أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة الجزء الأول















المزيد.....

من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة الجزء الأول


أحمد الناجي
الحوار المتمدن-العدد: 1005 - 2004 / 11 / 2 - 09:16
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


الحلة بكسر الحاء وتشديد اللام تعني في اللغة العربية النزول، وقد سميت مدينة الحلة بذلك لان بني مزيد حلو فيها فصارت حلتهم أي محلتهم ومجلسهم أو منازلهم، أما سبب كنيتها بالفيحاء فلسعتها وطيب تربتها، وهي تقع بالقرب من مدينة بابل التاريخية، تغفو على نهر الفرات القديم ( شط الحلة) الذي يتفرع حالياً من نهر الفرات، وقد تم إنشائها وتمصيرها على يد سيف الدولة صدقة ابن منصور ابن دبيس بن علي بن مزيد الاسدي في أواخر القرن الخامس الهجري سنة 1101 ميلادية.
لقد مرت على المدينة العديد من الأحداث المهمة في تاريخها، ولكن المؤلمة منها بشكل خاص، تبقى حاضرة في مدارك الناس، ولا تبرح ذاكرتهم بسرعة، يتداولون تفاصيلها فيما بينهم ردحاً من الزمن، وفي نفس الوقت يتناقلوها كالروايات على مر الأجيال، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما أصاب الحلة وسائر المدن العراقية في آذار عام 1831، نتيجة تفشي داء الطاعون، وكذلك انتشار الكوليرا في صيف 1889، ولعل حالة الجدب التي مرت بها مدينة الحلة في عام 1885، لها وقع كبير على حياة أهلها ونمط حياتهم، حين انحسر الماء في شط الحلة وتغير مجراه الى نهر الهندية، فلم تكن المياه تنساب فيه إلا في موسم الفيضان، ورغم بعض الإجراءات الحكومية لمعالجة الأمر، إلا أن شحة الماء بقت مستمرة حتى أواخر عام 1913، أي الى اكتمال بناء سدة الهندية، وتنظيم انسياب الماء الى مدينة الحلة والتحكم به عبر شطها الصغير، لتعود وارفة بواهب الخصب المتجدد.
تبقى واقعة عاكف أو دكة عاكف كما يسميها أهل الحلة من النكبات المؤلمة التي مرت بها المدينة، ولازم صداها الأجيال المتعاقبة من الحليين، وقد سميت بذلك نسبة الى عاكف بيك القائد التركي الذي كان يشغل منصب قائممقام مفرزة الخيالة، الذي اقتحم المدينة بقواته العسكرية مرتين في محاولات تشبثية لفرض سيطرة الحكم التركي القائم في أواخر أيامه، وبسط سلطاته بالقوة رغم كل المؤشرات التي كانت تشير الى الانحسار التدريجي لتلك السيطرة وذلك النفوذ، وقد جاءت معظم تلك الإجراءات بهدف رأب الصدع في معظم جبهات القتال من خلال سوق الشباب المطلوبين للتجنيد، والتضييق على الفارين منهم، وقمع تذمر الأهالي واحتجاجاتهم، وإفشال تطور ذلك الاحتجاج الى تمرد شعبي على الحكومة التركية، التي رأت حينها ضرورة تأديبهم على بعض الأعمال التي نالت من هيبة السلطة، وصبت نتائجها في صالح القوات البريطانية التي تسعى لاحتلال العراق.
وقد كان لعاكف واقعتان في الحلة، تركت أثارها المروعة على المدينة وأهلها، وبقت حاضرة في ذاكرتهم، وصاروا يؤرخون بها مواليدهم وما يمر بهم من أحداث، ولعل هول وشدة أثارها السلبية هي التي جعلتها ماثلة في الأذهان، تتناقلها الأجيال، وجادت تلك المعاناة والحياة الصعبة ببعض الأمثال الشعبية والحكايات وحتى النوادر التي لازالت حاضرة لحد الآن أيضاً، فلكل من عاش تلك الحادثة قصة ووجهة نظر ورواية، ولا أظن الآن حلياً لا يعرف دكة عاكف، وما كان دور أجداده في خضمها رغم مرور زمن طويل عليها.
