أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبيل الحيدرى - المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان






















المزيد.....

المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان



نبيل الحيدرى
الحوار المتمدن-العدد: 3378 - 2011 / 5 / 27 - 00:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بعد مجئ الثورة الإيرانية كانت القضية العراقية من اهتمام المسؤولين الإيرانيين على أعلى المستويات من قيادتها التى لجأت إلي العراق فى 14 عاما وحتى مراجعها الذين درسوا فى حوزات العراق من الكاظمية وكربلاء وسامراء والنجف وغيرها حتى تزوج البعض من العوائل العراقية المعروفة بطيبتها فضلا عن تأثير وأهمية العراق وعمقه العربى. العجيب هو سيطرة بعض الدعاية الإيرانية وعلمائها على بعض المفاصل الأساسية خصوصا فى النجف وكربلاء لدرجة الإستخفاف بالعلماء العرب العراقيين كالشهيد محمد باقر الصدر وحتى شهادته حيث وزعت الحوزات العلمية الحلوى فرحا بالخلاص من المنافس الشريف الذى اتهم بالخروج عن المألوف والإختلاط بالفقراء وحوائجهم ولم يغيب فى سراديب النجف وفسادها لذلك سماه المشايخ والسادة بالسطل والوهابى والعميل. كان الصغير فيهم مجتهدا بينما الصدر مشكوك فى علمه واجتهاده خصوصا حاشية المرجعية العليا فى تسقيط المنافسين الشرفاء الوطنيين العراقيين.

كان مكتب حركات التحرر التابع للشيخ المنتظرى فيه فرع (مكتب العراق) الذى سيطر عليه وعلى الإذاعة أنذاك الخط الشيرازى ومنظمة العمل الإسلامى للمدرسى وقد ضرب هذا الخط كليا بعد أفول أمرين: أولا المنتظرى واتهام متعلقية بقضايا لفقها رفسنجانى وخامنئى وأحمد الخمينى لإزاحة المنتظرى من خلافة ولى الفقيه خصوصا بعد فضيحة رفسنجانى مع مكفرلين فى ارتباط المسؤولين الإيرانيين بأجهزة المخابرات الأمريكية، وثانيا أفول محمد الشيرازى الذى كان يقدس الخمينى فى كربلاء والكويت لكنه تحول إلى الإقامة الجبرية فى إيران لمعارضته ولاية الفقية وطرحه شورى الفقهاء كما حصل أيضا لمراجع آخرين مثل شريعتمدارى والقمى والروحانى والمامقانى والخاقانى والكركى وكل من يعترض على ولى الفقيه أو ولايته.

أما حزب الدعوة فأن الكثير من قيادته إيرانية الجنسية والهوى مثل مرتضى العسكرى (زعيم الحزب فى مرحلته الثالثة كما شرحت سابقا فى تاريخ حزب الدعوة) ومحمد مهدى الآصفى (حاليا يمثل ولى الفقيه فى العراق بعد أن كان الأمين العام لحزب الدعوة قبل تسليمها لإبراهيم الجعفرى وعلى زندى (الأديب) وغيرهم كثير)، فقد تهيأت للدعاة معسكر الأهواز وانطلاق العمليات العسكرية التى قتلت الآلاف من الأبرياء من الحدود الإيرانية العراقية فقد اشتركت فى عمليات الداخل وكذلك الكثير من عمليات الحرب بين العراق وإيران فضلا عن مكاتب سورية ومسؤولها نورى كامل المالكى، فضلا عن مكاتب وبيوت وجوازات تهيؤها أجهزة المخابرات الإيرانية والسورية وغيرهما. لكن مشكلتين أساسيتين أضعفت الدعاة أولاهما أن المسؤولين على معسكر الأهواز وغيره كحسين بركة الشامى وتورطهم فى تسليم ما يسمى بالمجاهدين بصفقات مشبوهة وقصة أبى حوراء واتضاح عمالة قيادات الدعوة لأجهزة المخابرات العالمية من خلال وثائق خصوصا السفارة الأمريكية فى طهران وأجهزة السافاك مما أدى على التحجير على مرتضى العسكرى (الذى كان يقود الحملة السيئة ضد المفكر الإجتماعى على شريعتى) ولجوء حسين الشامى وإبراهيم الجعفرى وغيرهم إلى لندن وغير ذلك من قضايا يخاف الدعاة كشفها ويهددون ناشرها.

محمد باقر الحكيم كان مترددا فى المجئ لأيران باعتبار العلاقة التاريخية بين الشاه وآل الحكيم خصوصا المرجع محسن الحكيم. لقد دخلت على إحدى قياداتهم الخلفية فرأيت صورة الشاه كبيرة خلفه فى مكتبه. قلت له : (لقد سقط الشاه) أجابنى (سيعود قريبا الوفى الكريم). عرف آل الحكيم بالعلاقة التاريخية والإستراتيجية بالحكام كالشاه وهاهى الرسائل المتبادلة والمبالغ الضخمة واضحة، كما اشتهرت علاقتهم بالتجار الفجار والمترفين والبرجوازيين وبعدهم عن الفقراء والمحرومين وزواجاتهم وبيوتهم وترفهم كالطواغيت.

بعد تردد طويل خوفا من الإنتقام والقتل فكر باقر الحكيم فى لبنان أوغيره لكن الإشارات والرسائل من طهران كانت هى الأقوى لدرجة (القرار الصعب دون بديل مناسب) كما قال لى. علما أن الحكيم هو الرجل الثانى فى المرحلة الأولى من الدعوة وقد خرج عام 1960 بعد طلب أستاذه الصدر كما شرحت سابقا. حزب الدعوة الذى كشفت بعض أسراره وفساده أراد رمزا لمشكلة القيادة والزعامة المزمنة للدعاة فاستقبل الحكيم كزعيم وتهيأت الجماهير العراقية وغيرها فى وقت مشحون عاطفيا زمن اشتعال الحرب بين العراق وإيران وتهجير صدام للآلاف إلى إيران، كان الدعاة وغيرهم من العراقيين والإيرانيين إستقبلوا باقر الحكيم كزعيم وقائد ورمز وهم يرددون بالآلاف (ياحكيم سير سير كلنا جنودك للتحرير).

وللحديث صلة فى الحلقة القادمة.



المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(2)

نبيل الحيدرى

لقد وصلت الحلقة الأولى إلى بداية المرحلة الثانية وهى إلتقاء المصالح والزواج المؤقت بين محمد باقر الحكيم من جهة وبين الإسلاميين الآخرين كحزب الدعوة من جهة أخرى. ظهر ذلك فى الإستقبال الكبير للحكيم فى طهران وقم عند أزمة القيادة المزمنة للحركة الإسلامية العراقية فى إيران. إنها الفتنة التى يسقط فيها الإسلاميون عادة وهى حب القيادة والزعامة الى الدرجة الصنمية التى تعبد الصنم من دون الله فالإسلامى قد يكون مستعدا أن يسحق كل المبادئ تحت قدميه من أجل السلطة والمال والنساء والدنيا. لكن هذه العلاقة والزواج المؤقت قد أصابها الفتور الكبير وانفسخ الزواج المؤقت بعد لقاء الحكيم مع القيادات الإيرانية وولاية الفقيه وذوبانه فى تأييدها إلى درجة الغلو وتخليه عن التزاماته مع رفاقه الآخرين من الدعاة وغيرهم، خصوصا أن الحكيم إيرانى الجنسية والأصل من أصفهان والذوبان فى ولاية الفقيه مما جعل الإيرانيين يرجحونه ويكافؤونه بالدعم والتأييد الكبيرين لدرجة قد تفوق تأييد حزب الله فى لبنان كما قال باقر الحكيم نفسه فى جلسة خاصة .

إستطاع الإيرانيون أن يستفيدوا من الحكيم فى مواقع كثيرة ومشهودة خصوصا للإنفتاح على العرب وفى المؤتمرات والبعثات الدولية وفى الحرب العراقية الإيرانية فلم يؤيد إيران من الدول العربية سوى سوريا البعث لانشقاق البعث نفسه الى اليسار واليمين، العراق وسوريا فضلا عن القذافى الذى دعم الإيرانيين.

كانت الحكومة الإيرانية قد أعطت باقر الحكيم بيتا عظيما فى طهران. الظاهر كان بيتا لتاجر لم يؤيد الحكومة الإيرانية مما جعلها تصادره كما صادرت آلاف البيوت والممتلكات لمن يعارضها بحجة محاربة الله ورسوله. هكذا يستخف ما يسمى بالحكم الإلهى بمصادرة حقوق الناس وأموالهم لكن الله تعالى برئ ممن يتحرك ظلما بنفسه. دعانى باقر الحكيم إلى بيته مرة فتفاجأت بكونه بيتا جبارا طاغوتيا فسألته عن ذلك مستغربا (إن بيت على بن أبى طالب كان بسيطا) وأجابنى (إنه بيت لأحد معارضى الحكومة الإسلامية وقد لجأ إلى دول الكفر) فقلت له (وهل يجوز الصلاة فى مكان مغصوب لايرضى صاحبه) فنظر إلي نظرة متعجب قائلا (لم يسألنى أحد هذا السؤال من قبل) قلت له (لأن حاشيتك ممن لايعترض عليك أبدا كما أنه لايعرض الحقائق. أخرج بنفسك لترى الحقائق ومحنة العراقيين ومعاناتهم فى إيران).

تأسس (مكتب العراق) ثم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق) فى 17 تشرين الثانى عام 1982 برعاية مباشرة من أجهزة المخابرات الإيرانية حيث يشرف جهاز إيرانى بحت يسمى(بشتبانى) فضلا عن ممثل ولى الفقيه الذى كان أحيانا على خامنئى نفسه (ولى الفقيه المعاصر) الذى قد يرفض حتى الورقة البسيطة لإذلال العراقيين وطريقة تعامل غير أخلاقية كان يشكو منها الحكيم نفسه مرارا، وهى طبيعة مزمنة للإيرانيين بسبب عقدة النقص عندهم من الشخصية العراقية. علما أنه ليس من حق العراقى فى إيران أن يعمل أو يتزوج أو أى حق آخر.. كانت محنة كبيرة وعظيمة لآلاف العراقيين فى دولة تدعى الإسلام بالإسم فقط وتطبق أعلى أنواع العنف والدكتاتورية والعنصرية والبعد عن حقوق الإنسان، فيكفى أن تهين المقابل بتسميته عراقى وتعنى وقتها فى العرف الفارسى صدامى برؤيتهم. نعم حاول الإيرانيون إستغلال العراقيين كثيرا مثل محاولة تجنيدهم وتجنيد الأسرى العراقيين لما سموهم التائبين لمحاربة إخوتهم العراقيين فى حرب أراد النظام الإيرانى إطالتها خوفا من ثورة شعوبه المتعددة القوميات فى الداخل لكنهم يمكن أن يتحدوا عند الأزمات الخارجية مما يسهل تصفية خصومهم الإيرانيين فى الداخل واتهامهم بالعمالة للخارج كما فعل النظام الإيرانى مع الشيوعيين ومجاهدى خلق وفدائيين إسلام وغيرهم فى تصفيات وإعدامات واعتقالات رهيبة حتى أنها تنكرت للكثير من القوى والتيارات والشخصيات التى اشتركت معها فى إسقاط الشاه لكنها استفردت فى القرار وصفت خصومها بحجة أنهم أعداء لولاية الفقيه.

