أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى العمري - روافد عراقية .. من محافظة الناصرية علي الشرقي 2















المزيد.....


روافد عراقية .. من محافظة الناصرية علي الشرقي 2


مصطفى العمري
الحوار المتمدن-العدد: 3322 - 2011 / 3 / 31 - 08:27
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يقول الدكتور عبد الاله الصائغ : كان علي الشرقي عراقياً أصيلاً، وعربياً متحمساً، وداعية جريئاً للتقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني، لاذع النقد لمظاهر التخلف والوصولية والنفاق؛ كل ذلك بحس دقيق ولغة سهلة وعبارة بليغة، والتقاط حاذق للأمثال الشعبية، حتى ان كثيراً من أشعاره ذهب مثلاً.
كذلك يذكر الدكتور عبدالاله الصائغ ما قاله صديقه الفيلسوف الكبير البروف ابو طريف الشيبي كامل مصطفى حول الشيخ علي الشرقي : انك لن تفهم علي الشرقي حين تتجنب قراءاته الفلسفية وثقافته الفارسية وانك لن تقترب من عالمه الشعري حين يغيب عنك تأثره بالعرفان الصوفي ! فهو من الذين يلغون ازدواجية الروح والجسد باتجاه تكريس دلالة الجسد روح منظورة والروح جسد مخبوء .
عندما شب الشرقي وتنفس هوى الشباب راح طلقاً يبحث عن الجنس الاخر لكي يشاطره هموم الايام ومصاعب الزمان ويلتف على حاله لينظر بعين المتأهلين , هو الان يبحث عن شريكة حياة , يسكن اليها وتسكن اليه , يشكو لها طفولة يتيم , وصبا الغربة , وعذابات الشباب , كان قبل هذا الوقت قد طُرح عليه هذا الموضوع لكنه لرغبة في نفسه او لهاجس يخشاه ابى الزواج واكثر الظن انه لازال يعاني اليتم . والمشكلة ان الناس لاتعرف معنى اليتم واثره في النفس ربما ترافق (فوبيا) الموت ذلك اليتيم وبشعور خفي لا يريد ان يتزوج , لانه لا يود ان يصبحوا اولاده ايتاماً مثله , فيبقى في هذا التفكير الى ان يصبح طاعناً في السن , الخوف من الموت , ليس الخوف من الموت نفسه , بل الخوف على عائلته واطفاله ان يكونوا عالة على المجتمع والاقارب كما كان حاله . المهم تمنع الشيخ الشرقي في البدء عن موضوع الزواج . ثم انه ترك كل ما كان يفكر به من احباطات الماضي السحيق ليخرج الى اهله ومحبيه ليخبرهم انه قد عزم على الزواج من فتاة اختارها هو لنفسه , وربما ان الفتاة اختارته لنفسها كذلك .
يقول المحقق الشيخ رياض الناصري في كتابه قبسات من تجارب الامم والشعوب ج 1 ص 261 :
