أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة- الجزء الثالث















المزيد.....


من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة- الجزء الثالث


أحمد الناجي
الحوار المتمدن-العدد: 1007 - 2004 / 11 / 4 - 10:20
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


جاء القائد التركي عاكف بيك الى مدينة الحلة هذه المرة حذراً، وقد استحضر جيداً ما يتوجب عمله، وصورة جنده القتلى والمهزومين في الحلة قبل أكثر من سنة لا تفارق ذهنه، عسكر بقواته خارج الحلة، وأراد دخولها بالحيلة بدلاً من القتال، فهو يدرك أن ذلك سينهك قواته ويجعلها عرضةً للمخاطر، وربما تقديم تضحيات لا وجوب لها فيما إذا دخلها بدونه، فأرسل الى رؤسائها وزعمائها يخبرهم بأنه لا يريد بهم شرا ويطلب إليهم أن يسمحوا بمرور قواته والتزود من الحلة بما يحتاج إليه من القوت والمؤن ثم يذهب بجيشه الى نحو مدينة السماوه في مهمة لإمداد الجيش العثماني هناك.
ولابد لنا من التنويه الى معلومة لم تذكر في معظم المصادر التي سبرت غور دكة عاكف، وهي أن مجيء القائد التركي عاكف بيك الى مدينة الحلة كان بعد وفاة السيد محمد القزويني بثلاثة أيام، حيث توفي فجر يوم الخميس 5 محرم 1335 عن عمر يناهز 73 سنة، وكانت الحلة في تلك اللحظات تنوء بهذه الفاجعة الكبيرة، ومراسيم مجلس الفاتحة على روح هذا العلامة الورع لم تنتهي بعد، وبفقدانه غاب ثقل كبير من الرأي السديد لقادة المدينة وكبارها في لحظات الملمات. وكان هذا السيد الجليل مرجعاً دينياً وأديباً قريباً من عامة الناس، جريئاً لا يتورع من الكتابة الى سلاطين ال عثمان وولاتهم مطالباً بأمور الناس وشؤون البلد، قد قدم من النجف الى الحلة مسقط رأسه في عام 1894 م، استجابة لطلب أهل الحلة بعد أن سافر وفد كبير في موكب مهيب من أشرافها وزعمائها الى النجف يلتمسون منه العودة إليها، وكان يوم دخوله اليه يوماً مشهوداً.
وقد تطرق الشيخ محمد علي اليعقوبي في كتابه البابليات جـ3 القسم الثاني، الى تاريخ وفاة السيد محمد القزويني، وعن أهوال دكة عاكف أيضاً، حيث يورد في ص 27 ( وكأن تلك المدينة الفيحاء ( يقصد مدينة الحلة)، التي أعاد اليها مجدها القديم وأمطرها بوابل فضله العميم قد كانت سعادتها مقرونة في حياته، فما كاد أن يصل مشيعوه إليها عائدين من النجف، حتى دخلها القائد التركي عاكف في جيشه على حين غره، وذك في (8) محرم من تلك السنة ( بعد وفاة السيد بثلاثة أيام)، وكان قد خادع أهلها بأنه لا يريد إلا المرور عليها، واغتنم من خلاف زعمائها وفرار الكثير من أبنائها بعائلاتهم فرصة سانحة لاحتلال البلد، وإعلان الأحكام العرفية العسكرية فيها، وفعل فيها الأفاعيل من القتل والشنق والهدم والنهب وخرب منها ثلاث محلات ( جبران) و( الطاق) و( الجامعين) وكان عدد من أعدمهم شنقا 126 عدا الذين نفوا الى ديار بكر ومكث مرابطا فيها حتى احتلال البريطانيين بغداد في جمادي الأولى من السنة المذكورة فالتحق به جيش السماوة، وانسحب الجميع الى أعالي الفرات وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون).
