة، وهو قول بادي البطلان، بادي الغرض.. وسنورد هنا بعض تعريفاتنا للحرية الفردية المطلقة كما وردت في كتبنا.. فقد جاء في كتاب " رسالة الصلاة"، صفحة 60، مانصه: "وفي الحق أن الحرية في الإسلام مطلقة، على أن تؤخذ بحقها.. وحقها، كما قلنا، حسن التصرف فيها ولا يستطيع أن يأخذها بحقها إلا من جوّد العبادة، وأوفى في ذلك بوصية المعصوم حيث قال "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم".. فمن تخلّق بأخلاق الله فقد سار من المحدود إلى المطلق، فأحرز من استقامة السيرة، وسلامة السريرة ما يجعل نتائج عمله كلها خيرا وبرّا بالأحياء والأشياء، حتى لا يكون للقوانين عليه من سبيل" .. انتهى.. وقال الأستاذ محمود في كتاب "الثورة الثقافية"، طبعة مايو 1972، صفحة 32، ما نصه: " قد قال المعصوم: "الدين المعاملة"، وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. و "مكارم الأخلاق" هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.." ويمضي النص فيقول "وحسن التصرف في الحرية، إذا كانت في قاعدتها ـ الحرية المقيدة بالقانون ـ أو في قمتها ـ الحرية المقيدة بالأخلاق ـ لا يتأتى إلا إذا تهذب الداخل، واستقام، فسلم القلب من مذام الأخلاق، وصفا العقل من أوضار الأباطيل والخرافاات.." انتهى.. وهكذا فإن الحرية الفردية المطلقة هي قمة الأخلاق، لأنها هي التخلق بخلق الله الأعظم.. وهذه الحرية مقيدة في قاعدتها بالقانون، وفي قمتها بالأخلاق، وصاحبها، فيما يأتي وما يدع، لا يصدر منه إلا الخير والبر بالأحياء والأشياء.. فأين هذا المفهوم مما خرّجه الشيخ؟؟ إن الحرية الفردية المطلقة التي ذهب الشيخ يشوهها بغير علم إنما هي سنة النبي الكريم، وقد كان أقدر الناس على حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. وفي هذا الصدد جاء في كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام" صفحة 22، الطبعة الخامسة، ما نصّه: "ولقد كان محمد أقدر الناس على حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة، وذلك لشدة مراقبته لربه، ولدقة محاسبته لنفسه، على كل ما يأتي وما يدع، في جانب الله، وفي جانب الناس، أليس هو القائل "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا!!" بلى!! إن حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة إنما هو سنة النبي التي طالما تحدث عنها الناس من غير أن يدركوا حقيقتها" انتهى.. هذا ما قلناه عن الحرية الفردية المطلقة، فأين هو مما قاله المطيعي عنها، بأنها "لا تتقيد بشريعة سماوية، ولا تتقيد بآداب نبوية"؟؟ ففي الوقت الذي نقول فيه أن حسن التصرف في الفردية الحرية المطلقة هي سنة النبي يقول هذا الشيخ أن هذه الحرية لا تتقيد بشريعة سماوية ولا بآداب نبوية!! تشويه واضح ليس له من دافع سوى سوء الغرض..)[3]

(39)

وحين طلب بعض المواطنين ، من الشيخ المطيعي ، ان يحاور الجمهوريين ، رفض بحجة ان الجمهوريين يجب ان يستتابوا أو يقتلوا لا ان يحاوروا !! وعن هذا التحريض جاء (ويقول الشيخ المطيعي في خطبته "بمسجد التقوى" يوم الجمعة 15-4-1983: " يقولون لك - يعني الجمهوريين - ناظرونا، لكن المرتد لا يناظر، وإنما يستتاب ثلاثة أيام فقط، فإن تاب فيها، وإلا قتل" انتهى.. أليس هذا هو اتجاه التكفير الذي تمارسه الجماعات الاسلامية بمصر؟؟ وهو دعوة صريحة، أيضا، للفتنة الدينية باستباحة الدماء، والتحريض على القتل، وإلى إحلال الارهاب، والكبت محل الإسماح، والحوار؟؟ وهي دعوة لانتهاك حكم القانون، ولمصادرة الحقوق الأساسية للمواطنين التي نصّ عليها الدستور!! وأردف الشيخ هذا التحريض بإشارته في حديثه بالتلفزيون يوم 19-4-1983، إلى دعوة زعم أنها ظهرت في التاريخ الإسلامي، شبيهة بدعوتنا، وقد قام الحاكم العباسي بقتل صاحبها، والقضاء على دعوته!! هل يريد هذا الشيخ لبلادنا أن تدخل في أتون الفتنة الدينية التي لا زالت تصطلي بها مصر؟؟ ثم من هو المرتد؟؟ أليس أكابر الصوفية الأجلاّء عند هذا الشيخ مرتدين؟؟ ألا تكفّر الفرق الإسلامية المتهوسة بعضها بعضا؟؟ أم هل يعني بالردة تلك المهزلة الهزيلة التي اصطنعتها "دوائر الأحوال الشخصية" عام 1968، والتي كان قضاتها مخلب قط في تنفيذ الكيد السياسي الداخلي والخارجي ضد الأستاذ محمود محمد طه؟)[4]

ولم تقف مواجهة الجمهوريين ، للموقف ، عند نقد الشيخ المطيعي .. وانما تعدته الى نقد السيد عمر محمد الطيب نائب رئيس الجمهورية آنذاك ، ونقد الدولة واجهزة اعلامها ، واتهامها بالتفريط في المصلحة العليا للبلاد !! فجاء في ذلك:

هذا الشيخ المطيعي مشبوه الخلفية السياسية والدينية، كما أسلفنا، ومع ذلك يجد الفرصة في مسجد له علاقة بالنائب الأول، ورئيس جهاز أمن الدولة، فيدعو إلى إثارة الفتنة الدينية بين الشماليين والجنوبيين، وبين الجنوبيين أنفسهم، ويقوم بتكفير الطوائف الأخرى من المواطنين، ويدعو إلى استباحة دمائهم، ويحرّض المسئولين على مصادرة حرية الفكر والعقيدة، وينعي عليهم تقصيرهم في مسئولياتهم في تدخّل سافر في شئوننا الداخلية.. وذلك مما أكسب نشاطه هذا صفة الشرعية فشجّعه على التمادي فيه، فصعّده إلى التلفزيون، في أحاديث مسلسلة، استهدفت تشويه فكر طائفة من المواطنين محرومة من حق الدفاع عن نفسها، لا من منبر هذا المسجد ولا من خلال هذه الأجهزة، كما استهدفت تحقير معتقدات، ومقدسات هذا الشعب، المتمثلة في تراثه الصوفي.. وهو يدعو إلى الإكراه الديني بدلا عن الاسماح الديني في بلد متعدد الثقافات، يسعى لتحقيق الوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي بين أجزائه، وأفراده.. وكل هذه جرائم تمس الوحدة الوطنية، والحقوق الأساسية للمواطنين، وسياسة الدولة العامة، وتهدد مكتسبات هذا الشعب، وأمنه، واستقراره، ووحدته.. وهي جرائم تقع في مثل هذا المسجد فلا تجد رقيبا ولا حسيبا.. إن خطب هذا الشيخ وأحاديثه لا بد أن تكون قد بلغت النائب الأول، وهو أيضا المسئول الأول عن الأمن، في البلاد، كما بلغت سائر المواطنين من أجهزة الإعلام.. ألم تكن المسئولية السياسية والأمنية للنائب الأول تقتضي وقف نشاط هذا الشيخ من أول بادرة هدامة له في هذا المسجد؟؟ ألا تفرض هذه المسئولية السياسية والأمنية على النائب الأول رعاية حقوق المواطنين فلا يجري النيل من طائفة منهم من منبر يقع تحت سمعه وبصره، وهي لا تملك حق الدفاع عن نفسها من هذا المنبر؟؟ ألا يعتبر التفريط الذي أدى إلى توسيع نشاط هذا الشيخ، وهو يثير الفتنة الدينية، تفريطا في أمن البلاد، ووحدتها؟؟ ألم يعط هذا المسجد صبغة شرعية وجواز مرور لهذا الشيخ ليصعّد نشاطه الهدام في أجهزة الإعلام؟؟ ومن المسئول عن هذا المسجد؟؟ أليست للنائب الأول أية مسئولية عنه؟؟ أليس لنشاط هذا الشيخ، في إثارة الفتنة الدينية، تبعات خطيرة تمتد المسئولية عنها إلى النائب الأول بما له من علاقة بالمسجد الذي تصاعد منه هذا النشاط؟؟ ثم أليس التفريط في المسئولية السياسية والأمنية، والذي يترتب عليه خطر يتهدد وحدة البلاد، وأمنها، من هذا المنبر الرفيع في الدولة مما يجعل صاحبه غير جدير به؟؟

ثم أليس السيد وزير الإرشاد والإعلام، ومعه المسئولون الإعلاميون مسئولين عن التفريط في رسالتهم الإعلامية بإتاحة الحرية التامة في أجهزة الإعلام لهذا الشيخ ليقوم بنشر دعوته إلى الفتنة الدينية وإلى تحقير المعتقدات الروحية لهذا الشعب؟؟ أليست أجهزة الإعلام من الخطورة على تربية هذا الشعب بحيث لا يسمح لها بما يسيء إلى هذه التربية؟؟ وكيف تظل أجهزة الإعلام موصدة أمامنا، نحن المواطنين السودانيين، فنُسلب حقنا الأساسي في التعبير، ليُعطى لأجنبي يسيء استخدامه، فيستغله ضد مصلحة هذا الشعب؟؟ وكيف نُحْرم من أبسط مقتضيات العدالة، فلا نُعْطى مجرد حقنا الطبيعي للدفاع عن أنفسنا، من هذه الأجهزة، بينما تُطْلق يد هذا الشيخ ليمارس تشويهه لفكرنا، ولإثارة الفتنة الدينية ضدنا، على أوسع نطاق، وبصورة منظمة، متصاعدة، من هذه الأجهزة؟؟ ألا تفرّط هذه الأجهزة بذلك في حق أساسي للمواطنين، وتشارك هذا الشيخ في التبعة المترتبة على نشاطه، والمهددة لأمن البلاد، والمخلّة بتربية الشعب؟؟ ألا يجب إعادة النظر في السياسة الإعلامية، وفي رسالة المسجد، حتى تخدما، وعلى أيسر تقدير، سياسة الدولة العامة المعلنة؟؟)[5]



وبناء على هذه المواجهة ، تم في يونيو 1983 اعتقال الاستاذ محمود ، وعدد كبير من الاخوان الجمهوريين، واربعة من الاخوات الجمهوريات !! ووضع الاستاذ في منزل تابع لجهاز الأمن بالخرطوم ، ووضع الجمهوريين بكوبر، والجمهوريات بسجن أمدرمان ..

(40)

وفي هذه الفترة عزل نميري القضاة ، وكون محاكم العدالة الناجزة ، واعلن القوانين الاسلامية في سبتمبر 1983 .. وكون محاكم خاصة ، جعل قضاتها من الاخوان المسلمين ، امثال حاج نور ، ومن رجال الدين واساتذة الجامعة الاسلامية ، أمثال المكاشفي الكباشي ، وغيره ممن لم يكن لهم تأهيل ، غير الفهم المتخلف للاسلام .. ولقد قطعت أيادي البسطاء ، والنازحين ، في وقت اعلنت فيه الحكومة حالة المجاعة ، وتلقت المعونات من الخارج !! وكانت الجماعات الاسلامية ، وعلى راسها الاتجاه الاسلامي بقيادة د. الترابي ، تهلل لقوانين سبتمبر ، وتخرج المسيرات في تأييدها ، وقد اصبح الترابي مستشار النميري !!

في نفس اليوم الذي تم فيه اطلاق سراح الاستاذ والجمهوريين ، وهو يوم 19 /12 /1984 قال الاستاذ ( نحن لم نخرج من المعتقل لنرتاح وانما لنواجه الظلم الذي يمارس باسم الاسلام ) !! وفي يوم 25/12/1984 أصدر الجمهوريون منشور هذا أو الطوفان ونصه كالاتي :



هـــذا .. أو الطوفـــان !!

(و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .. واعلموا أن الله شديد العقاب)

صــدق الله العظيم

غايتان شريفتان وقفنا ، نحن الجمهوريين ، حياتنا ، حرصا عليهما ، و صونا لهما ، وهما الإسلام و السودان .. فقدمنا الإسلام في المستوى العلمي الذي يظفر بحل مشكلات الحياة المعاصرة ، و سعينا لنرعى ما حفظ الله تعالى على هذا الشعب ، من كرايم الأخلاق ، و أصايل الطباع ، ما يجعله وعاء صالحا يحمل الإسلام إلي كافة البشرية المعاصرة ، التي لا مفازة لها ، و لا عزة ، إلا في هذا الدين العظيم ..

و جاءت قوانين سبتمبر 1983 ، فشوهت الإسلام في نظر الأذكياء من شعبنا ، وفي نظر العالم ، و أساءت إلى سمعة البلاد .. فهذه القوانين مخالفة للشريعة ، و مخالفة للدين ، ومن ذلك أنها أباحت قطع يد السارق من المال العام ، مع أنه في الشريعة ، يعزر و لا يحد لقيام شبهة مشاركته في هذا المال .. بل إن هذا القوانين الجائرة أضافت إلى الحد عقوبة السجن ، و عقوبة الغرامة ، مما يخالف حكمة هذه الشريعة و نصوصها .. هذه القوانين قد أذلت هذا الشعب ، و أهانته ، فلم يجد على يديها سوى السيف ، والسوط ، وهو شعب حقيق بكل صور الإكرام ، و الإعزاز .. ثم إن تشاريع الحدود و القصاص لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية ، وهي أرضية غير محققة اليوم ..

إن هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد ، و قسمت هذا الشعب في الشمال و الجنوب و ذلك بما أثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم مشكلة الجنوب .. إن من خطل الرأي أن يزعم أحد أن المسيحي لا يضار بتطبيق الشريعة .. ذلك بأن المسلم في هذه الشريعة وصي على غير المسلم ، بموجب آية السيف ، و آية الجزية .. فحقوقهما غير متساوية .. أما المواطن ، اليوم ، فلا يكفي أن تكون له حرية العبادة وحدها ، و إنما من حقه أن يتمتع بسائر حقوق المواطنة ، وعلي قدم المساواة ، مع كافة المواطنين الآخرين .. إن للمواطنين في الجنوب حقا في بلادهم لا تكفله لهم الشريعة ، و إنما يكفله له الإسلام في مستوى أصول القرآن (السنة) .. لذلك فنحن نطالب بالآتي :-

1. نطالب بإلغاء قوانين سبتمبر 1983 ، لتشويهها الإسلام ، و لإذلالها الشعب ، و لتهديدها الوحدة الوطنية..

2. نطالب بحقن الدماء في الجنوب ، و اللجوء إلى الحل السياسي و السلمي ، بدل الحل العسكري. ذلك واجب وطني يتوجب على السلطة ، كما يتوجب على الجنوبيين من حاملي السلاح. فلا بد من الاعتراف الشجاع بأن للجنوب مشكلة ، ثم لا بد من السعي الجاد لحلها ..

3. نطالب بإتاحة كل فرص التوعية ، و التربية ، لهذا الشعب ، حتى ينبعث فيه الإسلام في مستوى السنة (أصول القرآن) فإن الوقت هو وقت السنة ، لا الشريعة (فروع القرآن) .. قال النبي الكريم صلي الله عليه وسلم : (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فطوبى للغرباء ‍‍ قالوا: من الغرباء يا رسول الله ؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها). بهذا المستوى من البعث الإسلامى تتحقق لهذا الشعب عزته ، وكرامته ، ثم إن في هذا البعث يكمن الحل الحضاري لمشكلة الجنوب ، و لمشكلة الشمال ، معا‍ ‍‍… أما الهوس الديني ، و التفكير الديني المتخلف ، فهما لا يورثان هذا الشعب إلا الفتنة الدينية ، و الحرب الأهلية .. هذه نصيحتنا خالصة ، مبرأة ، نسديها ، في عيد الميلاد ، وعيد الاستقلال ، ونرجو أن يوطئ لها الله تعالي أكناف القبول ، و أن يجنب البلاد الفتنة ، ويحفظ استقلالها و وحدتها و أمنها .. وعلي الله قصد السبيل.

أمدرمان في 25 ديسمبر 1984م 2ربيع الثاني 1405هـ

الأخـــــوان الجمهوريون



وتم اعتقال أربعة من الاخوان الجمهوريين ، في نفس اليوم ، ثم اضيف الاستاذ للبلاغ .. ولقد كان اتجاه الاستاذ محمود ، من البداية ، هو المواجهة السياسية ، فقرر عدم التعاون مع المحكمة ، باعتباره رافضاً للقوانين الاسلامية المزعومة .. ومع ذلك اتجه الى تحدي السلطة السياسية ، بهدف كسر هيبتها ، ورفع الخوف عن كاهل الشعب ، حتى ينهض بالثورة .. فقال في كلمته امام المحكمة ( أنا أعلنت رأي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام.. أكثر من ذلك ، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام ، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت ، واستغلت ، لإرهاب الشعب ، وسوقه إلي الاستكانة ، عن طريق إذلاله.. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير ..

و أما من حيث التطبيق ، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها ، غير مؤهلين فنيا ، وضعفوا أخلاقيا ، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية ، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب ، وتشويه الإسلام ، وإهانة الفكر والمفكرين ، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك ، فإني غير مستعد للتعاون ، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر ، والتنكيل بالمعارضين السياسيين) !! ولقد حاول بعض المحامين، تكوين هيئة لتولي القضية ، والدفاع عن الجمهوريين ، فشكرهم الاستاذ واخبرهم ان الجمهوريين سيباشرون أمرهم بانفسهم ..

ولقد وجهت محكمة امدرمان برئاسة المهلاوي ، التهمة ضد الاستاذ والجمهوريين ، بناء على قانون امن الدولة باعتبار ان المنشور يعتبر معارضة للنظام ، ثم قفز القاضي الى تهمة الردّة ، وحكم بالاعدام ، ثم امر المتهمين بالتوبة.. وحين رفع الامر للتاييد ، اعاد قاضي الاستئناف المكاشفي طه الكباشي المحاكمة من جديد ، دون ان يوجه تهم جديدة ، او يحضر المتهمين امامه !! واعتمد على رايه المسبق ، وخصومته السياسية للفكرة الجمهورية ، فوصف الاستاذ بالردّة ، ولم يخف اعتماده على حكم محكمة الردّة الذي تم عام 1968 ، وهو حكم جائر ، بل انه كان مؤامرة من الفقهاء والاخوان المسلمين وزعماء الطائفية ، وكانت المحكمة الشرعية هي مخلب القط في تلك المؤامرة السياسية، فخرجت على قانون تكوينها ، وعملت خارج اختصاصها ، ففقدت من ثم حيادها وشرعيتها ، كما اوضحنا في الحلقة الماضية .. ورغم ما اعتور محكمة الردّة من فساد وتآمر اعتمد عليها المكاشفي وايد الحكم بالاعدام !!

_ نواصل-

د. عمر القراي



-------------------------

[1] - الاخوان الجمهوريون 1983 : الهوس الديني يثير الفتنة ليصل الى السلطة ص3
[2]- المصدر السابق .
[3]- المصدر السابق .
[4] - المصدر السابق.
[5] - المصدر السابق . 5] - مقالاته في سودانايل .

حول مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم
الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة العاشرة والأخيرة)
د. عمر القراى - 15 سبتمبر 2003
(41)

في ضحى الجمعة 18 يناير 1985، إقتيد الاستاذ محمود ، وهو مصفد اليدين والقدمين ، ومغطى الوجه الى ساحة سجن كوبر العمومي . وكانت الساحة ، على سعتها ، تضيق بمئات المواطنين ، الذين يرتفع صوت هتافهم " الله اكبر الاسلام هو الحل " !! ثم يخبو ، بجانب هتاف السجناء ، الذين يضربون باقدامهم الارض ، ويدقون على ابواب حراساتهم ، وهم يرددون " لن ترتاح يا سفاح " "العار العار يانميري " .. ولقد كانت الجماعات الاسلامية، تترقب هذه اللحظة ، والفقهاء الذي انتقدهم الاستاذ محمود ، ينتظرون ان يروا ، منه ، اي بادرة خوف ، او تراجع ، تطمئنهم على انه ربما لم يكن ، على حق في دعوته .. اذ لا يتوقع من شخص مدع ، أو منحرف ، ان يثبت في لقاء الموت .. لقد عجزوا ان يهزموه طوال حياته ، فهاهم يطمعون ان يهزموه في مماته !! ومعلوم ان الموت لا يمثل هزيمة ، لانه مصير كل الاحياء ، ولكن الهزيمة في التراجع ، او الخوف والاضطراب .. ولكن ما حدث ، كان مفاجأة لهم ، ولغيرهم ، بكل المقاييس . اذ ان الاستاذ محمود ، سار الى الموت ثابت الخطى والجنان ، ولم ينس ان يخلع نعليه عند المنصة ، وحين كشف الغطاء عن راسه ابتسم !!

ولقد صور عدد من الشعراء ، والمفكرين ، والادباء ، هذا الموقف، ومن هؤلاء د. عبد الله بولا ، فقد أورد حديث الاستاذ في المحكمة ، ثم قال ( كان هذا حديث الرجل الى المحكمة التي كان يعلم انها أضمرت قتله أو اذلاله بالتراجع عن آرائه ، حديث رجل سلط على عنقه سيف ارهاب مشرع مديد طوله الف وثلاثمائة عام ونيف ، فما زاغ بصره وما طغى ، ولا أقول لم يرمش له طرف ، بل لم يهتز منه ظل خاطرة في أعمق أعماق طبقات وعيه الباطن :

وقد كان فوت الموت سهلاً فساقه اليه الحفاظ المر والخلق الوعر

وامام المشنقة ثانياً : فعندما أحكموا حبل الموت حول عنقه وأزاحوا غطاء الرعب عن وجهه الوضئ ، وجدوا رجلاً يبتسم لا ساخراً ولا مستهزءاً بالموت ، بل موقناً بالفداء الكبير ، مطمئناً الى اختيار ربه ، منسجماً حتى النهاية مع منطقه التوحيدي وهذا أقصى ما يصل اليه الصدق . وهكذا فقد مضى "الى الخلود بطلاً ورائداً وقائداً رعيل الشهداء ورمز إيمان جديد بالفداء ..... وبالوطن". أقول هذا وانا جد قلق مستوحش من ان اكون قد أسات الوقوف في حضرة هذا الشيخ الجليل )[1]



وفي قصيدة المرحوم بروفسير عبد الله الطيب :

قد شجاني مصابه محمود مارق قيل ، وهو عندي شهيد

وطني مجاهد واديب منشئ في بيانه تجويد

وخطيب مؤثر ولديه سرعة الرد والذكاء الفريد

الى ان يقول :

علناً علقوه يشنق للجمهور ذاك المفكر الصنديد

أخرجوه لحتفه ويداه خلفه وهو موثق مشدود

جعلوه يرقى به الدرج الصاعد نحو الهلاك خطو وئيد

كشفوا وجهه ليعرف ان هذا هو الشخص عينه محمود

فاراهم من ثغره بسمة الساخر والحبل فوقه ممدود

وعلى وجهه صفاء واشراق أمام الردى وديع جليد؟![2]

وفي قصيدة الاستاذ عوض الكريم موسى:

ويخلع النعلين عند سفح المشنقة

كأنها المصلى وهو يصعد الخطى الموثقة الواثقة

كأنه المحب في لقاء محبوب مهاجر يرنو لان يعانقه

ويكشف الغطاء عن بوادر ابتسامة

عن انضر ابتسامة

عن أجسر ابتسامة

كالشمس لم تخامرها غمامة

برهانه على اليقين والصمامة

رسالة الى الاحرار بالخلاص المرتجى

حرب على الدجال فهي في حلوقهم شجى

وفي عيونهم قذى وفي صدورهم لظى

فقد أبى أن يعطي الدنية

في دينه من نفسه الابية

لله وحده أعطى زمامه

أقام دينه أوفى تمامه

تبت يداهم يقتلون في الضحى السلام

والغصن والحمامة

وحوله هتافهم كجوفهم مباءة المساءة

قاماتهم قماءة ، وجوههم دمامة

أليسوا الساقطين في شر الفتن ؟

البائعين الدين ، والمبائعين التالف المتلاف

بيعة الامامة ؟![3]

وفي قصيدة الأخ العوض مصطفى:

ان ما اشتاق لهذا الصابر في البأساء فلا اشتاق

المؤمن بالشعب العملاق

الباذل للروح الغالي والمطلق من قيد الاشفاق

يكفيني أني عشت زماناً كان له طعم ومذاق

يكفيني اني كنت جليسك رغم شعور الابن العاق

فيا من كان بحضرته والفكر به قيد ووثاق

حدثني عن أخبار الشيخ الباسم في وجه الشناق[4]

وفي قصيدة الاستاذ عالم عباس :

كان الدرج الصاعد نحو المشنقة المنصوبة في ساحة

كوبر يدرك ان الخطوات المتزنات اللائي سرت بهن

وئيداً تفضي نحو الموت الرائع والمتسق تماماً مع ما كنت تقول

كان الحبل الملتف على رقبتك الشامخة الرأس هو

الطرف الآخر من ذات الحبل الملتف على عنق الوطن المقتول

ليس بعيداً كل قضاتك والجلادون ملامحهم ذابت

ووجوههم متفحمة خجلاً وصغاراً

وثباتك مثل الخنجر بين اضالعهم

فكأنك تقتلهم بمخازيهم شنقاً وتحرر

ربقة هذا الوطن الرائع من نير الذل

انت الأغلى ، والأعلى ، والانبل

كنا ندرك انك تفدي الوطن الأجمل

فلتكن القربان اذن حتى يتطهر وجه الارض

وينخسئ البهتان[5]

ومن شعر الشاعر سيد احمد الحاردلو شفاه الله باللهجة السودانية الدارجة :

بس يا سلام سلم

زول يستحق القول

والحمد والتبجيل

محمود جنا طه

ملك وملكو علم

وفقير وفقرو علم

ويمين يمين الله

لو عندي أيد لاحقه

أديهو تاج الرجال

وابنيلو في الخرتوم

فوق البحر تمثال

لكن خسارتي انا

الماعندي أيها حال[6]



(42)

ولقد ااستنكرت ، الحكم ، من حيث هو اعتداء على حرية الفكر ، نقابات واحزاب وصحف ، ومجموعات داخل وخارج السودان .. فجاء في بيان الهيئة النقابية لاساتذة جامعة الخرطوم (نخاطبكم والبلاد تمر بفترة من احرج فترات تاريخها الحديث واحلكها ، نخاطبكم في وقت ديست فيه حرية الفكر واذلت فيه أعناق الرجال وارتخصت فيه حياة المفكرين . في أمس الأول 8/1/1985 الموافق 16/4/1405هجرية أصدر قاضي محكمة جنايات امدرمان رقم 4 حكماً بالاعدام شنقاً حتى الموت على الاستاذ محمود محمد طه واربعة من الجمهوريين وقد جاء في حيثيات الحكم التي تناقلتها أجهزة الاعلام المختلفة أن حكم الاعدام هذا سيكون عظة لغيرهم ممن اسماهم القاضي بمثيري الفتنة وهذا في رأينا هو المقصود بامر المحكمة ابتداء، لأن السلطة السياسية التي يأتمر قضاة المحاكم الجنائية بأمرها ظلت تسعى الى تكميم افواه المفكرين واسكات اصوات المعارضين بشتى الوسائل من حل لنقابات العاملين وتشريد وطرد من الخدمة وزج في السجون ثم بمحاكمات صورية لا تتوفر فيها أبسط مقومات العدالة....)[7]

ولقد رفعت نقابة المحامين ، مذكرة لرئيس الجمهورية ، جاء فيها ( وقد تلقينا مع ابناء شعبنا أجمعين صدمة الحكم الذي اصدرته محكمة الجنايات بامدرمان باعدام المتهمين في القضية المعروفة "حكومة السودان ضد محمود محمد طه وآخرين" .... وقد جاءت المحاكمة الاخيرة للمتهمين المذكورين لتؤمن على صحة المحاذير والانتقادات التي وجهناها لذلك القانون في حينها. ولعلها لم تكن المحاكمة الوحيدة في ذلك الصدد غير انها كانت الوحيدة التي عبر فيها المتهمون صراحة عما ظل يلاك همساً وظللنا نحذر منه .. فقد رفضوا بادئ ذي بدء التعامل مع هذه المحاكم ، مؤسسين رفضهم على انتقادات عنيفة لقضاتها فنياً وأخلاقياً الشئ الذي لم يشهد تاريخ القضاء مثلاً له. وما كان ذلك ليكون لولا ان قانون الهيئة المستحدث وما ترتب عليه من ممارسات لم يستطع ان يقنع احداً بان ثمة قدر - ولو ضئيل- من العدالة والحيدة والنزاهة يمكن ان يتحقق في ظله)[8]..

وفي بيان ، صدر عن الحزب الشيوعي السوداني ، جاء ( إجتاحت البلاد موجة مشروعة من الغضب والاستهجان على الحكم بحق الاستاذ محمود محمد طه وزملائه من قادة الجمهوريين .. واستنكر أهل السودان على اختلاف مشاربهم ، استهتار نميري واعوانه بابسط قيم العدالة في المحاكم الميدانية والايجازية التي اسموها محاكم عدالة اسلامية ناجزة ! فالجمهوريون لم يفعلوا أكثر من إستعمال حقهم كمواطنين ، وعرضوا وجهة نظرهم من منطلقات اسلامية ، ومن موقع التعاطف مع السلطة ، وتقدموا بنصيحة للسلطة لإلغاء تشريعات سبتمبر1983 ، وحل مشكلة الجنوب حلاً سياسياً حسب ما جاء في منشورهم فأي عدالة سماوية أو وضعية تبيح تقديمهم للمحاكمة تحت حشد من مواد القانون الوضعي الرجعي في آن واحد ثم يصدر الحكم ضدهم شرعياً حدياً بالتكفير والاعدام؟

إن حكم الاعدام على الفكر السياسي ، هو الثمرة المرة للتجارة بالدين واستخدام الاسلام واجهة لتسلط حكم الفرد وبعث لاكثر تاريخ صفحات الدولة الاسلامية سواداً حيث يكفر الحاكم معارضيه الساسيين ،ويستبيح دماءهم . ويتسابق علماء السوء وقضاة الضلالة في تدبيج الفتاوي والاحكام لتبرير استبداد الحاكم . هذا ما يمارسه في سودان اليوم جعفر نميري والاخوان المسلمون وبطانة الشعوذة والدجل من أمثال ابوقرون والمهلاوي ، وبتشجيع من حكام السعودية وخدامهم من المنتفعين بمذهب الوهابية . ولكنهم تناسوا في غمرة تعطشهم لدحر معارضيهم ان الرأي العام السوداني المستنير قبر محكمة الردّة التي عقدوها عام 68 لتكفير الاستاذ محمود محمد طه )[9]

وكتب الكاتب المصري ، والناشط في حقوق الانسان ، الاستاذ فتحي رضوان ( إن النظام رأى أن يحاكم رئيس الجماعة واتباعه امام محكمة انهت المحاكمة الخطيرة ، في هذه التهمة الفادحة في لمح البصر لإقامة نوع جديد من العدالة لم تشهده أمة مسلمة أو وثنية منذ عرف الناس العدل والقضاء والمحاكمة وتوجت هذه المحكمة بحكم قضى باعدام الخمسة .... ويشرف المواطن العربي ان يوجد بين اخوانه في هذا الوطن من يواجه طغيان الحاكم بثبات ورباطة جأش ، رافضاً ان يتعاون مع هذا الطراز من المحاكم والقضاة . وان يتمسك برأيه لا يخاف حتى حينما يصل الأمر للتهديد بالموت )[10]

واصدرت المنظمة العربية ، لحقوق الانسان ، في مجلتها الدورية عدد فبراير 1985 ، ملفاً ، حوى اكثر من خمسين صفحة ، شمل تغطية واسعة ، للقضية واجراءات سيرها ، وكلمة الاستاذ امام المحكمة ، ومنشورات للجمهوريين ، وتعريف بالفكرة الجمهورية ، وردود فعل الحكم ..

