أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد ابو حطب - الفزاعة/قصة قصيرة ليست للكبار ولا للصغار...















المزيد.....



الفزاعة/قصة قصيرة ليست للكبار ولا للصغار...


عماد ابو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 3312 - 2011 / 3 / 21 - 13:06
المحور: الادب والفن
    


تآملت العجوز ما حولها،كل شيء كان ساكنا ،الملل تسرب اليها.باتت الوحدة ملازمة لها،فاهل القرية لم يطرقوا بابها منذ سنوات ،منذ ان انتشر في الانحاء انها تمتلك قدرة على ممارسة السحر،مع انها لم تدر كيف علم هؤلاء بذلك مع انها لم تمارسه منذ سنوات طويلة.وقفت امام نافذتها الصغيرة،كانت السماء تمتد الي مالا نهاية،والبيارات لم تعد كالسابق،قضمتها البنايات،وما تبق منها يصارع للبقاء علي قيد الحياة.تأملت حاكورتها الصغيرة التي تزودها بالطماطم والخيار والنعنع ...ارتبكت وهي تشاهد انها تعرضت لغزو الطيور،التي عاثت فيها فسادا .حزنت للامر وعادت مهمومة الي الجلوس علي" الطراحة" الملقاة علي الارض.لم تدر ما تفعل،تذكرت ان اباها كان قد صنع يوما ما منذ خمسين عاما خيالا للمآتة،وكما يسمونها اليوم فزاعة،لاخافة الطيور وطردها،بحثت عنها في السقيفة،لكنها لم تجدها،حاولت ان تتذكر اين انتهي مصير الفزاعة لكن ذاكرتها قد اصبحت كالغربال المثقوب،لا يعلق بها شيئ.بعد وقت ليس بالقصير تذكرت ان اخر مرة شاهدت خيال المآتة كانت وهي طفلة،حينها دمر الفاسدوناقساما واسعة من بيارتهم وداست احدي الياتهم فوق الخيال المنتصب في منتصف البيارة.يومها بكيت عليه ،فقد كانت كثيرا ما تلجأ اليه شاكية حينما تغضب من امها او ابيها او احد اخوتها.من يومها قضم بيارتهم قطعة قطعة ،ولم يبق منها الا هذه الحاكورة الصغيرة المحيطة في المنزل والمحاذية لتلك المباني الملعونة الممتدة كالسرطان في كل مكان.والتي بات سكانها يضايقونها كل يوم،احيانا يرمون قاذوراتهم فيها ،وكثيرا ما كانوا يتركون كلابهم تعيث فسادا في مزروعاتها وتدوس ازهازها،كانت قد احتملت مضايقات السكان كثيرا،لكنها الليلة شعرت بالاختناق وأن الكيل قد طفح.اخذت قرارها .ستصنع خيالا للمأتة لاخافة الطيور والغربان،والاهم اخافة جيرانها السيئين ،لعله يرعبهم ويبعدهم عن ما تبق من حاكورتها الصغيرة.

نهضت باكراً كي تصنع فزاعتها بعد ان حددت مكان نصبها في وسط الحاكورة.قررت أن تصنع فزاعة تشبه كثيراً رجلاً حقيقياً. فهي كانت فيما مضى من أمهر الساحرات في انحاء البلاد قبل ان تعتزل السحر وتعود الى قريتها بعد ان اصبحت عجوزا ستينية, كانت تعلم ان الامر سهلا ولن تبذل سوى جهدا بسيطا لصنع فزاعة تخيف أي مخلوق حتى ولو كان مسؤول الامن اللئيم ..

كان مزاجها رائقا لدرجة كبيرة،لدرجة انها ولاول مرة منذ اعوام تشعل لفافة تبغ دون ان تشعر،وهي عادة كانت تلازمها في الماضي حينما تنهمك في السحر،فقد كانت جمرة اللفافة تزيد من انهماكها وكثيرا ما كانت تستمد منها قوتها.وفي بعض الاحيان كانت تجعل من النار المشتعلة مجالا لخلق ما لا تستطيعه .وما ان ينعكس لمعان جمرة اللفافة في حدقة عينيها.حتى تشتعل لعنة السحر في اناملها.فكرت قليلا بما ستصنعه،لقد حسمت امرها بصناعة شيء جميل،حازم،مخيف،ينشر الرعب في جوانب كل من يقترب منه.لكن قلبها لم يلبث ان رق وقالت :

"لا أحب أن أضع على عتبة بيتي شيئاً مرعباً, كما أنه لا داعي لأن أخيف الأطفال".