لقد امتدت أحداث دكة عاكف بين عامي 1915 - 1916، متداخلة مع أحداث -الاحتلال البريطاني للعراق، الذي بدأ في 6 تشرين الثاني 1914، باحتلال مدينة الفاو، ثم من بعدها مدينة البصرة حيث اضطر الأتراك الى الجلاء عنها ليلة 29 تشرين الثاني 1914، وتداخلت مع مواصلة البريطانيون زحفهم الى بغداد واحتلالها، بعد أن راحت قوات الحكومة التركية تتقهقر مع تقدم الزمن، وباءت كل محاولاتها بالفشل في إيقاف وصد زخم التقدم البريطاني باتجاه بغداد، رغم المساندة الشعبية العريضة الذي قدمها العراقيون جميعاً، حين ركنوا فيها جانباًَ كل الحقد والتذمر والمرارات على الحكم التركي ورجالاته، تلك الهواجس التي كانت تعتمر في الصدور، المختزنة عبر الزمن الطويل، جراء معاناتهم من الإجراءات التعسفية والقمعية وجباية الضرائب ونهب خيرات البلد، وما شابه ذلك من سياسات قهرية مورست بحقهم، ورغم كل ذلك كانت استجابتهم سريعة للتصدي بوجه الحملة البريطانية لاحتلال بلدهم، وقد تجلت تلك المساندة في حركة الجهاد التي اشتركت فيها أعداد غفيرة من العراقيين، بمختلف قومياتهم ومذاهبهم، ولعب علماء الدين دوراً كبيراً بعد أن استجابوا لفتوى الجهاد التي أطلقها شيخ الإسلام في الاستانه، وساهموا بكل ثقلهم في قيادة وحشد المجاهدين وتأمين التجهيزات لهم، واشترك معظمهم بعمليات الحشد ومن ثم القتال في الشعيبة والقرنة وعربستان والكوت.
لكن التفوق المفاجيء الذي هجسته القوات البريطانية في اللحظات الأخيرة من معركة الشعيبة التي دارت رحاها في يوم 12 نيسان 1915، بدل النصر الذي أقترب منه الأتراك والمجاهدون الى هزيمة مثقلة بآثارها المعنوية وخسائر البشرية، مما أدى الى انفراط عقد المجاهدين وتشتت أكثريتهم وتفرق قادتهم من علماء الدين، وبان حينها واضحاً هشاشة القوات التركية، بسبب سوء إدارة المعارك والإسناد المطلوب، وتقادم المعدات العسكرية التركية، وحصول بعض حالات الخيانة، فقد ذكر فقد ذكر رسل براودن في كتابه حصار الكوت الجزء الأول ص 56، رشوة البريطانيين لأحد الضباط الأتراك في معارك الروطة في القرنة، بالإضافة الى حالة عدم التجانس مع الأتراك التي أفرزتها ساحات القتال، ولأن تلك الحالة لها جذور عميقة فقد استحالت فيما بعد الى تذمر علني، أمتد ولأسباب عديدة الى تمرد شعبي في النجف وكربلاء والحلة، وبعض من مدن الفرات الأخرى.
بعد دخول تركيا الحرب العالمية الأولى الى جانب المانيا، زادت من إجراءاتها في تجنيد أكبر عدد ممكن من العراقيين الخاضعة أعمارهم للتجنيد، لإرسالهم الى جبهات القتال، وكان العراق خاضعاً لقانون الجندية الصادر في سنة 1909 الذي يقضي بموجبه أن يقوم كل عثماني مسلم أو غير مسلم بأداء الخدمة العسكرية في حالة بلوغه 21 سنة. وقد بلغت عقوبة الفارين من الحرب الى أقصاها، وهي الإعدام، وكثيراً ما نشرت قرارات تلك الإعدامات في جريدة الزوراء الرسمية.
كان للعراقيين تجارب مريرة مع الحكم التركي بسبب حملات التجنيد التي كان يسعى فيها الأتراك لإقحامهم في الكثير من الحروب، ومنها في قفقاسيا عام 1877، المعروفة بدكة الغربية بين الأهالي، ففيها قد تم سوق عشرة آلاف جندي من العراق، لم يرجع منهم سوى نفر قليل، وفي الأخرى التي كانت في صحراء نجد عام 1904 م المعروفة بدكة أبن الرشيد.
بعدما وصلت القوات البريطانية الخليج العربي، وبانت وجهتها معروفة هي احتلال العراق، راحت تتسع حملات المتابعة للمتخلفين منهم عن الالتحاق لدعوات التجنيد الإجباري، وجرى تشديد إجراءات التفتيش والمداهمة المستمرة لأجل العثور عن الفارين من جبهة الحرب، فأخذت قوات الجندرمة التركية تجوب شوارع وبساتين مدينة الحلة، وتدخل البيوت والأماكن العامة للتحري والتفتيش عن هؤلاء الفارين، عبر حملات لا تخلو من الإجراءات القمعية والإستفزار والشدة، لحد إطلاق النار من بنادقهم المشرعة، إذا ما احتملوا إن هناك شخصا فر من أمامهم، فكانوا بذلك يروعون الأطفال والنساء دون أي وازع ديني أو أخلاقي.
