أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي المصري - تاريخ «الدستور المصري» وصراع حول الديمقراطية






















المزيد.....

تاريخ «الدستور المصري» وصراع حول الديمقراطية



سامي المصري
الحوار المتمدن-العدد: 3305 - 2011 / 3 / 14 - 09:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كم ارتُكِبت من جرائم على مستوى عالمي باسم الديمقراطية فكل الأطياف السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مع كل المتطرفين بكل صورهم الرديكالية والرجعية يتشدقون ويطالبون بتحقيق الديمقراطية، مما بات واضحا أن لكل ديمقراطيته التي يريد أن يستفيد بجانب واحد منها فقط لتحقيق أهداف سلطوية. عبارة الديمقراطية أصبحت وسيلة تعتيم وبلبلة لاخفاء وراءها كل قوى القمع والفساد، فضيَّعت منا المقياس الدقيق للحكم على الأمور، وتاهت معالم الطريق لأقدامنا لتقودنا قوى الشر والابتزاز لحيث ما لا نريد تحت مسمى الديمقراطية .

أنورالسادات تشدق بديمقراطيته فكبلها في حدود ما أسماه بالدستور الدائم «دستور 1971 ذو السمعة السيئة» مع قيام أحزاب وهمية أو كما يسمونها كرتونية مع ضمان تزييف الانتخابات. بذلك حقق تحت شعارات الديمقراطية صورة من الديكتاتورية الهتلرية التي امتدت لعصر مبارك فتحولت السياسة لفساد كامل. السادات تغنى بالدكتاتورية مرات في كتابه بعنوان «البحث عن الذات». الفصل الخامس من الكتاب مهم للغاية، حيث يبدأ بعرض أحداث الاجتماع الأول لمجلس قيادة الثورة يوم 27 يونيو 1952. بدأ الاجتماع بأن أعلن جمال عبد الناصر استقالته من قيادة مجلس قيادة الثورة بعد أن حققت الثورة أهدافها وطلب من المجتمعين عمل انتخابات جديدة لانتخاب من بينهم رئيسا للمجلس. وتم إعادة انتخاب جمال عبد الناصر رئيسا بالإجماع. يشرح السادات بتهكم أن جمال عبد الناصر قام بهذا الإجراء ليبدأ حديثه عن نظام الحكم الجديد في مصر الذي أصر على أن يكون حكما ديمقراطيا مما أثار رفض كل أعضاء مجلس قيادة الثورة بالإجماع الذين قرروا أن نظام حكم مصر الجديد يلزم أن يكون ديكتاتوريا. يقول السادات في كتابه ص 157-158، «لو لم أر هذا الموقف بنفسي لما صدقته... ما هذا الذي يفعله عبد الناصر هل فقد عقله... كنت على ثقة من أننا جميعا بل والشعب الذي أيد الثورة بهدير رهيب وأولنا عبد الناصر قد كفرنا بالديمقراطية .... ديمقراطية الأحزاب وصراعاتها من أجل السلطة وبخضوعها للملك والإنجليز ... وللحقيقة والتاريخ أصر عبد الناصر على رفض طريق الديكتاتورية لأنه كما وصفه طريق الدم. والعمل الذي يبدأ بدم ينتهي بالدم ... وقال أنه يفضل ألف مرة إعادة البرلمان الحزبي القديم وتسليم مقاليد الحكم للأحزاب... على أن نلجأ إلى أسلوب الديكتاتورية ... فكيف نخرج البلاد من ديكتاتورية الأحزاب لندخلها في ديكتاتوريتنا؟» وبعد حوار طويل بين أعضاء مجلس قيادة الثورة وخصوصا السادات الذي كان يؤيد الديكتاتورية وبعد الاقتراع مرتين وتأييد المجلس بالإجماع للحكم الديكتاتوري يقول السادات في كتابه «عندها وقف (عبد الناصر) محتجا وقال في حدة .. أنا لا أستطيع أن أقبل هذا القرار الذي هو قرار الديكتاتورية .. هذا طريق خطر على الثورة والبلاد، وأنا مستقبل من جميع مناصبي».

فماذا حدث للمسار الديمقراطي لمصر منذ ثورة 1952 حتى اليوم؟ وكيف تم وضع الدستور؟ من المهم أن ندرك أن ثورة عبد الناصر قد مرت بثلاث مراحل حتى عام 1967 تغير فيها الدستور ثلاث مرات وهي:

• المرحلة الأولى: مرحلة تحقيق الأهداف الوطنية العملاقة من عام 1952 حتى عام 1958.

• المرحلة الثانية: قوى الضغط الخارجية تقوم بمحاولات مستميتة لخطف الثورة، بدأت تلك المرحلة بالوحدة مع سوريا من عام 1958 حتى عام 1962.

• المرحلة الثالثة: مراكز القوى خطفت الثورة من يد عبد الناصر وقادت البلاد لخراب وضياع وفوضى انتهت بالنكسة بعدها استعاد عبد الناصر سلطاته جزئيا ليتفرغ لبناء القوات المسلحة ومواجهة الكارثة في الداخل وعلى الجبهة حتى قتل في عام 1970 بعد تحقيق إيقاف إطلاق النار بمساعدة نيكسون وروجرز.

كل مرحلة من تلك المراحل كانت لها صراعاتها لتحقيق الديمقراطية، وكان لكل مرحلة دستور مختلف. وهنا أريد أن أطرح الظروف التاريخية التي نشأت فيها الدساتير المختلفة وإلى أي مدى تحققت العدالة الاجتماعية من خلال تلك الدساتير.

بعد الثورة مباشرة تم إسقاط دستور 1923 بكل ما فيه من ثغرات ظهرت من خلال الممارسة العملية خلال 29 عاما. الغريب هو محاولات تجميل تلك الفترة وما يقال عنها من كلام غير حقيقي. دستور 1923 وحقيقة تلك الفترة السيئة جدا من حياة مصر سواء في عصر الملك فؤاد أم في عصر الملك فاروق الوريث الأكثر فاسدا. يقولون عن دستور 1923 أنه كان دستور برلماني والحقيقة تختلف عن ذلك تماما فالدستور يضع السلطة التشريعية في يد الملك تماما. وعندما ينتقل للسلطة التنفيذية يعطي الملك حق إقالة وتشكيل الوزارة وحل البرلمان بل وإصدار القوانين المؤقتة في حالة حل البرلمان وحق إعلان الأحكام العرفية. كما كانت جميع الأحكام القضائية تصدر باسم الملك. فكانت السلطات الثلاث بشكل ما في يد الملك مع شيء من الاستقلال الضعيف للسلطة القضائية. الدستور البرلماني مثل دستور إنجلترا الملك فيه يملك ولا يحكم أي ليس له أي سلطان، بينما كان واقع الحكم في مصر أن الملك هو المتصرف الأول في السلطات الثلاث وهو الذي بيده كل الأمور لا ينازعه في ذلك سوى قوات الاحتلال البريطاني التي كانت تشكل عبئا إضافيا رهيبا فوق كاهل الشعب المصري يضاف للفساد الملكي. قامت كل الأحزاب إما لتعمل لحساب الملك أو لحساب الإنجليز أو تلعب على الحبلين. الحزب الوحيد الوطني كان حزب الوفد الذي كان يعمل جاهدا ضد الملك والإنجليز معا وظل كذلك حتى تم اختراقه بواسطة الإخوان المسلمين بدخول فؤاد سراج الدين الحزب. ولم يكن البرلمان المصري يحمي حق الشعب المطحون والمهمل تمما بل كان يحمى مصالح ثالوث السلطة؛ الملك والإقطاع والإنجليز. الإقطاع المتحالف مع رأس المال المستغل كان لهم السيطرة على العمل السياسي والبرلماني. في منتصف الأربعينات لم تعد للأحزاب احترامها في الشارع المصري حيث ضربها الفساد يشكل مريع، وصار واقع الصراع السياسي المتحدث باسم الشعب يتقاسمه الإخوان المسلون والشيوعيون. وكان كلاهما يعاديان الفكر القومي حيث زرعهما الاستعمار البريطاني بهدف تشتيت القوى المطالبة بجلاء الإنجليز عن مصر. لست أفهم ماذا يعني الذين يصفون تلك الفترة بالديمقراطية واللبرالية، بينما تركزت الثروات في أيادي قلة فاسدة من الإقطاعيين، والسواد الأعظم من الشعب كان يعيش في حالة مذرية من الفقر المدقع. الملك مع قلة من الإقطاعيين والرأس ماليين يقدر عددهم بنصف في المائة من تعداد الشعب كانت تملك 95% من الثروة القومية لمصر.

