أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سامية نوري كربيت - حقيقة مسيحية الشرق قبل الغزو الاسلامي - 2















المزيد.....


حقيقة مسيحية الشرق قبل الغزو الاسلامي - 2


سامية نوري كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 3380 - 2011 / 5 / 29 - 22:12
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في الجزء الأول من المقالة أوضحت حقيقة مهمة يؤكدها المؤرخون العرب القدامى من أن الشرق كان معظمه يدين بالمسيحية قبل أن يتعرض إلى غزو الجيوش الإسلامية القادمة من شبه الجزيرة العربية للسيطرة على ثرواته وخيراته وتدمير حضارته التي كان عمرها عدة آلاف من السنوات ، خاصة وان الجزيرة العربية في ذلك الوقت كانت تعاني من التصحر والجفاف وقلة الموارد الغذائية وما يترتب على ذلك من حياة بدوية بدائية تقوم على مبدأ السلب والنهب والقتل لتوفير أسباب العيش ، ومعظم سكانها من البدو الرحل الذين يفتقدون إلي ابسط مقومات الحياة ولهذا كثرت الغزوات والحروب فيما بين القبائل العربية للسيطرة على المناطق التي يتوفر فيها الماء والكلأ لتأمين حاجات الماشية التي كانت اغلب القبائل العربية تعتمد عليها في إدامة حياتها ، ومن يبحث في تاريخ الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام يجد أن السمة الغالبة عليها هي التخلف الحضاري وكثرة الحروب والمعارك التي كانت تعتمد أسلوب الكر والفر وبمعنى آخر تقوم قبيلة بالهجوم على قبيلة أخرى بدون سابق إنذار فتقتل رجالها وتنهب مواشيها وتسبي نسائها ثم تفر بما سلبت .
وفي المقابل كان العراق وبلاد الشام ومصر وهي المناطق الأقرب إلى الجزيرة العربية حيث يحيطانها شمالا وغربا يتميزون بكثرة الخيرات نتيجة لخصوبة التربة وكثرة المياه فكان من الطبيعي أن تزحف هذه القبائل العربية البدوية إلى المناطق التي يكثر فيها الماء والعشب ، ويذكر حافظ وهبة في كتابه الموسوم جزيرة العرب في القرن العشرين ( إن سكان جزيرة العرب في الماضي كانوا عبارة عن قبائل بدوية ترتحل باستمرار طلبا للمرعى أو الماء وكانت الطبيعة تجبر البدوي على أن يحافظ على حياته فإذا نما السكان وضاقت بهم الأرض أو لم تجود أراضيهم بالمرعى ، فليس هناك من سبيل لهم إلا الزحف والقتال أو الهجرة إن كان هناك سبيل إليها ) .
أما المناطق التي كانت تحيط بالجزيرة العربية كمصر والهلال الخصيب والمقصود به ( العراق وبلاد الشام) فكانت مناطق غنية جدا بمواردها الطبيعية وخيراتها الكثيرة وحضارتها المتألقة بتراث عريق من التطور في جميع النواحي العلمية والأدبية والفنية إلى الحد الذي يعترف فيه كثير من مؤرخي اليونان من أن الحضارة الإغريقية اقتبست الكثير من حضارتي بلاد وادي الرافدين ووادي النيل
ولهذا أصبح كل من العراق وبلاد الشام ومصر هدفا للجيوش العربية التي خرجت من الجزيرة العربية بعد الإسلام للسيطرة عليها والتمتع بخيراتها تحت راية نشر الإسلام ، ومن المعلوم إن الجيوش العربية كانت تخرج من الجزيرة ليس كأفراد بل على شكل قبائل بأكملها وتستوطن الأرض التي تحتلها بعد إرغام سكانها على الرحيل عنها عن طريق القتل أو فرض الجزية في حال رفضهم اعتناق الدين الإسلامي بالإضافة إلى استخدام من يدفع الجزية ويبقى على دينه في زراعة الأرض على أن يرجع ريع الزرع للمحتلين مع معاملتهم بازدراء وفرض قيود مهينة عليهم ، ويستطيع القارئ أن يطلع على بنود