كان حزب الدعوة يمتلك معسكر الأهواز وقوات الشهيد الصدر وجريدة الجهاد، أما الحكيم فقد فتح مكتب الشهيد الصدر وجريدة لواء الصدر فضلا عن تأسيس لواء بدر واسمه الحقيقى (سباه نوه بدر) وإدخال الأسرى العراقيين فيه كمقاتلين للخروج من جحيم الأسر والتعذيب والإذلال وسوف أكتب عما جرى لهم من الويلات تحت رحمة الطغاة فى الحلقات القادمة.

كانت قيادات (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق) الأولى هى إيرانية صرفة كاملا أولا محمود الهاشمى الشاهرودى (رئيس القضاء الأعلى حاليا فى إيران الذى يسرع فى إمضاء الإعدامات الكثيرة لمن يعترض على الظلم والظالمين إرضاء لولي االفقيه وجبروتها) ثم على الحائرى صهر على المشكينى (رئيس مجلس الخبراء الذى يختار ولى الفقيه) وكان الحكيم ناطقا رسميا فى دوراته الأولى ولايمتلك القرار الحاسم حيث كان المجلس يضم وقتها الحكيم والدعوة ومنظمة العمل الإسلامى وتيارات أخرى. أرادت بعض قيادات الدعوة استلام رئاسة المجلس لكنها متهمة فى الكويت بتصريحها الإعلامى المعروف (الخمينى حمار تمتطيه الشيوعية) فضلا عن اتهام القيادات العلمائية العليا بالماسونية من خلال الوثائق والمستندات مما حجبها عن القيادة رغم وجود شخصيات إيرانية الجنسية والهوى كفقيههم كاظم الحائرى وقياداتهم من محمد مهدى الآصفى ومرتضى العسكرى وكوادره كعلى زندى الأديب وموسى الخوئى وعماد الخوئى فضلا عن المرتبطين المعروفين بأجهزة المخابرات الإيرانية. كان الصراع بين باقر الحكيم ومحمود الهاشمى وكاظم الحائرى على أشده للسيطرة على الزعامة فى القضية العراقية.

شيئا فشيئا بدأ الحكيم يتولى رئاسة المجلس بعد عدة دورات ويجلب مؤيديه مثل أبى على المولى التركمانى وصدر الدين القبانجى وعبد العزيز الحكيم وهمام حمودى وسامى البدرى ومحمد الحيدرى وأبو ميثم الخفاجى للإستحواذ على المجلس تماما مبعدا كل الخصوم مما أدى إلى خروج الكثير من التيارات الأخرى فضلا عما أشرنا إليه فى الحلقة الأولى حول الشيرازيين وفضائح حزب الدعوة، وعندها بدأ المجلس يصير حكيميا بامتياز مما يجعل القضية العراقية تدخل فى مرحلة جديدة من الصراعات والأهواء.

وللحديث صلة فى الحلقة القادمة.




المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(3)

نبيل الحيدرى

حينما كانت الحرب الظالمة والشرسة بين الحكومتين الإيرانية والعراقية تشتعل بشراسة ودموية كانت الشعوب تدفع أثمانا باهضة جدا بينما تتنعم القيادات من الحكومات والمعارضات بأموال وسفرات وجوازات ودنيا ملطخة بدماء الأبرياء. مصائب قوم عند قوم فوائد، قيادات لامحل لها من الإعراب إلا فى الأزمات والحروب والمحن. كانت الدعاية الإعلامية الإيرانية ومن خلال وعاظ السلاطين وأجهزة إعلامية ضخمة لتهييج الشعوب فى حرب أهلكت الحرث والنسل واستمرت لثمان سنوات دامية وقودها الشعبان البريئان العراقى والإيرانى. كان الخمينى (ذى الأصل الهندى) يصر على إطالة الحرب ليعتبرها مقدسة قائلا (لاصلح مع الكفر) (لو جاء المسيح بن مريم فإنه لن يحيي صداما لأنه ميت لامحالة) (الحرب مقدسة والشهيد يحشرمع الحسين فى الجنة) (الإمام المهدى يقود الحرب ضد الكافرين). إذن لاصوت يعلو فوق صوت المعركة، وصوت ولى الفقيه هو الصوت الأعلى، وغيره يعتبرونه صوت الشياطين حتى لو صدر للفقهاء والمراجع الإيرانيين المخالفين لولاية الفقيه فقهيا وهم الأكثر الذين كتبوا رسالة إلى الخمينى فى ضرورة إيقاف الحرب وقت احتلال الفاو وأن مئات الآلاف من المسلمين الأبرياء يسقطون ضحايا أبرياء من الجانبين ولابد من الإحتياط فى الدماء البريئة النازفة. كان الجواب هو قوى البسيج والسباه والقوى الثوربة والمخابرات تهاجمهم فى بيوتهم بشعار (الموت لضد ولاية الفقيه) ترمى الرسائل العملية للمراجع فى بيوتهم ويتهموا بأنهم عملاء للأجانب والإستكبار العالمى ويجب أن يخضعوا للإقامة الجبرية ومنع زياراتهم والإتصال بهم وهذا ما حصل فعلا للمراجع الكثيرين كشريعتمدارى وقمى والروحانى والشيرازى والكرمى والخاقانى وغيرهم كثير.

كان الأسرى العراقيون تحت إشراف مرتضى شريعتى والجيش الإيرانى ثم تحولت إلى باقر الحكيم ليعين صدر الدين القبانجى عضده الذى لم يعرف الرحمة فى حياته ويسمى بعلى كيمياوى للشبه الكبير بينهما. فقد قام القبانجى بأعمال غير إنسانية يندى لها الجبين وقد أرى الأسرى الأمرين فى تعذيبهم وقتلهم وإرغامهم على أمور كثيرة ماسمى بالتوبة والتكفير بالإشتراك فى لواء بدر الذى أسسه الحكيم باسم (سباه نوه بدر) وإشراف وتدريب ورعاية الأجهزة المخابرات الإيرانية وكان يمثل دكتاتورية ولاية الفقيه فى ذلك القسم هو محسن الأراكى الدجال الذى يغير لقبه إلى العراقى للتعتيم وكان مسؤولا عن إعدام المئات من الأبرياء خصوصا كونه حاكم شرع فى قمع الإنتفاضات العربية فى إيران. كان معسكر حشمتية فى طهران يمثل القيادة للأسرى ويحوى عشرة آلاف أسير مقسمين على خمسة أقسام. كان الوضع المعيشى سيئا جدا جدا لايصلح للدواب فضلا عن إرغامهم لسماع محاضرات لتغيير دينهم ومذهبهم خصوصا على البدرى (عم سامى البدرى) الذى يدعى تحوله من المذهب السنى الى المذهب الشيعى. كان الأسرى يجبرون على التحاقهم فى القتال ضد إخوانهم العراقيين إرضاء لجبروت ولى الفقيه وإشباعا لرغبة السياسيين العراقيين الذين عاشوا الترف لهم ولأبنائهم بينما يبعثون الآخرين إلى الموت. كان الإيرانيون يستخفون بشعوبهم لدرجة رميهم فى فتح الألغام لأن دماءهم رخيصة، وأكثر رخصا منهم هى الدماء العراقية البريئة التى أجبروها فى عمليات كثيرة فى الحرب الظالمة بين العراق وإيران.

ولابد من التأكيد أن الحركة الإسلامية لم تقتصر عملياتها من الأراضى الإيرانية أو السورية بل تجاوزت إلى لبنان والكويت والإمارات والبحرين وغيرها. فقد قام حزب الدعوة وأفرعه الخارجية بتفجير السفارة العراقية فى بيروت بتاريخ 15/1/1981 وأعلن مسؤوليته عنها. كانت المخابرات الإيرانية قد مولتها بينما المخابرات السورية قد أمنت اللوازم اللوجستية حيث مكتب سوريا بقيادة على زندى الأديب ونورى كامل المالكى فى تهيئة أبى مريم الذى فجر نفسه وقد قتل المئات من المراجعين والموظفين وبلقيس زوجة نزار قبانى والكثير من الأبرياء مما يسميها الإسلاميون اليوم عمليات إرهابية لقتلها المئات من الأبرياء بينما كانوا يسمونها آنذاك بالعمليات الجهادية ويقبضون الأموال والإمتيازات عليها. كما حاول الحزب بتاريخ 25/5/1985 من خلال جمال جعفر (أبو مهدى) محاولة اغتيال أمير الكويت جابر الأحمد بأوامر وتمويل إيرانية كمعاقبة للكويت لدعمها العراق فى الحرب آنذاك. وعمليات كثيرة فى الخليج العربى أدت إلى طرد الكثير من العراقيين الأبرياء من تلك الدول وربما التسليم أحيانا للنظام العراقى ليعاقبهم بطريقته المعروفة.