وجاء في جريدة الاهالي ( الى جانب ردود الافعال الداخليه الحادة فقد ادانت لجنة الحقوقيين الدولية شنق محمود محمد طه بدعوى خروجه على الشريعة الاسلامية ... وقد استنكرت وزارة الخارجية الامريكية ذاتها إعدام الرجل باعتباره انتهاكاً سافراً لحقوق الانسان .... واعربت أمانة اللجنة المركزية لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي عن استنكارها الشديد والشعور بالاشمئزاز إزاء الجريمة الشنعاء التي ارتكبها نظام نميري باعدام شيخ كبير من قادة التيار الاسلامي بالسودان هو الشيخ محمود محمد طه وأكدت الامانة ان جريمة النظام السوداني تعني كل مسلم بصفة عامة وكل مصري بصفة خاصة ودعت امانة اللجنة المركزية كل القوى الوطنية وجموع المواطنين للاعلان عن استنكارها لهذه الجريمة التي تتناقض مع ابسط حقوق الانسان وأقدس القيم العربية والحضارية )[11]

وكتبت مجلة مرآة الأمة الكويتية ( لو اننا أخذنا بالمبررات والتهم التي ألصقت بالمرحوم الشيخ محمود محمد طه زعيم الاخوان الجمهوريين 76 سنة الذي اقتيد الى حبل المشنقة في السودان مكبلاً بالاصفاد والاغلال والقيود وعلق فيها وهو يبتسم ونزع الحبل روحه وهو يبتسم لانه لم يات أذى . لو اخذنا بهذه المبررات لأصبحت شريعة الغابة هي السائدة لا شريعة الاسلام السمحاء .... ولم يكف الجلادين في السودان قتل الشيخ المسن محمود محمد طه بل أحضروا من السجن رفاقه مكبلين بالاصفاد والقيود ايضاً ليشهدوا ... احضروا هؤلاء الرفاق مهددينهم بنفس المصير ان "لم يتوبوا" لا أقول اين اسلام المسوؤلين في السودان ؟ بل اقول اين المسلمين في كل مكان؟! رحم الله الشيخ محمود محمد طه الذي يرقد الآن هانئ البال مرتاح الخاطر في مكان جعلته السلطات السودانية مجهولاً حتى لا يكون للسودانيين مزاراً !! )[12].

واوردت جريدة القبس الكويتية ، البيان الذي أصدره السودانيون العاملون بالكويت ، وجاء فيه (نحن السودانيين المقيمين بالكويت ، انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن حرية الفكر وحق المواطن المشروع في التعبير عن آرائه السياسية ودفاعاً عن استغلال القضاء ، وحق المواطن في محاكمة عادله ندين ونستنكر حكم الإعدام الذي نفذ في المفكر الاسلامي الاستاذ محمود محمد طه رئيس حزب الجمهوريين بالسودان والبالغ من العمر 76 عاماً علماً بان المادة 247 أ من قانون الاجراءات الجنائية السوداني لعام 83 تنص على عدم جواز تنفيذ حكم الاعدام على من تجاوز السبعين عاماً من عمره )[13] .. كما اوردت (ان السودانيين المقيمين في الولايات المتحدة تظاهروا احتجاجاً على اعدام المفكر السوداني الاستاذ محمود محمد طه زعيم الاخوان الجمهوريين ورفع المتظاهرون مذكرة الى رئاسة الجمهورية سلمت للسفارة السودانية في واشنطون تطالب باطلاق سراح جميع المعتقلين والغاء القوانين الاسلامية واعادة هيبة وسلطان القانون وايقاف العمليات العسكرية في الجنوب)[14]

وذكرت صحيفة العرب ، تحت عنوان "تعاطف الطبقات السياسية والمثقفة في السودان مع غاندي أفريقيا" ان مختلف المثقفين قد تعاطفوا مع (الاستاذ محمود واعوانه الذين حكم عليهم بالاعدام لاتهامهم بالكفر والتحريض على الاطاحة بالنظام وتوزيعهم منشوراً يطالب بالغاء قوانين سبتمبر 1983 )[15] ... واوردت صحيفة خليجية أخرى ، خلفية عن الفكر الجمهوري ، وعدائه التقليدي للاخوان المسلمين .. ونقلت مشهد الاعدام ، مع اسف اللجنة الدولية لرجال القانون ، في جنييف ، والبيت الابيض ، لتنفيذ الاعدام .[16]

وجاء في صحيفة الصباح ( كنا نتصور ان هذا النوع من الابادة السياسية قد باد وولت عهوده الى غير رجعة ، ولكن ما يجري الآن على الساحة السياسية في دول اسلامية ينذر بالانتكاس لاعادة سلطوية التكفير العشوائي ورمي الناس بالكفر والزندقة كلما عارضوا حكماً او اعترضوا على موقف وتصفيتهم جسدياً والتخلص منهم بهذه الطريقة الظالمة التي لا تمت بصلة للاسلام دين التسامح والمحبة والحق والمجادلة بالتي هي احسن)[17]

ونقلت وكالات الانباء ، ان مجلس العموم البريطاني ، عقد جلسة استثنائية ، ادان فيها إعدام الاستاذ محمود .. وذكر احد النواب ، ان هذه الجريمة البشعة ، قد خفضت من قيمة كل انسان على وجه البسيطة .. كما اعطى المجلس ، الفرصة لاحد الجمهوريين ، لالقاء كلمة ، فلم يستطع اكمالها ، واجهش بالبكاء .[18]



(43)

أما الاخوان المسلمين ، والفقهاء ، ورجال الدين ، فقد كان موقفهم ، موقف الشامت ، الفرح بهذه الجريمة المنكرة ، التي شاركوا فيها النظام مشاركة تامة .. فعبر عن ذلك طلاب الاتجاه الاسلامي ، في الجامعة ، في جريدتهم "آخر لحظة" .. ثم خارج الجامعة ، هللوا للحكم ، في جريدتهم "ألوان" .. وهاجموا المرحوم د. عبد الله الطيب بسبب قصيدته ، التي رثا بها الاستاذ محمود . كما دل على فرحهم ، التجمع الغوغائي ، والحشد الذي جمعوه بكوبر ، في يوم التنفيذ ، والمظاهرة التي قادوها بعده .. وقد شاركهم في ذلك الفقهاء ، وائمة المساجد ، حيث عبروا في خطب الجمعة، بمعظم مساجد العاصمة ، عن فرحتهم بهذه الجريمة ، واشادتهم بالقوانين الاسلامية ، التي لولاها ، ما حدثت !!

اما د. الترابي ، زعيم الجبهة القومية الاسلامية ، والذي كان مستشاراً للنميري ، فقد حرض الأخير على الجريمة ، ودفعه في اتجاهها ، وبعد التنفيذ صرح لعدد من الصحف ، بسبب تأييده لتنفيذ الاعدام ، بقوله (محمود محمد طه لا يعرفه أهل السودان سياسياً، لأن دعوته دينية.. لانه رجل له قضية ، وقضيته ضد الدين ، الذي تعرفونه من الاسلام بالضرورة ) !! [19] ولم يكتف الترابي، بذلك التصريح ، وانما أصر على تكراره ، في اكثر من مناسبة ، فقال (ما دمت منفعلاً بديني فاني لا استشعر اية حسرة على مقتل محمود محمد طه . ان ردته اكبر من كل انواع الردّة التي عرفناها في الملل والنحل السابقة . وعندما طبق نميري الشريعة تصدى لمعارضته لانه رأى عندئذ رجلاً دينياً يريد ان يقوم بنبوة غير نبوته هو. واكلته الغيرة فسفر بمعارضته ولقي مصرعه غير مأسوف عليه البتة) .[20]

على ان بعض الشخصيات البارزة ، في تنظيم الاتجاه الاسلامي ، عبرت عن عدم موافقتها ، على الجريمة التي ضلع فيها قادته .. فقد جرى الحوار التالي ، مع د. حسن مكي ، مؤرخ الحركة الاسلامية ، وعضوها البارز:

س : قيل ان لك علاقة خاصة بمحمود محمد طه والبعض قال حسن مكي مأثور جداً بشخصية وافكار محمود ؟

ج : والله .. انا من المأثوريين به . أنا كنت اعرفه واتردد على منزله في ذلك الوقت . وكنا كشباب في الثانويات نجد عنده "اللقمة" نتعشى معه وكنا نتعجب ان الشخص الذي يشغل الساحة الفكرية شخص بسيط زاهد ومتواضع ، وكان المفكر الوحيد المطروحة كتبه في السوق .

س : وحينما أعدم ؟

ج : كنت مسرحاً لافكار شتى - السياسي فينا كان يتكلم - ان الحمد لله ربنا خلصنا من خصم قوي .. وكان حيعمل لينا مشاكل وكان حيكون اكبر تحد لفكر الحركة الاسلامية السياسي -والفكري فينا كان يتحدث بان هذا الشخص عنده قدرات فكرية وروحية (واعلم مننا واحسن مننا) ولكن السياسي دائماً ما ينتصر هنا .

س : والآن ؟

ج : أنا بفتكر ان محمود محمد طه جرعة كبيرة لا نستطيع ان نتحملها (الناس ما قادرين يتحملوا حسن مكي بيتحملوا محمود محمد طه ؟؟! وضحك)

س: لكن امين حسن عمر قال ان الترابي انتصر عنده الفكري على السياسي وكان ضد اعدام محمود؟!

ج : أنا لا أريد ان ادخل ما بين الترابي وامين .. ولكن اعتقد ان الصف الاسلامي في ذلك الوقت كان جميعه مع إعدام محمود محمد طه .

س : نحن نسأل عن موقف د. حسن الترابي؟

ج : انا اعتقد ، انو كان خائف ، على انو نميري ينكص عن إعدام محمود محمد طه .. ويدعو الله ، الا يحدث ذلك ..[21]



فاذا كان بعض اعضاء الاتجاه الاسلامي ، قد تبرأوا من وزر تلك الجريمة ، وحاولوا ان ينأوا بانفسهم ، الى معسكر الشرفاء الذين ادانوها ، فانه مما يؤسف له ، ان ينحاز مثقف مثل د. عبد الله علي ابراهيم ، الى معسكر التخلف ، فيشيد بالفقهاء ، ورجال الدين ، ويدعوا الى تطبيق قوانينهم ، التي كان من نتائجها ، ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء !! ومع ان د. عبد الله ، لم يؤيد اعدام الاستاذ محمود ، الا انه ظل خلال سلسلة مقالاته ، يدعو الى القوانين ، التي يعلم انها حكمت بردته ، من قبل ، ويشيد بالفقهاء ، الذين كانوا مؤيديين لذلك الحكم ، حتى بعد ان تم تنفيذ الاعدام ، على الاستاذ محمود!!