كانت بوادر واقعة عاكف الأولى قد نشأت بسبب تأزم الوضع في الحلة، بعد أن تم تبادل إطلاق الرصاص بين الأهالي وقوات الجندرمة التركية، بسبب مقتل أحد أفراد الجندرمة أثناء تعقبه لأحد الفارين من الجندية، فتدخلت مجاميع من تلك القوات بإشراف القائممقام في محاولة للقبض على القاتل، الذي التجأ الى قومه وعشيرته، وصارت عملية القبض عليه في غاية الصعوبة بعد تدخل الأهالي الذين كانوا بالأصل يكنون العداء للحكم التركي ويكرهون رجالاته، ولا يطيقون الإجراءات التعسفية بسبب تلك المطاردات التي تطال الكثير منهم، وليس غريبا ً على الإطلاق أن تبرز مظاهر التذمر أو العصيان الشعبي تلك، في ظل الوضع العام للبلد آنذاك، فقد كان لتقهقر القوات التركية وخسائرها في المعارك الدائرة، وانسحاب قواتها ونجاحات البريطانيين في الحرب الدائرة جنوب العراق، قد ولدت حالة من الارتباك للحكومة التركية، أحسها الناس ضعفاً في الإدارات الحكومية المحلية، أي في مدنهم وخصوصاً بعد أن تقلص عدد الجند المساند لتلك الادارات، وما حصل من تمرد وعصيان في النجف وكربلاء، يبين ذلك بوضوح، فعصيان النجف ظهرت بوادره في آذار 1915م، وتكلل بعد أشهر من القتال الى استسلام جنود الحكومة وطرد القائممقام والموظفين، وتسفيرهم الى أن عادوا بعد فترة، عبر وساطات واتفاقات مع أهل النجف لا تخلو من تنازلات مهينة تجرعتها الحكومة التركية مرغمة.
أما عصيان كربلاء فقد بدأ مساء يوم 27 حزيران 1915 م، بمهاجمة دار الحكومة وبقية الدوائر الرسمية، واستسلم الجنود أيضاً بعد قتال غير مضني لأهل كربلاء، وأعيدت الأمور الى مجاريها كما حصل في النجف عبر الوساطات، والمصالحة بعودة المتصرف في 26 أيلول 1915م، وهي بلا شك حلول تعبر عن تنازلات قدمتها الحكومة، لم تكن معهودة سابقاً في تعاملها مع العراقيين، فسياسة روح التعالي والتسلط كانت طاغية على كل الإدارات التركية التي تعاقبت على الحكم في العراق بكل ولاياته.
لم يكن خافياً على أحد ما لأهل مدينة الحلة من ارتباطات واسعة مع تلك المدينتين المقدستين النجف وكربلاء، وأن التذمر الذي إستحال الى تمرد وعصيان فيهما، لابد أن يلقى استجابة فيها، ليمتد ويتسع الى أرجائها، هذا مما جعل الحكومة التركية، ولمجرد شعورها بمرارة حادث فردي تسعى لاستباق الأحداث خوفاً من تكرار ما حصل، فذلك قد يؤدي الى توسع العصيان، وامتداده الى منطقة الفرات الأوسط بأكملها، مما جعلها تسارع الى إرسال القائد التركي عاكف بيك الى الحلة مع قواته، وحين دخلها أخذ يستدعي المختارين والرؤساء والتنفيذيين، طالباً معاضدة الحكومة التركية، بتسليم الفارين، وقد أستخدم معهم سياسة الترهيب والترغيب، فقد كان يأمل منهم أن يسلموا جميع الفارين من الجندية، والهاربين من ساحات القتال، وهو أمر لم يعد باستطاعة أحد تحقيقه، ولا حتى النخبة التي كانت قريبة من الحكومة وتراعى مصالحها، وخصوصاً بعد أن زاد تعاطف الأهالي مع الفارين لكثرة عددهم واقتناعهم بسؤء المعاملة التي يتعرضون لها، ومن دون شك إن التجارب السابقة قد ولدت شعوراً يفضي الى أن مَنْ يلتحق بالجندية يصبح في عداد المفقودين، ونادراً ما يعود الملتحقون أحياء، مما يجعل عوائلهم أصلاً تسعى لعدم إرسالهم.
له تابع