********

في المرحلة الأولى من الثورة حاول عبد الناصر تجميع الأحزاب في اإتلاف سياسي، وكرر عشرات المرات أن الموقع الحقيقي للجيش هو الثكنات للدفاع عن مصر وليس مقعد السلطة، مما كان يسبب له المتاعب من مجلس قيادة الثورة بحسب ما جاء بكتاب السادات نفسه. قام عبد الناصر بعدة لقاءات وحوارات مع جميع الأحزاب كما طلب من كل حزب تقديم برنامج عمل واضح وأعطاهم عدة فرص للقيام بذلك لكنهم تحالفوا ضده. لم يجد عبد الناصر مفرا من حل جميع الأحزاب، ونتيجة لذلك لم تجد قوات الاحتلال لها سندا داخليا، مما يسر المفاوضات حيث تم توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر في 19 أكتوبر 1954 وبموجبها تم إجلاء آخر جندي بريطاني عن مصر في 19 يونيو 1956. لم يمضي سوى أسبوع واحد على توقيع اتفاقية الجلاء عندما قام الإخوان المسلمين بمحاولة اغتيال عبد الناصر في يوم احتفاله بالجلاء وعيد الثورة في الإسكندرية. وبالمثل لم يمر أيام على جلاء القوات البريطانية عن مصر إلا وأعلن عبد الناصر أخطر قرار في تاريخ مصر بل في تاريخ الاستعمار وهو تأميم قناة السويس يوم 23 يونيو عام 1956. كان عبد الناصر يتحرك بسرعة تلاحقه قوى الثورة المضادة في الداخل والخارج وكان الشعب المصري كله يتحرك خلفه في حماس بالغ. بدأ عبد الناصر في تشكيل لجنة لإعداد الدستور في عام 1953 وكانت تضم الكثير من اللجان الفرعية في تخصصات متعددة من كل أطياف الشعب المصري. وبعد حل الأحزاب التي لم تكن تمثل إلا الإقطاعيين وأصحاب رأس المال اهتم عبد الناصر بوضع دستور يحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كان يرى أنه لإرساء نظام يحقق جوهر الديمقراطية هو تحرير الرزق والكسب التي تتحقق بالوعي والتنمية الذاتية وكان يري في الاشتراكية الحل لتحقيق الحرية الاجتماعية التي تمكن الفرد من تحقيق الحرية السياسية. كان عبد الناصر يتجه نحو الدولة المدنية فقام في عام 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية ليتخلص من كل أثر ديني وكل آثار الدولة العثمانية على الدستور الجديد. وقام بتشكيل هيئة التحرير كنواة لمؤسسة سياسية بدلا من الأحزاب ليتربى ويتدرب فيها الكوادر من الشباب على العمل السياسي. من المؤكد أن هذا التنظيم كان فاشلا تماما في تحقيق أهدافه. لكن عبد الناصر نجح في عمل أعظم دستور ديمقراطي في تاريخ مصر والذي صدر عام 1956 والذي حقق العدالة الاجتماعية والحرية الفردية لكل قوى الشعب العامل وحفظ للمرأة حقوقها، كما حافظ على حرية الفرد في الرأي والمعتقد وممارسة الشعائر الدينية بلا مانع، باعتراف كل فقهاء القانون القدامى والمعاصرون. وبناء على هذا الدستور قام مجلس الأمة من خلال انتخابات حرة نظيفة تمت بدون بلطجة لأول مرة في التاريخ المصري. وكان فيها مرشحين محترمين كما خاضت المرأة المصرية لأول مرة في التاريخ المصري الانتخابات وكان لها حماسا شعبيا كبيرا. تعتبر تلك الفترة من أجمل فترات التاريخ التي عاشها المصريون.

********
المرحلة الثانية من الثورة بدأت بالوحدة مع سوريا التي فُرِضت على عبد الناصر بضغط من روسيا وسوريا. بدأ الضغط على عبد الناصر للوحدة عقب معركة بور سعيد مباشرة. بقدر ما كان عبد الناصر ينادي بالقومية العربية بقدر ما كان يؤمن بأن الوقت غير مناسب للوحدة الإقليمية للدول العربية، وتحت ضغوط سياسية فوق الاحتمال فرضت عليه الوحدة مع سوريا بعكس ما يشاع. عند القيام بإجراءات الوحدة ومناقشة الدستور رفض الشعب السوري المادة رقم 195 من الدستور المصري والذي ينص على، «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية». لم يكن بهذا البند أي إشارة للشريعة الإسلامية التي أضافها فيما بعد السادات للدستور المصري. نص المادة رقم 195 مأخوذ بحرفيته من المادة رقم 149 لدستور عام 1923 التي تحوي نفس النص. سوريا ولبنان والعراق لم يكن بدساتيرها أي نص يشير إلى دين للدولة فعند الوحدة مع سوريا تم حذف هذه المادة، وصدر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة عام 1958 لا يحوي نصا يشير إلى دين للدولة.

ويلاحظ أن كل الدساتير واللوائح والمبادرات الخاصة بالدستور التي صدرت في عصر عبد الناصر اختفت تماما من التداول منذ أن تولى السادات السلطة وأصبح من المتعذر الحصول عليها. دستور 1956 عثر الأستاذ صلاح عيسى بالصدفة على مسودته المكتوبة في عام 1954، حيث وجدها عام 1999 في صندوق للمهملات كان موضوعاً في بدروم مكتبة المعهد العالي للدراسات العربية، التابع للجامعة العربية. وقام مشكورا بنشرها في جريدة المصري اليوم، وأخذتها عنه موسوعة ويكابديا العربية. الهدف من الإخفاء ليس فقط الإساءة لعبد الناصر بل وإخفاء كل الجهود الجبارة التي بذلها من أجل الديمقراطية، وليخفي صراعاته مع الثورة المضادة التي هاجمت الثورة من الداخل ومن الخارج طوال مدة حكمه. لذلك تم أخفاء الدساتير العظيمة التي أعدت في عصره، وهي الدستور الدائم لجمهورية مصر الصادر عام 1956 ثم الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر عام 1958 (حصلت عليه مصادفة عندما نشره احد السوريين) , ثم ميثاق العمل الوطني الصادر عام 1962، ثم الدستور المؤقت للجمهورية العربة المتحدة الصادر لعام 1964 ثم بيان 30 مارس الصادر عام 1958. إن دراسة تلك المستندات الهامة تظهر عمق فكر جمال عبد الناصر الوطني وكيف كان يفهم معنى الديمقراطية، وكيف عمل جاهدا مخلصا بوطنية خالصة لتطبيقها، في ظل صراعات فاسدة على السلطة وظروف غاية في الصعوبة.

********
المرحلة الثالثة لعصر جمال عبد الناصر من عام 1962 وحتى عام 1967 وهي مرحلة صراعات مراكز القوى في مصر التي كانت تتمثل في جبهتين رئيسيتين، اليمين الإسلامي واليسار الشيوعي وكل جبهة تنقسم لمجموعات تتصارع مع بعضها بغاية العنف لخطف السلطة مما كان له أسوء الأثر على الجبهة الداخلية، وعلى السياسة المصرية بشكل عام، وانتهت بكارثة عام 1967. روسيا كانت تُشرِف وتحرك الكثير من الصراعات، وكان أضخمها مجموعة علي صبري التي كانت تصارعها بقوة مجموعة مكتب المشير برئاسة شمس بدران. سامي شرف سكرتير عبد الناصر كان ضمن مجموعة علي صبري فالموقف تحول إلى صراع عنيف بين مكتبي المشير والرئيس عبد الناصر ونجحوا في الوقيعة بينهما. ونجح المشير في تعيين سكرتيره شمس بدران وزيرا للحربية بينما كان محمد فوزي رئيس الأركان ضمن شلة على صبري، فشاهدت القوات المسلحة أكبر تمزقا في تاريخها بالصرع العنيف بين وزير الحربية ورئيس الأركان الذي كانت تسانده روسيا. كما بدأت الإخوان المسلمين تستعيد تواجدها وسطوتها بشكل مكثف لتهدد حياة عبد الناصر بشكل دائم مما أعطي الأهمية القصوى لصلاح نصر الذي كان يسهر على حياة جمال عبد الناصر، لكنه استغل الموقف لحساب سطوته هو وعصابته المخيفة. كما ظهرت أخطار الأعضاء القدامي من مجلس قيادة الثورة مثل كمال الدين حسين وحسين الشافعي اللذان تحالفا مع الإخوان ضد عبد الناصر مما تطلب تحديد إقامتهما. أذكر أني في ذلك الوقت قرأت خطابا كتبه المشير في غاية المرارة كان موجها لكمال الدين حسين وحسين الشافعي وهما تحت التحفظ، يُذكِّرهما بجهاد الضباط الأحرار القديم. كانت هناك قوى كثيرة أخرى مثل حسنين هيكل وجريدة الأهرام التي كانت تعمل في خدمة روسيا ولم تكن متحالفة مع علي صبري. وكذلك عزيز صدقي الذي كان يمثل مركز قوة مستقل لحساب روسيا، وكثيرون آخرون من قوى الفساد العسكريين الذين عبثوا بحرب اليمن.

بعد انفصال سوريا كانت هناك ضغوط شديدة على عبد الناصر لإقامة دستور جديد ليعيد إليه المادة الخاصة بدين الدولة الإسلام، بينما كان عبد الناصر يريد تحقيق الدولة المدنية. وكانت هناك ضغوط أخري كثيرة متعددة ومتناقضة بين يمينية ويسارية. لذلك رأى أن أفضل وسيلة هي الاحتكام للشعب ليأخذ منه تأييدا لشكل الدستور الذي يريده. ففي عام 1962 قام بعرض ما اسماه بـ«ميثاق العمل الوطني» دعا إليه المثقفين والكتاب ورجال القانون وضباط القوات المسلحة، وكان لي شرف حضور عرض الميثاق الذي قدمه عبد الناصر في قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة وقد استغرق ما يقرب من ست ساعات تخللته استراحة واحدة. كان عبد الناصر في غاية الانفعال والشعور بالإحباط بعد انفصال سوريا. ورغم أن نص الميثاق كان قطعة أدبية رائعة كما أنه يحمل فكرا دستوريا وطنيا متسقا، يعتبر من أعظم ما يتمنى الشعب تحقيقه في دستور، إلا أن مستواه الأدبي والفكري كان أعلى بكثير من مستوى الفهم الشعبي، فلم يحذ على التقدير الشعبي الكافي وقوبل بفتور. كان الشعب قد بدأ الشعور بالقرف من واقع الانقسام. والفرقة والدسائس المنتشرة بين مراكز القوى. وزاد ذلك الشعور بعد حرب اليمن التي كان يزكيها أصحاب المصالح من عملاء الروس. كل ذلك لم يُمكِّن عبد الناصر من الوقوف أمام مراكز القوى لإعلان الدستور الدائم القائم على ميثاق العمل الوطني، مما اضطره لإعلان الدستور المؤقت في عام 1964. وكان الدستور المؤقت خالي من البند الخاص بدين الدولة الإسلام مما أجج نار الإسلاميين ضده خاصة كمال الدين حسين والشافعي والسادات. واستمر الأمر في السوء حتى هزيمة عام 1967 حيث كان الكل يتوقع كارثة.

بالرغم من أن الشعب طالب بعودة عبد الناصر عند تنحيه إلا أن الغضب كان عارما والشعور بالإحباط كان شديدا وقامت عدة مظاهرات بالجامعة تطالب بالتحقيق مع المسئولين عن النكسة كما تطالب بالدستور الدائم ورد عليهم عبد الناصر ببيان 30 مارس الذي كان ترديدا لفكر «ميثاق العمل الوطني» بشكل مبسط ووعدهم بضرورة قيام الدستور الدائم ليحقق تلك المبادئ التي كان ينادي بها ولكن بعد إزالة آثار العدوان. كان بيان 30 مارس هو آخر محاولات عبد الناصر لقيام حياة ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية في مصر.

********
تسلم السادات السلطة بعد وفاة عبد الناصر وبدأ صراعاته مع مراكز القوى اليسارية ممثلة في على صبري وشلته ثم تخلص منهم في ما يعرف بثورة التصحيح يوم 15 مايو 1971. وكان الفضل في ذلك يرجع للفريق محمد صادق واللواء الليثي ناصف اللذان تخلص منهما السادات في أول فرصة. في نفس الوقت بدأ السادات يعضد الفرق الإسلامية الوهابية التي حاربت عبد الناصر، كما كان متعجلا لقيام دستور جديد حيث كان رافضا بشدة لدستور عبد الناصر الذي يتجه نحو الدولة المدنية ولحجبه المادة الخاصة بدين الدولة. لكل ذلك نجد السادات يعلن أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة وذلك ليغازل الإسلاميين من ناحية وليهاجم فكر عبد الناصر الذي يصفه بالعلمانية. وصدر دستور 1971 ليشكل أسوء دستور ديكتاتوري إرهابي ظهر في تاريخ مصر كبل المصريين أربعين عاما خلال حكم إرهابي إسلامي متعفن عانى فيه الشعب كل صنوف المذلة من خلال نظام حكم هتلري، إذ لم يخفي السادات إعجابه بهتلر في كتابه البحث عن الذات. وقتل السادات بيد الإسلاميين الذين أعطاهم النور الأخضر ليعبثوا بأمن مصر، ومات وهو يرتدي لباس هتلر العسكري الذي تم تفصيله خصيصا في ألمانيا.

دستور 1971 يشتهر بالمادة الثانية التي تنص على «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع». وهناك عدة ملاحظات على تلك المادة بوضعها ونصها الخطير.
فهي أولا موضوعة تحت البابا الأول من الدستور المختص بالدولة بينما في الدساتير السابقة المادة الخاصة بدين الدولة موضوعة في البابا الأخير تحت أحكام عامة. ففي دستور 1923 موضوعة تحت المادة 149. وفي دستور 1954 تحت البابا العاشر المادة رقم 195. وضعها تحت الباب الأول الخاص بالدولة يعطيها خطورة وأهمية خاصة.

نص المادة الثانية للدستور يختلف عن نص ما سبقه من دساتير بإضافة عبارة «ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» وهي العبارة التي لم تظهر في أي دستور سابق حيث لم يشير أي دستور سابق للشريعة الإسلامية أو اعتبارها مصدرا للتشريع، تلك العبارة التي استخدمت لترويع المسيحيين في مصر على مدى أربعين عاما. والمعروف أن هذه العبارة ظهرت أولا في دستور 1971 تنص على أن «الشريعة الإسلامية هي احد مصدر التشريع» ثم عدلها في عام 1977 إلى النص الأخير مع تعديل الدستور الذي شمل التعديلات الفاضحة للمواد 76 ، 77 حيث أضاف للمادة 77 «ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى»
ولم تقتصر مشكلة البابا الأول على المادة الثانية من الدستور فقط بل المادة الأولى من الدستور تشكل خطرا حقيقيا وامتهانا لكرامة مصر. في كل الدساتير السابقة الفصل الأول يحتوي على مادة واحدة فقط. في دستور 1954 تنص المادة الأولى الوحيدة على، «مصر دولة موحدة ذات سيادة، وهى حرة مستقلة، وحكومتها جمهورية نيابية برلمانية». بينما نجد في دستور 1971 وُضِع في الباب الآول ستة مواد فقبل المادة الثانية العفنة توجد المادة الأولى التي تنص على، «جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة. والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة». بموجب هذه المادة مصر الكبيرة ذات التاريخ العريق أصبحت جزء من الأمة العربية ووظيفتها العمل على وحدتها. كيف تركنا هذا البند المخيف 40 سنة يفرض علينا الوهابية. ليس غريبا أن يجلد الأطباء المصريين في السعودية، والوليد ابن طلال يبتز أموال مصر في توشكا غيرها من المشاريع. كل ذلك مقنن بمادة دستورية. كتابات يوسف زيدان لمحو الهوية المصرية وتذويبها في البداوة العربية الدموية ليست بغريبة أمام البند الأول من الدستور. البند الأول من الدستور يذبح الكيان المصري ليقدمه على مذبح العروبة.

إن ثورة مصر الحرة التي أعادت لمصر اسمها لتعلو فوق كل كيان قد أسقطت الباب الأول من الدستور بكل بنوده وكذلك البابا الثاني حتى الأخير. فلم يعد هذا الدستور صالحا لأي تعديل أو لأي حوار لقد سقط الدستور بمبارك والسادات وأخذ الجميع لمزبلة التاريخ. أي محاولة لترقيع هذا الفساد هو محاولة للتعبد لمومياء عفنة.

إلى كل الأحرار من شعب مصر عليك أن تذهب في يوم 19 مارس لتصوت بلا ... لا ... لا

لا للدستور الفاسد الذي مرر حياة المصريين أربعين سنة،

سامي المصري






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,562,271,275
- «الدستور» هدف الثورة الأخيرالذي لم يتحقق بعد
- تحية لثائرات مصر ... في يوم المرأة العالمي
- مبروك .. مبروك .. جدعان يا ولاد .. شباب التحرير العظيم .. رب ...
- «المادة الثانية من الدستور» .... هل هي تشريع أم إرهاب وترويع ...
- التعديل الوزاري الجديد لحكومة شفيق هل يحقق أهداف ثورة مصر... ...
- قامت الثورة المصرية لكي تستمر وتتخطى الحواجز 3
- قامت الثورة المصرية لكي تستمر وتتخطى الحواجز 2
- قامت الثورة المصرية لكي تستمر وتتخطى كل الحواجز 1
- «مبارك رجل الفتنة» ... خطاب مبارك مراوغ حقيرة وعار تاريخي
- مصر تتحدث عن نفسها من»ميدان التحرير«
- المصاعب أمام تداول السلطة في مصر... والإسلاميون
- شهداء كوبري عباس يحيون شهداء ميدان التحرير
- مبارك يستقوى بالخارج ضد الوطنية المصرية
- سحب الأمن من شوارع مصر لنشر الفوضى هي آخر جريمة لعصر مبارك
- الغضب الساطع آتى ... يا مبارك
- عار العمرانية (1) «إذا لم تستحي فافعل ما شئت»
- التطرف الديني الإسلامي المسيحي يذبح مصر
- رسالة الأخت فاديا سعيد والتعقيب عليها
- لكل مجال مقال
- الأنبا شنودة عطَّل الكتاب المقدس بثلاث عبارات


المزيد.....


- غباء السلطة ..وخطاياها / قاسم حسين صالح
- الحريري وسياسة اليد الممدودة / نبيل العدوان
- طلاب الثورة وثورة الطلاب / أحمد سوكارنو عبد الحافظ
- بشار الأسد يزود القذّافي بالسلاح والطيّارين / فرياد إبراهيم
- ساحه التحرير ورياح التغير!!!! / حيدرالهاشمي
- فات الإصلاح..... ليبدأ التغير / رديف شاكر الداغستاني
- تظاهرات-1ا- الحظة التأريخية وموقف كتابنا! / سعد سامي نادر
- نجاد يقيم إحتفالات قومية لاحياء ذكرى أسلاف فارس / محمد حسن فلاحية
- سأبقى معارض / نبيل تومي
- التعديلات الدستوريه إستفتاء على الرئيس القادم / جوزيف شفيق


المزيد.....

- تجربة محاكاة الموت تتحول إلى سياحة في الصين
- لورانس تقاضي ناشري صورها المسروقة
- باريس والرياض نحو صفقة بـ 3 مليارات دولار لتسليح الجيش اللبن ...
- نجاة نائب تونسي من هجوم شنه مسلحون على منزله
- وزير الطاقة الروسي: سوق منطقة آسيا والمحيط الهادي أكثر جاذبي ...
- تونس مستعدة لتزويد الأسواق الروسية بزيت الزيتون
- السعودية.. حكم بسجن 17 رجلا بتهمة السعي للقتال في العراق وتم ...
- استطلاع: زيادة التأييد لاستقلال اسكتلندا قبل 17 يوما من استف ...
- بث مباشر.. المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الروسي مع نظيره الت ...
- داعش) يوقف نبش قبر النبي يونس (ع) ومختصون يرجحون عثوره على - ...


المزيد.....

- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها
- نظرية الفعل عند حنه ارندت / ابراهيم طلبه سلكها
- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي
- في رثاء / الشرق الأوسط القديم . / سيمون خوري
- استباق الثورة المضادة للإبداعات الشعبية / خديجة صفوت
- أزمة تحليل اليسار للحدث العراقي / سلامة كيلة
- التحول الديمقراطي وصعود الحركات الإسلامية (نموذج مصر) / سحقي سمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي المصري - تاريخ «الدستور المصري» وصراع حول الديمقراطية