واسوأ من العجز عن الربط بين القوانين الاسلامية المزعومة ، ونتائجها البشعة ، ما درج عليه د. عبد الله من محاولة تبرأة الاتجاه الاسلامي ، من اغتيال الاستاذ محمود !! فقد قدم ورقة ، من قبل ، عنوانها "من الذي قتل محمود ؟" في مؤتمر الدراسات السودانية ، برأ فيها الترابي وقبيله ، من الضلوع في هذه الجريمة !!



(44)

ورغم ان حكم قضاة نميري ، وفقهاؤه ، قد ادين سياسياً ، بواسطة الشعب السوداني ، الذي اسقط النظام بعد 76 يوماً ، من تنفيذ الاعدام على الاستاذ محمود ، الا انه كان لابد من ادانة الجريمة قانونيا ً ، لانها ارتكبت باسم القانون ، فالحقت به العار ، الذي لا يمحى ، الا بالغاء هذا الحكم الجائر ..

في 25 فبراير 1986، رفعت الاخت الاستاذة اسماء محمود ، والاخ الاستاذ عبد اللطيف عمر ، عريضة دعوى، تطالب باعلان بطلان اجراءات المحاكمة . ولقد رفعت الدعوى ضد حكومة جمهورية السودان، الى المحكمة العليا، الدائرة الدستورية ، وتم نظرها بواسطة السادة القضاة :

السيد محمد ميرغني مبروك رئيساً

السيد هنري رياض سكلا عضواً

السيد فاروق احمد ابراهيم عضواً

السيد حنفي ابراهيم محمد عضواً

السيد زكي عبد الرحمن عضواً

السيد محمد حمزة الصديق عضواً

السيد محمد عبد الرحيم علي عضواً

وكانت هيئة الادعاء ، التي تولت رفع الدعوى ، مكونة من السادة المحامين :

د. بيتر نيوت كوك

الاستاذ عبد الله الحسن

الاستاذ عابدين اسماعيل

الاستاذ طه ابراهيم

الاستاذ جريس اسعد

الاستاذ محمود حاج الشيخ

ولقد بنى السادة المحامون ، دعواهم للمطالبة بالغاء الحكم ، على الحجج التالية :

1- أن تعيين قاضي الموضوع ، كان باطلاً لعدم استيفائه لشروط المواد 20-29 من قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية . مما يترتب عليه بطلان الحكم الصادر منه ، وذلك ان المادة 16 (أ) من قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية ، وان كانت تجيز لرئيس الجمهورية السابق سلطة تكوين محاكم جنائية ، الا انها حجبت عنه سلطة تعيين القضاة الجالسين بها.

2- ان قاضي الموضوع ، وان كان قد وضع المادة (3) من قانون أصول الاحكام القضائية لسنة 1983 كتهمة، الا انه لم يوجه صراحة تهمة الردّة الى المتهمين أمامه ، وانما إستخلصها انصياعاً لرغبة الرئيس السابق ، وذلك لانه رغم استناده الى نصوص قانون العقوبات وقانون أمن الدولة ، فقد منح المتهمين مهلة للتوبة الى ما قبل تنفيذ الحكم .

3- ان قاضي الموضوع ، قد نصب نفسه مشرعاً ، حينما اشار الى تهمة تحت المادة (3) من قانون اصول الاحكام القضائية لسنة 1983 ، رغم ان ذلك القانون ليس عقابي ، ويخلو من أية نصوص تجرم أفعالاً أو تضع لها عقوبات.

4- انه قد تم العثور على مذكرة مدسوسة بالمحضر ، صاغها شخص مجهول ، ليستعين بها قاضي الموضوع ، في اصدار حكمه . مما يتبين منه ، ان هنالك أكثر من جهة ، كانت تسعى لصياغة حكم المحكمة ، على نمط معين ، وكتدبير اجرامي للوصول الى إعدام المتهمين.

5- ان تكوين محكمة الاستئناف الجنائية ، بواسطة رئيس الجمهورية السابق ، كان اجراء غير قانوني وباطلاً، اذ قصرت المادة 16 (أ) من قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية ، سلطاته في تكوين المحاكم الجنائية ، دون محكمة الاستئناف ، التي تستمد صحة تكوينها من المادة 18 من ذلك القانون.

6- ان تشكيل محكمة الاستئناف ، من ثلاثة قضاة ، كان يتعارض وصريح المادة 11 (ه) من قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية ، والتي تنص على ان يباشر اختصاص محكمة الاستئناف قاض فرد.

7- انه يترتب على تكوين وتشكيل محكمة الاستئناف على النحو السالف بيانه ، بطلان الحكم الصادر منها.

8- ان محكمة الاستئناف التي كونها رئيس الجمهورية السابق ، وعين قضاتها بقرار جمهوري ، لم تكن مختصة بسلطة تأييد احكام الاعدام . وانما كان الاختصاص بذلك ، ينعقد للمحكمة العليا وحدها ، عملاً بنص المادة (234) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983 ، وعليه فان تأييد رئيس الجمهورية لحكمها ، كان باطلاً ، حيث لا يرقى ذلك القرار الى مرتبة التشريع من جانب، كما وليس له قوة الغاء سلطات المحكمة العليا من جانب آخر . وبذلك فان ما اسبغه من اختصاص على محكمة الاستئناف ، لا يجرد النصوص الواردة في قانوني العقوبات ، والاجراءات الجنائية لسنة 1983 ، من قوة الزاميتها او يحول دون وجوب تطبيقها.

9- ان تنفيذ حكم الاعدام ، قبل تأييده من جانب المحكمة العليا ، يتطابق وجريمة القتل العمد، لما يشكله ذلك من اهدار واضح وصريح لنص المادة (246) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983 .

10- ان تنفيذ حكم الاعدام ، على والد المدعية الاولى ، رغم تجاوز عمره للسبعين عاماً ، كان فعلاً مخالفاً لنص المادة (247) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983. وانه لا مجال للتجاوز عن الالتزام بتطبيق هذا النص ، بحجة الاستناد الى قانون اصول الاحكام القضائية لسنة 1983 حيث انه نص صريح لا يحتمل أي تفسير مغاير أو تأويل .

11- انه وبالرغم من قانون العقوبات لسنة 1983، لم يتضمن في نصوصه ما يسمى بجريمة الردّة- وهي جريمة ان صحت- لم توجهها محكمة الموضوع الى المواطن محمود محمد طه ، وانما استحدثتها محكمة الاستئناف ، بالاستناد اولاً الى قانون أصول الاحكام القضائية لسنة 1983 ، وثانياً الى اقوال المتهم الاول في يومية التحري وافكاره المعروفة ، والى حكم غيابي صدر ضده عام 1968 ، من محكمة شرعية غير مختصة ، والى اقوال من اسمتهم محكمة الاستئناف بعلماء الاسلام في السودان ، وغيره من البلاد العربية ، وكان على محكمة الاستئناف في هذه الحالة ، أما ان تعيد الاوراق الى محكمة الموضوع لاعادة المحاكمة في ضوء هذه التهمة ، أو ان تمارس بنفسها اجراءات اعادة المحاكمة.

12- انه وبفرض ان الحكم الغيابي ، الصادر من المحكمة الشرعية في 1968 ، كان صحيحاً ، فان محاكمة المواطن محمود محمد طه للمرة الثانية ، تشكل مخالفة صريحة لنص المادة 118 (1) من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1983 ، والتي لا تجيز محاكمة المتهم للمرة الثانية ، عن جريمة ادين فيها أو برئ منها ، كما وان ذلك ينطوي على إهدار كامل لنص المادة (71) من دستور عام 1973 ، الذي كان سارياً وقتها ، وهي المادة التي لا تجيز محاكمة شخص مرتين على فعل جنائي واحد.

13- ان جميع الاوامر التي اصدرتها محكمة الاستئناف ، كعدم الصلاة على جثمان المواطن محمود محمد طه ، وعدم دفنه بمقابر المسلمين ، ومصادرة كتبه ومطبوعاته ، واعتبار امواله فيئاً للمسلمين ، بحيث صودر بيته لصالح الدولة ، كلها تنطوي على عقوبات ليس لها مكان في قانون العقوبات ، كما وانها تتعارض مع حقوقه الشرعية.

14- ان محاكمة المواطن محمود محمد طه بجريمة سميت بجريمة الردّة ، تعد انتهاكاً لحق المتهم الدستوري ، المكفول له بموجب المادة (70) من دستور عام 1973 ، والتي تنص على عدم جواز معاقبة أي شخص عن جريمة ما ، لم يكن هناك قانون يعاقب عليها وقت ارتكابها ، وهو حق اكدته المادة (27) من الدستور الانتقالي لسنة 1985 .

15- ان محكمة الاستئناف بقيامها بدور الاتهام ، تكون قد فقدت حيدتها ، ونزاهتها ، واستقلاليتها مهدرة بذلك احكام المادتين (61) و (185) من دستور عام 1973 .

16- ان رئيس الجمهورية السابق ، قد نصب نفسه كجزء من السلطة القضائية ، واجرى محاكمة جديدة للمواطن محمود محمد طه . وذلك لما اشتمل عليه بيانه الصادر بتاييد الحكم ، من وقائع تشير الى انه كان يمارس سلطات قضائية ، وليس عملاً من اعمال السيادة ، اذ نص البيان صراحة ، على ان قرار التاييد قد بني بعد دراسة لمحضر القضية، وبيناتها ، ومستنداتها مستعيناً بالله ، وكتب الفقه والقانون ، وهو ما يشكل تغولاً صارخاً على اختصاصات السلطة القضائية ، والتي قرر لها الدستور استقلالاً كاملاً عن بقية السلطات.

17- ان محكمة الموضوع ، رغم عدم اشارتها في الحكم الابتدائي الى أية مستندات مرفقة بمحضر الدعوى الجنائية ، الا انه يتضح من بيان رئيس الجمهورية السابق ، ان محكمة الاستئناف قد قامت بدس مستندات بذلك المحضر ، لم تكن معروضة امام محكمة الموضوع ، مما يشكل تزويراً للمحضر.

18- انه لا سند في أي قانون ساري المفعول ، لانعقاد جلسة 19/1/1985 والتي تلت اجراءات الاستتابة ، وان قانون العقوبات أو اي قانون آخر لا يتضمن العقوبات والاوامر والاحكام التي اصدرتها محكمة الموضوع في تلك الجلسة.

19- ان ما كان يقوم به المواطن محمود محمد طه من نشاط ، لم يكن الا ممارسة لحقه الدستوري في التعبير عن عقيدته وفكره ورأيه بالطرق السلمية ، دون ان يشهر سلاحاً في وجه أحد ، أو يقهر انساناً على قبول عقيدته . وان محاكمته على ذلك النشاط ، يشكل اهداراً لاهم حقوقه الاساسية والدستورية ، ومن ثم ، تكون محاكمته مع غيره من المتهمين باطلة ، وغير دستورية لمخالفتها لاحكام المادتين (47) و(4 من دستور عام 1973، والتي تكفل الاولى منها للمواطن حرية العقيدة والتعبيرواداء الشعائر الدينية دون اخلال بالنظام العام أو الآداب ، في حين تكفل الثانية حرية الرأي والحق في التعبير عنه ونشره بالكتابة والخطابة . وان الدستور الانتقالي لسنة 1985 قد تبنى الحقوق الواردة في هاتين المادتين ، وذلك بالنص عليهما في المادتين (1 و (19) منه .[22]



(45)

ولقد طلبت المحكمة ، من النائب العام ، باعتباره ممثل الحكومة ، ان يرد على مذكرة الادعاء المرفوعة بواسطة المحامين ، فجاء ردّه كالاتي :

1- نعترف بان المحاكمة لم تكن عادلة ولم تتقيد باجراءات القانون.

2- ان المحاكمة اجهاض كامل للعدالة والقانون.

3- لا نرغب في الدفاع اطلاقاً عن تلك المحاكمة.[23

ولقد جاء في قرار المحكمة :

ان اول ما تثيره عريضة الدعوى هو ان تشكيل المحكمة الجنائية رقم (4) التي أصدرت حكم الاعدام وقع باطلاً، لما اتصف به قرار التشكيل من تجاوز للقانون الذي صدر ذلك القرار بموجبه . وفي بيان ذلك تقول العريضة ، ان قرار التشكيل ( وهو القرار الجمهوري رقم 35 لسنة 1405 هجرية) استند الى المادة 16 (أ) من قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية ، بينما تلك المادة وان كانت تضفي على رئيس الجمهورية السابق ، سلطة تشكيل محاكم ، الا انها لم تخوله سلطة تعيين القضاة الجالسين فيها ، حيث ان التعيينات القضائية مما تنظمها مواد أخرى في القانون هي المواد من 20-29 شاملة .

وما تذهب اليه هيئة الادعاء في هذا الشأن صحيح بلا ريب فيما لو كان محل الاعتبار هو الشكل دون غيره ، الا انه ، وبالنظر الى ما اشتمل عليه قانون الهيئة القضائية لسنة 1405 هجرية من سلطات استثنائية لرئيس الجمهورية السابق في التعيينات القضائية كالمادة 29 (ب) ، فان تعيين احد القضاة العاملين في الهيئة القضائية في محكمة بذاتها يصبح مخالفة شكلية لا تمس جوهر السلطات التي استأثر بها رئيس الجمهورية السابق بنصوص صريحة في القانون . ويترتب على ذلك ان تصبح الاشارة في القرار الجمهوري رقم 35 لسنة 1405 هجرية للمادة 16 (أ) خطأ شكلياً ينبغي عدم اضفاء وزن عليه . ولعل هيئة الادعاء قد تبينت ذلك منذ البداية ، اذ انها استطردت بحجة بديلة قوامها انه حتى اذا كان تعيين القاضي الجالس في المحكمة رقم (4) صحيحاً فان هناك ما يدل على انه حين قام بتوجيه تهمة بموجب المادة (3) من قانون أصول الاحكام ، فعل ذلك بتوجيه خارجي ، مما يلقي ظلالاً على حيدته ، ومن ثم ، ينعكس على إجراءات المحاكمة وما تمخض عنها من حكم ويضيف مخالفة جديدة الى المخالفات التي انطوت عليها تلك المحاكمة .

واننا وان كنا نرى ان مع هيئة الادعاء، في الاضطراب الذي يكشف عنه محضر الدعوى الجنائية وفي الاسلوب الذي تم به تعيين قاضي المحكمة ، ما لا يدعو للاطمئنان على تجرد تلك المحكمة ، الا اننا ، وفي ذات الوقت ، لا نجد سنداً قانونياً لما انتهت اليه هيئة الادعاء من نتيجة ، اذ ان ما تدعيه الهيئة في هذا الصدد امر يتعلق بالوقائع التي لا اثر في المحضر لادلة تثبتها ، ولا يكفي بشأنها اقرار النائب العام ، طالما كانت تلك الوقائع مما يرتب اثراً على اشخاص لا يدخلون في نطاق من يمثلهم النائب العام في هذه الدعوى ، وعلى ذلك فان اقراره يكون مردوداً عليه بانعدام صفته القانونية في اطلاق مثل هذا القرار.



يبقى من عريضة الدعوى فيما تعيبه على المحكمة الجنائية ان تلك المحكمة قامت باضافة المادة (3) من قانون اصول الاحكام الى المواد التي وجهت تهماً جنائية بموجبها . وترى هيئة الادعاء في هذا اولاً ، انه ، ونظراً الى ان قانون اصول الاحكام ليس قانوناً عقابياً ، فان المحكمة تكون قد اضفت على نفسها صفة تشريعية لم تكن تتمتع بها بطبيعة الحال ، وثانياً ، انه ، ومهما كان وجه الرأي فيما تقدم ، فان المحكمة ، وفيما انتهى اليه حكمها ، باستتابة المحكموم عليهم ، تكون قد اوحت بان المحكموم عليهم ادينوا بتهمة الردّة بينما لم توجه اليهم تهمة كهذه في واقع الامر .

ولما كان هذا النعي في شقه الاول هو جوهر ما تستند اليه الدعوى فيما يتعلق بواقعة توجيه تهمة الردّة صراحة في مرحلة التأييد في محكمة الاستئناف ، فانه من غير المناسب ان نتصدى للمسألة في هذه المرحلة حيث يكون النظر فيه اكثر ملاءمة في ضوء الاسباب التفصيلية التي وردت حول الاخطاء التي وقعت في مرحلة التأييد . أما فيما يتعلق بالشق الثاني ، فانه يكفي للفصل فيه ان نحيل هيئة الادعاء الى ما قررته بنفسها من ان ما صدر عن المحكمة الجنائية لا يعدو ان يكون مجرد تضمين للمادة (3) المشار اليها من مواد الاتهامات دون توجيه تهمة محددة بموجبها. وفي ذلك في تقديرنا ما يجعل الاشارة الى الاستتابة في نهاية تلك المحكمة مجرد تزيد لا معنى له طالما وردت الادانة بموجب مواد قانون العقوبات وقانون أمن الدولة وحدها، فالقول بغير ذلك فيه تحميل للحكم ما لا يتضمنه صراحة ، اهداراً للقواعد القانونية والمألوفة في اصدار الاحكام والتي تسري على وجه الخصوص على الاحكام الجنائية التي تقوم على قرينة البراءة ومبدأ تفسير الشك لمصلحة المتهم ..........

على انه يجمل القول ، ومهما كان وجه الرأي فيما يتعلق بتلك العيوب انه يبين من مطالعة اجراءات محكمة الاستئناف تلك ، انها انتهجت نهجاً غير مألوف واسلوباً يغلب عليه التحامل مما جعل الاطمئنان الى عدالة حكمها أمراً غير ميسور وعرضة للمعايير السياسية التي لا شان لها بالاحكام القضائية . لقد تم تشكيل محكمة الاستئناف الجنائية بموجب القرار الجمهوري رقم 35 لسنة 1405 هجرية ذاته الذي شكلت بموجبه المحاكم الجنائية وقد استند القرار فيما اوضحنا من قبل، على المادة 16 (أ) من قانون الهيئة لسنة 1405 هجرية وذلك على الرغم من ان تلك المادة خالية من أي اشارة الى سلطة في تشكيل محاكم استئناف واقتصرت على المحاكم الجنائية دون غيرها...........

على اننا لا نرى مناصاً من الاتفاق مع هيئة الادعاء في ان محكمة الاستئناف ، وخلافاً لكل ما كان مأمولاً في تشكيلها ، انحدرت الى درك من الاجراءات المستحدثة انتهت بها في نهاية الامر الى اصدار حكم جديد لا صلة له بالحكم الذي عرض عليها للتأييد .......

ان محكمة الاستئناف ، وفيما نوهنا به ، اشتطت في ممارسة سلطتها على نحو كان يستحيل معه الوصول الى حكم عادل تسنده الوقائع الثابته وفقاً لمقتضيات القانون . ويبين ذلك جلياً مما استهلت به المحكمة حكمها حين قالت :

" ثبت لدى محكمة الموضوع من اقوال المتهمين ومن المستند المعروض امامها وهو عبارة عن منشور صادر من الاخوان الجمهوريين ان المتهمين يدعون فهماً جديداً للاسلام غير الذي عليه المسلمون اليوم ... الخ " .. وبمراجعة المستند المشار اليه واقوال المتهمين التي ادلوا بها امام المحكمة الجنائية لا نجد سنداً لهذه النتيجة الخطيرة التي نفذت اليها محكمة الاستئناف مما يكشف عن حقيقة واضحة هي ان المحكمة قد قررت منذ البداية ان تتصدى بحكمها لفكر المتهمين وليس لما طرح امامها من اجراءات قامت على مواد محددة في قانون العقوبات وامن الدولة وأدى الى تحريكها منشور محرر في عبارات واضحة لا تقبل كثيراً من التأويل .

وسرعان ما انكشف امر المحكمة ، حين وقعت عينها على ما ورد في حكم المحكمة الجنائية من اشارة الى "التوبة" فأعتبرت ذلك "اشكالاً" لا بد لها من ان توجد له حلاً "لأن التوبة ليس منصوصاً عليها في العقوبة المذكورة ( تعني عقوبة الاعدام التي اصدرتها المحكمة الجنائية ) ولعل محكمة الموضوع جعلتها من قبيل المسكوت عنه الذي يجوز الحكم به وفق المادة (3) من قانون اصول الاحكام لما لاحظت في المنشورات ( هكذا بالجمع) موضوع البلاغ من العبارات الموجبة للردّة فحكمت عليهم بالعقوبة الشاملة لحد الردّة مع إعطائهم فرصة التوبة والرجوع الى الصراط المستقيم". واستطردت المحكمة بقولها: "ولكي نقوم هذا القرار التقويم الصحيح لا بد من الاجابة على سؤالين: الاول ، هل الردّة معاقب عليها في القانون؟ والثاني ، هل كان فعل محمود ومن معه يشكل ردّة وخروجاً على الدين؟"

وفي السؤال الاول خلصت المحكمة الى ان المادة (3) من قانون اصول الاحكام "تعطي حق الحكم في الأمور المسكوت عنها" وان الردّة جريمة ثابته بالكتاب والسنة والاجتهاد ، وان المادة 458 (3) من قانون العقوبات تبيح توقيع العقوبة الشرعية ولما كانت الردّة حداً شرعياً فانه يلزم توقيع عقوبتها.

