أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب طهوري - عن الدين والعلمانية والأحزاب الإسلامية














المزيد.....


عن الدين والعلمانية والأحزاب الإسلامية


الطيب طهوري

الحوار المتمدن-العدد: 3363 - 2011 / 5 / 12 - 16:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ملاحظة لا بد منها:
هذا المقال كان في الأصل تعليقات كتبتها على مقال للصحفي الجزائري حميد روابة نشره على صفحته في الفايس بوك، رأى فيه أن الأحزاب الإسلامية أحزاب ديمقراطية وانه لا تماثل بين برامجها والدين، وأن ذلك ادعاء من قبل العلمانيين ليس إلا..
وهذا رابط المقال لمن أراد الاطلاع عليه:http://www.facebook.com/notes/hamid-rouaba/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%A6%D9%83%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%A6%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9/117816191634996
-

يتفق كل المسلمين على أن الدين ، وهنا الإسلام ، مقدس..هذا يعني منطقيا ان تماثل البرنامج الحزبي لأي حزب يجعل منه مقدسا أيضا..أي اعتراض عليه أو نقد له هو بالمطلق اعتراض على الدين ونقد له..عندما يقول حزب ديني ما بأن على الذمي في الدولة الإسلامية التي يسيرها باسم الدين واجب دفع الجزية..هل يمكنك رفض ذلك الحكم، بدعوى أن الناس في الوطن الواحد متساوون ويجب ان يعاملوا كمواطنين لا فرق بين المسلم فيهم وغير المسلم ، وأن ما وصلت إليه البشرية من تنظيمات وتشريعات حقوق لا يقبل بذلك التمييز أبدا ؟..حتما ستتهم بأنك ضد الإسلام وتشريعاته..وهكذا..هذا يعني ان التماثل يؤدي إلى إعطاء قداسة لبرنامج الحزب الإسلامي بشكل أو بآخر،وهو ما يعني ان الأمر ليس فكرة في أذهان العلمانيين فقط كما يقول صاحب المقال..
وعندما يقول أن ذلك غير موجود في الأحزاب الإسلامية..فالرد عليه أن تلك الأحزاب لاتحكم ، وإلا كان حدث مايقول به اللائكيون..ولماذا نذهب بعيدا؟..ألم يفعل ذلك حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والذي وصل به الأمر إلى حد تكفير الناس الذين لم يشاركوه تصوره لبناء المجتمع وقام بقتل الكثير منهم..وانظر إلى السعودية التي تماثل السلطة فيها بين برنامجها والإسلام..ألم يحرم الفقهاء حتى الإضرابات بدعوى أن المسلمين لم يعرفوها في كل تاريخهم ، وبدعوى انها ممارسة غربية في الأساس جاء بها أهل دار الكفر؟..وهكذا..
هل تقبل دولة الإسلام كما تريدها الأحزاب المسماة إسلامية بوجود المسيحيين بينهم ينشرون دينهم كما ينشر المسلمون دينهم في مجتمع اللائكية؟..هل يسمحون بخروج الفرد المسلم من الإسلام ودخول دين آخر مثلا؟..سيكون حتما حكم الردة..ألم يعدم النميري في دولة الإسلام السودانية محمود طه بدعوى ارتداده عن الإسلام؟..انظر ما فعلته حركة الطالبن في أفغانستان..انظر ما فعلته دولة إيران الإسلامية حاليا وما فعلته مع مناضلي حزب تودة في عهد الخميني بدعوى أنهم شيوعيون..هذا هو الواقع..
إن الحكم باسم الدين باعتبار احكامه إطلاقية يؤدي حتما إلى الحكم الشمولي الذي سيمارس بالضرورة قمع مخالفيه والمعارضين له متى امتلك القوة..ما فعله العباسيون عندما هزموا الأمويين من تقتيل لهم، وإخراج لجثثهم من القبور والتمثيل بها ووضع رؤوسهم موائد يؤكل ويشرب عليها معروف تاريخيا..غني عن البيان أن تاريخ المسلمين كله كان تاريخ سلطة ترفض وجود المعارضين لها..وهو ما يعني ان الشعب العربي المسلم لم يحكم نفسه بنفسه أبدا ، وهو ما جعله يتكون على أساس أنه رعية دائمة القصور ، لاحق لها في اختيار حكامها ومراقبة أفعالهم ومحاسبتهم إن أخطأوا أو أساءوا واستبدالهم بغيرهم..وهو حال كل أنظة الاستبداد الشمولية بما فيها الشيوعية التي بدعوى حمايتها للفلاحين والعمال ارتكبت الكثير من المجازر وجعلت الخوف ينغرس في النفوس أكثر ، ومن ثمة كان اليأس واللامبالاة..إلخ..