وقد أرخ الشاعر الشيخ علي البازي وفاة السيد محمد القزويني في قصيدة له، مذكورة في بابليات الخاقاني ج5 صفحة 244 يتطرق أيضاً الى أهوال دكة عاكف فيقول فيها:
لقد نكبت أبناء فيحاء بابل بعاكف مذ عنها ناى خير سيد
وعاث بها في جيشه واستباحها وقتل منها كل شهم وأصيد
ولولا سقوط الكوت ينقض عزمه لبدد شملاً لم يكن بالمبدد
فاثكلت الاسلام حزنا واعولت وشرعته ناحت لاعظم منجد
فلله جلا ارخوها ( بيومها تنكست الاعلام بعد محمد)
ويرثي الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي في قصيدته ( نكبة الفيحاء ) السيد محمد القزويني، ذاكراً أهوال دكة عاكف أيضاً، الذي نستل منها بعض الأبيات:
قاست الاهوال بعدك اهلها ما لم يجل بسوانح الافكار
فتكت بها الاتراك فتك أمية بالغاضرية في بني (المختار)
قتل ونهب وانتهاك محارم وحريق أوطان وهدم ديار
ما كان أقرها يداً لو لم يكن يخلو العرين من الهزبر الضاري
انتدب أهل الحلة وفدا منهم لمقابلة القائد التركي عاكف بيك ترأسه رفعت الجادرجي ( والد السياسي الوطني المعروف كامل الجادرجي )، وهو ممن امتلك أملاكاً وبساتين في الحلة، وله بيت بالقرب من أملاكه في قرية الجمجمة التي تبعد عن الحلة حوالي 10 كم الى الشمال، وقد التقوا بعاكف بيك خارج أسوار المدينة وعادوا بمطالبه، وهي في حقيقة الأمر كانت خدعة انطلت عليهم.
اجتمع رؤساء الحلة وزعمائها في دار السادة ال القزويني، وقد خلف السيد محمد علي القزويني عمه المتوفى للتو السيد محمد القزويني، ناهضاً بأعباء الأمور الدينية والعامة التي كان عمه من قبل ينهض بها، فأخذوا يتداولون الرأي في هذا الطلب، وجهاء الحلة ورؤسائها وعامتها الحاضرون، واختلفوا فيما بينهم، وبرز هنالك رأيان الأول يرفض إجابة طلب عاكف بيك، وقالوا بوجوب صده عن دخول الحلة، لانها مكيدة منه لأهل الحلة، فإذا دخل الحلة بقواته صارت تحت رحمته، وكلنا يعرف ما فعلنا بجيشه في المرة الأولى، وعندئذ ينتهز الفرصة للإيقاع بأهلها، فنحن ألان في منعة وأهل الحلة صاروا مدربين على حمل السلاح، هذا بالإضافة الى أن سور الحلة والاستحكامات داخلها جيدة، وان الأعراب سكان الأرياف واقفون بالمرصاد لجيش عاكف بيك ينتهزون الفرصة للهجوم عليه، إذا نحن حاربناه ومنعناه من دخول المدينة، فيكون جيش عاكف حينها بين نارين، نار أهل الحلة ونار العشائر، وان عاكف يدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك، فإذا رأى إصرارنا على عدم السماح لجيش بالدخول الى الحلة، تركنا وذهب دون أن يحرك ساكنا، أما الرأي الثاني فرجحوا مسالمته والسماح بدخول جيشه الى الحلة ظناً منهم انه سيفي بعهده.
لم يكن الحال في الحلة، وفي دار السادة ال القزويني مكان الاجتماع، يحتمل الاختلاف والتعنت الذي حصل بين الفريقين وهم يناقشون أمراً، لازال مأتم ومجلس فاتحة كبير عائلتهم قائماً لم ينتهي بعد، ومكانه بينهم في مثل هذه الأحوال بان شاغراً، يحس به الكبير والصغير، ولا أظن حال أسرة القزويني وعلى رأسهم السيد محمد علي القزويني الذي حل مكان عمه في تلك اللحظات يقوى على اتخاذ قرار بعدم السماح للقوات التركية بالمرور من الحلة، حسب ادعاء عاكف الى وفد الحليين الذي قابله برئاسة رفعت الجادرجي، فالركون الى المسالمة أمراً بديهياً، ومسلماً به في أجواء الحزن التي كانت تغلف المدينة بأسرها، وربما هذا الأمر يخفف أو حتى يرفع تبعات المسؤولية التي تحملها أصحاب موقف مسالمة عاكف، والسماح له بدخول المدينة.