أما بالنسبة للسؤال الثاني ، فقد استهلت المحكمة الاجابة عليه بقرار جازم بان "المحكموم عليه محمود محمد طه (هكذا وحده) مرتد باقواله وأفعاله في يومية التحري التي اقر بها امام المحكمة واقواله المدونة المعروفة لدى الناس عامة وافعاله الكفرية الظاهرة فهو تارك للصلاة لا يركع ولا يسجد ..الخ"

ثم استشهدت المحكمة بحكم محكمة الاستئناف الشرعية بالخرطوم الذي صدر عام 1968 باعلان ردّة محمود محمد طه واستعرضت بعضاً مما جاء في كتب الجمهوريين وما صدر من المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي من تأييد لحكم عام 1968 وما صدر من مجمع البحوث الاسلامية بجمهورية مصر العربية من وصف لفكر محمود محمد طه "بالفكر الملحد" وخلصت محكمة الاستئناف الجنائية من كل ذلك الى انه "مما تقدم يتضح ان محمود محمد طه مرتد عن الدين ليس فقط ردّة فكرية فردية وانما هو مرتد بالقول والفعل داعية الى الكفر معارض لتحكيم كتاب الله ..."

ولعلنا لا نكون في حاجة الى الاستطراد كثيراً في وصف هذا الحكم فقد تجاوز كل قيم العدالة سواء ما كان منها موروثاً ومتعارف عليه ، او ما حرصت قوانين الاجراءات الجنائية المتعاقبة على النص عليها صراحة ، او انطوى عليه دستور 1973 الملغى رغم ما يحيط به من جدل .

ففي المقام الاول اخطأت محكمة الاستئناف فيما ذهبت اليه من ان المادة (3) من قانون اصول الاحكام لسنة 1983 كانت تبيح لها- اولأي محكمة أخرى - توجيه تهمة الردّة .....

انه مما لا جدال عليه ان قانون اصول الاحكام لا يشمل هو الاخر على نص صريح على جريمة اسمها الردّة (او حتى اي جريمة أخرى) اذ ان ذلك القانون ليس قانوناً عقابياً من حيث المبدأ ... غير ان تطبيق المادة وفي مرحلة التأييد يضيف عيباً جديداً هو ان اشتطاط المحكمة لا يكون قد وقف عند حد اغفال التقاليد القضائية التي سادت هذه البلاد عبرالسنين الطويلة فحسب ، وانما أيضاً يكون قد امتد الى مخالفة النصوص الصريحة لقانون الاجراءات الجنائية الذي يحكم اجراءات التأييد ، اذ لا سند في المادة 238 من ذلك القانون التي تحدد سلطات جهة التأييد لما اتخذته محكمة الاستئناف من اجراء .

على ان محكمة الاستئناف لم تكن عابئة فيما يبدو بدستور او قانون اذ انها جعلت من اجراءات التأييد التي ظلت تمارسها المحاكم المختصة في سماحة واناة وبغرض مراجعة الاحكام مراجعة دقيقة وشاملة ، محاكمة جديدة قامت المحكمة فيها بدور الخصم والحكم مما حجبها عن واجبها حتى بفرض صحة توجيه تهمة جديدة في هذه المرحلة في ان تعيد الاجراءات مرة اخرى لمحكمة اول درجة لاعادة المحاكمة بموجب التهمة الجديدة وذلك فيما تقضي به المادة (23 (ه) من القانون أو ان تتجه الى سماع المحكوم عليهم بنفسها وفاء بواجبها في ذلك بموجب المادة (242) من القانون ذاته ، التي ، وان كانت ترد في صيغة تقديرية ، الا انها تأخذ شكل الالزام عندما يكون السماع ضرورياً . ولا نرى ضرورة توجب السماع اكثر من ان يكون الحكم الذي تقرر المحكمة اصداره بالردّة التي عقوبتها الاعدام .

ومهما كان من امر النصوص القانونية ، فان سماع المتهم قبل ادانته ، مبدأ ازلي لم يعد في حاجة الى نص صريح بل تأخذ به كافة المجتمعات الانسانية على اختلاف عناصرها وأديانها باعتباره قاعدة مقدسة من قواعد العدالة الطبيعية.

وقد كان منهج محكمة الاستئناف اكثر غرابة ، حين استندت في حكمها على مسائل ليس من شأنها ان تقوم مقام الادلة التي يجوز قبولها قانوناً . ومن ذلك ما اشارت اليه تلك المحكمة من الاقوال "المعروفة للناس عامة" والافعال "الكفرية الظاهرة" في ترك الصلاة وعدم الركوع والسجود .. وما الى ذلك مما لا يتعدى في احسن حالاته الاقوال النقلية والعلم الشخصي وليس في أي منهما ما يرقى الى الدليل المقبول قانوناً ( راجع المادتين 16 و35 من قانون الاثبات لسنة 1983) .

ولم تكتف المحكمة في مغالاتها بهذا القدر ، وانما تعدته الى الاستدلال بقرارات وآراء جهات لا سند في القانون للحجية التي اضفتها المحكمة على اصداراتها ، اما حكم محكمة الاستئناف الشرعية العليا التي عولت عليه محكمة الاستئناف الجنائية كثيراً ، فانه يستوقفنا فيه انه حكم وطني يلزم استبيان حجيته نظراً الى ما يمكن ان تثيره طبيعته الوطنية من تساؤل حول تلك الحجية . والحكم المشار اليه صدر في 18/11/ 1968 في القضية 1035 /68 حيث قضت محكمة الاستئناف الشرعية العليا بالخرطوم باعلان محمود محمد طه مرتداً . وأول ما تجدر ملاحظته في شأن ذلك الحكم انه صدر حسبة كما وقع غيابياً ، والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما اذا كان في ذلك ما يقوم مقام الحكم الجنائي بالردّة ؟

وفي تقديرنا ان الاجابة القطعية ان ذلك الحكم لا يستحق هذه الصفة وذلك لان المحاكم الشرعية – ومنها محكمة الاستئناف الشرعية العليا في ذلك الوقت – لم تكن تختص باصدار احكام جنائية ، بل كانت اختصاصاتها مقتصرة على مسائل الاحوال الشخصية للمسلمين من زواج وطلاق وميراث وما الى ذلك مما كانت تنص عليه المادة الخامسة من قانون المحاكم الشرعية لسنة 1967 الساري وقتئذ (وليست المادة 6 من قانون 1902 فيما تشير اليه هيئة الادعاء ) .

وابلغ دليل على عدم اختصاص المحكمة الشرعية فيما اصدرته من حكم ان ذلك الحكم جاء غيابياً فما نحسب ان محمود محمد طه كان حصيناً من سلطة الاجبار التي كانت تتمتع بها المحكمة فيما لو كانت محكمة ذات اختصاصات جنائية . كما يقف دليلاً على عدم الاختصاص ان المحكمة لم تجد سبيلاً لتنفيذ الحكم لا في ذلك الوقت ولا في أي وقت لاحق وهو ما لم يكن يحول دونه غياب المحكوم عليه خاصة وان للحكم عقوبة مقررة شرعاً هي أعلى مراتب العقوبات المدنية ......

على انه ومهما كان وجه الرأي بشأن سلطات محكمة الاستئناف الجنائية ، فانه طالما ظلت المادة (234) من قانون الاجراءات قائمة ونافذة ، فانه كان ينبغي عرض الاحكام الصادرة ضد محمود محمد طه وزملائه على المحكمة العليا سواء قبل تاييدها في محكمة الاستئناف الجنائية او بعد ذلك... لم تقتصر مخالفات محكمة الاستئناف الجنائية ( التي استقلت بسلطة التأييد) في اصدار حكم بالردّة ، وانما امتدت الى تأييد أحكام الاعدام التي صدرت ترتيباً على الادانة بموجب قانون العقوبات وامن الدولة . وهذا التأييد ، وان كان محمولاً على اسباب هي في ظاهرها اقتناع المحكمة بثبوت الادانة وتناسب العقوبة ، الا انه في واقع الامر محمول على الردّة التي استحوذت على جل ، ان لم يكن كل ، اهتمام محكمة الاستئناف الجنائية .

وقد ترتب على استقلال محكمة الاستئناف بسلطة التأييد على هذا الوجه ان فات على المحكمة العليا ، ليس فقط حصر الادانة – ان كان ثمة ما يسندها- في الاتهامات الموجهة بموجب قانوني العقوبات وامن الدولة دون غيرهما ، وانما أيضاً ان تقصر العقوبة على ما كان يتناسب وفعل المحكوم عليهم وهو فيما نعلم لا يتعدى اصدار منشور يعبر وجهة نظر الجمهوريين في قوانين كانت ، وما زالت ، محلاً للاراء المتباينة على الساحتين الدولية والمحلية ، مما لا يعدو ان يكون مخالفة شكلية (ان كانت كذلك اصلاً) لا تتناسب عقوبة الاعدام جزاء لها. غير ان محكمة الاستئناف وفي محاولة متعجلة لربط الفعل بقناعتها المسبقة في ردّة المحكوم عليهم ، انتهت الى تأييد حكم الاعدام كعقوبة "شاملة" فيما اسمتها.

على ان الاثار المترتبة على حجب الاجراءات عن المحكمة العليا وحصرها في محكمة الاستئناف الجنائية ، اتخذت شكلها المأساوي حين تم تنفيذ حكم الاعدام على محمود محمد طه ، باغفال تام لنص المادة (247) من قانون الاجراءات الجنائية ، رغم انه كان من الثابت انه جاوز السبعين من عمر وقتئذ . ولعلنا لا نتجنى على الحقيقة لو اننا قلنا ان تنفيذ الحكم ما كان ليتم لولا ان محكمة الاستئناف اضافت الادانة بالردّة ، وهو ما لم يكن ليصدر اصلاً فيما لو كانت الاجراءات قد عرضت على المحكمة العليا بدلاً من ان تستقل محكمة الاستئناف باجراءات التأييد لتنتهي الى ذلك الحكم من خلال المخالفات القانونية والدستورية التي تناولناها فيما تقدم .

هذا ما كان من امر ما تم باسم القضاء ، اما ما صدر من رئيس الجمهورية السابق عند التصديق على الاحكام فانه يكفي لوصفه ان نقرر انه مجرد من أي سند في القوانين والاعراف ولا نرى سبباً للاستطراد فيه باكثر من ذلك عما فيه من تغول على السلطات القضائية فقد كاد ان يعصف بها كلها من قبل ....

ولما كان الحكم الصادر في حق المدعيين مشوباً بكل العيوب التي تم تفصيلها فيما تقدم ، فان اجراءات ما سميت بالاستتابة تكون قائمة على غير ما ضرورة قانونية وذلك فضلاً عن افتقارها لأي سند صريح أو ضمني القانون. غير انه يجمل ان نقرر من باب الاستطراد ان تلك الاجراءات وقعت بقهر بين للمحكوم عليهم نظراً الى الظروف التي تمت فيها حيث لم يكن من المتصور عقلاً ان يمتنع المحكوم عليهم عن اعلان التوبة التي طلبت منهم وسيف الاعدام مشهور في وجوههم فكان ذلك اقرار ضمني بحكم الردّة الذي صدر من وراء ظهورهم . وحيث ان ذلك الحكم قد وقع باطلاً على ما سبق تقريره فانه يترتب على ذلك بداهة ان تكون التوبة التي صدرت بالاكراه خالية من أي معنى هي الاخرى ....