العهدة العمرية من خلال ألنت ( وهي الشروط التي فرضها الخليفة الراشدي الثاني عمر ابن الخطاب على سكان البلاد الأصليين والذين رفضوا اعتناق السلام واكتفوا بدفع الجزية إلى الحد الذي كان فيه المسيحي يضطر إلى بيع أبنائه لكي يحصل على مبلغ الجزية التي يدفعها للمسلمين مقابل الإبقاء على حياته وعدم قتله هو وعائلته ) ، وهكذا عملت هذه الجيوش الغازية على تدمير بلدان بأكملها واحتلال أراضيها والقضاء على نسيجها الاجتماعي والديني والحضاري والذي يطلق عليه بالمفهوم السياسي الحالي (الاستعمار الاستيطاني) ، ولم تكتفي هذه الجيوش الغازية بالسيطرة على الأرض ونهب كل ما تمتلكه شعوب تلك البلدان بل عملت على إرغام الناس على ترك ديانتهم وديانة أجدادهم واعتناق الديانة الإسلامية ، وتزخر كتب التراث الإسلامي بأخبار المجازر والانتهاكات التي ارتكبت بحق شعوب الشرق من قبل قادة الجيوش الإسلامية وعلى امتداد التاريخ الإسلامي والى يومنا هذا ، فالتاريخ الإسلامي كتبت صفحاته بدماء الأبرياء من الأمم التي كانت تعيش في الشرق والشواهد على هذه الحقائق لا تعد ولا تحصى وهي لازالت حاضرة في أذهان آلاف الأرمن والأشوريين الذين قتل أبائهم وأجدادهم أو رحلوا على يد الأتراك من أراضهم وسلبت أموالهم خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 – 1918 والتي كانت بحق تطهيرا دينيا وعرقيا .
وإن ما يحصل الآن في بعض الدول العربية وخاصة العراق ومصر لهو ابلغ تأكيد على أن الخلف يقلدون ما قام به السلف من قتل وتهجير للمسيحيين في العراق والأقباط في مصر وكذلك التمييز المهين بين المواطنين في الحقوق وفقدان العدالة الاجتماعية والتحريض من قبل رجال الدين على المسيحيين ، ومواقف الحكام الغير المنصفة وقلب الأدوار وإخفاء ما حدث سواء في الماضي أو ما يحدث الآن بقلب الحقائق وإلغاء أعظم ارث حضاري عريق والقفز عليه وتجهييل الناشئة وعدم تعريفهم بعظمة تاريخ الأمم التي عاشت على أرضهم .
إن كتابة التاريخ سواء أكان من قبل مؤرخ أو باحث أو كاتب هي أمانة علمية ولا يجوز فيها خلط الأوراق أو تزوير التاريخ أو تشويهه لإعطاء مبرر لحادثة ما أو لإدانة أخرى فانا مثلا كمؤرخة لا استطيع أن أدين هولاكو لأنه دمر مدينة بغداد وقتل الآلاف من سكانها وقضى على تراثها الثقافي وفي نفس الوقت أغض الطرف (على سبيل المثال) إذا كنت مسلمة على ما فعله السلطان العثماني محمد الثاني والملقب ( بالفاتح ) عندما أراد احتلال القسطنطينية ( اسطنبول) عام 1453م حيث كانت عاصمة لإمبراطورية الروم البيزنطيين لأكثر من ألف عام والتي كان مركزها في أسيا الصغرى الذي هو موطن الروم الأصلي والتي سميت فيما بعد تركيا ، إذ انه عمد بعد أن أعيته محاولات اقتحامها والاستيلاء عليها وبعد حصار طويل بسبب مقاومة الجيش البيزنطي للحصار العثماني طلب من جيشه والملقب بالانكشارية اقتحامها بإعطائهم الوعود بإباحة نسائها وأموالها لهم لمدة ثلاثة أيام مما دفع الجيش العثماني إلى تسلق أسوارها واقتحامها بكل اندفاع وحماسة فقتل منهم المئات في سبيل الحصول على ما وعدوا به من غنائم إذا دخلوها ، وأخيرا سقطت المدينة بأيدي الجنود الأتراك فنهبوا ما استطاعوا نهبه واغتصبوا نساء المدينة ودمروا كنائسها وحولوها إلى مساجد كما قام السلطان محمد الفاتح بتغيير اسمها فسماها (أسلام بول ) ومعناها مدينة الإسلام ثم تغير الاسم إلى الأستانة وأخيرا سميت اسطنبول .