وهكذا بدأ مزاجها بالتبدل وقررت بدلا من صنع فزاعة شريرة الملامح صناعة خيالا للمأتة على هيئة رجل جميل.تفحصت عصا المكنسة جيدا،فهي اهم ما ستعتمد عليه.العصا ستكون بمنزلة العمود الفقري لمخلوقها الجديد،وتلمست العصي الصغيرةوالمقابض التي ستشكل منها اليدين والقدمين.ثم ربتت على كيس الفنبز المحشو بالقش،لتعرف حجم وشكل الجسم الذي ستشكله.وتوجهت الى المطبخ لاختيار اليقطينة الصالحة لتشكل منها

الرأس.اختارت يقطينة مستديرة منتظمة الجوانب كقرص القمر حفرت فيها حفرتين على شكل العينين, وحفرة ثالثة كأنها فم. وثبتت كتلة زرقاء في وسط اليقطينة مكان الأنف. تاملت الوجه قليلا وسرعان ما بدات تضع لمساتها السحرية عليه ،تجمله وتحسن تكوينه غتي بات الوجه جميلا نظرا يشد الانتباه،فقد بات يمتلك عينين سوداويتين كبيرتين واكتست ملامحه نظرة ساحرة لا يمكن مقاومتها. نظرت الساحرة إلى الوجه الذي صنعته. وتمتمت:

" لقد رأيت وجوها أسوأ من هذا الوجه على أكتاف أناس. وكثير من المدعين رءوسهم مثل اليقطين أيضاً!. بمثل وجه كهذا ستحكم البلاد ..يجب أن تكون ملابس فزاعتي فاخرة."بدات في قص قماش فاخر كانت قد ابتاعته منذ سنوات

طوال،انجزت في وقت قياسي بدلة بدت كآنها وقد ابتيعت من افخم دور الازياء.ثبتت علي اليقطينة شعراً مستعاراً، ووضعت فوقها قبعة طويلة..ثم اشعلت لفافة تبغ جديدة وهي ترنو بنظرة الأمومة نحو اللعبة وتحدث نفسها:"له وجه إنساني رائع.. من السخف أن يقف في الحقل لمجرد أن يخيف الطيور والغربان.. إنه جدير بعمل أفضل.. لم لا أعطيه فرصة في هذا العالم الذي يعج بأمثاله من رجال القش والأصدقاء الفارغين?!".وهكذا قررت ان تهبه الحياة،سحبت من لفافتها بعمق حتي اصبحت كالجمر ونفثت الدخان في الفزاعة وتمتمت ببعض الكلمات السحرية فإذ بها تتحرك وتدب الروح فيها.لقد فعل السحر فعله، فوجه اللعبة الأصفر الجاف الذي لم يكن وجهاً على الإطلاق، بدأت تظهر عليه ملامح إنسانية.خاطبت الفزاعة قائلة:"منذ هذه اللحظة اصبحت كائنا قادرا علي فعل كل شيء،لكنك يجب ان تنتبه الي امرين ففيهما حياتك،الاول ان تبقي جمرة اللفافة مشتعلة فمنها تستمد حياتك،وان لا تنظر ابدا الي اي مرآة ففيها مماتك،وتظهر حقيقتك كفزاعة ولن تهرب منها."وما ان اومئت الفزاعة بالايجاب حتي قالت:"لقد صار لك هيئة رجل.. إني آمرك أن تتكلم". بذلت الفزاعة جهدها فاستطاعت بصعوبة أن تصدر صوتاً منخفضاً:

" أمي لا تقس علي. لقد عزمت على أن أتكلم. ولكنني لا أجد ما أقوله وأنا لا أملك عقلاً."

ابتسمت العجوز وقالت:"يا صغيري الذي لم الده ،انت تعلم انني وحيدة دون ولد او تلد ،لكنك منذ اليوم اصبحت كل عائلتي،وبمقدورك أن تتكلم وأن تتفوه بآلاف الكلمات وترددها آلاف المرات وأنت لا تعني بها أي معنى.العالم مليء باصحاب الرؤوس الفارغة والذين لا يفقهون من الدنيا الا بضع كلمات يرددونها كالببغاء،أما أنت فسأعلمك كل الحكمة،وسأعلمك كيف تسوس البشر وتقودهم الى ابد الابدين ستخرج الى العالم الخارجي لتحكمه،لكن اياك ان تنسى ما حذرتك منه،ففيه نهايتك الاكيدة".

أجابت الفزاعة:"سأنفذ أمرك يا أمي"

ابتسمت العجوز وطلبت منه أن يخزج الى العالم،وطلبت منه ان لا يخشى العالم الخارجي الذي لا يوجد فيه رجل منكل مائة رجل،أفضل منه . وطلبت منه أيضاً أن يعتبر نفسه من أفضل رجال المدينة.ثم زودته بمبلغ كبير من المال لمساعدته على ولوج العالم الجديد.توقفت قليلا لتبلغه وصيتها الاخيرة:"ليكن قلبك قاس كالحديد،لا ترحم احدا...."

أشعلت الفزاعة لفافة تبغ وبدأت تدخنها باستمتاع، وكانت تهز رأسها كلما وجدت ذلك مناسبا،او تتفوه بكلمات تلائم الحالة مثل: حقا? في الواقع!.بالتأكيد!.

أجاب الرجل/الفزاعة بصوت عال وهو ينفث الدخان: "لا تخشين من شيء. سأتصرف مثل رجل شريف !." أجابته العجوز وهي تضحك بكبرياء: "إنك تتقن دورك جيداً. يالك من فتى ماهر. "

خرج الى الشارع الرئيسي في المدينة،لاول مرة تطأ قدماه الشارع.كان الوقت صباحا،الهدوء يلف المكان.عمال يتجمعون في زاوية ينتظرون فتح احدى بوابات العبور للعمل ماوراء الجدارالذي يفصل منازهم البائسة عن الاحياء الفخمة المجاورة .

بضع رجال متسولون يفترشون احد الارصفة باسمالهم الممزقة الرثة،نسوة يكنسن امام بيرتهن،اطفال حفاة يلعبون في الشارع الذي ضاعت معالمه ما بين الترابي والمزفت..حينما اقترب من الجمع وقفوا مشدوهين،فهم للمرة الاولي في حياتهم يشاهدون انسانا يبدو جليا انه ليس من عامة القوم،هو اقرب الي الوزراء او علية القوم وربما يكون مليارديرا هبط عليهم من السماء.

كان ينظر اليهم مبتسما،لكن عيناه كانت تلمعان وتشدان القوم للمشي من خلفه،لم تمر الا لحظات قليلة حتي تجمع خلفه المئات.كان اللغط يتزايد،صوت ارتفع بين الجمع صارخا:من المؤكد انه رئيس الوزارء،الا ترون لابسه الفخمة.ردت عليه امرأة متسولة :انظروا الي حسن ملامحه..لا بد انه ملاك ارسله الله لانقاذنا من البؤس والشقاء الذي نعيش فيه.وقاطعها شاب في اول سنوات مراهقته: لم أر في حياتي من يتمتع بعظمة مظهره.ومع تزايد الحشد من حوله ازدادت التكهنات حول شخصيته واحتشد الخلق من حوله حتى اصبح الشارع كيوم الحشد.

بين هذه الأصوات المعجبة المندهشة، ارتفع صوتان شاذان عنها: نباح كلب اقترب من الغريب وشم عقب قدمه، ثم هرع فزعا إلى فناء سيده وهو ينبح نباحاً غريباً. أما الصوت الثاني، فكان بكاء طفل، فزع عندما شاهد الغريب،فركض الي حضن امه وراح يتمتم بعبارات مبهمة عن اليقطين وفزاعة من قش!.
ما ان وصل الرجل ساحة المدينة حتى كانت قد اكتظت بالخلق،الغني قبل الفقير والكهل سابق الشاب،والنسوة اقبلن مسرعات،وحدهم الاطفال ابتعدوا عن الساحة ووقفوا خائفين من ذاك الغريب،متمتمين بعبارات غامضة لم يفهمها احد.

بقلب ميت وعينين مشتعلتين،وقف امام الجمع،احس ان صوته سيخونه،لكنه سرعان ما تذكر نصيحة العجوز:"بمقدورك أن تتكلم وأن تتفوه بآلاف الكلمات وترددها آلاف المرات وأنت لا تعني بها أي معنى.العالم مليء باصحاب الرؤوس الفارغة والذين لا يفقهون من الدنيا الا بضع كلمات يرددونها كالببغاء."وهكذا قفزت الكلمات كالسيل الهادر من فمه.في احيان عدة لم يكن يعي ما يقول،الا انه كان يراقب ردة فعل الحشد علي كلماته.كان قد قرر ان يعلن ان ماله مقدم لمساعدة المحتاجين فإذ به يقول:"لم يعد بالامكان السكوت على هذا الحال،القلة تملك كل شيء،وانتم لا تملكون حتي القبر،لا بد من الثورة...لا بد من الثورة."