( حدث للشرقي حادث جعل الجميع من كان قد سمع ولم يسمع باسمه , ومن كان قد عرف الشعر ومن لم يعرفه ان يسال عن الشيخ علي الشرقي وهويته ومسكنه وشاعريته الفياضة .
اقدم على الزواج وللشرقي الشاعر عدد من الاصدقاء , من حق الشاعر في ذلك اليوم على الشعراء ان يزفوا له التهاني بالقصائد وان يعدوا له سوقا ً يتبارى فيه الادباء بشعرهم , وهكذا كان وكانت مقدمات العرس بمثابة ثورة في عالم الشعر والادب ولاسيما والفصل كان ربيعاً والنفوس تبتهج في الربيع , وزفت العروس وما كادت تدخل الحجلة حتى شَكَت , لقد شكت من عارض مفاجئ قالت : اني احس باني احترق , احترق , احترق وفي اقل من لحظات اسلمت الروح الى باريها فكانت فجيعة كبيرة دوى صداها في البلد بان عروسا ً تسلم الروح في ليلة زفافها , وبين عشيةٍ وضحاها يتردد اسم الشرقي على كل فم بصفته الزوج المفجوع ثم لاتلبث ان تنتشر قصيدته الرائعة ( شمعة العرس ) التي يصف فيها اللوعة فتناقلتها الالسن فماً عن فم قبل ان تنتشر على صفحات الجرائد , وهي ما نشرتها مجلة العرفان فيما بعد فلم يبق بالنجف من المتأدبين والادباء من لم يستظهر هذه القصيدة التي يقول فيها )
شمعة العرسِ ما أجدت التأسّي أنتِ موقودةٌ ويطفَأ عرسي
أنتِ مثلي مشبوبةُ القلبِ لكنْ من سناكِ المشؤوم ظلمةُ نفسي
يا رعى اللهُ للزفاف شموعا يتهافتنَ حول نعشٍ ورمس
عكست حظَّها الليالي فذابت خجلاً تسقط الدموعُ بهمس
هكذا ذاب باحتراقٍ فؤادي هكذا سَوْرةُ الدموعِ برأسي
جلوةٌ «أم مناحة» لنجومٍ يتناثرنَ بين سَعْدٍ ونحس
كان حَدْسي تذكو الأماني شموعا والليالي خيّبنَ ظنّي وحدسي
الرجا كان شمعةً فتلاشى وانطفا صارمُ الرجاءِ بيأس
أجفلتْ دهشةُ المصابِ الغواني فتطالعنَ من سُتور الدمقس
تتبارى بخشعةٍ وانصداعٍ تطأ الأرضَ بارتباكٍ وهَجْس
كنجومٍ تَكّدرتْ فتهاوتْ من سماءٍ إلى حظيرة قُدْس
فوجئتْ بالبكاءِ مذ جمد الدَّمْـ عُ تباكينَ باحورارٍ ولَعس
أبدلوها عن المنصّة نعشا طالما ضمَّ ربَّ عرشٍ وكُرسي
وترى نعشَها كباقة وردٍ تتهادى الأكفُّ فيها بخَلْس
رقدت رقدةَ النديم بجنب الـ ـكأسِ في ساعة ارتياحٍ وأُنْس
وبحضن الربيعِ أغفتْ فماتتْ مِيتةَ الوردِ في ذبولٍ ويُبْس
رفرفت حولها البلابلُ خرسا وبكاها نزعُ الحُليِّ بجَرس
حزنُ وادٍ وارى شبابَكِ ألا ينبتَ الوردُ فيه من كلّ جنس
أسفاً يُخرج الربيعُ الرياحيـ ـنَ من الترب وهْيَ في التُّرْب تُمسي
وكثيرٌ في ذا الترابِ رياحيـ ـنٌ، تعطّلنَ عن نباتٍ وغرس

آه ... لحال هذا الحالم فقد تواصلت المصائب وكأنها تخبره ان كل حياته ستكون على هذا السياق فلم يعد البكاء مجديا ً ولا العويل مفرج هما ً , ربما سوف تقضي عليه هذه الحادثة بالكامل وتقضي على اماله واحلامه , ربما سوف يفرح الشانئون والمبغضون , وسوف يحزن المحبون والمنصفون , وبين كل هذه الشجون ينتفض الشرقي على حاله وعلى حواليه وكأنه يقول كما قال محمود سامي البارودي :
ما غيرتني محنةً عن خليقتي ولا حولتني خدعةً عن طرائقي
ولكنني باق على ما يسرني ويغضب اعدائي ويرضي أصادقي
فلوعة بعدي عن حبيب مصادقٍ كفرحة بعدي عن عدو مماذقي

علي الشرقي ذلك الجسور لعبور المحنة , يتقدم , ويتقدم نحو التألق وباصرار هذه المرة لكي يخطو خطوات نحو مستقبله المنشود وهدفه الاسنى انه يلف الزمن ويطوي المحن لكي يكون هو علي الشرقي لاتحركه العواطف ولا تهزه العواصف , ولا تخفيه الايام المضلمة . فوثب بعد هذه الحادثة المؤلمة وثبة من شمّر عن ساعديه لكي يسبح في ماء البحر الهائج واتاح لاساريره ان تنفتح لكي ينفتح امام هذا العالم المملوء والمغمور بالمشاريع الحضارية الهادفة , والنزعة الشعرية الصادقة .
فيكتب عددا من القصائد الغزلية جريا على طريقة القدماء فهو يذوب ولو في خياله بالجمال ويجرأ وهو رجل دين كبير على قول اشياء تفصح عن عدم اكتراثه بمحيطه المتشدد فها هو يتغزل بفتاة جميلة ويدعوها لكي تسفر عن جمالها , الامر الذي يعد مروقا عن الاخلاق وهتكاً للستر . علما ً ان هذه القصيدة اتت بعد قصيدته شمعة العرس فيقول :
أقرأت مختلف السطور بين الترائب والنحورِ
سبحان من صبغ الخدود وقال للألحاظ جوري
ألحاظ ولدان سبت حورا فقل ألحاظ حور
أفدي أسيرة خدها إن كان تقبل بالأسير
ذهبت بقلبي ضائعا بين المضارب والخدور
أبت السفور فخالفت لك سنة القمر المنير
نشوى بكأس نعاسها سكرى بصهباء الثغور
أما بدت لك في الدجى نار الخليل بطور نور
فقل السلام فإنها أنوار طالعة السرور

لكن الهم الوطني كان هو الهم الاعلى والوباء الاجتماعي كان عنده الأجدى بالاهتمام ! يريد الشرقي ان يحلق بالناس ويابى الناس عليه الإرتقاء ! فأين حصاد ثورة النجف التي هزت العرش البريطاني ! وكيف رضي بعض الزعماء بفتات النصر لقاء رشاوى ومخالسات ! وكيف لعلي الشرقي ان يقود المفكرين والثائرين الى الساحل الذي ترسو عليه سفائن الحرية ! كيف يتحرك وثمة من يسيّر المظاهرات ضده ؟ وثمة مجالس مكرسة للنيل منه ! فهل يتنازل عن عناء الجماهير وسعيها الى الحرية بعد ان خاضت معارك التحرر ! بل ان المحتل خلق بؤرا للنزيف والتشظي ومن بين تلك البؤر يد معتدية تحاكي يده في الجذب والإقصاء ! ولقد هيأ هواه القومي الوحدوي وهو يرثي زعيما مصريا متنورا اسمه سعد زغلول لقد هيأ له هواه القومي ان يشيد بثورة فقراء العراق ضد المحتل الانجليزي ناصحا الشعب المصري الشقيق ان يقتدي بالشعب العراقي فيطرد المحتل عن اراضيه ! والشرقي الوطني لم ينس محنة الشعب الفلسطيني الذي كابد من الاحتلال الانجليزي فناضل ضده فاذا خرج الاستعمار وظن الفلسطينيون انهم غنموا الحرية وجدوا ان دولة للصهيونية قامت محل سلطة الاحتلال ! وذلك نوع من الغدر الذي يمارسه المحتل ضد الشعوب المغلوبة ! ثقافة الشرقي ووطنيته امتزجتا برؤيته القومية الحميمة فلا فرق بين العواصم العربية من وجهة نظر علي الشرقي ! لافرق بين الشام وبغداد ومصر والقدس ! وموقف الشرقي لايختلف عن رأي الفراتيين قاطبة والعراقيين كافة (موسوعة الدكتور عبدالاله الصائغ)
هنا يقول الشيخ علي الشرقي