الكلام المتعلق بأن الشيوعيين عندنا هم أصحاب تلك الفكرة لا معنى له بالمرة ،لأن ما يهم هو مناقشة الفكرة وإثبات صحتها أو خطئها بالدليل المنطقي لا بالاتهامات المجانية ، ذلك انني أومن بحق كل صاحب اتجاه في إبداء رأيه فيما يدور في مجتمعه وعلى المخالفين له مناقشته بالعقل ومجادلته بالتي هي أحسن، مع الملاحظ ان العلمانية أو اللائكية ليست نتاج فكر الشيوعيين بالمرة ، لا لشيء سوى أن اللائكية لا تستقيم بدون ديمقراطية، وإذا كان هناك اتجاه في الشيوعية يحارب الدين فذلك من منطلق النظر إليه على انه مخدر ، يستعمل من قبل المتنفذين لديمومة نفوذهم وإعطاء قداسة لممارساتهم تجعل شعوبهم خاضعة لهم ،وهو ما كان يحدث فعلافي الكثير من المجتمعات ، وما زال ،لا من منطلق أنه قناعة شخصية لا تأثير لها على المسار العام في المجتمع نحو التقدم والازدهار، وهو ما يوجب احترام صاحبها في إطار القوانين الاجتماعية التي تؤمن بالحق في الاختلاف والاعتقاد..إلخ..
يتحدث المقال بعد ذلك عن الأرضية التي ادت إلى ظهور اللائكية في الغرب ، مبينا أنها نتاج تدخل الكنيسة في كل حياة الناس متحالفة مع اٌلإقطاع، (وهو ما يعني أن ذلك التحالف كان يشكل حكما شموليا)،ويرى أن ذلك غير موجود في الإسلام ، باستثناء دولة إيران الإسلامية ..وينسى هنا دولة السعودية ودولتي طالبان والسودان المطاح بهما..بل ويتناسى أيضا ان حكام المسلمين عبر كل تاريخهم كانوا يستعملون رجال الدين في خدمة أنظمتهم وتبرير ممارساتهم التي كانت في معظمها لا تخدم مصالح الشعوب في تطور وعيها ودفعها إلى تنظيم نفسها من اجل المشاركة في تسيير أمور حياتها المشتركة..وان تلك الشعوب كانت أكثر فاعلية في التاريخ عندما كانت هيمنة الدين ورجاله أقل ضراوة ( العصر العباسي مثلا وهو أزهى عصور العرب عبر تاريخهم كله ..)..يتناسى أيضا أن الناس عندنا وبشكل كبير يلجأون في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم إلى اسشارة الفقهاء وأئمة المساجد فيها ، وهم ( رجال الدين ) كثيرون جدا ، وهي ( المساجد ) كثيرة جدا كذلك..ينسى أيضا ظاهرة الفتاوي التي صارت تنتشر بشكل كبير في الواقع.. والمؤكد أن هؤلاء وأ ولئك لا يمتلكون القوة التي تسمح لهم بفرض آرائهم الدينية وفتاويهم وإلا كانوا فرضوها بالقوة..
يرى صاحب المقال من جهة أخرى أن الفقهاء عبر تاريخ المسلمين كانوا في الغالب يمارسون دور السلطة المضادة ..وهذا غير صحيح بالمرة..الذين كانوا يفعلون ذلك قلة لا كثرة..الكثرة كانت دائما في صف السلطة..وإذا كان هناك تعدد فقهي فإنه يعود أساسا إلى أن تلك السلطة لم تكن لها معارضة تدفع بها إلى ممارسة العنف ، لا لشيء سوى كونها كانت توظف فهما للدين يجعل الرعية خاضعة قابلة بوضعها كما هو ،باستثناءات قليلة..ولأن ذلك القبول كان طويلا جدا فقد صار مكونا أساسيا من مكونات عقليات الناس ونفسياتهم ، الأمر الذي أتاح في بعض الأحيان الإمكانية لانفتاح واسع على فكر المجتمعات الاخرى غير المسلمة وممارساتها الإدارية والسياسية..إلخ..وهو انفتاح يشبه انفتاح مجتمعاتنا اليوم على فكر الغرب وممارساته وتجاربه ، وهو انفتاح ترفضه الاحزاب الإسلامية في الغالب وتعتبره غزوا فكريا..ولو كان الحكم بأيديها لفرضت على الناس انغلاقا كبيرا ضده..
في موضع آخر يتهم الكاتب اللائكيين بالعداء للإسلام والتسامح مع اليهودية والمسيحسة ..وهو اتهام غير صحيح أبدا، ذلك ان اللائكيين عندنا لا يعادون الإسلام بالمرة، بل هم يرونه اعتقادا يجب ان يحترم ، ولا يمكن لذلك الاحترام ان يتحقق إلا بإبعاده عن التوظيف في الممارسات السياسية التي يتخللها الكثير من الاحتيال والنفاق ،وهو التوظيف الذي يوصل تلك الأحزاب في الكثير من الأحيان إلى التصارع العنفي بادعاء كل حزب منها أنه يمثل الدين الصحيح،وفي مقابل ذلك يدعون ( اللائكيون) إلى التعامل معه ( الدين ) باعتباره قناعة شخصية يجب حصرها في الممارسة الشعائرية ليس إلا، ذلك ان الدين كما يقول علي بن أبي طالب حمال أوجه..وإذا كان كل وجه يدعي انه الإسلام الصحيح فالمؤكد انه سيعمل على تغطية الوجوه الأخرى وطمس معالمها، وهو ما يؤدي حتما إلى انتكاس فكر المجتمع وموت الإبداع فيه..وإذا لم يتعرض اللائكيون عندنا لليهودية والمسيحية وينتقدونهما مثلما يتعرضون للفكر الإسلامي وينتقدونه فإن ذلك يعود إلى كون الإسلام وفكره هو المهيمن على الساحة العربية ، من جهة، وإلى كون الإشكالية المطروحة بالنسبة للفكر الإسلامي عندنا ليست مطروحة بالمرة بالنسبة لليهودية والمسيحية باعتبار المجتمعات المسيحية واليهودية صارت مجتمعات لا ئكية ..
أخيرا يرى الكاتب أن الاحزاب المسيحية والمحافظة في اوربا وامريكا لها نفس المقاصد والطموح .. تماما كما هو الحال بالنسبة للاحزاب الإسلامية..وإذا كنت اتفق معه في هذه النقطة ، فإنني أقول بان اللائكية في تلك المجتمعات هي التي تقف حجر عثرة امامها وتمنعها من تطبيق ما تريده وإلا كانت العنصرية وانغلاق ابواب الحرية والإبداع..إن اللائكية بما حققته من تطورفي فكر الناس ، وتنظيم إيجابي لحياتهم السياسية والاجتماعية ، وما فتحته لهم من آفاق تقدم وازدهار وأنسنة ووعي عام مشترك هي التي ألجمت تلك الأحزاب وجعلتها تلتزم بعدم تجاوز الحدود التي وضعت لها..وهو ما يعني عندنا أنها ( اللائكية ) ضرورة حتمية لتطور مجتمعاتنا وإخراجها من الجمود الذي يشل كل حياتها، وإدخالها في رحابة التطور البشري والمشاركة الواسعة في ازدهار الروح الإنسانية..


- 2 -

هل انتهت الجزية عند المسلمين كحكم إسلامي صار مرفوضا فعلا من قبلهم ،أم انتهت كممارسة في واقعهم كونهم لا تحكمهم احزاب إسلامية ، وإنما انظمة استبدادية تخضع لمنطق ان ذلك الحكم لم يعد مستساغا ، وانه يشكل في تطبيقه ظاهرة تتنافى وما وصلت إليه حقوق الإنسان في العالم ، من جهة، وان تطبيقه سيؤلب عليهم أنظمة الغرب ومختلف المنظمات الإنسانية؟.. اطرح هذا السؤال من منطلق ان هناك حركات إسلامية في عالمنا العربي ترى ان هذا الحكم شرعي وقد طبقه المسلمون عبر تاريخهم ، وان من يقول بغير ذلك يتخلى عن معلوم من الدين بالضرورة ..الأمرهنا يشبه بعض الشيء ظاهرة العبودية التي لم تتخل عنها السعودية إلا في الستينات من القرن الماضي ، وذلك بفعل ضغط العالم ومنظمات حقوق الإنسان فيه ..
وإذا كان المسلمون قد تخلوا عن الجزية حقيقة – فرَضا – فإن الأمر لا يعود إلى الفكر الإسلامي ذاته، وإنما إلى الفكر الغربي وما شكله من منظمات تدافع عن حقوق الإنسان ن من جهة، وإلى كون الغرب قويا فيما مجتمعات العالم العربي الإسلامي ضعيفة..وهنا أسأل: هل تقبل الأحزاب الإسلامية ( والإسلامية تعني تطبيق الإسلام) بوجود مسيحيين يدعون إلى المسيحية في مجتمعنا المسلم مثلا، كما يحدث في المجتمعات العلمانية التي يدعو فيها المسلمون إلى دينهم؟..لا اعتقد..هل يسمحون بنقد الإسلام والفكر الإسلامي كما هو الحال في المجتمعات العلمانية الديمقراطية حيث نقد الأديان ونفكرها مسموحا به؟..لا اعتقد أيضا..وحتما سترتفع أصوات قادة هذه الأحزاب داعية إلى محاكمة أولئك الناقدين..
نأتي الآن إلى السعودية..تقول بأنها ليست دولة أصلا..كيف؟..أليس فيها حكم شبيه تماما بحكم المسلمين عبر تاريخهم؟..أليس فيها مجلس شورى ، تماما كما كان في تاريخ المسلمين أيضا؟..ألاتطبق حدود الشرع: قطعا ليد السارق ورجما للزاني مثلا؟..ألا نسمي حكم الأمويين بالدولة الأموية، ونسمي أيضا حكم العباسيين بالدولة العباسية؟..ألا ترى بأن السعودية لا تختلف في حكمها السياسي عن هاتين الدولتين، بل تضيف تحريم الخمر بشكل صارم وتمنع الاختلاط وترفض وجود غير الإسلام فيها..إلخ..وهي بذلك اكثر تشددا في تطبيق الإسلام من الدولتين الأموية والعباسية؟..
ترفض حديثي عن الدولة العباسية كونك تتحدث عن احزاب إسلامية هي نبت الحاضر لا الماضي..لكنك تنسى أن تلك الأحزاب تنطلق أساسا من ذلك الماضي كونه يمثل الإسلام فيما نحن الان ، أعني المسلمين لا يطبقون الإسلام الذي كان أسلافنا يطبقونه ، بما فيهم العباسيون ، في اعتقادها..ألا تقول تلك الأحزاب بأن الإسلام هو الحل؟..ألا تقول : لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؟..وما هو اولها؟ أليس هو الشريعة التي تشكلت عبر تلك المرحلة الممتدة من ظهور الإسلام إلى العصر العباسي أساسا؟..
لا أعتقد أنني قلت بأن على المسلم ترك الإسلام ليكون ديمقراطيا..كل ما قلته ان ادعاء أي حزب تمثيل الإسلام وهو يضع برنامجا بشريا مرتبطا أساسا بمستوى ونوعية وعي الناس الذين يمثلهم ونوعية ثقافتهم ومصالحهم ومختلف التحديات التي تواجه مجتمعهم ، يجعل ذلك البرنامج مقدسا ، ويدفع بالناس - من ثمة - إلى الامتناع عن نقده أو الاعتراض عليه، وهو ما يجعله برنامجا غير قابل للتطور والتغير حسب متطلبات المرحلة المتغيرة، وهو ما يمثل نوعا من الكبح للتطور المعرفي في المجتمع، ولعل هذا هو السر في ضعف برامج الأحزاب الإسلامية وعجزعا عن تقديم الحلول العملية لمجمل مشاكل الواقع ، ولجوئها من ثمة إلى الإكثار من لغة رفض الفكر المخالف وادعاء ابتعاد الناس عن الإسلام مهما تدينوا واتهامهم بتقليد الغرب ..إلخ..مع أن سلوكاتهم في واقعهم تقول نقيض ذلك تماما..
جميل أن تعترف بأن الإسلام ليس نظاما سياسيا أو اقتصاديا بديلا لأنظمة أخرى،الإسلام عقيدة ( واتفق معك كل الاتفاق في هذا الرأي ) وهداية للناس أجمعين..لكن الواقع يقول غير ذلك..الواقع يقول بأن الأحزاب الإسلامية ترى في الإسلام نظاما سياسيا يبنى على الشورى – تماما كما هو الحال في السعودية – واقتصاديا – هناك ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي - وأنه دين ودولة ، ولا يمكن الفصل بينهما أبدا..
الجميل أيضا هو اعترافك بأن برنامج الحزب الإسلامي قد يكون ليبراليا أو أميل إلى الاجتماعية الديمقراطية ..لكنني أسألك: هل اليبرالية هي الإسلام؟..هل الديمقراطية الاجتماعية هي الإسلام؟..اعتقد أن كلتيهما نتاج غربي ..فكيف يحق للحزب الإسلامي في هذه الحالة أن يقول بأن برنامجه إسلامي وأنه يريد تطبيق الإسلام؟..أليس الأجدر به القول للناس أن هذا البرنامج هو برنامج بشري وصلت إليه المجتمعات الغربية من خلال تجربتها ، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم ، بدل إلباس ذلك البرنامج لباسا دينيا يكسب الحزب به عواطفهم ، وقد يكون برنامجا يتناقض مع مصالحهم أصلا..تماما كما هو حال أحزابنا الإسلامية التي هي في الأساس أحزاب ذات برامج ليبرالية ، لا تختلف في شيء عن برامج معظم الأحزاب الجزائرية الأخرى، سوى في قولها أنه برنامج إسلامي؟..ما العيب في ان يقول الحزب : أيها الناس هذا برنامجنا وقد وضعناه من منطلق تأملنا في الواقع وما نعتقد أنه سيفيد مجتمعنا في بناء مستقبله ..؟..أليس في هذا القول كل الصراحة ..ألا يصبح البرنامج حينها مخاطبا للناس من خلال عقولهم بدل مشاعرهم؟..لكن هم الأحزاب الإسلامية عندنا هو الوعاء الانتخابي قبل كل شيء ، وتوظيف الدين وادعاء تمثيل برامجهم له وسيلتان أساسيتان جدا في ازدياد كمية ذلك الوعاء..إنها باختصار شديد تعمل على تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا ، وكل إيديولوجية تمارس بشكل أو بآخر تزييف الحقيقة لصالح الذين يتبنونها كوسيلة لجر الجماهير وراءهم..فما بالك إذا كانت تلك الجماهير أكثر أمية وأقل وعيا وعاجزة عن إدراك مصالحها الحقيقية وتنظيم نفسها من اجل افتكاكها، كما هو الحال عندنا..ومن هنا أقول بأن مشكلة العلمانيين ليست مع الدين ، أي دين ، باعتباره اعتقادا شخصيا يتعلق بعلاقة الشخص وما يؤمن به ، ومن هذا الجانب هم يحترمونه ويحترمون أصحابه
.. مشكلة العلمانيين مع الذين يدَّعون أنهم الممثلون الشرعيون للدين في الواقع وانهمم يريدون تطبيقه، مع أن الحقيقة تقول أنهم يوظفونه من أجل خدمة برنامجهم الحزبي الذي هو برنامج بشري يلبسونه برنوس الدين ليغطوا على حقيقته البشرية تلك ويحولوا الدين من خلاله إلى إيديولوجيا ..( الأيدلوجية عندما تطبق كمنهج في مجتمع ما فإنها تمنع الأفراد من التفكير في مشاكلهم ومعرفة أسبابها ومحاولة حلها إلا بالقدر الذي تسمح به الايدولوجيا، أي هامش المسموح التفكير به، بينما يجد الأفراد صعوبة في مناقشة ما حرّم التفكير فيه، ونجد أن المنهج الأيدلوجي يشترط أن يؤمن الناس بصحته المطلقة كشرط أولي لنجاح المنهج، وهذا يتحقق عن طريق التبشير بالمنهج أو بفرضه بالقوة حتى يعتاد الناس عليه ويؤمنوا بصحته المطلقة ) من مقال لرائد العبسي..
أتفق معك أيضا في قولك:( الديمقراطية هي أن يختار الناس من يحكمهم، وأن تكون لهم الحرية في التعبير عن الرأي والتفكير والاعتقاد..) واضيف: من حق الأكثرية أن تحكم وتطبق برنامجها الذي انتخبت من اجله ، لكن – في المقابل – ليس من حقها أبدا منع الاقليات من التواجد والتعبير عن نفسها من خلال إبراز افكارها ومواقفها وتصوراتها والدعوة إليها ،لأن ذلك هو الطبيعي في الحياة ، وإلا ماكان الإسلام حيث كانت الأغلبية وثنية ، وما كانت حركة التنوير في اوروبا حيث كانت الاغلبية أيضا هي الاعتقاد بشرعية تحالف الإقطاع والكنيسة..وعلى ضوء ذلك أعيد طرح الأسئلة السابقة للتاكيد أكثر: هل تسمح الأحزاب الإسلامية بإبداء الرأي في الإسلام كدين وفي الفكر الإسلامي - مع الملاحظ أن الفكر الإسلامي ذاته هو آراء في الدين ، أو فهوم له، وقد تتناقض في الفهم أو الرأي أحيانا – كأن يقول أحدهم بان المسلمين عندما كانوا في حالة الضعف دعا قرآنهم إلى مجادلة المشركين بالحسنى ، وقال : لا إكراه في الدين..و..من شاء قليؤمن ومن شاء فليكفر..وعندما تقووا أمرهم بالجهاد ومهاجمة غير المسلمين ووضعهم أمام خيار من ثلاثة خيارات: الإسلام او دفع الجزية او الحرب..أو يقول آخر: لقد حارب الإسلام دين الجاهليين الوثني وقوض أركانه ،باستثناء ما كان في صالح القرشيين من اركان مثل ركن الحج، حيث هو موسم تجاري مفيد جدا لهم ، وفي المقابل أبقى على ظاهرة العبودية كونها – ربما –مصدرا اقتصاديا مهما ايضا لأولئك القرشيين ، مع الملاحظ ان تقويض الدين اصعب بكثير من تحريم ظاهرة العبودية؟..هل تسمح بحرية الاعتقاد فعلا؟..هل – تسمح للمسلم بالخروج عن الإسلام والانتماء إلى دين آخر مثلا؟..هل تسمح له بأن يلحد؟..هل تسمح له بالتشيع ؟..هذه هي حرية الاعتقاد والرأي كما يعرفها ويفهمها الجميع؟..لا تقل لي بأن ذلك سيؤدي إلى انقسام المجتمع و ظهور الصراعات الدينية والمذهبية ، وهو ما يضر بالمجتمع.. هنا أسألك: هل تجد هذه الصراعات في المجتمعات العلمانية الديمقراطية؟..طبعا لا..هذا يعني أن ما يمكن أن تتخوف منه لا يكون في المجتمعات المتفتحة على الاختلاف في الرأي والمعتقد والتنظيم..بل يكون حتما في المجتمعات المنغلقة ..
ناتي الآن إلى رأيك المتمثل في (ان الفقيه لاسلطة له عند المسلمين وإنما دوره اجتماعي ثقافي فقط..)..أقول لك الصراحة؟..السلطة في الواقع متعددة ، وأخطرها على الإطلاق السلطة الثقافية الاجتماعية..وفي هذا الإطار يلاحظ أن الأئمة والفقهاء في مجتمعاتنا العربية الإسلامية يلعبون الدور الأكبر في تشكيل وعي الناس وإبعادهم عن حقيقة واقعهم ، ورميهم في تمني ملذات العالم الآخر الاخروي تعويضا لهم عما افتقدوه وحرموا منه في حياتهم الدنيوية، وهم بذلك يعتبرون أكثر من يخدم أنظمة الاستبداد في هذه المجتمعات..وإذا كان تحريم التظاهر في السعودية من قبل مفتييها قد استهجن من قبل شبابنا ، فإن ذلك لا يعني بالمرة أن الفقيه لا سلطة له على أذهان الناس ونفسياتهم..بل النقيض هو الصحيح، ذلك أن الفقهاء ليسو متجانسين أيضا ومصالحهم تختلف ..يكفي أن نشير في هذا لإطار إلى القرضاوي الذي أيد ما سمي بالثورات العربية والبوطي الذي وقف مع النظام السوري الذي يقمع الثورة في سوريا..يكفي ايضا أن نشير إلى اخذ الناس رأي الأئمة والفقهاء في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم بدل استعمال عقولهم للتفكير فيها والبحث بأنفسهم لإيجاد الآراء المقنعة ..الناس عندنا يقولون: قال الشيخ..وقال الإمام..بدل ان يقولوا: قال العقل والمنطق..وهو ما يعني ان الثقافة الدينية المهيمنة على الأذهان صارت تقف حجر عثرة أمام تطور العقل العربي الإسلامي...بالمناسبة: السلفيون في الجزائر يحرمون أيضا المطالبة بتغيير النظام..
أخيرا، تسأل: هل تريد ألغاء المقدس من المجتمعات؟..وتعني طبعا الإسلام، بدليل أنك قلت بعدها إن الهنود يقدسون البقرة ومع ذلك لم يمنعهم ذلك التقديس من ان يكونوا ديمقراطيين ، ومحققين لتقدم علمي واقصادي كبيرين، مقارنة بما عندنا..
وأجيبك صادقا بأنه لا أنا ولا غيري يمكننا إلغاء المقدس..ولا نعتقد بالمرة أن المقدس يقف في طريق الديمقراطية مالم يتجاوز حدوده ويتحول إلى إيديولوجية ، ولا اعتقد أن تقديس البقر عند الهنود وديانتهم البوذية قد حولهما البعض منهم إلى إيديولوجية تستعمل كسلاح في التنافس الديمقراطي..خلافا لما هو واقع عندنا حيث يوظف الدين الإسلامي من قبل الأحزاب التي تسمي نفسها إسلامية كإيديولوجيا تسقطب بها الجماهير..
ختاما..لا أخفي عليك بأنني أرى أن توظيف الدين كإيديولوجيا تهيمن بها الأحزاب الإسلامية على اذهان الناس عاطفيا ، وتحد من ثمة من أفق تفكيرهم ، وتُحرِّكهم على أساسها كالقطيع، تعتبر مع استبداد السلطة في عالمنا العربي الإسلامي ، من ابرز مسببات تخلفنا وابتعادنا عن الحاضر البشري وعجزنا عن المساهمة في بنائه..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,577,502
- ممرات ضيقة للكلام لكنزة مباركي.. إرادة التحدي التي لا تلين..
- لماذا عجز عن القيام بالثورة شباب عشرات الالاف من المساجد في ...
- عندما تحتقر السلطة شعبها
- الخطاب الإسلامي الراهن يرسخ التخلف والاستبداد اكثر؟
- بدمي .وقعت
- في الشكل الشعري.. في الأنوثة والذكورة ...مناقشة لبعض آراء سه ...
- ليس في القبو سواه
- كيف نسي الكرز؟
- ردا على مختار ملساوي.. نعم، السلطة تتحمل المسؤولية أكثر..
- إضعاف مستوى التعليم في الجزائر..كيف تم؟ ولصالح من؟
- ما صار.. ما سيصير
- إسلام الواقع تحدده المصالح
- شبر الخفارين
- الشجاع الأقرع في انتظاركم يا تاركي الصلاة
- شهوات
- رسالة مفتوحة إلى مسؤولي التربيةب (أُذُن مكاننا)
- ناقة قديشة
- المنتظمات الديكتاتورية أفقدتنا تذوق طعم الحياة
- أكواخ وولائم
- عبيد وجوارٍ


المزيد.....




- أقباط السودان.. فاعلون في المجتمع ويترقون في دنيا السياسة
- نيوزيلندا ترد على بيع نص -بيان- سفاح المسجدين في أوكرانيا
- لا توظفوا الفتاوى الدينية لخدمة العدو، ولا تلوثوا معايير الم ...
- هاشتاغ مجلس السيادة بالسودان يتصدر الترند.. واحتفاء بعضوية س ...
- أول تمثيل لأقباط السودان بالمجلس السيادي.. من هي رجاء عبد ال ...
- نتنياهو يسعى لأصوات يهود أوكرانيا... النجاح في كييف أو تل أب ...
- إسرائيل تلتزم الصمت حيال تصريحات ترامب بشأن "خيانة" ...
- إسرائيل تلتزم الصمت حيال تصريحات ترامب بشأن "خيانة" ...
- صمت إسرائيلي على تصريح ترامب بشأن خيانة اليهود
- مجازر الحرس الثوري.. 40 عاما على فتوى الخميني التي قتلت آلاف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب طهوري - عن الدين والعلمانية والأحزاب الإسلامية