لا أحد ينكر أن هنالك لوعة متوارثة بصدد ذلك الموقف، لا تخلو من لوم، حفلت بالكثير من الآراء المتباينة، ينقل لنا الدكتور محمد حسين الزبيدي في كتابه ( العراقيون المنفيون الى جزيرة هنجام ) ص 90، بعضاً مما أوردته المس بيل في كتابها ( فصول من تاريخ العراق القريب ) ترجمة جعفر خياط في الهامش ص 98، ما معناه أن قدوم رفعت الجادرجي في تشرين الأول 1916 الى الحلة كان لإقناع المجتمعين من أهل الحلة في دار السادة ال القزويني بوجوب مصالحة الحكومة، لأنها لا تريد بهم شراً لكونها مشغولة في حرب طاحنة مع الإنكليز، وطلب منهم أن يستقبلوا القوة العسكرية التي سوف تمر بمدينة الحلة في طريقها الى السماوة، وبعد نقاش طويل من جانب رؤساء الأحياء الشعبية، استطاع السيد محمد علي القزويني إقناع الأهليين باستقبال الجيش التركي، وهذا الرأي فيه الكثير من التجني على الجادرجي، لسبب بسيط، هو لا أحد يسبق الزمن أو بمقدوره التكهن بموقف الحليين الذي سيواجهه عاكف الذي تحرك نهاية الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني، ووصول الحلة في منتصف الشهر تقريباً، بينما قدوم الجادرجي في تشرين الأول، وبقى اليوم مبهماً لم يذكر.
بينما يورد الأستاذ كامل الجادرجي في كتابه ( من أوراق كامل الجادرجي ) ص48 موقف والده في هذا الموضوع عكس ذلك، و يستعرض العلاقة المتأزمة بين والده والأتراك بسبب أداء أخيه رؤوف رئيس بلدية بغداد في أعمال جادة خليل باشا ( شارع الرشيد حالياً )، لا بل يزيد الى أكثر من ذلك بقوله أن والده كان يدعم الثوار في الحلة مادياً عن طريق وكيله.
ويتطرق لهذا الموضوع الدكتور علي الوردي في كتابه ( لمحات من تاريخ العراق الحديث ) ج 4 ص313 تحت عنوان منفصل يسميه قضية الجادرجي، مستنتجاً أن ما نسب اليه كان نتيجة لحياده فيقول أن رفعت الجادرجي كان أثناء واقعة الحلة في موقف دقيق للغاية بحيث اعتبره الأهالي أنه من جانب الحكومة بينما اعتبرته الحكومة في جانب الأهالي، وهذا أمر كثيراً ما يحدث حين يقف شخص بين فريقين متعاديين، فهو يحاول أن يرضي الفريقين ولكنه يغضبهما معاً حيث يتهمه كل فريق بأنه مع الفريق. وليس غريباً أن يكون تأثير بعض الشخصيات من أهل الحلة الموجودة في ذلك الاجتماع والتي لها علاقات وارتباطات معينة مع الحكومة التركية فاعلاً باتجاه الأخذ برأي الموافقة على مرور عاكف.
يوضح الوردي أيضاً في ص 307 ناقلاً من مذكرات الشبيبي المخطوطة موقف السيد محمد علي القزويني الذي كان مع رأي الموافقين على السماح لجيش عاكف بالمرور، وقام يخطب بالحاضرين في ذلك الاجتماع ويحثهم على الطاعة والموافقة وإظهار الخضوع لأوامر الحكومة. فأيده أكثرهم، مما يدلل على إن خدعة عاكف بيك قد انطلت على الكثيرين، ومن دون شك أن نفوذ أسرة ال القزويني وتأثيرها الكبير على العوائل الحلية والعشائر هو من العوامل الرئيسية التي أدت الى أن يكون رأي الموافقة مفروغاً منه.
