أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية















المزيد.....

المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3332 - 2011 / 4 / 10 - 18:23
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بينا في المقالة السابقة (سمير أمين مستغربا) كيف قادت دراسة سمير أمين المعمقة لآليات التراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي صاحبها إلى وضع نظرية شاملة في تاريخ العالم تناهض المركزية الأوروبية، التي ترى في أوروبا محور التاريخ ومحور العالم في أطواره جميعاً. ومفاد هذه النظرية أن لكل نمط إنتاج رئيسي مراكز وأطرافاً، وأن تخطي نمط الإنتاج السائد يبدأ في الأطراف، وينتقل تدريجيا وببطء صوب المراكز. وقاده ذلك إلى اقتراح تحقيب للتاريخ مغاير للتحقيب الماركسي الكلاسيكي، الذي يرى أمين أنه ظل أسير المركزية الأوروبية وافتراضاتها الخاطئة. وأساس هذا التحقيب أن الطور التاريخي الطويل الذي يفصل المشاعية البدائية عن الرأسمالية يتمثل في ما أسماه أمين نمط الإنتاج الخراجي (الإتاوي)، الذي وصل أوجه في العالم الإسلامي. ويرى أمين أن المشرق العربي احتل المركز الرئيسي في هذا النمط، فيما شكلت أوروبا أطراف هذا النظام. لذلك، فإن تخطي هذا النمط صوب الرأسمالية كان أكثر يسراً على أوروبا منه على المركز العربي.

ولكن بأي معنى كانت أوروبا طرفاً من أطراف نمط الإنتاج الخراجي؟ وكيف تميزت الصور الطرفية لهذا النمط عن صوره المركزية؟

للإجابة عن هذا السؤال، علينا أولاً أن نفهم كيف تتميز الرأسمالية في الأطراف عنها في المراكز، ثم كيف تتميز الرأسمالية جوهريا عن نمط الإنتاج الخراجي؟

يؤكد سمير أمين أن الرأسمالية تتميز في هيمنة الاقتصادي (البنية الاقتصادية) على جميع مناحي الحياة الاجتماعية. فالاقتصاد الرأسمالي نظام معقد يبدو مستقلا عن البشر وتحكمه قوانينه الخاصة غير الخاضعة للبشر. وعلى البشر أن يأخذوا هذه القوانين بعين الاعتبار ويؤقلموا جميع مناحي حياتهم مع هذا النظام المستقل، الذي يشكل أساس حياتهم. لذلك، فإن جوهر تمايز الأطراف عن المراكز في الرأسمالية اقتصادي. فالبنية الاقتصادية الرأسمالية في الأطراف بنية قاصرة غير مكتملة قياساً بالمراكز. إنها بنية غير مترابطة وغير متماسكة وغير متوازنة. كما إنها غير قادرة على إعادة إنتاج نفسها بنفسها. فآليات إعادة إنتاجها موجودة في المراكز الرأسمالية. إن الرأسمالية الطرفية (المحيطية) ليست متمحورة حول ذاتها، وإنما حول المراكز الغربية. وهذه التبعية الاقتصادية هي أساس طرفيتها.

لكن، لئن كان الاقتصادي هو المستوى المهيمن في نمط الإنتاج الرأسمالي، فإنه لم يكن كذلك في أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، وبخاصة في نمط الإنتاج الخراجي. فالاقتصاد ما قبل الرأسمالي لم تحكمه قوانين خاصة به خارج الإرادة الإنسانية، وإنما كان اقتصاداً شفافا ظاهره مطابق لباطنه. فلم يكن يخضع لقوانين اقتصادية خاصة، وإنما لتقلبات الطبيعة ومزاجات الطبقات الخراجية الحاكمة. كما إن آليات الاستغلال فيه كانت ظاهرة وواضحة، ولم تكن اقتصادية على أي حال (كما في الرأسمالية)، وإنما كانت سياسية عقائدية. فالإنتاج ما قبل الرأسمالي لم يأخذ في جله طابع السلع الموجهة صوب السوق، وإنما طابع المنتوجات القابلة للاستهلاك المباشر. فكان جزء مما ينتجه الفلاحون والرعاة والصيادون والحرفيون يستهلك بصورة مباشرة من قبل المنتجين أنفسهم. أما الباقي فكان يقتطع من قبل الطبقات الاقتصادية المسيطرة بوسائل سياسية وعسكرية وعقائدية مباشرة لسد حاجاتهم وحاجات خدمهم وحاشيتهم ولسد رغباتهم وأهوائهم. وعليه، فإن الفعل البشري الواعي المباشر، على خلفية من تقلبات الطبيعة، هو الذي كان يحكم الإنتاج والتوزيع. لذلك اعتبر أمين المستوى السياسي العقائدي، لا المستوى الاقتصادي، هو المستوى المهيمن في أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية. فامتلاك الطبقات الإقطاعية أدوات القوة السياسية والعسكرية والعقائدية، على أساس وظائف اجتماعية معينة، هو الذي كان يمكنها من التحكم في المنتجين وتقييدهم واقتطاع جزء كبير من إنتاجهم وعملهم لصالح هذه الطبقات المرفهة المسيطرة.