كما أسس باقر الحكيم حركة المجاهدين العراقيين ومسؤولها فى إيران أخوه عبد العزيز الحكيم حلقة الوصل مع المخابرات الإيرانية، وفى سوريا محمد الحيدرى الذى أسس بدوره بنك المعلومات أيضا. قامت حركة الجاهدين بالعديد من العمليات وأصدرت فى ذلك البيانات. لعل أهمها محاولة تفجير وزارة الداخلية لمنع مؤتمر عدم الإنحياز من الإنعقاد فى بغداد. كانت العملية بقيادة أبى بلال الذى تعوق فى التدريب وفقد قدمه فى معسكر سوريا. قاد السيارة الألكترونية المتبرعة من عراقيى الكويت ليفجر وزارة التخطيط بدلا من الداخلية المخطط لها. أبو بلال وأصله من الدجيل وأراد الإنتقام لأهله سجل شريطا مدعيا أنه سوف يقتل صداما فى هذه العملية. الملاحظ أن النظام العراقى نشر صورة أبى بلال من خلال الهوية التى دخل بها للعملية غير المتأثرة بالتفجيرات، بل كانت الكثير من العمليات مكشوفة للنظام وسلم أصحابها بعد تسللهم من الحدود، خصوصا عملية أبى باقر وفائز الحيدرى الذين أظهرهم النظام على شاشات التلفزيون ليعدمهم بعد ذلك مانعا من إقامة الفواتح عليهم. كما كان حزب الدعوة يسلم من كان يسمى بالمجاهدين إلى النظام العراقى بسهولة ضمن صفقات مشبوهة يشرف عليها حسين بركة الشامى مما أدى لفرار الشامى فى ليلة ظلماء وبزى النساء مما سماه (الدولة الإسلامية) ليظهر فيماسماه (دولة الكفر) وما حرمه فى (التعرب بعد الهجرة).

العجيب أن العملية العسكرية الواحدة تدعى مختلف التنظيمات الإسلامية العراقية تبنيها وتفتخر بها وتصدر بيانا مستقلا رغم أن الذى قام بها قد لاينتسب إلى أية جهة ولكنه أراد الإنتقام من النظام، والذى أشرف عليها تنظيم واحد فقط. هكذا كانت المتاجرة بالدماء لتحصيل أكبر مكاسب دنيوية فالهوة بين الشعب المضحى دائما وقيادة المعارضة الطاغوتية على أبناء جلدتها والمستفيدة دائما دون أى تضحيات أو تنازلات. والجدير ذكره أن حرب التسقيط بين مختلف الفصائل وقوى المعارضة كانت على أعلى المستويات للمتاجرة بالشعب المظلوم. لكنها الدنيا التى أرادت القيادات الإسلامية أن تتاجر بها وتقبض أثمانا كبيرة ملطخة بالدماء البريئة. وأخيرا وبعد ثمان سنوات دامية قبل ولى الفقيه (الذى يملك السلطات الثلاث بيد من حديد) بإيقاف الحرب والصلح بين النظامين العراقى والإيرانى لتبدأ مرحلة جديدة أكتب عنها فى الحلقة القادمة رغم التهديدات الكثيرة من الأحزاب الدينية الحاكمة.



المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(4)

نبيل الحيدرى

وصلت الحلقة الثالثة إلى الصلح بين النظامين العراقى والإيرانى بعد موافقة ولى الفقيه الخمينى الذى اعتبره كتجرع السم إرضاء للإيرانيين بعد استغراقهم فى إطالة الحرب ومزيد من الدماء والمعوقين والنكبات. كان الصلح والتطبيع يمثل صدمة حقيقية للمعارضة العراقية خصوصا حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق الذائب كليا فى ولاية الفقيه والمراهن على استحالة الصلح تحت شعارات ولى الفقيه (الصلح بين الكفر والإسلام خيانة لله وللرسول) (الخمينى يسلم الراية للمهدى المنتظر) (صدام ساقط لامحالة ولن يحييه حتى السيد المسيح القادر على إحياء الموتى). طبعا المجلس كان يمثل الصدارة فى عصا ولى الفقيه واتهام الآخرين من التيارات الإسلامية بأنهم أعداء ولاية الفقيه والمرجعية والتشيع وأهل البيت والإسلام الأصيل وبأن معارضى ولاية الفقيه كلهم عملاء الأجانب وأمريكا.

بعد الصلح لا يحتاج النظام الإيرانى إلى المعارضة العراقية كما كانت زمن الحرب (التى كان لقوات بدر ضمنهم بعض الأسرى دور بارز فى الحرب مع إيران فى معارك كثيرة منها صد هجوم مجاهدى خلق (الذين استوعبهم النظام العراقى) وقد عبرت مجاهدو خلق الحدود الإيرانية وتصدى لها فيلق بدر واسمه الرسمى (سباه نوه بدر) التابع للحرس الثورى الإيرانى (سباه) حيث أعلنها هاشمى رفسنجانى فى خطبة الجمعة تمجيدا بقوات بدر فى محاربة إخوانهم العراقيين (متى ما طلب الإيرانيون منهم ذلك) كما تكلم باقر الحكيم فى خطبة الجمعة الإيرانية بيان العلاقة الإستراتيجية بين القوات الإيرانية وقوات بدر تحت إمرة ولاية الفقيه كلما أمرت به بتعبيره (نجاحنا وقوتنا فى ذوباننا فى ولاية الفقيه الشرعية الوحيدة). انتهت الحرب الظالمة بعد سقوط الضحايا من الملايين القتلى والمعوقين والمشردين وبدأ الصلح والتطبيع والوفود المتبادلة بين النظامين بل التجارات على أعلى المستويات لدرجة بين أبناء هاشمى رفسنجانى وأبناء صدام حسين على جزيرتى كش وقشم وصفقات النفط وغيرها.

ومن حق العراقى أن يسأل ما فائدة الحرب ولماذا استمرت لثمان سنوات دامية ولماذا سقط ملايين الأبرياء؟ لماذا يتم الأطفال ورملت النساء؟ وعشرات الأسئلة الأخرى؟؟؟ إنها السياسة لتجار السياسة من الطرفين وتجار الدين وتجار الحروب وزعماء الأحزاب الدينية الذين تربعوا على عروشهم بعد تصفية خصومهم ولولا الحروب والدماء والمجازر لما وصل النكرات ليتحولوا إلى زعماء ويحكموا بعد أن كانوا ماكانوا عليه ونحن نعرف تاريخهم وواقعهم الحقيقى وكيف يحولون نكبات الشعب إلى مكاسب شخصية لهم ولو كانت على جماجم ملايين الأبرياء. بدأ النظام الإيرانى بتسليم بعض العراقيين وملاحقتهم ومطاردتهم فى أبسط أنواع المعيشة حتى الكارت الأخضر الذى كان ذليلا فى تحصيله وفوائده قد منع عنهم كمامنع أى عمل أو زواج أو غير ذلك من الحقوق البسيطة لأدنى الكرامة البشرية.

بدأ النظام الإيرانى وخصوصا وزارة الداخلية بشن حملة واسعة ضد العراقيين بكل مرافق الحياة ومنها تسليم الكثير منهم للنظام العراقى. بينما كنت مدرسا فى بعض الجامعات قمت بزيارة باقر الحكيم وطلبت منه موقفا قويا أمام الإجراءات الإيرانية فأخبرنى أن الإيرانيين لايسمعون ولايحترمون ولايجيبون رغم كتابته عريضة طويلة فى المطالب وقدمها للخمينى نفسه، وأن معتمده فيما سماه (المجاهدين) قد سلمته السلطات الإيرانية إلى بغداد كدليل على سياسة جديدة للإيرانيين. طلبت منه أن يعلن أمام الملأ رفضه واستنكاره فلم أجد له رغبة فى ذلك، ثم سألته عن تطليق إيران وهجرته إلى بلد عربى فأجاب بأن النظام العراقى يطارده وسألنى عن البلد العربى، فاقترحت له لبنان وقلت له (إن فضل الله ليس بأكبر منك والشعب اللبنانى طيب، وإن لك رحم بلبنان) فسكت ولم يجب، وهى طبيعته عندما يحرج ويقع فى حيرة ولايجد جوابا.

وقد طلبت منه الإنفتاح على العراقيين وعلى مخالفيه من المعارضة العراقية وما أكثرهم، فحاول توسيطى فى ذلك قائلا (أنت مستقل ولم تنتم لأى حزب أصلا ويحترمك الجميع فأرجو توسطك مع العراقيين الآخرين)... سأتطرق لها فى الحلقات القادمة .

بدأت الهجرة العراقية فرارا من إيران وطغيانها وقد بدأتها القيادات الإسلامية إلى دول ماسمى بالكفر رغم إصدارهم الفتاوى بحرمة ذلك بعنوان (حرمة التعرب بعد الهجرة). حينها بدأت الأحزاب الدينية بتجارة جديدة وكبيرة فى بيع الجوازات والفيز وغيرها من متطلبات الهجرة إلى مختلف أصقاع الدنيا بحثا عن وطن أو سكن أو عمل أو حرية أو كرامة حيث بدأت الأمواج العراقية تبحث عن وطن علما أن أجهزة المخابرات فى إيران وسوريا قد طبعت جوازات مزورة عراقية تقدمها لأتباعها من الأحزاب.

أعان الله البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة مما أدى إلى الكثير من المآسى والمصائب فضلا عن العنصرية الإيرانية الشديدة وتسمية العرب (عرب خر) إهانة لهم حتى نظم فقيه شيعى عراقى كاشف الغطاء قصيدته المشهورة (أراح الله قلبى من بلاد) ويشرح فيها أخلاق الإيرانيين وعنصريتهم ضد العرب. وقد اتخذ العراقيون مختلف الوسائل والسبل للهروب من الطغاة فى إيران حتى مات بعضهم فى البحار والمحيطات أو ضاع فى الصحارى أو سرقت أمواله وتعرضوا إلى مافيات النصب والإحتيال فى عمليات الهجرة والبحث عن وطن. وللأحزاب الدينية فوائد جمة وملايين كثيرة من محنة هجرة الآلاف من العراقيين، هكذا كانت الهوة واسعة بين نكبة الملايين ومحنتهم والقيادات المستفيدة من محنتهم والتى عاشت فى قصور فى إيران وغيرها علما أن بعضهم يحمل جوازات لأكثر من دولتين منها إيران وسوريا وغيرهما.

لقد تفاقمت الصراعات بين الأحزاب الإسلامية بشكل واسع ومتنوع ويقودها فى المجلس صدر الدين القبانجى (لقبه العراقيون فى إيران بعلى كيمياوى لقسوته وطاغوتيته) الذي أسس حزب الله فرع العراق مع أجهزة المخابرات الإيرانية وطبعوا المنشورات وأسسوا الندوات واللقاءات والتظاهرات فى تسقيط الآخرين خصوصا من التيارات الإسلامية الأخرى والقيام بأعمال قذرة تلبية لأجهزة المخابرات الإيرانية وما سيذكر فى الحلقات القادمة.

ثم غزا النظام الصدامى هذه المرة بلدا عربيا شقيقا أعانه فى الحرب الإيرانية مما شق العرب نصفين ودخول المعارضة العراقية فى مرحلة جديدة هى الخامسة التى سيأتى الحديث عنها لاحقا فللحديث صلة فى الحلقات العشر.




المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(5)

نبيل الحيدرى

بعد حلقات سابقة أربع حيث الصلح بين النظامين الإيرانى والعراقى فبدأت مايسمى القيادات العراقية تتظاهر بإيرانيتها وتتنصل عن عراقيتها بل قد تستعير منها إلى درجة استعمال اللغة الفارسية كاملا وهجر اللغة العربية وطرد العراقيين واستبدالهم بفرس خالصين ولاؤهم لولاية الفقيه حصرا أملا فى الحصول على المكاسب الإيرانية. فمثلا دخول باقر الحكيم فى المؤسسات الإيرانية الصرفة وحمله الجنسية الفارسية لأن أصله طباطبائى أصفهانى فضلا عن أخيه عبد العزيز رجل المخابرات والتقارير السيئة ضد العراقيين (مع جهاز إطلاعات الإيرانى)، وأظهر كاظم الحائرى جنسيته الإيرانية ودرسه الفارسى، وأما محمود الهاشمى فقد غير لقبه إلى الشاهرودى وأعلن أصله الفارسى ومال نحو الإيرانية فى درسه بالفارسية فى المدرسة الفيضية فى قم وابتعاده عن العراقيين إلى درجة أن خالد أبا ذر العطية رجل المخابرات الإيرانية والمسؤول فى مكتبه قد طرد جميع العراقيين من جميع مؤسساته التحقيقية ومكتبه والمجئ بإيرانيين لايفهمون العربية ولاينفعون فى تحقيق كتب الأحاديث العربية وأعمال قذرة كثيرة، كما دعى هؤلاء إلى تقليد ولى الفقيه الخامنئى الذى لايعتقد فقيه من الإيرانيين باجتهاده ولا فقاهته حيث أن لعبة تعيينه تمت من خلال لوبى يتزعمه هاشمى رفسنجانى نائب رئيس مجلس الخبراء لإبعاد المنتظرى وآخرين حيث ادعى رفسنجانى أن الخمينى قد أسر إليه خاصة فى أهلية خامنئى لولاية الفقيه على رغم أن وصية الخمينى كانت إلى منتظرى سابقا كخليفة له ثم غيرها كما هو معلوم. علما أن الحكيم كان يدعو إلى ولاية الفقيه فى كل خطاباته بإسراف ومبالغة وغلو كما يدعو إلى تحويل التقليد إلى ولى الفقيه وذلك لكسب الولاء الإيرانى وامتيازاته فى الكثير من المؤسسات والمواقع. ما ينبغى ذكره أن الكثير منهم بدأ يستعير من الحديث باللغة العربية إلى درجة جوابه بالفارسية عندما يسأل بالعربية خوفا من أجهزة المخابرات الأيرانية المحيطة بمكتبه والتجسس عليه حيث كان العربى والعراقى قد يطرد فى أى موقع رسمى لمجرد حديثه باللغة العربية وهى عقدة المسؤولين الإيرانيين من العرب والعراقيين خاصة ومن اللغة العربية فهم يفتخرون بقوميتهم وكسرى ويحقدون على العرب وعلى الخليفة عمر بن الخطاب الذى أجبرهم على دخول الإسلام.

ومما ينبغى الإشارة إليه أن وفاة الخمينى 1989 ومجئ خامنئى كولى للفقيه قد غير البعض من السياسات فمثلا قرب الدعاة كحزب بعد أن كانوا مبعدين متهمين كما شرح فى الحلقات السابقة لفضائح (كالعمالة وفضيحة معسكر الأهواز وعمليات أبو حوراء وغيرها) حيث أن خامنئى رئيس حزب (جمهورى إسلامى) وقام بتعيين دعاة مثل محمد على التسخيرى وهو اللحاف فى النجف إلى ممثل لولى الفقيه ومسؤول كبير فى مكتبه وتبليغه وعلاقاته الخارجية وكذلك مرتضى العسكرى المحجور عليه فى زمن الخمينى كما شرحته فى الحلقات السابقة ليؤسس كلية أصول الدين والمجمع العلمى الإسلامى فضلا عن قصة محمد مهدى الآصفى علما أن الكثير منهم ادعى زورا وكذبا أنه ليس من الدعاة أو خرج منها منذ زمن ولن يعود،

ومن المفارقات هى حرب المجلس الأعلى العنيفة ضد مرجعية أبى القاسم الخوئى فى العراق وطلب تحويل التقليد إلى ولى الفقيه واتهامهم ابنه جمال الدين بالعمالة للنظام الصدامى ومن جهة أخرى فى تسقيط الشيرازيين يستفيدون من فتوى الخوئى نفسه ضد محمد الشيرازى بأنه ليس مجتهدا وأمره مريب كما جاء فى نص جوابه لمن سأله فى إعطاء الخمس لتأسيس حوزة فى تنزانيا. وهى حرب بين زعامات من النجفيين والكربلائية على امتداد تاريخ طويل. كما أن الخلافات العراقية قد تحولت إلى تظاهرات للمجلس ضد ما سموه المنافقين قادها فى صحن قم صدر الدين القبانجى الذى أسقطت عمامته وضرب ضربا مبرحا وأدمى من قبل حزب الدعوة وبلطجيته كما ضرب بالسكين فى سوريا ياسين الموسوى المحسوب على المجلس لتأليفه كتابا ضد منهجية محمد حسين فضل الله، فقد ضربه بالسكين رجل الدين ممثل حزب الدعوة فى الدانمارك .

وبعد غزو النظام العراقى هذه المرة بلدا جارا عربيا أعانه فى الحرب الإيرانية مما شق العرب نصفين وسقطت النفوس وهجرت الآلاف وسرقت الممتلكات وانتهكت الحرمات ودخول المعارضة العراقية فى مرحلة جديدة حيث كانت المسروقات من الكويت تأخذها المعارضة ثم تبيضها وتصبح مالكة شرعية لتلك المسروقات من خلال علاقاتها يالأجهزة المخابراتية الإيرانية والحرس الثورى الإيرانى وتنطبق عليه (مصائب قوم عند قوم فوائد) لتستفيد المعارضة من المحنة وتحولها إلى تجارات شخصية. ولقد سألت إحدى القيادات فى حرمة ذلك، أجابنى (لقد دفع الخمس، وأمضاه ممثل ولاية الفقيه، فصارت شرعية) قلت له (إذن ولى الفقيه يجيز المسروقات من بلد إسلامى) فسكت ولم يجد جوابا وهو يركب سيارة من أفخر السيارات المسروقة من الكويت ولكنه بات رقمها إيرانى، واليوم هو من الإمبراطوريات العظيمة التى سرقت المليارات فى دولة الفرهود بلا حساب ولاجزاء ولاعقاب لأنه من الأحزاب الدينية الحاكمة. هذه أمثلة بسيطة وترك التفصيل إلى كتابنا الموسع عن الحركة الإسلامية فى العراق فالمقال يقتضى الإقتضاب والإختصار والتيسير لمختلف القراء.

ثم بدأ تحرير الكويت ومن بعدها إنتفاضة انطلقت من الجنوب العراقى لتدخل المعارضة العراقية فى مرحلة جديدة للحديث عنها فى حلقة لاحقة قريبا.

للحديث تتمة



المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(6)

نبيل الحيدرى

كانت الحلقات الخمسة السابقة قد وصلت إلى تحرير الكويت ثم الإنتفاضة الشعبانية التى بدأت بضرب صور صدام الكبيرة وتحطيم جدار الخوف والإرهاب التى كان يعانيها الشعب من حكم شمولى يندر مثيله فى العالم. إنطلقت من الجنوب العظيم ليصل إلى تحرير أكثر من أربع عشرة محافظة أوشك النظام أن يسقط تماما خصوصا وأن بغداد بدأت تتحرك من الكاظمية ومدينة الثورة (الصدر) إلى درجة أن صداما وجماعته بدؤوا يفكرون جدا بالهرب. المعارضة الإسلامية العراقية تفاجأت بالإنتفاضة وهى بعيدة عن الواقع العراقى وتعيش فى أوهام وخرافات تحكم الكثير من التصورات الخاطئة عن الواقع العراقى. إجتمع المجلس الأعلى واتخذ قرارا من أسوأ القرارات فى عدم التفاعل مع الإنتفاضة وذلك لسببين حقيقيين أولا عدم رغبة القيادات الإيرانية وثانيا لإحاطة الحكيم بحاشية من الإنتهازيين والوصوليين الذين يخافون من خيالهم فكيف بدخولهم العراق بعضهم الآن مسؤول المركز الإيرانى بلندن وحقيقة بعضهم بعثى معروف فإن دخوله للعراق يعنى كشفه كعميل وربما قتله فى العراق. لذلك لم تتفاعل المعارضة الإسلاموية مع الإنتفاضة رغم انتظار الداخل المسكين والمضحى دائما وتوقعهم بين لحظة وأخرى لتفاعل الخارج ووصول قياداته الوهمية لكنها ليست قيادة حقيقية لنزول الساحة ميدانيا بل اكتفى الإسلاميون بالشعارات وإرسال الصور للقيادات الإيرانية وولى الفقيه وبعض الأمور البسيطة كشعارات شيعية (لا ولي إلا على، نريد قائد جعفرى) (يا لثارات الحسين). وتغلغل أفراد محدودة من قوات (سباه نوه بدر) بدر التابعة للمجلس الأعلى إلى داخل العراق لسرقة البنوك العراقية والجوازات والممتلكات والوثائق العراقية لتسليمها لإيران أو المتاجرة بها وتبييضها من خلال الحرس الثورى والإطلاعات (المخابرات) الإيرانية، فما أحوج العراقيين فى إيران وسوريا ولبنان آنذاك إلى جواز سفر أو هوية أو عمل أو وطن كما تم شرحه فى الحلقات الخمسة السابقة. وإن الإيرانيين أرادوا الإحتفاظ بأتباعهم لأنهم كما قالوا (صرفنا عليهم الكثير كحزب الله فى لبنان، ونريدهم رجالنا فى مستقبل العراق) كما هو حاصل اليوم فى الواقع العراقى، كما إن للإيرانيين أتباعهم فى كثير من الدول الإسلامية والعربية.