بالشعب قد عاثت يدٌ عاديَهْ فجَدِّدوها نهضةً ثانيَهْ
واستقبِلوا الأعداءَ في وقفةٍ فيها نُعيد الوقفةَ الماضيه
جاءت لتحتلَّ البلادَ التي تُفدَى لها أرواحُنا الغاليه
خانت عهوداً قد وفينا بها وأظهرتْ غدرتَها الخافيه
لا عاصمَ اليومَ فقد جاءها طوفانُ أمواجِ الردى الطاميه
أوردها البغيُ حياضَ الردى وتلك عُقبى الأممِ الباغيه
بالأمس قَوّضنا ذرى عِزّها في حيث لم تبقَ بها باقيه
هل نسيتْ ما حاق في جيشه منا؟ ولا أحسبها ناسيه
في مَعْرَكٍ عجّتْ له لندن بالنَّوْح من ناعٍ ومن ناعيه
حتى بَنَيْنا صرحَ مجدٍ على أشلائها والرمم الباليه
شبّتْ على العُرْب لظى حربها فسوف تَصلى نارَها الحاميه
أين المفرُّ اليومَ من جحفلٍ جاثٍ لها كالهِضَب الراسيه ؟
تعضده من يعربٍ أُمّةٌ ثارت بها عزمتُها الذاكيه
كأنّ كأسَ الموتِ مستعذَبا لديهمُ كأسُ الطلا الصافيه
لا يرتضي الشعبُ سوى أهلِه حكومةً آمرة ناهيه
يا فئةً قد ولجتْ غابةً تحوطها آسادُها الضاريه
صبراً على الحرب فيا بئس ما جنَتْه منها يدُكِ الجانيه
لا تجنحي للصلح واستسلمي فآيةُ الفوزِ لنا باديه
لم تُغنِ عنكِ الطائراتُ التي قد حلّقتْ رائحةً غاديه
فإنّ في الجوّ لنا أَنْسُرا ما أنتِ من سطوتها ناجيه
سننتضي البِيضَ التي لم تزلْ تقطر من أوداجكِ الداميه
أيامُكِ السودُ أتتْ فاندبي وابكي على أيامكِ الزاهيه
أيامَ قد جُرْتِ فلم تسمعي صرخةَ شاكٍ منكِ أو شاكيه
وكم أرانا الدهرُ من دولةٍ قبلكِ جارت فغدتْ فانيه
كم دولةٍ دونكِ ضحّيتِها وكم عروشٍ سقطتْ خاويه
قد ذهبتْ تلك الأماني سُدًى وانقطعتْ آمالُكِ الواهيه
لا بِدْعَ إنْ أصماكِ سهمُ القَضا إنّ يدَ اللهِ هي الراميه
لا تلجئي للأرض من بعدما طاولتِ آفاقَ السَّما راقيه
أين العروشُ الشامخات الذرى ؟ أين قصورُ البَذَخِ الساميه
قَرّتْ عيونٌ كنتِ أبكيتِها مذ شاهدتْ أعينَكِ الباكيه
من مبلغٌ (مصرَ) وأبناءها لو أن فيها أُذُناً واعيه
قد حانتِ الفرصةُ فاستنجدي على العِدا بالهمم العاليه
وحَطّمي عنكِ القيودَ التي قد وضعتْها السلطةُ القاسيه
هذي (فلسطينُ) وجاراتُها هبّتْ فلبّتْ للهدى داعيه
ما هزَّها إلا صدى صيحةٍ من العراق انبعثتْ داويه
صوتٌ من الحقّ استجابت لهُ قاصيةُ الأقطارِ والدانيه
وأنتُمُ يا قومُ في مِصركم كأنكم لم تسمعوا الواعيه


وفي قصيدة أخرى يخاطب بها الوطن بأبيات تقطر عذوبة وشفافية وجمالا حيث يقول :


وطني المفدى أي سر - في هواك الطهر عالق؟
أمن الثرى هذي الدمى - ومن الورى هذي الغرانق
ومن التراب وما التراب - خلقت أوراق الحدائق
لله فيك عناية - جعلتك مخلوقا وخالق

والشرقي غالبا ما يلجأ ألى الرمز للتعبير عما يجول في نفسه من احتجاج على تلك الأوضاع التي كانت تسود في العراق . وشعره خال من السطحية والاسفاف والغموض والتعقيد , وهو يكثر من التشبيهات وله أسلوبه الخاص والمميز ويعالج موضوعاته بروح معاصرة بعيدا عن المباشرة والنقل الآلي بل حافل بالصور الجديدة والمبتكرة والمعاني المستحدثة والعبارات الرشيقة . وعندما ينشد الشرقي شعرا يعبر عن تجربة صادقة حية وفي المواقف الوطنية نراه يصعّد الحدث , ويثير المشاعر , ويلهب الأحاسيس لقضية عادلة ويجعلها في حالة تأجج وغليان . فعندما تطعن كرامة الأمة من قبل أعدائها , وتداس حقوق الشعب وتصبح خيرات الوطن نهبا للأجنبي الغاصب لايكون للشاعر الصادق مع نفسه ومع شعبه غير خيار الأستنهاض والثورة على هذا العدو الدخيل الذي لايمت ألى الوطن بصلة ويريد أن يتحكم برقاب الناس ظلما وعدوانا وقصيدة ( منجل الفلاح ) تعبر خير تعبير عن تلك الرؤى فهو يدين فيها أولئك الحكام الذين بنوا قصورهم الشاهقة والمنيفة وسعادتهم ونعيمهم الدنيوي على جماجم الفقراء والمسحوقين والمحرومين ويبين في هذه القصيدة الجميلة كيف سرق الحكام الطغاة قوت الشعب وهم غارقون في ملذاتهم ولهوهم وبذخهم دون الألتفات لمعاناة تلك الطبقات المسحوقة والمحرومة التي غدت جيلا من الأشباح حيث يقول في تلك القصيده:

أرهقت شدة المظالم جيلي
فأذا هم جيل من الأشباح
مالهذا الفلاح في الأرض روح
أهو من معشر من الأرواح ؟
هو في جنة ينال عذابا
وهو تحت الأشجار أجرد ضاح!
وقرى النمل لهف نفسي أثرى
من قراه ألا من الأتراح
ألى أن يقول :
رب قصر من فوق دجلة
كالطاووس للزهو ناشرا لجناح
أتراه مدته دجلة أنفا ؟
حين فاحت روائح القداح
نصبوه كمنبر من زهور
والمراقي كسوسن وأقاح
لو كشفنا أطباقه من أساس
لوجدناه منجل الفلاح !
أرهقته ضرائب باهضات
وديون ثقيلة الأرباح
لم يفده سلاحه فهو ليث
قتلوه صبرا بغير سلاح !
لو كشفنا عن قلب ذاك المعنى
لوجدناه مثخنا بالجراح !
علي الشرقي كان يمتلك حساً وطنياً صادقاً ونقداً جريئاً هادفاً كان يعترض على اعمال الصعاليك من المتخفين وراء الاسماء , و المتلبسين بالرياء , وما اكثر هذا الغثاء , في امة الضعفاء والجهلاء . الشرقي في ابياته التالية كأنه يلوح لنا من بعيد ان حاضركم كماضينا وما اشبه اليوم بالبارحة الكل يزعم انه يريد اصلاح البلاد , والكل يهشم بالبلاد , باسماء مختلفة والوان متعددة ومظاهر للتغير متنوعة لكن تبقى لغة الانا عند العربي والعراقي خاصة هي السمة البارزة فيقول ناقداً او ساخراً :
نهذي بإصلاح البلاد وفعلنا عط ومط
انظر لوضع بلادنا غلط يصحح في غلط
الفأرُ قرَّض ثوبَنا البالي ونتهم القطط

ويتحول الشرقي الجريئ الى نقد الاشخاص الذين يعتاشوا على ايهام الناس انهم خير من يعرف الله .

انظر إلى سبحته ترضى الذي أقول لك
شيطانه كخيطها بين الثقوب قد سلك
ما اسودت السبحة إلا لترينا عملك

هنا نقد واضح وصريح الى الذين يلهثون باسم الدين ولايعرفون عن الدين الا اسمه , تحسبهم يسبحون وهم غافلون ويصلون وهم ساهون .

علي الشرقي رجل الدين الحقيقي الذي يدعو الى احترم مبادئ الاخرين و دياناتهم , لذلك كانت له علاقة حميمية بين اهل الديانات الاخرى . مثل الاستاذ مير بصري والشاعر انور شاؤول وهما يهوديان اهدى الشرقي ديوانه عواطف وعواصف الى مير بصري فكتب هذه العبارات ( صديقي الأستاذ مير بصري بين يديك عواطفي وعواصفي بهيئة ديوان شعر يقول لك اذا جاز ان تحمل الفاكهة الى بستانيها فإني احمل اليكم هذا الاثر مع اخلاص صديقك علي الشرقي ) ! وقد بكاه مير بصري ( .. إيه ابا حسان ايها الانسان ..إني لأذكر ساعات واياما وسنين مضيئة قضيتها متمتعا بادبك الرفيع ولطفك الجم ومودتك الجميلة المتواضعة ... وإن انسى فلن انسى انني زرتك قبل مرضك القاتل وكان لديك جمع من الزوار فلما استاذنت بالخروج ومضيت في توديعي متفضلا الى الباب قلت لك اريد ان استشيرك في امور يا ابا احسان فاسمح لي ان ازورك في فرصة قريبة وقلت لي بل عد الآن وانا كفيل بصرف الزوار فنختلي ونتكلم ولكنني قلت لا داعي للعجلة وانصرفت ولم اعلم ان القدر يقف بالمرصاد وان زيارتي التالية ستكون للسؤال عن صحتك وانت راقد في الفراش تعاني اوصاب الداء الفتاك ثم دق جرس التلفون بعد ايام قليلة وكان نعيك الذي صك سمعي واضنى نفسي وادمع عيني ) والحق كانت هذه من اروع الكلمات واصدقها واروعها وهي تصح ان تكون مثالاً للواقع العراقي الحالي الذي هب فيه العراقيون لكي يدبغ جلد احدهم الاخر بعد ما قطعه ارباً قربة ً الى الله تعالى !! .
حكى الدكتور السيد مصطفى جمال الدين ان مجلس الشرقي يوم الجمعة يبتديء مبكرا مع الصباح فالجميع يتناول معه القهوة ثم تتوالى صواني الإفطار ! وكان الشرقي يستثقل مجيء احد الشيوخ السذج وكان الشيخ الثقيل اسمر البشرة مع بثور الجدري وهو لايفهم ولايقرأ ولكنه كثير السؤال والإلحاح ! ومرة كان الشرقي محتدا يتحدث عن شان عراقي يؤلمه ويريد ان يتعرف على رأي جلسائه ! وكانت عادة الراغب في السؤال او الحديث ان يرفع يده فإذا سمح له الشيخ تكلم ! فرفع الشيخ الثقيل يده فظن الشرقي انه سيتحدث عن الشأن العراقي فقال له الشرقي تفضل مولانا ! فنهض الشيخ يرعش وقال له : بأدبية شيخنا عندي سؤال فقال له تفضل فسأل شيخنا : اهل بغداد شنو الذي ياكلوه وتصير وجوههم متفحة وبيضة ؟ فأجابه الشرقي على الفور : اول شيء انت اجب على سؤالي لك والدك الله يرحمه شنو الذي كان ياكله بحيث طلع وجهك مثل الخبزة المحروقة . ! ويروي الشيخ علي الشرقي في مجلسه الصباحي حكاية تتعلق بالإساءة اليه وقدرته على تحويل المؤلم الى نكته تضحكه . صيف 1935 حصل هياج في مدن النجف والكوفة وكربلاء مظاهرات وخطابات وهوسات وكان ذلك احتجاجا على اجراءات حكومة علي جودت الأيوبي بشان العتبات المقدسة وكان يقود المحتجين المدنيين سماحة الشيخ عبد الكريم الجزائري والمحتجين القرويين الزعيم الشيخ عبد الواحد آل سكر ! وفكرت الحكومة بتهدئة الحال والتفاوض معهم . وفي هذا الحال ضغط الشيخ علي الشرقي على صديقه جودت الايوبي بما يشبه التوبيخ وانتصر للمحتجين في النجف فقررت حكومة الأيوبي أن ترسل الشيخ علي الشرقي لتهدئة الخواطر والتفاوض حول مطاليب المحتجين .
حين كان علي الشرقي قاضيا في المحكمة الشرعية بالبصرة زار بيت صديقه السيد عباس شبر فتناول الافطار معه في حديقته فابصر من خلال السياج الحديدي المشبك خندقا عميقا تتجمع فيه المياه الضحلة فكتم الأمر في نفسه وهو لايعلم ان هذا الطبر ضروري لحماية بيوت المحلة كاملة من الغرق وقت الامطار ! وما إن غادر الشرقي المكان حتى هاتف متصرف اللواء ( المحافظ ) وطلب اليه الإيعاز بردم الخندق فورا ! وهكذا لم تغب الشمس الا والخندق قد ردم بالكامل وبعد أيام امطرت الدنيا وفاضت بيوت المحلة ومنها بيت السيد عباس شبر فسأل السيد شبر المتصرف عن السبب في ردم الخندق فأخبره ان صديقه القاضي طلب ردم الخندق حتى لايكون مصدر ازعاج لك فضحك السيد شبر , وشر الأمور ما يضحك وخابر صديقه الشرقي وقرا له قصيدة مطلعها :

فضل الصديق على المحلة جاري فمضى ليردم للشتاء مجاري
وكذا علي إن أحبَّ فدأبه جذب الصديق للذة الأسفار
قل لي اذا كانت لديك رسالة فلقد نوت داري على الإبحار

فضحك علي الشرقي وطلب الى المتصرف إعادة الخندق الى سابق عهده .
والشاعر علي الشرقي يختار اصفياءه على مقاس طباعه ومبادئه ايضا ! وكل اصدقائه اعلام كبار مثل الدكتور صالح جبر وسعد صالح جريو والشيخ خيون آل عبيد وعبد الله القصاب وحميد خان وعبد الحسين الازري وجعفر الخليلي وعبد الرزاق الحسني وعبد المحسن السعدون ومحسن شلاش ورشدي الجلبي ومن هؤلاء الشاعر الكبير مثل الازري والكاتب الموسوعي الكبير عبود الشالجي والزعيم الوطني العظيم سعد صالح ورئيس الوزراء مثل صالح جبر ! ويروي صديقه الاستاذ جعفر الخليلي ان السعدون هو الذي رشح الشرقي نائبا على لواء المنتفك بيد انه لم ينجح فغضب السعدون على فيصل الاول والسعدون حاد المزاج والملك هاديء الطبع فقرر الملك تعيين علي الشرقي قاضيا ممتازا وبراتب يعادل راتب وزير ! فطاش طيش حساده فخرجوا في مظاهرات صاخبة خشية على بيضة الدين من قضاء علي الشرقي وهم يعرفون نقاء الشرقي وتعففه وعمق تدينه ولكنه الحسد وكان الله في عونهم حين اصبح الشرقي وزيرا وزعيما وطنيا كبيرا , واعتقد ان اروع شيء رد به الشرقي خصومه بعض من ابيات الشعر التي يقول فيها :


ذممتُ التعصبَ من قبل ذا * وها انا في ذمه لاهج
دعونا نوسع آفاقنا * ليقبلنا المزج والمازج ُ
اقولُ وقد سالتني الرفاقُ * أأنت على وضعنا خارج ؟
أبى الثمرُ الفجُ عن أصله * فصالاً وينفصل الناضج

يقول صديقه المؤرخ الكبير الاستاذ مير بصري : كان الشيخ علي الشرقي متواضعا انيس المحضر لايانف وقد اصبح شاعراً عربياً ووزيراً عراقياً مرموقا ان يتحدث عما لقيه في صباه وصدر شبابه من ضيق وشظف عيش !.. كان عاطفيا سريع الانفعال في حياته الشخصية والادبية وقد اثر فيه يتمه ونشاته الصعبة في البيئة النجفية الجامدة تاثيرا عميقا ولذلك نرى شعره يختلف اختلافا بيناً عن شعر معاصريه بكثرة مجازاته وايماءاته وصوره الغريبة وحدبه على الفقراء والفلاحين والكادحين فهو يصبو الى الحرية والأنطلاق ويرنو الى آفاق بعيدة خارج مجتمعه فيحمل على رجال الدين المتزمتين ويداعب الافكار الحرة الجديدة التي انبعثت من النهضة الفكرية في مصر ولبنان .. ويقول صديقه البروفسور دكتور مايكل همبل الذي نال الدكتواره الأولى في جعفر الخليلي والأخرى في علي الشرقي ص 365 : علي الشرقي ذو سحر عجيب على جلاسه ! فذاكرته واسعة جدا ! وبديهته حاضرة تنجده فورا ! وله وسيعتان تقدحان ذكاء وفطنة غالبا ومكرا احيانا ! خلال اقامتي معه لبضعة ايام اكتشفت انه يقرا اكثر مما يكتب ويسمع اكثر مما يتحدث ! يطوي جناحيه على جروح فاغرة بسبب الحملات النشطة التي نهضت ضده من مدينته وابناء طائفته .
ويقول اقرب الناس اليه الأستاذ جعفر الخليلي والشرقي عف اللسان كريم النفس فيما يقول ويكتب وقد تعلمت منه مخاطبة من هو في عمري ومن هو اكبر سنا مني ومن اريد احترامه بيا سيدي في الكلام وفي الكتابة وهي في لسانه كلمة حلوة عذبة تشعرك بانه لايقصد التواضع حين يخاطبك ياسيدي وانما يقصد به احترامك واجلالك لا غير .

من اشعاره التي ذهبت مثلا ً عند الناس هي :

حتى اذا حم الكفاح -- نبا السلاح المبتذل
وتكسرت فوق الصخور -- قرون اكباش الدجل
اما البطولة فهي في -- افواهنا لما تزل
قومي رؤس كلهم -- ارأيت مزرعة البصل

يقول الاستاذ غالب طعمه :
علي الشرقي شاعر كبير ذو نفس كبيرة ووطنية صادقة وقلب خفاق واحساسية مصورة تشعر بخفايا الاشياء وتنفذ الى اعماق اعماق الوضع , فهي طبيعة خالدة تلاها نفوس الشعراء الملهمين الواعين والمتطلعين الى الافق الواسع في الحياة السعيدة للمجموع العام وتفكر التفكير الواسع في الوقائع . علي الشرقي شاعر الطليعة المتحررة والرعيل الاول وتلك اتم تسمية وافية للشاعر تعبر عن الدور الذي قام به .
بعد هذه المعاناة الطويلة والعمر الذي كرسه في خدمة وطنه واهله وشعبه أفلت شمس الشيخ علي الشرقي في 1964 مخلفاً ارثا خالداً وثقافة خلاقة وادباً جماً مع روح الاصرار الى الوصول الى نهاية الطريق .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,893,902
- روافد عراقية .. من محافظة الناصرية علي الشرقي 1
- علماء الاسلام . واستحمار المسلمين . قراءة في خطاب الشيخ القر ...
- العراقيون وحراك الثورة ..


المزيد.....




- -البانشيات- في الهند.. مجالس لشيوخ ووجهاء القرية تقوم بالفصل ...
- مصر ترفض قانون -الدولة القومية- في إسرائيل: يكرس مفهوم الاحت ...
- أولى ثمار التعاون الفرنسي الروسي في سوريا
- بوتين وماكرون يبحثان تقديم مساعدات إنسانية لسوريا
- انتخاب باولو كاسادوا رئيسا لحزب الشعب اليميني في إسبانيا
- كرة بوتين تحت المجهر
- رئيس الصين يغادر الإمارات بعد توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم ...
- 8 وجهات نظر مختلفة بشأن "إفريقية" المنتخب الفرنسي ...
- مقتل 10 عناصر بالحرس الثوري الإيراني قرب الحدود العراقية
- من هي كارين ماكدوغال بطلة -التسجيل السري- لترامب؟


المزيد.....

- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- الديانة الزرادشتية ملاحظات واراء / د. اسامة عدنان يحيى
- من تحت الرمال كعبة البصرة ونشوء الإسلام / سيف جلال الدين الطائي
- فنومينولوجيا الحياة الدينية عند مارتن هيدجر / زهير الخويلدي
- رمزية الجنس في أساطير ديانات الخصب / محمد بن زكري
- نظام (نَاطِر كُرسِيَّا) - القسم الثالث والأخير / رياض السندي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى العمري - روافد عراقية .. من محافظة الناصرية علي الشرقي 2