وعلى هدى من ذلك تقرر هذه الدائرة ما يلي :

1- اعلان بطلان الحكم الصادر في حق المواطنين محمود محمد طه والمدعي الثاني في هذه الدعوى من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف .

2- الزام المدعين برسوم واتعاب المحاماة في هذه الدعوى .[24



(46)

لقد طبقت القوانين الاسلامية ، في السودان ، على عهد نميري ، فلم يتحقق بتطبيقها الخير والرخاء ، الذي وعد به نميري ، وحلفاؤه من الجماعات الاسلامية ، والفقهاء ، والقضاة الشرعيين ، وائمة المساجد .. بل ان الشعب نال على يديها ، القهر ، والقطع ، والجلد ، دون ان يتحقق العيش الكريم . ولم يجمع الشعب السوداني ، مثلما اجمع على بغض ورفض ، تلك القوانين الاسلامية المزعومة ، حتى ان زعماء الطائفية ، ممن كانوا يرفعون شعارات الشريعة ، ادانوا تلك القوانين ، فذكر السيد الصادق ، بانها لا تساوي المداد الذي كتبت به ، ووعد بالغائها ضمن حملته الانتخابية !!

وجاءت حكومة الانقاذ ، بدعاوى عريضة في الاصلاح ، والتوجه الحضاري ، بناء على تطبيق القوانين الاسلامية ، فلم تنجح في انقاذ الشعب ، بل فاغمت من مشاكله ، ودفعها التعصب الى تلك القوانين ، الى تصعيد الحرب باسم الجهاد ، ولم يكن العائد الا الخراب والدمار ..

وتجري ، الآن ، المفاوضات التي لم تنهض فيها الحكومة بحجة ، على ان القوانين الاسلامية ، كما طبقها نميري أو حكومة الجبهة ، قد ادت الى خير الشعب .. بل ان الحكومة الحالية ، قد وافقت على عدم تطبيق هذه القوانين على غير المسلمين !! وهو اعتراف صارخ ، بانها لو طبقت على غير المسلمين ، لن توفر العدالة المنشودة .. وهذا الاعتراف الذي اضطر له الاسلاميون ، مؤخراً ، يشهد بان قوانينهم الاسلامية عاجزة بطبيعتها ، عن قيم المساواة بين المسلمين وغير المسلمين !! وهذا ، في حد ذاته ، كاف لجعلها قوانين غير مؤهلة للحكم في المجتمعات المتعددة الاديان والثقافات .. وهي سمة المجتمعات المعاصرة ، بعد ان وحدت سرعة المواصلات وتقدم سبل الاتصالات ، بين ارجاء هذا الكوكب الرحب ، فاصبح قرية صغيرة !!

نخلص مما تقدم ، الى انه لا أحد ، ولا حتى الاسلاميين انفسهم ، يرى في القوانين الاسلامية ، على مستوى الشريعة ، النموذج الامثل ، الذي ينبغي ان يحكم كل الشعب السوداني !! فاذا جاء مثقف سوداني ، عرف بانتمائه الى الافكار التقدمية واليسارية، يوما ما ، ليطرح في هذا الوقت بالذات ، بان القوانين الاسلامية كان ينبغي ان تطبق منذ ان جلا الاستعمار ، وان رموز هذه القوانين من الفقهاء ، ورجال الدين ، والقضاة الشرعيين ، يجب ان يكرموا باعتبارهم المثقفين الاصلاء ، الذين حرصوا على مناهضة القوانين الوضعية ، اكثر من ذلك ، قلل هذا المثقف ، من التاريخ الحافل في نقد هذه القوانين ورموزها ، والذي جرى من رجل اوقف حياته ومماته فداء لمبادئ الحق والوطن ، مثل الاستاذ محمود ، فان هذا المثقف لا يمكن ان يكون منطلقاً من مشاعر وطنية صادقة وحرص على مستقبل السلام في السودان؟!

وحين اختار د. عبد الله علي ابراهيم ، معسكره الجديد ، ورضي ان يكون صوته في المطالبة بتطبيق القوانين الاسلامية ، نغماً في معزوفة حكومة الجبهة ، والفقهاء ، والقضاة الشرعيين ، ورجال الدين ، وجماعات التكفير، هل فكّر في واجب المثقف السوداني ، تجاه هذا الوطن الذي بذل من موارده المحدودة ، لتعليمة الى اقصى المراحل ؟! هل يكون جزاء السودان ان يدافع ابناؤه عن القوانين التي مزقته بالحروب واذلته بالجلد والقطع ؟! وهل يعتقد د. عبد الله حقاً ان هذه القوانين هي الاسلام ؟! وانه بدفاعه عنها انما يدافع عن الاسلام ويرفع نموذجه الذي طبقه نميري أو تطبقه الجبهة الآن ؟

ان هذه المقالات ، قد كتبت بغرض اظهار الحق لدكتور عبد الله ، باعتباره غاية في ذاته ، ولانه خليق بتدارك أمره ، والخروج عما لا يشبه تاريخه .. ولكن لم يكن ذلك قصاراها ، وانما هي تستهدف ايضاً ، الشباب الذين حالت اعمارهم ، او تجربتهم ، من متابعة هذه الوقائع ، التي توضح الممارسات السلبية ، التي جرت وتجري باسم الدين ، وما جرت علينا من الخراب ، في وطننا .. ذلك ان اولى خطوات التغيير ، بروز الحاجة له ، ثم المعرفة بطرائقه .. وانا لا اعتقد بان الفكرة الجمهورية ، بما حوت من الدعوة لتطوير التشريع ، فكرة صائبة فحسب ، بل انني على يقين من انها السبيل الاوحد للخلاص مما نعاني منه ، نحن في السودان ، ثم ماتعاني منه البشرية جمعاء ، على هذا الكوكب الحزين ..



د. عمر القراي



-----------------------------

[1] - د . عبد الله بولا (1996) : محاولة للتعريف بمساهمة الاستاذ محمود محمد طه في حركة التجديد في الفكر الاسلامي المعاصر . القاهرة : مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان- رواق عربي اكتوبر 1996 ص 45 -46
[2] - بروفسيرعبد الله الطيب ( مارس 1985) نشرت في عدد من الصحف السودانية . موقع الفكرة الجمهورية في الانترنت .
[3] - عوض الكريم موسى (يناير 1986 ) احتفال الذكرى الاولى لاستشهاد الاستاذ بنادي اساتذة جامعة الخرطوم .
[4] - العوض مصطفى 1985 . مجموعة قصائد مسجلة . موقع الفكرة الجمهورية على الانترنت .
[5] - عالم عباس فبراير 1985 موقع الفكرة على الانترنت .
[6] - سيد احمد الحردلو . من ديوانه مسدار عشان بلدي
[7] - الهيئة النقابية لاساتذة جامعة الخرطوم 10/1/1985
[8] - نقابة المحامين 12/1/1985
[9] - الحزب الشيوعي السوداني 11/1/1985
[10]- فتحي رضوان : جريدة الشعب المصرية 25/1/1985
[11] - حسين عبد ربه : الاهالي 23/1/1985
[12] - جريدة مرآة الأمة الكويتية 23/1/1985
[13] - القبس الكويتية 19/1/1985
[14] - القبس الكويتية 21/1/1985
[15] - صحيفة العرب القطرية 25/1/1985
[16] - صحيفة الخليج الظبيانية 19/1/1985
[17] - صحيفة الصباح التونسية 28/1/1985
[18] - وكالة السوشيتدبرس 21 /1/1985
[19] - د. حسن الترابي : جريدة الهدى 9 جمادي الاخرة 1405 هجرية
[20] - جريدة الوطن 30/4/1988
[21]- جريدة الوفاق 5/12/1998
[22] - الاخوان الجمهوريون 1986 : حيثيات المحكمة العليا في قضية الاستاذ محمود محمد طه : انتصار للحق ودحض للحكم المهزلة . ص 5-9
[23] - المصدر السابق ص 10 .
[24] - المصدر السابق 19-30






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,628,363,633
- مقالات سودانية:صمتوا عن الفساد.. وطالبوا بقهر العباد!!
- خطاب الرئيس اوباما والنخب العربية
- الوعد الحق والفجر الكاذب
- سيرة مدينة:الشعب يريد اسقاط النظام
- لماذا كان د.جون قرنق وحدويا؟!
- موت الدولة المركزية
- انتخابات جنوب كردفان وافاق التغيير
- شاهدواالفكرة....وفناؤها
- مصر والسودان وافاق التنمية البشرية
- ثورات الفيس بوك....وكسل السودانيين
- هل ما يحدث تغيير ام اعادة تدوير؟!
- الاخوان المسلمين والديموقراطية
- هكذا تكلم د.جون قرنق
- الرسماليون الاسلاميون
- محاضرات سودانية:الشريعة والدستور
- الحالة الليبية
- سيرة المفكر السوداني الراحل محمود محمد طه
- الاخوان المسلمين والدستور
- الرجل التونسي الشجاع
- الثورة واشكاليات التغيير في مصر والسودان


المزيد.....




- دراجة "كابتن أمريكا" النارية.. تتجاوز التوقعات وتب ...
- بالصور..هذه الخيول الأوروبية "العاشقة" تكافح الانق ...
- تونس: تبادل لإطلاق النار بين الشرطة ومجموعة مسلحة شمال غرب ا ...
- تونس: تبادل لإطلاق النار بين الشرطة ومجموعة مسلحة شمال غربي ...
- فشل الإعلام الليبي في امتحان أكتوبر
- جِمال برقاش
- تنظيم الدولة يهاجم عامرية الفلوجة مجددا
- اشتباك مع مسلحين قرب العاصمة التونسية
- الحملة الانتخابية بتونس..صخب إعلامي وفتور شعبي
- الصحة العالمية-: ارتفاع وفيات إيبولا إلى 4 آلاف و877 شخصًا


المزيد.....

- الرأسمالية الوطنية : المفهوم والمصطلح. / تاج السر عثمان
- كيف نواجه الفقر والبطالة ؟!بين المواجهة التقليدية للنظام الح ... / إلهامي الميرغني
- من المقاطعة إلى المشاركة / خليل كلفت
- عندما ينجح السيسي / أحمد سعده
- الموازنة العامة للدولة / إلهامي الميرغني
- النقابات المهنية في مصر / إلهامي الميرغني
- وحدة القوي الاشتراكية المصرية الأمل والتحديات / إلهامي الميرغني
- أسطورة الجيش والشعب أيد واحدة / أحمد سعده
- الانقلاب العسكرى المكمِّل / خليل كلفت
- ثيوقراطية أم إستراتوقراطية أم ديمقراطية أم بزرميطية؟ / خليل كلفت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عادل الامين - هكذا تكلم د.عمر القراي :الدين ورجال الدين عبر السنين