الشعارات الطائفية والصور الإيرانية كولى الفقيه أرعبت دول الجوار التى توهمتها خطأ ثورة شيعية تابعة لإيران والحقيقة أن شيعة العراق لايتبعون إيران ولا ولاية الفقيه عكس قياداتها الإنتهازية الوهمية من حزب الدعوة والمجلس الأعلى والشيراويين، كما أرعبت الإنتفاضة أمريكا نفسها التى طلب بوش مسبقا من الشعب أن ينتفض ضد الديكتاتور صدام، لكنه سرعان ما تخلى عن موقفه وسمح للنظام الصدامى بأن يقصف الشعب بالطائرات بينما لايسمح لطائرات النظام التحليق فوق أراضى كردستان العراق. عندها كانت الإبادة الصدامية للشعب والعقاب الجماعى ودور على الكيمياوى وأمثاله معروف. هكذا أبيدت الإنتفاضة وأبيد معها مئات الآلاف كما هاجر العراق أكثر من المليون، ذهب أكثرهم إلى إيران فعانى الذل والعنصرية والهوان والقمع حتى رجع إلى بلده ليلقى حتفه على يد النظام الصدامى شهيدا محتسبا كما سجن الكثير فى سجون إيران الطاغوتية (حتى استشهد من استشهد) وهرب البعض إلى الخارج ومات بعضهم وهو يحاول الوصول إلى الغرب أو غيره.

أما المعارضة الإسلامية خصوصا المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى العراق فقد فتحت لهم كنوز وأموال من الكويت والسعودية والخليج العربى ودول أخرى عالمية لتدعوهم القيادات والملوك والأمراء والرؤساء ويقبض المليارات كمعارضة للنظام الصدامى (الذى بات مرفوضا عالميا تحت البند السابع لقرارات الأمم المتحدة والحصار الإقتصادى) كما كانت المعارضة قد قبضت سابقا من القذافى وإيران وغيرهما زمن الحرب العراقية الإيرانية.

بدأ باقر الحكيم زيارات دورية إلى الكويت حيث يذهب لقضاء شهر رمضان باصطحاب أرحامه خصوصا ولديه صادق وحيدر. وقد سألنى فى إحدى المرات عن زيارته للكويت فقلت له إن العراقيين يرفضون صدام الذى جعل من قصى وعدى أولاده حكاما على العراق فلماذا تكرس ثقافة العائلة الحكيمية وتصطحب ولديك بدلا من الانفتاح على الآخرين من المعارضة العراقية وإن اختلفوا معك فى الرأى وعليك أن تكون كالأب الرحيم وأن تنزل من برجك العالى إلى المعاناة الكبيرة والمآسى العظيمة للعراقيين وسألته أن يوزع على المعوزين ماقبضه من دنانير فى الكويت وعليه أن يتواضع لأن الهوة بينه وبين العراقيين باتت كبيرة جدا والساحة العراقية لاتتحمل ذلك.

أما الجانب السورى فكان للحركات الإسلامية مكاتب رسمية كمكتب (ابو بلال) للمجلس الأعلى فى دمشق حى الأمين ومسؤولع عامر الحلو، وكذلك الخط العسكرى حيث تمتلك بعض السيارات والشخصيات كارتا يسمح لها بالعبور بين سوريا ولبنان متجاوزا التفتيش و الختم للجواز وغيرها من الأمور الإدارية بل يسمح للسيارة كاملا باصطحاب من تشاء متجاوزة الحدود بين البلدين. والجدير ذكره أن البعض منهم كان يستغله فى التهريب والتجارة بين البلدين لدرجة أن (أبو أسلام) من المجلس الأعلى اكتشفت المخابرات السورية تهريبه لكيلوين من الذهب فتحولت المسؤولية إلى بيان جبر باقر صولاغ وسكرتيره محمد الحريرى ليكون التهريب والتجارة على مستوى محترف وكبير. إذن كانت الغالبية العظمى من العراقيين يعانون الأمرين فى إيران وسوريا ولبنان وغيرها وبعضهم قتل أو سجن أو هجر أو خسر وصرف كل مايملك بينما كانت قيادات المعارضة تعيش فى نعمة وترف وطغيان وبعضهم يمتلك أكثر من جواز سفر وأكثر من بيت فى أكثر من دولة بينما صعب على الكثيرين قوت يومه وسكنه وأبسط معيشته.
برزت فى العراق ظاهرة كبيرة ومرجعية عربية إجتماعية متميزة ونشطة وهو المرجع (محمد محمد صادق الصدر)، وقد عارضتها المعارضة الإسلامية التى تدعو إلى تقديس ولى الفقيه الإيرانى وقيادته حصرا خصوصا المجلس الأعلى وهى المرحلة السابعة للحديث لاحقا فللحديث تتمة.




المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(7)

نبيل الحيدرى

مرحلة الصدر الثانى
بعد حلقات ستة من مراحل المجلس الأعلى فى الميزان حتى وصلت إلى ظهور مرجعية عراقية أصيلة متميزة ونشطة رشيدة للشهيد محمد محمد صادق الصدر(الصدر الثانى) تلميذ الشهيد محمد باقر الصدر(الصدر الأول). وأحد مشاكل العراق هى المرجعيات الفارسية غير الرشيدة وغير الصالحة التى تفسد أكثر مما تصلح، وتقود إلى هلاك البلاد والعباد فهى تأخذ أخماس العراقيين والعرب لتصرف بعضها فى إيران دون العراق المحروم والمحتاج وأما الجزء الكبير من المليارات فهو إلى جيوب أرحم المرجع وحاشيته التى امتلأت وفاضت من المال الحرام كحال أرحام المرجعية كمرتضى الكشميرى صهر السيستانى وممثله فى أكثر العالم دون مساعدة الفقراء والمساكين وما تحتاجه الأمة. الصدر الأول كان يمثل المرجعية الرشيدة والصالحة العربية الأصيلة فكرا وسلوكا لكنه عاصر مرجعيات فارسية غير رشيدة ولاصالحة ولايهمها العراق وشعبه وقد حاربته كثيرا واتهمته بشتى التهم ومنعت مشروعه لذلك حاول إصلاحها من الداخل ولما يئس كما يقول فى مذكراته، تصدى أواخر حياته لكتابة أطروحته الرائعة (المرجعية الرشيدة والصالحة) التى تحول الفرد إلى مؤسسة تخرج من تقوقعها وغيابها وصمتها وذاتياتها وفرديتها وأنانيتها وحاشيتها وأرحامها إلى مؤسسة واعية منفتحة متحدثة فى الخطاب العلنى الجماهيرى مواكبة للأحداث حتى السياسية والإجتماعية منفتخة على الواقع واحتياجاته وتحدياته معايشة للفقراء والمحرومين، لذلك حورب الصدر حربا شعواء من الحوزة ورجالاتها. والحق أن الرسول (ص) كان اجتماعيا متواضعا منفتحا لكل الناس خصوصا الفقراء ساعيا فى حوائجهم دائرا على الناس والأمة ولم يغيب وكان الغريب يأتى الى المسجد فيقول (أيكم محمد) لانصهارالنبى بالأمة والشعب وآمالهم وآلامهم وهو يعمل من كد يمينه ولم يترك لعائلته بعد وفاته المليارات من حقوق الناس. رغم أن الصدر الأول قتل فى الأربعين من عمره فقد قدم وكتب ما لم يقدمه ولم يكتبه من عاش ضعف عمره كالخوئى والسيستانى وغيرهما، كتب الصدر فى الثقافة والفلسقة والإقتصاد والبنوك ومنطق الأستقراء والتاريخ والعقائد والسياسة والإجتماع وغيرها كما عرف بنشاطه الإجتماعى الكبير وتواصله الدائم بالناس وتواضعه للفقراء والمحتاجين وحركته السياسية وتصديه الشجاع ضد حزب البعث وعدم تنازله عن مبادئه وهو يقدم كل مايملك وعاش فقيرا ومات فقيرا ولم يورث لأولاده ما ورثته المرجعيات غير الرشيدة وغير الصالحة من المليارات من الأخماس والحقوق الشرعية إلى أولادها وأصهرتها بدلا من صرفها فى حقها من الفقراء والمحتاجين فضلا أنها لاتمتلك ذلك العمق الفكرى والثقافى بل لم تكتب فى حياتها كتابين أصلا. الصدر الثانى ابن عم وتلميذ الصدر الأول وامتداد حقيقي وعملى له فى الفكر والسلوك حتى الحركة الإجتماعية والسياسية التى حركت الساحة العراقية المعقدة والصعبة بشكل واسع وكبير ومؤثر. كانت لذلك مظاهر كثيرة وكبيرة منها صلاة الجمعة وخطبه ووكلاؤه فضلا عن كثير من مؤسساته الإجتماعية وخدماته للمحتاجين ولقائه اليومى بالناس بشكل حركى فاعل ومتميز إضافة لدوره فى الإنتفاضة ومن ثم إنشائه المحكمة الشرعية فى مختلف المدن العراقية وتعيين عدد من القضاة الشرعيين وهى ردة فعل على استحصال المرجع محمد سعيد الحكيم أمرا رئاسيا من صدام حسين نفسه لاسترداد مدرسة آل الحكيم الباكستانية فى شارع (أبو صخير) من الصدر الثانى الذى عمرها ورممها بعد أن كانت مهملة مهجورة متروكة وفى ذلك وقف صدام حسين إلى جانب الحكيم ضد الشهيد الصدر الثانى لتجريده من مكان دراسى وسكنى للطلاب ومواقف أخرى أحيلها إلى كتابى الموسع لأنا تعهدنا منذ البداية أن هذه شذرات كسلسلة مقالات متواضعة لأن الكتاب لايقرأه إلا النادر من الخواص فى عصر السرعة والتكنلوجيا. لقد أحدث الشهيد نقلة نوعية كبيرة جدا أدت إلى حسد المرجعيات غير الرشيدة فى العراق وخارجه. أما المرجعية غير الرشيدة فى العراق ولم يعرف فى تاريخها أي تأثير إيجابى حتى فى الجانب الإجتماعى والسياسى وهموم الأمة على كل الجوانب العراقية رغم كل الظروف الصعبة للشعب ومحنه مما جعل الشهيد يذكرهم بالأسم خصوصا السيستانى فى بعض خطاباته ولقاءاته لمراراته ومحنته وأهميته. علما أن المرجعيات الفارسية كانت مستعدة دائما لتقديم فتاوى السريعة فى كل ما يطلبه النظام .