لا يدر كيف اصبح صوته يهز الميدان ويصل الى كافة انحاء المدينة،وكلما علا صوته كلما احتشد المزيد من الخلق حتي لم يبق موطئ قدم في الساحة الرئيسية او الشوارع المتفرعة عنها.كان يقاطع بالهتافات من حناجر صدئت ولم تسمع صوتها منذ ازل التاريخ،كان الخوف قد ربطها فجاءت كلماته لتمهد الطريق امامها للخلاص من ذاك الخرس الابدي الذي عانت منه.في البداية كانت اصوات الناس مترددة هامسة،لكنها باتت اقوى ومليئة بالثقة..كانوا في البداية يهمهمون دون ان تستطيع تمييز كلماتهم..لكن سرعان ماوضحت الكلمات :
غلو السكر غلو الزيت ..كفاية عليهم خربوا البيت...اصرخ يا شعبي و علي وقول...مش لاقين حتى الفول...هما بياكلوا حمام وبط ... وكل الشعب جاء له الضغط..."

ابتسم لطرافة الشعارات ،لكن ابتسامته سرعان ما ماتت علي شفتيه حينما سمع هتافا مدويا اطلقه متشرد في الصفوف الاولى من الجمع:لا بد من الهجوم علي القصر واقتلاع الطاغية...وفجأة لم يعد علي لسان الحشد الا هذا الشعار:"ع القصر رايحين شهداء بالملايين".

لم يشعر الا وهو فوق اعناق المتظاهرين الذين اصبحوا كالوحوش الكاسرة واستداروا باتجاه قصر الرئيس،وكلما ساروا بضعة خطوات كلما انضم اليهم المزيد من البشر.بات هو الزعيم دون ان يخطط وقائد المنتفضين.

حل به الرعب،ماذا ان اكتشف الخلق انه ليس اكثر من فزاعة مصنوعة من قش وحطب?من المؤكد انه سيكون طعاما لنار مشتعلة.فوجئ حرس القصر بالجموع التي احاطت بالقصر ،فلاول مرة منذ عقود يجرؤ انسان على رفع صوته في الشارع.ولم يعرف تاريخ البلاد ، منذ ان رفع شبل علم الوطن فوق مآذنها ايذانا بطرد الاحتلال ،ان خرج طفل او رجل او امرأة ليعترض علي قرارات سيد البلاد ،بطل التحرير والمختفي منذ سنوات طوال عن الانظار .حتى تهامس الخلق ان من يحكم البلاد شبح القائد الذي الهج الشيوخ علي مر السنوات بالدعاء ان يعجل الله فرجه ويظهره من غيبته الكبرى .لقد بات الشعب يتندر كيف باتت هيئة القائد،فهم لم يشاهدوه منذ اكثر من ثلاثين عاما،ولا يعرفون الا صوره وتماثيله الموزعة في كل الزوايا،حتي علي مدخل ماخور المدينة وضع تمثال نصفي يظهره منتشيا ورافعا علامة النصر.

لهذا وقع الحرس في حيرة من امرهم،هل السيد في القصر ام انه وكما يشاع قد توفى وان شبحه هو الحاكم بامر الله.وهل يخاطرون بحياتهم من اجل جثة وشبح?.العديد منهم حسم الامر سريعا واطلق لساقيه العنان.

اما من بقي وامام جحافل المتظاهرين لم يكن امامهم الا الاختباء.حينما حطم المتظاهرون بوابات القصر ودخلوه،كان العاملون في القصر قد اختفوا،وكأن الارض قد انشقت وبلعتهم،فهم كانوا قد تسللوا منذ ان علموا بتوجه المتظاهرين الي القصر،وغادروه من نفق سري كان قد جهز منذ اعوام طويلة لهروب القائد قبل غيبته الكبرى.كان مازال محمولا علي الاكتاف.في باحة القصر رفع صوته امرا الجميع ان يتوقفوا.حين حاول البعض الهجوم علي محتويات الباحة وتحطيمها نظر اليهم من عينيه المشتعلتين كالجمر وصرخ:توقفوا ولا يمس احدا اي شيء بالقصر فهو ملك للشعب.تجمد الجميع،ففي صوته كانت نبرة القائد.امر الجميع بالبقاء في الباحة واختار من بين الحشد عشرين شخصا قسمهم الي مجمعتين،الاولي كانت مهمتها البقاء في الاسفل للجم المتظاهرين ومنعهم من تخريب محتويات الباحة او سرقتها،اما المجموعةالثانية فقد كان علي رأسها وكانت مهمتها ايجاد القائد والقبض عليه.جالوا في غرف القصر جميعها،دون طائل،لم يكن للقائد من أثر،ولم يكن حتى للحاشية من اثر،لقد اختفي الجميع،كأن القصر اصبح مقبرة يلفها الصمت.لفت انتباهه الي ان من غادر علي عجل قد حمل معه من القصر ما خف وزنه وغلا ثمنه،حيث كان مكان العديد من التحف قد اصبح خاليا.لم يتبق امامهم من مكان للبحث الا المخدع ،لم يكن من حارس علي الباب ،مجرد كرس خال وباب موصد.فتح الباب ودخل الجميع،كانت الستائر مسدلة،عتمة تملأ المكان لا تتيح للعين ان تبصر امامها.ما ان ازاح احدالستارة حتى تسلل شعاع من الضوء اتاح للجميع التعرف علي المخدع.ما ان التفت صوب السرير حتى تجمد من الخوف.لقد كان ممدا هناك،بعينين مفتوحتين تترقبان الجميع،لم تكن هيئته تختلف عن الصورة المثبتة فوق السرير ،مع انها تعود لثلاثين عاما،الا ان السنين لم تترك اي اثر علي محياه.ارتبك الجميع وانتابهم الخوف.لكن القائد كان ممدا بلا حراك،ما ان استجمع قواه واقترب من السرير حتي انتابته نوبة من الضحك الهستيري.لقد اكتشف ان القائد الذي حكم البلاد من عقود ليس اكثر من مومياء محنطة،لقد كان شبحه يحكم العباد دون ان يعرف احد الا ثلة من بطانة حكمت باسمه من خلف الستار.هبط مع مرافقيه الي الباحة واعلن ان القائد لم يكن الا شبحا حكمهم من جثة محنطة حتي انتاب الغضب الجميع وما ان شاع خبر القائد المحنط حتى هاج وماج الخلق،ولم يعد يعرفون ماذا يفعلون الى ان دوى صوت من وسط الباحة لمتشرد اشعث يرتدي اسمالا بالية:لنجعل السيد قائدا لنا،فهو من اماط اللثام عن سر الحاكم،وهو كما نرى اجدرنا بالقيادة،همهم الجميع وما لبثوا ان هتفوا بحياة القائد الجديد،لم يسأله احد عن فصله وأصله فمنذ زمن بعيد عندما عاد المنفيون الي البلاد اختلط الحابل بالنابل ولم يعد يعرف اصل او فصل احد ،فجميع من عادوا كانوا يحملون اسماء

وهمية ،لهذا خيل للجميع ان السيد ليس الا منفيا ارسلته السماء لهم،متأخرا،ولكن لحكمة الاهية جوهرها كشف سر القائد المختفي في غيبته الكبرى.اطمئن السيد المحمول علي الاعناق الى ان سره لن يكتشف،وابتسم حين تذكر من صنعته وارسلته في دروب المدينة،لقد كانت علي حق،فليس هنالك في المدينة من هو احق منه في التسيد علي العباد.
تظاهر بالتمنع،فحكم البلاد مسألة شاقة كما ردد بخبث امام الجموع،وكلما تمنع اكثر علا هياج العامة وهتافهم بحياته.رضخ امام رغبة الحشود التي ملئت المكان والتي قدرت بعشرات الالاف،لكنه اشترط شرطا وحيدا:ان تطلق يده في البلاد لاعادة اعمارها ولجعلها قبلة للعالم في تقدمها،ففي كل حارة سيبني مدرسة ودار حضانة وبيتا للمسنين ومصنعا وسيطلق حالة من التواصل المبدع ما بينه وبين الشعب عبر السماح للمعارضة بتأسيس احزابها وخوض الانتخابات دون اي تدخل او تزوير.استبشر الجميع ،فقد ولى عهد الظلام وسيبزغ نور الحرية والرخاء علي يد السيد المنقذ.

رتب السيد اوراقه بدقة واختار معاونيه بدقة،كان معياره الوحيد الوفاء لشخصه،اختار معظمهم من متسولي البلاد،وهكذا شكل فرقا كاملة من العسس والجواسيس والجلادين لا مهمة لهم الا امساك البلاد بيد من حديد تحت حكم سيد العباد.في اشهر قليلة باتت البلاد في سجن كبير،تحكم بالحديد والنار.وسرعان ما ازداد الفقر وعلا استياء السكان من سياسة السيد.باتت الشائعات تنتشر حول اصل السيد،فمنها ما اشار الي ان ثروته ليست الا ستارا لعصابات العالم السفلي ومنهم من بدأ يبحث في اصله وفصله لكن دون جدوى.العديد من العامة بدأوا يتحدثون عن دعوات للثورة علي حكمه،لكن الامور بقيت في اطار الشائعات وحديث الليل،دون اي تحرك علي الارض. سنوات مرت وغضب الشعب يزداد،وثروات السيد تتراكم،وقبضة القمع طالت كل شيء في البلاد،بات لكل فرد مخبر،ولكل حركة وهمسة اذن صاغية او عين لا تنام.لم يعد السيد المخلص كما كان يحب ان يناديه انصاره يظهر امام الشعب الا في المناسبات المتباعدة،وانتبه العامة ان السيد المخلص مازال فتيا كما شاهدوه في اول يوم دخل فيه المدينة،وكأن الزمن لم يقترب صوبه،بات يشبه القائد المحنط في سلوكه،صوره وتماثيله زرعت في طول البلاد وعرضها.باتت ملامحه متخشبة قاسية.و كراهية الشعب له في ذروتها،حاول بعض الضباط الانقلاب عليه عسكريا فبطش بهم دون هوادة،قصفهم بكل انواع الاسلحة،ومن بقي حيا بعد فشل الانقلاب علقت اجسادهم النحيلة والمشوهة من جراء التعذيب علي اعواد المشانق امام بوابة المدينة الرئيسية.لم يجاهر احد في الوقوف بوجهه الا تلك المرأة العجوز والتي لم يرها احد منذ سنين طويلة،لقد كانوا يظنون انها ماتت،وكل ما تذكروه انها ساحرة عجوز متقاعدة تقطن في اطراف المدينة.لقد افاق الخلق علي صراخها امام القصر :لقد تجبرت وطغيت،انا من صنعتك وبوسعي ان ادمرك..اخرج وواجهني..لكن السيد المخلص لم يخرج اليها في ذلك اليوم.لقد انتظر الي اليوم التالي وخرج علي رآس مظاهرة كبيرة تندد بالساحرة الشمطاء المتعاونة مع قوى الشر لتدمير البلاد.لقد قاد المتظاهرين الى باحة بيتها ،لم ينبس ببنت شفة،كل ما فعله ان اعطى اشارة البدء،هجم المتظاهرون علي منزل العجوز،دمروا الحديقة الصغيرة وداسوا علي الورود وما لبثوا ان اقتحموا البيت واخرجوا العجوز المسكينة مقيدة ،ربطت علي عجل بعامود خشبي ،كانت مستكينة لدرجة كبيرة ،تنظر للجميع محدقة بالوجوه ،كأنها تبحث عن شخص بعينه،الى ان لمحته مختبأ وراء الجميع،كانت ملامحه متصلبة كالقتلة،ابتسامة صفراء مرسومة على وجهه. نظرت اليه بعينين متقدتان وصرخت سيعرفون حقيقتك ايتها الفزاعة،وقبل ان تكمل كان معاونو السيد المخلص قد اشعلوا فيها النيران وسط هياج الجمهور،لقد عوقبت الساحرة علي خلقها لهذا السفاح بان امر بحرقها. وهكذا تخلص من الشاهد الوحيد الذي يعرف حقيقة أمره.

سنوات مرت ولم تنجح اي محاولة للاطاحة به.فقد احاط نفسه بحاشية من الاعوان الذين كان القانون الوحيد الذي تعلموه :الولاء للمخلص والفتك بكل من تسول له نفسه شق عصا الطاعة.كانت التجمعات ممنوعة،الاحزاب ممنوعة،النقابات ممنوعة،كل شيء ممنوع الا الحمد والتسبيح بخصال السيد المخلص . وحدهم مجموعة من الاطفال بدأوا في التجمع في مكب النفايات الرئيسي في جنوب البلاد,اتفقوا فيما بينهم علي مراقبة السيد المخلص،تجميع كل شاردة وواردة عنه.كانوا يتسللون بخفة النسمة الى القصر،يتجولون في كل جوانبه،يحاولون معرفة اسراره،وحينما يعودون يجلسون في مكب النفايات ليتناقشوا بما عرفوه.اشهرا عدة مرت،والاطفال لم يكلوا او يملوا لكنهم لم يتوصلوا الى اي امر قد يساعدهم في الخلاص من السيد المخلص،حتى تسرب اليأس الي قلوبهم الصغيرة بعدما شاهدوا ان الكبار قد ملوا قبلهم وبدأوا في التقرب الذليل من حاشية المخلص لعل احدم يجد عملا او يتلقى هبة تسد رمق اطفاله الجياع.

طفل واحد لم يتسرب اليأس الى قلبه،كان يسكن قرب بيت العجوز،حملته صغيرا واطعمته،وكانت دوما تسمح له باللعب في حديقتها الصغيرة.لقد عرفها عن قرب وعرف طيبتها،وحينما احرقها السيد المخلص بات مقتنعا انه كان يخاف منها ومن ان تكشف سره الكبير.انفض الصبية وتناقص عددهم تدريجيا من موعد اللقاء الليلي،وبعد اسابيع قليلة لم يتبق الا الصبي الاسمر النحيل وحده.لم يعد يتردد هو الاخر علي مكب القمامة،بات يدخل الى منزل العجوز كل ليلة ويجلس علي كرسيها الهزاز ويمعن النظر في ما تركته من خلفها. بعدما اعتاد علي كثرة الاغراض الغريبة الملقاة في كل زوايا منزل العجوز،انتبه الى وجود فزاعة في خزانتها،وحينما اخرجها الى الصالون اصابه الرعب،لقد كان للفزاعة وجه السيد المخلص،كأنه توأمه.حينما استكان وهدأ بدأ يفكر في العلاقة ما بين الفزاعة والساحرة العجوز والسيد المخلص،وحركه فضوله للبحث في اوراق كانت العجوز قد خبأتها تحت مرتبة سريرها.وجد ورقة رسمت عليها العجوز السيد المخلص وبجانبه كتبت كلمة:المرآة.لم يفهم شيئا مما خطته العجوز ولهذا قرر ان يراقب السيد المخلص جيدا.عاد من جديد للتسلل الى القصر،واصبح يدقق في كل ما يراه فيه.الا انه لم يكتشف السر.خمن ان السر موجود في مخدع المخلص وبات يتحين الفرصة للدخول اليه الى ان جائته الفرصة عندما تغيب السيد عن القصر لتفقده مدن اخرى شاعت فيها الاضطرابات ضد حكمه.عندما دخل المخدع ليلا لم يجد اي امر غريب،وحين هم بالمغادرة انتبه الي امر صغير،لم يكن في المخدع اي مرآة او حتي زجاج عاكس للضوء.لم يكن بامكان المتواجد في المخدع رؤية صورته منعكسة علي اي سطح فيه.عندئذ فهم ان نقطة ضعف السيد المخلص القاتلة هي انعكاس صورته في المرآة.

في طريق العودة انتبه لاول مرة ان شوارع المدينة قد خلت من واجهات المحال ذات الزجاج اللماع والمصقول بعناية كمرآة لماعة.ادرك عندئذ ان السيد المخلص ليس الا صنيعة للعجوز الساحرة وان نهايته لن تكون الا علي يد المرايا.
صمم علي مواجهة السيد منذ الصباح فقد اكتشف نقطة ضعفه القاتلة.افاق متحمسا،ارتدي ملابسه الرثة سريعا وخرج الي الشارع صارخا:افيقوا وتخلصوا من خوفكم.ان السيد المخلص ليس الا نتاج خوفكم.خرج الناس علي صراخه وسرعان ما انفض عنه الكبار فقد ظنوه قد فقد رشده،لم يلتف حوله الا الصبية وسرعان ما انضم اليهم اعداد متزايدة من الشباب امنوا ان الوقت قد حان للخلاص من خوفهم الذي جمد ارواحهم.اوضح لهم الصبي النحيل ان ما هو مطلوبا منهم جميعا التجمع يوم عيد استواء السيد علي العرش حول المنصة حاملين معهم مرايا تغطي كل الاتجاهات ،واينما ادار المخلص رأسه هاربا سيصطدم برؤية وجهه امامه.سخر منه البعض متندرين وهل وتقتل مراياك جلادي السيد ايضا?للحظة واحدة ارتبك الا انه سرعان ما اجاب:المهم ان نكسر حاجز الخوف لدي الناس وسيهبون بوجه زبانية المخلص ويخلصون عليهم ما ان يسقط السيد علي الارض.رغم عدم اقتناعهم الا انهم اقسموا اليمين علي حفظ السر والالتزام بالحضور جميعا مع مراياهم.

ما ان ارسل الفجر اول خيوطه حتي كان عسس المخلص يقتادون السكان من منازلهم ويكدسونهم في ساحة المدينة امام منصة كبيرة اقيمت للاحتفال باعتلاء السيد المخلص سدة الحكم،لم يعد احد يتذكر متي اصابت المدينة اللعنة واستوى المخلص علي السدة،حتي الكهول اتعب ذاكرتهم الجوع والمرض اما الشباب فهم لم يعرفوا سيدا للبلاد غيره وقد كانوا سمعوا اساطيرا عن قائد سبقه حكم جدودهم وابائهم عبر شبح جثته المحنطة.

اكتظت الساحة بالخلق وما ان انتصفت الشمس في وسط السماء وارسلت اشعتها كالساط تلسع ظهور المساكين .بات الجميع يتمني قدوم المخلص ليخلصهم من عذاب الجلوس علي ارض ملتهبة،وسرعان ما استجاب الله لدعائهم فقد اطل السيد عليهم،وما ان استوى علي المنصة جالسا،ارسل نظرة مشمئزة علي رعيته البائسة،قرر بعدها الخلاص من واجب كلمة العرش سريعا والعودة الي قصره الفاخر والخلاص من منظر البؤس ورائحة النتن المنبعثة من اجساد المتسولين المجمعين امام المنصة.لم ينتبه احد الي ان الصبية قد احاطوا بالمنصة من كل حدب.وما ان نهض المخلص مقتربا من سماعة الميكرفون راسما ابتسامة صفراء مصطنعة حتى فوجئ بمئات المرايا تحيط به ،وتحت المفاجئة كان نظره قد انعكس علي مرآة جميلة يحملها صبي اسود ناحل.سرعان ما تجمدت قسمات المخلص وما هي الا ثوان قليلة حتي تحول السيد المخلص الي كومة عصي ويقطينة ملقاة علي الارض..قبل ان يبيق احد من المفاجأة كان الصبية يهتفون حاملين الصبي الاسمر النحيل:لقد كان السيد المخلص فزاعة افزعتكم وادخلت الرعب في ارواحكم سنين طويلة...لقد انتهي الخوف الي الابد...ولن ترعبنا اية فزاعات جديدة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,275,601,603
- كفي استهبالا للشعب
- مثقفون وناشطون سياسيون ونقابيون فلسطينيون وعرب: المقياس الحق ...
- الشعارات العامة لا تنهي اي انقسام ...انها تديم الانقساميين ف ...
- بيان رقم 1
- معارض مثالي وعصري/نص لا علاقة باي شيء
- جنس
- حمار ومطر وملك/نص يستند لاسطورة هندية
- حبل مشنقة
- يا له من احمق
- حنين
- حتي لا نتهم بالاسلامفوبيا.../ملاحظات علي خطاب الحركات الاسلا ...
- حتي لا نتهم بالاسلامفوبيا.../ملاحظات علي خطاب الحركات الاسلا ...
- حتي لا نتهم بالاسلامفوبيا.../ملاحظات علي خطاب الحركات الاسلا ...
- فرحة
- عنكبوت
- اغتراب
- حين متنا
- قمر
- قناع
- حب ممنوع_2


المزيد.....




- لبنان… افتتاح فعاليات -أسبوع السينما الروسية- (فيديو العروض ...
- مؤرخ فرنسي: الإسلاموفوبيا متجذرة بالغرب وقودها الدين والحروب ...
- الموسيقى في خدمة التطرف.. هكذا تأثر سفاح نيوزيلندا بسفاح الب ...
- رسام كاريكاتير يجسد شهداء هجوم نيوزيلندا الإرهابي
- افتتاح متحف البصرة الحضاري داخل أروقة قصر صدام
- رادوفان كراديتش: الطبيب والشاعر ومجرم الحرب في البوسنة
- افتتاح مهرجان أسبوع السينما الروسية في لبنان
- وزارة الخلفي تخصص 75 مليون درهم لدعم مشاريع الجمعيات
- المغرب يعرب عن أسفه إزاء المقاربة أحادية الجانب التي تبناها ...
- جميلة العلايلي.. الشاعرة المصرية التي يحتفي بها غوغل


المزيد.....

- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد ابو حطب - الفزاعة/قصة قصيرة ليست للكبار ولا للصغار...