إن ما يؤكد مسيحية الشرق قبل الإسلام هو انتشار الكنائس والأديرة في العراق وبلاد الشام ومصر بشكل كبير جدا مما يؤكد انتشار المسيحية واعتناق السكان لهذا الدين ، وسأقتصر في هذه المقالة على العراق بسبب كثرة المعلومات التي لا يمكن إدراجها في مقالة واحدة حيث أن كتب التاريخ تزودنا بمعلومات كثيرة جدا بخصوص هذا الموضوع وخاصة أسماء الكنائس والأديرة والمدارس الدينية في كل من العراق والشام ومصر ، ولقد حاول الدكتور رشيد الخيون إعطاء فكرة موجزة عن هذه الكنائس والأديرة في كتابه الموسوم (الأديان والمذاهب في العراق) واستند في بحثه على كتب من التراث الإسلامي القديم ككتاب الديارات لأبي الحسن الشابشتي المتوفي سنة 388 ه ، وأبي الفرج الأصفهاني المتوفي سنة 356 ه ، وياقوت الحموي المتوفي سنة 626 ه في كتابه معجم البلدان .
وكنتيجة لبحثي في هذا الموضوع وجدت الكثير من المؤرخين القدامى والمحدثين قد اهتموا كثيرا بهذا الموضوع وبحثوا فيه وألفوا الكتب القيمة التي تحوي معلومات موثقة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر حبيب الزيات الباحث والمؤرخ السوري (1871 – 1954) والذي بحث في المخطوطات القديمة في عدد كبير من المكتبات العالمية وألف كتاب ( الديارات النصرانية في الإسلام ) ، والدكتور العراقي محمد سعيد ألطريحي في كتابه (الديارات والأمكنة النصرانية في الكوفة وضواحيها) وغيرهم الكثير مما لا يدع مجالا للشك في أن سكان وادي الرافدين كانوا خليطا من شعوب مختلفة انتشرت فيها ديانات مختلفة وأصبحت المسيحية ديانة أغلبية السكان بعد وصولها إلى العراق ، ولقد دخلت المسيحية إلى العراق في القرن الأول الميلادي ونشأت فيها عدة كنائس وصار للمسيحية عدة أسقفيات ومدارس وعلماء ، وظهرت الرهبنة في منتصف القرن الثالث وشاعت الحياة الرهبانية وبنيت الكثير من الأديرة خاصة على ضفاف نهر الفرات وفي أطراف بادية الفرات وبادية الشام ثم انتشرت في كل أنحاء العراق الكثير من الكنائس والأديرة .
وذكر كل من ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) والبكري في كتابه (معجم ما استعجم) إن العراق كان له نصيب كبير من الأديرة ولم يذكروا منها إلا ما ورد في شعر الشعراء كدير أبو يوسف فوق الموصل قريب من بلد وديارات الاساقف بالنجف بين قصري أبي الخصيب والسدير وديري الاسكون بالحيرة قرب واسط كانت فيهما مدارس للعلوم الدينية ، ودير اشموني قرب بغداد ودير الأعلى بالموصل ودير باشهرا بين سامراء وبغداد ودير الثعالبة (المنسوب إلى بني ثعلبة المتنصرين) قريب من بغداد عند الحارثية ودير الهدار بنواحي البصرة ودير ألسوسي بنواحي سامراء ودير الشاء بأرض الكوفة ودير صباعي شرقي تكريت ودير العاقول بين مدائن كسرى والنعمانية ودير العجاج بين تكريت وهيت ودير القيارة عند الموصل ودير مار يوحنا جانب تكريت ودير الأبلق في الأهواز ودير نجران بأرض الكوفة بناه عرب نجران بعد أن أجلاهم عمر ابن الخطاب عن نجران اليمن ، وفي شمال العراق دير بيت عالي في عقره ودير ربان هرمز بالقرب من القوش ودير اوجين في نصيبين . كما أن البكري وياقوت الحموي يذكرون أسماء أديرة بناها العرب بعد تنصرهم وعنوا بتشييدها كدير ابن براق بظاهر الحيرة ودير ابن عامر ودير ابن وضاح بناه في ضواحي الحيرة عبدا بن حنيف اللحياني ودير حنظلة المنسوب إلى حنظلة بن عبد المسيح بن علقمة بن مالك من بني لخم ودير حنة وهو دير قديم في الحيرة لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع ودير آخر باسم حنة يقع بناحية البليخ بناه عبد بن حنيف من بني لحيان الذين كانوا من لخم ودير السوا المنسوب إلى رجل من أياد ودير عبد المسيح المنسوب إلى عبد المسيح ابن عمرو الغساني الشاعر وموقعه في ظاهر الحيرة ودير العذارى بين سامراء والحظيرة وكان يسكنه عدد من أبكار العباديين وعرب النصارى ودير علقمة بالحيرة وهو منسوب إلى علقمة بن عدي بن ألرميك من بني لخم ودير عمرو في جبال طئ ودير قرة المنسوب إلى قرة احد أبناء حذافة ابن زهر ابن أيام ودير اللج للنعمان ملك الحيرة ودير هند الصغرى ودير هند الكبرى في الحيرة ، وكانت هذه الأديرة تمتد من الحيرة إلى البصرة بناها نصارى العرب في جهات العراق .
إن هذه الأديرة التي ذكرت أسماءها هي جزء صغير من كم كبير يبلغ المئات من الأديرة التي بنيت في العراق قبل دخول الإسلام لا يتحمله مقال واحد ، بالإضافة إلى أني لم اذكر أسماء الكنائس التي بنيت في العراق بعد دخول المسيحية إليه ولكن الشئ الوحيد الذي سأذكره هنا بالنسبة إلى موضوع الكنائس أن أقدم كنيسة بنيت في العراق هي كنيسة كوخي أقامها تلميذ السيد المسيح مار ماري في المدائن (سلمان باك)في القرن الأول الميلادي وكانت تلقب بكنيسة بابل ، ومنذ القرن الثاني الميلادي بنيت في كل قرية ومدينة عراقية كنيسة وكل منها كتبت باسم قديس أو تذكار ديني مسيحي .
وفي الختام اود أن أوضح للقارئ إن كتابتي لهذه المقالات هي رد فعل طبيعي لما يحدث في العراق لأهلي ولشعبي والهدف منها هو إعلام القارئ الذي ليس له اطلاع على التاريخ الحقيقي للعراق بان مسيحي العراق هم سكانه الأصليين وأحفاد بناة حضارته التي أغنت الحضارة الإنسانية في مختلف النواحي العلمية والأدبية والفنية ، ولا يستحقون أن يعاملوا بطريقة تجعلهم يعيشون بين مطرقة البقاءوسندان الرحيل من وطنهم الأصلي ، بسبب قتل أعداد كبيرة منهم وتهديد ما تبقى بالقتل أو إجبارهم على دفع جزية وهم بالكاد يستطيعون الحصول على قوتهم اليومي ، أنهم محاصرون من كل جانب وهذا ليس عدلا ولا ترضى به أية شريعة إنسانية كانت أو الهية .
في الجزء الأول من المقالة أوضحت حقيقة مهمة يؤكدها المؤرخون العرب القدامى من أن الشرق كان معظمه يدين بالمسيحية قبل أن يتعرض إلى غزو الجيوش الإسلامية القادمة من شبه الجزيرة العربية للسيطرة على ثرواته وخيراته وتدمير حضارته التي كان عمرها عدة آلاف من السنوات ، خاصة وان الجزيرة العربية في ذلك الوقت كانت تعاني من التصحر والجفاف وقلة الموارد الغذائية وما يترتب على ذلك من حياة بدوية بدائية تقوم على مبدأ السلب والنهب والقتل لتوفير أسباب العيش ، ومعظم سكانها من البدو الرحل الذين يفتقدون إلي ابسط مقومات الحياة ولهذا كثرت الغزوات والحروب فيما بين القبائل العربية للسيطرة على المناطق التي يتوفر فيها الماء والكلأ لتأمين حاجات الماشية التي كانت اغلب القبائل العربية تعتمد عليها في إدامة حياتها ، ومن يبحث في تاريخ الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام يجد أن السمة الغالبة عليها هي التخلف الحضاري وكثرة الحروب والمعارك التي كانت تعتمد أسلوب الكر والفر وبمعنى آخر تقوم قبيلة بالهجوم على قبيلة أخرى بدون سابق إنذار فتقتل رجالها وتنهب مواشيها وتسبي نسائها ثم تفر بما سلبت .
وفي المقابل كان العراق وبلاد الشام ومصر وهي المناطق الأقرب إلى الجزيرة العربية حيث يحيطانها شمالا وغربا يتميزون بكثرة الخيرات نتيجة لخصوبة التربة وكثرة المياه فكان من الطبيعي أن تزحف هذه القبائل العربية البدوية إلى المناطق التي يكثر فيها الماء والعشب ، ويذكر حافظ وهبة في كتابه الموسوم جزيرة العرب في القرن العشرين ( إن سكان جزيرة العرب في الماضي كانوا عبارة عن قبائل بدوية ترتحل باستمرار طلبا للمرعى أو الماء وكانت الطبيعة تجبر البدوي على أن يحافظ على حياته فإذا نما السكان وضاقت بهم الأرض أو لم تجود أراضيهم بالمرعى ، فليس هناك من سبيل لهم إلا الزحف والقتال أو الهجرة إن كان هناك سبيل إليها ) .
أما المناطق التي كانت تحيط بالجزيرة العربية كمصر والهلال الخصيب والمقصود به ( العراق وبلاد الشام) فكانت مناطق غنية جدا بمواردها الطبيعية وخيراتها الكثيرة وحضارتها المتألقة بتراث عريق من التطور في جميع النواحي العلمية والأدبية والفنية إلى الحد الذي يعترف فيه كثير من مؤرخي اليونان من أن الحضارة الإغريقية اقتبست الكثير من حضارتي بلاد وادي الرافدين ووادي النيل
ولهذا أصبح كل من العراق وبلاد الشام ومصر هدفا للجيوش العربية التي خرجت من الجزيرة العربية بعد الإسلام للسيطرة عليها والتمتع بخيراتها تحت راية نشر الإسلام ، ومن المعلوم إن الجيوش العربية كانت تخرج من الجزيرة ليس كأفراد بل على شكل قبائل بأكملها وتستوطن الأرض التي تحتلها بعد إرغام سكانها على الرحيل عنها عن طريق القتل أو فرض الجزية في حال رفضهم اعتناق الدين الإسلامي بالإضافة إلى استخدام من يدفع الجزية ويبقى على دينه في زراعة الأرض على أن يرجع ريع الزرع للمحتلين مع معاملتهم بازدراء وفرض قيود مهينة عليهم ، ويستطيع القارئ أن يطلع على بنود العهدة العمرية من خلال ألنت ( وهي الشروط التي فرضها الخليفة الراشدي الثاني عمر ابن الخطاب على سكان البلاد الأصليين والذين رفضوا اعتناق السلام واكتفوا بدفع الجزية إلى الحد الذي كان فيه المسيحي يضطر إلى بيع أبنائه لكي يحصل على مبلغ الجزية التي يدفعها للمسلمين مقابل الإبقاء على حياته وعدم قتله هو وعائلته ) ، وهكذا عملت هذه الجيوش الغازية على تدمير بلدان بأكملها واحتلال أراضيها والقضاء على نسيجها الاجتماعي والديني والحضاري والذي يطلق عليه بالمفهوم السياسي الحالي (الاستعمار الاستيطاني) ، ولم تكتفي هذه الجيوش الغازية بالسيطرة على الأرض ونهب كل ما تمتلكه شعوب تلك البلدان بل عملت على إرغام الناس على ترك ديانتهم وديانة أجدادهم واعتناق الديانة الإسلامية ، وتزخر كتب التراث الإسلامي بأخبار المجازر والانتهاكات التي ارتكبت بحق شعوب الشرق من قبل قادة الجيوش الإسلامية وعلى امتداد التاريخ الإسلامي والى يومنا هذا ، فالتاريخ الإسلامي كتبت صفحاته بدماء الأبرياء من الأمم التي كانت تعيش في الشرق والشواهد على هذه الحقائق لا تعد ولا تحصى وهي لازالت حاضرة في أذهان آلاف الأرمن والأشوريين الذين قتل أبائهم وأجدادهم أو رحلوا على يد الأتراك من أراضهم وسلبت أموالهم خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 – 1918 والتي كانت بحق تطهيرا دينيا وعرقيا .
وإن ما يحصل الآن في بعض الدول العربية وخاصة العراق ومصر لهو ابلغ تأكيد على أن الخلف يقلدون ما قام به السلف من قتل وتهجير للمسيحيين في العراق والأقباط في مصر وكذلك التمييز المهين بين المواطنين في الحقوق وفقدان العدالة الاجتماعية والتحريض من قبل رجال الدين على المسيحيين ، ومواقف الحكام الغير المنصفة وقلب الأدوار وإخفاء ما حدث سواء في الماضي أو ما يحدث الآن بقلب الحقائق وإلغاء أعظم ارث حضاري عريق والقفز عليه وتجهييل الناشئة وعدم تعريفهم بعظمة تاريخ الأمم التي عاشت على أرضهم .
إن كتابة التاريخ سواء أكان من قبل مؤرخ أو باحث أو كاتب هي أمانة علمية ولا يجوز فيها خلط الأوراق أو تزوير التاريخ أو تشويهه لإعطاء مبرر لحادثة ما أو لإدانة أخرى فانا مثلا كمؤرخة لا استطيع أن أدين هولاكو لأنه دمر مدينة بغداد وقتل الآلاف من سكانها وقضى على تراثها الثقافي وفي نفس الوقت أغض الطرف (على سبيل المثال) إذا كنت مسلمة على ما فعله السلطان العثماني محمد الثاني والملقب ( بالفاتح ) عندما أراد احتلال القسطنطينية ( اسطنبول) عام 1453م حيث كانت عاصمة لإمبراطورية الروم البيزنطيين لأكثر من ألف عام والتي كان مركزها في أسيا الصغرى الذي هو موطن الروم الأصلي والتي سميت فيما بعد تركيا ، إذ انه عمد بعد أن أعيته محاولات اقتحامها والاستيلاء عليها وبعد حصار طويل بسبب مقاومة الجيش البيزنطي للحصار العثماني طلب من جيشه والملقب بالانكشارية اقتحامها بإعطائهم الوعود بإباحة نسائها وأموالها لهم لمدة ثلاثة أيام مما دفع الجيش العثماني إلى تسلق أسوارها واقتحامها بكل اندفاع وحماسة فقتل منهم المئات في سبيل الحصول على ما وعدوا به من غنائم إذا دخلوها ، وأخيرا سقطت المدينة بأيدي الجنود الأتراك فنهبوا ما استطاعوا نهبه واغتصبوا نساء المدينة ودمروا كنائسها وحولوها إلى مساجد كما قام السلطان محمد الفاتح بتغيير اسمها فسماها (أسلام بول ) ومعناها مدينة الإسلام ثم تغير الاسم إلى الأستانة وأخيرا سميت اسطنبول .
إن ما يؤكد مسيحية الشرق قبل الإسلام هو انتشار الكنائس والأديرة في العراق وبلاد الشام ومصر بشكل كبير جدا مما يؤكد انتشار المسيحية واعتناق السكان لهذا الدين ، وسأقتصر في هذه المقالة على العراق بسبب كثرة المعلومات التي لا يمكن إدراجها في مقالة واحدة حيث أن كتب التاريخ تزودنا بمعلومات كثيرة جدا بخصوص هذا الموضوع وخاصة أسماء الكنائس والأديرة والمدارس الدينية في كل من العراق والشام ومصر ، ولقد حاول الدكتور رشيد الخيون إعطاء فكرة موجزة عن هذه الكنائس والأديرة في كتابه الموسوم (الأديان والمذاهب في العراق) واستند في بحثه على كتب من التراث الإسلامي القديم ككتاب الديارات لأبي الحسن الشابشتي المتوفي سنة 388 ه ، وأبي الفرج الأصفهاني المتوفي سنة 356 ه ، وياقوت الحموي المتوفي سنة 626 ه في كتابه معجم البلدان .