أما المرجعيات فى إيران والتى لاترغب بمرجعية عربية أصيلة مهتمة بالعراق ومصالحه فضلا عن الحقوق الشرعية بالمليارات التى صودرت منها إلى العراق والعراقيين لذلك حاربوا المرحعيات العربية مثل الصدر الأول والصدر الثانى واتهامهم لهم بالوهابية والإنحراف والعمالة وغير ذلك.
يتحدث الشهيد الصدر الثانى فى حوار مسجل مع تلميذه محمد النعمانى فى منزله فى (الحنانة) فى النجف قائلا (إنما تصديت للمرجعية حيث وجدت نواقص ومظالم وإهمالات كثيرة فى الحوزة والشيعة عموما فتصديت ودخلت معمعة المجتمع والحوزة والمرجعيات) كما تحدث عن مظلوميته من رجالات الحوزة واتهامهم له بالعمالة وذكر مرجعيات بالإسم خصوصا السيستانى ومواقفها ضده ومع النظام وتعامل النظام معهم.

تصدى المجلس الأعلى فى اتهام الشهيد الصدر الثانى زورا بالعمالة للنظام العراقى ولذلك أسباب عديدة أهمها المخابرات الإيرانية والعقلية الفارسية العنصرية ضد العرب خصوصا العراقيين منهم (وهى عقدة النقص الدائمة لهم) وتبعية المجلس كليا لإيران كما شرح فى الحلقات السابقة، والحسد لوجود شخصية عراقية أصيلة ليست تابعة لإيران تقوم بتغيير كبير فى المجتمع متحدية النظام الذى ضاق ذرعا منها ولم يستطع تحملها وهى تنتقده وتطلب إخراج السجناء والوكلاء من السجون العراقية حتى قتله مع ولديه بعد إطفاء الكهرباء فى المنطقة وإحاطتها بأجهزته المخابراتية ثم تسليم جثته بهذه الطريقة ومنع التشييع والفواتح عليه. وللأمانة التاريخية حاولت مرة عندما كنت مدرسا فى بعض الجامعات، إقناع باقر الحكيم بمشروع الشهيد فلم أفلح، حتى قلت له (إنه مشروع تغييرى كبير يحصل فى العراق بقيادة الصدر الثانى وينبغى التفاعل معه) فقال لى (كيف يمكن له القيام بهذا التحرك الكبير لولا تأييد النظام؟) قلت له (لم أجد تأييدا للنظام حتى فى خطبه بل رأيت تحديا ونقلة نوعية فى الحركة الإجتماعية والسياسية الواسعة) فقال (إنه ساذج والنظام يستغله) قلت (لا أعتقد بسذاجته بل أرى العكس فى استغلاله لهم كالجسر لهذه النتائج كما نجد أمثلة تاريخية كثيرة، أجد بصراحة مرجعية رشيدة تكتسح الساحة فى وضع صعب أمام صدام ويحاربها الخصوم والحساد فى داخل العراق وخارجه ويصعب على الخارج استيعابه)... الحقيقة أن المعارضات الإسلامية العراقية خصوصا باقر الحكيم الطباطبائى الأصفهانى وكاظم الحائرى الشيرازى ومحمود الهاشمى الشاهرودى رغم خلافاتهم الشخصية الكثيرة جدا وكتبت سابقا عنها، لكنهم له اتحدوا جميعا ضد عدو مشترك لهم وهو الشهيد الصدر الثانى واتهامه بالإرتباط بالنظام العراقى وإيصال ذلك لأجهزة النظام الإيرانى القمعى وكلنا يعلم عندما زار الصدر الثانى قم وماذا حصل.

لقد صرح باقر الحكيم بنفسه فى لقائه بفيلق بدر قائلا (إن السيد محمد الصدر قريب من السلطة) وعندما سئل عن صلاة الجمعة التى يقيمها وخطبه أجاب (إن ذلك ليس دليلا كافيا بدليل أن معاوية بن أبى سفيان كان يقيم صلاة الجمعة) وهو تشبيه غريب يشير إلى عمق الهوة بينهما. كما أشار الحكيم فى مقابلة مع صحيفة الزمان اللندنية بتاريخ 27/1/2000 (نعم لدينا ملاحظات على طريقة السيد محمد الصدر منذ البداية). ولقد قدم عبد الصاحب الحكيم مذكرة علي العضاض ممثل المجلس الأعلى فى جنيف إلى مندوبى 70 دولة فى الدورة 53 للجمعية العمومية للأمم المتحدة فى كانون الثانى عام 1999 وفيها (وإن الحكومة العراقية تساند رجل دين لا يعترف به رجال الدين الشيعة ولا يصلح للمرجعية).

والجدير ذكره أن حاشية باقر الحكيم ممن روجوا لتهم عديدة ضد الصدر الثانى، فقد كان مثلا عبد العزيز الحكيم (مسؤول الإرتباط مع أجهزة المخابرات الإيرانية مسؤولا مباشرا عن ذلك من جهة المجلس الأعلى) والذى عبر عن الشهيد بأنه (مرجع السلطة) واتهامات أخرى كثيرة، كما طبع المجلس الأعلى فى إيران كراسا تسقيطيا ضده ونشره بشكل واسع وكثيف عنوانه (مرجعية السيد محمد صادق الصدر) ومن ورائه صدر الدين القبانجى الذى يشير مرارا إليه فى صحيفته (المبلغ الرسالى) الصادرة فى قم ويقول مثلا (إن النظام الصدامى قد جعل من مرجعية محمد الصدر غطاء لمخططاته وسوف تستخدم ضد الإسلام وباسم الإٍسلام) وغيرها كثير مثل ما كتبه القبانجى نفسه فى صحيفته وباسمه بتاريخ 27/10/1997 مقالا فيه التجريح والإتهامات للشهيد وتمجيد للخامنئى والحكيم ومضمون الكراس المذكور أعلاه وفيه أيضا (إننا اليوم نتعامل مع ولاية الإمام الخامنئى ...وادعاء ولاية أخرى للساحة العراقية فى ظل حكومة صدام حسين أقرب إلى المهزلة). وغيرها كثير.

حاول الصدر الثانى فتح مكتب له فى قم عن طريق صهره جعفر محمد باقر الصدر فأغلقته الحكومة الإيرانية وحاربت أصحابه متهمة الشهيد بالعمالة كما سجنت وعذبت ستار أبا سيف الوائلى. كانت تصدر من مكتب الحكيم وجرائده (لواء الصدر) (الشهادة) من إيران و(نداء الرافدين) من سوريا ولبنان لبيان جبر صولاغ، وكذلك من حاشيته خصوصا صدر الدين القبانجى وعبد العزيز الحكيم ومحمد باقر المهرى وغيرهم من الإتهامات الباطلة الكثيرة ضد الشهيد.

إحدى مشاكل الإسلاميين هى أنهم يستخدمون الإسلام لمصالحهم الشخصية ويحاربون خصومهم حتى الإسلاميين الآخرين حربا غير شريفة وبوسائل غير نظيفة ومتهمين لهم شتى التهم لكنهم بعد وفاتهم (التى ربما كانوا سببا فيها بشكل مباشر أو غير مباشر)، إذا هم ينقلبون كليا ويبدؤون بإقامة الفواتح وتغيير اللهجة كاملا بالمديح وإصدار البيانات وإطراء الثناء على المرحومين. هذا ما حصل فعلا مع الشهيد فبعد جريمة قتله مع ولديه بشكل وحشى، بدأت القيادات الإيرانية والمجلس الأعلى والآخرون بإصدار البيانات وإقامة الفواتح عليه وقد لقبته بالشهيد ذى النفس الزكية جريدة الشهادة عدد 783 بتاريخ 23/2/1999 ونداء الرافدين عدد 196 بتاريخ 8/4/1999، وينطبق عليهم المثل المعروف (يقتل البرئ ثم يسير فى جنازته). كما أقام [شد مناوئيه وهو ولى الفقيه الخامنئى فاتحة ضخمة فى أكبر مساجد قم وحضرها المسؤولون الإيرانيون ومنهم محمدى كلبيكانى مدير مكتب الخامنئى وعلى المشكينى رئيس مجلس الخبراء كما حضرها باقر الحكيم الذى لم يحسبها صحيحا، فإن حزب الدعوة الذى قاد مظاهرة كبيرة للفاتحة بقيادة الداعية عامر الخزاعى وكانت تحمل شعارات الصدر ثم تحولت الشعارات ضد الحكيم، ثم رفعت الأحذية الكثيرة وضرب بها باقر الحكيم فى داخل الفاتحة مما جعل أجهزة المخابرات الإيرانية تعتقل ما يزيد على الأربعمائة شخص، منهم شيخ الدعاة مهدى العطار وكذلك عامر الخزاعى ورياض الناصرى وجميل الربيعى كما سفر البعض وطرد جملة منهم إلى العراق مما جعل إبراهيم الجعفرى يبرق رسالة إلى الخامنئى يطالب إطلاق المعتقلين الدعاة وكذلك برقية أخرى بتوقيع عشرة دعاة فى لندن منهم الجعفرى إلى القائم الإيرانى فى لندن، إضافة إلى مظاهرة فى السويد رفضت تسلم رسالتها السفارة الإيرانية، لكن محمد مهدى الآصفى الأمين العام لحزب الدعوة أصدر بيانا معتذرا عن أحذية الدعاة الإسلامية وكأنه يستذكر العدوان الآثم عليه فى قم من رفاقه الإسلاميين فى حزيران 1996.

ولا يفوتنا ذكر مجيد الخوئى الذى تصدى ضد الشهيد كما كتب مقالات عديدة منها فى مجلته النور اللندنية - العدد 18 فى تشرين الثانى 1992 وكذلك العدد 33 فى شباط 1994 وتصريحاته للحياة اللندنية فى 24/4/1998 ضد الشهيد وتسميته بمرجع السلطة. علما أن المؤسسات الشيعية فى لندن أقامت الفواتح على الشهيد الصدر الثانى ما عدا مؤسسة الخوئى.

لقد فرح الدعاة والمجلس والشيرازية والمرجعيات الفارسية غير الرشيدة فى العراق وإيران خصوصا السيستانى وولى الفيه الإيرانى بموت الشهيد فرحا كبيرا أيما فرح حتى قال بعضهم (خلا لنا الجو بموت الصدر...) متوهمين أن الساحة ستعود لهم. خمس سنوات فقط لمرجعية رشيدة أفزعت النظام والمعارضة والمرجعيات فى وقت واحد حتى ذهب شهيدا إلى ربه يشكو من ظلم الكثيرين واجتماع الأضداد عليه ومنهم المجلس الأعلى وحزب الدعوة اللذين يتناوبان حكم العراق والفساد فى الأرض والطغيان على الشعب المحروم والمسحوق .

وللحديث تتمة لاحقة فى الحلقات الثلاث القادمة



المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
الحلقة 8/ محمد باقر الحكيم

بعد تتمة حلقات سبعة سابقة من تاريخ المجلس الأعلى، لابد الآن من الحديث عن زعامته وقيادته المحورية، من هنا يمكن تقسيم المجلس إلى ثلاث مراحل قيادية، الأولى لمحمد باقر الحكيم، والثانية بعد وفاته واستلام أخيه حصرا عبد العزيز والثالثة لابن الأخير وهو عمار تحديدا، وهى المرحلة التى نعاصرها وهى أسوأ مراحل العائلة الحكيمية ولعلها الأخيرة .

لاشك أن النسب العائلى والظروف المحيطة خصوصا الإجتماعية والسياسية كان لهما دور كبير فى بروز محمد باقر الحكيم ووصوله إلى رئاسة المجلس بعد أن كانت لإيرانيين معروفين صرفا وحصرا كمحمود الهاشمى الشاهرودى رئيس القضاء الأعلى الإيرانى ثم على الحائرى صهر على المشكينى رئيس مجلس الخبراء الإيرانى قبل تولى الحكيم نفسه رئاسة المجلس بعد كونه الناطق الرسمى للمجلس كما شرح فى الحلقات السبعة الماضية . فكونه ابنا للمرجع محسن الحكيم الطباطبائى الأصفهانى (1306-1390) المنحدر من عائلة إيرانية إصفهانية والمتزوج لنسوان مختلفات حتى يصير (المرجع الأعلى) آنذاك وهو اصطلاح جديد خلق فى زمانه كما قال محمد مهدى شمس الدين وشرحه لدعم محسن الحكيم سياسيا ضد عبد الكريم قاسم وضد الشيوعية، فلم يعرف الشيعة الإمامية آنذاك المرجعية العليا من قبل وهو اصطلاح سياسى جديد فى تطور المرجعية أو تأخرها كما سميتها سابقا، علما أن محسن الحكيم قد عاصر مراجع كانوا أعلم وأفضل وأحكم منه بكثير كضياء الدين العراقى(ت1361) ومحمد حسين الكمبانى (ت1361) ومحمد حسين النائينى (ت1355)، ونحن نعرف كيف تصنع نجوم وتغيب أخرى ويرفع من لم يستحق الرفع كما كتبت سابقا فى وصول المرجعيات العليا وما عبر عنه محمد حسين فضل الله (هكذا تطبخ المرجعية العليا) وهو يقصد أموال الحقوق الشرعية والخمس والعلاقات مع تجار وسياسيين فى الداخل والخارج ولادخل للأعلمية والفضل والورع والتقوى فى ذلك أبدا وهو ما يطرح فى مرجعيات معروفة كالخامنئى والسيستانى وغيرهما. والحقيقة فى باقر الحكيم أنه ليس أفضل أخوته قطعا، فإن من أولاد محسن الحكيم خير منه بكثير مثل يوسف محسن الحكيم فى التقوى والعلم والفضل والأخلاق والورع حتى رفض المرجعية التى رشحه والده لها وكأنها إرث تنتقل من الأب لابنه، فدائما قد يوجد من يزهد فيها وهم قلة ولكن آخرين يزحفون إليها زحفا بمختلف الوسائل حتى وصلوا إليها بعد تنازلات وصفقات كما عبر بعض المراجع. أيضا كان مثل مهدى الحكيم خيرا من أخيه باقر، إجتماعيا وأخلاقيا وحركيا حيث كان باقر نرجسيا متعاليا متكبرا لايتحمل نقدا أو ملاحظة أو تعقيبا وسرعان ما يكفهر وجهه و ينفعل بغضب حتى رأيته فى المؤتمرات المختلفة وأمام الملأ، وقد عاقب من يخالفه الرأى بقسوة ودون رحمة فضلا عن بخله الشديد لذلك عبروا عن التقرب منه يؤدى حتما الى الإبتعاد عنه كما حصل لأقرب المقربين إليه فقد كان أكثر أرحامه مخالفا له وهو يعرف حجمه وتاريخه ويعيره أحيانا، كما كان أصهرته مثل الخطيب الحسينى فاضل المالكى الذى يعبرعن عمه باقر الحكيم فى السر والعلن حتى فى المحاضرات ب(إبن نوح) فى عقوقه وعدم احترم والده محسن الحكيم، كذلك صهره حسين المؤيد (أبو مقتدى) المقيم فى الأردن والمتحالف مع هيئة علماء المسلمين السنة، وكذلك ممثلى الحكيم مثل ممثله فى سوريا عامر الحلو الذى تخلى عنه وأعلن أسبابها، وفى لندن أبى حيدر الحسينى (محمد نجم)، كذلك ممثليه فى المؤتمرات كما حصل لمحمد الحيدرى (صاحب حركة المجاهدين العراقيين فى سوريا والبنك العراقى، وحاليا إمام جامع الخلانى ومؤسسة الخلانى) فى مؤتمر صلاح الدين بعد أن وافق على المقترحات فوجد الحكيم أن النتيجة ليست بصالحه فتخلى عن الحيدرى وعن جميع التزاماته وعهوده وهى عادة مستأصلة فيه عندما يجد النتيجة ليست بصالحه فيضحى بمقربيه لكن غير الحكيميين وينجو بنفسه حيث قلة آل الحكيم معه آنذاك. كان باقر يذكر مرجعية والده دائما وتكرارا كونه حكيما دائما وهو يذكر دوره القيادى فى ثورة العشرين، فسألته مرة عن عمر والده ودوره حينذاك، فأحرج وقال لى أمام الحضور (جدك المرجع مهدى الحيدرى هو قائد الثورة وهو أول من أفتى ثم راسل من بغداد مراجع كربلاء والنجف وقد خرج مع أولاده كما ذكره المؤرخ الحسينى فى كتابه الإمام الثائر ويقصد السيد مهدى الحيدرى). ومن حكمة أبيه الحكيم فيما سماه باقر باصطلاحه (مقارعة وإسقاط القاسمية والشيوعية)، وهو يشير إلى فتوى والده بتاريخ 20/02/1961 القائلة (لا يجوز الإنتماء إلى الحزب الشيوعى فإن ذلك كفر وإلحاد) وما أدت إليه من جرائم وقتل وسجون ومآسى وكوارث وويلات كما إستعملها سياسيون لأطياف مختلفة بأبشع وسيلة حتى قال بحر العلوم (المرجعية الحكيمية إنتصرت على قاسم والشيوعيين، ولكن القوميين إستفادوا من ذلك وصعدوا على أكتافنا ونحن الإسلاميين لم نلتفت إلا بعد فوات الأوان). هذا وقد حورب عبد الكريم قاسم من قوى خارجية كبريطانيا والشاه وجمال عبد الناصر فضلا عن البعثية والقومية رغم مشاريعه المتعددة وخدماته المتنوعة ومعيشته البسيطة وتفقده الفقراء والإفراج عن خصومه وأعدائه فى فترة وجيزة سياسية متميزة ولكنه قتل بشكل وحشى رهيب. وقد حاججنى بعض السياسيين الحاكمين اليوم عندما سألتهم عن فسادهم وما وصلوا إليه من امبراطوريات من المال العام بالفلل والعقارات والشركات والفنادق مع جوع الشعب ومعاناته ونقص الخدمات فقالوا (إنها طبيعة الحكم والحاكم) فأجبتهم (ليس ذلك صحيحا فلن أذكر لكم التاريخ القديم لتقوى الإمام على أو زهد الخليفة عمر بن الخطاب الذى أكده الصدر الأول الذى صعدتم باسمه زورا بل خذوا مثالا قريبا للحاكم العراقى عبد الكريم قاسم، وكم كان بسيطا ولم يعرف الظلم والإنتقام وقد خدم ولم يسرق شيئا فعاش فى نفس بيته واستشهد ولم يملك دنانير وقدم فى 4 سنوات ما لم تقدمون شيئا بسيطا منه فى 8 سنوات عجاف، كنتم تعتمدون على المساعدات الإجتماعية وتستجدون الصدقات اليومية وتحولتم إلى امبراطوريات طاغوتية)، فكأنما ألقموا حجرا وانبهروا متفاجئين قائلين (لم نتوقع منك ذلك الجفاء) وفشلت محاولاتهم المتعددة البائسة والخائبة .

والحقيقة أن لفتوى الحكيم ضد الشيوعية دوافع أخرى فإن مشروع الإصلاح الزراعى لقاسم والذى يعارضه الإقطاعيون المقربون من الحكيم جدا والدافعون لأموال الخمس الكثيرة هم مؤثرون فى حاشيته فضلا عن علاقة مرجعية الحكيم بالشاه واستلامه دعما ماديا ومعنويا منه لذلك لم يتحرك ضده كما تحرك ضد قاسم وكان سببا فيما حصل من مآسى وجرائم لاحقة بسبب عدم حكمته ووعيه وما سميته سابقا بتحالف المرجعية والإقطاعية والساسة ضد الشعب. كما كان لمحسن الحكيم فتاوى غريبة كثيرة مثل كراهة التعامل والتزاوج مع أقوام كثيرين مدعيا أصلهم من الجن بناءا على روايات ضعيفة لكنها موجودة فى الكافى والتهذيب ومن لايحضره الفقيه لأكبر فقهاء الشيعة وما يسمى (أصحاب الكتب الأربعة المعتمدة) فى ما يشبه الصحاح عند السنة، ولايفوتنى ذكر أن محسن الحكيم بعث وكيلا إلى بعضهم لاستلام الحقوق والتبليغ لمرجعيته، فقال للوكيل كبيرهم (تدعون أن أصلنا من الجن وتكرهون التعامل معنا وتمنعون الزواج بنا وتشككون فى أصولنا وكوننا بشرا بل نحن من الجن) فرجع الوكيل بخفى حنين .

ذكرت سابقا بأنه بعد فضائح حزب الدعوة والشيرازيين وغيرهم صار باقر الحكيم رئيسا للمجلس الأعلى، فحوله تدريجيا حكيميا بامتياز وسيطر على الأسرى ومعسكر الأهواز لفيلق 9 بدر (سباه نوه بدر) التابع للحرس الثورى الإيرانى ومحسن الأراكى ممثل ولى الفقيه والمسؤول عن إعدامات كثيرة فى مسؤوليته محاكم المناطق العربية، وبدأت تساعد الحكيم الظروف السياسية فى إيران ودعمه المطلق للقيادة الإيرانية وولاية الفقيه بشكل سافر رغم تسليطهم للبشتيبانى الإيرانى وأجهزة المخابرات الإيرانية عليه والتعامل العنصرى ضد العرب وعلى المجلس لإذلاله مرارا وتكرارا وبمختلف الوسائل والسبل كما ذكرت سابقا .

المشكلة هى معاناة العراقيين العرب الفظيعة والعنصرية من الفرس وبالخصوص الأسرى وإذلالهم من قبل ليس فقط الإيرانيين بل ممثل الحكيم نفسه وهو صدر الدين القبانحى حيث سموه على كيمياوى لإرهابه وفساده ووحشيته وكان الحكيم يدعمه بحجة عدم وجود بديل عنه لأن الحكيميين معدودون والكثير من الشرفاء لايقبل التعاون مع الحكيم لأخلاقه وسياساته حتى كتب بعضهم ممن أراده الحكيم عونا له فرفض قائلا (ليس الحكيم حكيما فى سياسته...) قصيدة طويلة بعثها له شارحا أخلاقه ونرجسيته وتناقضاته وتصرفاته غير المقبوله بل غير المعقولة أيضا .

كان للحكيم بعض المميزات إذا قورن بمن جاء بعده كقدرته الخطابية رغم أنها ضعفت أخيرا فكان عمار يقف خلفه ليردد له ما نسيه مما هيأ له فى خطاباته العامة، كذلك دغدغة العواطف الشيعية واستغلالها كثيرا لدرجة قراءته لمقتل عاشوراء وخلع عمامته بعد الإتفاق مع حمايته، كذلك هنالك كتب عديدة تنسب له لكن الكثير منها هى إما سطحية ساذجة بسيطة أو أنها تجميع لأحاديث وروايات ومقولات وأقوال أكثر من كونها تأليفا فكريا كما يعترف نفسه ويقر بذلك،أما ما يدعى من فكر فإن أكثره هو من أفكار أستاذه محمد باقر الصدر وغيره، رغم عدم الإشارة إلى هذه الحقيقة، مثلا طبع الحكيم كتاب (علوم القرآن) وقد أهدانى نسخة منه عند تدريسى لهذه المادة فى بعض الجامعات لكن مرتضى العسكرى زعيم حزب الدعوة إتصل بى وأخبرنى فى كليته أصول الدين وهو يرغب بتدريسى هناك، بأن هذا الكتاب ليس للحكيم أصلا بل لأستاذه محمد باقر الصدر وقد كتبه بيده ولكن الحكيم بدأ يحاضر به وقتها فى كلية أصول الدين ببغداد، فاقترحت عليه طباعته مرة ثانية وباسم مجمعه (المجمع العلمى الإسلامى) وفى المقدمة يذكر ذلك، وفعلا طبعه باسم مجمعه وذكر ذلك فى مقدمته، ومن هنا اتصل بى باقر الحكيم بعد أن أخبرته حاشيته سيئة الصيت، وكان غاضبا جدا وأول سؤاله (هل كنت صاحب فكرة العسكرى فى علوم القرآن) فقلت نعم ثم سألته عن ما قاله العسكرى بأن الكتاب ليس له بل للصدر، فأخبرنى بأنه صحيح بنسبة 10 بالمائة فقط والباقى 90 بالمائة من أفكاره وإضافاته، فقلت له أنك لم تشر إلى ذلك ونسبة ماكتبه الصدر بنفسه وهى أمانة علمية ثم اقترحت عليه طبعه مرة ثالثة ليوضح بالتفصيل بين الأقواس مقدار ماكتبه الصدر بيده وقلمه، فتردد أولا ثم قبل لاحقا لأن العسكرى كان يتكلم بذلك مرارا وأمام الملأ فقد كان الخلاف بينهما كبيرا ومعروفا، وفعلا كانت الطبعة الثالثة للحكيم منقحة ومزيدة باسم مجمع آخر هو (مجمع الفكر الإسلامى) فى قم ويظهر فيه من خلال تحديد الأقواس أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر قد كتب ما يقرب من 90 بالمائة من الأبحاث بل يمكن ملاحظة بعض الأبحاث مائة بالمائة للصدر وليس للحكيم فيها حرف واحد بتقريره واعترافه مثل (القرآن وأسماؤه) (إعجاز القرآن) (نزول القرآن) (أسباب النزول) (التدرج فى النزةول) (المكى والمدنى) وغيرها. ويمكن القول أن محمود الشاهرودى وكاظم الحائرى وغيرهما من تلاميذ الصدر الأول قد فعلا نفس الشئ فيما نشر باسمهم وكتبت عنه قديما لكنه فى الحقيقة لأساتذتهم خصوصا الصدر دون الإشارة إلى ذلك أبدا، وهو غير مقبول أصلا وأخلاقا وأمانة خصوصا فى ادعاء وفاء التلميذ لأستاذه الشهيد وهم المتاجرون به وبدمه، وهاهى الأيام تكشف مقدار الوفاء المزعوم والوهم الكبير .

كان لباقر الحكيم دور فى بروز مرجعية السيستانى وعلاقته بحاشيته وصهره جواد الشهرستانى فضلا عن دور مجيد الخوئى ومؤسسته التى تبحث عن مرجع حى يقبل بإمضاء أموالها وتصرفاتها، رغم إقرارهم بوجود فقهاء حقيقيين أعلم وأورع وأفضل منه بكثير كما اعترف الحكيم وهو يتحدث عن مراراته من إيران وإذلالهم العنصرى له واستخدامه لأمور قد اضطر إليها حيث تعهد بتصديه للمرجعية فى النجف بعيدا عن إيران وعنصريتها ومن هنا بدأ يطرح فى خطاباته (لنا شأن ولإيران شأن آخر) ووضع لقب آية الله العظمى لنفسه تعبيرا عن طموحه المرجعى فى قلب المرجعية فى النجف من فارسية سيستانية إلى عربية بزعمه، ولكن إيران قد صرفت عليه ما يقارب من ميزانية حزب الله فى لبنان كما قال فى حديث خاص وشرح فى الحلقات السابقة ولها تنسيق مع المرجعية فى النجف، فلن تسمح إيران بتغيير المعادلة كما لاتسمح للحكيم بالخروج فى صفقات خارجية خصوصا الإنفتاح العربى والواقع العراقى خارجا عن شروطها ولو بنسبة معينة وتاريخها حافل بذلك. كانت حماية الحكيم من الحرس الثورى الإيرانى المحترفين وسياراتهم متميزة ولايسمح لأحد بالدخول بسيارته قرب خطابة الجمعة فى الحرم العلوى فجاءت سيارة للحرس الإيرانى مشابهة تماما لسيارته بحماية إيرانية تجاوزت كل التفتيشات والمنع حتى وصلت إليه فأوشك الصعود بها فانفجرت وقتلته كما قتلت أبرياء آخرين لاذنب لهم، ليكون عبرة لمن يتمرد على إيران أو يخالفها ولو بنسبة معينة ولتأتى بعميل معروف لايخالفها بل يطلب تعويض إيران عن الحرب مع العراق فى ثمان سنوات دون وطنية، والواقع دور إيران الكبير كما شرحته (دماء ودموع الدور الإيرانى فى العراق) وتصفية للكثير من القواد العراقيين خصوصا الذين اشتركوا فى الحرب ضد إيران وإفراغ للعراق وكذلك عمليات فيلق بدر التابع للحرس الثورى الإيرانى بدعم مادى ومعنوى منذ تأسيسه.

وقد سمعت بدور إيران فى قتل الحكيم من سياسيين مهمين، وما شرحته أعلاه، واعتراف رجال من الحرس الثورى الإيرانى عندما هربوا من إيران ومن طغيان ولاية السفيه، وأتفق مع الدكتور عبد الله النفيسى فى اتهام إيران صراحة بقتل الحكيم فى محاضرته (موجة التغيير فى العالم العربى السياق والدلالات) فى شباط 2011. وأعتقد فيما أعتقده إذا سقط النظام السورى أو الإيرانى فسوف تظهر كثير من جرائم الحركات الإسلامية العراقية وعملياتها فى العراق ولبنان والخليج والعالم وتنكشف بعض أوراق الحكيم والمجلس الأعلى وحزب الدعوة وحزب الله وغيرهم فى التحالف الثلاثى الإيرانى-السورى-الأحزاب الطائفية العراقية الحاكمة فى عراقنا الجريح باسم الدين وهو منهم برئ. وبموت الحكيم حل أخوه عبد العزيز رغم وجود خير منه فى داخل المجلس نفسه لكنها العقلية الحكيمية والإرادة الإيرانية وعندها تبدأ المرحلة التاسعة للمجلس الأعلى لاحقا






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,631,397,677
- جدل التفكير والتكفير


المزيد.....




- مهاجم الشرطيين في نيويورك اعتنق الاسلام ثم صار متشددا
- ?مبايعة الدكتورة إيمان البغال «داعش» تثير جدلاً بين الإسلامي ...
- «البابا تواضروس» لـ-شباب كنائس مصر-: المسيحية قائمة على الفد ...
- كتاب أسود عن إضطهاد المسيحيين في العالم
- وزيرة الدفاع الإيطالية الخلافة الإسلامية التهديد الأكثر جدي ...
- وزير الداخلية المصري: لو أجرينا الانتخابات سيفوز «الإخوان ال ...
- «تقصي حقائق 30 يونيو» في مصر: غلق باب الاستماع للشهادات أما ...
- ?الشرطة التونسية تقتل ستة بينهم خمس نساء في مداهمة لبيت مقات ...
- -الكنيسة الأرثوذكسية-: نصلي من أجل أن يحفظ الله مصر
- رؤيتى لـ « القرن الحادى والعشرين» (48) خيانة الحضارة


المزيد.....

- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته
- البحث عن منقذ : دراسة مقارنة بين ثمان ديانات / فالح مهدي
- ق2 / ف2 جهيمان العتيبى واحتلال الحرم عام 1979 فى تقرير تاريخ ... / أحمد صبحى منصور
- الشياطين تربح في تحدي القرآن / مالك بارودي
- الرد على أشهر الحجج ضد نظرية التطور : التعقيد غير القابل للإ ... / هادي بن رمضان
- كتاب نقد البوذية اسلاميا / رضا البطاوى
- كتاب نقد الرامايانا الهندية اسلاميا / رضا البطاوى
- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبيل الحيدرى - المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان