أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - دفاعاً عن الماركسية















المزيد.....



دفاعاً عن الماركسية


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3360 - 2011 / 5 / 9 - 20:59
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


دفاعاً عن الماركسية
هشام غصيب

نشر عام 2001

مقدمة بقلم سلامة كيلة:
الماركسية والاشتراكية وحرية الانتقاد


منذ الثمانينات كنت أشير إلى "أزمة الماركسية العربية"، حيث كنت أعتقد بأن "الماركسية" ليست ماركسيّة، وأنها تكرر صيغة تبلورت في الاتحاد السوفياتي أسميت "الماركسية اللينينية" وأطلق إلياس مرقص تسمية "الماركسية السوفياتية" وهو يوصفها، وكنت أشير إلى ضرورة أن تُلقى في "سلة المهملات"، لأنها لا تحمل من الماركسية سوى "الأشكال" أي الكلمات، بينما يقبع في عمقها منطق أكثر من مثالي، وأقصد لا هويتي. وكان وجود الاتحاد السوفياتي يمدّها بالأساس الضروري لاستمرارها، وكما بشرعيتها، وأكثر من ذلك بالحسم أنها هي الماركسية. وكانت المسألة الأساسية التي انشغلت بها - ولقد انشغل بها العديد من الماركسيين قبلي - تتمثل في توضيح خواء هذه "الماركسية"، وبالتالي نقد منظوراتها المختلفة، سواء فيما يتعلق بالمسألة القومية، أو فيما يتعلق باختيارات التطور الاقتصادي الاجتماعي، أو فيما يتعلق بماهيتها...إلخ، للوصول إلى أن السياسة التي تتبعها "الماركسية العربية" منافية للماركسية، لأنها بالأساس منافية للواقع.
مع بدء انهيار النظام الاشتراكي في أوروبا الشرقية، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، جرت عملية تحول "حاسمة"، حيث فتحت معركة بالعيار الثقيل ضد نمط الماركسية التي كانت تسكن عقول الماركسيين العرب، من قبل العديد من الذين كانوا مدافعين أشداء عن "الماركسية الرائجة" ربما كان ذلك ضرورياً، نعم ولكن ما بدا هو أن تسرعاً حكم عملية الانقلاب هذه، لأن "لحظة الانهيار" هي ذاتها "لحظة الانقلاب" دون مسافة ولو بسيطة من أجل التأمل وإعادة الدراسة ومراجعة التجربة. وكأن المسألة تتعلق بقميص متسخ ألقي في سلة المهملات، وليست مسألة وعي وممارسة، وبالتالي قناعة واقتناع يحتاج تجاوزها إلى وعي مشكلاتها وبالتالي وعي البديل عنها. لهذا بدا هذا الانقلاب وكأنه انتقال من سياسة إلى أخرى، لكنه في الواقع تغيير في الشكل مع تمسك في الأساس والمتابع لما يكتب سيلاحظ بأن الماركسية ما زالت غائبة كما كانت في السابق وأن السياسة العملية ما زالت كما كانت. لكن هذه المرة انقلب المديح ذماً للأفكار ذاتها، والأشخاص أنفسهم. لهذا طرح السؤال ما الماركسية، وما دورها الواقعي، وهل الاشتراكية ضرورية؟ كما أصبح لينين محط اتهام، وأشير إلى أفكار لماركس تحتاج إلى نفي، وأعيد الاعتبار لبرنشتاين وكاوتسلي وبليخانوف...والخ، وإستند إلى غرامشي انطلاقاً من أنه نقيض لينين. وكذلك طرح سؤال الديمقراطية، بارتباطها، أو بعدم ارتباطها بالماكسية. وأعيد البحث في خيارات تطــور الأمم المختلفــة، انطلاقاً من ضرورة ترسملها بالتحديد، كما وضع الحزب اللينيني على بساط "النقد"، والمسائل كثيرة، ليبدو أن كل "المحفوظات" السابقة، التي كانت مجال تبجيل غدت مجال رفض. إنها فوضى عارمة، اختلط فيها السؤال المؤرق، بالإجابة "الهزلية" والتلمّس الجاد للمشكلات بالتشكيك، ومحاولات الفهم المتزن بالتسرع في إصدار الأحكام و"إعدام" الأشخاص والأفكار. وأقول هنا إنّ الطابع العام لهذه الموجة لم يكن "عاقلا" بل عبرّ عن انقلاب سطحي لأنه أعاد إنتاج السياسات ذاتها وإن في إهاب جديد، في كلمات جديدة، وعبر حملة "هجومية" قاسية على تصورات اعتبر أنها تصوراته السابقة، رغم أنه كان على النقيض منها، لقد اعتقد بأنه كان لينينياً فبدأ الهجوم على لينين، واعتقد أنه كان يدعو إلى تحقيق الاشتراكية، فبدأ تأكيد حتمية التطور الرأسمالي كي لا ندخل نفق حرق المراحل وحرف التاريخ عن مساره عبر إرادوية فظة، تملكها لينين في يوم ما، وليصبح مفهوم الثورة طفولياً لأن تجاوز حرف المراحل يفترض "التراكم" عبر الإصلاح!! وليس عبر أي طريق آخر.
لهذا بدأت إدانة "الماركسية الرائجة" انطلاقاً من أنها دعت إلى تحقيق الاشتراكية، وطالبت بالثورة عبر اتباعها طريق لينين متجاهلة الطريق الأصلح، طريق كاوتسكي وبليخانوف وقبلهم برنشتاين، وليصبح طريق هؤلاء هو الطريق القويم، المعبر عن ماركسية ماركس!! ولأنني التقطت منطق الماركسية الرائجة ونقدته منذ الثمانينات، بدا لي بأن هذا الضجيج هزليّ، لأن هذه الحرب هي حرب ضد طواحين هواء، فنقادنا الجدد يفتحون حرباً ضد تصورات وسياسات لم تكن هي سياستهم ولا تصوراتهم، وليس سياستهم وتصوراتهم سوى ساتر للهجوم على تصورات وسياسات أخرى من جهة، ولإعادة إنتاج سياستهم وتصوراتهم ذاتها من جهة أخرى. ولن أجهد هنا في توضيح ذلك لأنني أوضحته في مكان آخر(1) لكن من الضروري أن نناقش "الأفكار الجديدة"، لكي تتضوح مطابقتها للماركسية، ماركسية ماركس، التي يؤكد النقاد الجدد أنهم يعودون إليها.
هذا ما يتناوله د. هشام غصيب في هذا الكتاب، وهو الماركسي الجاد، المعني بعلمية الماركسية وثوريتها، حيث يتناول موجة النقد هذه بشكل عام، ثم يتناول "قائداً شيوعياً أردنياً" ليخصص الجزء الأساسي من الكتاب في مناقشة كتاب عطية مسوح "الماركسية من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" الصادر عن دار الينابيع (دمشق) سنة 1995. وأنا أتفق مع د. هشام بالاتجاه الأساسي للنقد، ويتوضح ذلك في كتابي "فوضى الأفكار"، فرغم انقطاعي عنه في فترة التسعينات، إلا أننا تناولنا الزوايا ذاتها تقريباً ونحن ننتقد ما أسميته النقاد الجدد، أو ما أسماه هو "شيوعية ما بعد الانهيار" وخصوصاً تناولنا لطبيعة وعي الماركسية ثم السياسات التي يقود إليها هذا الوعي.
ولا شك في أننا مقتنعون بأن هؤلاء لم يعرفوا الماركسية وفي الغالب لم يتطلعوا عليها، إلاّ عبر الأدبيات السوفياتية المبسطة. رغم "قسوة" هذا الحكم إلا أن مناقشة الأفكار التي يطرحونها توصل - في الغالب - إلى هذه النتيجة، ولهذا يبدو أننا في فوضى، حيث تدمر الماركسية باسم الماركسية، ويشطب لينين باسم ماركس، ويزال هدف الاشتراكية باسم الضرورة التي تفرض الرأسمالية، ويهال التراب على خيار لينين باسم تصفية الحساب مع الماركسية السوفياتية، إننا في فوضى، ولهذا كان من الضروري التحديد، وإعادة ترتيب الصورة، وما يقدمه د. هشام هنا يسهم في ذلك إلى أبعد حدود، فهو يلتقط أساسيات وعي" شيوعيي ما بعد الأنهيار "، ليؤكد تناقض مفاهيمهم والماركسية، وليشير إلى أنهم لم يطلعوا - بالأساس - على الماركسية.
وأتفق و د. هشام بأن المشكلة لا تكمن في المراجعة والانتقاد، بل تكمن في أن هذه المراجعة تجري انطلاقاً من "الأدوات القديمة" ذاتها، لهذا تبدو الأفكار الجديدة وكأنها "انتقال من طرف إلى آخر" ليتوضح بأن المنهجية التي تحكمها هي منهجية قديمة، أساسها مفهوم الهوية الأرسطيّ (وإن لم يقرؤوا كذلك أرسطو) وليس جدل هيغل / ماركس، رغم أن النقاد الجدد يدعون إلى ضرورة التزام الماركسية انطلاقاً من أنها "الجدل المادي التاريخي" ليبدو أن تحديد الماركسية بأنها الجدل المادي لا يعني شيئاً مادامت "آلية الذهن" مؤسسة أرسطياً، لهذا سيبدو هذا التحديد فارغاً أو ممراً لأفكار جديدة تتجاوز الماركسية. وإذا عدنا إلى كل الاتجاهات التي تجاوزت الماركسية فسنلحظ أنها كانت تبدأ في التخلي عن الجدل هذا ما فعله برنشتاين حينما انتقد "المخلفات" الهيغلية لدى ماركس ويقصد بالتحديد الجدل، ولا شك في أن وعي مفاعيل الجدل وارتباطه بمجمل منظومة ماركس هو الذي قاد إلى التخلي عنه كممر للتخلي عن الاشتراكية، حيث أصبح بديله هو منطق "التراكم الكمي" القائم على أساس "موضوعي" حيث تتطور الرأسمالية إلى أن تتعفن فتخلفها الاشتراكية، وهنا جرى التمسك بنص ماركس بقوله: "إن تشكيلاً اجتماعياً معيّناً لا يزول قط قبل أن تنمو كل القوى الإنتاجية التي يتسع لاحتوائها ولا تحل قط محل هذا التشكل علاقات إنتاج جديدة ومتفوقة ما لم تتفتح شروط الوجود المادي لهذه العلاقات في صميم المجتمع القديم نفسه"(2).
لتكون النتيجة أن "كل القوى الإنتاجية" للرأسمالية لم تنم ما يكفي لتجاوزها ولقد حكمت هذه النتيجة - كما أشرت - "نظرة كمية" قادت إلى أن تصبح "الأحزاب الاشتراكية" جزءاً من التكوين الرأسمالي.
لهذا سيبدو مستغرباً موقف "النقاد الجدد"، لأن أساس خطابهم يقوم على التمسك بالجدل المادي، لكن النتيجة لم تكن تختلف عما توصل إليه النقاد القدماء، حيث إنّ "الجدل المادي التاريخي" يفضي - عبر دراسة الواقع!! - إلى تأكيد على "خرافة الاشتراكية" و "ضرورة الرأسمالية" لأن الرأسمالية لم تستنفد ممكنات وجودها، وأنها "الصيغة الموضوعية" على الضد من كل تصورات "الماركسية الرائجة" التي كانت تسعى إلى تحقيق الاشتراكية حسب هؤلاء النقاد. والغريب أن نص ماركس آنف الذكر هو المستند لهذه الرؤية، كما كان لدى برنشتاين. ليبدو أن "الجدل المادي التاريخي" ليس مفهوماً، أو أنه صيغة غامضة طرحت كبديل لـ "النظرية الماركسية اللينينية" فقط لهذا بدا كبديل فارغ لا معنى له، وهذا ما أسست له "الماركسية اللينينية" ذاتها وأقصد "الماركسية السوفياتية" عبر تنسيقها النصوص الماركسية في "موضوعات" لكل منها قوانينها الخاصة، مما حول الجدل إلى "فلسفة تأمل" حيث وضع خارج التاريخ (المادية التاريخية) والواقع (الاقتصادي والسياسي والاشتراكية العلمية وعلم الأخلاق الماركسي)، ليكون صيغة "فلسفية" تهيم بعيداً عن كل هذه الموضوعات. وبالتالي أصبح من الطبيعي أن تظل كذلك لدى "النقاد الجدد" ما داموا لم يعودوا إلى دراسة ألف باء الماركسية، لأن وعي الجدل المادي وتمثله يفترضان العودة إلى ماركسية ماركس/ إنجلز ولينين، ودراستهم بتأن وعمق وروية. إن تجاوز الماركسية السوفياتية يفترض قراءة ما لم يُقرأ سابقاً وأقصد: الماركسية، فالجدل المادي لا يصبح "آلية ذهنية" علمية دون ذلك، ولأن الماركسية السوفياتية رفعت الجدل وقولبته وأسست قوانين الواقع بعيداً عنه، بدا رمزاً دون معنى ولا فعل بينما يفهم الواقع انطلاقاً من تلك القوانين، وهذا ما كان يؤسس للقول بضرورة (حتمية) المرحلة الرأسمالية، حيث لا يمكن أن يخلف الإقطاع سوى الرأسمالية، وهذا هو أساس فكرة "حرف مسار التاريخ" و"حرق المراحل" عبر الإرادويّة الفظة... الخ. ما علاقة الجدل بذلك؟ أليست الإرادة أليس الوعي جزءاً من الواقع؟ وبالتالي ألا يشملها الجدل؟ سنلاحظ هنا أن "الجدل المادي التاريخي" يفهم خارج إطار الواقع بما هو بُنى، يسكنها - بالتالي - الوعي والإرادة، وإذا كانت "الماركسية السوفياتية" رُبطت بالإرادة ارتبط الجدل بنزع الإرادة، فرغم أن الأستاذ عطية مسوح - مثلاً - يسعى لتوضيح كيف أن الماركسية تحولت من "فلسفة للتغير إلى فلسفة للتبرير" سنلحظ بأنه يعمل على تبرير "التطور الطبيعي" (أي العفوي بمعنى ما) بالتالي فهو يرفض أن تصبح الماركسية "فلسفة تغيير" فيعيد هنا إنتاج التصورات التي تداولتها "الماركسية الرائجة" والمتمسكة حتى العظم بضرورة التطور الرأسمالي لكن هذه المرة عبر "طربوش" الجدل المادي. لهذا يصرّ د. هشام على أن الماركسية ليست منهجاً معرفياً فقط، بل هي نهج ثوري يهدف إلى التغيير وأنا أوافق على ذلك وأعتقد بأن عدم وعي الماركسية كونها منهجاً مادياً جدلياً هو الذي يقود إلى التخلي عن طابعها الثوري التغييري، لأن التأسيس انطلاقاً من الجدل المادي يقود بالضرورة إلى "حتمية" التغيير، لأن وجود التناقض يفرض تفاقمه وتبلور طرفيه ومن ثم حسمه (النفي) ليصبح ممكناً تحقيق التركيب وتحقيق ذلك يفترض - كذلك - تحقيق الكيف عبر الكم بينما سيبدو ما يطرح من قبل "النقاد الجدد" كأنه يدفع باتجاه تحقيق التراكم الكمي في "طريق واحد" هو الرأسمالية وعبر تجاوز تناقض البرجوازية الطبقة العاملة وإلحاق هذه الأخيرة بالبرجوازية، هذا ما حاوله برنشتاين، وهذا ما تدعو إليه "فلسفة التغيير".
إذن كما تمسك النقاد الجدد بالجدل المادي دون أن نلحظ مفاعيله في تصوراتهم فإنهم يتمسكون بـ "فلسفة التغيير" دون أن يمس ذلك تصوراتهم، ليبدو أن التغيير هو عودة من تخيل ذهني إلى "واقع قائم" أي جوهرياً ثبات التصورات، حيث تسكن "الحتمية" أي (الجبرية) ذاتها وأقصد: ضرورة التطور الرأسمالي، فالمطلوب ليس تغيير الرأسمالية بل تبريرها، تبرير وجودها وتبرير استمرارها. وبالتالي فإذا كان تصور "الماركسية الرائجة" يقوم على أساس أن "الماركسية اللينينية" أي (الماركسية السوفياتية) هي الماركسية، ماركسية ماركس، فسنلحظ هنا القعر ذاته حيث صيغة "ارتقاء المجتمعات" هي ذاتها كما صاغتها "الماركسية السوفياتية" لتكون هذه هي الجدل المادي التاريخي وليتركز الهجوم على الماركسية، ماركسية ماركس ولينين. وبالتالي لتكون الماركسية هذه المرّة هي هي "الماركسية اللنينية"، وليفهم الجدل المادي التاريخي كما في "الماركسية اللينينية" أي كمقولات في "فلسفة تأملية" مقطوعة الصلة بـ "العقل" بفعل "العقل".
ولقد كنت منذ الثمانينات أؤكد أن الماركسية هي منهجية بالأساس وأن الجدل المادي هو أسها في وقت كانت الماركسية تعرّف كفلسفة أو كنظرية أو كعلم..الخ وكان المنطق النصي هو منهجها و"العلماء السوفيات" هم أساتذتها وكبار مفكريها، وحيث صيغت في شكل مكتمل عبر أقسامها الأربعة (أو الخمسة) وأقصد: المادية الجدلية، المادية التاريخية، الاقتصاد السياسي، والاشتراكية العلمية (وعلم الأخلاق الماركسي) لتعتمد كـ "فلسفة، نظرية، علم.." مكتملة ونهائية. وبهذا كانت الدعوة إلى العودة "للماركسية الأصلية" ماركسية ماركس/ إنجلز ولينين ضرورية، كما كان تأكيد ماهيتها أي الجدل المادي ضرورياً كذلك، لأنه يهدف إلى تجاوز "الماركسية اللينينية" أي (الماركسية السوفياتية) ولقد كنت أحل منهجية هي الجدل المادي بدل نص مقدس هو الماركسية اللينينية، وأحل آليات تفكير بدل نصوص معروضة لكي تحفظ عن ظهر قلب وآيديولوجيا تأسست على أنقاض الجدل المادي والماركسية الأصلية، وكنت في ذلك أعيد الاعتبار لماركس كما للينين، وبالأساس كنت أعيد الاعتبار لماهية الماركسية لأسها: الجدل المادي(3). لكن موجة التسعينات حولت كنه الماركسية إلى واجهة معركة من المفترض أنها ضد "الماركسية اللينينية" لكنها غدت ضد لينين والروح العلمية والثورية في الماركسية دفاعاً عن الماركسية اللينينية أو على الأقل عن منظوماتها الأساسية. وكذلك مدخلاً لتجاوز الماركسية. وبالتالي بات يحوّل الجدل المادي إلى مسخ، حيث إن نقادنا الجدد لا يفهمونه ولا يستطيعون الفهم انطلاقاً منه (وإلا كانت كتاباتهم جدلية) لهذا يكرّرون السياسات ذاتها التي حكمت "الماركسية الرائجة" (أي حكمتهم) وبالتالي فهم يعيدون إنتاج الخطاب القديم ربما في ثوب جديد مختلط بتصور ليبرالي أجوف. أشير إلى ذلك من أجل القول بأن التمسك بكنه الماركسية أي الجدل المادي أمر ضروري، بغض النظر عن "الاستهلاك المبتذل" له من جهة، ولتوضيح بأن نقادنا الجدد "باتوا يستخدمونه كـ "يافطة" ليس إلا، وأنه من الضروري كشف ذلك من جهة أخرى. إن تحليل المنطق الذي يحكم مجمل الأفكار التي باتت تطرح من قبل "شيوعيي ما بعد الانهيار" يوضح بأن الجدل المادي غريب فيها، كما يوضح بأنها ما زالت تنحكم لمنطق نصّي يقبع فيه "لوث أرسطي"، حيث تشكلت هذه الأفكار في التضاد وشيء ما، فكر ما، ولم تتأسس انطلاقاً من البحث في الواقع استناداً إلى الجدل المادي.
ولا شك في أن موجة الانتقاد التي بدأت منذ التسعينات لامست قضايا صحيحة، لكنها عالجتها بطريقة خاطئة، أو أن بعض الأفكار التي جرى تردادها استندت إلى نقد سابق لمفكرين ومناضلين حاولوا تحديد مشكلات الاشتراكية والماركسية الرائجة، وإن كانت وضعت في سياقات مختلفة أو فهمت بشكل خاطئ أو منقوص، لكن تبقى حاجة للتوضيح بأنه لا أنا ولا د. هشام نعتقد بأن الماركسية مكتملة أو أن كل أفكار ماركس أو إنجلز أو لينين صحيحة أو أن كل أفكار برنشتاين أو كاوتسكي أو بليخانوف.. الخ خاطئة، إن دراسة التراث الماركسي (الذي يشمل كل هؤلاء وغيرهم) استناداً إلى الجدل المادي هي التي تنتج حدود فكر كل هؤلاء، وأيضاً راهنيته. حيث يجب أن نلاحظ بأن الجدل المادي هو محور انجدال كل منظومة الماركسية، وهو في الوقت ذاته أساس مطابقة هذه المنظومة والواقع، وكذلك أساس عدم انغلاقها. لهذا أشير إلى أن العديد من القضايا في الماركسية تحتاج إلى بحث عميق لأن الإجابات حولها ليست حاسمة والكثير منها شابه التباسات، هذا إضافة إلى أن نشوء الاشتراكية والتطورات في النمط الرأسمالي العالمي يقدمان واقعاً جديداً يحتاج إلى الدراسة وإعادة إنتاج التصورات فالجدل يؤسس لمنظومة مفتوحة ولهذا فهي في حاجة لإعادة إنتاج دائم. وعليه سيبدو الحوار حول الماركسية ضروريّاً. ما تناوله د. هشام هنا وكذلك ما تناولته في كتاب "فوضى الأفكار" جزء من مناقشة جادة للماركسية بما هي ماركسية وبتلويناتها المتعددة اننا بحاجة إلى إعادة بناء الماركسية، والحوار أساسي في ذلك. إن العديد من القضايا المثارة تحتاج إلى إجابات جديدة حيث لا تكفي العودة فيها إلى نصوص ماركس/ إنجلز أو لينين أو كاوتسكي أو بليخانوف أو تروتسكي أو ماوتسي تونغ أو حتى لوكاش وغرامشي...الخ. مثلاً أصبح ضرورياً أن نعيد البحث في علاقة الماركسية بالديمقراطية لكي نفهم كيف تناول ماركس/ إنجلز ولينين هذه المسألة، ولكن أيضاً لكي نفهم سبب تحول دكتاتورية البروليتاريا إلى استبداد شمولي. ولا شك في أن المسألة ليست مسألة نظرية محضاً، بمعنى أن الماركسية تحمل بذور الاستبداد نتيجة تأكيدها الإرادة/ الذات/ الوعي، بل إنها نتاج واقع، ظرف موضوعي. وسنلاحظ بأن تناول هذه المسألة يكشف طبيعة "الجدل المادي التاريخي" لدى الأستاذ عطية مسوح وكل "الاتجاه المجدِّد" لأن مادية الجدل تفرض تحديد التصورات بالواقع وليس العكس، حيث يطابق الواقع ما يناظره، ما يستجيب لممكناته، ويلفظ ما هو خارج الممكن، حتى أكثر الأفكار "أخلاقية" أو "إنسانية". حتى مفهوم الإرادة يحتاج إلى بحث، خصوصاً أن الميل المثالي يخترق كل النقاد الجدد حيث إنه من غير الممكن تحديد الإرادة إلا في إطار الموضوع. وبالتالي لا يمكن أن تهيمن إرادة على موضوعها إلا إذا كان الموضوع ذاته يؤسس لذلك. لهذا أقول ليس من قدرات تحدد مصير البشرية فوق قدرات البشر أنفسهم وهي القدرات المحدَّدة بالواقع. من هذا المنطلق يبدو مفهوم حرف مسار التاريخ وحرق المراحل متهافتا ويوشي بالميل لتجاوز فعل الإرادة / الوعي لمصلحة الموضوع / العفوية، أي يخرج فعل البشر من معادلة الواقع، وبالتالي يلغي وعيهم ونشاطهم ليحوّلهم إلى "شيء" تتنازعه الظروف. ولهذه النتيجة أبعاد خطرة تتعلق بالتناقض القائم في الواقع ليكون أساس الميل الإصلاحي الذي يقيم الأخلاق محل الفعل السياسي وانطلاقاً من ذلك تحدد جوهر المنطق الذي يطرحه "النقاد الجدد" بأنه يقوم على إلغاء مفهوم الثورة وإلغاء مبدأ التحول النوعي وتحويل التناقض إلى مناقشة والتعادي إلى تنازع... إلخ من السلسلة التي تشير إلى تكريس "المفعول به بدل الفاعل".
هذه المسألة تطول مفهوم الحزب الذي هو اتحاد ذات / موضوع وعي / ممارسة، نخبة / طبقة أو "طبقات" إرادة/ عفوية. حيث ينفتح أفق فكفكة العلاقة تلك وتحويل دوره. وإذا كان مفهوم المركزية الديمقراطية محط نفي فقد كان بالأساس مفهوماً ملتبساً وأعطته "الماركسية اللينينية" معنى استبدادياً، لكن هل يمكن لجهاز أن يعمل دون مركز ودون آليات ضبط معينة؟ إذن المسألة تتعلق بمنظومة مفاهيم كانت غائبة عن وعي "الماركسية الرائجة" ولهذا أسست لصيغة أستبدادية، مما يفرض البحث في قضايا التنظيم بعمق وبوعي لماهية الحزب وبالتالي آليات نشاطه.
المشكلة التي تواجهنا ونحن نتابع نقد النقاد تتمثل في أن المفهومات الأساسية غائبة، وأن نقدها بالتالي سيكون هزلياً ويتحدد في النفي فقط، أو بمواجهتها بأفكار عمومية فهم ضد "التنظيم اللينيني" ومع الديمقراطية في التنظيم، ولكن لينين كان مع الديمقراطية في التنظيم ومارس ذلك. وسيبدو النقد قائماً على الربط بين لينين وستالين وهو الربط السابق ذاته، لكن المقلوب هذه المرة من المديح إلى الذم من مديح الحزب الستاليني انطلاقاً من أنه لينيني إلى ذم الحزب اللينيني انطلاقاً من أنه ستاليني، في كل الأحوال أتمنى النقاش الجاد لهذه المسألة وكل المسائل الأخرى (من مفهوم تلاشي الدولة إلى مفهوم الاشتراكية إلى طبيعة النمط الرأسمالي...الخ) حيث إننا إزاء سيل الإدانة الذي لاحق التجربة الاشتراكية منذ أن انهارت، نقفز عن التقييم الموضوعي للتجربة من جهة، وبالتالي نخسر من جهة أخرى إمكانية الإفادة منها في إعادة صياغة التصورات حول الاشتراكية، ونجهد في الدفاع عن مسائل حسمت منذ قرن تقريباً، كما نضيع عن التحليل العلمي لطبيعة النمط الرأسمالي العالمي في الوقت الراهن. لكن ربما كانت المصلحة هي التي فرضت الإفادة من انهيار التجربة الاشتراكية لكي تعيد إنتاج مفاهيم لم تنتج سوى الحركة الاشتراكية الأوروبية أي "الجناح اليساري" للرأسمالية، وهذه المسألة تلقي ضوءاً على الطبيعة الطبقية لنقادنا الجدد، وبالتالي فإن المهمة الراهنة تتمثل في إعادة إنتاج التصورات الماركسية والدفاع عنها في آن معاً، من أجل تجاوز قسوة التسعينات التي أفضت إلى أنهيار عام في صفوف الماركسيين العرب وإلى فوضى انحكمت لموجة عاتية من الانتقاد ومن التشفي، وكذلك من الهجوم والإدانة. إننا بالتالي إزاء إعادة وعي الماركسية ووعي دورها الواقعي من أجل أن تعود قوة فعل أيضاً. وهذا ما يحاوله د. هشام غصيب في هذا الكتاب، وسيبدو الهدف من هذا الكتاب متفقاً مع الهدف من كتابي "فوضى الأفكار" ولا شك في أن الأتفاق العام في رؤية الماركسية (كونها الجدل المادي) من جهة، وفي تحديد الهدف الراهن، المحدد في مواجهة كل الاتجاهات التي "شلحت" الماركسية، أو حاولت تكييفها والرأسمالية، من جهة أخرى، هما من أنتج الكتابين وأنتج التوافق بينهما.
وكمــا أشرت لن أبسط ما يتناوله د. هشام فلا شك في أن الدخول فيه أفضل...





























































الفصل الأوّل
نقـد العقــل الثّــوري
هل هنـاك بديل تغييـري للمـاركسية؟


































لنعترف ونجابه الحقيقة المرة بشجاعة: إنّ القوى السياسيّة والثقافيّة، الرسميّة والشعبيّة، الحاكمة والمعارضة، المحلية والعالميّة، تتصرف هذه الأيام بافتراض أنّ الأهداف الكبرى التي سادت في القرنين الأخيرين (1789 - 1989)، أي منذ الثورة الفرنسية الكبرى وحتى انهيار المنظومة الاشتراكية في شرقي أوربا، (الأهداف المتمثلة في: سيادة العقلانية العلميّة الثوريّة، وقيم التحرر القومي، والتنمية المتمحورة حول الذات في سياق الصراع العالمي من أجل تقويض الرأسماليّة والانتقال إلى الشيوعيّة، والهدف الاشتراكي: بناء المجتمع اللاطبقي المتقدم المتحكم في ذاته وسيرورته) - أقول: إن هذه القوى تتصرف بافتراض أن هذه الأهداف قد انتهت إما لأنها فقدت مبرر وجودها، أو لأن أحداث التاريخ المعاصر كشفت عن وهميتها ومثاليتها وعن أن المجتمع الرأسمالي الديمقراطي هو نهاية التاريخ والنظام الأمثل الممكن، برغم ثغراته.
هناك بالطبع من يصرح بذلك علانية ومن دون مواربة (فوكوياما في الولايات المتحدة، وتلاميذ له ومقلدون في بلادنا، وفي غيرها...). ويذهب أولئك إلى اعتبار أي تدخل من الدولة لتخفيف المعاناة الناجمة عن اقتصاد السوق (مثلاً تأميم الطب) مرفوضاً لأنه في نظرهم يخل بالنظام الطبيعي ويؤدي إلى كوارث اقتصادية ومعاناة أشدّ. لكن الكثيرين لا يعمدون إلى مثل هذه الصراحة الفجة في التعبير عن امتثالهم لقواعد اللعبة الرأسمالية، وإنما يعمدون إلى إخفائه خلف فيض من الألفاظ الرومانسية (ربما العديمة المعنى)، مثل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وبرامج الإصلاح الاقتصادي وما إلى ذلك. بيد أن مشكلة الفئة الثانية لا تكمن في التزامها بقواعد اللعبة الرأسمالية، ولا في محاولاتها البائسة تجميل هذه القواعد أو التخفيف من قسوتها، وإنما تكمن في أنها انتقلت عقب أحداث 1989 (أو ربما 1985) من نوع ضحل من خطاب التحرر القومي (يعكس تبعيتها الفكرية للبيروقراطية السوفييتية) إلى نوع ضحل جداً من الخطاب الليبرالي من دون التوقف والمراجعة وإعادة النظر العميق في مفهومات التحرر القومي أو مفهومات الليبرالية الرأسمالية. صحيح أن هذه الفئة طرحت شعار النقد الذاتي والمراجعة وإعادة النظر، لكنها لم تلتزم فيه بتاتاً، وإنما طرحته ستاراً لانتقالها الميكانيكي الفاضح من خطاب ضحل إلى آخر أكثر ضحالة ورجعية. إن انتقالها جاء ليكرس غياب العقل النقدي في ممارستها أو ليعيد إنتاج هذا الغياب بصورة أكثر حدة. فهو في جوهره انتقال من تقليعة إلى أخرى، وليس انتقالاً من إطار فكري ملتزم فيه إلى إطار فكري آخر بفعل تفاعل معيّن مع أحداث ثوريّة. فهذه الفئة، وتعبيراً عن تبعيتها المطلقة وذيليتها، رأت المركز السوفييتي ينهار، فقررت خلع الثوب الأحمر الذي ارتبط لونه بهذا المركز المنكوب، وخافت أن تظل عارية عرضة لرياح التغيير الباردة القادمة من الشرق والغرب، فقررت ارتداء الثوب المزركش الذي صممه فوكاياما في أروقة المؤسسة السياسية الأميركية، وصبغته هنا وهناك بصبغة الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي طالما خدمت النظام الإمبريالي الرأسمالي بإخلاص.
ولكن، مع ذلك، فإن اضطرارها إلى هذا الانتقال الفاضح يفصح عن تغيرات حقيقية في موازين القوى وقناعات الناس والقوى الاجتماعية. إنه بالفعل يعبّر عن أفول نجم الأهداف الكبرى لحركة الثورة العلمية التي سادت في القرنين الأخيرين: (سيادة العقلانية العلمية الثورية، والتحرر القومي الجذري، و الاشتراكية). هذه حقيقة لا يمكن نكرانها. هناك أفول واضح لهذا النجم الذي كان ساطعاً حارقاً لأعصاب البرجوازية بشرائحها المختلفة في يوم من أيام الماضي القريب. وهناك أسباب اجتماعية تاريخية معروفةٌ كذلك. ولكن، هل هناك مبررات قوية له؟ وهنا ينبغي التفريق جيداً بين السبب (العلة) cause والمبرر (Reason justification). ويمكن القول إن السبب هو الأساس المادي للحدث الاجتماعي التاريخي. أما المبرر فهو أساسه العقلي المنطقي. وبتعبير أدق، فإن السبب هو العلاقة بين سلسلة من الأحداث التاريخية والوعي السائد. أما المبرر فهو يخص العلاقة بين المنظومة الفكرية المعنية والواقع في ضوء الأحداث المعنية وبإدراك هذه العلاقة.
فلئن زلزلت الأحداث المذكورة الوعي السائد وجعلته يهتز ويتنكر للتراث الثوري الحديث ويتخلى عن مفهوماته ومنظومته الفكرية، فهل هناك مبررات علمية فعلية لذلك؟ هل الذي انهار هو التراث الثوري الحديث في حد ذاته، أم إن الذي انهار هو العلاقة بين هذا التراث والوعي السائد؟ هل تكمن العلة في التراث الثوري نفسه، أم في الوعي السائد الذي حمله ردحاً من الزمن؟ هل دلت الأحداث الأخيرة على بطلان هذا التراث، أم إنها فقط عملت بزلزالها على كسر العلاقة بين الوعي السائد وهذا التراث؟ وتفرض هذه الأسئلة السؤال الآتي: هل كان التزام الوعي اليساري السائد بالتراث الثوري قبل 1989 مرده إلى مبررات عقلية، أم إلى عوامل أخرى؟ من ثم، هل إن التنكر الحالي لهذا التراث مرده إلى انهيار المبررات العقلية أم إلى زوال كثير من العوامل الأخرى التي ارتكز إليها هذا الالتزام؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية إذا أردنا أن نكشف زيف عبارات مثل: (الماركسية فشلت)، (الاشتراكية فشلت)، (التحرر القومي وهم)، (ليس هناك عقلانية علمية)، (الرأسمالية هي أفضل الممكنات)، وما إلى ذلك. لكن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالعملية السهلة، ولا الآنية، ولا النظرية البحتة. ومع ذلك، فسنحاول، هنا، تقديم إجابات أولية مؤقتة نأمل في أن تثير حواراً مجدياً يمكن أن يساهم في تجديد الوعي اليساري السائد على أسس أكثر أنسجاما مع مهمات اليسار التاريخية. بيد أن إجاباتنا لن تكون، ولا يمكن لها أن تكون، مباشرة، وإنما ستأخذ شكل التراكم المعرفي والمناقشة الجدية المفتوحة لكثير من القضايا المتعلقة بالتراث الثوري ومشكلاته وتناقضاته. فنحن لن نفترض النتيجة سلفاً ونختلق الحجج من أجل الوصول إليها قسراً. كلا! لكننا سنعمل على إضاءة جوانب متعددة من الموضوع حتى نستطيع ويستطيع القارئ أن نقرر معاً مدى مشروعية ما أسميناه فلسفة التحرر القومي والفكر الاشتراكي. هذا بالطبع لا يعني أننا لسنا ملتزمين بهذه الفلسفة. إننا ملتزمون بها بقضها وقضيضها، على أساس التجارب والمعاناة والمناقشات الماضية، وعلى أساس تحليلات مستفيضة لأحداث 1989 وما تلاها. لكننا لن نقحم هذا الالتزام في مراجعتنا فلسفة التحرر القومي، وإلا انتفى فعل المراجعة. فهذا الفعل يفترض وضع هذا الالتزام بين قوسين، على غرار (تقويس) (إدموند هوسيرل)، حيث إن موضوع المراجعة وإعادة النظر هو الأساس العقلي لهذا الالتزام. فلو انطلقنا من هذا الالتزام في بحثنا، كان البحث عبثياً ولاغياً لذاته. فكيف يبرز أساس فكرة ما انطلاقاً منها؟! لكننا بالطبع سنظل ملتزمين بهذه الفكرة في ممارستنا وفعلنا إلى أن يبرز في سياق بحثنا ما يدعو إلى تعديلها. على أنه، مهما يكن الأمر، فإنه لا يجوز ترك فلسفة التحرر القومي من دون مراجعة وتمحيص، أي لا يجوز التخلي عنها ولا التمسك الأعمى الدغمائي بها من دون وضعها موضع التساؤل والشك والبحث. فأهداف هذه الفلسفة أخطر بكثير من أن تعامل برعونة واستهتار. إن الكثير الكثير يتوقف على إعادة تأسيس هذه الفلسفة أو التخلي عنها، الأمر الذي يستلزم أقصى درجات الجدية عند التعامل معها، تماماً كما كان الحال مع مفهوم الذات الإلهية في العصور الوسطى.
إننا سنحاول أن نضيء جوانب من المسائل التي تعالجها هذه الفلسفة، وندعو غيرنا إلى الولوج في هذا العالم الشائك ومجابهة تحدي هذه الفلسفة بدلاً من الهروب منها. لقد رأينا نتائج هذا الهروب: التهافت والتراجع والتشرذم والانحلال وربما الخيانة الوطنية والقومية.

لماذا أخفقت الثورة العالمية؟
إن القضية الأساسية التي تجابهنا اليوم هي بقاء البشرية على سطح الأرض. وهذا يستلزم تحكم البشر في نظامهم البيئي الذي هو من صنعهم في واقع الحال، أي تحكمهم في ذاتهم وتاريخهم، أي خلق بنى اجتماعية متحكم في تغيرها وتطورها. وهذا يعني تخطي النظام الرأسمالي وإلغاءه جدلياً إلى رحاب نظام بسيط هو امتداد للإرادة البشرية الموحدة الواعية المسلحة بالعقلانية العلمية، وليس صورة مغتربة عنها. وهذا ما نفهمه بالاشتراكية أو المجتمع الشيوعي. إن الشيوعية غدت شرطاً من شروط بفاء البشرية واستمرارها. لذلك، فإن السؤال المحوري اليوم لدى البشرية جمعاء هو: كيف نحقق هذا الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية؟ فالمجتمعات لا تتغير ميكانيكياً من تلقاء نفسها، وإنما بفعل الممارسة الشرية. لذلك يغدو السؤال الجوهري: ما الممارسات المطلوبة لإحداث هذا الانتقال؟ وما هي الذات (القوة الاجتماعية) الملقاة على عاتقها هذه المهمة؟
الجواب الماركسي، التقليدي، هو: أنّ الطبقة العاملة الصناعية هي الذات الملقاة على عاتقها هذه المهمة. بل إن فيلسوفاً مثل جورجي لوكا تش يذهب إلى أبعد من ذلك باعتبار البروليتاريا الذات - الموضوع للتاريخ على غرار روح هيغل، أي يعتبرها روح التاريخ البشري الهيغلي. وقد عدل هذا الجواب في ضوء حركات التحرر القومي والثورة الصينية بالتحديد، فأنيطت مهمة التغيير بالتحالف بين العمال والفلاحين وشعوب العالم الثالث. وتبلورت إثر ثورة أكتوبر 1917 فكرة بدء الثورة وتجذرها في الأطراف (روسيا، الصين، العالم الثالث) وانتقالها السريع أو البطيء إلى المراكز حيث تأخذ البروليتاريا الصناعية على عاتقها مهمة بناء الاشتراكية على الصعيد العالمي. جاءت هذه الفكرة نتاجاً لثورة أكتوبر والثورة الصينية وحركات التحرر القومي في العالم الثالث (أي نتاجاً لآراء لينين وتروتسكي وماو وتشي بصورة خاصة). لكنها حتى الآن لم تثمر بالصورة التي أرادها أصحابها. ولئن أفلحت في إشعال نار الثورة والمقاومة في مجتمعات العالم الثالث (الأطراف)، فإنها أخفقت بصورة عامة في إشعال نار الثورة في المراكز المتقدمة، أي أخفقت في تحريك الطبقات العاملة الصناعية صوب التغيير الثوري، فظلت هذه الطبقات إصلاحية المزاج، اقتصادية المطالب، بعيدة عن الفعل السياسي الثوري، قوموية النزوع. وبرز سؤال: لماذا استكانت البروليتاريا الغربية بهذه الصورة البائسة في السبعين عاماً الأخيرة؟ كيف تستكين طبقة من المفروض أنها ثورية في بنائها الداخلي وبحكم موضعها في المجتمع على هذا النحو؟ لماذا اقتصر صراعها الطبقي على الإصلاحات الديمقراطية الاجتماعية والمطالب الاقتصادية فقط؟ لماذا انساقت بهذه الصورة البائسة وراء الآيديولوجية البرجوازية، بما في ذلك العنصرية الغربية؟ هل إن العلة تكمن في النظرية الماركسية نفسها التي تلصق بالبروليتاريا دوراً حاسماً في تاريخ البشرية ومصير الإنسان؟ أم إن هناك عوامل لهذه الاستكانة تكبت الجوهر الثوري للبروليتاريا إلى حين؟ وهل إن هذا الجوهر محتم عليه أن يبرز مجدداً مع تغير هذه العوامل أو زوالها؟ وبتعبير آخر، فهل إن العلة تكمن في التصور الماركسي الكلاسيكي لوتيرة الثورة وفترة نضوجها، أم إنها تكمن في الفلسفة الماركسية نفسها؟ هذه هي الأسئلة المؤلمة التي انبرى للإجابة عنها العديد من المفكرين الماركسيين والبرجوازيين في القرن العشرين.
وكانت أولى الإجابات هي التي اقترحها لينين والمتمثلة في كون الرأسمالية الإمبريالية قادرة، عبر نهبها المستعمرات والأطراف الرأسمالية، على رشوة شرائح من الطبقة العاملة، وهي الشرائح التي أسماها لينين الأرستقراطية العمالية. لكن هذا لم يزعزع إيمان لينين في ثورية الطبقة العاملة في المراكز. فكل ما في الأمر أنه اعتبر الأرستقراطية العمالية العائق الأساسي أمام تبلور هذه الثورة. ومن هنا نبع تأكيده الدور الرئيسي للحزب الثوري في قهر نفوذ الأرستقراطية العمالية وإنقاذ الطبقة العاملة من براثنها.
ولعل أعمق الإجابات التي تلت الإجابة اللينينية هي تلك التي بلورها الثوري الإيطالي المعروف أنطونيو غرامشي في (دفاتر السجن). إذ عمد غرامشي إلى تأكيد دور عناصر البناء الفوقي (الثقافة، السياسة، الآيديولوجيا، الفكر، التراث) في الصراع الطبقي وفسّر الإخفاقات الثورية في الغرب بالضعف الثقافي للبروليتاريا مقارنة مع البرجوازية الغربية المهيمنة، أي عزاها إلى عدم توافر الشروط الثقافية للهيمنة البروليتارية على المجتمعات الغربية.
وكان من أكثر المدارس الفلسفية الغربية التي عنيت بهذه المسألة مدرسة فرانكفورت (هوركهايمر، أدورنو، ماركوزه، هابر ماس). ومالت هذه المدرسة إلى الرأي القائل بأن الرأسمالية في المراكز نجحت تماماً في استيعاب الطبقة العاملة الغربية الصناعية وبرجزتها مما أفضى إلى تجميد التناقضات الداخلية للرأسمالية، ومن ثم التحكم فيها وتأمين شروط ديمومتها. وقد قاد هذا الرأي اليائس القانط هوركهايمر وأدورنو إلى التنكر لتراث التنوير الذي تفجر في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. لكنه قاد هربرت ماركوزه إلى تحويل أنظاره الثورية من الطبقة العاملة إلى طلبة الجامعات والجماعات والإثنيات المهمشة، مثل السود والهبيز والمتشردين. ولم يقف ماركوزه ليسأل نفسه ما إذا كانت هذه الجماعات قادرة بحكم تركيبها وموقعها الاجتماعي على إحداث التغييرات المطلوبة.
ومن جهة أخرى، فقد انبرى مجموعة من مفكري التحرر القومي (أصحاب نظرية التبعية)، وعلى رأسهم سمير أمين، لتطوير نظرية شاملة للتراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي، أي للرأسمالية الفعلية بوصفها نظاماً عالمياً يطيع قانون القيمة المعولم. وأكد أولئك المفكرون أن التوسع والتراكم الرأسمالي المعولم يخلق استقطاباً في النظام الرأسمالي العالمي بين المراكز المتقدمة والأطراف المتخلّفة، بمعنى أن التخلف هو نتاج التوسع الرأسمالي. وهذا الاستقطاب يحد من الإمكانات الثورية في المراكز، لكنه يضع الأطراف في حالة ثورية دائمة. والسبب الرئيسي في ذلك هو أن تقسيم القوة العاملة إلى جيش عامل وجيش احتياطي اتخذ في الرأسمالية العالمية طابعاً جغرافياً، بحيث أضحت المراكز موطن الجيش العامل وأضحت الأطراف موطن الجيش الاحتياطي. لكن هذا التقسيم الجغرافي حد كثيراً من التفاعل بين الجيشين، وذلك بفعل محدودية تبادل قوة العمل على الصعيد العالمي والحواجز اللغوية والقومية والثقافية والتراثية، الأمر الذي حدّ كثيراً من إمكانية قيام حركة عمالية ثورية ملتحمة معاً على الصعيد العالمي، وحدّ من إمكانية امتداد ثورة الأطراف إلى المراكز. وكانت النتيجة هيمنة الديموقراطية الاجتماعية الإصلاحية على الطبقة العاملة في المراكز، وتفشي اللينينية الثورية في الأطراف. لكن اللينينية الثورية الكلاسيكية، وإن كانت تعتبر الأطراف الحلقة الأضعف في السلسلة، الأمر الذي يؤدي إلى نشوب الثورات الاشتراكية فيها، إلا أنها كانت ترى ضرورة الامتداد السريع للثورة من الأطراف إلى المراكز حتى تثمر وتكون مجدية. وعليه، فإن التقسيم الجغرافي الآنف ذكره يبطل إمكانية نجاح الثورة العمالية على الصعيد العالمي في نظر اللينينية الكلاسيكية. لذلك فقد تخطى سمير أمين اللينينية الكلاسيكية وعارضها في فكرة ضرورة الانتقال السريع للثورة من الأطراف إلى المراكز، وبنى نظرية تاريخية كاملة لتبرير فكرة أن نمط الإنتاج الجديد يبدأ في الأطراف ويتفشى ببطء نحو المراكز. وطبق سمير أمين هذه النظرية على جميع الحقب التاريخية، بما في ذلك ما أسماه الحقبة الخراجية (الإتاوية) التي سبقت الحقبة الرأسمالية.
ويبدو لي أنه إذا تمسكنا بأنطولوجيا النظرية الماركسية، واعتبرناها ضرورية، فلا مفرّ من الارتكاز إلى التفسير الذي فصل معالمه سمير أمين، ذلك التفسير الذي صمد، لا بل تعزز، أمام التغيرات الكبرى التي وقعت في السنوات الخمس الأخيرة. فالنظرية الأمينية هي من النظريات القليلة التي تضمنت في أحشائها احتمالية الأحداث الجسام المذهلة والمربكة التي وقعت مؤخراً على الصعيد العالمي.

هل انهار المنهج النقدي؟
إذا أقررنا بمقولة نهاية التاريخ، فلا بد أن نقر أيضاً بأن للمنهج النقدي سقفاً هو الرأسمالية الليبرالية وفكرها. وهذا يعني انهيار المنهج النقدي بمعناه الماركسي المفتوح على اللانهاية والرافض للكائن (= القائم) من حيث هو كائن. فالنقد الوحيد المشروع في نظر أصحاب مقولة نهاية التاريخ هو النقد الجزئي غير الثوري المرتكز إلى الرأسمالية الليبرالية. وهو يغدو لا مشروعاً بمجرد أن يبدأ بتخطي هذا السقف. وما إن يصل مجتمع إلى مستوى الرأسمالية الليبرالية حتى يغدو النقد الكلي، على غرار الماركسية، فعلاً رجعياً مدمراً، ومن ثم غير مشروع. فالنقد الوحيد المشروع هو نقد الجزء والجزئي في سياق إعادة إنتاج الكل الرأسمالي ومن أجل إعادة إنتاجه. إنه رفض مطلق للشمول والشمولي في جميع صوره. هذا هو جوهر ما يسمى ما بعد الحادثة. إنه نفي للكلي، للجدلي (الديالكتيكي)، للثوري. هذه هي صرعة عصر الانكفاء الذي نعيشه اليوم منذ 1989. إنه عصر ترسيخ الكائن (= الوضع القائم) والتعامل معه. فهل نستكين إلى هذه الصرعة؟ هل نستطيع أن نستكين إليها بوصفنا عرباً وبشراً؟
هناك بالطبع عدة أسباب لرفضنا الاستكانة إلى صرعة ما بعد الحداثة. وقد ذكرنا سبباً مهماً، أولاً، في مقالة سابقة، مفاده أن الرأسمالية نظام مغترب معقد يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، التحكم فيه، ويقود بفعل منطقه الداخلي إلى تدمير البشرية وبيئتها. والسبب الثاني هو أن جل مجتمعات العالم الثالث ما زالت تتضمن أطراً وبنى ما قبل رأسمالية أو رأسمالية بدائية يحكمها منطق إنتاجي متخلّف. وقد تبين أن هذه البنى مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمجمل التشكيلة الاجتماعية التي تقع ضمنها. من ثم فإن تدميرها لا يمكن أن يتم بمعزل عن تغيير التشكيلة الاجتماعية برمتها. وهذا بدوره يقضي بنقد الكائن في سياق تحويله الثوري. ولا يمكن أن يتم النقد في هذه الحال من منظور الفكر الليبر إلي السائد حالياً، حيث إنه فكر إصلاحي (باعترافه) يكرس الكائن (القائم). لذلك، لا مناص من العودة إلى التراث الثوري النقدي الذي ابتدأ مع البرجوازية الثّوريّة ووصل أوجه في ماركس ولينين. لكن مثل هذا النقد والتحويل الثوري على صعيد العالم الثالث يطرح مسألة بقاء الرأسمالية الليبرالية على صعيد مراكز الرأسمالية الغربية، ومن ثم يهز مقولة (نهاية التاريخ) من أعماقها. فهل يمكن أن يتم مثل هذا التحويل الثوري في ثلاثة أرباع المجتمع البشري من دون أن يمس أعماق المراكز الرأسمالية الكبرى؟ وهذا يدل على أن هذا المنهج النقدي ما زال مطروحاً بعنف على مسرح الأحداث برغم 1989. فلئن كانت الرأسمالية الليبرالية سقفاً للمنهج النقدي، فإنها بالتأكيد سقف غير مستقر وآيل للسقوط في أي لحظة.
أما السبب الثالث، فهو أن التنمية، وكما أسلفنا، تستلزم تحديث الوعي الاجتماعي السائد، بما في ذلك تحديث الخطاب الثقافي. لكن التاريخ يعلمنا أن مثل هذا التحديث لا يتم بإجراءات وأوامر فوقية، وإنما هو سيرورة تاريخية تنطوي على الثورات والقفزات والشروخ والالتواءات. فالبنى الاجتماعية الثقافية لا تتغير إلا بالمعاناة الثورية للجماهير. وعليه، فإن عملية التحديث والتنمية المطلوبة بإلحاح في بلداننا تستلزم الوعي النقدي الجذري في سياق التحولات الثورية. بل إن تحديث الوعي الاجتماعي هو إعادة بنائه على أساس محورية الفكر الثوري النقدي. إنه معاناة الفكر الثوري النقدي في الأعماق وبصورة متواصلة.
أما السبب الرابع، فهو سبب إيبستيمولوجي يتعلق بطبيعة المعرفة الاجتماعية، أي معرفة المجتمع. إنه يتعلق بالشروط المنهجية والاجتماعية لمثل هذه المعرفة. ولدينا في هذا الصدد نقطتان جوهريتان. وتتعلق النقطة الأولى بطبيعة الوعي الاجتماعي القادر على إنتاج المعرفة وتوفير أدواتها وقاعدتها. وهنا نقول: لئن كان بروز الوعي البرجوازي الثوري (المادي) شرطاً من شروط إنتاج المعرفة في العلوم الطبيعية في مطلع الحقبة الحديثة من تاريخ البشرية، فإننا نعتقد أن بروز الوعي العمالي الثوري (المادي الجدلي) كان أيضاً شرطاً من شروط إنتاج المعرفة في العلوم التاريخية والاجتماعية في العصر الحديث. ولما كان هذا الوعي نقدياً في بنائه الداخلي، فإن المنهج النقدي هو شرط ضروري من شروط إنتاج المعرفة بصدد التاريخ والمجتمع. إن إنتاج المعرفة التاريخية والاجتماعية يتم عبر نقد موضوع المعرفة في سياق تغييره. إن العلاقة النقدية بين المعرفة وموضوعها هي ضمان علميتها.
أما النقطة الثانية، فهي أن علوم الاجتماع والتاريخ تتميز عن علوم الطبيعة في أن هدفها العملي لا ينفصل عن بنيتها المعرفية. فالهدف العملي هو الذي يحدد بناها المعرفية والمنهجية. إنه شرط وجودها بالصورة التي توجد فيها. وعلى سبيل المثال، فإن الهدف العملي للعلم الاجتماعي البرجوازي المعاصر هو هدف محافظ يتمثل في اتباع الأساليب والسبل لضبط المجتمع الرأسمالي وإعادة إنتاجه والحفاظ عليه وتحسين مواقع الجهات المعنية في بنائه الداخلي. وينعكس هذا الهدف العملي على مجمل البناء الداخلي لهذا العلم. فهو يرتكز إلى مفهومات سكونية تؤبد نمط الإنتاج الرأسمالي وتكرس اغترابه ووثنيته. كما إنه يغيب في بنائه المفاهيمي التناقضات التي تنخر قلب المجتمع الرأسمالي. فهو يسعى إلى ضبط هذه التناقضات وتجميدها أو إعادة إنتاجها، لا إلى حلها. إن الهدف العملي يدخل جوهرياً في تحديد الأسس والحدود. لذلك نجد أن العلم الاجتماعي البرجوازي هو أقرب إلى التقانة أو الهندسة engineering منه إلى العلم.
أما الهدف العملي للعلم الاجتماعي العمالي فهو تخطي نمط الانتاج الرأسمالي صوب حل تناقضاته والتغلب على وثنيته واغترابه. إنه هدف ثوري تقدمي حتى النخاع. لذلك فهو يرتبط ارتباطاً عضوياً بالقوى الاجتماعية الثورية التي تسعى إلى فهم واقعها وإمكاناتها التاريخية ونقد الكائن من أجل تحويله ثورياً صوب الجديد. وينعكس هذا الهدف العملي بجلاء في البناء الداخلي لهذا العلم. فهو يرتكز إلى مفهومات تاريخية جدلية متحركة تؤكد تاريخيّة التشكيلات الاجتماعية، وحتمية زوال نمط الإنتاج الرأسمالي، وإمكانية تخطيه صعوداً إلى أشكال اجتماعية أرقى، وجوهره التناقضي، وطابعه الوثني الاغترابي. فهو يسعى إلى فهم الرأسمالية في صيرورتها بنقدها وبيان أصولها وآليات نشوئها وحدودها التاريخية بحيث تكون هذه المعرفة مرشداً حقيقياً، لا وهمياً، للفعل الثوري.
وهنا لا بد من إيراد الملاحظتين الآتيتين. وتتمثل الملاحظة الأولى في أن كون العلمين الاجتماعيين، البرجوازي والعمالي، يرتكزان إلى هدفين عمليين متعارضين لا يعني البتة أنهما لا يستفيدان من بعضهما. فهما يسطوان باستمرار على بعضهما لتحقيق أغراضهما. فالواحد يشكل تحدياً مستمراً للآخر يدفعه باستمرار إلى التطور واستيعاب المزيد من الظاهرات والأطر. وكلنا يعلم البراعة الفائقة التي أستعمل بها لينين نتائج العلم الاجتماعي البرجوازي في فهم تطور الرأسمالية في روسيا في مطلع القرن العشرين. وكلنا يعلم أيضاً البراعة الفائقة التي سخّر بها بريجنسكي الماركسية في فهم الاتحاد السوفييتي وعوامل انهياره، لكن هذه الاستفادة المتبادلة لا تلغي التمايز الكيفي بين العلمين الاجتماعيين، وإنما تؤكده. فالاستفادة المشار إليها هي استفادة جزئية، ولا يمكن لها أن يتخلى عن برجوازيته، وإ كان يستفيد جزئياً منها، مثلما أنه لا يمكن لمفكر ماركسي أن يتبع العلم الاجتماعي البرجوازي برمته من دون أن يتخلى عن ماركسيته، وإن كان مطالباً بالأستفادة من العلم الاجتماعي البرجوازي وهضمه نقدياً.
أما الملاحظة الثانية، فهي أنه لا يجوز علمياً ومنطقياً محاكمة أي منهما على أساس الهدف العملي للآخر. فهناك مثلاً من يلوم العلم الاقتصادي الماركسي لقصوره في مجال حساب الربحية والأسعار وشروط الاتزان وغيرها من العوامل التي تهم الطبقة الرأسمالية والدولة الرأسمالية في سياق إزالة معوقات تراكم الرأسمال وإعادة إنتاج النظام الرأسمالي. وهم يرون أن معادلات الاقتصاد الماركسي في هذا المجال تتضمن عوامل وكميات فائضة لا لزوم لها. لكنهم يغفلون أن العلم الاقتصادي الماركسي لم يبن من أجل مساعدة الرأسمالي ودولته في ترتيب أمورهما وتحديدهما وتجديد شروط وجودهما، وإنما بني من اجل أن يكون مرشداً حقيقياً لقوى التقدم في فعلها الثوري الهادف إلى بناء الاشتراكية على أنقاض الرأسمالية. إنه علم اقتصادي ثوري في جوهره، ولا يجوز البتة استعمال علم الثورة أداة للحفاظ على الكائن (= ما هو قائم) وإعادة إنتاجه. إن الاستعمال المشروع الوحيد له هو صنع الثورة الاجتماعية، لا منعها ولجمها.
والخلاصة أن المنهج النقدي لم يفقد ضرورته ولا مصداقيته، وإن كان أثره قد تراجع منذ 1989.

راهنية كارل ماركس
إذا استعرضنا مفكري القرن التاسع عشر ونظمهم الفكرية، بان لنا عمق الهوة التي تفصلنا اليوم عن ذلك العصر ومشكلاته وهمومه، وبانت لنا غربة فكره عن هموم عصرنا ومشكلاته. وهذا ينطبق على جميع مفكري ذلك القرن، باستثناء واحد. هذا الاستثناء هو المفكر الألماني كارل ماركس.
إن الهواجس التي سيطرت على مفكري القرن التاسع عشر تبعث أحياناً على الابتسام والسخرية في ضوء هول ما يجابهنا اليوم من تحديات مصيرية تتمحور حول السؤال: هل إن البشرية قادرة اليوم على تفادي تدمير نفسها والأرض معاً؟ هل إن تدمير البشرية لنفسها مكتوب بنيوياً في المجتمع البشري الحديث؟
في ضوء هذا السؤال المصيري الذي لم يبرز بجلاء إلا في الآونة الأخيرة، تبدو جل النظم الفكرية التي أنتجت في القرن التاسع عشر ساذجة ونوعاً من الترف الأرستقراطي عديم الجدوى. هكذا يتبدى عقل هيغل المطلق وتصوره التاريخ على أنه سيرورة عودة العقل إلى ذاته بعد اغترابه في الطبيعة. وهكذا تبدو إرادة شوبنهاور العمياء التي تكرر ذاتها وتجددها عبر الشهوة البشرية والحيوانية، وسوبرمان نيتشه والقيم المرتكزة إلى مفهومه، وقفزات كيركغور الإيمانية، وغيرها من النظم الفكرية في القرن التاسع عشر. بل إننا نشعر الشعور ذاته بإزاء كثير من مفكري القرن العشرين، سواء تعلق الأمر بقلق هيدغر الوجودي، أو حرية سارتر المطلقة، أو لا معقول كامو وعلاقته بمسألة انتحار الفرد ومسألة معنى الوجود. كل هذه الأفكار والهواجس تكتسي طابع الترف وتبهت جديتها أمام هول الرعب الذي يتملكنا ونحن نشهد البشرية اليوم تخطو خطوات متسارعة صوب الهاوية. إننا نشعر أن هذه النظم الفكرية غريبة عن همومنا، بعيدة عما يؤرقنا، عاجزة عن استيعاب المشكلات الحقيقية التي تجابهنا. نشعر بذلك بإزاء جميع مفكري القرن التاسع عشر (ناهيك بجل مفكري القرن العشرين)، باستثناء واحد، كما أسلفنا، هو كارل ماركس. إن ماركس هو فيلسوف القرن الحادي والعشرين بامتياز. هذا، على أي حال، ما تنبه إليه مؤخراً الفيلسوف الفرنسي الكبير جاك دريدا. لماذا؟ لماذا نعتبر كارل ماركس استثناء للقاعدة في حال مفكري القرن التاسع عشر وكثير من مفكري القرن العشرين؟ لماذا نعتبره فيلسوف القرن الواحد والعشرين بامتياز برغم أنه عاش في القرن التاسع عشر؟
هناك افتراض يدخل ضمناً في صلب النظم الفكرية السائدة في القرن التاسع عشر، وهو أن الطبيعة الأرضية لانهائية الإمكانات والاتساع والقدرة على استيعاب التغييرات. وهي، في نظر أولئك المفكرين، لا تتعدى كونها مسرحاً محايداً سكونياً لدراما الروح (عقل هيغل المطلق، إرادة شوبنهاور الشيطانية، صراع القيم لدى نيتشه، فرد كيركغور المعذب). ويقترن بهذا الافتراض افتراض ضمني آخر، وهو أن الإنسان في جوهره ليس كائناً طبيعياً، وإنما هو كائن روحي لا يخضع في جوهره للطبيعة وقوانينها، وأنه، من ثم، لا يتأثر جوهرياً بالطبيعة ولا يؤثر فيها. فالتفاعل بين الإنسان والطبيعة هو تفاعل عرضي لا يمس جوهر أي منهما!
أما نظرية ماركس، فهي ترتكز إلى المقومات الآتية:
- نظر ماركس إلى الإنسان على أنه كائن طبيعي متميز يخضع في النهاية إلى قوانين الطبيعة (قوانين المادة والحركة)، ومن ثم فهو يمثل قوة طبيعية فاعلة في الطبيعة، ويرتبط ارتباطاً جوهرياً بالطبيعة لكونه كائناً طبيعياً، لكنه ينفصل عنها في آن بفضل تميزه. إنه يمثل طفرة طبيعية تدشن عصراً جديداً في تاريخ المادة وتاريخ الأرض. ويكمن تميزه في فاعليته الإنتاجية، أي قدرته على العمل الخلاق الهادف الذي يجسد المعرفة التّجريديّة في تشكيل الطبيعة وفق الحاجات البشرية. وهذه الفاعلية هي فاعلية مادية طبيعية، لكنها متميزة في درجة تنظيمها ومرونتها، حيث إن مرشدها هو شبكة من الأدمغة (مصانع الفكر والمعرفة والصور والتصورات). وهذه الفاعلية هي أساس تاريخية الإنسان. فالإنسان هو الكائن الذي يخلق بيئته حتى يستطيع أن يعيش فيها ويلبي حاجاته المتنامية تاريخياً. إنه يمارس فاعليته الإنتاجية على أجزاء من بيئته فيطوعها لكي تلائم حاجاته. لكنه بذلك يعمل على تغيير بيئته بصورة غير متحكم فيها (على الأغلب). وهذه البيئة المتغيرة تعمل بدورها على تغيير الإنسان (المجتمع) الذي خلقها. فهناك إذاً علاقة جدلية مادية بين الإنسان (المجتمع) وبيئته. فهو يخلقها في الوقت الذي تعمل هي على خلقه. هكذا يتطور الإنسان، وهكذا يكتسب تاريخيته وتاريخه. والنظام الفكري الوحيد الذي أدرك منهجياً هذه العلاقة هو النظام الذي وضعه كارل ماركس في منتصف القرن التاسع عشر.
- لقد أدرك ماركس جيداً أن المجتمع البشري هو نظام مادي في جوهره، وإن كان نظاماً متميزاً. وأدرك أن هذا النظام المتميز المتنامي يدخل في تفاعل غير متحكم فيه مع البيئة الأرضية (وربما الكونية في المستقبل). ولعله المفكر الوحيد (في القرن التاسع عشر على الأقل) الذي أدرك مادية المجتمع البشري وتاريخيته بهذا المعنى. لقد أدرك ماركس أن المجتمع البشري يمثل قوة طبيعية من صنف متميز قادر من حيث المبدأ على تغيير معالم هذه البيئة بصورة جذرية، وربما قادر على تخريب هذه البيئة وتدمير نفسه على أساس هذا التخريب. وبصورة خاصة، فقد أدرك ماركس خصوصية الرأسمالية (الشكل الرأسمالي لتنظيم المجتمع البشري) في هذا المضمار. إذ أدرك بعمق أن الرأسمالية نظام إنتاج، ثوري في أساسه، بالنسبة إلى نظم الإنتاج السابقة، يقتات على التوسع والتغيير المستمرين ويعيد إنتاج نفسه بصورة متسعة وبوتائر متسارعة. فهو نظام يسعى بحكم تركيبته الداخلية إلى تراكم الرأسمال. فجوهر هذا النظام هو عملية تراكم الرأسمال (أي إنتاج فائض القيمة وتحقيقه في عملية التبادل السلعي والنقدي). لذلك فإن وتيرة تغير البيئة الأرضية بفعل الفاعلية الإنتاجية للمجتمع البشري ترتفع بصورة نوعية في الرأسمالية. كما إن درجة الفوضى والعشوائية تتعاظم نوعياً. فالنظام الرأسمالي هو في جوهره نظام عالمي متنام بوتائر متسارعة بحيث يمس البيئة الأرضية في الصميم، وهو إلى ذلك غير متحكم فيه من حيث الجوهر والأساس. وبتعبير آخر، فإنه يفقد جوهره الرأسمالي إذا تم التحكم فيه على صعيد الإنتاج، أي إذا كانت عملياته الإنتاجية تسير وفق خطّة مسبقة محسوبة العواقب. لذلك، فإن أقصى ما تستطيع البشرية أن تفعله بصدد هذا النظام هو محاولة تسخير قوى الإنتاج الضخمة التي تفجرت في الحقبة الحديثة في التحكم في آثاره ووتيرة تغيره. إن النظام الرأسمالي هو كالثور الهائج الذي تسعى ثلة من الأطفال إلى ضبطه. وبالنظر إلى القوى التدميرية الهائلة التي ولدها هذا النظام، فإن البيئة الأرضية مهددة بالفعل، ومن ثم فإن البشرية على ظهر الأرض مهددة بالفعل أيضاً. وكما رأينا، فإن الإمكانية العيانية لذلك مكتوبة بنيوياً في قلب النظام الفكري الماركسي، وذلك بعكس ما هو الحال في النظم الفكرية الأخرى التي برزت في القرن التاسع عشر، وبعكس كثير من النظم الفكرية التي برزت في القرن العشرين.
ويمكن القول إن النظام الفكري الوحيد من نظم القرن التاسع عشر والذي استوعب في بنيته الداخلية نتائج الثورة العلمية الكبرى (القرن السابع عشر) ومنطوياتها هو النظام الذي اقترن باسم كارل ماركس. ذلك أن النتيجة الكبرى للثورة العلمية كانت أن الأرض ليست ملجأ أو منزلاً أعد من أجل آدم وذريته، وإنما هي مجرد جرم فلكي من ضمن حشد كبير من الأجرام الفلكيّة، أي مجرد نظام مادي محدود (في كل شيء) يتيه في خضم من النظم المادية المحدودة الأخرى. لكن البشرية لم تبدأ تستوعب هذه المقولة بكامل أبعادها ومنطوياتها وهولها إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. وقبل ذلك، فإن النظام الفكري الوحيد الذي استوعبها في صميم ذاته هو النظام الفكري الذي ابتدعه كارل ماركس. أما النظم الأخرى، فمع أن أصحابها كانوا على بيّنة من هذه المقولة وكانوا يدركون ثوريتها، إلا أنهم لم يستوعبوها تماماً في نظمهم الفكرية، الأمر الذي يجعل هذه النظم تبدو اليوم ساذجة وبعيدة عن همومنا ومشكلاتنا.
لكلّ هذه الاعتبارات فإننا نتفق تماماً مع جاك دريدا فيما ذهب إليه مؤخراً من أن كارل ماركس هو بالفعل فيلسوف القرن الحادي والعشرين.

الماركسية ومصير الإنسان
إثر تنكر غورباتشوف وأعوانه للتراث الثوري السوفييتي تنكراً علنياً كاملاً وتبنيهم نوعاً فجاً متخلفاً من الليبرالية، ثم إثر مرسوم بوريس يلتسن حلّ صورة الاتحاد السوفييتي، وهو المرسوم الذي أخذت الصحافة العالمية تسميه منذ ذلك الحين انهيار الاتحاد السوفييتي، راج في الأوساط اليسارية تحديداً السؤال الآتي: هل يمكن أن نظل ماركسيين بعد الزلزال السوفييتي؟
ويبدو لي أن هذا السؤال هو في حد ذاته تعبير عن منطق مقلوب... فالسؤال الذي ينبغي أن يسأل هو: هل يمكن ألا نكون ماركسيين بالنظر إلى الأوضاع الراهنة وتفاقم مشكلات البشرية في ظل مأزق النظام الرأسمالي العالمي؟ هل هناك بديل تغييري معقول اليوم للماركسية وللمشروع الماركسي؟ هل يمكن أن يكون هناك بديل معقول؟ ولتوضيح مغزى هذه الأسئلة، نورد الملاحظات الثّلاث الآتية:
1- يبدو لي أن جوهر الخطأ المتضمن في السؤال الأول (الرائج في الأوساط اليسارية) يكمن في ربط الماركسية بالاتحاد السوفييتي: قيامه ومصيره. فالمنطق المعمق يقضي بأن تربط الماركسية بتناقضات الرأسمالية. فما دامت هذه التناقضات قائمة، كانت الماركسية ضرورية فكراً وحركة تاريخية. إن الماركسية نبعت تاريخياً وتنبع منطقياً من قلب هذه التناقضات الرأسمالية. أداة لحلها. ومن منا، نحن أبناء العالم الثالث والوطن العربي، يشك جدياً في وجود هذه التناقضات الآخذة في التفاقم؟!
2- في ضوء الإدراك العميق والدقيق للنقد الماركسي للفكر البرجوازي في جميع أصنافه، هل يمكن أن نقبل بأيٍّ من هذه الأصناف (الذي يتأبد نمط الإنتاج الرأسمالي من منظورها) بديلاً عن الماركسية؟ هل يمكن أن نقبل بها بعد أن عرت الماركسية لا ماديتها ولا تاريخيتها ولا جدليتها، ومن ثم لا علميتها ولا عقلانيتها المتجذرة؟
3- هل يجوز أن نتخلى عن فكرة التحكم الواعي في حياتنا (وهي فكرة ماركسية حتى النخاع)، فنترك حياتنا ريشة تتقاذفها رياح الغيبيات الإقطاعية والرأسمالية (تقلبات الطبيعة والسوق)؟ هل يجوز لنا أن نتخلى عن هذه الفكرة في ضوء تسارع البشرية صوب الهاوية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم أولاً تحديد مسألتين: الأولى، معنى الالتزام بالماركسية، والثانية، إدراك الفرق بين أزمة الماركسية، إن كانت في أزمة بالفعل، وبين أزمة حركة تاريخية معينة، هي الحركة الشيوعية العالمية. فالخلط بين الماركسية والآيديولوجيا السوفييتية هو وراء المقولات الساذجة التي راجت مؤخراً عن انتهاء الماركسية وفشلها. ونحن لا نعني بالآيديولوجيا السوفييتية عائلة الآيديولوجيات التي كانت رائجة في المجتمع السوفييتي في الحقبة السوفييتية، وإنما نعني الآيديولوجيا الرسمية للسلطة السوفييتية طوال الحقبة المذكورة باستثناء السنوات العشر الأولى منها. فبرغم التغيرات التي أصابت هذه الآيديولوجيا في المراحل المتتالية للحقبة السوفييتية (ستالين، خروتشوف، برجنيف،... وغورباتشوف)، إلا أن ثوابت جوهرية معينة ظلت تشكل أساساً لها في مراحلها المتتالية جميعاً. وقد تمظهرت هذه الثوابت في الطريقة المتناقضة التي تعاملت بها السلطة السوفييتية مع كل من الطبقة العاملة الروسية وطبقة الفلاحين الروسية، والفئات الماركسية والشيوعية المختلفة، والإمبريالية الغربية، وحركات التحرر القومي، وبرجوازيات العالم الثالث. كما تمظهرت في تصور هذه السلطة لنفسها وللعالم وفي الصور التي روّجتها عن الوضع العالمي وطبيعة الصراع على الصعيد العالمي.
ولنبدأ أولاً بتحديد معنى الالتزام بالماركسية.
- إنه بالتأكيد ليس التزاماً بعقيدة مقدسة أو تقديسية. إن الالتزام بالماركسية هو التزام بمنهجية تحليل وسلوك عام منهجية مادية جدلية نقدية في جوهرها. ولكونها كذلك، فإنها لا ترتكز إلى أسس مقدسة، شأنها في ذلك شأن العلوم قاطبة الجديرة بهذا الاسم، وإنما تعتبر هذه الأسس تلخيصاً للخبرة الإنسانية السابقة ومرشداً للفعل الثوري التّغييريّ الراهن. ومن ذلك تنبع علميتها. ولكون هذه الأسس كذلك، فإن تركها أو نبذها لا يتوقف على حدث بعينه، مهما كان هذا الحدث مهماً، وإنما يتعلق بسيرورة معقدة من الأحداث شأنها في ذلك شأن الأسس العلمية في أي مجال. بل يمكن القول إن الأسس العلمية لا تنبذ عادة، أي لا يتم لفظها خارجاً دفعة واحدة، وإنما يتم تطويرها وحل تناقضاتها وتخطيها بتحديد حدود فعلها وانطباقها من دون التخلي عنها أو نبذها.
ومن هذا المنظور، فإن الالتزام بالماركسية هو التزام بالعقلانية العلمية ومحوريتها في حياة المجتمعات. إن الماركسية هي نوع من الإدراك، نوع من الوعي، المرتبط بتطور معين للمجتمعات البشرية والمعارف البشرية. وبمعنى آخر، فإن هذا الالتزام ليس مسألة ذاتية أو إرادية. إن الماركسية ليست ثوباً يلبسه المرء (أو الحزب) ويخلعه متى شاء. وهي ليست ديناً يفقد المرء إيمانه في أسسه على أساس مروره في تجارب حياتية معينة، وإنما هي نوع من القدرة والتبصر، شكل رفيع من الوعي، يتوصل إليه بعض الأفراد والجماعات والفئات بحكم انخراطهم في صراعات وتجارب معينة. ويتميز هذا الوعي بالوحدة الجدلية الضرورية بين النظرية والممارسة، بين الفكر والفعل، بين الفهم والسلوك. إن الالتزام بالماركسية هو التزام بمشروع تغييري ينطوي على فهم معين للمجتمع البشري، والتزام بفهم معين ينطوي على مشروع تغييري معين. وهو يرتكز أساساً إلى الإيمان بالإنسان (في ماديته ومحدوديته البيولوجية) وبقدراته الاجتماعية وإمكانية أن يسيطر على بيئته الاجتماعية والطبيعية وأن يضبط مسيرته الحضارية عقلانياً. وينطوي هذا الالتزام على رؤية جدلية للواقع الاجتماعي. فهو يفترض أن المجتمع نظام مفتوح من العلاقات الموضوعية بين البشر يتطور بفعل دينامية تناقضاته الداخلية.
والنقطة الجوهرية هنا هي أن هذا الفهم ليس معزولاً عن موضوعه، وليس كياناً روحياً مثالياً معزولاً عن سيرورة تطور المجتمع. إنه نظام مادي اجتماعي له دور أساسي متعاظم في تنفيذ مشروع التغيير الذي تتبناه الماركسية. فهو جزء من موضوعه ومن سيرورة تناقضات موضوعه وصراعاته. وعليه، فإن الماركسية بوصفها علماً هدفه معرفة المجتمع في بناه الداخلية المرتبطة من حيث الجوهر بقوى التغيير المذكور ومشروعاتها الثورية. إن علمية الماركسية مرتبطة ارتباطاً جدلياً ضرورياً بثورية القوى التي تمارس الماركسية بوصفها علماً. فالعقل الثوري في الرأسمالية (عقل البروليتاريا الثورية وحركات التحرر القومي) هو الوحيد القادر على إنتاج علم ماركسي، أي إنتاج معرفة علمية بصدد المجتمع في صيرورته التاريخية وبوصفه كلاً مفتوحاً. لذلك، فإنّ أزمة تطور الماركسية بوصفها علماً (والتي قد تكون متمثلة في العجز عن تطوير نظرية الثورة العالمية، وعن بناء نظرية مادية جدلية مقنعة في الأمة والعصبيات الاجتماعية المتنوعة، وعن استكمال بناء النظرية الماركسية في الدولة والآيديولوجيا، وعن استشراف إمكانات تصدع النظام الرأسمالي العالمي) هي انعكاس لأزمة الثورة العالمية وتعثرها. ونعني بذلك أن هذه الأزمة ليست أزمة معرفية نظرية بحتة، وإنما هي أزمة حركة التغير اللازم. إنها أزمة واحدة لا تتجزأ. فالمشروع الماركسي في حاجة إلى صعود قوى اجتماعية قادرة على تنفيذ مهمات نظرية معينة في سياق فعلها الثوري. فهو يفترض إمكانية فهم المجتمع في صيرورته من جانب قوى اجتماعية تسخر هذه المعرفة في بناء نفسها وتنظيمها وإجراء سلسلة من التغييرات تعمل على حل تناقضات المجتمع القائم في اتجاه مجتمع جديد.
وفيما يتعلق بالرأسمالية بالتحديد، فإن الماركسية تنظر إلى النظام الرأسمالي العالمي على أنه تشكيلة اجتماعية عالمية متناقضة تجعلها عاجزة عن سد أدنى الحاجات للغالبية الساحقة من البشر. ذلك أن ما ينوف على ثلاثة مليارات نسمة في النظام الرأسمالي العالمي هم دون خط الفقر المتعارف عليه عالمياً. كما إنّ ما ينوف على مليار نسمة في هذا النظام هم دون خط الجوع. هذا ناهيك بحجم النزاعات والحروب وغيرها من أشكال الهدر، وبحجم البطالة في شكليها الظاهر والمقنع، وبالطبيعة المدمرة للعمل لدى غالبية البشر. وترى الماركسية أن الحل الجدلي لهذه التناقضات المدمرة يكمن في الاشتراكية بالضرورة. ونعني بالاشتراكية قيام المنتجين أنفسهم بتنظيم حياتهم الإنتاجية بما يسد حاجاتهم الفردية والاجتماعية والتاريخية والبيئية. وفي النهاية، فإن المرتكز الأساسي لقوى التغيير في النظام الرأسمالي العالمي هو الطبقة العاملة بالنظر إلى الموقع المتميز الذي تحتله في نمط الإنتاج الرأسمالي. لكن هناك شروطاً معينة لتفعيل هذا الدور التاريخي للطبقة العاملة، ولا يجوز إصدار الأحكام المتسرعة حول هذا الدور، سلباً أو إيجاباً، بمعزل عن هذه الشروط. كذلك، فإن الضرورة هنا لا تعني الحتمية. إن الضرورة تفيد ما يستلزمه تحقق إمكانية معينة، لكنها لا تنفي حدوث إمكانيات أخرى. لذلك فإنها تستدعي الممارسة الثورية. أما الحتمية، فهي تنفي مبرر مثل هذه الدراسة.

تناقضات الرأسمالية وضرورة الماركسية
إننا ننطلق من أن الرأسمالية نظام اجتماعي تنخره التناقضات الداخلية وتدفعه دفعاً صوب التغيير الجوهري. لكننا لا نكتفي بهذا القول المتفائل الذي قد يشي بنزعة رومانسية طوباوية أو بحنين إلى حياة البداوة البدائية. إننا أيضاً نؤكد أن الرأسمالية تناقض ناموس الحياة في أساسها الطبيعي البيولوجي، بل إنّها تناقض نظام الطبيعة وسيره المنتظم. إنها إسفين في قلب الطبيعة، قنبلة مدمرة على سطح البسيطة. إنها نظام يكتسب شرعيته من وظيفته الإنتاجية، من كونه نمط إنتاج اجتماعي. لكن دافعه الداخلي، محركه الداخلي، آلية عمله الداخلية، يناقض هذه الوظيفة الإنتاجية ويكاد أن يجرده من أي معنى ويحيله إلى عبث لا معقول لولا تدخل السوق بفوضاه وطغيانه. هناك بالطبع من يذهب إلى أن الرأسمالية هي النظام الطبيعي للإنسان والمجتمع، وأنها ليست مجرد نمط إنتاج إلى جانب غيره من أنماط الإنتاج. يذهب أولئك إلى اعتبار ما يسميه الماركسيّون أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية مجرد صور جنينية بدائية للحياة المدنية المتمثلة فيما يسميه الماركسيون الرأسمالية. إن الرأسمالية، في نظر هؤلاء، ليست نهاية التاريخ، وإنما هي التاريخ في حد ذاته. فهي نظام المجتمع المدني، النظام الوحيد الممكن في ضوء الطبيعة البشرية. إنها الامتداد الاجتماعي لبنية الإنسان البيولوجية، إن الرأسمالية هي الحياة المدنية، هي الإنسان في نضجه الحضاري.. هكذا يعبر الإنسان عن طبيعة الجوهرية: بالرأسمالية، بالسوق، بالنقد المتراكم...!!
لدينا إذاً وجهتا نظر: وجهة النظر البرجوازية التي تؤيّد الرأسمالية وتضفي عليها صفة الرسوخ الطبيعي، ووجهة النظر الماركسية التي تؤكد تعدد أنماط الإنتاج وتمايزها عن بعضها وتاريخيتها وتناقضاتها الداخلية.
ولكن، لماذا تصرّ الماركسية على الطابع المؤقت للرأسمالية، ولماذا تعتبرها متناقضة في جوهرها مع الحياة البشرية ومع نظام الطبيعة نفسه؟
تعزو الماركسية الطابع المتفجر والميول المتنازعة في الرأسمالية جميعاً إلى التناقضات الجوهرية الآتية التي تعبر عن الطبيعة الداخلية للرأسمالية:
1- التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الخاصة في وسائل الإنتاج.
2- الفصل بين الإنتاج والاستهلاك ببنية كثيفة محورها السوق الرأسمالية.إن الإنتاج الرأسمالي لا يتم بالعلاقة مع الاستهلاك، وإنما يتم في ضوء توقعات السوق. لكن لحظتي الإنتاج والاستهلاك تتمان في معزل عن بعضهما.
3- الفصل الكامل بين العمل ووسائل الإنتاج. بل إنّ جوهر الرأسمالية يكمن في (تحرير) العاملين من أي ملكية لوسائل الإنتاج وتحويلهم إلى (مالكين) لسلعة واحدة هي قوة العمل. فهناك استقطاب كامل في الرأسمالية بين مالكي وسائل الإنتاج (الرأسماليين) ومالكي قوة العمل الحر (العمال).
4- التناقض الصارخ بين الطابع العام للإنتاج الرأسمالي (أي بوصفه إنتاجاً اجتماعياً)، الذي يهدف إلى إنتاج أساسيات الحياة وإلى الاستهلاك بعامة، وبين الطابع الخاص لهذا الإنتاج (بوصفه إنتاجاً رأسمالياً) الذي يهدف إلى زيادة معدل الربح وتراكم الرأسمال بغض النظر عن الحاجات الأساسية والاستهلاك. إن الوسيلة هنا مغتربة عن الغاية. فالوسيلة في اغترابها تأخذ طابع الغاية وتحجب الرؤية عن الغاية الحقيقية.
5- التناقض بين رؤوس الأموال (فوضى الإنتاج الرأسمالي) الذي أخذ في القرن العشرين طابع التنافس الإمبريالي بين الدول الرأسمالية المتقدمة.
6- التناقض بين الرأسمالية والطبقات الأخرى، وفي مقدمتها الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين.
7- التناقض القائم بين التراكم الرأسمالي في المراكز وتطور الأطراف. فالأول يقضي بلجم قوى الإنتاج في الأطراف ونهب إمكاناتها. ولقد تبين من الدراسات التاريخية أن الاستقطاب بين المركز والأطراف ملازم للرأسمالية في جوهرها، وأنه ليس مجرد ظاهرة طارئة برزت في القرن العشرين.
8- تنامي الهدر والعسكرة في الرأسمالية بوصفها مخرجاً مؤقتاً من الأزمات المتفاقمة التي تنشأ على أساس التناقضات المذكورة.
وخلاصة هذا التحليل أن الرأسمالية نظام اجتماعي متناقض متفجر، له قوانينه وآلياته وديناميته الموضوعية المعقدة التي يصعب التحكم فيها من جانب البشر الذين يشكلون أساسه ومادته حتى بأكثر الأجهزة والحسابات تقدماً. ولذلك، فمن الطبيعي والضروري أن تسعى القوى المتضررة من هذا النظام المرعب (غالبية البشر) إلى تقويض أركانه من أجل بناء نظام يخلو من التناقضات المذكورة ويكون بسيطاً يمكن التحكم فيه بفضل ذلك.
وبتعبير آخر، فإن الماركسية ترى أن نمط الإنتاج الرأسمالي له حدوده التاريخية والطبيعية. فلا يمكن ان تتحمل الكرة الأرضية والبشرية الفوضى الرأسمالية المتزايدة في الإنتاج طويلاً. إن تدمير البيئة الطبيعية مكتوب بنيوياً في نمط الإنتاج الرأسمالي.
وعلى البشرية أن تجد طريقة ناجعة لضبط العملية الإنتاجية من جانب هيئات تمثل المجتمع وفق خطة عقلانية تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الفردية والاجتماعية والتاريخية والبيئية. إن وجود هذا التخطيط ليس ضمانة نهائية لبقاء البشرية بالطبع، لكنه شرط ضروريّ (وقد لا يكون كافياً). لذلك فإن شعار الماركسيين اليوم ينبغي أن يكون: إما الاشتراكية وإما الفناء.
ونعود إلى السؤال: هل هناك مفر من الماركسية أو بديل لها؟ وفي ضوء التوصيف المذكور، فإن جوابنا سيكون حتماً بالنفي. فصحيح أن المشروع الماركسي يعاني مشكلات كبيرة، لكن ذلك لا يعني مطلقاً أن هناك بديلاً معقولاً له، فمن الطبيعي أن يكون أي مشروع تاريخي مثخناً بالمشكلات. فإما أن نثق بالإنسان وقدرته على تقرير مصيره ونعمل على هذا الأساس برؤية مادية جدلية نقدية جذرية، وإما أن نستسلم للقدر والصدفة والأوهام الغيبية. ولئن كان المشروع الماركسي في أزمة من حيث تعقد إمكانات تحقيقه، فإن هذه الأزمة ليست أزمة الماركسية بقدر ما هي أزمة البشرية نفسها، أزمة التاريخ البشري نفسه.
ومن المفيد هنا أن نشير إلى الفرق الكبير بين الماركسية بالمعنى الذي وضحناه وما أسميناه الآيديولوجيا السوفييتية، وهي الآيديولوجيا التي هيمنت في جل الأوساط اليسارية منذ نهاية عشرينيات القرن العشرين وحتى ثمانينياته. لقد نشأت هذه الآيديولوجيا بفعل تطورات معينة في المجتمع السوفييتي وهيمنت في جل الأوساط الشيوعية بفعل سطوة موسكو المادية والمعنوية على الحركة الشيوعية العالمية. ومع أنها استمدت كثيراً من ألفاظها وعناصرها من التراث الماركسي الكلاسيكي، إلا أنها تختلف جوهرياً في بنيتها الداخلية الأساسية (أي إشكاليتها) عن الماركسية. صحيح أن التراث الماركسي الكلاسيكي شكل نوعاً من المرجعية لهذه الآيديولوجيا، إلا أن العلاقة بين المرجعية والآيديولوجيا كانت من طينة العلاقة بين المرجعية الدينية والدول الثيوقراطية. لقد كانت علاقة سطحية غير مباشرة ترتكز إلى هيبة المرجعية لا إلى مضمونها. وبرزت سطحية هذه العلاقة بصورة صارخة في الممارسات السياسية والاجتماعية للدولة السوفييتية (مصادرة الحريات الديموقراطية، تقسيم بولندا، غزو فنلندا، الاعتراف المبكر بالكيان الصهيوني، الطريقة التي عوملت بها الصين الشيوعية، وما إلى ذلك). ومع أن العلاقة بين المرجعية والآيديولوجيا كانت أوثق على الصعيد الدعائي، إلا أن الآيديولوجيا السوفييتية تضمنت من الافتراضات الخاصة ما ميزها عن المرجعية بصورة جوهرية، وهي الافتراضات التي ثبت بطلانها بصورة صارخة في ضوء الأحداث الأخيرة في الاتحاد السوفييتي وأوربة الشرقية. ولكن، في الوقت الذي كشفت هذه الأحداث الأوهام التي ارتكزت إليها الآيديولوجيا السوفييتية، ومن ثم أدخلت الحركة الشيوعية العالمية في أزمة خانقة ما زالت تتفاقم، فإنها، وبالتحليل المعمق، عززت المرتكزات المنهجية للماركسية، وعمقت الحاجة إليها، ودعمت رؤية تلك التيارات الماركسية التي أصرت على التمسك بالماركسية وأسسها في وجه الآيديولوجيا السوفييتية. لقد جاءت هذه الأحداث دحضاً للآيديولوجيا السوفييتية ودعماً للماركسية. ولنتذكر أن أدق من تنبأ بأحداث أوربا الشرقية الأخيرة وأكثر من أفلح في تطوير أطر نظرية ناجعة لتفسير هذه الأحداث كان الماركسيون الذين لم يقعوا في فخ الآيديولوجيا السوفييتية والتزموا في تحليلاتهم بالأسس والمعايير القاسية التي تفرضها المنهجية الماركسية: لينين في آخر عامين من حياته، ليون تروتسكي، إرنست ماندل، بول سويزي، شارل بتلهايم، مارتن نيكولاوس، سمير أمين، وغيرهم. وينبغي ألا ننسى أيضاً التيارات الماركسية التي اشتغلت من داخل الحركة الشيوعية من أجل إنقاذها من براثن الآيديولوجيا السوفييتية، والتي تركت أثراً نظرياً ونضالياً مهماً يمكن أن يشكل قاعدة لإحياء الماركسية فعلياً: جورجي لوكاتش، أنطونيو غرامشي، ماوتسي تونغ، لوي ألتوسير، مهدي عامل، وغيرهم.
ومع ذلك، مع ذلك كله، فإنه ينبغي أن نعترف بأهمية الدور التقدمي الذي أدته الآيديولوجيا السوفييتية في حياة الشعوب. لقد كانت الجسر الوحيد بين شعوب العالم الثالث والثورة العالمية وفكرها (الماركسية). لكنها استنفدت أغراضها التقدمية وفقدت مصداقيتها، فآن أوان تخطيها وتخطي كل آيديولوجيا إلى رحاب العلم الثوري، إلى رحاب الماركسية بالمعنى الذي حددناه سابقاً.

إما الاشتراكية وإما الفناء
أتساءل في زمن الانكفاء وتحطيم الإيقونات ونفي الأسس التي قامت عليها روح القرنين الأخيرين... أتساءل في مجابهة تشاؤم العصر:
هل كان في مقدور جنوبي شرقي آسيا أن تنهض هذه النهضة العظيمة لو لم تهزم الإمبريالية الأميركية هناك بصورة حاسمة ومدوية (وبالذات في فييتنام)؟ وقياساً على ذلك، هل يمكن للعرب والمسلمين أن يبنوا نهضتهم من دون إحراز نصر حاسم على الإمبريالية والصهيونيّة، على الأقل في بعض المفاصل الجغرافية الرئيسية؟ إن نصر الشيوعيين في جنوبيّ شرقي آسيا لم يكن نصراً للطبقة العاملة والفلاحين في فييتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا حسب، وإنما كان نصراً لجميع فئات الشعب، بما في ذلك اليابان والصين وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا وإندونيسيا. إذ أدت الهزيمة الأميركية الساحقة في الهند الصينية إلى قلب علاقات القوى في المنطقة بأسرها بما أتاح الفرصة أمام تلك المنطقة لأن تنفذ برامجها المستقلة وتعبر بحرية عن إرادتها القومية. إن الكثيرين ينسون أن التبعية البنيوية التي تشكل أساس التخلف في العالم الثالث ليست قائمة بذاتها، وإنما بعلاقات القوى السائدة، وأنها، من ثم، تتجدد بتجدد تلك العلاقات. لذلك ليس هناك من سبيل لكسر هذه التبعية وذلك التخلف ما لم تغير علاقات القوة هذه بدحر الإمبريالية في المناطق المعنية. ولكن ما القوى المؤهلة لدحر الإمبريالية والصهيونية في الوطن العربي؟ في حال جنوبي شرقي آسيا، شكلت الامتدادات المحلية للحركة الشيوعية العالمية بؤرة صلبة تجمعت حولها الفئات الكادحة من شتى الأصناف (البروليتاريا، فقراء الفلاحين، بروليتاريا الأرياف، الفلاحون المقتلعون من أرضهم، البرجوازية الصغيرة) لتشكل قوة ضاربة لا تقهر، تمكنت من دحر الإمبريالية العالمية (اليابانية والفرنسية والأميركية) في سلسلة من الثورات والحروب الكبرى. ولكن في زمن الانكفاء وانهيار الحركة الشيوعية العالمية وانحسار قوى الثورة العالمية، ما الأطر والقوى القادرة على تشكيل مثل هذه البؤرة الصلبة؟..أطرح هذا السؤال من دون أن أجيب عنه. فهو لا يقبل إجابة جاهزة سريعة، شأنه في ذلك شأن جميع الأسئلة المصيرية. وعلى أي حال، فإن الإجابة عنه ليست مجرد فعل نظري معرفي، وإنما هي سيرورة تاريخية اجتماعية لها بعد نظري وبعد عملي ثوري. فالسؤال المطروح إذاً ليس سؤالاً بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما هو مظهر لسيرورة ثورية، لهاجس تاريخي قومي، لبحث عن حل تاريخي لمأزق قومي إنساني. إنه الخيط الذي يربط ما أكتبه وما يكتبه ويمارسه غيري من المنخرطين في حركة التحرر القومي العربية على تنوع هذه الكتابات والممارسات.
وهنا، بالطبع، قد يبرز العديد من الاعتراضات التي تعبر عن رفض أصحابها لمحورية هذا الهاجس النابع من رفضهم الافتراض الذي ترتكز إليه. فهناك من يرى أن نهوض جنوبي شرقي آسيا لا يعود إلى هزيمة الإمبريالية، وإنما يعود إلى انتصار الرأسمالية هناك ونجاحها في اختراق اقتصادات تلك المنطقة، بما في ذلك الاقتصاد الصيني الذي كان مغلقاً. فالفرق بين وضع جنوبي شرقي آسيا والعالم الإسلامي مثلاً لا يكمن في هزيمة الإمبريالية في المنطقة الأولى وانتصارها في المنطقة الثانية، وإنما يكمن في انتصار الرأسمالية وهيمنتها في الأولى وإخفاقها في ذلك في الثانية التي ظلت متشبثة بالأطر والأساليب القديمة ما قبل الرأسمالية. بذلك فإن أصحاب هذه النظرة يعزون النجاح التنموي في جنوبي شرقي آسيا إلى مرونة ثقافة الشعوب الصفراء، في الوقت الذي يعزون الإخفاق التنموي في العالم الإسلامي إلى تحجر الثقافة الإسلامية وجمودها ولا عقلانيتها. ولكن، إن كانت الثقافة الموروثة هي العامل الحاسم، فأنى لنا أن نفسر الكوارث التنموية في أميركا اللاتينية برغم ثقافتها الأوروبية وانفتاحها الطويل على الرأسمالية (منذ نشوئها)؟ ولا تجدي هنا نفعاً الإجابة بأن العلة تكمن في الثقافة الإسبانية أو الأزتكية أو ثقافة الإنكا. فهي تفترض ما هو بحاجة إلى إثبات، وتفقد الأطروحة برمتها قيمتها التفسيرية. ذلك أنها تختزل الظاهرة المراد تفسيرها إلى الأرضية التي تفسرها وتماثل بينهما. ومن ثم تنقل البحث من موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر هو الثقافات والمقارنة بينها. وتبرز عملية الإزاحة هذه بوضوح في الفكر العربي المعاصر في محمد عابد الجابري الذي ينقل البحث في تخلف المجتمع العربي الحديث من موضوعه الأصلي، وهو المجتمع العربي الحديث نفسه، إلى موضوع آخر هو الثقافة العربية الإسلامية في العصر العباسي الذي شهد بناء ما يسمى العقل العربي وتركيبه ونموه. إنها في حقيقتها ليست عملية تفسير بالمعنى العلمي، وإنما عملية اختزال ومماثلة. وهي في أساسها رؤية مثالية تجوهر الثقافات وتعتبر التخلف مظهراً (محمولاً) ملازماً بالضرورة لجوهر بعض الثقافات. فبدلاً من طرح السؤال المادي العلمي: ما دور الثقافة المعنية في عملية تخلف المجتمع المعني؟ فإنها تعتبر التخلف بتشعبه مجرد مظهر مباشر لجوهر ثابت هو الثقافة المعنية، فتنقل بذلك البحث من موضوعه إلى غيره ويغدو التفسير عملية ميكانيكية ومجرد قوالب جاهزة.
على أن مكمن هذه الرؤى المثالية الاختزالية الميكانيكية هو الاعتقاد بأن الرأسمالية هي أفضل العوالم الممكنة لكونها النظام الاقتصادي الاجتماعي الطبيعي للإنسان، وأن الرأسمالية الليبرالية (الديموقراطية) هي نهاية التاريخ (أي هدفه ومبتغاه). من ثم يغدو الفعل التقدمي، في نظر هؤلاء، الفعل الذي يصب في عملية إزالة معوقات تراكم الرأسمال بغض النظر عن نتائجه الإنسانية والقومية. والاعتراض الأول على هذه النظرة هو أن تراكم الرأسمال في مركز معين قد يستلزم لجمه في موقع آخر، ومن ثم الحد من تغلغل علاقات الإنتاج الرأسمالية في هذا الموقع. وهذا بالفعل ما حصل في جل أقطار العالم الثالث. فتراكم الرأسمال في المراكز الغربية استلزم التخلف ولجم الفاعليات الإنتاجية في أقطار العالم الثالث. لذلك فإن النهوض الإنتاجي لجنوبي شرقي آسيا، حتى على أسس رأسمالية، استلزم تحرير الأقطار الرئيسية في تلك المنطقة من إسار دورة تراكم الرأسمال في المراكز الغربية، أي من إسار السوق العالمية التي يهيمن عليها الغرب. وما كان ذلك ليتم لولا الهزيمة العسكرية التي ألحقها الشيوعيون بالإمبريالية الغربية في فيتنام وغيرها. إنه مكر التاريخ على أي حال. فالمهمات الكبرى التي نفذها الشيوعيون في تلك المنطقة فتحت الباب على مصراعيه أمام نمو الرأسمالية في تلك البلدان، بدلاً من توفير قاعدة لبناء الاشتراكية. ولعل ذلك هو الدور التاريخي الموضوعي للحركة الشيوعية العالمية: تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي عالمياً، أي إزالة المعوقات التي تضعها الرأسمالية نفسها أمام انتشارها وتوسعها.
ومن جهة أخرى، فإن فكرة تأبيد الرأسمالية باعتبارها الحالة الطبيعية للإنسان تساوي في نظرنا فكرة حتمية دمار الإنسان والكرة الأرضية في المستقبل المنظور. فحتى لو سلمنا جدلاً، مع أصحاب (نهاية التاريخ)، بأن الرأسمالية نظام يصحح نفسه بنفسه وأن قوانينه تضمن اتزانه وعدم انهياره، وأنه يتطور صوب التخفيف من حدة أزماته، تبقى مشكلة أن جوهر الرأسمالية يكمن في عملية التراكم الرأسمالي غير المتحكم فيه. وهذا يعني أن الرأسمالية تسعى باطراد وبوتيرة متسارعة إلى استعمال الموارد المادية والبشرية على أساس نهم الرأسمال للتراكم لا على أساس الحاجات الكلية للبشرية. ويعني أيضاً أن الرأسمالية تسعى بحكم جوهرها إلى استهلاك نسبة متزايدة من الطاقة والموارد الأخرى من دون اعتبار حقيقي وأولي للتوازن الطبيعي والحاجات التاريخية والبيئية للإنسان. صحيح أن البشرية تسعى باستمرار إلى ابتداع سبل للحد من الآثار المدمرة لهذه العملية. ولكن من ذا الذي يضمن ألا تفلت هذه الآثار من قبضة البشرية وألا يتخطى نمو الرأسمالية قدرة الإنسان على التحكم في آثارها المدمرة؟ لذلك كله، فإن استمرار الرأسمالية في المستقبل المنظور يعني دمار البشرية والكرة الأرضية نفسها. لقد أدت الرأسمالية دوراً تنموياً عظيماً في الحقبة الحديثة، لكن آن اليوم أوان رحيلها إلى غير رجعة. لقد أدت دورها التاريخي، وعليها الآن أن تترك مكانها لنظام اقتصادي اجتماعي آخر يعبر بصورة مباشرة وغير مغتربة عن الفاعليّة البشرية المنظمة الواعية المدركة لذاتها ونتائج فعلها، نظام بسيط في جوهره يخضع للإرادة البشرية الواعية العقلانية الموحدة، نظام تتحكم فيه البشرية مثلما يتحكم السائق الماهر في مركبته. وهذا بالضبط ما نعنيه بالاشتراكية. إن الاشتراكية بهذا المعنى هي شرط من شروط بقاء الإنسان. فإما الاشتراكية وإما الفناء. والخلاصة أن نهوض العرب رهن بهزيمة الإمبريالية ودحرها في منطقتنا في سياق تصفية الرأسمالية صوب الاشتراكية بالمعنى الذي حددناه.






























































الفصل الثاني
ملاحظـات حـول مغالطات
بصدد الماركسية واللينينيّة والديمقراطية



































ملاحظات حول مغالطات بصدد الماركسية
1- الماركسية هي في جوهرها وعي الثورة. إنها الثورة تعي ذاتها، أي الوعي الذاتي للثورة، الوعي الذاتي للثورة الاشتراكية. إن مفهوم الثورة، وبالذات الثورة الاشتراكية، هو المفهوم الجوهري في الماركسية تقوم به وتندثر باندثاره. فلم يكن لوكاتش مخطئاً حين سمى الماركسية علم (فلسفة) الثورة. وقد أكد ماركس هذه الحقيقة في إحدى رسائله في سياق تقويمه لإنجازه وعبر تأكيده مفهوم دكتاتورية البروليتاريا، التجسيد الفعلي للثورة الاشتراكية. بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن مفهوم الثورة لا يكتسب معناه المحدد وتميزه إلا ضمن فضاء الماركسية. فهو، خارج هذا الفضاء، مجرد تصنيف سطحي لعائلة من الأحداث العنيفة في التاريخ البشري. فالثورة، وفق الماركسية، ليست مجرد حدث (بركان) كارثي في التاريخ، وإنما هي لحظة تجلي روح التاريخ وجوهره. إنها التاريخ الكلي مكثفاً، اللحظة الحاسمة في سيرورة الارتقاء والخلق. لذلك نرى أن المفهومات الأساسية في الماركسية تستلزم مفهوم الثورة، مثلما أنّ الأخير يستلزم الأولى. هناك ارتباط جدلي ضروري بين كل مفهوم ماركسي أساسي ومفهوم الثورة الاجتماعية. إن مفهوم الثورة في ماركس يذكرنا بمفهوم الأنا في كانط. فهو ملازم لكل مفهوم أساسي ملازمة الأنا الكانطية لكل انطباع وإحساس وتمثيل. لذلك نرى أن الثورة لا تعي ذاتها إلا في الماركسية وفي الحزب الماركسي الثوري. وهي تقترب من وعي ذاتها بمقدار ما تقترب لغتها من الماركسية. إن الماركسية هي سرّ روسو وهيغل، مثلما أن الثورة الاشتراكية هي سرّ الثورة البرجوازية. ولقد أدركت البرجوازية الغربية ذلك بعد عام 1848، ولذلك تنكرت لتراثها الثوري التقدمي وأكدت الجوانب السكونية والدائرية واللاعقلية فيه.
2- إذا كان الأمر كذلك، وهو بالفعل كذلك، فكيف يجرؤ زعيم شيوعي أردني على الزعم بأنه يلتزم بالماركسية، لكنه في الآن ذاته يرفض فكر ماركس حول تطور المجتمع البشري صوب الاستغناء عن جهاز الدولة وتلاشيه. إذ إنه يستبدل بفكرة ماركس هذه، التي يعتبرها طوباوية، فكرة ليبرالية قديمة أشبعها كلاسيكيو الماركسية نقداً وتعرية. والمشكلة لا تكمن بالطبع في تمسكه بهذه الفكرة أو تلك، طالما كانت هذه الأفكار منسجمة مع نفسها وواضحة المعنى في ذهنه. فكل امرئ حر في اعتقاده. لكن المشكلة تكمن في أنه يحمل الفكرة ونقيضها في آن. فمن الواضح أن هذا "الزعيم" لا يدرك البتة معنى الالتزام بالماركسية، وإلا لكان أدرك أن مثل هذا الالتزام لا يمكن أن ينسجم مع التصور الليبرالي للدولة ولا مع التخلي عن فكرة تلاشي الدولة. فالماركسية برمتها تنبع من الثورة الاشتراكية، منظور فكرة تلاشي الدولة. إن النقد النافذ الذي يوجهه ماركس صوب الاقتصاد السياسي في الغروندريسا Grundrisse والرأسمال ونظريات فائض القيمة ينبع برمته من منظور التخطي الضروري للرأسمالية صوب الشيوعية التي تنتفي فيها الحاجة إلى الدولة. إن هذا النقد ليس وصفاً وضعياً علموياً لواقع الرأسمالية، وإنما هو نفي جدلي متواصل لهذا الواقع وكشف دائم لتناقضاته وضرورات تطوره. لذا، فإنه لا يمكن أن يفهم إلا من منظور ضرورة تلاشي الدولة بتلاشي الطبقات الاجتماعية. وماذا يبقى من الماركسية إذا استثنينا نقد ماركس للاقتصاد السياسي والرأسمالية؟! وعليه، فإن رفض تصور ماركس لتلاشي الدولة وتبني التصور الليبرالي السكوني الفج للدولة الحديثة هو في جوهره رفض للماركسية برمتها. أما الزعيم بالالتزام بالماركسية ورفض جوهرها المتمثل في فكرة تلاشي الدولة في آن، فهو ضرب من التلفيق المرتكز إلى الجهل وإلغاء العقل.
3- والشيء ذاته يقال بصدد ادعاء هذا "الزعيم" الشيوعي بأن الاشتراكية "ليست أكثر من فكرة في التراث النظري الماركسي" وأنها "قد تمثل اللحظة الآيديولوجيّة الطوباوية في ذلك التراث"، الأمر الذي يستدعي تصوراً جديداً وعقلانيا للاشتراكية "يتفادى طوباوية ماركس التي كانت مفهومة في سياقها التاريخيّ"، وكأن تصور ماركس للاشتراكية لم يكن عقلانياً، وكأن تصورات هذا "الزعيم" الجهبذ وأسياده من المنظرين المهزومين، المزهوين بأنفسهم لأنهم يتوهمون أنهم أعادوا اكتشاف الدولاب الليبرالي المهترىء، أكثر حداثة من تصورات ماركس. وبالطبع، فإن اعتبارهم الاشتراكية ليست أكثر من فكرة في الماركسية ليدل على جهلهم الكامل بطبيعة الماركسية وأسسها وجوهرها وانعدام المنهج الجدلي كليا في تفكيرهم. فالفكر الماركسي هو نظام نظري جدلي ترتبط فيه الأفكار معاً ارتباطاً جدلياً ضرورياً، ومن ثم فهو يشكل كلا مفاهيمياً مفتوحاً، شأنه في ذلك شأن النظريات العلمية قاطبة. ولا يجوز مطلقاً اعتباره كومة من الأفكار المرتبطة عرضيا معا أو بيتا مقسماً إلى حجرات مستقلة عن بعضها. فكل فكرة فيه ترتبط بالأخرى ارتباطاً عضوياً ضرورياً، الأمر الذي يعني أن تعديل أي فكرة أساسية فيه يستلزم تعديل الكل، وأن الإطاحة بفكرة أساسية تعني الإطاحة بالكل. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن أي قارئ جدي لكتابات ماركس الرئيسية المتعلقة بنقد الاقتصاد السياسي يدرك جيداً أن نقد ماركس يتم من منظور الثورة الاشتراكية، وأنه لا يمكن أن يفهم إلا على أساس انبثاقه من هذا المنظور. فضرورة الاشتراكية مطبوعة في البنية الداخلية للرأسمالية. هذا هو الافتراض الأساسي الذي ينطلق منه ماركس في نقد الاقتصاد السياسي. فالنقد الجدلي أساساً لا ينطلق من وعي الظاهر، وإنما من وعي الضرورات. والضرورة الأساسية في نقد الرأسمالية والاقتصاد السياسي هي الاشتراكية. وفيما يحلل الاقتصاديون وعلماء الاجتماع البرجوازيون المجتمعات الرأسمالية الحديثة من منظور ديمومتها وأزليتها، فإن ماركس ينقدها من منظور نشوئها وصيرورتها وتخطيها وزوالها. لذلك فإن فكرة الاشتراكية بوصفها ضرورة تقع في قلب النقد الماركسي للاقتصاد السياسي. فإذا أطحنا بفكرة الاشتراكية في الماركسية أو همشناها، أطحنا في الواقع بالماركسية برمتها. فلا معنى للماركسية برمتها من دون فكرة الاشتراكية. وبالطبع، فإن الاشتراكية هنا لا تعني النظام الذي ساد في الاتحاد السوفييتي ودول ما سمي المنظومة الاشتراكية، برغم تقديرنا الكبير لتلك النظم وما أنجزته على صعيدي التنمية والتحرر، وإنما تعني سيرورة الحل الجدلي لتناقضات الرأسمالية، أي سيرورة الانتقال إلى المجتمع اللاطبقي المتقدم المتحكم في ذاته وبيئته (المجتمع الشيوعي). فالاشتراكية بهذا المعنى ليست فكرة طوباوية، وإنما هي محور النقد الماركسي العلمي، محور علم التشكيلات الاجتماعية (المادية التاريخية). إنها ليست مستقبلاً حسب، وإنما هي أيضا حاضر فعلي. إنها ليست مجرد يوتوبيا، وإنما هي أيضا سيرورة فعلية تقع في باطن التطور الرأسمالي. وبلغة هيغل، فإن الاشتراكية هي حقيقة الرأسمالية. أمّا من يحاول أن ينفي عن نفسه تهمة الجمود العقائدي وأن ينسب إلى نفسه فضيلة الحداثة والمرونة بتهميشه فكرتي الاشتراكية وتلاشي الدولة في الماركسية، فإنه يدل على أنه ليس عنده من الماركسية ما يحدثه وأنه لا يعي منها سوى اللفظ المجرّد من معناه. وليس غريباً أن يصدر عن هذا النمط من الشيوعيين القول بأن الرأسمال لماركس هو عمل موسوعي. فآخر وصف يمكن أن نصف به هذا الكتاب العظيم هو أنه موسوعي. إنه كتاب نظري محكم يؤسس لعلم جديد هو علم التشكيلات الاجتماعية وينظر إلى نمط الإنتاج الرأسمالي بوصفه نمط إنتاج زائلاً في سياق تحوله إلى نمط الإنتاج الشيوعي. فإذا كان كذلك، فكيف يوصف بأنه موسوعي؟! من الواضح أن صاحب هذا الوصف يطلق كلامه جزافاً من دون إدراك أن للكلام معنى ونتائج ومنطويات.
وما التصور الجديد العقلاني للاشتراكية الذي "يتفادى طوباوية ماركس التي كانت مفهومة في سياقها التاريخي"؟ما هذا التصور "الجديد" الذي طلع به علينا "الزعيم" الشيوعي؟ يقول الرفيق: "إذا كانت الديمقراطية هي التوزيع العادل للسلطة فإن الاشتراكية هي التوزيع العادل للثّروة". وهكذا، وبعد لأي، عدنا أدراجنا إلى برودان واقتصاديات البرجوازي الصغير التقليدي. هذا هو "الجديد" الذي طلع به علينا هذا الجهبذ في مجابهة كارل ماركس: تفتيت الغنيمة وتوزيعها "العادل"، تلك الصفة الأخلاقية التي تقبل ألف تفسير وتفسير. التجديد إذاً هو العودة إلى برودان الذي مزقه ماركس تمزيقاً في "بؤس الفلسفة": التوزيع العادل للثّروة. هذا هو البديل الموعود لتصور ماركس للاشتراكية الذي يتمثل في مركزة الملكية، لا تفتيتها وتوزيعها؛ مركزتها وتكثيفها في يد المجتمع وممثله التاريخي (الطبقة العاملة)؛ أي تحكم المجتمع في موارده بما يسدّ حاجاته التنموية التاريخية وحاجات أفراده جميعاً؛ أي توحيد الملكية ودمجها ووضعها تحت تصرف المؤسسات الديموقراطية للمنتجين من أجل إشباع حاجات الجميع. هذه هي اشتراكية ماركس. وفي مجابهة هذه الاشتراكية المتطورة يعيدنا الرفيق إلى اشتراكية برودان البدائية التي نسفها ماركس من أساسها في "بؤس الفلسفة".

مغالطات بصدد الديموقراطية
يعرّف الزعيم الشيوعي الأردني، الذي يريد أن يعود بنا إلى اشتراكية برودان نقيضا لاشتراكية ماركس ــ يعرّف الديموقراطية بأنها التوزيع العادل للسلطة. ونفهم من ذلك أنه يقصد التوزيع العادل للسلطة بين الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة في المجتمعات الحديثة. وحتى نحاكم هذا التصور للديموقراطية ونبين مدى تهافته، فلا بدّ من إعطاء تعريف للسلطة نستقرئه من الواقع المعيش ومن التاريخ. فما السلطة في جوهرها؟ إنّها في حقيقتها نظام لاتخاذ القرارات من جانب من يملكها ويتحكم فيها. فلا سلطة بلا قوة على اتخاذ القرارات وتنفيذها. وباعتبارها كذلك، فهي طبقية الجوهر بالضرورة. فالطبقات الاجتماعية التي تملك أدوات اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها هي التي تملك السلطة وتمارسها. أما الطبقات المسحوقة المسلوبة، فهي، وبحكم وضعها في المجتمع، محرومة من السلطة، بل تمارس السلطة من جانب الطبقات الحاكمة لسحقها وسلبها وإبقائها ضعيفة مشلولة. فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن مفهوم التوزيع العادل للسلطة مفهوم عديم المعنى ومتناقض في ذاته. فما الفئات والطبقات المخولة بالتوزيع العادل للسلطة؟ وكيف يمكن أن يكون توزيعها بين الطبقات الاجتماعية عادلاً، إذا كانت الطبقات الكادحة والعاملة محرومة من امتلاك أدوات ممارستها بحكم وضعها الطبقي في المجتمعات الحديثة، وإذا كانت الطبقات المالكة تسعى بحكم وضعها الاجتماعي أيضا إلى الحيلولة دون تنظيم الطبقات الكادحة لنفسها ومحاولتها امتلاك أدوات السلطة؟ إن الطبيعة الداخلية (الطبقية) للمجتمعات الحديثة تحول بالضرورة دون أن يكون توزيع السلطة عادلاً. فالتوزيع العادل يقضي بإزالة الطبقات الاجتماعية، ومن ثم إزالة الحاجة إلى مثل هذا التوزيع، وربما إلى السلطة في حدّ ذاتها. وحتى لو أتيح للطبقات الكادحة امتلاك أدوات ممارسة السلطة، كان لزاماً عليها أولاً أن تحولها ثوريا وتغيرها جذريا قبل الشروع في استعمالها، وذلك كيما تلائم طبيعتها وأهدافها ومشروعاتها الطبقية. فالقضية الأساسية هنا ليست قضية التوزيع العادل للسلطة، وإنما قضية الصراع الطبقي والتحوّل الثوري للمجتمعات. أما السلطة، فهي غير قابلة للتوزيع بطبعها، بمعنى أنها تفقد جوهرها بوصفها سلطة إذا توزعت. إنها متمركزة بطبعها وجوهرها.
وبعد هذا كله، كيف يقبل على نفسه هذا الزعيم الشيوعي المحلي الذي يدعي الماركسية أن يطرح مثل هذا التصور المتناقض مع ذاته للديموقراطية، تاركاً وراءه الطروحات المتطورة التي وضعها ماركس وإنجلز ولينين وغرامشي للديموقراطية؟ كيف يقبل بمثل هذا التصور الليبرالي (البرجوازي الصغير) الفج بديلاً عن التصور الماركسي المتطور؟
وهنا يبرز السؤال: ما الذي نستطيع أن نستنتجه بصدد معنى الديموقراطية وجوهرها باتباع منهج ماركس في تحليل النظم السياسية الاجتماعية؟ ولنركز على ديموقراطية الحقبة الحديثة. إن الديموقراطية الحديثة (الليبرالية) هي بنية معقدة لاتخاذ القرارات العامة المتعلقة بإعادة إنتاج المجتمع وتنفيذ هذه القرارات. لكن هذه البنية ليست أزلية، كما أنها لم تنشأ من العدم، وإنما نشأت تاريخياً في سياق نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي واستجابة لحاجات بنيوية في المجتمع الرأسمالي الناشئ. لذلك، فإن هذه البنية ليست محايدة طبقياً، وإنما تحمل طابعاً رأسمالياً برجوازياً محدداً يمكنها من أداء وظائف رأسمالية برجوازية محددة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن هذه البنية تتضمن آليات متعددة لممارسة الحريات الديموقراطية والضغوط السياسية ولتشكيل القوى السياسية الفاعلة. لذلك، فإن القرارات العامة لا تصنعها النخب السياسية بمعزل عن الفئات الطبقية المختلفة في المجتمع. وبصورة عامة، فإن الطبقة البرجوازية هي التي تتحكم في هذه الآليات وتملك وسائل التحكم فيها. فهي التي تشكل وتمول الأحزاب السياسية المتنفذة والقادرة على كسب أصوات الناخبين، وهي التي تتحكم بوسائل الإعلام والتربية والتعليم، وهي التي تتحكم بالعمل وفرص العمل. كما إنّ ألف خيط وخيطاً تربطها بجهاز الدولة والعاملين فيه. لذلك، لا عجب أن سمى ماركس ولينين الديموقراطية الليبرالية دكتاتورية البرجوازية، أي حكم الطبقة البرجوازية بوصفها طبقة. إنها بنية من الآليات التي تضمن حكم البرجوازية بوصفها كلا طبقيا معينا. وبالمقابل، فإن النظم غير الديموقراطية تكبت هذه الآليات وتضيق فعلها وتفعّل آليات أخرى تضمن حصر اتخاذ القرارات العامة في نخبة صغيرة أو فرد واحد. وبصورة عامة، ففي الأزمات الحادة، تلجأ البرجوازية إلى تصفية ديموقراطيتها مؤقتا وتسليم سلطتها إلى نخبة أو فرد لأداء وظائف معينة قد تمس بعض امتيازاتها. لكن هذه اللحظات استثنائية. أما الحكم الطبيعي المستقر للبرجوازية المتطورة (المركزية) فهو الديموقراطية الليبرالية، أي دكتاتورية الطبقة بكاملها. ومن نقاط قوة هذا النظام أنه يتيح الفرصة للطبقات الأخرى للمشاركة بصورة محدودة في إدارة المجتمع الرأسمالي وإعادة إنتاجه لقاء بعض المكاسب المحدودة والآنية. ولكن علينا ألا ننسى أن الوضع المتميز للمراكز الرأسمالية الكبرى في النظام الاقتصادي العالمي الذي يتيح لها إمكانية استغلال الأطراف والتحكم فيها هو الذي يوسع فضاء الدولة الرأسمالية بما يتيح المجال لهذه المشاركة المحدودة. وهذا يفسر ازدهار الأحزاب الديموقراطية الاجتماعية في المراكز الرأسمالية (وبخاصة في دول أوروبا الغربية)، وبالمقابل ازدهار الحركات الثورية (اليسارية والقومية والدينية) في الأطراف.
نستنتج من ذلك أنه ليس هناك ديموقراطية بالمطلق، وإنما هناك ديموقراطيات تعبر كل منها عن واقع طبقي محدد ضمن تشكيلة اجتماعية محددة. إن ديموقراطية ما في مجتمع طبقي ما هي إلا شكل من أشكال بنى اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها من جانب الطبقة الحاكمة بوصفها طبقة. فذات الفعل السياسي هي الطبقة، لا الفرد أو الطغمة. وفي حال النظم الديموقراطية، فإن الطبقات تمارس السياسة بصورة مباشرة، لا عن طريق وكيل أو وسيط أو بونابرت.
إذاً، فإن حدود الديموقراطية الليبرالية هي هي حدود الطبقة البرجوازية في المراكز الرأسمالية المتقدمة. إنها في النهاية تعبر عن حكم طبقة استغلالية بحكم طبيعتها الداخلية؛ طبقة تسخر كل قوتها للإبقاء على مجتمع جامح فوضوي لا يمكن التحكم فيه ولا في تطوره وأنماط تفاعله مع الطبيعة والأفراد. وبرغم الحريات الديموقراطية التي تتيح ممارستها من حيث المبدأ، فإنها تظل تمثل حكم الأقلية (البرجوازية). كما إنّها ترتكز إلى نظام الملكية الخاصة، ذلك النظام الاحتكاري الذي يحرم الغالبية الكادحة من المشاركة في اتخاذ القرارات الاقتصادية العامة والجزئية التي تمس حياتها في الصميم، ومن ثم تنعدم الديموقراطية على صعيده انعداماً كاملاً في الرأسمالية. بذلك فإن الحريات السياسية التي تنطوي عليها الديموقراطية الليبرالية ترتكز إلى استبداد يكاد أن يكون مطلقاً على صعيد الاقتصاد ومنشآته. كل هذه الحدود والنواقص في الديموقراطية الليبرالية حدت ماركس ولينين إلى طرح ديموقراطية بديلة، الديموقراطية الاجتماعية المنسجمة مع نفسها، ديموقراطية الغالبية الكادحة.
ومع ذلك كله نجد الزعيم الشيوعي الذي يدعي التزامه بالماركسية يقول: "إن الديموقراطية هي الثورة السياسية الحقيقية اليوم". ويعني بذلك بالطبع أن الثورات الاشتراكية التي قامت في القرن العشرين لم تكن ثورات حقيقية، وأن الديموقراطية الليبرالية، التي يتشدق بها مستبدو الغرب والعالم ومجرموه (ثاتشر، ريغان، كيسنجر، رابين، بيريز، غورباتشوف، يلتسن، شيفار نادزة)، هي النظام السياسي الأمثل الذي ينبغي أن ننصاع إليه ونخر ساجدين أمامه. وبالطبع فإن القول المقتبس أعلاه خال كلياً من المعنى والسند التاريخي. فالديموقراطية الليبرالية ليست ثورة سياسية، وإنما جاءت نتيجة ثورات اجتماعية كبرى منذ مطلع القرن السابع عشر في أوروبا الغربية، قادت بعضها البرجوازية الأوروبية الناشئة وبعضها الآخر البروليتاريا (الطبقة العاملة)، وارتكزت أساساً إلى الجماهير الكادحة. فالديموقراطية في الأساس جاءت تعبيراً عن إرادة التحالف الشعبي الذي أسقط الإقطاع والاستبداد الإقطاعي في أوروبا الغربية. إنها نتاج انتصار التحالفات الشعبية ضد النخبوية بشتى أصنافها (إقطاعية، أرستقراطية مالية، بونابرتية، فاشية، نازية). إنها نتاج انتصار الثورة الاجتماعية. لكن انتصار الديموقراطية الليبرالية في المراكز الرأسمالية جاء نتيجة انتصار جزئي لقوى الثورة الاجتماعية. فالانتصار الجزئي لهذه القوى نتيجته الديموقراطية الليبرالية المحدودة. أما الديموقراطية الاجتماعية غير المحدودة والمنسجمة مع ذاتها، فهي نتاج الانتصار الكلي لقوى الثورة الاجتماعية، الذي لما يتحقق.
ما سمات هذه الديموقراطية الاجتماعية؟ وكيف تختلف عن الديموقراطية الليبرالية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه لاحقاً.

مغالطات بصدد اللينينية
قلنا إن الماركسية هي في جوهرها وعي الثورة الاشتراكية، أي إنها الثورة الاجتماعية تعي ذاتها. وبناء على هذا التوصيف، فإنه لابد من الإقرار أيضاً بأنّ الماركسية وصلت أوجها وأصدق تجسيداتها في الحزب البلشفي، وفي لينين واللينينية بالتحديد. لذلك فإن محاولة عدد من الشيوعيين التنصل من لينين واللينينية مقروناً بالادعاء بالتمسك بالماركسية والتسلح بماركس ضد لينين لهي محاولة شيزوفرينية انفصامية تنم على أمية نظرية وانتهازية سياسية وغرور فارغ في آن. فهي تفترض أن أولئك الشيوعيين قد استوعبوا لينين جيداً ووصلوا إلى أعماقه ومستوى منهجه إلى الحد الذي أهلهم لنقده وتخطيه. وهو بالطبع افتراض بعيد كليا عن الصواب لدى أي شخص منصف اطلع على الأدبيات الهزيلة لأولئك الشيوعيين. بل أجزم أن أحداً منهم لم يكلف خاطره في يوم من أيام "نضاله" الطويل بقراءة مقالة واحدة من مقالات لينين الكثيرة التي تملأ خمسة وأربعين مجلداً، هذا ناهيك بفهمها لو تسنّى له قراءتها. إذ كان أولئك يكتفون، أيام عز الاتحاد السوفييتي، بقراءة مقتطفات فقط من لينين مقطوعة من سياقها الثوري الفعلي، وفي سياق المنشورات السوفييتية المبسطة وسياق آيديولوجيا السلطة السوفييتية ما قبل الماركسية في كثير من جوانبها. فكانوا يرددونها كالببغوات على سبيل التعبير عن ولائهم للقوة الشيوعية العظمى وعلى سبيل التفاخر الفارغ. وكان موقفهم من لينين موقف عابدي الأصنام من صنمهم، لا موقف الملتزم بمنهج يتجسد في نصوص وحركة. لذلك، فما إن انهارت القوة العظمى التي كانت تعطي وهجاً مادياً حقيقياً لهذا الصنم، حتى انقلب أولئك الأتباع على صنمهم وبدأوا يحيكون حوله التأويلات البالية التي صاغها بصدده أعداؤه السياسيون. فانقلبوا من التأليه والتمجيد إلى الرفض، من دون أن يكلفوا خاطرهم في الحالتين بقراءة موضوع تأليههم أو رفضهم واستيعابه نقدياً. بل بلغ الوهم في بعضهم أن أخذوا يلومون أنفسهم لأنهم اكتفوا بقراءة لينين "وحرموا" أنفسهم من قراءة برنشتاين وكاوتسكي وتروتسكي ولوكسمبورغ، وكأن لينين هو الذي حرمهم من قراءة أولئك. وحقيقة الأمر أنهم لم يقرأوا لينين نفسه. ولو قرأوا لينين وتشربوا بمنهجيته الديموقراطية النقدية الجدلية، لانساقوا حتماً إلى قراءة كاوتسكي وتروتسكي ولوكسمبورغ. لكنهم في الواقع ما كانوا ماركسيين أو لينينيين في أي يوم من الأيام، وما كان في مقدورهم الارتقاء إلى خطاب ماركس أو لينين. وكل ما في الأمر أنهم انتقلوا من خطاب يساري ضحل يعكس تبعيتهم للسلطة السوفييتية إلى خطاب ليبرالي أكثر ضحالة ورجعية.
كان لا بد من هذه المقدمة حتى أوضح السياق العام الذي أتحفنا فيه الزعيم الشيوعي بمقولاته الفذة بصدد الماركسية والديموقراطية واللينينية. والآن، لندخل في التفصيلات.
يقول الرفيق: "ولم تكن اللينينية إنتاج نظرية في السياسة بل هي لم تقدم سوى معرفة بالسياسة كفاعلية".
هذا القول يذكرنا بالأقوال التي كنا نسمعها في حقبة الحرب الباردة من أفواه أعداء الشيوعية والتحرر الوطني. وأساسها رصد ما لم ينجزه لينين وما لم يحققه، مع أن الإجراء المعقول هو رصد ما أنجزه وحققه. وما أنجزه لينين عظيم بأي معيار. فلماذا نعيب على المنجز ما لم ينجزه ونغفل العظيم الذي أنجزه بالفعل؟!
هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإنه من العجيب حقاً أن يسقط الرفيق أمراض حزبه وكثير من الأحزاب الشيوعية العربية على لينين وفكره وممارسته. إذ كان من اللافت للنظر حقاً غياب النظرية والعقل النظري في ممارسات تلك الحزاب إبان الحقبة السوفييتية، بمعنى أن ممارساتها كانت في واد وما كانت تتشدق به من شعارات نظرية في واد آخر. إذ لم تكن ممارساتها تنبع من تحليل نظري محدد ولا من موقف نظري محدد، وإنما من اعتبارات أخرى نفعية. فكانت الشعارات النظرية بمثابة زينة فارغة تعبر عن ولاءات معينة للمركز السوفييتي لا أكثر ولا أقل. وما زال الأمر كذلك، برغم تغير الولاءات. أما إسقاط هذا المرض وهذه النقيصة على لينين نفسه، فهو أمر محير وفيه افتئات واضح على الوقائع والحقائق. إذ كان لينين التجسيد الأوضح لمقولته الشهيرة أن لا ممارسة ثورية بلا نظرية ثورية. فقد كان لينين يصنع مواقفه من مادة النظرية وبالتحليل المادي الجدلي المحكم. ولم يكن يأبه بالأخطار ولا بمواقف غيره إذا قاده تحليله المحكم إلى موقف محدد. فقد كان بحق تجسيداً نقياً لمنطق الجدل المادي. لذلك كان يأبى أن يقدم على أي فعل سياسي اجتماعي من دون أن يكون مؤسساً بإحكام على قاعدة نظرية صلبة. وقد دفعه ذلك إلى تملك النظرية الماركسية بعمق قلّ نظيره، كما دفعه إلى البحث المعمق في المفهومات النظرية وأسسها الفلسفية. لكنه لم يعن بالتفصيلات الفنية في هذا المضمار، لضيق الوقت، وإنما اكتفى بوضع الأسس، سواء أكان الأمر متعلقاً بالنظرية السياسية أم بالنظرية الفلسفية، تلك الأسس التي استرشد بها في ممارسته السياسية الاجتماعية، تاركاً التفصيلات الفنية للأكاديميين التقدميين الذين يملكون الوقت والمهارة لملئها. ويتضح ذلك بجلاء في "ما العمل؟"، و"المادية والنقدية التجريبية" و"الدولة والثورة"، و"الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي"، و"الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية"، و"الدفاتر الفلسفية"، وغيرها. فإذا لم تشكل هذه الأعمال العظيمة قاعدة لنظرية في السياسة، فليتفضل الزعيم الشيوعي ويدلنا على أعمال لغير لينين ترتقي في نظره إلى مستوى نظرية في السياسة ولا تكتفي بتقديم "معرفة بالسياسة كفاعلية".
إن انتقاد لينين في هذا المضمار كمثل انتقاد غاليليو لأنه "اكتفى" بوضع أسس المنهجية العلمية والميكانيكا الكلاسيكية، فلم يفصل هذه الأسس في نظام رياضي محكم، كما فعل نيوتن بعده، وكأن فعل التأسيس الذي أداه غاليليو لا قيمة له.
والنقطة الأساسية بصدد لينين أن ممارساته جميعاً كانت تنطوي على بناء نظري محكم في السياسة، لم يتسن للينين إظهار جميع أركانه بجلاء، لضيق الوقت ومهابة البناء نفسه. وبالمقابل، فإن ممارسات كثير من الشيوعيين العرب، وفي مقدمتهم الزعيم الشيوعي، لا ترتكز بأي صورة من الصور إلى بناء نظري محكم، كامناً كان أو ظاهراً، وإنما تربطها معاً مصالح ضيقة وروابط تبعية مع مراكز قوى عالمية. فهناك غياب جلي للعقل النظري في هذه الممارسات. والحال أن الزعيم الشيوعي أسقط ذاته الحزبية الهزيلة المعادية للنظرية على لينين، النقيض الفعلي لهذه الذات.
ويقول الزعيم الشيوعي: "واللينينية... ليست نظرية كونية تتجاوز حدود روسيا، بل هي تأويل قومي روسي للماركسية. وهذا موجود في أساس نقضها للفرضية الماركسية القائلة بأن الاشتراكية تتحقق في البلد الأكثر تقدماً وتأكيدهاً إمكان نجاح الثورة في الحلقة الأضعف في السلطة الرأسمالية".
هناك، في هذا القول، خلط واضح بين اللينينية والستالينية، وفهم مشوه للتصور الماركسي لشروط الثورة الاشتراكية وتحققها.
أولا، هناك خلط واضح بين شروط قيام الثورة في قطر ما وشروط بناء الاشتراكية فيه. ففي عشية ثورات عام 1848، توقع ماركس وإنغلز أن تبدأ الثورة في ألمانيا، التي كانت تعدّ آنذاك مجتمعاً متخلفاً بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا وهولندا، وأن تنتقل لاحقا إلى فرنسا بمجتمعها المتطور. لكنهما توقعا أن تأخذ الثورة طابعاً برجوازياً ديموقراطيا في ألمانيا وطابعاً عماليا في فرنسا. وقد طرحا في هذا السياق مفهوم "الثورة الدائمة"، الذي اتخذه لاحقا ليون تروتسكي أساسا لفكره السياسي. وعليه، فقد توقعا أن تبدأ الثورة الاشتراكية في قطر متخلف نسبيا، ثم تمتد إلى الأقطار الأكثر تقدماً والقادرة على بناء الاشتراكية ومساعدة الأقطار المتخلفة نسبيا في تحقيق مهماتها الديموقراطية وتهيئتها للانتقال إلى الاشتراكية. وهكذا، فقد فرقا بين شروط تفجر الثورة الاشتراكية (التي هي عالمية في جوهرها) في قطر ما وشروط تحقيق الاشتراكية. فلا تنشب الثورة الاشتراكية بالضرورة في أكثر المجتمعات الرأسمالية تطوراً، وإنما هناك احتمال كبير لأن تنشب في المجتمعات المتخلفة نسبيا. لكن بناء الاشتراكية يستلزم تطوراً رأسماليا محدداً، مع ملاحظة أن الماركسية لم تستطع حتى الآن وضع تحديد دقيق لمدى التطور المطلوب، ربما لأن مثل هذا التحديد ليس مسألة معرفية نظرية بحتة، وإنما هو مسألة عملية ثورية يحددها الفعل الثوري في النهاية. وقد طوّر لينين هذا التصور الماركسي فيما أخذ يعرف بنظرية الحلقة الأضعف في السلسلة القائلة بأن الثورة تنشب في المجتمعات المتخلفة نسبيا التي تشكل الحلقات الأضعف في السلسلة الإمبريالية، ثم تنتقل إلى السلسلة بكاملها. فاللينينية في هذا المضمار هي تطوير لموقف ماركس وإنغلزو وليست نقيضا له، كما يدعي الزعيم الشيوعي.
وقد ظل لينين والبلاشفة، بالإضافة إلى تروتسكي، يصرون على أن الثورة الاشتراكية هي عالمية الجوهر، وأن نجاحها يتوقف على انتقالها من روسيا المتخلفة نسبياً إلى ألمانيا المتطورة رأسمالياً، وأن شروط بناء الاشتراكية ليست متوافرة في روسيا. وكان لينين بالتحديد أكثرهم إدراكاً لتخلف روسيا على جميع الصعد. وتنم كتاباته الأخيرة قبيل موته على إدراك دقيق وعميق للصعوبات التي كانت تعترض تحديث روسيا، ناهيك ببناء الاشتراكية فيها، وفي مقدمتها الأطر الهمجية ما قبل الرأسمالية التي كانت ما زالت مهيمنة على غالبية الشعب الروسي ومؤسساته السياسية والثقافية آنذاك.
وفي مقدّمة الطبعة الروسية للبيان الشيوعي التي صدرت عام 1882، قبيل موت ماركس، وسم ماركس وإنغلز روسيا بأنها طليعة الفعل الثوري في أوروبا، برغم تخلفها، الأمر الذي يؤكد أطروحتنا أعلاه. وقد انطلق لينين من تلك الحقيقة وأدرك بدقة شروطها الموضوعية والذاتية، وعمل على إكمالها وإنضاجها. لكنه كان مدركاً تماماً لحدودها المتمثلة في عجز روسيا عن بناء الاشتراكية بمفردها برغم توافر شروط انتصار البروليتاريا فيها. لذلك كان هاجسه عالميا، ولم يفكر يوما بالثورة الروسية بمعزل عن المراكز الرأسمالية المتقدمة، وإنما في سياق الثورة العالمية. هذا ما تؤكده كل صفحة من مجلداته الخمسة والأربعين. لذلك، فالقول بأن اللينينية ليست سوى تأويل قومي روسي للماركسية، وهو ما قد ينطبق على الستالينية، هو افتئات جلي على الحقيقة يعيد إلى الأذهان الدعاية المغرضة التي كانت تبثها في هذا الصدد أجهزة الإعلام الاستعمارية إبان حقبة الحرب الباردة.































































الفصل الثالث
نقد ماركسية ما بعد الانهيار






نقد الشيوعية العربية المعاصرة
ساد الحركة العمالية الاشتراكية منذ نشأتها ثلاثة تيارات رئيسية تشابكت وتصارعت فيما بينها على زعامة هذه الحركة حتى يومنا هذا. هذه التيارات هي: (1) التيار الماركسي الديموقراطي الثوري، وقد مثله في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كارل ماركس وفريدريش إنغلز، ومثله في الربع الأول من القرن العشرين لينين وروزالوكسمبورغ وليون تروتسكي؛ (2) التيار البيروقراطي التنموي الاستبدادي، الذي اقترن بصورة أساسية باسم جوزيف ستالين، وهو تيار تتنازعه روحان: روح ثورية تنبع من طابعه التنموي وروح محافظة تنبع من طابعه البيروقراطي الاستبدادي؛ (3) التيار الإصلاحي الليبرالي، ومثله في مطلع القرن العشرين برنشتاين وكاوتسكي ومارتوف، وفي الشيوعية السوفييتية بخارين وخروتشوف وغورباتشوف ويلتسن، وفي الشيوعية الغربية ما سمي الشيوعية الأوروبية؛ وهو التيار الذي ظل سائداً في الديموقراطية الاجتماعية الأوروبية منذ نشوئها، كما إنه أضحى التيار المهيمن في جلّ الأحزاب الشيوعية منذ إلغاء الاتحاد السوفييتي.
ويمكن القول إن التيار الأول ينزع إلى الهيمنة على الحركة في الفترات الثورية التي يتأزم فيها النظام الرأسمالي السائد وتنتفض جماهير الكادحين معبرة عن رفضها لهذا النظام ومنادية بمطالب لا يمكن أن تتحقق ضمن إطاره. أما التيار الثاني فهو ينزع إلى الهيمنة في الفترات ما بعد الثورية التي تنشغل فيها القوى الثورية بتحقيق بعض المهمات العاجلة للثورة، وفي مقدمتها تنمية القاعدة الإنتاجية وبناء شروط الدفاع عن النظام الثوري. ويلمع نجم التيار الثالث في فترات الاستقرار النسبي للنظام الرأسمالي وانحسار المدّ الثوري. وعنوان هذا التيار هو القبول بالرأسمالية والتكيف معها، ومحاولة تحسين شروط الاستغلال الرأسمالي والتبعية للرأسمالية، وادعاء محاولة بناء المجتمع المدني ومؤسساته وترسيخ الديموقراطية الليبرالية، وذلك كله بالأساليب "السلمية الدستورية" ومحاولة إقناع النخب الحاكمة بفائدة ذلك لجميع الفئات والطبقات. لذلك نرى أصحاب هذا التيار يسعون إلى إقامة علاقات طبيعية مع القوى الرأسمالية المتنفذة، برغم طابعها الإمبريالي والصهيوني، في الوقت الذي يسعون فيه إلى قطع أيّ صلة مع دعاة التيارين الآخرين من تيارات الحركة العمالية الاشتراكية وتوجيه نيران نقدهم إلى رموز هذين التيارين، وفي مقدمتهم ماركس ولينين وستالين، مستعينين في ذلك بالحجج والادعاءات التي كانت تطلقها أبواق الدعاية الإمبريالية الأميركية ضد الماركسية والشيوعية في حقبة الحرب الباردة. إذ يشعر المرء في كثير من الأحيان حين يسمع "شيوعي" اليوم يتكلمون عن الماركسية والاشتراكية ويكيلون الشتائم لماركس ولينين ويمجدون الديموقراطية البرجوازية، بدءاً بالمغناكرتا، على حساب ثورة أكتوبر والاشتراكية، وكأنه يسمع صدى باهتاً لما كان يقوله أمثال كيسنجر وبريجنسكي وبوش وثاتشر في السبعينيات والثمانينيات عن الماركسية والشيوعية.
ولئن كانت هذه النزعات عالمية الطابع وشمولية الاتساع، فإنها تأخذ شكلاً حاداً صارخاً وكاريكاتوريا في الأحزاب اليسارية العربية والمحلية. إذ كانت هذه الأحزاب تتأرجح في الثمانينيات بين الخطاب التنموي الستاليني والخطاب الإصلاحي الليبرالي، مع ميل واضح إلى الخطاب الأول، وذلك انعكاساً مباشراً لما كان يطفو على سطح الإعلام السوفييتي. ولكن، مع تنامي الغور باتشوفية ونفوذ يلتسن وزبانيته في النصف الثاني من الثمانينيات ومع انتفاضات 1989 في أوروبا الشرقية، ومع تصفية الاتحاد السوفييتي عام 1991، حسمت جلّ الأحزاب الشيوعية العربية أمرها وتبنت بلا تردد الخطاب الإصلاحي الليبرالي، مستبدلة بالمفهومات التنموية التقليدية (مثل الصراع الطبقي، والإمبريالية، والطبقات الكادحة، والثورة الاجتماعية، والتحرر الوطني، والبناء الاشتراكي، وعلاقات الإنتاج وقواه، وحق تقرير المصير للشعوب، والوحدة القومية) مفهومات ليبرالية (مثل الديموقراطية، وحقوق الفرد، والمجتمع المدني، واقتصاد السوق، والخصخصة). ولئن أخذ هذا التحول من الستالينية صوب الإصلاحية الليبرالية في الأحزاب الشيوعية الأوروبية عقوداً من الإنضاج، وجاء نتيجة تحوّلات كبيرة في المجتمعات الأوروبية والطبقات العاملة الأوروبية والمناخ الثقافي الأوروبي والخبرة السياسية للشيوعيين الأوروبيين، فإنه جاء مباغتاً في الأحزاب الشيوعية العربية، وانعكاساً ميكانيكيا لما كان يحدث على المساحة السوفييتية منذ تقلد غور باتشوف منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1985، وعلى أساس تبعية هذه الأحزاب لموسكو. فجاءت ليبراليتهم متخلفة ضحلة منقطعة عن هموم الجماهير العربية وغير مستندة إلى أساس حقيقي من الفكر والممارسة والخبرة الثقافية والسياسية. واتضح أن الستالينية التي كانوا ينادون بها لم تكن في حالتهم سوى ثوب رقيق وجدوا من المناسب ارتداءه في وقت من الأوقات لأن مصالحهم الفئوية اقتضت ذلك آنذاك، ثم وجدوا من مصلحتهم، في مطلع التسعينيات، خلعه والاستعاضة عنه بثوب الإصلاحية الليبرالية. وجاء "نقدهم" للينينية (بل وحتى الستالينية) على أساس من الجهل المشين بفكر لينين ونصوصه ومسيرته الثورية وتاريخ الاتحاد السوفييتي. وكشفت ادعاءاتهم عن أن مشكلتهم الحقيقية لم تكن تكمن في النصية، كما يزعمون، وإنما تكمن في انعدامها وانعدام أي أساس نظري لممارستهم. فبإلغاء الاتحاد السوفييتي، تحررت هذه الأحزاب من آخر قيد كان يربطها بالنص وبالطبقة العاملة، ويمنعها من الارتماء كليا في أحضان البرجوازية. فبدلاً من توثيق صلتها بالجماهير تعويضاً عما فقدته بإلغاء الاتحاد السوفييتي من صلات مع قوى الثورة العالمية، دأبت على قطع آخر صلاتها مع التراث الثوري العالمي ومع الجماهير الكادحة بحجة أن هذه الأخيرة جماهير متخلفة تنجذب عفويا نحو القوى السلفية، وأخذت تلحق نفسها جدياً بالبرجوازيات الحاكمة، وأضحت أبواق دعاية ضد التراث الثوري ورمزه الأكبر فلاديمير لينين. وأخذت هذه الأحزاب تتسابق في حذف اسم لينين واللينينية من برامجها ووثائقها السياسية ووضعت نفسها دعائياً في خدمة البرجوازيات العربية المتواطئة مع الإمبريالية والصهيونية، وصارت تنظر لدرب الاستسلام المكشوف الذي سارت وتسير عليه البرجوازيات العربية منذ العدوان الأميركي على العراق عام 1991، وأخذت تبرر هذه المسيرة المشؤومة حتى وهي تبدي تحفظها على هذا الجانب منه أو ذاك.
وبالطبع فقد حاولت هذه الأحزاب التمويه والإيحاء الزائف باستمرارية خطابها بإيراد لفظة الماركسية، أو حتى الماركسية - اللينينية، هنا ولفظة المادية الجدلية (عوضاً عن الماركسية) هناك. لكن هذه الألفاظ لا تمت بصلة حقيقية إلى مجمل الخطاب الليبرالي الذي تبنته هذه الأحزاب وأخذت تبثه بين صفوف الناس.
وقد بينت تهافت هذا الخطاب في أكثر من مقالة ودراسة، كان آخرها ثلاث مقالات متتابعة نشرتها على صفحات "الرأي"(4) الغرّاء منذ أشهر(5)، ونقدت فيها محاضرة عن الماركسية ألقاها في المركز الثقافي الملكي الأمين العام لحزب يساري أردني، وبينت فيها تهافت الخطاب الإصلاحي الليبرالي وتهافت ادعاءاته بصدد الماركسية والديموقراطية واللينينية. وبدلاً من أن يجيب أصحاب هذا الخطاب بحجج قوية تليق بالتراث العظيم الذي كانوا يدعون الانتساب إليه، جاء ردهم مشخصناً تنخره التناقضات المضحكة وتسوده روح الصغار وعقد النقص وخالياً من الترابط المنطقي والجدية الفكرية والسياسية، الأمر الذي أقنعني بأن أمثال هذه الأحزاب ليست سوى مخلفات متحللة عفنة لحركة تاريخية عظيمة استنفدت طاقتها ودورها التاريخي.
بقي أن نقول إن الانحسار الكبير الذي شهدته مؤخراً حركة الثورة العالمية والتغييرات السلبية التي طرأت على الحركة الشيوعية العالمية نفسها (استقالتها من موقعها في حركة الثورة العالمية) لا تعني بأي حال من الأحوال سقوط الماركسية، كما تدعي أبواق الدعاية الإمبريالية والرجعية.
إن التناقضات التي خلقت الحاجة إلى حركة الثورة العالمية ما زالت قائمة تتفاقم وتتخذ أشكالاً جديدة قديمة. والتراث الفكري التغيري الوحيد الذي يتسع فضاؤه لمجابهتها ولأن يكون أساساً مكينا لحركة ثورية عالمية جديدة قادرة على تحقيق مهمات التغيير هو التراث الماركسي. ومع أن هذا التراث العظيم تشكل تاريخيا بالعلاقة مع تشكل الحركة العمالية العالمية وحركة الثورة العالمية، إلا أنه لم يكن في يوم من الأيام مماثلاً لهذه الحركة. إذ تنازع هذه الحركة أكثر من تيار ونزوع، كما أسلفنا. ولئن تراجع أثر هذا التراث في الحركة العمالية الثورية، فمرد هذا التراجع إلى عوامل موضوعية وتغييرات سلبية أصابت هذه الحركة في سياق تحقيقها لمهماتها. فالعلة في الحركة، لا في التراث. وعلى أي حال، فليس هناك ما يحتم أن تأتي عملية حل تناقضات الرأسمالية على يد حركة ثورية واحدة وفي فترة تاريخية قصيرة. ولنتذكر أن نظم الرق والأقنان ظلت قائمة لآلاف السنين واحتاجت إلى عدة حركات ثورية وتغييرية وعدة تطورات اجتماعية اقتصادية لكي تزول وتندثر. فلماذا نتوقع أن تكون هناك وصفة سحرية خارج إطار الزمن وقوانين التاريخ لعملية الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية؟!

تهافت ليبرالية شيوعيي ما بعد الانهيار
بإلغاء الاتحاد السوفييتي، ومعه البنى والأفكار الستالينية، انفتحت أمام الأحزاب الشيوعية طريقان:
1- طريق التقدم صوب المرجعية الماركسية اللينينية الثورية.
2- طريق التقهقر صوب الإصلاحية الليبرالية.
لكن الأحداث التي أدت إلى إلغاء الاتحاد السوفييتي وتلك التي أعقبته، بالإضافة إلى درجة البقرطة والتصلب التي وصلت إليها جلّ الأحزاب الشيوعية، كلها ساقت غالبية الشيوعيين صوب نفق الإصلاحية الليبرالية، بعيداً عن المرجعية الماركسية اللينينية، بل في مجابهتها. وبالطبع، فقد كانت هذه الغالبية مهيأة لهذا الانزلاق لضعف تكوينها الماركسي وضعف روح التفكير الحي الناقد والمستقل بين صفوفها. وكان عليها أولاً أن تتخلى عن مقومات وعيها السابق وأن تفك ارتباطها رسميا مع الماركسية اللينينة، فبدأت بإعطاء هذا الوعي عنواناً اسمه لينين، ثم صوبت فوهات بنادقها المهترئة إلى هذا الوعي المنهار، فظنت أنها نالت من لينين نفسه وأنها أبعدت طيفه عن الحياة السياسية إلى غير رجعة.
وسأبين تهافت هذه الرؤية الإصلاحية الليبرالية وهذه المحاولة للنيل من رمز الثورة العالمية، فلاديمير لينين، لا بنقد الأحزاب اليسارية المحلية التي تتسم بضحالة وعدم جدية واضحين، وإنما بنقد جدي ومتماسك فكريا يحمل الرؤية الإصلاحية الليبرالية وينقد اللينينية من منظورها، وهو كتاب "الماركسية: من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" لعطية مسوح (دار الينابيع، دمشق، 1995)(6). ولنستعرض وننقد بعض الفقرات المفصلية التي تحمل في طياتها الرؤية بكاملها.
يقول عطية مسوح: "وبهذا وضع أصحاب الماركسية فلسفتهم التغييرية الجدلية، فلسفة التطور والتقدم في مأزق صعب، بتحويلها من فلسفة تغيير، إلى فلسفة تبرير. وكان لهذا بالذات نتيجة مدمرة للأحزاب الماركسية ذاتها، إذ فقدت سلاحها الفكري الذي يساعدها في دراسة الواقع الاجتماعي، فقدت امتيازها الفكري وغدت صاحبة شعارات ونصوص مفصولة عن الواقع...من هنا فإن تطوير الفكر الماركسي، وإعادته إلى ساحة الفعل هما أمران ممكنان، لابد أن يحصلا، ولكنهما يقتضيان عودة الماركسية من فلسفة تبريرية إلى فلسفة تغييريّة" (ص 24).
تبدو هذه الفقرة للوهلة الأولى كأنها تشخص أزمة الماركسية والماركسيين بدقة وبساطة في آن، وكأنها تلخص الأمر كله في ومضة من التبصرّ. هذا ما يبدو للوهلة الأولى. لكنه سرعان ما يتبدد إذ ندقق النظر والفكر في نص الفقرة. فهناك أولاً الافتراض بأن للماركسية أصحاباً. وهناك ثانياً الافتراض أن أصحاب الماركسية ثابت لا يتغير وأن أولئك الأصحاب يظلون أصحابا للماركسية حتى بعد أن يحولوها من فلسفة للتّغيير إلى فلسفة للتبرير. وهناك ثالثا الافتراض بأن هذا التغير الذي أصاب الماركسية جاء نتيجة قرار ذاتي لأولئك الأصحاب. ولم يخطر على بال مسوح أن الذي تغير بالفعل ليس الماركسية نفسها، وإنما من أسماهم أصحاب الماركسية، الذين تغيروا من حزب يمثل الثورة الاشتراكية العالمية إلى بيرو قراطية تنموية ذات وعي اشتق من الماركسية وغيرها آيديولوجيا تنموية نصف تبريرية ونصف ثورية، وذلك بفعل عوامل موضوعية كان أهمها تلك التي أثرت في المجتمع السوفييتي في العشرينيات من القرن العشرين. لم يخطر على بال مسوح ذلك، ولم يخطر على باله أن الذي تغير بالفعل هو التركيب الاجتماعي للحزب الشيوعي السوفييتي وعلاقته الموضوعية بكل من الطبقة العاملة والتراث الماركسي اللينيني الثوري. والأنكى من ذلك أنه لم يخطر على باله قط أنه هو نفسه نتاج لهذا التغير الذي أصاب الماركسية، ومن ثم فهو يحمل الداء الذي يدعي نقده. لذلك نراه يدعو بكل سذاجة رفاقه، مخلفات الإطار التبريري المبقرط، إلى تطوير الفكر الماركسي وإعادته إلى ساحة الفعل وإعادة تحويله من فلسفة تبريرية إلى فلسفة تغييريّة، وكأن المسألة هي مسألة قرار ذاتي، وكأن أولئك الرفاق مهيأون فكريا واجتماعيا لإجراء مثل هذا التحويل، وكأن الماركسية مجرد أداة طيعة في مقدور المرء ليّها كما يشاء ومتى يشاء. وهو يوحي بالطبع بأن خراب الحركة الشيوعية يعود إلى هذا القرار الذاتي بليّ الأداة وتغييرها، مفصحاً بذلك عن مثاليته الصارخة وتهافت منهجه الإصلاحي الليبرالي في نقد الفكر والواقع. وعلى أي حال، فما التغيير الذي يقصده مسوح حين يتكلم عن الماركسية بوصفها فلسفة تغييريّة؟
يقول مسوح: "هل ما زالت فكرة الانتقال إلى الاشتراكية على التدريج، والوصول إلى تحقيق العدالة عن طريق الأساليب السياسية السليمة البرلمانية بعيداً عن العنف، مرفوضة من قبل الماركسيين، وهل ما زال رفضها مبرراً؟ (ص 27).
إذاً، فإن التغيير الذي يعنيه مسّوح هو وهم التغيير التدريجي صوب ما يسمى العدالة الاجتماعية، ذلك المفهوم الضبابي غير المحدد الذي أوسعه التراث الماركسي نقداً. إنه الوهم البرجوازي التقليدي الذي راج في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وانحسر في القرن العشرين ليعود ويطل برأسه بصورة كاريكاتورية مضحكة في العشر الأخير من القرن العشرين. هذا ما تفتقت عنه قريحة مسوح وشيوعيّي ما بعد الانهيار. إنه يريد إعادة تحويل الماركسية من ستالينية تنموية (فلسفة تبريرية) إلى نوع من الليبرالية البرجوازية الفجة (فلسفة تغييريّة). هذا هو بيت القصيد: العودة من ستالين وبريجنيف (ولا أقول لينين) إلى برنشتاين وكاوتسكي. إنه يريد تحقيق العدالة، ما يسمى العدالة، بما يسمى الطرق البرلمانية. ولكن، أي برلمانات يتحدث عنها مسوح: برلمانات العرب المبجلة التي تصنعها أجهزة المخابرات ووزارات الداخلية؟ أم برلمانات الغرب التي تشن حروب إبادة ضد شعوب العالم الثالث وتطالب بنقل سفارات دولها إلى القدس الشريف، "العاصمة الأبدية" للعنصريّين المغتصبين؟! أهذه هي البرلمانات التي يبجلها مسوح ويعلي من شأنها ويعتبرها متفوّقة على سوفييتات لينين؟!
ثم نقرؤه يقول: "وبذلك يمكن للقوى أن تسهم في بحث واقع مجتمعاتها... دون توهم أو شعاراتية، أو محاولات القفز فوق الواقع أو الانطلاق مما يظن أنه ثوابت وقوانين عامة، وهو في الحقيقة ليس أكثر من نصوص قد يكون عفا عليها الزمن" (ص 29).
لاحظ العنجهية هنا، كيف أن هذا الوعي المحدود "الخارج" لتوه (وربما غير الخارج) من قمقم الحزبية العربية الضيقة يتطاول على نصوص ماركس ولينين؟! فهل عفا الزمن على هذه النصوص الثورية العظيمة بالنسبة إلى مثل هذا الوعي المحدود؟! هل بلغ به التقدم حدّ تخطي هذه النصوص العميقة؟! ثم ألا نفكر مئة مرة قبل أن نسم نصوصاً قديمة كنصوص أفلاطون وأرسطو بأنها نصوص عفا عليها الزمان؟! فكم بالأحرى نصوص ماركس ولينين؟! قليلاً من التواضع العلمي، قليلا منه يا عطية مسوح ويا ماهر الشريف ويا شيوعيّي ما بعد الانهيار!
وبالطبع فإن مسوح يطرح نفسه مدافعاً شرساً عن الماركسية والاشتراكية في مجابهة الرأسماليين والإمبرياليين، فنراه يقول: "ويحاول (أعداء الاشتراكية) إيهام الكادحين بأن الرأسمالية التي فازت في المباراة قادرة على الاستمرار إلى درجة الخلود لأنها أكثر انسجاماً مع طبيعة البشر" (ص 33).
هنا نلاحظ كيف أن مسوح يعيد إنتاج الرؤية الرأسمالية في سياق دفاعه عن الماركسية والاشتراكية. وهذا يذكرنا بالكيفية مثلاً التي يعيد بها مؤنس الرزاز إنتاج وهم التفوق الأميركي الذي لا يقهر في سياق نقده الإمبريالية الأميركية والتذمر من سياساتها العنصرية العدوانية. فبوصفه إياها بأنها أقوى دولة في التاريخ وبأنها ماضية في طريق فرض أنساقها الثقافية على العالم أجمع، فإنه في الواقع يعيد إنتاج هيبتها ويعظمها من حيث لا يدري. كذلك، فإن مسوح يعظم من شأن الرأسمالية حين يعتبر أنّها فازت في المباراة. فمن قال إن الرأسمالية فازت في المباراة؟ ومن قال إنها مباراة أصلاً؟ إن الرأسمالية أبادت الملايين وحطمت مجتمعات بأكملها وعرضت الكرة الأرضية برمتها للدمار من أجل بقائها وحماية مصالح البرجوازية الغربية وامتيازاتها. فأين المباراة في ذلك؟ إن أنموذج المباراة ليس أكثر من وهم ابتكرته البيروقراطية السوفييتية لتبرير تقاعسها في مقارعة الإمبريالية وسياساتها الخارجية الانتهازية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن إلغاء الاتحاد السوفييتي (ولا أقول انهياره) لم يأت نتيجة الصراع بين الطرفين ولا نتيجة حرب حقيقية بينهما، وإنما جاء نتيجة لتطور علاقات القوى في المجتمع السوفييتي نفسه على خلفية السياسات المتعاقبة للبيروقراطية السوفييتية. أضف إلى ذلك أن مسوح يمرر فكرة خطيرة مفادها أن الرأسمالية تدعي أنها أكثر انسجاماً مع طبيعة البشر من دون محاولة دحضها أو نقدها. وهذا بمثابة تسويق للفكرة وترسيخ لها، برغم السياق الاستنكاري الذي أتت ضمنه.

في نقد الإصلاحية الليبرالية
يمكن القول إن الإصلاحية الليبرالية في الحركة الشيوعية هي الوجه الآخر، في كثير من جوانبها، للبيروقراطية التنموية، بمعنى أن إشكالية دفينة (بالمعنى الألتوسيري) واحدة تجمعهما. أضف إلى ذلك أن بعض مقولات الخطاب البيروقراطي التنموي تسربت بصورة مباشرة إلى خطاب الإصلاحية الليبرالية. وعلى سبيل المثال، نقرأ عطية مسوح يقول في كتابه "الماركسية: من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" (دار الينابيع، دمشق، 1995): "وأعتقد أن عالم النصف الثاني من القرن العشرين، الذي قام على قطبين بينهما حرب باردة، لا يخرج في حركته عن إطار وحدة النقيضين وصراعهما. وبالتالي، فليس معقولاً أن تؤول حركته إلى زوال أحد النقيضين وبقاء الآخر، ولابدّ من أن يشمل التغيير كلا الطرفين المتصارعين" (ص 38).
إن هذه الفقرة لا تعدو كونها تعبيراً عن هيغلية مشعبنة هابطة اتسم بها الخطاب البيروقراطي التنموي، كما بينت في دراسة سابقة حول ألتوسير (مجلة الطريق، 1994)(7). فهنا نلاحظ نوعاً من الحتموية المنطقية التي اتسمت بها الهيغلية في لحظاتها الضعيفة: إذا زال بناء فلابد أن يزول نقيضه. ولكن، لو كان الأمر كذلك، ولو انهارت الرأسمالية الأميركية بدلاً من النظام السوفييتي، كما كانت تأمل الشعوب والقوى الاشتراكية وقوى التحرر الوطني، فهل كان ذلك سيعني أن تؤول هذه الحركة إلى زوال الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي؟! ولو كان الأمر كذلك، فكيف ستنتصر الاشتراكية وتسود؟! وينبغي ألا ننسى أن الرأسمالية كانت موجودة قبل نشوء الاتحاد السوفييتي، فلماذا تزول الآن بزواله؟! فمن الواضح أن وجود الاتحاد السوفييتي ليس شرطاً ضرورياً لوجود الإمبراطورية الأميركية، مثلما أن الأخيرة لم تكن شرطا ضروريا لوجوده.
إن هذا النمط من التفكير يغفل أمرين أساسيين كان الفضل للماركسية الثورية في بيان طبيعتهما وأهميتهما. والأمر الأول هو الفرق الكيفي بين الجدل الهيغلي المثالي والجدل الماركسي المادي. فالجدل المادي يدرك أن الصراعات والتناقضات تأخذ أشكالاً متعددة وأنها ليست تجسيداً لمنطق فكري بسيط. فهناك نمط من التناقضات التي تفيد انتفاء طرف بانتفاء الطرف الآخر، مثلا النمط القائم بين النظرية والتجربة في المنهجية العلمية في الفيزياء والطبيعيات. وهناك نمط آخر لا يكون فيه طرفا التناقض متكافئين بحيث ينتفي أحدهما بانتفاء الآخر، لكن الآخر لا ينتفي بانتفاء الأول. وهناك نمط ثالث لا تربطهما ببعض علاقة وجود، بحيث لا ينتفي أي طرف من الطرفين بانتفاء الآخر. وهذا النمط الثالث هو الذي كان سائداً مثلاً بين الإمبريالية الأميركية والاتحاد السوفييتي. لكن نمط التناقض الأكثر شيوعاً في المجتمع والطبيعة هو النمط الثاني. ولعل أوضح مثال عليه هو التناقض الرئيسي في نمط الإنتاج الرأسمالي. فهذا الأخير يولد، بحكم طبيعته الداخلية، قوى اجتماعية نقيضة (البروليتاريا) للقوى التي تحمله وتمارسه (البرجوازية)، أي قوى اجتماعية تحمل النظام النقيض له. ويقود انتصار هذه القوى إلى إحلال الاشتراكية محل نمط الإنتاج الرأسمالي وعلى أنقاضه. فهنا نجد أن انهيار البرجوازية وزوالها لا يؤدي إلى انهيار النقيض (البروليتاريا) وزواله. بل على العكس؛ فهذا الانهيار يؤدي إلى هيمنة النقيض وتحقيق مشروعه. كذلك، فإننا نلاحظ أنه في الوقت الذي لا تستطيع فيه البرجوازية الاستغناء عن البروليتاريا، فإن الأخيرة تستطيع ذلك، بل وتسعى إلى ذلك بكل قوتها.
والأمر الثاني هو أن مسوح يعبر هنا عن تحيز موروث من الخطاب البيروقراطي التنموي ومفاده أن النقيض الرئيسي للإمبريالية الأميركية في حقبة الحرب الباردة كان الاتحاد السوفييتي. ونرى في هذه الفكرة نوعاً من الخلط بين القوة المادية ودرجة محورية التناقض. فلا يعني كون الاتحاد السوفييتي القوة المادية الأشد في مجابهة الإمبريالية الأميركية أنه كان النقيض الرئيسي لهذه الإمبريالية. كلا! إذ يمكن القول إن النظام الإمبريالي استفاد من وجود الاتحاد السوفييتي بقدر ما تضرر، وربما أكثر مما تضرر، حيث إن وجود الاتحاد السوفييتي دفعه إلى خلق آليات اجتماعية على الصعيد العالمي ساعدت في استقراره وإعادة إنتاجه وتجديده. أما التناقض الرئيسي لهذا النظام فهو التناقض القائم بين هذا النظام وكادحي العالم ومهمشيه. هذا هو التناقض الذي سيؤدي إما إلى تجاوز هذا النظام الإجرامي صوب نظام اشتراكي عالمي يحافظ على الإنسان وبيئته وحريته وكرامته، وإما إلى هدم الإنسان وبيئته في سياق انهيار النظام الإمبريالي.
ولكن كيف ينظر مسوح وشيوعيو ما بعد الانهيار إلى الاشتراكية والرأسمالية؟!
يقول مسّوح: "فالرأسمالية ليست هي الحل لمشكلات المجتمع المعاصر، وواقع البلدان الرأسمالية يؤكد ذلك. والاشتراكية، إذا فهمناها تعبيراً عن العدالة الاجتماعية، ستظل هدفاً يسعى إليه الإنسان لأن الطموح إلى العدالة لن يزول من عقول الكادحين وقلوبهم، ولا يجوز الظن بأن انهيار النظام السياسي والاقتصادي السوفياتي هو انهيار للاشتراكية فكرة وهدفاً..." (ص 39).
لاحظوا أولاً الخلل المنطقي في تعريف الاشتراكية بدلالة العدالة الاجتماعية. فالمفروض منطقياً أن يعرّف مفهوم ما بدلالة المفهومات الأكثر دقة وعيانية. لكن مسوح وشيوعيي ما بعد الانهيار يختزلون المفهوم الدقيق المحدد إلى المفهوم الغائم الفضفاض لفرط تجريده. فبدلاً من تعريف العدالة الاجتماعية بدلالة المجتمع اللاطبقي والاشتراكية، فإنهم عمليا يلغون مفهوم الاشتراكية ويستعيضون عنه بمفهوم العدالة الاجتماعية غير المحدد.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن مسوح يختزل الاشتراكية إلى مجرد هدف يسعى إليه الإنسان (أي إنسان لا ندري) وإلى مجرد طموح يرقد في عقول الكادحين وقلوبهم. كذلك، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي لا يجوز اعتباره انهياراً للاشتراكية "فكرة وهدفا". إنها عودة إلى الاشتراكية الطوباوية التي نقدها ماركس وإنغلز بصورة مستفيضة. فالاشتراكية وفقها هي مجرد فكرة وهدف وطموح ذاتي تنبع من فطرة الفرد المطبوعة بحبه الأخلاقي للعدالة. إنها مجرد فكرة أخلاقية جميلة تضيء أفق المستقبل البعيد (ربما اللانهائي البعد) للبشرية، بغض النظر عن طبيعة المجتمع والحقبة التاريخية والطبقة الاجتماعية التي نتحدث عنها. إنها مجرد مثال أخلاقي جميل خارج إطار التاريخ والمجتمع يتبدى في قلوب الكادحين وعقولهم في كل زمان ومكان. وعلى هذا الأساس، فإن البشر جميعاً اشتراكيون في كل الحقب التاريخية المتعاقبة. هذا ما تفتقت عنه قريحة مجددي الماركسية ما بعد الانهيار. هذا هو فعل النقد وإعادة النظر النقدية الذي يدعو إليه مسوح، حيث يقول: "...فليس معقولاً بعد انهيار النموذج الذي أقيم تحت شعارات الماركسية ولوائها، أن يبقى الفكر ذاته بعيداً عن إعادة النظر النقدية..." (ص39).
ولكن، إذا كان مسوح يتكلم عن آيديولوجيا السّلطة السوفييتية وظلالها الباهتة في الأحزاب الشيوعية العربية، تكون دعوته عبثية، حيث إن هذه الآيديولوجيا تمنع النقد الذاتي في بنيتها الداخلية، ومن ثم تنهار لمجرد البدء بالنقد الذاتي، كما حدث فعلاً حيث فتح غورباتشوف أبواب الغلا سنوست. أما إذا كان يتكلم عن الماركسية كما تبلورت في فكر كلاسيكيّي الماركسية، فلا داعي إلى هذه الدعوة، حيث إن النقد الذاتي ملازم لكل فعل وكل تحرك في هذا الفكر بحكم بنيته الداخلية. فهذا الفكر، إذا مورس بجدية، يعيد النظر نقديا في أسسه في كل لحظة من حياته، وهو ليس في حاجة إلى حدث كإلغاء الاتحاد السوفييتي حتى يفعل ذلك. بل إنه يفقد ذاته وينقلب إلى غيره في اللحظة التي يتوقف فيها عن النقد الذاتي. إن النقد الذاتي هو "أنا" الماركسية الملازم لها أنى حلّقت وأنى ذهبت. أما تحميل الماركسية وزر آيديولوجية السلطة الموسكوفية وتوابعها وإسباغ جمود الأخيرة عليها، فهو خلط لا مسوّغ له الآن بعد أن انكشف الطابق. وبالطبع فإن اختزال العلمي الثوري الدقيق إلى الأخلاقي الوجداني الغائم لا يعدّ نقداً ولا إعادة النظر النقدية بأي معنى من المعاني. وهو لا يعدو كونه تعبيراً عن غياب العقل النقدي التاريخي، ذلك الغياب الذي ورثه شيوعيو ما بعد الانهيار من حقبة ما قبل الانهيار، حقبة البيروقراطية التنموية. فالدعوة إلى إعادة النظر النقدية هي في حدّ ذاتها تعبير جليّ عن جهل الداعي بطبيعة الماركسية وطبيعة العلم، والعلم الماركسي بخاصة، الذي طالما تشدّقوا ويتشدّقون به. فالعلم بحكم طبيعته يرفض الكائن، بما في ذلك ذاته ومكوناته، صوب الكامن. لذلك، فإن أساس فعله ووجوده هو النقد الذاتي المتواصل. أما الفكر الجامد الذي لا يعرف النقد في بنيته الداخلية، فهو غير قادر أصلاً على إعادة النظر النقدية في ذاته ومكوناته. فمصيره الانهيار والتحلل. وما الإصلاحية الليبرالية سوى الفكر البيروقراطي التنموي في تحلله وتعفنه. إنها ليست سوى رائحة التحلل والعفن المثيرة للغثيان.
بقي أن نقول إن الاشتراكية ليست مجرد فكرة وطموح وهدف، كما يحلو لمسوح وشيوعيّي ما بعد الانهيار أن يعتبروها، وإنما هي ضرورة (ولا أقول حتمية) مكتوبة في البنية الداخلية لنمط الإنتاج الرأسمالي، ضرورة تحرّك هذا النمط صوب تجاوزه وتجاوز تناقضاته. إنها سيرورة حلّ تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي. هذا هو المعنى الدقيق للاشتراكية الذي اكتشفه ماركس والذي اختزلته الإصلاحية الليبرالية إلى مفهوم العدالة الاجتماعية الهزيل.

الماركسية: نظرية أم منهج
نواصل نقدنا عطية مسوح في كتابه "الماركسية: من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" (دار الينابيع، دمشق، 1995) في سياق نقدنا الإصلاحية الليبرالية، وهو التيار المهيمن حاليا في الشيوعية العربية، شيوعية ما بعد الانهيار. وسينصب نقدنا في هذه المقالة على رؤية مسوح للنظرية والمنهج وطبيعة الماركسية.
وخلاصة ما يذهب إليه مسوح في هذا الصدد هو أن الخلط بين المنهج والنظرية واعتبار الماركسية اللينينية نظرية (لا منهجاً) هو المسؤول عن الجمود العقائدي المريع الذي اتسمت به الحركة الشيوعية في المرحلة السابقة؛ ذلك الجمود الذي قادها إلى الانهيار في مركزها والانحسار عالميا. فهو يعزو الانهيار بصورة أساسية إلى خطأ ذهني أو منطقي يتمثل في الخلط بين مفهومين وسوء توصيف ظاهرة فكرية. وهذا التفسير المثالي التبسيطي هو في حدّ ذاته خرق فاضح لأسس المادية الجدلية التي يتشدّق بها مسّوح. ولكن، فلنفصل رؤية مسوح ولننقدها عيانياً بالرجوع إلى نصّه.
يتساءل مسوح: "هل الماركسية اللينينية نظرية؟ هل هي ماركسية، أم ماركسية لينينية؟" (ص 40). وهو بذلك يعمد إلى إحياء سؤال قديم طرحته المعارضة الماركسية السوفييتية في السبعينيات (مثلاً روي مدفيديف في كتابه "اللينينية والاشتراكية الغربية")، وأجابت عنه بعمق.
ويردف مسوح قائلاً: "انطلاقاً من أن النظرية هي فرضية تثبت بالبرهان - كما تشير المعجمات العربية - فإن كل نظرية... تتصف بما يلي" (ص 40).
من الواضح أن مسّوح هنا يخلط بين البرهانة Theorem والنظرية Theory. فالبرهانة يمكن أن تعرّف بأنها الفرضية التي تثبت بالبرهان. أما النظرية، فلا أحد له حد أدنى من التعامل مع النظريات العلمية يفكر في أن يعرّفها بهذه الطريقة. فالنظرية العلمية ليست مجرد مقولة رياضية أو منطقية حتى تثبت بالبرهان، وإنما هي بناء فكري معقد لا "يثبت" بقدر ما تعزز مطابقته لموضوعه. وهذا التعزيز لا يتم بالبرهان وحده، وإنما بالتجربة والمشاهدة والتنبؤ وتعميق الأسس أيضاً.
ولنر كيف يحدد مسّوح مواصفات النظرية ومقوّماتها. يقول مسوح: "إنها (أي النظرية) تبدأ من نقطة معينة، هي الفرضيّة، وتنتهي إلى نقطة معينة، هي البرهان. أي إنها ذات بداية ونهاية" (ص 40).
وهنا أيضاً نجد خلطاً واضحاً بين النظرية Theory والفرضية Hypothesis. فالنظرية، وفق مسوح، هي في جوهرها فرضية وبرهان. والسؤال الذي يبرز هنا هو: ماذا قبل الفرضية، وماذا بعد البرهان؟ إن النظرية تنمو بتركيب الفرضيات من عناصر الموروث النظري وباختبارها وتأسيسها. إنها شرط الفرضية، لكنه لا يجوز اختزالها إلى فرضية وبرهان. فبناء المعرفة العلمية والنظرية العلمية عملية معقدة تتضمن النقد والتجربة والملاحظة والمخيال والتنبؤ بالإضافة إلى الفرضية والبرهان. ولو كلف مسوح نفسه قراءة أولية لتاريخ علم من العلوم (مثلا الفيزياء)، لأدرك ضعف تعريفه وعدم جدواه في توصيف بعد أساسي من أبعاد المعرفة العلمية.
أما الصفة الأساسية الثانية التي يرى مسّوح أن النظرية تتصف بها، فهي "أنها ذات قوننة صارمة، لا مجال فيها لأي هامش يقتضيه اختلاف الظروف" (ص 40). وهو قول يثير الدهشة حقاً في ضوء ما نعرفه عن أكثر النظريات صرامة ودقة، أعني النظريات الفيزيائية. إذ يعلم أي مشتغل في البحث العلمي في الفيزياء مثلاً أن النظريات في جوهرها مرشد للفعل التجريبي، تماماً كما أدرك فلاديمير لينين في سياق مناقشته النظرية الماركسية، وأن القوننة التي تتضمنها يمكن أن توصف بأي شيء إلا الصرامة. فهي بطبعها مشروع غير مكتمل وغير متجانس إلى هذا الحد أو ذاك، حيث إنها تتضمن عناصر تتفاوت في درجة نضجها، كما تتضمن الكثير من المساحات المظلمة المبهمة وتتخللها وتحيط بها هالة من الإشكالات والنواقص. وهذا ينطبق على أكثر النظريات تماسكاً وترابطاً، كنظرية النسبية العامة والثيرموديناميكا والإلكتروديناميكا الكنتمية. فما بالك بالنظريات التاريخية والاجتماعية والسيكولوجية! ولعل النظرية العلمية أكثر البنى الفكرية مرونة وقدرة على التكيف مع اختلاف الظروف؛ يشهد على ذلك تاريخ الفيزياء النيوتنية التي ابتدأت بشكل أساسي في ميكانيكا الأجرام السماوية واستطاعت أن تكيّف نفسها بصورة بارعة مع الحقول الجديدة التي اخترقتها، كالضوء والحرارة والكهرمغناطيسية، لمدة طويلة تجاوزت القرنين من الزمان. ومع ذلك كله، نجد مسّوح يقول إنه لا مجال فيها لأي هامش يقتضيه اختلاف الظروف! قد ينطبق كلامه على شيء ما، لكنه بالتأكيد لا يمكن أن ينطبق على النظرية العلمية.
أما الصفة الأساسية الثالثة للنظرية العلمية، فهي، في نظر مسوح، "أنها تهمل العناصر الثانوية، مهما تكن كثيرة، أو بالأحرى، لا مجال فيها إلا للهيكل الرئيسي الذي تضعه الفرضية، وللسياق البرهاني الذي يقتضيه هدف البرهنة على تلك الفرضية" (ص41).
ومرة أخرى نقول إن كلام مسوح هذا قد ينطبق على الفرضية العلمية، لكنه بالتأكيد لا ينطبق البتة على النظرية العلمية. فالنظرية مشروع حي غير مكتمل يسعى باستمرار إلى احتواء مزيد من التفصيل أفقيا وعموديا، وليس صحيحا البتة أنه لا مجال إلا للهيكل الرئيسي الذي تضعه الفرضية وللسياق البرهاني. إن النظرية تتيح المجال لرجل العلم للتجريد، أي لتصور أوضاع معينة تستثني عوامل عديدة موجودة في الواقع الخام ويمكن إنتاجها إلى حد كبير من الدقة في المختبر، بحيث يمكن مقارنة نتائج النظرية بنتائج التجربة. كذلك، فإنها تتيح للباحث إمكانية فهم ظاهرة ما بالتمييز بين العوامل الأساسية والعوامل الثانوية بوصف الظاهرة في جوهرها تعبيراً عن الأولى. لكنها بالتأكيد لا تهمل العناصر الثانوية بصورة مطلقة. إنها ترشد الباحث إلى التمييز بين الأساسي والثانوي في ظاهرة معينة، لكنها لا تهمل إلا ما أمكن إهماله وبالنسبة إلى ظاهرة بعينها. وعليه، فإن النظرية ليست ظلاً باهتا للواقع، وإنما هي صورة دقيقة لقلب الواقع المختبر. وهي تتعين وتمتلىء تفصيلا وتغوص أكثر فأكثر في قلب الواقع إذ تتفتق إمكاناتها الواقعية في معرض مجابهتها الواقع.
ويتوج مسّوح هذا الخلط المنطقي والمفاهيمي بالعبارة البوبرية (نسبة إلى فيلسوف العلم كارل بوبر) الآتية: "والنظرية، أية نظرية كانت، هي غير قادرة على التطور بذاتها، أي بدوافع داخلية وآلية داخلية، بل هي مؤهلة فقط لأن تسقط حين تبطلها (تنفيها) نظرية أكثر حداثة (صحة) منها، مهما يكن الفرق بين النظريتين ضئيلا. فعند الوصول إلى نظرية أكثر صحة يصبح من الخطأ الركون إلى النظرية السابقة (أي الأقل صحة)" (ص 41).
مرة أخرى نجد مسوح يتجاهل تماماً تاريخ العلم ويرتكز إلى فكرة ليبرالية (بوبرية هذه المرة) عفا عليها الزمان، ومفادها أن العلم في جوهره سلسلة من النظريات الجاهزة الخاطئة، تخدم كل منها الممارسة العملية لفترة محدودة من الزمان، وتظل قائمة حتى توجه إليها ضربة قاضية تقصيها عن دائرة الفعل العلمي، فتحل محلها نظرية جديدة جاهزة محكوم عليها سلفاً بأنها خاطئة في جوهرها، وإن كان عدم صوابها يظل مكبوتاً لفترة محدودة من الزمان حتى تظهره إلى العلن تجربة حاسمة جديدة. وبالطبع فإن هذا التصور لا يصمد لحظة واحدة أمام الممارسة العلمية الفعلية ولا أمام تاريخ هذه الممارسة. فالنظرية العلمية تنشأ وتتطور جدليا، شأنها في ذلك شأن أي كيان طبيعي أو اجتماعي. وهي تشهد تراكماً في المعرفة لا يلبث أن يتحول إلى تغيرات وقفزات كيفية (الثورات العلمية). وقد بينت ذلك بالتفصيل في كتاب لي بعنوان "الطريق إلى النسبية" صدر عام 1988(8). والنقطة الأساسية هنا هي أن الأطر النظرية الجديدة التي تنبثق من قلب الإطار النظري القديم عبر الثورات العلمية لا تلغي القديم، وإنما تعين حدود انطباقه وصحته وتبقيه قائماً لحظة أساسية في بنائها الداخلي. وبهذا المعنى فقط يعتبر الجديد أكثر صحة من القديم. فالقديم المختبر يظل صحيحاً وصائباً، لكن حدود صحته تكون أضيق من حدود صحة الجديد. ولا ضير في الركون إلى النظرية القديمة، حتى بعد نشوء النظرية الجديدة، ضمن حدود صحتها. فالمهندسون الميكانيكيون مثلاً ما زالوا يركنون إلى ميكانيكا نيوتن ولا يأبهون كثيراً بنظرية النسبية، لأن الأولى تفي باحتياجات مجال عملهم الذي يقع ضمن دائرة صحة ميكانيكا نيوتن. أما الزّعم بأن النظرية تفقد فائدتها عندما تتضح حدودها، ومن ثم تلقى جانبا، فإنه زعم ساذج يناقض الممارسة الفعلية في العلوم قاطبة.
إن النظرية يمكن أن تكون علمية ويمكن أن تكون غير علمية. وإذا كانت علمية، فإنه يمكن أن تكون صحيحة ويمكن أن تكون خاطئة. ولكن، إذا كانت صحيحة، فإنها لا تكون كذلك بالمطلق، وإنما ضمن حدود وشروط معينة يكشف عنها تطور النظرية نفسها. وبعكس ما يقوله مسوح استناداً إلى بوبر، فإن النظريات المختبرة الصحيحة لا تدحض، وإنما تحدد ويتم تجاوزها جدليا من جانب نظريات أعمق وأكثر شمولاً. وعلى سبيل المثال، فإن نظريتي النسبية والكنتم في الفيزياء لم تدحضا نظرية نيوتن في الحركة، وإنما بينتا حدودها وتجاوزتاها جدليا، فظلت نظرية نيوتن صحيحة ضمن حدودها. ومن جهة أخرى، فإن نظرية الحالة المستقرة في علم الكون دحضت في الستينيات من القرن العشرين عندما أتاح تطور تكنولوجيا الفضاء المجال لاختبارها. فهي إذاً نظرية علمية، لكن خاطئة. وعلى المرء أن يدرك الفرق بين الدحض والتجاوز الجدلي. أما الخلط بينهما في حالة مسوح، فهو مجرد حيلة آيديولوجية يستخدمها مسوح من أجل تبرير تخلي التيار الإصلاحي الليبرالي في اليسار العربي كليا عن المرجعية الماركسية. فهو ينطلق من هذا الفهم الخاطئ للنظرية لكي ينفي أن الماركسية نظرية، متجاهلاً الواقع الاجتماعي التاريخي ودوره الأساسي فيما آلت إليه الحركة الشيوعية من جمود وخواء فكري. فالنظرية في اعتقاده لا تتطور بحكم طبيعتها. من ثم فإن اعتبار الماركسية نظرية جعلها لا تتطور. هكذا، بمثل هذه السذاجة الفجة يفسر مسوح مآل أعظم حركة سياسية أنتجها القرن العشرون.

مقوّمات المنهج الماركسي
عزا مسوح تراجع الحركة الشيوعية وانهيار مركزها إلى خطأ مزعوم في الفهم مفاده أن هذه الحركة اعتبرت الماركسية اللينينية نظرية، الأمر الذي أدى إلى جمود فكرها، بدلا من اعتبارها منهجاً، كما كان ينبغي عليها أن تفعل. وقد نقدت هذا التفسير في البند السابق نقداً مفصلا تضمن توضيح معنى النظرية وتمييزها عن كل من البرهانة والفرضية.
ويمضي مسوح في نقاشه، فيقول: "الماركسية منهج معرفي، على غرار المناهج المعرفية الأخرى، وهو - باعتقادي - أكثرها صحة لأنه منهج مادي جدلي تاريخي" (ص 41).
إذاً، فإن مسوح يرى أنّ الماركسية هي منهج معرفي وليست نظرية. والنقطة الأولى هنا هي أن رموز الفكر الماركسي كانوا يصرون دائماً على تمييز الماركسية عن غيرها من نظم الفكر والمعرفة ببيان جوهرها الثوري النقدي، وليس المعرفي فقط. إذ إنهم يرون في الماركسية نهجا ثوريا لنقد اللحظة الراهنة في ضوء أصولها التاريخية وإمكاناتها الكامنة في سياق تنظيم الفعل الهادف إلى تغييرها تغييراً ثورياً. إنها إذاً في جوهرها نهج لتنظيم تغيير الواقع الإنساني. أما اختزالها إلى مجرد «منهج معرفي على غرار المناهج الأخرى"، فهو تسطيح للماركسية يجرّدها من روحها النابض. فالمنهج الماركسي مبني على أساس أنّ العالم صيرورة مادية، وهو يحلل الظاهرات من منظور فنائها وتجاوزها وفي سياق العمل الثوري لتغيير الراهن وتجاوزه. وترى الفلسفة الماركسية أن النهج الفكري لا يكون علميا، أي لا ينتج معرفة مطابقة للواقع المتحرك، إذا لم يكن نهجاً ثورياً، أي نهجاً لتنظيم الثورة الاجتماعية. فالنقد والنقض الثوريان هما شرطا العلمية في حال الظاهرات الإنسانية.
ومن جهة أخرى، فإن النهج ليس منعزلاً عن النظرية بالصورة التي يتصورها مسّوح. بل يمكن القول إن المنهج هو النظرية في لحظة فعلها وانفتاحها على موضوعها.
فالنظرية هي مرتكز المنهج، بمعنى أن كل منهج يقوم على أسس نظرية معينة. وبهذا المعنى، فإن كل منهج يفترض نظرية، وكل نظرية تقود إلى منهج. فعندما أسخر نظرية لدراسة ظاهرة ما من أجل فهمها وتمثلها وتفسيرها، فإني في الواقع أترجمها إلى منهج فكر وفعل، أي أحولها إلى بناء إجرائي لإنتاج صورة ذهنية للموضوع في علاقاته الداخلية والخارجية. وهذا لا ينفي بالطبع أن بناء النظرية يتم بالمنهج. فالعلاقة بين المنهج والنظرية علاقة جدلية. فالمنهج يرتكز إلى نظرية يطورها ويبنيها بحركته. كذلك، فإن النظرية والمنهج بصورة عامة كليهما يشكل بناء متشعبا ذا طبقات وطبقات، بحيث إن المنهج الذي يسخر لبناء النظرية يرتكز إلى طبقة أعمق من الطبقة التي يسعى إلى بنائها. فالعلاقة التي تربط المنهج بالنظرية ليست علاقة جدلية بالمعنى المثالي الهيغلي، وإنما هي جدلية بالمعنى المادي الماركسي. أما الفصل التعسفي بينهما، فهو فصل يفتقد كليا إلى العلم والمادية والجدل، تلك العناصر التي لا يني يتشدق بها مسوح وشيوعيو ما بعد الانهيار. وبصورة عامة، فإنه يمكن القول إن المنهج هو العلاقة الفعلية الحية بين النظرية وموضوعها.
ولا يكتفي مسوح بالقول إن الماركسية هي منهج معرفي، وإنما يصرّح أيضا باعتقاده بأنها المنهج الأصح لأنه منهج مادي جدلي تاريخي. المسألة إذاً هي مسألة اعتقاد ذاتي، لا أكثر، بدليل أن مسوح لا يكلف خاطره إيراد تبرير لهذه المقولة التي لا يقتنع المرء بها تلقائيا. إن هذه المقولة تحتوي من الادعاء ما لا يجيز لمسوح بأن يرددها هكذا، بمثل هذه الرعونة، من دون تقديم تبرير مفصل لها يتضمن تحديدات لمعاني المصطلحات الرئيسية الواردة، مثل "أكثر صحة"، "مادي"، "جدلي"، "تاريخي". لقد وجد مفكر كبير مثل جورجي لوكاتش أن انتقاله من الفلسفة البرجوازية إلى الماركسية اقتضى أن يكتب كتاباً فلسفيا ضخماً (هو "التاريخ والوعي الطبقي")(9) يبين فيه إشكالات الفلسفة البرجوازية، وبخاصة المثالية الألمانية، واستحالة حل هذه الإشكالات ضمن فضاء الفلسفة البرجوازية نفسها، وضرورة الماركسية لحل هذه الإشكالات حلاً نظرياً وعملياً في آن. وبهذه الطريقة يبين لوكاتش تفوق الماركسية على نمط التفكير البرجوازي. ومع ذلك فهو لم يكتف بهذا العمل الضخم، وإنما اعتبره نقطة انطلاق لمسيرة فكرية طويلة على درب التأسيس الفلسفي للماركسية توجت في كتابه "أنطولوجيا الوجود الاجتماعي". فالمسألة ليست مسألة اعتقاد ذاتي، وإنما هي مسألة تأسيس فلسفي علمي لوعي الثورة الاشتراكية. ثم إن المسألة ليست مسألة كون المنهج الماركسي أكثر صحة من مناهج الفكر البرجوازي. إننا لا نستطيع أن نقارن بين هذا وتلك بهذه الصورة المقدارية. إذ فيما ينطلق المنهج الماركسي من منطلق صيرورة العالم وإمكاناته وتناقضاته الداخلية وزوال بناه وتخطيها، وبخاصة النظام الرأسمالي العالمي، فإن المناهج البرجوازية جميعاً تنطلق من منطلق "الثابت والمتحول" ومن منطلق ديمومة النظام الرأسمالي. وينعكس ذلك على وظيفة كل من الطرفين. فوظيفة المنهج الماركسي هي صنع الثورة، أي تنظيم الفعل الثوري للطبقة العاملة وحلفائها. أما وظيفة المناهج البرجوازية فهي تكريس الرأسمالية وإعادة إنتاجها ومحاولة تأبيدها. ومن ذلك ينبع زيف تلك المناهج، برغم فائدتها العملية للطبقات البرجوازية. إذ إن وظيفتها، التي تنعكس في بنائها الداخلي، تتناقض مع هدفها المعرفي المعلن. فهي تنتج وتعيد إنتاج الوعي الزائف عبر إنتاجها معلومات دقيقة في هذه الجزئية أو تلك. فوظيفتها تحتم عليها أن تكون أقرب إلى الهندسة التطبيقية منها إلى العلم. إذ إن هذه الوظيفة تلغي إمكانية مطابقتها للواقع التاريخي، حتى لو تمكنت من الوصف والتنبؤ الدقيقين لفترة محدودة في هذه الجزئية الاجتماعية أو تلك. لكنها بالتأكيد أكثر فاعلية وفائدة في أداء وظيفتها من المنهج الماركسي. إذ يفترض في الأخير أن يسخر أداة في يد الطبقة العاملة وحلفائها في تحقيق الثورة الاشتراكية والانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية. ويمكن أن تسخر بعض جزئياته وجوانبه من جانب منظري الطبقات البرجوازية لتحقيق أغراضها التي يشكل محورها إعادة إنتاج النظام الرأسمالي عالمياً وإقليمياً. لكنه، في النهاية وفي تركيبته الداخلية، يخفق في أن يكون أداة لإعادة إنتاج الرأسمالية، ولا يقارن، في أداء هذه الوظيفة، بالمناهج البرجوازية برغم (أو ربما بفضل) زيفها المعرفي.
من الواضح إذاً أن تعبير "أكثر صحة" تعوزه الدقة ويفترض تصوراً سطحياً غير جدلي للعلم وللماركسية كليهما. فالمسألة كيفية، لا كمية، في جوهرها. أما القول بأن المنهج الماركسي أكثر صحة لأنه مادي جدلي تاريخي، فهو يستلزم أولاً تحديد معنى أن يكون منهج ما كذلك. وهو يستلزم ثانياً أن نبين أن كون منهج ما مادياً وجدلياً وتاريخياً هو شرط ضروري من شروط علميته، أي شروط مطابقته للبناء الداخلي لموضوعه في صيرورته. ولا يكفي ما يورده مسوح من محددات للمنهج المادي الجدلي التاريخي في كتابه (ص 42، 43). فهي تمس سطح المنهج فقط. وعلى سبيل المثال، يرى أن المنهج المادي الجدلي هو "الانطلاقة المادية عند دراسة ظاهرة ما، أي الانطلاق من الواقع الاجتماعي، من الطبقات ومصالحها، من أسبقية الواقع على الوعي، من البحث عن مصالح القوى المتصارعة وتطلعاتها وتشابك علاقاتها" (ص42). لكن أتباع ديركهايم وفيبر وتالكوت بارسونز مثلاً يدعون إلى ذلك أيضاً ويتفقون معه تماماً. فالمشكلة لا تكمن في القول نفسه، وإنما في كيفية فهم مفهومات كالواقع الاجتماعي، والطبقات الاجتماعية، والقوى الاجتماعية ومصالحها، بالإضافة إلى فهم العلاقة بين الوعي والواقع، وهي علاقة معقدة يختلف رموز الماركسية كثيراً فيما بينهم في تحديدها. أضف إلى ذلك أن مسوح يغفل حقيقة أن هذا الجانب من المنهج يفترض نظرية متشعبة حول طبيعة المجتمعات البشرية وعلاقاتها وفاعلياتها، الأمر الذي يتعارض مع زعمه بأن الماركسية ليست نظرية.
وقل الشيء ذاته بصدد المحدد الثاني الذي يورده مسّوح في وصفه المنهج المادي الجدلي. فهو يرى أن الأخير هو أيضا "دراسة الظاهرة في إطارها المجتمعي، أي من خلال ارتباطها بما حولها من ظاهرات، ورؤية التأثير المتبادل، وإدراك توالد المواقف في مواءمتها لتوالد المصالح، والكشف عن سمات الظاهرة المدروسة ارتباطاً بالسمات المجتمعية العامة" (ص 42). لكن هذا ما يفعله أيضا أتباع المناهج البرجوازية جميعا في العلوم الاجتماعية، سواء أكانوا يتبعون كونت أم ديركهايم أم فيبر أم بارسونز أم غولدنر، وسواء أكانوا علماء اجتماع أم علماء اقتصاد سياسي أم مؤرخين. فلا معنى لأي ممارسة تدعي العلمية، تدرس الظاهرة الاجتماعية بمعزل عن غيرها من الظاهرات والأطر الاجتماعية. بل إن مفهوم الدراسة في حدّ ذاته، وبغض النظر عن علمية المنهج، يفترض ذلك بالضرورة.
والحال أن مسّوح يعيد إنتاج الدوغما التي تعلمها من أساتذته السوفييت، ولكن بقالب ليبرالي "عصري" يليق بالنظام الدولي الجديد.

الماركسية: نظرية أم عقيدة؟
بينا في بنود سابقة الطابع المثالي السطحي للتفسير الذي وضعه مسوح لجمود فكر الحركة الشيوعية وضمور فاعليتها، وبينا كيف خلط مسوح بين البرهانة والفرضية والنظرية والمنهج، وكيف دخل هذا الخلط في أحكامه بصدد الماركسية.
والحق أن هناك خلطاً آخر في فكر مسوح لا يقل خطورة عن الخلط المذكور، وهو الخلط بين النظرية والعقيدة. فالمشكلة لم تكمن في أن الشيوعيين اعتبروا الماركسية - اللينينية نظرية. فهي بالفعل نظرية، كما بينا في البنود السابقة. وهذا ينصفها ويشرفها في آن. لكن المشكلة تكمن في أن القيادات الشيوعية اعتبرت الماركسية - اللينينية عقيدة (علمانية)، بدلاً من اعتبارها نظرية علمية ثورية بالمعنى الذي بينته في البنود السابقة، وتعاملت معها على هذا الأساس. وكان لذلك أسباب مادية تاريخية متجذرة في طبيعة تطور الدولة السوفييتية والمجتمع السوفييتي وخط اتجاه الثورة العالمية وطبيعة المجتمعات التي استشرت فيها. إذ إن التطورات العميقة التي أصابت الدولة السوفييتية الناشئة وعلاقتها بالمجتمع السوفييتي خلقت لدى هذه الدولة الفتية الحاجة إلى عقيدة تنموية نصف ثورية، فعملت على تغيير علاقتها بالنظرية الثورية (نصوص ماركس وإنغلز ولينين) بحيث لم نغد الأخيرة أساساً لتحليلها وممارساتها، وإنما أضحت وثنا مقدسّا وظيفته إسباغ هيبة وقدسية على تكتيكات القيادة وممارساتها النابعة من مصادر أخرى، وتوفير سند ذي هيبة علمية ثورية للعقيدة التنموية شبه الثورية التي شكلتها هذه القيادة وسخرتها أداة في تحريك الجماهير لتنفيذ مشروعاتها التنموية. وقد كان هناك بعد تقدمي تنموي واضح لهذه العقيدة في المراحل الأولى من مسيرة الاتحاد السوفييتي، لكنها أخذت تشكل قيداً على تقدم الاتحاد السوفييتي وقيادته في المراحل المتأخرة. وكان من حسناتها تعميم النصوص الماركسية الثورية وبعض الأفكار التقدمية الثورية على نطاق عالمي واسع. لكن سيئتها الرئيسية كانت تكمن في حجبها البعد النقدي الثوري في النظرية الماركسية، وإبعاد الكوادر الحزبية عن دراسة النصوص الماركسية في شمولها وحيويتها العلمية النقدية، وإيهام هذه الكوادر بأنها مماثلة للنظرية الماركسية بإحلال نفسها محل هذه النظرية، وخلق الأوهام حول طبيعة الاتحاد السوفييتي والصراع العالمي. بل إنها عملت على تشويه صورة المحاولات الماركسية الثورية النقدية وخلقت آليات تحول دون وصول هذه النصوص المتقدمة إلى الكوادر الحزبية. فكم شيوعي أتيح له أن يقرأ مثلا كتابات ماركس الشاب، و"الثورة المغدورة" لتروتسكي، و"الاستبداد الشرقي" لكارل فتفوغل، و"التاريخ والوعي الطبقي" لجورجي لوكاتش، و"الماركسية وهيغل" لكارل كورش، وكتابات سمير أمين وغندر فرانك وبول سويزي وهاري مغدوف، وكتابات المدرسة الإيطالية وألتوسير ومدرسة فراتكفورت؟! كم شيوعي أتيحت له القراءة بصورة نقدية منفتحة للمحاولات الماركسية المتقدمة في نقد المجتمع السوفييتي ومسيرته من منظور عمالي متقدم، مثل محاولة تروتسكي ومدرسته (إيرنست ما ندل بصورة خاصة)، ومحاولة ماوتسي تونغ، ومحاولة شارل بتلهايم ومارتن نيكولاوس وبول سويزي وسمير أمين؟!
لذلك كله، فعندما قررت القيادة السوفييتية إلغاء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، فتداعت العقيدة السوفييتية العتيدة، ظن كثير من الشيوعيين أن الذي تداعى بالفعل هو الماركسية أو الماركسية - اللينينية، لاعتقادهم الوهمي بان هذه العقيدة هي هي الماركسية. وثارت تائرتهم على ما أسموه النصية وعلى النصوص الماركسية الكلاسيكية، خلطاً منهم بين نصوص العقيدة السوفييتية ومرجعيتها الدينية (النصوص الماركسية بصفتها وثنا لهذه العقيدة). ولعلها كانت فرصة ذهبية لكثير من القيادات الشيوعية الانتهازية لتحرير نفسها وفعلها من أي "قيد" نظري وفكري يربطها بالطبقات الكادحة ومثلها العليا. ومع أن هذه القيادات لم تكن تشتق مواقفها وممارساتها من النظرية الماركسية في مرحلة ما قبل إلغاء الاتحاد السوفييتي، إلا أن النظرية كانت تشكل على الأقل قيداً عليها في تلك الفترة. لذلك رأت هذه القيادات في إلغاء الاتحاد السوفييتي وعقيدته فرصتها التاريخية لكي "تحرر" نفسها من "قيد" النظرية بحيث يتسنّى لها ممارسة انتهازيتها وضيق أفقها وتأمين مصالحها الفئوية بحرية وراحة "ضمير". فاتخذت لحظة الانكفاء الثوري ذريعة وفرصة لشن هجمة مبتذلة على الماركسية ونصوصها، وبخاصة على لينين، الرمز الأكبر للفعل الثوري النقدي المرتكز إلى التحليل النظري المحكم في التاريخ. فبدأنا نسمع هذه القيادات المعروفة بفقرها النظري تتصدى لماضيها الهزيل وعقيدتها السابقة وتوهم الناس والكوادر الحزبية أنها إنما تتصدى للينين وفكره في سياق تخطي هذا الفكر. ولم تكن تدرك أن ادعاءاتها تلك كانت تعبر عن عنجهية فارغة حادة، حيث إنها كانت تفترض أن هذه القيادات بلغت من الرقي الفكري والثقافي حداً جعلها تتمكن من هضم لينين برمته في سياق تخطيه، مع أن أي مراقب حاذق لهذه القيادات كان يدرك جيداً مدى تخلفها النظري وضحالتها الفكرية والتكوين ما قبل الرأسمالي لفكرها وسلوكها، الأمر الذي حال دون قراءتها النصوص الماركسية اللينينية بجدية، وحال دون استيعابها مضمون ما قرأته من اقتباسات لهذه النصوص وجعلها تستعيض عن هذه النصوص بنصوص العقيدة السوفييتية المبسطة.
وبالطبع، فإنه ما إن قررت القيادات السوفييتية المهترئة، ممثلة في غورباتشوف ثم يلتسن، إلغاء الاتحاد السوفييتي والعقيدة السوفييتية معه في سياق محاولتها البائسة الواهمة تحويل نفسها إلى برجوازية على النمط الغربي، حتى سارعت القيادات الشيوعية الانتهازية إلى خلع ثوب العقيدة السوفييتية وارتداء ثوب الليبرالية البرجوازية المزركش في أحدث "موضة"، تلك التي صممها فوكوياما في أروقة المؤسسة السياسية الأميركية. فانقلبت في ليلة وضحاها من ترديد شعارات العقيدة السوفييتية المألوفة ( التنافس بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، مجابهة الإمبريالية، التحرر الوطني، الاشتراكية، الصراع الطبقي، الثورة الاجتماعية) إلى ترديد شعارات الليبرالية البرجوازية المألوفة (الديموقراطية، حقوق الفرد، المجتمع المدني، اقتصاد السوق، التجارة الحرة). وسمعناها تنادي بضرورة مراجعة كل شيء في فكرها السابق، لكننا لم نرها تراجع نقدياً مفهوماً واحداً من مفهوماتها السابقة، كما لم نرها تدرس نقديا مفهوماً واحداً من مفهومات خطابها الجديد. لكننا رأيناها تتخلى عن خطابها السابق من دون أي مراجعة جدية، وتُقبل على خطاب أوسعه نقداً كلاسيكيو الماركسية، من دون دراسة وتمحيص نظر أيضاً.
وبالطبع، فإن كتاب مسوح، "الماركسية: من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" يأتي في سياق هذه القفزة اللاعقلانية من خطاب عقائدي إلى خطاب عقائدي آخر أكثر ضحالة وتهافتا. كل ما في الأمر أنه يحاول أن يخفف لاعقلانية هذه القفزة ويلبسها ثوب العلم والمنطق والعقل بالتوفيق بين الخطابين السوفييتي والليبرالي لصالح الأخير بالطبع. لكنها محاولة فاشلة في الواقع تظهر عيوب الخطابين لأنها ببساطة تعيد إنتاج هذه العيوب وتحكم على الخطابين انطلاقا من الأرضية المشتركة التي تحتويهما. فهما بالفعل ينتميان في الجوهر إلى إشكالية واحدة (بالمعنى الألتوسيري)، كما بينت في دراسات سابقة. أما وسيلة مسوح للتوفيق بين الخطابين، فهي الخلط بين النظرية من جهة والعقيدة والبرهانة والفرضية من جهة أخرى، بالإضافة إلى الفصل التعسفي بين النظرية والمنهج.
وسأتابع نقد خطاب شيوعيي ما بعد الانهيار كما يتبلور في كتاب مسوح المذكور بالنظر إلى الإعاقة الكبيرة التي أخذ هذا الخطاب يشكلها في وجه الفكر التقدمي التنويري ومحاولات بناء ثقافة تقدمية أصلية في الوطن العربي. وبالطبع، فإن هذا النقد موجه إلى الخطاب نفسه، لا إلى شخص مؤلفه، عطية مسوح، الذي لما أتشرف بمعرفته شخصياً. فأنا أكن كل الاحترام للأخ عطية مسوح لمحاولته مجابهة أزمة الشيوعية العربية بمثل هذه الجدية، وإن كنت أعارض الخطاب الذي ينطلق منه وأعتبر من واجبي الوطني والتقدمي أن أتصدى إليه. وحتى الألفاظ التي اعتبرها مسّوح غير لائقة في البنود السابقة، فهي موجهة إلى الخطاب (الذي أزدريه بحق)، لا إلى مسوح (الذي أحترمه). لذا أرجو من الأخ مسّوح ألا يعتبر هذا النقد تجريحاً شخصياً، وإنما أن يعتبره نقداً ماركسياً، وأن يقرأ نقدي بروحية علمية حديثة ترمي إلى الحقيقة وتجلياتها التاريخية وإلى التأسيس لحركة ثورية نقدية جديدة تأخذ على عاتقها إنجاز المهمات العربية الكثيرة التي تنتظر من ينجزها.

وظيفة النقد في الماركسية
ونشير هنا إلى ثغرة قاتلة أخرى في خطاب مسوح، لا تقل خطورة عن خلط هذا الخطاب بين النظرية والعقيدة، وهي غياب (أو ربما تغييب) مفهوم النقد في تصوره للماركسية ومنهجها العلمي. فالماركسية نقدية بأكثر من معنى. وهذه السمة ملازمة لعلميتها. لكن مسوح يغفلها كليا عندما يتحدث عن علمية الماركسية وجدلية منهجها، مع أن مفهوم الجدل المادي ينطوي بالضرورة على مفهوم النقد. (هناك شيوعي أردني بارز تبلغ فيه إساءة فهم النقد كما مارسه ماركس ولينين أن يعتبره نوعاً من المناكفة غير المستحبة).
فلم يكن مصادفة أن دخلت لفظة "النقد" بزخم في عناوين كتابات ماركس الرئيسية (نقد فلسفة الحق عند هيغل، العائلة المقدسة: نقد الانتقاد النقدي، إسهام في نقد الاقتصاد السياسي، الرأسمال: نقد الاقتصاد السياسي، نقد برنامج غوثا).
أما مسوح، فهو يحل مفهوم التعايش والمواءمة والتنوع بالمعنى الليبرالي محل النقد على صعيد الفكر. إذ يقول: "وكالمناهج المعرفية الأخرى، ولد المنهج المادي الجدلي التاريخي في تطبيقاته الاجتماعية، مجموعة من النظريات، كنظرية القيمة الزائدة، ونظرية الدولة، ونظرية الانعكاس، ونظرية الثورة... وغيرها. كما ولد هذا المنهج مجموعة من الأفكار عند ماركس وإنجلز وكاوتسكي وبليخالوف ولينين وتروتسكي وسواهم في معرض تناولهم لمختلف الأحداث والظاهرات. والأهم من ذلك، أن هذا المنهج ولد رؤى متنوعة متباينة. وعند بحث الظاهرات الأكثر أهمية، كانت تتكون من هذه الرؤى تيارات ماركسية، وهذا ما زاد ثراء الفكر الماركسي ووسع قدرته على تلقي التطورات الواقعية واستيعابها، وساعده في تطوير منهجيته ذاتها. ولكن المنهج المادي الجدلي التاريخي، امتهن وكبّل حين اعتبر "الماركسيون" الماركسية - أو الماركسية اللينينية - نظرية..." (ص 44، 45).
إنّ مسوح يوحي هنا بأن هذه الأفكار المتنوعة والمتضاربة معا تقع كلها على المستوى ذاته من المشروعية العلمية والثورية، وأن العلاقة السليمة بينها هي علاقة تعايش ومواءمة وتناغم. عش ودع غيرك يعيش. إنه يلغي مفهوم الصراع الآيديولوجي، ذلك المفهوم الذي يشكل ركنا جوهريا من أركان الماركسية، وليس فقط الماركسية اللينينية. وهو يلغي مفهوم النقد الذي يشكل الأداة الرئيسية في يدي الماركسي الملتزم في عملية الصراع الآيديولوجي. فلا ضير في أن يتعايش لينين وبرنشتاين في وئام تام، ولا ضير في اعتبار برنشتاين ماركسيا ملتزماً بالماركسية التزام لينين بها. ويغفل مسوح وأمثاله بالطبع حقيقة أن الصراع الفكري بين أمثال برنشتاين من الإصلاحيين ولينين كان انعكاساً لصراع اجتماعي تاريخي ضار بين قوى اجتماعية في داخل الحركة العمالية والحركة الاشتراكية العالمية. كما يغفلون حقيقة أن برنشتاين شن هجمة ضارية على البعد الجدلي في فكر ماركس، واعتبره من المخلفات الضارة غير العلمية للهيغلية في فكر ماركس، ودعا إلى نبذ هذا البعد الجوهري في الماركسية حتى يتسنى للإصلاحيين ومثقفي البرجوازية الاستفادة منها. وبالطبع، فإن منهج برنشتاين الإصلاحي كان يستلزم نبذ الثورة الاجتماعية وجبرها، أعني الجدل المادي. لم يشأ برنشتاين أن يتخلى صراحة عن الماركسية وأن ينضم صراحة إلى المعسكر البرجوازي، وإنما عمد إلى تجريد الماركسية من روحها وجوهرها وإلى محاولة إفساد فكر الحركة العمالية الألمانية والعالمية ومسخه وبرجزته حتى يتسنى له أن يزدردها ويدعيها لنفسه، تماماً كما يفعل اليوم الأبناء الروّحيّون لبرنشتاين، شيوعيو ما بعد الانهيار. وبالطبع، فإن البلاشفة وروزا لوكسمبورغ أدركوا ذلك جيداً وسلطوا نصل النقد الماركسي الحاد إلى فكر برنشتاين ومدرسته لكشف المستور والمستتر وتعرية ادعاءاته وتهافت منهجه وبيان تعارضه السافر مع الجدل المادي والمنهج العلمي والمصالح التاريخية للطبقة العاملة وقواها الثورية.
أما كاوتسكي وبليخانوف، فقد اعترف لينين بإسهاماتهما الماركسية المتميّزة، واعترف لهما بتملكهما المنهج الماركسي، لكنه لمس في تحليلاتهما بعض الثغرات الجوهرية التي قادتهما إلى مواقف سياسية إصلاحية صبت في النهاية في خانة البرجوازية الإمبريالية وتحيزاتها. وقد تسنى له ذلك بالنقد الماركسي النافذ أيضاً.
أما النقد المتبادل الذي دار بين لينين وتروتسكي لمدة تسعة عشر عاماً، فقد ساهم مساهمة أساسية في بلورة فكر ثورة أكتوبر وبرامجها. فالنقد هو محرك الفكر الماركسي والفعل الماركسي. وهو ينطوي على انخراط فعلي في الصراع الاجتماعي والآيديولوجي.
وهناك بعدان للنقد الماركسي: بعد تطهيري وبعد انحيازي. فالنقد الماركسي يهدف بصورة متواصلة إلى تطهير الفكر الماركسي والوعي الشعبي من الاختراقات الطبقية الإقطاعية والبرجوازية وغيرها من الأوهام الفكرية، وذلك في سياق تفكيك وعي الخصم وفكره وفضحهما وبيان تعارضهما مع الحقيقة والتقدم. فكما بين الفيلسوف الفرنسي الراحل، لوي ألتوسير، فإن البرجوازية تسعى باستمرار إلى النفاذ إلى فكر الطبقة النقيض عبر ثغرات هذا الفكر وبناه غير المكتملة من أجل نخر أسسه، وتقويض أركانه، وشله عن التفاعل مع الواقع باقتدار، وليّه ليصب في خدمة البرجوازية، وسلبه استقلاله، وجعله تابعاً يدور في فلك الفكر البرجوازي.
لذلك، فإنه من الضروري ممارسة النقد الذاتي بصورة متواصلة وعلى أعمق مستويات الفكر لتطهير الفكر الماركسي من هذه الاختراقات، وسدّ الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الفكر البرجوازي، وإكمال بناء البنى الفكرية الماركسية لكي تصمد أمام هجمات الفكر البرجوازي الشرسة، وتكيل له الصاع صاعين في سياق تقويض أركانه.
ومن جهة أخرى، فإن النقد هو الظهير الفكري للفعل المنحاز المجدي؛ ولا يكون الفعل مجدياً من منظور التاريخ ما لم يكن منحازاً إلى طبقة معينة رئيسية ذات دور تاريخي معين. فالنقد يهدف إلى التمايز ومزيد من التمايز بين المواقف الفكرية الاجتماعية. إنه يسعى باستمرار إلى رسم الحدود الفاصلة بين المواقف الفكرية الاجتماعية حتى ضمن المعسكر ذاته. فهو لا يقبل بمبدأ التعايش والمواءمة بين النظم الفكرية وأنماط الوعي الاجتماعي، لكنه يسعى باستمرار إلى تسليط الضوء الساطع الدقيق على أوجه الاختلاف والخلاف. إنه يسعى باستمرار إلى الانحياز الطبقي، إلى التمايز الطبقي، إلى رسم حدود فكرية دقيقة بين الطبقات. إنه يدعو ممارسيه باستمرار إلى الحسم، واتخاذ القرار، والانحياز إلى فريق معين. فهو لا يعرف المجاملة ولا التلفيق. إنه ليس معزولاً عن الفعل الثوري، وإنما يرتبط عضويا به بحيث يتحول الواحد إلى الآخر بصورة متواصلة. فهو يهيّىء ممارسه باستمرار للفعل الثوري الحاسم والمنحاز. فالنقد الماركسي هو سلاح الثوري في فعله الثوري. إنه ليس مجرد ممارسة معرفية محايدة وبريئة تهدف إلى معرفة الحقيقة، وإنما هو ممارسة صراعية منحازة تهدف إلى تصفية الزور وخلق الحقيقة وجعلها واقعاً دائماً في حياة الإنسان. إنه لا يهدف إلى خلق المعرفة المحايدة، وإنما تغيير الواقع الزائف صوب تصفية اغترابه وتجلي حقيقته. أما الميوعة الفكرية الخالية من النقد، فلا تخلق فعلا تاريخياً حاسماً ومجدياً. إن النقد التام شرط ضروري من شروط مثل هذا الفعل. لذلك فإن الفكر الماركسي لا يتعايش مع غيره ومع نفسه، وإنما يتصارع بصورة متواصلة مع الآخر ومع نفسه. إن العلاقة الجوهرية التي تربطه بغيره وبنفسه هي علاقة صراع، لا علاقة تعددية بسيطة ولا علاقة وئام وتعايش. إنه يتحدد باستمرار بالنقد من أجل الفعل التاريخي الثوري. لذلك، فهو يرفض الإصلاح بوصفه إستراتيجية، فلا يقبله إلا بوصفه لحظة من لحظات الثورة الاجتماعية. وهو يرفض فكرة تداخل القوى المتحالفة واندغامها معاً ويصرّ على التمايز بينها وعلى صيانة هذا التمايز وتعميقه. فشعاره الأساسي إذاً هو: التحديد والانحياز من أجل الفعل المكثف واضح الاتجاه.
من الواضح إذاً أن النقد بهذا المعنى هو بعد أساسي من أبعاد الجدل المادي والفعل الثوري. لكن مسوح يغفله تماماً لأنه في الواقع يعطل محاولته التوفيق بين العقيدة السوفييتية (الخطاب القديم) والخطاب الليبرالي الجديد. بل إن مسوح يذهب إلى أن هناك خيارين لا ثالث لهما: فإما التعدّدية الليبرالية المائعة والتعايشية وإما الجمود العقائدي الذي يحنط فكرة معينة ويقدسها ويخرجها من سياقها التاريخي ويقرنها بسلوك تكفيري يمنع النظر في الأفكار الأخرى، بل ويسعى إلى منع التصريح بهذه الأفكار. وهو يغفل الخيار الثالث المتمثل بالممارسة المتواصلة للنقد الذي لا يترك الآخر ولا الذات مكانهما ساكنين، كما لا يحدّ من وجودهما، وإنما يسعى باستمرار إلى التفكيك وإعادة البناء، أي إلى التفاعل الصراعي مع الآخر.

هل قرأ الشيوعيون ماركس؟
يرى عطية مسوح أن الجمود الذي أصاب الحركة الشيوعية مرده إلى اعتبار الشيوعيين الماركسية اللينينية نظرية، ثم إلى "اضطرارهم"، على حدّ زعمه، إلى الأخذ بها، بكل ما احتوته، من أول سطر خطه ماركس إلى آخر سطر خطه لينين.
ولكن، هل أخذت بالفعل القيادات الشيوعية، العربية مثلاً، بالماركسية اللينينيّة من أول سطر خطه ماركس إلى آخر سطر خطه لينين؟ لو اتفقنا مع هذا الرأي، لافترضنا أن هذه القيادات بالفعل غاصت في مؤلفات ماركس ولينين وقرأتها بعناية في شمولها. ولكن، هل يحق لنا أن نفترض ذلك؟ لست أظن ذلك. فكلنا نعرف أن هذه القيادات أعجز نظرياً وأضيق أفقاً من أن تفعل ذلك. فهي لا ترتقي بوعيها النظري إلى حد شعورها بالحاجة إلى إجراء مثل هذه القراءة، وإلى حدّ قدرتها على ذلك، وعلى استيعاب ما تقرؤه وتملكه. وعليه، فإن أطروحة مسوح في هذا الصدد تنهار برمتها. فهذه القيادات لا يمكن أن تكون قد أخذت بالماركسية من أول سطر خطه ماركس إلى آخر سطر خطه لينين، لأنها ببساطة لم تكن مهيأة لقراءة ماركس ولينين واستيعابهما. ولو فعلت ذلك بحق، ما وقعت في الجمود (أو ربما من الأدق القول، الفقر) الفكري ولاتبعت منهج ماركس ولينين العلمي الثوري الذي يحتوي في داخله آليات لخلق الأفكار واختبارها ونقدها ونقد الواقع بها بصورة متواصلة في سياق النضال الثوري للطبقات العاملة وحلفائها. فالنص الماركسي الكلاسيكي لا يقبل الثبات ولا السكون، وإنما يسعى بطبعه إلى تخطي ذاته جدليا. فهو في معناه الشامل لا يقبل التحنيط ولا الإخراج خارج الزمن والتاريخ والواقع المادي، حيث إنه يسعى بحكم طبيعته الداخلية إلى استيعاب الواقع والتاريخ نقديا وثوريا. وهو لا يتحرك إلا بنقد ذاته. فنقد الذات ملازم لأي فعل ينبع منه، ملازمة الأنا لأفعالها، بمعنى أن عملية نقد الواقع وإنتاج المعرفة تنطوي بالضرورة على نقد الذات والأسس. فالنص الماركسي قوة نقدية مطلقة دائمة الحركة والتخطي. وعليه، فإن التمسك بالنص الماركسي من أول سطر خطه ماركس إلى آخر سطر خطه لينين يعني تمثل هذا النص النقدي الدافق ومنهجيته المادية الجدلية والعمل على تنميته جدلياً.
خلاصة القول إنّ الجمود العقائدي الذي اتسمت به القيادات الشيوعية العربية لم يكن مرده إلى تمسكها بالنص الماركسي في شموله، وإنما إلى اعتباره وثنا مقدساً لا يقرأ ولا يدرس ولا يمارس ولا يطبق بقدر ما يقدّس وتمارس الطقوس الروتينية بصدده، ومن ثم اعتباره مصدراً لعدد محدود من الاقتباسات والشعارات المقتلعة من إطارها الشامل من أجل تبرير المواقف والممارسات والسياسات والتكتيكات الآنية، وتعبيراً عن الولاء للنخبة الحاكمة في موسكو. فلم تكن هذه القيادات تشتق مواقفها وممارساتها من النظرية الماركسية أو النص الماركسيّ الشامل عبر التحليل النقدي والمجادلة الصارمة الموضوعية، كما كان يفعل ماركس وإنغلز ولينين، وإنما كانت تصوغ هذه المواقف والممارسات على أساس اعتبارات براغماتية معينة وتحاول أن تبررها وترصعها باقتباسات جاهزة من النص المقدس تؤكد ولاءها للنخبة الحاكمة في موسكو السوفييتية. لقد كان للنص الماركسي اللينيني وظيفة سياسية آيديولوجية معينة تتمثل في إضفاء هيبة تراثية على الخطاب الشيوعي الرسمي ونوع من الذريعة للسياسات والتكتيكات الآنية المتبعة، وفي التعبير عن الانتماء إلى نظام معين وحركة معينة. أما في حال لينين على سبيل المثال، فقد كان النص الماركسي يؤدي وظيفة نظرية تتمثل في توفير الأرضية النظرية اللازمة لنقد الواقع المراد تغييره واشتقاق المواقف والتكتيكات والإستراتيجيات والممارسات الثورية. لذلك كان من الضروري على أمثال لينين الغوص في قلب النص الماركسي ودراسته وتمثل مفهوماته ومنهجيته وتطوير بناه وسدّ ثغراته حتى يتسنى لهم ممارسة فعلهم الثوري. أما القيادات الشيوعية التقليدية، فلم تكن في حاجة إلى أكثر من عدد محدود من الاقتباسات كانت تجدها في النصوص السوفييتية المبسطة المترجمة إلى اللغة العربية. وعندما كان يجرؤ شيوعي عربي، مثل الشهيد مهدي عامل، على الغوص في نصوص ماركس المألوفة وغير المألوفة من أجل بناء مفهومات جديدة قادرة على استنطاق الواقع العربي في بنيته الداخلية وعلى توفير أساس فكري مكين للمواقف والتحالفات والإستراتيجيات الثورية التحررية الأصلية، كان يقابل بالفتور والصدّ والنفور من جانب القيادات الشيوعية الرسمية، وكنا نسمع بعضهم يصرّح بأنه قرأ مهدي عامل ثلاث مرات، لكنه أخفق في فهمه، وكأن العلة تكمن في مهدي عامل لأن الدكتور (...) عجز عن فهمه. إلى هذا الحدّ كان النص الماركسي اللينيني غريبا عن هذه القيادات، بل إن غريزتها السياسيّة كانت تدفعها إلى مقاومة هذا النص وما يتضمنه من فكر ومنهج. وبالطبع، فإن هذا النزوع العدائي للماركسية ظل مستتراً حتى تفجر بعنفوان لافت للنظر إثر إلغاء الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، حيث أتيح لهذه القيادات فرصة التعبير الكامل والصريح عن هذا النزوع.
إن القيادات الشيوعية الرسمية العربية كانت بلا شك معادية للإمبريالية وحلفائها في المنطقة، كما إنّها كانت مناضلة إلى هذا الحد أو ذاك. وقد كانت بالفعل موالية لموسكو السوفييتية التي كانت الإمبريالية تعاديها بشراسة، الأمر الذي حداها إلى مجابهة الإمبريالية ودعم الحركات والقوى المعادية للإمبريالية. لكن ذلك لم يجعل من هذه القيادات ماركسية أو ماركسية لينينية. فهي لم تكن كذلك لا في فكرها ولا في ممارساتها، برغم ادعائها بأنها ماركسية. لذلك لم يكن صعباً عليها التنكر للماركسية وتراثها، وللينين بالتحديد، حالما اشتمت رائحة انهيار النخبة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي. إذ إنها تبنت الغورباتشوفية من دون نقد أو تمحيص نظر، وبكل ظلالها وتقلباتها، حتى بلغ فيها الأمر أن أخذت تردد افتراءات غورباتشوف وزبانيته بصدد الماركسية والاشتراكية ولينين وكأنها حقائق لا يرقى إليها الشك. ولم يكن صعبا عليها التخلي عن الماركسية لأنها ببساطة لم تكن يوماً ماركسية. بل إن اعتبارها في الماضي ماركسية ربما كان من أكبر إساءات الفهم في التاريخ الحديث. فهي في الواقع لم تتخلَّ عن الماركسية مضموناً، لأنها ببساطة لم تكن ملتزمة بهذا المضمون ولم تكن قادرة على ذلك بحكم تكوينها الثقافي، وإنما تخلت عنها اسماً وعنواناً. ولم يكن ذلك صعباً عليها بطبيعة الحال. فلو كانت ماركسية مضموناً وفعلاً، ما استطاعت أن تنسى خطابها القديم بهذه السرعة ولا أن تتنكر له بهذه السهولة، لأنّ ذلك كان سيعني التخلي عن ذاتها وتركيبة وعيها وذاكرتها التاريخية ورؤيتها الكونية ومعرفتها التاريخية وكثير من الحقائق البشرية التي لا يرقى إليها الشك المعقول.
وفي ضوء ذلك كله، فلا عجب أن يصدر قول كالآتي على لسان مسوح: "ولو تم استيعاب المنهج المادي الجدلي التاريخي والإفادة منه في دراسة الواقع العربي، لوجدنا أن الكثير من النصوص التي تضمنتها كتب الكلاسيكيين لا حاجة لنا بها، إن لم يكن بعضها ضاراً بالنسبة لنا" (ص 47، 48).
وهنا نسأل مسوح: كيف يتم استيعاب المنهج المادي الجدلي التاريخي؟ هل يمكن استيعاب هذا المنهج بمعزل عن أعظم نص يجسده، نص كلاسيكيّي الماركسية (ماركس، إنغلز، لينين)؟! وهل يجوز في هذه الحال تجزئة النص واختيار ما يحلو لنا اختياره؟ وكيف يكون بعض هذه النصوص ضاراً بالنسبة إلينا إذا كان نتاجاً لمنهجية نعتبرها المنهجية المثلى لاستنطاق الواقع الاجتماعي، وإذا استوعبناه نقديا بهذه المنهجية العلمية الثورية؟! هل يريد مسوح إبعاد الناس عن النص الماركسي حرصاً منه على سلامة عقولهم ونقائها؟ ولماذا يريد ذلك؟ خدمة لأي طبقة اجتماعية يريد ذلك؟ وهل يعتقد أن الخطاب الذي يقدمه هو وغيره من شيوعيّي ما بعد الانهيار يعوّض عن النصوص الماركسية "الكثيرة" التي يعتقد أن الناس ليسوا في حاجة إليها، وأن بعضها ضار لنا؟ هل يبلغ فيه الوهم أن يظن أن خطاب شيوعيّي ما بعد الانهيار يستطيع أن يصمد لحظة واحدة أمام وهج هذه النصوص الكلاسيكية النقدية؟
لست أريد أن أدخل هنا في نقاش كيفية استيعاب الواحد منا للمنهج المادي الجدلي التاريخي. فهناك شروط اجتماعية وفكرية ونفسانية معقدة لذلك، ولا أريد الخوض فيها ههنا. لكن ما أود تأكيده لمسوح ولشيوعيّي ما بعد الانهيار هو أنه لا غنى عن دراسة الطريقة التي حلل بها ماركس آليات نمط الإنتاج الرأسمالي في "الرأسمال" بمجلداته الأربعة، والطريقة التي حلل بها ماركس ديناميكا الفعل السياسي في ثورة 1848 وثورة 1871، وتلك التي حلل بها إنغلز نشوء العائلة والدولة والملكية الخاصة، وثورة الفلاحين في ألمانيا، والمثالية الألمانية ودورها في نشوء المادية الجدلية، والطريقة التي حلل بها لينين تطور الرأسمالية في روسيا، ومغزى الإمبريالية ومعناها، وطبيعة الدولة البرجوازية والثورة الاشتراكية، وغيرها من طرق التحليل التي وردت في النصوص الكلاسيكية. وبالطبع، فإن هذه الدراسة وحدها لا تكفي. فهناك شروط أخرى لا بدّ من توافرها لاستيعاب المنهج المادي الجدلي. لكنها بالتأكيد شرط ضروري لا غنى عنه. كذلك، فإن الدراسة لا تعني الاعتقاد والإيمان الأعمى، وإنما تعني الكشف عن المستور من أسس وافتراضات منهجية وفلسفية، ونقد الأحكام الواردة في النصوص بالأدوات الفكرية المتوافرة، سواء أكانت مستمدة من هذه النصوص نفسها أم من غيرها من النصوص أم من الخبرة العملية للفرد الدارس. والأهم من ذلك كله هو الانفتاح النقدي على النص المدروس بما يتيح للنص اختراق وعي الدارس وتحديه وإظهار ثوابته وهزها في العمق. وبغير ذلك، فلن يتمكن أحد من تملك المنهجية المادية الجدلية ولا الإفادة منها في تحليل الواقع العربي.

الموقف من لينين
قلت إن أثر الغورباتشوفية وإلغاء الاتحاد السوفييتي على جل القيادات الشيوعية العربية تمثل في قفز هذه القيادات من الخطاب البريجنيفي إلى خطاب ليبرالي قوامه مفهومات مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والسوق الحرة والإصلاح ضمن إطار الرأسمالية. وصاحب هذه القفزة اللاعقلانية محاولة "تطهير" الوعي الشيوعي الرسمي من نفوذ لينين وكل ما يمت له بصلة. فقد كان مثل هذا التطهير ضروريا حتى يتسنى لهذه القيادات تحقيق هذه القفزة. فلينين تحديدا كان يشكل حجر عثرة أمام هذه القفزة، لذلك كان لابد من شن هجوم عليه وعلى تراثه الثوري والتنكر لإنجازاته النظرية والثورية الكبيرة. واستخدمت هذه القيادات لهذه الغاية الأدوات التي استخدمها ضده خصوم لينين السياسيون، ابتداء ببرنشتاين وكاوتسكي ومارتوف وانتهاء بدهاقنة الدعاية الغربية في حقبة الحرب الباردة. فسعت إلى تحميل لينين وزر ما اقترفته القيادات السوفييتية اللاحقة من جرائم وقمع وانتهاك للحريات، وسعت أيضاً إلى التصغير من الشأن الفكري للينين مقارنة مع معاصريه من الماركسيين أمثال برنشتاين وكاوتسكي ومارتوف وبليخانوف، بل إلى تبني بعض أطروحات أولئك في مجابهة أطروحات لينين الثورية، موحين بذلك أن إلغاء الاتحاد السوفييتي والأحداث المصاحبة له وصمود الرأسمالية الغربية جاءت برهانا على صحة مقولات أولئك وخطأ مقولات لينين الثورية.
وجوهر الأمر، بالطبع، هو أن هذه القيادات تحاول أن تتنصل من مسوؤلية فشلها المستديم بوضع اللوم على المشروع اللينيني الذي تحاول أن توهمنا بأنها كانت تجسيداً حيا له وأنها كانت تحاول أن تنفذه. والحق أن موقفها من لينين كان موقف عابد الأصنام من صنمه، لا موقف الملتزم بمنهج يتجسد في نصوص وحركة. لذلك، فما إن انهارت القوة العظمى التي كانت تعطي وهجاً مادياً حقيقياً لهذا الصنم، حتى انقلب أولئك الأتباع على صنمهم وبدأوا يحيكون حوله التأويلات البالية التي صاغها بصدده أعداؤه السياسيون. فانقلبوا من التأليه والتمجيد إلى الرفض، من دون أن يكلفوا خاطرهم في الحالتين قراءة موضوع تأليههم واستيعابه نقديا. بل بلغ الوهم لدى بعضهم أن أخذوا يلومون أنفسهم لأنهم اكتفوا بقراءة لينين "وحرموا" أنفسهم من قراءة برنشتاين وكاوتسكي ومارتوف، وكأن لينين كان هو المسؤول عن خمولهم الفكري. وحقيقة الأمر، كما أسلفنا، أنهم لم يقرأوا لينين نفسه. ولو قرأوه وتشربوا منهجه الديموقراطي النقدي، لانساقوا حتما إلى قراءة أولئك نقديا. لكنهم في الواقع ما كانوا ماركسيين ولا لينينيين في أي يوم من الأيام، وما كان في مقدورهم الارتقاء إلى خطاب ماركس أو لينين. كل ما في الأمر أنهم انتقلوا من خطاب يساري ضحل يعكس تبعيتهم الثقافيّة إلى خطاب ليبرالي أكثر ضحالة ورجعية. فهم لم ينتقلوا في واقع الأمر من خطاب لينيني حقيقي إلى خطاب آخر، وإنما انتقلوا من خطاب عقائدي يتخذ من لينين صنما له يضفي القدسية عليه إلى خطاب ليبرالي يتخذ لفظة الديموقراطية صنما. إذ وجد كثير من القادة الشيوعيين أنه من مصلحتهم الإطاحة بالصنم الأول بتشويهه وتلطيخه وقلب تماثيله لإخلاء الساحة للصنم الجديد.
ونجد مثل هذه المحاولات للنيل من لينين وتراثه جليا في كتاب عطيه مسوح "الماركسية: من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير" (دمشق، 1995). ويسعى مسوح في كتابه إلى بيان أنه ليس هناك ما يبرر استخدام مصطلح الماركسية - اللينينية، وأنه يكفي أن نستخدم مصطلح الماركسية. ذلك أن إسهام لينين للماركسية كان واحدا من عدة إسهامات، ولم يكن متميزا عن غيره من إسهامات معاصريه، إن لم يكن دون بعضها. وخلاصة القول "إن مصطلح الماركسية - اللينينية لا يعني الماركسية وهو مصطلح غير دقيق علميا، لأنه يحل أحد تيارات الماركسية محل الماركسية، ولأنه يلغي التيارات والأفكار الماركسية الأخرى التي تخالف التيار اللينيني. ومن هنا، نرى أن نكف عن استخدامه، أو على الأقل، أن نضعه في موضع الاستخدام الصحيح، أي للدلالة على تيار ماركسي محدد واحد، لا للدلالة على الماركسية. ونرى كذلك أن نعود إلى مصطلح الماركسية التي ينبغي أن تؤخذ باعتبارها منهجا معرفيا، لا باعتبارها نظرية" (ص 53، 54).
وهو بالطبع يرتكز في ذلك إلى تقويم معين لإسهام لينين. فلنحلل هذا التقويم ونر إلى أي مدى يتسم بالأمانة العلمية.
يصنف مسوح نشاط لينين الفكري في ثلاثة أبواب أو ميادين. أما الميدان الأول فهو "ميدان روسي محتواه إعادة إنتاج الماركسية روسيا، أي وفق ظروف روسيا وخصائصها. ويدخل في هذا الإطار ما وضعه من أفكار حول الحزب من طراز جديد ودكتاتورية البروليتاريا والتحالف بين العمال والفلاحين وتصوراته حول بناء الاشتراكية وغير ذلك" (ص 49).
وهي فقرة محيرة، كثيراً ما نسمع شيوعيي ما بعد الانهيار يرددونها. ولا أظن أن مصطلح "إعادة إنتاج الماركسية روسياً" هو مصطلح موفق. فهو يضلل أكثر مما يضيء. فالأدق القول إن لينين والبلاشفة أفلحوا في تملك الماركسية منظورا ومنهجا وفي تسخيرها ببراعة في بناء التنظيم الثوري الماركسي وبرنامج اشتراكي ملائم لروسيا في الربع الأول من القرن العشرين. وأفلح لينين بالتحديد في النفاذ إلى القلب الثوري النابض للماركسية، ومن ثم بيان حدود النماذج التي وضعها ماركس وإنغلز في عصرهما وفي سياق فهم مجتمعات أوروبا الغربية. وأفلح في تعميق مفهومات المادية التاريخية والجدلية وتوضيحها وتحديدها وفي ابتكار مفهومات جديدة لاستنطاق الواقع الجديد في عصره. فهو لم يبتكر ماركسية جديدة روسية الطابع ذات أسس ومقومات مختلفة عن نظيرتها في ألمانيا مثلاً لكي يقال إنه أعاد إنتاج الماركسية روسيا، وإنما عمد إلى تطوير التراث الماركسي من أجل استيعاب الواقع الروسي في مطلع القرن العشرين استيعابا ثوريا وخلق الأداة الحزبية اللازمة لتوجيه التغيير فيه. والأهم من ذلك أنه سخر الماركسية من أجل تحديد دور روسيا في النظام العالمي ودور الثورة الروسية في الثورة الاشتراكية العالمية. أي إنه سعى إلى اكتشاف الإمكانات الثورية في روسيا في مطلع القرن العشرين، ودور البروليتاريا الروسية في الثورة الروسية المرتقبة والمهمات الملقاة على عاتقها محلياً وعالمياً، أي طبيعة الثورة الروسية المرتقبة وطبيعة القوى الرائدة فيها، ومحورية هذه الثورة في الثورة العالمية المرتقبة. فقد كان لينين يبني ويحلل وينقد من منظور الثورة العالمية ولأجل الثورة العالمية، ولم يكن روسياً نمطياً في تفكيره، وإن كان قد استوعب في تكوينه السياسي التراث الثوري الروسي الطويل والخبرة الثورية لجماهير الفلاحين والعمال الروس. ولو كان منظوره روسيا ضيقا ما بذل ما بذله من جهد كبير في مقارعة زعيم الاشتراكية الألمانية، كارل كاوتسكي، وغيره من كبار منظري الأممية الثانية الفرنسيين والإنجليز والطليان والهولنديين، ولاكتفى بتوجيه نقده إلى بليخانوف ومارتوف وأكسلرود الروس. لكن إدراك لينين لعالمية الحركة التي كان ينتمي إليها وعالمية منظوره والتزامه بالثورة العالمية جعلته يتصدر التيار العالمي الثوري المناهض للخط الرسمي في الأممية الثانية.
ومن جهة أخرى، فإن مسوح يرى، في الفقرة المقتبسة أعلاه، أن الأفكار التي وضعها لينين حول الحزب ودكتاتورية البروليتاريا وتحالف العمال والفلاحين وغيرها تندرج في إطار إعادة إنتاج الماركسية روسياً. ويعني بذلك أن فضل لينين في وضع هذه الأفكار لا يتعدى أخذ أفكار جاهزة أنتجها غيره، ثم ليها (وربما تشويهها) بما يتناسب والواقع الروسي في مطلع القرن العشرين.
ولكن، هل تدعم وقائع تاريخ الحركة الاشتراكية هذا الزعم؟ هل يرتكز هذا الزعم إلى قراءة دقيقة للينين وماركس وإنغلز؟
لنبدأ بالتصور اللينيني للحزب البروليتاري الثوري. من المعروف أن ماركس وإنغلز لم يتطرقا نظرياً إلى هذه المسألة، فلم يبنيا نظرية في الحزب. ولعلهما اعتقدا أنها مسألة بديهية لا تحتاج إلى تنظير خاص بها، أو لربما افترضا أنه ليس هناك ما يميز الحزب البروليتاري عن الأحزاب البرجوازية من حيث البنية. ونجد هذا الغياب جلياً أيضاً لدى كاوتسكي وبليخانوف وتروتسكي ولو كسمبورغ، حيث جاءت معالجاتهم لهذه المسألة مجرد ردود فعل لنظرية لينين في الحزب السياسي. فالحق أن لينين كان أول ماركسي نظر بصورة منهجية متماسكة للحزب السياسي، أي كان أول ماركسي بنى نظرية في الحزب السياسي، ارتكازاً إلى تصّور معين للعلاقة بين النظرية والممارسة، وبين السّياسة والاقتصاد، وبين الطبقة ووعيها ومثقفيها، وللوعي الطبقي وحدوده ووتيرة تطوره. أجل! كان لينين أول من حاول ذلك لشعوره بحاجة الحركة الاشتراكية إلى نظرية في الحزب السياسي ترشدها إلى بناء تنظيمات بروليتارية قادرة على نقل السلطة السياسية من البرجوازية إلى البروليتاريا. ولم تكن هناك نظرية واضحة للحزب السياسي في الماركسية قبل لينين. فهو لم يعد إنتاج فكرة سابقة روسيا في هذه الحال، وإنما عمد إلى بناء أفكار جديدة ارتكازاً إلى دراسة الواقع الروسي والعالمي بالمنهجية الماركسية. هذا لا يعني أن ما توصل إليه من صورة للحزب البروليتاري كامل وشامل. قد يكون هناك الكثير من الثغرات والنواقص في هذه الصورة. لكن ذلك لا يلغي كون لينين أول قائد ماركسي وضع نظرية جدية في الحزب السياسي، فاتحا بذلك قارة جديدة أمام النظرية الماركسية انبرى لاستكشافها مفكرون ماركسيون من عيار جورجي لوكاتش (في كتابه التاريخ والوعي الطبقي) وأنطونيو غرامشي (في كتابه الأمير الحديث) ومهدي عامل (في كتابه مقدمات نظرية) ونيكوس بولانتساس (في كتاباته حول الدولة والأحزاب). وهو لم يفتح هذه القارة الجديدة روسياً فقط، وإنما فتحها وفرض هذا التحدي النظري عالمياً أيضاً. فهو لم ينطلق في وضع هذه النظرية من خصوصية الطبقة العاملة الروسية، وإنما انطلق من دراسة البروليتاريا العالمية وطبيعة وعيها وقدرتها الذاتية على تنظيم نفسها وعلاقتها بالمثقف الثوري. وعليه، فإن الإشكالات النظرية والعملية التي كان أول من أثارها بصورة منهجية لم تكن روسية، وإنما عالمية بمعنى الكلمة، وجاءت إجابته ونظريته عالمية أيضا، الأمر الذي حداه إلى تأسيس الأممية الثالثة (الكمنترن).
وسنجد تالياً أن ما قلناه أعلاه بصدد نظرية التنظيم البلشفي ينطبق أيضا على المفهومات اللينينية الأخرى التي ذكرها مسوح في الفقرة المذكورة أعلاه.

لينين: ظاهرة روسية أم عالمية؟
يقوّم عطية مسوح إنجازات لينين على أنها تتركز في ثلاثة ميادين: إعادة إنتاج الماركسية روسياً، ويدخل في هذا الإطار أفكار لينين حول الحزب البروليتاري، ودكتاتورية البروليتاريا، وتحالف العمال والفلاحين، وبناء الاشتراكية؛ وميدان الدفاع عن أفكار ماركس وإنغلز وتوضيحها وتلخيصها، ويدخل في هذا الإطار أفكار لينين حول ماركس وإنغلز والماركسية والاشتراكية والحرب والدولة والمادية والمذهب النقدي؛ وميدان ثالث "يعد تطويراً لأفكار ماركس وإنغلز واستكمالاً لها، من وجهة نظره هو، وذلك بدراسة ظاهرات لم تكن واضحة أو ناضجة في أيامهما، كدراسته للإمبرالية" (ص 49).
وهو تبويب اعتباطي لا يرتكز إلى أساس واضح. وقد بينت في البند السابق أن اعتبار رؤية لينين للحزب السياسي مجرد إعادة إنتاج للماركسية روسيا لا يفي هذه الرؤية حقها، ويغيّب حقيقة أنه لم يكن في الماركسية نظرية في الحزب السياسي قبل لينين، كما يغيّب تميز لينين عن معاصريه الماركسيين في هذا المضمار لكونه جسّد في فكره وممارسته راهنية الثورة الاشتراكية. فلم تكن الماركسية بالنسبة إليه مجرد منهجية علمية يتباهى بها ولا مجرّد شعار انتخابي برلماني يزدهي به، وإنما كانت أداة حية لصنع الثورة الاشتراكية والمشاركة الفاعلة فيها. وقد عبر جوزيف ستالين عن هذه الفكرة بوضوح في الفصل الثامن من كتابه "أسس اللينينية" الذي وضعه عام 1924 على النحو الآتي:
«في فترة ما قبل الثورة، فترة التطور السلمي إلى هذا الحد أو ذاك، حين كانت أحزاب الأممية الثانية هي القوة المسيطرة في الحركة العمالية وكانت الأشكال البرلمانية للصراع تعدّ الأشكال الرئيسية - تحت هذه الظروف، لم يكن للحزب، ولم يكن في مقدوره أن يكون له، تلك الأهمية الحاسمة والعظيمة التي اكتسبها لاحقاً"، تحت ظروف الصدامات الثورية المكشوفة. وفي معرض دفاعه عن الأممية الثانية ضد الهجمات التي شنت عليها، يقول كاوتسكي إن أحزاب الأممية الثانية هي أداة سلام، لا أداة حرب، وإنها لهذا السبب بالذات عاجزة عن اتخاذ أي خطوات مهمة إبان الحرب، إبان فترة الفعل الثوري من جانب البروليتاريا. وهذا صحيح. ولكن، ماذا يعني؟ إنه يعني أن أحزاب الأممية الثانية غير صالحة للصراع الثوري البروليتاري، وأنها ليست أحزاباً كفاحية للبروليتاريا تقود العمال إلى السلطة، وإنما هي مجرد ماكنات انتخابية مكيّفة للانتخابات البرلمانية والصراع البرلماني". إلى أن يقول: "أما في الفترات الثورية، فإن البروليتاريا تجابهها مهمات جديدة، مهمات إعادة تنظيم عمل الحزب كله على أسس ثورية جديدة؛ مهمات تعليم العمال بروحية الصراع الثوري من أجل السلطة؛ تهيئة الاحتياط وتحريكه؛ إقامة تحالفات مع عمال الأقطار المجاورة؛ إقامة روابط متينة مع حركات التحرر في المستعمرات والدول التابعة، وما إلى ذلك. إن الظن بأن هذه المهمات الجديدة يمكن تنفيذها بالأحزاب الديموقراطية الاجتماعية القديمة، التي نشأت أصلاً في الظروف السلمية البرلمانية، يعني أن يحكم المرء على نفسه باليأس الكامل والهزيمة الحتمية الماحقة"(10).
إن جوزيف ستالين يعي هنا جيداً المغزى التاريخي الدقيق لرؤية لينين للحزب البروليتاري، ويربط ربطاً محكماً بين الحزب اللينيني وراهنية الثورة الاشتراكية. فالحزب اللينيني في نظره هو أداة البروليتاريا الثورية لنقل السلطة السياسية من البرجوازية إلى البروليتاريا، أي أداة لدكتاتورية البروليتاريا. ولا معنى لرؤية لينين للحزب خارج إطار الثورة الاشتراكية وراهنيتها. وبالطبع، فإن هذه العلاقة العضوية بين الثورة والتنظيم اللينيني مغيبة كليا لدى مسّوح. إذ إنه يختزل المسألة كلها إلى إعادة إنتاج الماركسية روسيا. فالحزب اللينيني في نظره هو مجرد طبعة روسية استبدادية عن أحزاب الأممية الثانية. إنه مجرد رد فعل المعارضة الروسية لاستبداد القيصرية. أما الدول الغربية (الديموقراطية) فهي ليست في حاجة إلى الحزب اللينيني بفعل دستوريتها وديموقراطيتها. وهو يتناسى بالطبع أن هدف لينين لم يكن إسقاط الأوتوقراطية الروسية بقدر ما كان خلق البديل السياسي العمالي في سياق الثورة الاشتراكية العالمية، ذلك البديل القادر على تنفيذ مهمات الثورة العالمية والتنمية والتحديث ودور الركيزة للثّورات العمالية في الغرب المتقدم وثورات التحرر القومي في الشرق المتأخر. وعلى أي حال، فإن لينين لم يلجأ إلى بناء تنظيم ثوري مسلح يجابه به عنف السلطة القيصرية، كما فعل من قبله جماعات النرودنيك الإرهابية، وإنما قام بوضع نظرية ماركسية في الحزب السياسي تضمنت نظرية في راهنية الثورة في المجتمعات المتخلفة في حقبة الإمبريالية، ونظرية في التطور المتناقض وغير المتصل للوعي الطبقي العمالي ومراحله المهمة، ونظرية في جوهر الماركسية وعلاقتها الخاصة بالعلم من جهة وبالصراع الطبقي العمالي من جهة أخرى، ثم قام ببناء الحزب البلشفي ترجمة لهذا التصور النظري. فهو لم ينطلق في تصوره للتنظيم البروليتاري الثوري من خصوصية روسيا ولا من نظرية خاصة بالتشكيلة الاجتماعية الروسية، وإنما انطلق من طبيعة الحقبة الإمبريالية وطبيعة كل من الطبقة العمالية والماركسية. أما أنه أفاد من تجربته الروسية، فهذا أمر لا مجال للشك فيه. ولكن، أين العيب أو المشكلة في ذلك؟
ما قلته أعلاه بصدد رؤية لينين للحزب السياسي ينطبق أيضاً على رؤيته لدكتاتورية البروليتاريا. لقد تمسك زعماء الأممية الثانية، بما في ذلك أرفعهم نظريا مثل كاوتسكي وبليخانوف، بنماذج ماركسية معينة أبدعها ماركس وإنغلز في عصرهما لاستنطاق واقعهما. ولما عجزوا عن استيعاب واقعهم الجديد وخصوصية الحقبة الإمبريالية بهذه الأدوات القديمة، قاموا "بتحديث" ماركس باستئصال بعض الأسس الجوهرية للماركسية أو تعديلها لتبرير استقالتهم من دائرة الفعل السياسي المؤثر. أما لينين، فقد أدرك جوهرية الأسس التي تم استئصالها، وأدرك ضرورتها لفهم الواقع نقدياً وتحويله ثورياً، وأدرك أن استئصالها يعني خروج الطبقة العاملة من التاريخ وترك مصيرها لأعدائها وخصومها. لذلك، فقد كرّس جزءاً كبيراً من وقته للدفاع عن مصداقية هذه الأسس وتوضيحها وتطويرها من جهة، ولاستعمالها لإبداع مفهومات ونماذج جديدة قادرة على استنطاق الواقع الجديد من جهة أخرى. وكان في مقدمّة هذه الأسس مفهوم دكتاتورية البروليتاريا. إذ أدرك لينين أن الماركسية تخسر جوهرها السياسي بالتخلي عن هذا المفهوم. لذلك عمد إلى إحياء هذا المفهوم الذي أبدعه ماركس وإنغلز وإبراز معناه الدقيق وتوضيح معالمه وبيان أهميته وضرورته في نظام ماركس الفكري، وذلك في مجابهة تحريفات كاوتسكي وبليخانوف. لكنه لم يكتف بذلك، وإنما عمد أيضاً إلى إغنائه وتعميقه وبلورته بالإفادة من تجربته وتجارب الحركة الاشتراكية الروسية في ثورتي 1905، 1917 في روسيا. وتجلى ذلك بكل وضوح في كتابيه "الدولة والثورة" و "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي". وكان من الطبيعي أن يرتكز لينين في تعميق هذا المفهوم إلى تجربته الروسية، ذلك أن مركز الثورة العمالية كان قد انتقل من باريس وبرلين إلى بتروغراد وموسكو، من كومونة باريس إلى سوفييتات بتروغراد وموسكو.
إن لينين لم يُعد إنتاج هذا المفهوم الجوهري روسياً، وإنما التزم بدقة بالمفهوم كما صاغه ماركس وإنغلز، بدل استئصاله كما فعل برنشتاين وتبعه كاوتسكي وبليخانوف، وبين معالمه وأهميته وضرورته، ودافع عنه وعن راهنيته، ثم عمل على تعميقه بالإفادة من التجارب الروسية الجديدة. وبعد أن استلم البلاشفة السلطة في أكتوبر 1917، بدأ تصور لينين يأخذ طابعاً أكثر عيانية وواقعية بالنظر إلى الإشكالات الفعلية التي بدأ يجابهها لينين والبلاشفة في إدارة المجتمع السوفييتي الناشئ، خصوصاً في ضوء إخفاق الثورة الاشتراكية في الغرب المتقدم والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الجمة التي برزت عقب انتهاء الحرب الأهلية الروسية. لكن لينين توفي قبل أن يصل إلى تصورات حاسمة في هذا المضمار. ويندرج تحت هذا التحليل تصور لينين للاشتراكية وبنائها. فقد كان لينين يعوّل على الثورة الاشتراكية المرتقبة في الغرب، وظل يعتبر الثورة البلشفية تمهيداً للثورة الاشتراكية في الغرب. لذلك شعر بعمق الأزمة حين تبين لديه ضعف احتمال قيام الثورة الاشتراكية في الغرب في الأمد المنظور، وبدأ يشعر بالصعوبة البالغة في تحقيق الاشتراكية في روسيا، واتسم خطابه في العامين الأخيرين قبل وفاته بمرارة بالغة لتخلف روسيا والعزلة التي أخذت تعيشها والحصار المحكم الذي أخذت تفرضه القوى الإمبريالية عليها. لذلك، فهو لم يحسم أمره بصدد انتقال المجتمع الروسي إلى الاشتراكية فالشيوعية، أي لم يضع تصوراً نهائيا لخط الانتقال هذا، وإنما كان مستعداً لأي طارئ وأي تغير في الاتجاه، بل وأي تراجع في السير، وفق تغير الظروف الروسية والعالمية. كذلك، ففي السنتين الأخيرتين من عمره، لم يكن موقناً من قدرة البروليتاريا الروسية على البقاء والصمود في السلطة، فأحس بثقل العناصر البيروقراطية والبرجوازية الصغيرة، وأحس بها تضغط على البروليتاريا من كل حدب وصوب.
وأخيراً وليس آخراً، فإن مفهوم تحالف العمال والفلاحين لم يكن مجرد فكرة أعيد إنتاجها روسياً، وإنما شكلت المشكلة الرئيسية لدى القوى الاشتراكية في جل أقطار العالم آنذاك، من إيطاليا وإسبانيا في الغرب إلى الهند والصين في الشرق. ونجد بذور التصور اللينيني لهذا التحالف في تحليلات ماركس وإنغلز لثورات 1848 وثورة 1871، بل وفي تحليلاتهما للثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، حيث أفلح اليعاقبة في تعزيز التحالف بين جماهير المدن وجماهير الريف وتعميقه. وقد أدرك لينين الطابع اليعقوبي للحزب البلشفي ومهماته المباشرة، وأدرك أن هذا التحالف يشكل بعداً أساسيا من أبعاد دكتاتورية البروليتاريا. وفي الوقت الذي كان يركز فيه الإصلاحيون، المناشفة بالتحديد، على عقد التحالف الوثيق بين البروليتاريا والبرجوازية، من دون تمحيص النظر العلمي في طبيعة الحقبة وطبيعة البرجوازية الروسية وعلى أسس دغمائية جامدة، فقد أدرك لينين أن الحليف الطبيعي للبروليتاريا الروسية في الحقبة الإمبريالية هو الفلاحون وجماهير البرجوازية الصغيرة، وأن الحزب البلشفي هو نظير نوادي اليعاقبة تحت ظروف هيمنة الرأسمالية والإمبريالية. وهنا نلاحظ عيانية لينين وقدرته الفائقة على رؤية الواقع وهضمه وتمثله. فإدراكه العميق للواقع هو الذي كان يملي عليه تكتيكه وإستراتيجيته، بعكس المناشفة الذين كانت تحركهم الأفكار التجريدية المجردة من مضمونها وشروط انطباقها.
كل ذلك يدل على أن لينين لم يكتف بإعادة إنتاج الماركسية روسياً، وإنما عمق الماركسية وطوّرها صوب تمثّل الظروف العالمية الجديدة من منظور راهنية الثورة الاشتراكية عالمياً، الأمر الذي مكنه من إقامة أول دولة عمالية في التاريخ.

من أجل لينين
يقول عطية مسوح: "والحقيقة أن لينين كان أحد المفكرين والسياسيين الماركسيين البارزين بعد إنجلز، وكان إلى جانبه أو قبله بقليل أو بعده بقليل، مفكرون ماركسيون آخرون، وضعوا أفكار أخرى مخالفة لما وضعه هو. فلماذا لم تعتبر أفكارهم هي المرحلة الجديدة من مراحل تطور الفكر الماركسي؟ أو - وهذا أكثر دقة - لماذا لا نقول إن هناك تيارات ماركسية متعددة في بدايات القرن العشرين، أحدها تيّار لينين، دون أن نعلن سلفاً أن كل التيارات الأخرى هي غير ماركسية، وأن اللينيني وحده هو الماركسي؟" (ص 51).
وهذا ما فتئ يردده كثير من الشيوعيين منذ إلغاء الاتحاد السوفييتي، بل منذ 1989، يوم انهارت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية. وفي مجابهة هذا الرأي لشيوعيي ما بعد الانهيار، فإني أضع (وأدافع عن) الأطروحات الآتية.
لم يكن لينين مجرد رمز لتيار من تيارات الماركسية بوصفها نظرية معرفية على قدم وساق مع رموز التيارات الأخرى، وإنما كان بالفعل تجسيداً حيا لجوهر الماركسية في الربع الأول من القرن العشرين: وكان الأكثر التزاماً بالماركسية بوصفها حركة ثورية تاريخية والأكثر قدرة على تطوير الماركسية واستنطاق واقعه التاريخي بها. ففي الوقت الذي كان فيه زعماء الأممية الثانية يتمسكون بقشور الماركسية ويعلنون انتماءهم إليها وإلى حرفيتها، فإنهم كانوا يتخلون تدريجيا وبصورة تكاد لا تلحظ عن جوهر الماركسية في مواقفهم وأفعالهم وبعض تحليلاتهم. وقد احتاج الأمر إلى عين ثاقبة متميزة كعين لينين لكي تلحظ ذلك في المراحل المبكرة. والنقطة الأساسية هنا هي أن زعماء الأممية الثانية عجزوا عن استيعاب الظاهرات التاريخية الجديدة في عصرهم ماركسيا (وفي مقدمة هذه الظاهرات: الإمبريالية، والرأسمالية الاحتكارية، وراهنية الثورة الاشتراكية العالمية، وراهنية حركات التحرر القومي، ومسألة التنظيم البروليتاري)، الأمر الذي حداهم إلى التراجع عن بعض المواقع الفكرية الماركسية المتقدمة والعودة القهقرى إلى مواقع فكرية ما قبل ماركسية (ليبرالية الطابع) بدت كأنها مواقع متفوقة على الماركسية وأكثر حداثة منها. أما لينين، فقد نقد هذه المواقع بعمق ودقة وأظهر جوهرها البرجوازي الرجعي. وهو لم يكتف بالامتناع عن التراجع إليها، ولم يكتف بالدفاع عن المواقع الماركسية المتقدمة والتشبث بها، وإنما عمد إلى نقل هذه المواقع إلى خطوط جديدة أكثر تقدماً وقدرة على استيعاب الجديد. فهو قد حافظ على الماركسية بتطويرها واستعمالها أداة فعالة لحل الإشكالات الجديدة وتنفيذ ما يترتب عليها من مهمات تاريخية وممارسة سياسية. وبالطبع فإن أحد الأسباب الرئيسية لتراجع زعماء الأممية الثانية عن المواقع الفكرية الماركسية يعود إلى جبنهم وهروبهم من المسؤولية التاريخية وضعف ثقتهم في أنفسهم وبجماهيرهم العمالية. أما لينين، فقد جابه الواقع الجديد بشجاعة نادرة وثقة كبيرة في حزبه وجماهيره، ملبيا نداء قدره التاريخي ومتحملا مسؤوليته العالمية والقومية حتى الثمالة. وهذا هو بيت القصيد. أما إغفال هذا الأمر، واختزاله إلى مجرد تيارات فكرية متساوية من أجل مساواة الخائبين والمترددين والجبناء بالعمالقة من صانعي التاريخ، فهو مجرد مؤشر على استكمال مسيرة الاستسلام للأمر الواقع والاستقالة من التاريخ. لقد ارتضى زعماء الأممية الثانية التقهقر، هنا وهناك، إلى المواقع البرجوازية الليبرالية، ومن ثم إلى تزوير الواقع التاريخي وتزويقه بالأوهام الآيديولوجية، خشية مجابهة قدرهم التاريخي ومسؤولياتهم التاريخية. أما لينين فقد جابه الحقيقة الداخلية لعصره، التي كشف عنها النقاب بفضل استعماله المبدع للماركسية، وجابه عنفها وبشاعتها ورعبها بكل شجاعة ومسؤولية في سياق محاولة تصفية هذا العنف والرعب وتلك البشاعة.
وبعد هذا وذاك، كيف يريد منا مسّوح وشيوعيو ما بعد الانهيار أن نساوي بين التيار الماركسي الثوري الذي جسده لينين أكثر من أي ثوري آخر (باعتراف الثوريين الذين كانوا ينتمون إلى هذا التيار، مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي) وبين تيار ادعى أنه ماركسي لكنه عمد إلى الاستقالة من الفعل التاريخي والتخلي التدريجي عن المواقع الفكرية الماركسية الجوهرية، واحداً تلو الآخر، بحجة الواقعية وتحديث الماركسية (أي إلغائها)؟! كيف نضع هذين التيارين على قدم وساق باعتبارهما مجرد اجتهادين في الفكر الماركسي، وكأن الماركسية مجرد جسم من المعلومات الحيادية مقطوع عن أرض الواقع الحي بصراعاته وتناقضاته الدموية؟ كيف نساوي بين من يصرّ على التمسك بالمفهومات الماركسية لفاعليتها في استنطاق الواقع الجديد ويعمل على بيان ضرورتها للكشف عن الواقع الحي في صيروته ولتغييره ثوريا وبين من يصرّ على التخلي عن كل ما يميز الماركسية عن غيرها من الحركات الاجتماعية الفكرية باسم الحداثة من أجل الهروب من موقعه التاريخي المتقدم وإخلائه لقوى يتوهم أن المرحلة التاريخية هي مرحلتها؟!
لقد تميز لينين عن غيره من زعماء الاشتراكية في الربع الأول من القرن العشرين في أكثر من مسألة وسمة. فهو أول من بنى نظرية ماركسية محكمة للحزب البروليتاري مكنته من التّمييز بين الحزب البروليتاري والحزب البرجوازي على أساس إدراكه العميق للطبيعة السياسية للطبقة العاملة وطبيعة وعيها وعلاقته بالمثقفين وبالعلم. وقد تميز عن غيره من ماركسيّي عصره بإدراكه العميق للمسألة القومية في أوروبا والإمبراطورية الروسية وتقديم حل ماركسي أصيل لهذه المسألة مبني على إدراكه لظاهرة الاستغلال والاضطهاد القومي المصاحبة للرأسمالية، ومن ثم لظاهرة حركات التحرر القومي ودور البروليتاريا فيها وعلاقتها بالصراع الطبقي التقليدي. وبالطبع، فإن هذه الظاهرة لم تكن بادية تماماً في عصر ماركس وإنغلز. لذلك جاء موقف الأخيرين منها مبهماً وغير متماسك تماماً وهامشيا بعض الشيء. وعجز الجيل اللاحق من الماركسيين عن إدراك أهمية هذه الظاهرة وارتباطها الوثيق بالرأسمالية وجوهرها السياسي العميق، فنظروا إليها باعتبارها مسألة ثقافية تنتمي إلى البناء الفوقي ولا ترتبط مباشرة بالصراع الطبقي. أما لينين، فكان الوحيد بين معاصريه من الماركسيين الذي أدرك أن المسألة القومية هي مسألة سياسية في جوهرها، وأنها تنطوي على شكل مهم من أشكال الاستغلال الرأسمالي لا يقل أهمية عن الشكل الرأسمالي التقليدي، وأنها في حقيقتها مسألة طبقية ترتبط عضويا بالصراع الطبقي. بذلك كان لينين رائدا في مجال نظرية التحرر الوطني التي أدت دوراً محوريا في صراعات القرن العشرين. وقد أخفق رموز الماركسية الآخرون في عصره في إدراك ذلك بوضوح، حتى أكثرهم ثورية مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي، كما يتضح بجلاء من المناظرة الشهيرة التي دارت في هذا الصدد بين لوكسمبورغ ولينين(11).
وقل الشيء ذاته عن رؤية لينين للإمبريالية. فهو قد تميز عن غيره من الماركسين في شمول رؤيته لهذه الظاهرة ولعلاقاتها العضوية مع الظاهرات الأخرى. فهو لم يختزل هذه الظاهرة إلى مجرد نزوع اقتصادي في رأسمالية القرن العشرين، كما فعل كاوتسكي ولوكسمبورغ، وإنما نظر إليها بوصفها المرحلة العليا من مراحل تطور الرأسمالية في شمولها، فأدرك جوهرها السياسي وعلاقته الجدلية بالصراع الطبقي. وقاده ذلك إلى الأفكار الأساسية الآتية التي كان لها أثر كبير على القرن العشرين:
1- ليس بالضرورة أن تبدأ الثورة البروليتارية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. بل إن احتمال وقوعها في مجتمعات تتأرجح بين البنى الرأسمالية المتقدمة والبنى ما قبل الرأسمالية، مثل روسيا في مطلع القرن العشرين، هو احتمال أكبر.
2- إنّ مهمات الثورة الديموقراطية القومية لا تنفذ بالضرورة على يدي البرجوازية في ظل الإمبريالية. إذ يمكن أن تكون البرجوازية في البلد المعني أضعف وأجبن من أن تنفذ هذه المهمات. وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون البروليتاريا أكثر نضجا وتطوراً من البرجوازية، وأكثر قدرة على تنفيذ هذه المهمات. ومعنى ذلك أن التحالف الثوري الأكثر احتمالاً في حقبة الإمبريالية هو تحالف العمال والفلاحين بقيادة العمال وحزبهم الثوري في مجابهة تحالف قوى الإقطاع والبرجوازية، وليس تحالف العمال والبرجوازية.
3- إنّ الطبقة العاملة في المراكز الصناعية الكبرى ليست المصدر الوحيد لفائض القيمة لدى البرجوازيات الإمبريالية. فهناك مصدر آخر لا يقل أهمية، وهو الأمم والشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار والتبعية. فالبرجوازية الإمبريالية تنهب مستعمراتها بطرق منهجية منظمة ومتنوعة وتمارس الاستغلال والاضطهاد القومي لهذه الغاية. وهذا هو الأساس الموضوعي للتحالف بين بروليتاريا المراكز الرأسمالية الكبرى والأمم والشعوب الواقعة تحت الاستعمار والتبعية.
وقد تميز لينين أيضاً عن أقرانه بإدراكه أهمية الصراع السياسي وضرورة تفكيك الدولة البرجوازية وإقامة دكتاتورية البروليتاريا على أنقاضها من أجل بناء مجتمع الحرية والإبداع، المجتمع الاشتراكي. ولا أظن أن هناك ماركسيا أدرك عمق البعد الديموقراطي لدكتاتورية البروليتاريا كما أدركه لينين.
لقد أدرك لينين أن الماركسية ليست مجرد علم محايد أو منهج معرفي، وإنما هي في المقام الأول البعد النظري لراهنية الثورة الاشتراكية، وأنها في جوهرها موقف تاريخي أخلاقي مرتكز إلى واقع ثوري متفجّر.

النهج اللينيني
من الأفكار المضحكة بصدد لينين والرائجة في صفوف شيوعيي ما بعد الانهيار فكرة أن "لينين لم يكن مفكرا ماركسيا فقط، وإنما كان - بالدرجة الأولى - سياسيا اشتراكيا روسيا، تهمه - بالدرجة الأولى أيضا - قضية تغيير واقع روسيا، فكان يسخر كل شيء من أجل ذلك الغرض، وكسياسي، كان براغماتيا إلى حد كبير، كما كان يتحين الفرص لفرض تقدم، للحركة السياسية الاشتراكية الروسية. ومن هنا، فقد غلب - في معظم الأحيان - لينين السياسي على لينين المفكر، وبالتالي حدث شيء... من جرّ السياسة الفكر إلى مواقعها، وإدخال ما يسوغ السياسة في الفكر"، كما عبر عنها عطية مسوح.
إنها فكرة مضحكة ومحيرة في آن، لأنها قد تنطبق على أي زعيم سياسي إلا لينين، وهي تنم على جهل أصحابها الكامل بسيرة حياة لينين وبكتاباته الكثيرة. بل إن سرّ غزارة كتاباته يكمن بالضبط في إصراره على تحليل كل واقع يجابهه ويتطلب منه اتخاذ موقف وانتهاج سياسة، وعلى اشتقاق مواقفه جميعا من النظرية والفكر. فليس هناك زعيم سياسي في التاريخ البشري جسد الفكر سياسة، أي ترجم الفكر إلى سياسة وجرّ السياسة إلى مواقع الفكر، كما فعل لينين. بل لعلّ ذلك هو أهم ما أضافه لينين إلى السياسة العالمية. فآخر وصف يمكن أن نصف به لينين هو أنه كان براغماتيا يغلّب السياسي على الفكري، لأنه كان العكس من ذلك تماما. إذ إنه كان أكثر من تجسدت فيه وحدة النظرية والممارسة في التاريخ. وإن المتتبع الدقيق لمسيرته السياسية كما تنعكس في مؤلفاته الكثيرة ليذهل من إصراره على أهمية النظرية في كل صغيرة وكبيرة ومن قدرته الفائقة على ترجمة النظرية إلى فعل وممارسة. وهذا هو السبب الرئيسي وراء مجادلاته ومصادماته الكثيرة مع غيره من قادة الحركة العمالية العالمية. فهو لم يكن يراعي خاطر هذه الجهة أو تلك عند اتخاذه موقفا، ولم يسمح لنفسه بالوقوع في مستنقع العفوية المشبع بآيديولوجيا الخصم وتحيزاته، وإنما كان يشتق مواقفه بمنطق محكم من صلب النظرية الماركسية، التزاما منه بقضية التقدم والمصالح التاريخية للطبقة العاملة العالمية. هذا هو النهج الماركسي البلشفي الذي التزم به البلاشفة حتى وفاة لينين. أما بعد ذلك، فبدأ بعضهم بالفعل ينحرفون عن هذا النهج العظيم حتى وصل الأمر بكثير من القيادات الشيوعية إلى إلحاق النظرية كليا بالتكتيك السياسي، فأخذوا يعيدون إنتاج جزئيات النظرية بمعزل عن الكل النظري الماركسي وفق مقتضيات الراهن والتكتيك العابر، فغدت النظرية مجرد وثن مقدس تمارس الطقوس باسمه وتشتق منه الاقتباسات لتبرير الممارسة والتكتيك ولإضفاء هيبة وقدسية عليها.
أما أن يلصق هذا الانحراف بلينين فهو بمثابة إلصاق الأمر بنقيضه. فنهج لينين انقلب إلى نقيضه على أيدي القيادات الشيوعية اللاحقة لأسباب تتعلق بتطور الدولة السوفييتية وتطور الحزب الشيوعي السوفييتي، والحركة الشيوعية العالمية. والذي يفعله شيوعيو ما بعد الانهيار اليوم هو إسقاط نهجهم البراغماتي الانتهازي على لينين، النقيض الحقيقي لهذا النهج. وعليه، فإنهم في الواقع يعبرون عن اشمئزازهم من ممارساتهم حين يهاجمون لينين، لكنهم لا يملكون الجرأة لنقد ذاتهم نقداً علمياً نزيهاً مباشراً. لذلك فإنهم يلجأون إلى إسقاط نواقصهم ورذائلهم على نقيض نهجهم تهربا من المسؤولية ونقد الذات وتعبيرا منهم عن غريزة حب البقاء. إنها محاولة بائسة للبقاء ببتر العلاقة مع موضوع تبجيلهم السابق بعد تحميله زوراً نواقصهم ورذائلهم، وبإجراء عملية تجميل سطحية بالمساحيق، وبمحاولة تغيير ولاءاتهم والتنكر لتراثهم العظيم.
وهم لا يكتفون بإلصاق الانتهازية وتغليب السياسي على الفكري بلينين الذي كان نقيض ذلك كله، وإنما يعمدون إلى اعتبار هذه الصفات المزعومة للينين مسؤولة إلى حدّ ما عن خلق المناخ المناسب لسيطرة ستالين. فهم يرون أن هذه الصفات كانت "الدافع لكثير من الخلافات الفكرية بين لينين وماركسيين آخرين كبار، ولعله أيضا هو الذي ساهم - بالإضافة إلى عوامل مجتمعية أخرى تتعلق بطابع روسيا المتخلفة وافتقارها إلى الديموقراطية وغير ذلك - في تكوين المناخ المناسب لسيطرة ستالين" (مسوح، ص 53).
لاحظوا هنا الأحبولة الآيديولوجية (المرفوضة علمياً ومنطقياً) التي يلجأون إليها لتشويه شخصية لينين ومسيرته الثورية العظيمة. إنّهم يسقطون صفة من صفات الستالينية في مرحلة نضجها على الماضي اللينيني، ثم يعتبرون هذه الصفة المسقطة الوهمية أساسا سببيا للستالينية. إنها أحبولة آيديولوجية تؤشر إلى لا مادية منهج متبعيها ولا تاريخية هذا المنهج. وهي تذكرنا بما يفعله علماء الاقتصاد البرجوازيون حين يسقطون نمط الإنتاج الرأسمالي على الحقب التاريخية ما قبل الرأسمالية، ثم يعتبرونه تتويجاً مؤبداً لمسيرة الإنسان منذ نشوئه. وهم بذلك يؤبدون الرأسمالية ويعتبرونها ملازمة لجوهر الإنسان، ويزورون تاريخ البشرية، ويصرفون النظر عن تاريخية الرأسمالية والعوامل التاريخية لنشوئها، ومن ثم زوالها. أما محاولة المماهاة بين اللينينية والستالينية، فهي تغفل أن اللينينية نشأت ونمت في سياق إحياء التراث الثوري الماركسي في ظروف الربع الأول من القرن العشرين، وفي سياق توفير الشروط الذاتية للثورة الاشتراكية العالمية. أما الستالينية، فقد نشأت ونمت في سياق تحول الدولة السوفييتية من دكتاتورية البروليتاريا (الديموقراطية السوفييتية) إلى دكتاتورية البيروقراطية الاستبدادية التنموية. وبمعنى آخر، فإن اللينينية هي الماركسية الثورية في عصر الإمبريالية وآيديولوجية دكتاتورية البروليتاريا، في حين أن الستالينية هي آيديولوجيا البيروقراطية الاستبدادية التنموية التي تحمل وجهين: وجهاً ثورياً مستمداً من اللينينيّة، ووجهاً استبدادياً مستمداً من موضع هذه البيروقراطية فوق المجتمع السوفييتي بجميع طبقاته الاجتماعية. ويكفي التذكير هنا بأنه من أكثر الألفاظ تردداً وتكراراً في كتابات لينين لفظة "الديموقراطية"، وأن أكثر النصوص توجها صوب الديموقراطية وتمسكا بها في التاريخ هو مؤلف لينين المشهور "الدولة والثورة".
إن على شيوعيي ما بعد الانهيار أن يدركوا جيداً أن هذا التجميل المساحيقي البائس الذي أجروه على أحزابهم مؤخراً لن يجديهم نفعاً. لقد خلعوا ثوب الآيديولوجيا الاستبدادية التنموية حال أن اشتموا تحلل الغورباتشوفية، وارتدوا ثوب الليبرالية في أحدث صيغة (فوكوياما). فأخذوا يتكلمون عن الديموقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان بمعزل عن الرأسمالية والإمبريالية والصراع الطبقي والاشتراكية والتحرر القومي بلهجة من أعاد اكتشاف الدولاب. وأخذوا يكيلون السباب والشتائم إلى التراث الماركسي الثوري، ورمزه الأكبر لينين، باسم التحرر من الدغمائية والشعاراتية والجمود، من دون تكليف خاطرهم دراسة (ولا أقول إعادة دراسة) موضوع تأليههم السابق وشجبهم الحاضر دراسة موضوعية معمقة. بل أخذوا يرددون الأحكام البالية التزويرية التي أطلقها خصوم لينين (برنشتاين، مارتوف، كاوتسكي، أبواق الدعاية الغربية في حقبة الحرب الباردة) من دون تمحيص النظر في مدى صدقيتها.
ويبدو أنهم لا يدركون أن هذا كله لن يجديهم نفعاً. فمؤيدو الخطاب الليبرالي لن يتركوا الأصل من أجل طبعة باهتة يحملها ورق مهترىء. أما الجماهير الشعبية فهي غير معنية أصلاً بهذا الخطاب الغريب عن همومها ومشكلاتها الحقيقية. لذلك، فإذا تعذر عليها إيجاد حملة لخطاب يساري يعنى بمشكلاتها اليومية والتاريخية، لجأت إلى حملة الخطاب السلفي الأصولي، وفرضت عليهم تبني جزء من البرنامج اليساري الجذري الذي يعبر عن همومها وطموحاتها، ووجدت في هذا الخطاب وسيلة للتعبير عن سخطها وللتنفيس عن وضعها البائس.
وعليه، فإن تبني شيوعيي ما بعد الانهيار الليبرالية البرجوازية يعني عمليا الاستقالة من الفعل السياسي التاريخي المؤثر وترك الساحة للقوى البرجوازية والسلفية العاجزة عن تقديم حلول فعلية للجماهير الشعبية. إنهم بذلك يهمشون أنفسهم ويخرجون أنفسهم من التاريخ.

لينين فيلسوفاً
إن لينين هو فيلسوف السياسة بامتياز، بمعنى أنه جسد الفلسفة فعلا سياسيا بصورة غير مسبوقة. إنه مثال الفيلسوف - السياسي الذي تكلم عنه أفلاطون في جمهوريته. ففعله السياسي مضمخ بالفلسفة حتى الثمالة. إنه تجسيد عملي للفلسفة. لكننا لن نناقش هنا لينين بوصفه فيلسوفاً من هذا الباب، أي لن نناقش فعله السياسي بوصفه فلسفة عملية ولا الأسس الفلسفية التي يفترضها فكره السياسي. لكننا سنركز على فكره الفلسفي النظري البحت، أي مداخلاته في حقل الفلسفة البحتة النظرية وإسهاماته في هذا الحقل. وهي تنصب في مجملها في ثلاثة أعمال فقط:
1- بضع صفحات في كتاب لينين المبكر "من هم أصدقاء الشعب" يناقش فيها الفرق بين الجدل المادي الماركسي والجدل المثالي الهيغلي.
2- كتابه المفصل "المادية والمذهب النقدي التجريبي".
3- "الدفاتر الفلسفية".
وقد أثيرت أسئلة كثيرة عن هذه الأعمال من حيث انسجامها الفكري معاً وما إذا كانت تشير إلى تطورات وتغيرات حدثت في جوهر فكر لينين الفلسفي.
فهل جاءت "الدفاتر الفلسفية" لكي تنقض كل ما قاله لينين في العملين المبكرين؟ هل تنسف هذه الدفاتر الهيغلية الاهتمام والتلوّن أحكام لينين الفلسفية المبكرة؟ أم هل جاءت مكملة لها؟ كيف نوفق بين هذه الأعمال المتناقضة، على الأقل ظاهرياً؟ وكيف تقومّها من حيث أهميتها الفلسفية البحتة؟ هل يجوز أن نعتبرها أعمالاً فلسفية بالمعنى المتعارف عليه؟ أم إنها تفتقر إلى أبسط مقوّمات النصوص الفلسفية الجديرة بهذا الوصف؟ هل هي أعمال فلسفية بحق أم إنها مجرد مداخلات سياسية بثوب فلسفي؟ هل هي مجرد حدث عابر في تاريخ الفلسفة، مجرد زوبعة في فنجان، أم إنها مصدر شرخ عميق في الفلسفة الحديثة؟ هل إن إهمال الفلسفة الأكاديمية لهذه الأعمال مبرّر ومسوغ، أم إنه هروب من تحدّ فكري كبير قادر على تقويض أركان الفلسفة الأكاديمية؟
لن نجيب عن هذه الأسئلة بصورة مباشرة، وإنما عبر تحليل المعالجة التي قدّمها الفيلسوف الفرنسي الراحل، لوي ألتوسير، لأعمال لينين الفلسفية في مقالتيه: "لينين والفلسفة" (1968) و"لينين قبل هيغل" (1969). ولعلها أعمق معالجة تمت لهذه الأعمال من جانب فيلسوف أكاديمي مرموق وأكثرها أصالة وإثارة للخيال والاهتمام.
يخصص لوي ألتوسير مقالته "لينين والفلسفة" من أجل تقويم كتاب لينين الرئيسي في الفلسفة، "المادية والمذهب النقدي التجريبي". وقد جاء هذا الكتاب في أساسه رداً نقديا من جانب لينين على فريق من المفكرين البلاشفة الذين تبنوا مواقف متشددة إلى حدّ العدمية في السياسة (مقاطعة الدوما وسحب مندوبي الحزب البلشفي منه مثلاً)، لكنهم تبنوا مواقف يمينية لاعقلانية على الصعيد الفلسفي النظري. وكان الروائي الروسي الكبير، مكسيم غوركي، قد دعا لينين إلى زيارته في كابري في إيطاليا من أجل مناقشة هذا الفريق في آرائهم الفلسفية. وكان هذا الفريق قد تبنى آخر صرعة فلسفية في ذلك العصر، وهي وضعية ماخ، أو الماخية، أو النقدية التجريبية، التي ادعت أنها الانعكاس المباشر لآخر التطورات العلمية في حقل الفلسفة، وأنها التجسيد الأحدث والأدق للعلم في هذا الحقل. وقد بلغ انبهار هذا الفريق بالوضعية الماخية حداً أن دعوا وسعوا إلى استبدالها بالمادية الجدلية أساساً فلسفيا للماركسية، وذلك باسم تحديث الماركسية ومواكبة العصر. أما لينين، فقد أدرك، وحاول أن يبين، في كتابه المذكور، أن هذه الفلسفة وغيرها من فلسفات عصره جديدة شكلاً، لكن قديمة مضموناً، أي إنها اجترار لفلسفات القرن الثامن عشر وإعادة إنتاج لها بأشكال جديدة، وبخاصة مثالية باركلي وتجريبية هيوم. كما أدرك وبين أن العلم الماركسي ليس مقطوعاً من شجرة وليس حياديا من الناحية الفلسفية، وإنما يرتكز إلى فلسفة محددة ويفترضها، وهي الفلسفة المادية الجدلية. وأي قاعدة فلسفية أخرى نحاول أن نلصقها به تفسده علميا وعمليا وتحرفه عن مساريه النظري والعملي. لذلك، فإن محاولة هذا الفريق "تحديث" الماركسية ماخيا ليست أكثر ولا أقل من محاولة الفكر البرجوازي احتواء الماركسية وترويضها وتلويثها وإلحاقها به، ومن ثم تقويض أركانها بتفجيرها من الداخل. إنها محاولة للعبث بالوعي التاريخي للطبقة العاملة من أجل شل إرادتها وتعطيلها والتحكم بفعلها وممارساتها وتفكيك مؤسّساتها.
وبالطبع، فقد تعرّض كتاب لينين المذكور منذ صدوره إلى حملة شعواء من جانب مفكري البرجوازية، وبخاصة الوسط الأكاديمي الفلسفي في الجامعات الغربية، وحاولت هذه الأوساط التقليل من شأنه والطعن في دقته الفلسفية وفنيته الأكاديمية ووسمته بالسذاجة الفكرية والاختزالية والتبسيط المخل، وعمدت في النهاية إلى تسفيهه وإهماله. لكن المشكلة أن جل الأكاديميين الغربيين لجأوا إلى مهاجمة لينين وتسفيهه أو إهماله من دون تكليف خاطرهم قراءة كتابه المذكور ودراسته وتحليله بما يستحقه من جدية. وعلى سبيل المثال، يذكر ألتوسير في مقالته "لينين والفلسفة" أن الوسط الأكاديمي الفرنسي تجاهل كتاب لينين المذكور تجاهلاً تاماً، ولم يعن به سوى أنري ليفيبر في كتيب خصصه لمادية لينين، وسارتر في مقالته المشهورة "المادية والثورة"، وميرلوبونتي في كتابه المعروف "مغامرات الديالكتيك"، وبول ريكير في مقالة نشرها في مجلة "إسبري" الفرنسية. وفيما عدا ذلك، فقد تجاهله الأكاديميون الفرنسيون تماماً. كذلك، فباستثناء ليفيبر، فقد كان تقويم من عني واهتم به من المفكرين الفرنسيين سلبياً. وعلى سبيل المثال، فقد اعتبر سارتر فكر لينين ما قبل نقدي (أي، ما قبل كانطي) وما قبل هيغلي، ومن ثم اعتبره ساذجاً وغير مؤهل للصمود أمام التحليل والتفكير الفلسفي الجدي. ومع أنه أسبغ عليه أهمية عملية تتمثل في اعتباره نوعاً تعبوياً مهماً من الأساطير الأفلاطونية الحديثة، إلا أنه جرّده من أي مضمون معرفي نظري جدي. أما ميرلو بونتي، فقد صرفه ونبذه جانبا بجملة واحدة: إن فلسفة لينين مجرد ذريعة أو حيلة سياسية.
وبالمقابل، فلم يخف لينين ازدراءه للأكاديميين الغربيين في حقل الفلسفة ولا استخفافه بهم. بل إنه عبر عن اتفاقه التام مع البروليتاري الألماني "ديتسغن"، الذي عاصر ماركس، فيما ذهب إليه من أن أساتذة الفلسفة في الجامعات الغربية يشكلون نوعاً من الكهنوت الحديث الرجعي الذي يمارس وظيفة التصدي للفكر التقدمي ومحاولة تشويهه ونبذة وتلويثه وتفكيكه. واتفق معه في أن طريق الفلسفة هو الطريق الأكثر زيفاً، وإن كانت دراسته ضرورية حتى يصل المرء إلى الطريق الصحيح. وهكذا، فقد كان العداء مستحكماً بين لينين وأساتذة الفلسفة في الجامعات الغربية. لماذا؟ ما سرّ هذا العداء الحاد؟
يرى ألتوسير أن السرّ يكمن بالضبط في اعتبار لينين الفلسفة الطريق الأكثر زيفاً مقروناً باعتبار دراستها ضرورة أساسية للوصول إلى الطريق الصحيح الممثل بالماركسية.
ويفهم ألتوسير من ذلك دعوة لينين إلى ضرورة وضع نظرية علمية (غير فلسفية) في الفلسفة بوصفها طريقاً معرفياً زائفاً، أي ضرورة اعتبار الفلسفة موضوعاً للعلم والمعرفة بدل اعتبارها الأساس ونقطة الانطلاق. وهذه الدعوة هي السبب الحقيقي لهذا النفور والعداء الذي يبديه أكاديميو الفلسفة صوب لينين. أما اتهامه بالسذاجة وما قبل النقدية الكانطية، فهو مجرد ذريعة يتذرع بها الأكاديميون لإخفاء السبب الحقيقي عن أنفسهم وغيرهم. فالذي يجعل لينين لا يطاق بالنسبة إلى أكاديميي الفلسفة هو بالضبط محاولته تأسيس علم للفلسفة بوصفها طريقاً زائفاً، ومن ثم تأسيس ممارسة جديدة في الفلسفة مناقضة للممارسة الفلسفية التقليدية. فالأخيرة لا تخرج عن كونها اجتراراً نظريا، كما وسمها ألتوسير، برغم بهرجتها الفنية وأساليبها المعقدة. أما الممارسة التي يمارسها ويدعو إليها لينين، فهي الممارسة التي يعبر عنها قول ماركس الشهير: حتى الآن، اكتفى الفلاسفة بتأويل العالم بطرق مختلفة. لكن النقطة الأساسية هي تغييره.
إن النقطة الجوهرية في هذا المقام لا تكمن فيما إذا كان ماركس وإنغلز ولينين فلاسفة حقيقيين بالمعنى الفني. ولا فيما إذا كانت أحكامهم الفلسفية مستوفية الشروط الفلسفية الفنية، ولا فيما إذا كانت أحكامهم حول كانط و"الشيء في ذاته" ساذجة وما قبل نقدية. فكل هذه الأمور مطروحة وطرحت دائما ضمن إطار ممارسة معينة للفلسفة. لكن النقطة الجوهرية تتعلق بالضبط بهذه الممارسة التقليدية التي يضعها لينين في دائرة التساؤل باقتراح ممارسة فلسفية مختلفة، إن لم تكن مضادة. والذي يقترحه لينين هو وعد أو خط عريض لإنتاج معرفة موضوعية بنمط وجود الفلسفة بوصفها أكثر الطرق زيفا، ولممارسة فلسفية جديدة تنطلق من هذه المعرفة. وبالطبع، فإن مثل هذه النظرية قد تكون قاتلة للفلسفة التقليدية، حيث إن الأخيرة تحيا بإنكارها. فالنظرية التي يقترحها لينين تسعى إلى الكشف عن المستور، الذي تحيا الفلسفية التقليدية بديلاً زائفاً عنه ما ظل مستوراً وتنهار بالكشف عنه. لذلك كله ينفر أكاديميو الفلسفة هذا النفور الحاد من لينين وفكره. فمن هو هذا اللينين، هذا السياسي الثوري، الذي يتوهم بأن في مقدوره أن يعلمنا شيئاً جديداً، نحن أكاديميي الفلسفة؟! من هو هذا اللينين الذي يشكك في الكيفية التي نمارس بها مهنتنا، والذي يريد أن يبتذل الفلسفة إلى مجرد موضوع للمعرفة حتى يتسنى له أن "يبتكر" ممارسة واعية ومسؤولة وجديدة للفلسفة، على حدّ زعمه؟!
ويعزو ألتوسير هذه الحدة في رد فعل أكاديميي الفلسفة إلى كون نقد لينين ينفذ إلى قلب الفلسفة التقليدية، إلى مكمن المكبوت فيها، ذلك المكبوت الذي تكبته وتجتره في آن، والذي، لو انكشف، لوعت الفلسفة نفسها نوعاً من الاستثمار السياسي، نوعاً من الاستمرار للسياسة، نوعاً من الاجترار للسياسة. إن ما تكبته الفلسفة حقا، وفق تأويل ألتوسير للينين، هو السياسة بعينها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,366,509
- لغز الكتلة
- محنة المادية اليوم
- فجر العقل الجدلي
- من فلسفة الثورة إلى علم الثورة
- نحن وعقيدة التنوير
- المكان بوصفه مادة
- تميز العقلانية المادية
- مشروعنا الفلسفي
- هندسة ريمان
- المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية
- من الفلسفة إلى علم الإنسان
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير
- الشيوعية وفخ الوجودية
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية


المزيد.....




- -القوات- و-الاشتراكي- ينضمان إلى الحراك اللبناني والحكومة عل ...
- لماذا هاجم رئيس البرلمان الجزائري الأسبق -بوليساريو-؟
- السفير السوري بالقاهرة يشكر حزب التجمع على مواقفه الثابتة وا ...
- الحرب من أجل بقاء أردوغان تعني الفقر والموت بالنسبة لنا!
- «الديمقراطية» تدعو السلطة وحكومتها إلى مكاشفة الرأي العام بم ...
- وزيرة الداخلية اللبنانية تدعو المتظاهرين إلى عدم التعرض للأم ...
- عون يدعو لعقد جلسة طارئة للحكومة اللبنانية في ظل تصاعد الاحت ...
- السكرتاريا العامة لاتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني - تستنك ...
- بدعوة من الجبهة الديمقراطية: لقاء حواري لبناني فلسطيني حول ا ...
- متحدث باسم حزب العمال البريطاني: التصويت على اتفاق الخروج سي ...


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - دفاعاً عن الماركسية