بقى المصرون على رأيهم من الفريق الثاني، الرافضون استقبال الجيش التركي والمصرون على محاربته، في حيرة من أمرهم ولكن رأوا أن بقائهم ضرب من العبث، فأثروا ترك المدينة واللحاق بعوائلهم.
وصار الموافقون يسعون لتشكيل موكب استقبال، ربما كي يحسنوا صورتهم أمام عاكف بيك أو لمحو أثار ما فعله أهل الحلة سابقاً، وقد يكون ذلك مطلباً لعاكف كان قد تعهد به الوفد أثناء مقابلته، تتطلبها خطة عاكف الموضوعة مسبقاً، وسمتها الخداع والمكر بعد دخول المدينة لإنجاز هدفها في تأديب أهل الحلة عبر احتجازهم وترويعهم بشكل جماعي وإشاعة الرعب والخوف بينهم ومن ثم قيام جيشه باحتلال المدينة دون عناء أو خسائر.
حينما قارب الجيش التركي مدينة الحلة، نادى المنادون في الأسواق والمحلات العامة يدعون أهل الحلة بالخروج لاستقباله، وكانت هذه طريقة الإعلان السائدة آنذاك ويزداد عدد المنادون عند الطوارئ أو في حالة الاستعجال. والتقى موكب أهل الحلة يتقدمهم كبارهم من علماء الدين والوجهاء والمتنفذين، بعاكف بيك وجيشه في مشهد الشمس، وفي رواية لأحد المسنين سمعتها قبل سنوات، كان على رأس موكب الاستقبال السيد محمد علي القزويني ورفعت الجادرجي وعبد السلام الحافظ ورؤوف الأمين.
تكلم السيد محمد القزويني مع القائد عاكف بيك يبدي اعتذاره نيابة عن أهل الحلة عما بدر منهم فيما فات، فلم ينطق القائد عاكف بك بشيء، فبهت الناس واخذوا يشعرون بالخطر الذي أحاق بهم، وخصوصا بعد أ أحسوا بأن الجنود يحيطون بهم من كل جانب ويمنعوهم من العودة الى بيوتهم، ثم صاروا يلقون القبض على كبرائهم وهم معدودون لأن أغلب من حضر ذلك الاجتماع الشيوخ والعجائز والأطفال، وفهموا من تلك الإجراءات بأنهم صاروا رهائن تحت رحمة هذا القائد الذي أذلوه قبل ما يزيد على السنة وجاء اليوم يقتص منهم طالباً للثأر، وحين تساءل البعض من هؤلاء عن سبب ذلك، أجابهم عاكف بيك بما معناه، إن أهل الحلة قوم متمردون على الحكومة وقد عرفوا قبل اليوم بأنهم عصاة حفاة، وإننا نريد الدخول الى المدينة وضبطها وتخريب ملاجئ الأشقياء، وقد أبقيتكم ودائع عندي حتى ندرك ما نريد، فان تعرض المفسدون للجنود، فما يجري عليهم يجري عليكم بكل شدة، وكان يوما مشهودا وقد جزم كل من حضر ذلك الاجتماع أن عاكفا سيبيدهم عن بكرة أبيهم لأنهم شاهدوا الجنود صيروا بنادقهم ومدافعهم نحوهم ينتظرون الإشارة لرمي الآهلين المجتمعين، ولكن لم يقع هذا لسبب لم يعرفه الجميع.
خطب عاكف بيك يذكرهم بالحوادث التي وقعت قبل سنة، ويبلغهم بأنه تلقى أمراً من القائد العام في العراق، الوالي خليل باشا، بمحو مدينة الحلة من الوجود، وأن أهل الحلة كلهم يستحقون العقوبة، ولكن (مرحمة) وردت من الحكومة للعفو عنهم، وسوف لا ينال العقوبة إلا المذنبون فقط، فرفع الناس أيديهم يلهجون بالدعاء للحكومة، وسمح لهم بالعودة الى بيوتهم.
وكان عاكف بيك قد أرسل فوجاً من جنوده لاحتلال مدينة الحلة بصحبة مختاري المحلات، فاحتلوا الثكنة والمخافر ودور الحكومة وجميع المواضع العالية التي تشرف على المدينة، وضرب الجند طوقاً على مدينة الحلة ما عدا باب النجف ظلت مفتوحة، ربما لتسهيل عملية هروب المحاربين من أهل الحلة، ليتسنى لعاكف بيك الاستيلاء عليها بدون قتال، وقد نجحت خطته هذه بعد أن خرج كثير من أهل الحلة، وبضمنهم الشباب الذين يعول عليهم في القتال، وبقى القليل من الشيوخ والعجائز والأطفال.
وفي اليوم التالي 16 تشرين الثاني 1916، نادى المنادي في شوارع الحلة وأزقتها أن لا يخرج أحد من داره إبتدءاً من عصر هذا اليوم لأن المدافع ستصب قنابلها على ثلاث محلات هي الجامعين والطاق وجبران فانتقل من بها من ناس الى المحلات الأخرى، ونصب الجند مدافعهم على تل الرماد ( الجبل، حاليا حديقة الجنائن المعلقة)، وأخذت تطلق قنابلها نحو ساعتين وبعدها أرسل عاكف بيك سرية من الجنود يحملون المعاول والمجارف والقنابل اليدوية، استباحوا المدينة وأشاعوا الفوضى فيها بعد أن فعلوا فيها الأفاعيل من الحرق والهدم والنهب والسلب والقتل.
أستمر تدمير الدور حتى يوم 19 تشرين 1916 م حيث خرب أربع محلات بعد أن شمل محلة الوردية في الجانب الصغير، بالإضافة للمحلات الثلاث التي توعد بقصفها، أما محلة المهدية فلم يتعرض لها بسوء رعايةً لأحد زعمائها عبد الكريم الشبيب، وان كان فيها أناس قاوموا الحكومة التركية وحاربوها، ربما هذا الموقف ناجم عن عمق أواصر العلاقة بينهما، أو لموقف ما، في الأحداث السابقة لم ينساه عاكف بيك هذه المرة.
وكان لدى عاكف بك قائمة بأسماء عدد كبير من أهل الحلة ممن يريد محاسبتهم على أفعالهم التي ارتكبوها في المرة السابقة، أو ضد الحكومة التركية بشكل عام، ولاشك أن في إعداد هذه القوائم يد من داخل المدينة لها مصالح وارتباطات ساعدت في تهيئتها، ربما من موظفي الحكومة أو غيرهم، فأمر إلقاء القبض على المطلوبين وأرسل مفارز عديدة من عسكره الى القرى المجاورة للبحث عن الهاربين منهم، ثم شكل محكمة عسكرية لمحاكمتهم، فحكمت المحكمة بشنق 127 رجلا ونفي 231 آخرين.
كانت عمليات الشنق تجري على دفعات يوما بعد يوم، ويقال أن عاكف بيك أراد أن يشنق نفس العدد الذي قتل من جنوده في العام الماضي، حتى أنه شنق شخصاً كان أخرس وأطرش وأعمى إكمالاً للعدد، ومن الذين شنقهم عاكف بيك، الحاج علي الشيخ حسن الذي كان قد تشاجر مع القائممقائم وأمر أتباعه بطرده، وكذلك أخويه وهيب الشيخ حسن ومحمد سعيد الشيخ حسن، وقد شنق في الديوانية حيث شنقه متصرف الديوانية عزت بيك بأمر من عاكف بيك، ومحمد صالح الشريف وابن عمه سعيد الشريف، والملا إبراهيم الجبوري، وولده عبود، والحاج أمين علوش، ومحمد الحاج سعيد مختار محلة جبران، وصادق الشيخ عبد الحسين، والأخوين عبد الحسن وعلوان ولدا طاهر الحبيب النعمة، وسيفي أغا بن محمد أغا، والاغا محي الدين نور الدين وولده، ومهدي النقشبندي، وشيخ حسين، والموظف عبد الوهاب بيك، والضابط إبراهيم فوزي، وكذلك حسن جنجون يوسف وموحي عبد. وكان كل من هؤلاء الأبطال عندما يقدم للمشنقة يبتسم وتكون أخر كلمة يتفوه بها( أريد الحرية لأمتي وأريد الاستقلال لبلادي )، وقد بلغ عدد القتلى، ضحايا بطش الأتراك من أهل الحلة في هذه الواقعة أثناء القتال والمقاومة أومن دون سبب الفاً وخمسمائة قتيل وعدد كبير من الجرحى، بينما كانت خسائر الجنود من القوات التركية خمسة وثلاثين بين قتيل وجريح .
أما الذين شملهم سخط عاكف بيك، وحكمت عليهم تلك المحكمة الصورية بالنفي الى ديار بكر فقد تعرضوا الى أقسى أشكال التنكيل والتعذيب، هم وعوائلهم من الأطفال والشيوخ والعجائز الذين لا طاقة لهم في تحمل مشقة هذا المسير القسري، فقد سيقت قافلة المنفيين الى بغداد، وأنزلت ليلة واحدة في الكاظمية في خان يدعى (خان قنديل) قرب باب البلدة، ومن بين هؤلاء المساقين من أعيدوا من بغداد لشفاعة حصلت لهم، وقد تجمهر أهل الكاظمية في الساحة التي تقع أمام الخان، وهم في دهشة لا يعرفون ماذا جرى، وفي حديث الى أحد الذين شهدوا الحادثة، إنهم سمعوا إمراة من أحدى غرف الخان المطلة على الساحة، وهي تستغيث بهم ( يا أهل الغيرة نحن جواعه)، فتراكض الناس لإغاثتهم وصاروا يرمون إليهم أرغفة الخبز، كما قذفوا بالأرغفة من فوق السطح.
وقد واصلت قافلة المنفيين مسيرها مشيا على الأقدام كالأغنام بظل ظروف بالغة القساوة من الجوع والعري ومعاملة سيئة من الجنود الأتراك طوال الطريق، فمات بعضهم من جراء الإعياء والجوع والضرب المبرح، وذكر أحد المنفيين الذين عادوا الى الحلة فيما بعد بأن عائلتهم تتألف من واحد وعشرين فرداً، قد مات منهم في الطريق سبعة أفراد، ولما وصلت القافلة الى ديار بكر أطلق سراحهم، وقد لاقوا عطف ومعاملة حسنة من الأكراد سكان تلك الديار التي عاشوا فيها فترة من الزمن، رجع الكثير منهم الى الحلة، وبقى البعض الأخر في تركيا.
عند وصلت أخبار هذه الأفعال البربرية العثمانية الى زعماء عشائر الفرات، اضطربوا وماجوا وأخذهم الحماس القومي، وحينئذ جمع الشيخ مبدر آل فرعون احد رؤساء آل فتلة، الرؤساء والأعيان في مدينة النجف الاشرف، وألقى عليهم خطبة طويلة، ندد فيها بسياسة الأتراك في العراق، وقد جاء فيها ( انظروا الى ما يفعله الأتراك بمدينة الحلة من قتل النفوس المحترمة، وهتك الأعراض المصونة فوالله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها، إن ركنتم لهذه الأفاعيل الهمجية )، ولما علم أهل الحلة الذي خرجوا بعائلاتهم الى قرى الريف المجاورة، بما فعله عاكف بك وقواته في بلدتهم عزموا على محاربته، فتجمعوا لذلك، وتطوع معهم جمع غفير من النجفيين ورجال العشائر، وقصدوا الحلة وعسكروا في قرية الطهمازية، ثم هجم المتجمعون على الحلة، وجرت بينهم وبين عسكر عاكف معركة هائلة، وقد أثخنوا في عسكر عاكف، من حيث كثرة الجرحى، بالإضافة للقتلى، ولم يتمكن المهاجمون من إخراج عاكف من الحلة، لاستحكامه بها، ولكنها أوقفته من التمادي في طغيانه، بقى أهل الحلة خارج مدينتهم حتى سقوط بغداد بيد الإنكليز، وانسحاب الجنود الأتراك من مدينة الحلة.
ولو اخذ أهل الحلة بفكرة المقاومة وصده عن الدخول الى المدينة لما أصيبت بتلك النكبة، وبعد دخول قوات الاحتلال البريطاني الحلة عينت ( الميجر بولي ) حاكما سياسيا عليها، و( الكولونيل لوكن ) قائد لحامية الحلة.

المصادر
1. تاريخ الحلة الشيخ يوسف كركوش
2. العراقيون المنفيون الى جزيرة هنجام الدكتور محمد حسين الزبيدي
3. لمحات من تاريخ العراق الحديث جـ 4 الدكتور علي الوردي
4. تاريخ العراق بين احتلالين جـ 8 المحامي عباس العزاوي
5. شعراء الحلة أو البابليات جـ 5 علي الخاقاني
6. البابليات جـ 3 القسم الثاني محمد علي اليعقوبي
7. ديوان اليعقوبي محمد علي اليعقوبي
8. الشيعة في العراق حسن العلوي
9. من أوراق كامل الجادرجي كامل الجادرجي
10. فصول من تاريخ العراق الحديث مس بيل ترجمة جعفر خياط
11. تاريخ الديوانية قديماً وحديثاً الحاج وّداي العطية
12. حصار الكوت الجزء الأول رسل براودن





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في م ...
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في م ...
- نثار من ذكريات طريق الشعب لإشراقة العدد الألف من الحوار المت ...
- التحالفات.. خيار ستراتيجي أم مناورة تكتيكية
- من أجل انتخابات شاملة في موعدها المقرر
- مناشدة لإطلاق سراح الكاتب السوري جهاد نصره
- الانتخابات المقبلة.. تطلعات مشروعة.. وأفاق رحبة
- مهمات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والدور الإعلامي ال ...
- ما بين حجب الحوار المتمدن وحكاية جحا
- حرائق النفط نزوات لشذاذ الأفاق
- مرحى لضجيج الانفعالات والجدال والنقاش داخل أروقة المؤتمر الو ...
- تأملات لجذوة نصر الرئيس الفنزويلي أوغو تشافيز
- العراق والانتخابات الأمريكية القادمة
- سلاماً لشهداء العراق الأبرار
- انتخابات مندوبي المؤتمر الوطني.. ديمقراطية العجالة
- البيان التأسيسي للمركز الوطني لتطوير الحوار الديمقراطي في با ...
- ملتقى العمل الديمقراطي المشترك في بابل يحتفي بذكرى ثورة 14 ت ...
- المُسّْتَبِِدُ
- أقلام تنبض بالوفاء... أحمد الناصري وجمعة الحلفي في ذكرى صديق ...
- الإرهاب ينتهك قدسية نضال العراقيين في إنهاء الاحتلال


المزيد.....




- شاهد.. غضب في إيران بعد اعتداء -شرطة الأخلاق- على سيدة
- اليمن: مقتل موظف في اللجنة الدولية للصليب الأحمر برصاص مجهول ...
- الاتحاد الأوروبي يطالب إسرائيل بالتحقيق في مقتل فلسطينيين عل ...
- ماليزيا تتهم جهات أجنبية باغتيال البطش
- روحاني: مستعدون لتوظيف جميع إمكانياتنا لإعادة إعمار سوريا
- كيم جونغ أون: سنوقف التجارب النووية
- القضاء العسكري المصري يصدر قرارا جديدا في قضية سامي عنان
- ألمانيا تتعهد بسياسات -أكثر صرامة- في قضايا اللجوء
- حظر الأسلحة الكيميائية: بعثتنا زارت أحد مواقع الهجوم المفترض ...
- شاهد احتفالات النازيين الجدد بمهرجان "الدرع والسيف" ...


المزيد.....

- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة- الجزء الثالث