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,139,633
- نثار من ذكريات طريق الشعب لإشراقة العدد الألف من الحوار المت ...
- التحالفات.. خيار ستراتيجي أم مناورة تكتيكية
- من أجل انتخابات شاملة في موعدها المقرر
- مناشدة لإطلاق سراح الكاتب السوري جهاد نصره
- الانتخابات المقبلة.. تطلعات مشروعة.. وأفاق رحبة
- مهمات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والدور الإعلامي ال ...
- ما بين حجب الحوار المتمدن وحكاية جحا
- حرائق النفط نزوات لشذاذ الأفاق
- مرحى لضجيج الانفعالات والجدال والنقاش داخل أروقة المؤتمر الو ...
- تأملات لجذوة نصر الرئيس الفنزويلي أوغو تشافيز
- العراق والانتخابات الأمريكية القادمة
- سلاماً لشهداء العراق الأبرار
- انتخابات مندوبي المؤتمر الوطني.. ديمقراطية العجالة
- البيان التأسيسي للمركز الوطني لتطوير الحوار الديمقراطي في با ...
- ملتقى العمل الديمقراطي المشترك في بابل يحتفي بذكرى ثورة 14 ت ...
- المُسّْتَبِِدُ
- أقلام تنبض بالوفاء... أحمد الناصري وجمعة الحلفي في ذكرى صديق ...
- الإرهاب ينتهك قدسية نضال العراقيين في إنهاء الاحتلال
- الوطنية على المحك في فهم ما بين سطور خطابين
- ننشد العدالة.. ولن نفزع مهما كثر عدد المدافعين عن جلادنا


المزيد.....




- آلاف العراقيين يتوافدون إلى مديرية نينوى بالموصل للحصول على ...
- الرئاسة الفرنسية تعلن تحرير الرهينة الفرنسي آلان غوما الذي ك ...
- قضية خاشقجي.. لقاء محمد بن سلمان وبومبيو
- أردوغان: نحقق باستخدام محتمل لـ-مواد سامة- في القنصلية السعو ...
- فضيحة من العيار الثقيل.. مغن أمريكي ينشر فيديو لـ-ميلانيا تر ...
- إيران: مجموعة انفصالية متشددة تخطف قوات أمن عند الحدود مع با ...
- الشرطة التركية تطلق النار على قدم سائق اعتزم الاحتجاج عند س ...
- مقتل أكثر من 10 وإصابة العشرات في خروج قطار عن القضبان بالمغ ...
- شاهد: بطريقان ذكران ينتظران مولودهما الأول في حوض أحياء مائي ...
- اختطاف عناصر أمن إيرانيين على الحدود مع باكستان


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة الجزء الأول