وكنتيجة لبحثي في هذا الموضوع وجدت الكثير من المؤرخين القدامى والمحدثين قد اهتموا كثيرا بهذا الموضوع وبحثوا فيه وألفوا الكتب القيمة التي تحوي معلومات موثقة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر حبيب الزيات الباحث والمؤرخ السوري (1871 – 1954) والذي بحث في المخطوطات القديمة في عدد كبير من المكتبات العالمية وألف كتاب ( الديارات النصرانية في الإسلام ) ، والدكتور العراقي محمد سعيد ألطريحي في كتابه (الديارات والأمكنة النصرانية في الكوفة وضواحيها) وغيرهم الكثير مما لا يدع مجالا للشك في أن سكان وادي الرافدين كانوا خليطا من شعوب مختلفة انتشرت فيها ديانات مختلفة وأصبحت المسيحية ديانة أغلبية السكان بعد وصولها إلى العراق ، ولقد دخلت المسيحية إلى العراق في القرن الأول الميلادي ونشأت فيها عدة كنائس وصار للمسيحية عدة أسقفيات ومدارس وعلماء ، وظهرت الرهبنة في منتصف القرن الثالث وشاعت الحياة الرهبانية وبنيت الكثير من الأديرة خاصة على ضفاف نهر الفرات وفي أطراف بادية الفرات وبادية الشام ثم انتشرت في كل أنحاء العراق الكثير من الكنائس والأديرة .
وذكر كل من ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) والبكري في كتابه (معجم ما استعجم) إن العراق كان له نصيب كبير من الأديرة ولم يذكروا منها إلا ما ورد في شعر الشعراء كدير أبو يوسف فوق الموصل قريب من بلد وديارات الاساقف بالنجف بين قصري أبي الخصيب والسدير وديري الاسكون بالحيرة قرب واسط كانت فيهما مدارس للعلوم الدينية ، ودير اشموني قرب بغداد ودير الأعلى بالموصل ودير باشهرا بين سامراء وبغداد ودير الثعالبة (المنسوب إلى بني ثعلبة المتنصرين) قريب من بغداد عند الحارثية ودير الهدار بنواحي البصرة ودير ألسوسي بنواحي سامراء ودير الشاء بأرض الكوفة ودير صباعي شرقي تكريت ودير العاقول بين مدائن كسرى والنعمانية ودير العجاج بين تكريت وهيت ودير القيارة عند الموصل ودير مار يوحنا جانب تكريت ودير الأبلق في الأهواز ودير نجران بأرض الكوفة بناه عرب نجران بعد أن أجلاهم عمر ابن الخطاب عن نجران اليمن ، وفي شمال العراق دير بيت عالي في عقره ودير ربان هرمز بالقرب من القوش ودير اوجين في نصيبين . كما أن البكري وياقوت الحموي يذكرون أسماء أديرة بناها العرب بعد تنصرهم وعنوا بتشييدها كدير ابن براق بظاهر الحيرة ودير ابن عامر ودير ابن وضاح بناه في ضواحي الحيرة عبدا بن حنيف اللحياني ودير حنظلة المنسوب إلى حنظلة بن عبد المسيح بن علقمة بن مالك من بني لخم ودير حنة وهو دير قديم في الحيرة لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع ودير آخر باسم حنة يقع بناحية البليخ بناه عبد بن حنيف من بني لحيان الذين كانوا من لخم ودير السوا المنسوب إلى رجل من أياد ودير عبد المسيح المنسوب إلى عبد المسيح ابن عمرو الغساني الشاعر وموقعه في ظاهر الحيرة ودير العذارى بين سامراء والحظيرة وكان يسكنه عدد من أبكار العباديين وعرب النصارى ودير علقمة بالحيرة وهو منسوب إلى علقمة بن عدي بن ألرميك من بني لخم ودير عمرو في جبال طئ ودير قرة المنسوب إلى قرة احد أبناء حذافة ابن زهر ابن أيام ودير اللج للنعمان ملك الحيرة ودير هند الصغرى ودير هند الكبرى في الحيرة ، وكانت هذه الأديرة تمتد من الحيرة إلى البصرة بناها نصارى العرب في جهات العراق .
إن هذه الأديرة التي ذكرت أسماءها هي جزء صغير من كم كبير يبلغ المئات من الأديرة التي بنيت في العراق قبل دخول الإسلام لا يتحمله مقال واحد ، بالإضافة إلى أني لم اذكر أسماء الكنائس التي بنيت في العراق بعد دخول المسيحية إليه ولكن الشئ الوحيد الذي سأذكره هنا بالنسبة إلى موضوع الكنائس أن أقدم كنيسة بنيت في العراق هي كنيسة كوخي أقامها تلميذ السيد المسيح مار ماري في المدائن (سلمان باك)في القرن الأول الميلادي وكانت تلقب بكنيسة بابل ، ومنذ القرن الثاني الميلادي بنيت في كل قرية ومدينة عراقية كنيسة وكل منها كتبت باسم قديس أو تذكار ديني مسيحي .
وفي الختام اود أن أوضح للقارئ إن كتابتي لهذه المقالات هي رد فعل طبيعي لما يحدث في العراق لأهلي ولشعبي والهدف منها هو إعلام القارئ الذي ليس له اطلاع على التاريخ الحقيقي للعراق بان مسيحي العراق هم سكانه الأصليين وأحفاد بناة حضارته التي أغنت الحضارة الإنسانية في مختلف النواحي العلمية والأدبية والفنية ، ولا يستحقون أن يعاملوا بطريقة تجعلهم يعيشون بين مطرقة البقاء
وسندان الرحيل من وطنهم الأصلي ، بسبب قتل أعداد كبيرة منهم وتهديد ما تبقى بالقتل أو إجبارهم على دفع جزية وهم بالكاد يستطيعون الحصول على قوتهم اليومي ، أنهم محاصرون من كل جانب وهذا ليس عدلا ولا ترضى به أية شريعة إنسانية كانت أو الهية .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,010,696
- عيد القيامة وعادة تلوين البيض
- حقيقة مسيحية الشرق قبل الغزو الاسلامي
- في القرن الواحد والعشرين لازال حكامنا قتلة ولصوص
- ردي على المعلقين على مقالتي المعنونة (الدكتور كامل النجار عل ...
- الدكتور كامل النجار على قناة الحياة المسيحية
- يا شباب الأمة لا تدعوهم يسرقون ثورتكم
- رد على مقالة النصب والاحتيال في الكتاب المقدس
- أطلاق فضائية التمدن ضرورة ملحة قبل فوات الاوان
- الخلط بين السياسة والدين في تحليل مجزرة كنيسة سيدة النجاة
- لماذا نرى القشة في عيون الاخرين ولا نرى الخشبة التي في عيونن ...
- يجب احالة حكومتي امريكا وبريطانيا الى المحاكم الدولية المختص ...
- هنيئا لكم يا شهداء مذبحة كنيسة سيدة النجاة في بغداد
- دعوة الى مؤرخينا في العراق
- أحتفلوا بعيدكم التاسع ومشاعل النصر والفوز المؤزر بأيدكم
- الحياة الجنسية في الغرب هل هي اكثر ابتذالا وانحرافا منها في ...
- تخليدا لغزوة مانهاتن الترهيب بعد الترغيب لتنفيذ مشروع مسجد ق ...
- هل يدفع العراقيون ثمن صراع على الحكم بدأ قبل 1400 بين الامام ...
- الاسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية والتحديث في العالم العرب ...
- اقباط مصر شعب تنتهك حقوقه وتستباح حرماته على ارضه وارض اجداد ...
- التحالفات المصلحية والديمقراطية المزيفة في العراق


المزيد.....




- الناشطة السعودية المعارضة منال الشريف تتحدث لـCNN عن رهف الق ...
- تغريدات نارية لحمد بن جاسم بعد اختفائه لأسابيع!
- محكمة يابانية توافق على الإفراج عن غصن بكفالة قيتها 4.5 مليو ...
- شاهد.. رجال إطفاء ينقذون فراخ بطة علقوا في مجرور مياه صرف صح ...
- من يحقق الثراء من الحشيش المغربي؟
- مظاهرات السودان: المجلس العسكري يشكل لجنة مع قوى -إعلان الحر ...
- محكمة يابانية توافق على الإفراج عن غصن بكفالة قيتها 4.5 مليو ...
- شاهد.. رجال إطفاء ينقذون فراخ بطة علقوا في مجرور مياه صرف صح ...
- بوتين خلال لقاء كيم: متأكد من أن الزيارة ستخدم تطور العلاقات ...
- شرطة سريلانكا: سماع دوي انفجار على بعد 40 كيلومترا شرق العاص ...


المزيد.....

- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سامية نوري كربيت - حقيقة مسيحية الشرق قبل الغزو الاسلامي - 2