لذلك كله، فلئن كان التمييز الجوهري بين المراكز والأطراف اقتصادياً في الرأسمالية، فلا بد أن يكون سياسيا عقائديا في أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية. فالمراكز في نمط الإنتاج الخراجي تتميز باكتمال المستوى السياسي العقائدي فيها. أما في أطراف النظام الخراجي فيكون هذا المستوى ناقصاً غير مكتمل. لذلك نجد في المشرق العربي، وهو قلب النظام الخراجي في العصر الوسيط، دولة مركزية مكتملة تسودها منظومة عقائدية متطورة متكاملة. أما في أوروبا الإقطاعية، فنجد شكلا جنينيا بدائيا للدولة الخراجية وصورة بدائية باهتة عن المنظومة العقائدية العربية. فشتان مثلاً بين الدولة العباسية أو الفاطمية ببنائهما الضرائبي والمدني والفكري المعقد وبين الهرم الإقطاعي الواهن البائس الذي كان يسود أوروبا أيام شارلمان! وشتان بين الفقه الإسلامي وعلم الكلام الإسلامي في عهد المأمون وبين الفكر الديني الذي كان سائداً في أوروبا في الوقت نفسه! بل، شتان بين الفكر المسيحي الشرقي ونظيره الغربي في ذاك الزمان!.

ويرى أمين أن هذا التخلف السياسي العقائدي الأوروبي في العصر الوسيط هو الذي مكن أوروبا من تخطي نمط الإنتاج الخراجي صوب الرأسمالية، وأن نظيره المتقدم في المركز العربي هو الذي حال دون تخطيه صوب الرأسمالية في الوطن العربي. كما يرى أن الشكل المتخلف غير المكتمل للدولة الإقطاعية الأوروبية بدأ، في القرن الثاني عشر الميلادي، يتطور صوب الشكل العربي المكتمل، لكن الرأسمالية الأوروبية كانت قد انطلقت وفلتت من إساره قبل أن يكتمل، فأخذ طابعاً رأسماليا (الملكيات المطلقة في أوروبا) أو شبه رأسمالي، وتطورت الرأسمالية في كنفه حتى تمكنت منه وقوضت أركانه (الثورات البرجوازية).

ويرى أمين أن الدولة الخراجية تتسم في أنها جوهريا دولة ميتافيزيقية (لاهوتية، دينية، ثيوقراطية). ومع أنه لا يحدد تماماً ما يعنيه هنا سوى قوله بأن الميتافيزيقا هي البحث عن الحقيقة المطلقة، إلا أنه يمكن فهمه على النحو الآتي: تتسم الدولة الخراجية بأنها ترتكز في ممارساتها وتشريعاتها وفي علاقتها بالرعية إلى منظومة فكرية ذات مرجعية أو مرجعيات مقدسة مطلقة. وتستمد هذه الدولة مشروعيتها من اعتبار ذاتها التجسيد الأرضي لهذه المرجعية السماوية. فلما كانت الآليات الأساسية للسيطرة واستغلال المنتج آليات سياسية عقائدية، وبالنظر إلى طبيعة المنتج (الفلاح بصورة خاصة)، كان لا بدّ من المسلمات المقدسة التي لا تقبل الجدال وكان لا بدّ من النظم الفكرية الشمولية المرتكزة إليها. وكان لا بدّ لهذه النظم من أن تشمل الطبيعة والإنسان والمجتمع وكيفية نشوء هذه الكيانات (أو خلقها) وترابطها وتطورها. فالفلاح يعيش الطبيعة بتقلباتها ويتعامل معها وكأنها كائن حي أو تعبير عن كائن حي متفوق. وقد أفلحت الدولة الخراجية في تسخير هذا الشعور لدى الفلاح وتأويله وتطويره فكريا بما يبرر هيمنتها واستغلالها. لذلك ارتكزت هذه الدولة إلى منظومة فكرية شمولية دخلت فلسفة الطبيعة في صلبها واعتمدت مطلقات مقدسة مرجعاً لها.

ويرى أمين أن الدولة الخراجية مرّت في أطوار حضارية حتى وصلت أوجها في الدولة الإسلامية في المشرق. إذ ابتدأت منذ آلاف السنين هنا وهناك (مصر، الهلال الخصيب، فارس) في محيط من البربرية (نمط الإنتاج المشاعي والشيوعي البدائي). وكان كل مركز معزولاً إلى حد كبير عن المراكز الأخرى. وقدم كل من هذا المراكز الخراجية الأولى اسهامات فكرية وثقافية دمجت لاحقاً في الدولة الخراجية العالمية المكتملة. ومع الإسكندر المقدوني، بدأت الدولة الخراجية العالمية في شكلها الهلنستي الأول، وتوحدت لأول مرة في التاريخ المراكز الخراجية المتنوعة والمنعزلة عن بعضها. ويركز أمين في تحليله هذا الطور على الفيلسوف المصري، أفلوطين، الذي كان له تأثير كبير لاحقاً على الفكر الإسلامي.

وقد شهد هذا الطور بروز علم اللاهوت والفقه المسيحي في شكله الشرقي العربي. وشكل هذا التطور أساساً لطور جديد من أطوار الدولة الخراجية، طور الدولة البيزنطية المسيحية. ويغفل أمين هنا ذكر أن الدولة البيزنطية شكلت نوعاً من التراجع في مسيرة ما أسماه نمط الإنتاج الخراجي. إذ شهدت الدولة البيزنطية تراجعاً في نمو قوى الإنتاج وفي الإنتاج الثقافي، وعجزت عن استيعاب الإنجازات الإغريقية والهلنستية ضمن آيديولوجيتها الدينية اللاهوتية. وجاء البديل على صورة الفتوحات العربية الإسلامية، التي أعطت دفعة هائلة إلى الأمام لقوى الإنتاج المادية والثقافية في المنطقة، وقادت إلى اكتمال تكون نمط الإنتاج الخراجي، وأفلحت في توحيد التراثات المتنوعة واستيعابها. واحتاج ذلك بالطبع إلى جهود فكرية جبارة تمثلت في عمل النحاة واللغويين وعلماء الكلام والفقهاء وعلماء أصول الدين والفلاسفة والمؤرخين وعلماء الطبيعة والأطباء وغيرهم. بذلك تكون الثقافة الخراجية قد وصلت أوجها في الحضارة العربية الإسلامية؛ في أمثال سيبويه والشافعي والقاضي عبد الجبار والكندي والفارابي وابن سينا والغزالي والحسن بن الهيثم والبيروني وابن رشد وابن حزم والشاطبي وغيرهم. أما الآليات السياسية والعقائدية التي سادت الأطراف الخراجية (أوروبا)، فلم تتعد كونها صورة باهتة غير مكتملة لنظيرتها العربية العظيمة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,638,388
- من الفلسفة إلى علم الإنسان
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير
- الشيوعية وفخ الوجودية
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية
- علمنة الوعي
- من الفلسفة إلى نقد الاقتصاد السياسي
- مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية
- ماذا يعني لك أن تكون يساريا اليوم؟
- هل الماركسية علم؟
- تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ


المزيد.....




- بيان حزب العمال التونسي دعماً لانتفاضة الشعب اللبناني.
- الحزب الشيو عي العراقي: النصر للشعب اللبناني في انتفاضته
- حزب الشعب يعرب عن تضامنه مع الحزب الشيوعي والشعب اللبناني ال ...
- متظاهرو صيدا اكدوا مواصلة احتجاجهم في الشارع حتى تحقيق مطالب ...
- اهالي قضاء مرجعيون اعلنوا استمرار تحركهم بقطع الطريق والمبيت ...
- حشد لأهالي القرى عند مثلث كامد اللوز جب جنين احتجاجا على الو ...
- حشود طرابلس صامدة بمشاركة مغتربين
- إضراب عام اليوم الثلاثاء
- لا ثقة، استقيلوا!
- لا ثقة، استقيلوا!


المزيد.....

- أولرايك ماينهوف المناضلة الثائرة و القائدة المنظرة و الشهيدة ... / 8 مارس الثورية
- الخطاب الافتتاحي للحزب الشيوعي التركي في اللقاء الأممي ال21 ... / الحزب الشيوعي التركي
- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية