أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جمال البنا - نقد النظرية الماركسية






















المزيد.....

نقد النظرية الماركسية



جمال البنا
الحوار المتمدن-العدد: 3281 - 2011 / 2 / 18 - 07:49
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    



صدرت رسالة « نقد النظرية الماركسية » عام 1948م ، ومن المعروف أن الحركة الماركسية في مصر قد ظهرت في مناسبتين ، الأولى في أعقاب الحرب العالمية الأولى سنة 1914ــ1918م  عندما تملكت الحماسة بعض المفكرين من ذوي الاتجاه اليساري بالقاهرة فأسسوا الحزب الاشتراكي وكان له اتجاه معتدل ويحمل بعض قسمات الفابية ، ولكنه انتقل إلى الإسكندرية ورزق دعم يهودي هو روزنتال وتحول إلى الحزب الشيوعي ورفع الشعار المعروف المطرقة والمنجل وأوفد مندوبه حسني العرابي إلى موسكو لحضور مؤتمر الأممية الثالثة التي أسسها لينين ، وكانت تضع شروطاً قاسية تسلم أعضاءها قلباً وقالباً للكومنترن ، كما أطلق على قيادتها في موسكو وكان منها القيام بسلسلة من الاضرابات تأييدًا للاتحاد السوفيتي الناشئ ، ولما عاد حسني العرابي وانصاع الحزب الشيوعي لتعليمات الكومنترن وقام ببعض إضرابات اعتصم في بعضها بالمصانع ورفع عليها العلم الأحمر ، وردت الحكومة بقوة قضت على الاضرابات وحلت الحزب وحاكمت قياداته وانطوت هذه الصفحة ليعود في أعقاب الحرب العالمية الثانية سنة 1945م مدعمًا بتأييد يهودي آخر هو هنري كورييل وتعرضت الحركة لجدل مذهبي أدت إلى سلسلة من الانشقاقات .
كانت هذه هي الملابسات التي كتب في ظلها « نقد النظرية الماركسية » ، وكما سيرى القارئ ، فقد كان النقد الأساسي هو افتقاد الحرية التي أعادها المؤلف إلى أصل نظري عريق في الماركسية هو إيمانها أن العامل المادي هو أقوى العوامل في تطور المجتمع ، ولعله بهذه الصفة ابتعد عن فكرة حرية الإنسان ودوره في تطوير المجتمع .
وقد نفدت نسخ هذه الرسالة ورأينا أن من الضروري إدراجها في هذا الجزء الذي خصص للبحوث ، وقد يكون فكرنا قد اختلف شيئاً ما عما كان عليه سنة 1948م ، ولكن يظل النقد الرئيسي وهو انتفاء الحرية قائمًا .
وقد صدرت الرسالة عن جماعة العمل الوطني الاجتماعي سابقاً ، حزب العمل الاجتماعي وباسم « أحمد جمال الدين » وهو الاسم الذي أحمله والذي ظهر في كل كتابات هذه الفترة ، قبل اصطناع اسم « جمال البنا » الذي تبنته الأسرة بعد استشهاد الشقيق الإمام حسن البنا .
m
منذ أربعين عامًا تقريبًا أخذت أمواج المادية الأوروبية تداعب الشاطئ المصري في رفق وهدوء ، فلم تستطع أن تخترقه إلى الداخل ، ثم كانت الحرب الأخيرة وما صحبها من تقدم سريع في العلوم والمعارف وتقارب بين البلدان النائية ونزول كثير من أشتات الأمم ، وأفراد الشعوب في هذه البلاد ، فعلا مدها ، وطغت غواربها ، وتدفقت على السهل الخصيب تمزج ماءها الأجاج بمائه العذب ، وتدخل إلى أعمق حصونه ــ نفوس أبنائه ــ فزلزلت إيمانهم القديم ببلادهم ، ومعنوياتهم التي فطروا على تقديسها واحترامها وأعطتهم نظرة جافة قاصرة ، وأخذت منهم إيماناً سخيًا كريمًا ، فأصبحوا يرون أن كلا من الفرد والمجتمع مسير لا مخير ، مقضي عليه بأداء الأعمال بحكم هذه الجبرية التي تتمثل في الغرائز عند الفرد ، وفي المادية الاقتصادية بالنسبة للمجتمع ، كما أخذت من الجماهير والسواد اطمئنانهم ومطالبتهم بالحقوق على أساس التفاهم والتعاون ، وأعطتهم بدلاً عنه فكرة جامحة عن قطع الرؤوس ، وملء البطون ، وسيادة القوة والقهر .
ولكن مع ذلك نخطئ أعظم الخطأ إذا حسبنا أن ذلك هو السبب الأول في سـيطرة المذاهب المادية على نفوس كثير من شــباب هذا الجيل ، فما كانت أمواج المادية لتستطيع التسرب إلى داخلية البلاد لو أن السدود كانت محكمة ، ولكن الذي حدث فعلاً هو أن السدود كانت في أضعف حالاتها عندما ارتفعت المادية إلى أقصى قوتها .
ومن ناحية أخرى ، فإن المذهب المادي الذي يتمثل هنا في الماركسية ، يستمد جزءًا كبيرًا من قوته من مظهر الإنقاذ الذي يتلبس به فهي تتراءى للفقراء والمحرومين والطبقات المظلومة المضطهدة في شكل المنقذ البريء ، و"المختار" لإنهاء حالة الشقاء والتعاسة التي يتخبطون فيها ، وبدء حياة رغدة سعيدة .
وهو مظهر خادع ولا شك ، والاشتراكية العلمية أو "الماركسية" مذهب مادي وجبري ، وهو النتيجة النهائية لمعادلات رياضية وحسابية ومن غير المعقول أن تهدف مثل هذه المعادلات إلى غاية اختيارية أو معنوية معينة ، فهي كحاصل ضرب رقم في رقم آخر ، أما الناحية الإنسانية والإرادية فإن الماركسية لم تتجاهلها فحسب بل اتخذت منها وسيلة للسخرية والتهكم ، وقد حملت حملة شعواء على الاشتراكية السابقة لها لأنها كانت تهدف لإنصاف الفقراء وإصلاح الحالة الاجتماعية عل أساس العدالة والمساواة ، والحرية وغيرها من المعاني التي ترى فيها كلمات جوفاء .
وهي كمذهب كل كامل لا يتجزأ ، فلا يمكن الإيمان بنزعتها نحو المساواة ، ومحوها للملكية دون الإيمان بنظريتها في التطور المادي ، والصراع الطبقي ، وإنكارها للأديان والمثل العليا واستهانتها بالحرية الشخصية ، فأما الإيمان بالمذهب كله وإما رفضه كله ، وفي الحالة الأولى لابد من دفع الثمــن كاملاً من حرية الإنسان ومعنوياته ، وإنسانيته .
فما أفدح هذا الثمن ! وما أعجب هذا الإنقاذ ! إن الكفاح وسط أمواج الديمقراطية والرأسمالية العاتية لهو خير وأرحم وأكثر إبقاء من أن نتعلق بقرش(1) الماركسية المفترس نبتغي عنده الراحة من السباحة المجهدة وليس عنده إلا الافتراس العاجل السريع ، والموت بصورة بشعة ثم الغرق أخيرًا(2) .
وكذلك تضيق الشعوب بحياة الحرية والتزاماتها القاسية فتضعف أمام إغراء الماركسية المريحة وتنصاع لصيحة الماركسيين في الثورة على الرأسماليين والفاشيين والاستغلاليين ، فإذا فعلت وانتصرت وضعت السلطة المطلقة في يد قادة آخرين ، وعندئذ تجد البيروقراطية(1) مكان الديمقراطية ، والاستبداد مكان الاستغلال ، والعدالة المشوهة ، مكان الحرية القاسية ، فكأنهم انتكسوا إلى الوراء ، ولم يتقدموا إلى الأمام لأنهم دفعوا من الثمن أضعاف ما أخذوا من السلع ، وهم بعد ذلك لا يستطيعون المعارضة ، فضلاً عن الثورة ، لأنهم آثروا الراحة من قبل فألقوا بأسلحتهم ، وطلبوا من الدولة إطعامهم فنزعت أنيابهم ، فكيف يستطيعون الثورة عليها أو المعارضة لها .
إننا لننتهز هذه المناسبة ونحيي من كل قلوبنا الشهداء الأول في سبيل الاشتراكية الإنسانية ، الذين ثاروا على ظلم الأفراد والملوك في مطلع العصر الحديث ، ونادوا بحق كل فرد في حياة حرة سعيدة ، ونحيي كتابها المثاليين وزعمائها السابقين أمثال سان سيمون وفورييه وكوريتيكين وباكونين ولويس بلان وأوين ومور وتولستوي وجوركي ، إنهم وإن أخطئوا كثيرًا في آرائهم إلا أنهم كانوا ذوي قلوب كبيرة ، وخلق كريم ، وجلد رائع على الكفاح .
* * *
وهناك كلمة أخيرة شديدة الأهمية والحساسية ، فالماركسية هي المذهب السياسي لدولة كبرى تروع العالم بمواقفها الغامضة وميولها العدائية وإتقانها لفن المراوغة والمناورة ونزعتها نحو التدخل في شئون أمم العالم قاطبة بترويج مذهبها واتخاذ دعاته طابورًا خامسًا لهم ، كما حدث في إيران ، وفنلندا ، ولتوانيا ، وتشيكوسلوفاكيا ، واليونان ، وفرنسا ، فإن زعماء الشيوعية يأتمرون بأمر قادة الكرملين ، ويعرقلون سياسة بلادهم وأوطانهم ، وقد نشأت ناشئة من هؤلاء في مصر قليلة العدد ، شاذة المنهج ، بعيدة عن الروح المصرية ، بقدر قربها من الروح الأجنبية ، واتخذوا من جهل الناس وفقرهم المدقع وجدة المذهب وسائل للتغرير بهم وضمهم إلى صفوفهم كما استثاروا ملكة الاستطلاع في المجتمع المصري فكثر القيل والخلط بين الاشتراكية والشيوعية والماركسية وغيرها ، فهذه الرسالة الموجزة توضح للجميع حقيقة المذهب الماركسي ، وتهتك الستر عن نقط القوة والضعف والصحة والخطأ ، متخذة صفة الحياد الدقيق والنقد البريء والرد ردًا علميًا على نظرياتها ومسائلها ، ووجهناها إلى الرأي العام والمجتمع المصري ، لعلها تفيد النفوس الحائرة بين مختلف المذاهب وتعيد إلى الصواب كثيرًا من ضحايا هذا المذهب ، وتثير البقية الباقية من الضمير الوطني في نفوس الآخرين الذين يعملون لغير مصر ، ولا يقدرون خطورة ما يقترفونه ، وقد خلت من بين أيديهم النذر والمثلات .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
تعريفات
(الاشتراكية .. الماركسية .. الشيوعية .. الخ )
نرى من الأهمية بمكان أن نحدد معاني كلمات الاشتراكية والماركسية والشيوعية ، وما يتفرع عنها ، والفرق بين الواحدة والأخرى حيث أن الخلط قد كثر في هذه الناحية من ذلك أن الأستاذ السيد صبري(1) الأستاذ بكلية الحقوق يرى "أن الشيوعية هي الجناح الأيسر من الاشتراكية" ، ويستطرد فيقول : "هذه المذاهب ترمي إلى القضاء على الرأسمالية بصفة عامة على اعتبار أنها أساس المحن والحروب ، غير أن أصحابها لم يجمعوا على رأي واحد ، بل انقسموا شيعًا وأحزابًا ، ولعل أهم هذه المذاهب مذهبان : الجماعية Collectivism والشيوعية Communism ، وكلا المذهبين يرى أن تقوم الحكومة على الإنتاج والتوزيع ، غير أن الجماعيين يرون أن يكون التوزيع على أساس مقدرة كل شخص على العمل ، بينما يذهب الشيوعيون إلى أن يكون التوزيع على أساس حاجة كل فرد ، لأن اختلاف القدرة من عمل الطبيعة ولا دخل للفرد فيه" .
وقريب من ذلك ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور أحمد زكي بك الذي قال : "إن الفرق بين الاشتراكية والشيوعية ، بصرف النظر عما قد تفهمه من معاني أسمائهما فرق ابتداء وانتهاء ، أنهما يبتدئان مختلفين ، ولا شك أنهما سوف ينتهيان مجتمعين ، الاشتراكية بدأت بالحياة الواقعية كما هي ، ورضيتها ورضيت أوضاعها ، ثم أخذت في تعديلها برفق وفي حذر ، وفي غير معارضة كبيرة للطبيعة البشرية خشية أن تثور ، فهي تؤمن بالفروق غير الكبيرة ، وهي تؤمن بالحرية العاقلة الراحمة ، وهي تؤمن بالآمال الفردية أن لها مجالاً لا يجب أن يضيق فتضيق به النفوس كما تضيق الأنفاس ، وهي تؤمن بحق الفرد أن يشكل حياته اختيارًا ، ولكن في غير استغلال لغيره أو عدوان عليه .
أما الشيوعية فبدأت بالحياة كما خالتها أن تكون ، وقد خالتها في أول الأمر كحياة الجند ساوى بينهم المأكل والملبس ، وانقسموا فرقاً وأطاعوا نظامًا ، وما كان لهم أن يعصوا أمرًا ونظروا إلى الحياة الواقعة فوجدوها أبعد ما تكون مما خالوا فحطموها تحطيمًا ليبدأوا من جديد ، فالملكية ألغوها ، والإرث ألغوه ، والادخار منعوه ، واستئجار الناس بعضهم لبعض في عمل نسخوه ، فلا آجر غير الدولة ، ولا تاجر غير الدولة ، ولا طاعم ولا كاسي غير الدولة ، حطموا الحياة ثم بدأوا من جديد يركبون من حطامها على التساوي من بعد دماء كثيرة سالت .
ثم تدور السنون فإذا المتساوون يبدأون يختلفون كسبًا ويختلفون نصيبًا من نعمة الحياة واضطروا تحت ضغط الطبيعة الإنسانية أن يجيزوا الادخار ويجيزوا الثراء للفرد على أن تستغله الدولة لـه واضطروا تحت ضغط الحيلة البشرية أن يجيزوا الإرث في حدود ، فالشيوعية سوف تنتهي صاعدة إلى ما انتهت إليه الاشتراكية هابطة"(1)
أما علماء الاقتصاد السياسي فإنهم يقسمون الاشتراكية والشيوعية إلى أقسام عديدة تختلف تعريفاتها حسب تبويبهم لها ، فهي حسب التبويب التاريخي(2) .
اشتراكية خيالية :
وهو تصور نزعات مثالية ، وآمال خيالية إلى حد ما في مدينة فاضلة تصورها كتاب القرنين السادس عشر والسابع عشر ، منهم توماس مور الإنجليزي ، وكامبلانا الإيطالي ، ومورلي وكابيه ، ولكل واحد من هؤلاء مؤلف يمثل تصوراته في المدينة المثالية الفاضلة ، ومنهم أيضًا : سان سيمون ، وفورييه وبلان ، وبرودون ، وروبرت أوين ، وليس لهؤلاء كتب كالكتب السابقة ، ولكن لهم مذاهب وآراء تقرب بينهم ولبعضهم محاولات عملية في هذا السبيل لم تنجح ، فيما عدا أوين الذي ازدهرت حركته تحت راية التعاون .
اشتراكية علمية :
مهد لها رودبرتس (1805ــ1875) وهو ألماني ، ولاسال وهو ألماني أيضًا (1825ــ1864) ، ومؤسس الجمعية العمومية للعمال الألمان وصاحب قانون الجور الحديدي ، وصاحبها الأشهر الذي برز بها وفسرها وأعطاها شكلها الحديث هو كارل ماركس الذي ولد في ترفز (ألمانيا) في 5 مايو سنة 1818، ومات بلندن في 14 مارس سنة 1883م ، وسيرى القارئ نظرية كارل ماركس مشروحة بإفاضة في هذه الرسالة وهي تدور حول التطور المادي للتاريخ وصراع الطبقات ، وقيمة العمل وفائض القيمة والأزمات .
والاشتراكية والشيوعية في نظر علماء الاقتصاد السياسي من حيث الإنتاج والملكية والمساواة تنقسم إلى عدة مذاهب أهمها :
الجماعية Collectivism أي استيلاء الدولة على وسائل الإنتاج ورؤوس الأموال باعتبارها ممثلة للمجموع ، وإلغاء الملكية الفردية الكبيرة في الزراعة والصناعة ، والإبقاء على الصغيرة منها ، وكذلك أموال الاســـتهلاك لأنها ناتجة عن العمــل ، ويأخذ كل فرد تبعًا لعمــله a Chacun selon son travail .
الشيوعية Communism :
إلغاء الملكية أيًا كانت صغيرة أو كبيرة ، وكذلك أموال الاستهلاك ويأخذ كل فرد ما يحتاج إليه ، كما في العائلة De chacun suivant ses forces, a chacun suivant ses pesoin .
والفرق بين الاشتراكية الخيالية وبين الاشتراكية العلمية أن الأولى لا تبحث الوسائل العملية التي يمكنها أن تحقق بها أهدافها لأنها تعتمد على فكرة العدالة والمساواة والإخاء العاطفي ، أما الاشتراكية العلمية فإن ماركس يرى أنها مستمدة من طبيعة الأشياء ودراسة التاريخ وملاحظة الوقائع ، وهي ثمرة نظام معين هو الرأسمالية .
ويلحظ هؤلاء العلماء أن تسمية المنشور الذي أصدره ماركس وإنجلز في سنة 1848م وختم بالعبارة المشهورة " أيها العمال .. في جميع العالم .. اتحدوا" بالمنشور الشيوعي Manifeste Comuniste خطأ لأنه يقول بالجماعية .
والنظام القائم بروسيا الآن ليس شيوعيًا ولكنه اشتراكي جمعي ، فقد جاء لينين عندما استولى على الحكم سنة 1917م بخليط من الفوضوية والاشتراكية الماركسية ثم تطور بعد ذلك إلى الشيوعية محاولاً تطبيقها منذ أكتوبر سنة 1917 ، ولكنه اضطر للعدول عنها في سنة 1921م بإعادة طبقة صغار الملاك التي ألغيت مرة أخرى 25ـ1926م وأعيدت ثانية في أوائل عام 1932م .
الماركسية Marxisme :
والماركسية هي الاشتراكية العلمية التي ابتدعها ماركس مضافاً إليها التصورات العملية التي إرتأها أتباعه ، فإن ماركس لم يذكر صراحة شيئاً عن تنظيم الهيئة الاجتماعية حسب نظريته ، ولكن أنصاره وصفوا تفصيل ذلك وهو :
أولاً :   تقوم الدولة بالانتاج فتلغي الملكية الفردية وكل رؤوس الأموال تصبح ملكاً للمجموع الذي تمثله الدولة ، أما أموال الاستهلاك فتظل ملكاً خاصاً للأفراد لأنها نتيجة العمل ، وهذا ــ كما رأينا ــ يوافق الجماعية  .
ثانيًا :   قيام الدولة بجميع المشاريع الزراعية أو الصناعية .
ثالثاً :   تحديد ثمن الأشياء بحسب ساعات العمل التي أنفقت في صنع السلع بمعنى أن سلعة تعتبر لأغلى من الأخرى لأن مقدارًا أكبر من الوقت أنفق في صنعها(1) .
وأهم من ذلك نظريتهم في الوصول إلى الحكم فإنهم يرون أن الثورة ، لا الإصلاح ، هي الطريقة الصائبة الصحيحة .
* * *
وللأستاذ إسماعيل مظهر رسالة موجزة عن الاشتراكية بعنوان "عصر الاشتراكية" انتقد فيها تعريف الأستاذ السيد صبري الذي أوردناه في أول هذا الفصل ورأى أن الشيوعية لا يمكن أن تكون الجناح الأيسر للاشتراكية "إلا بكثير من التجوز الذي هو أقرب إلى الشذوذ عنه إلى الحالات السوية القائمة في مجتمعات هذا العصر" ، وأحتج على صحة نظريته بأمرين :
أولاُ :  بعد "ديمقراطية بريطانيا الاشتراكية" عن شيوعية روسيا بعدًا يجعل من العسر وجود أي نسب بين الاشتراكية والشيوعية .
والثاني : أن الاشتراكية نظام اقتصادي في دولة ، أما الشيوعية فهي نظام اقتصادي ودولة .
ورغم تقديرنا لغزارة علم الأستاذ وتمكنه ، والرسالة العلمية الكبيرة التي يؤديها في المجتمع المصري إلا أننا لا نوافقه على رأيه وأغلب الظن أن شدة التدقيق في بعض النواحي قد أبعدته عن ملاحظة اعتبارات جديرة بالعناية ، فالنظر إلى الاشتراكية كإصلاح أو توجيه للنظام الرأسمالي فحسب مع عدم المساس بالوضع السياسي يجعلنا نتجاهل وراثة الأدوار التاريخية التي مرت بها الاشتراكية ويجردها من الأصول الأولى لها التي تحدرت منها فلم تكن الاشتراكية أول أمرها نظامًا اقتصاديًا فحسب ، ولكنها نهج في الحياة ومذهب خاص في المجتمع يتناول فيما يتناولـه تنظيم الدولة وشكلها ، وكذلك قرأنا "جمهورية أفلاطون" وأتوبيا الجديدة لتوماس مور ، و"مدينة الشمس" لكامبلانا ، و"قانون الطبيعة" للورللي ، و"رحلة إلى إيكاريا" لكابيه ، وآراء سان سيمون وفوريه وبلان وبرودون ، وهي تتناول واجبات الدولة وشكلها بالتعديل والتنقيح ، أما الماركسية والشيوعية فتدخلها صريح ونظامها شامل ، فالاشتراكية في أخف صورها ، تناولت فيما تناولته شكل الدولة وواجب الحكومة وعنيت بالنظم السياسية ، وذلك بديهي لأن الدولة عندها ممثلة المجموع ، ولأنها على اختلافها تميل للعمل الجماعي ، وتنفر من العمل الفردي ، والاقتصاد بعد ذلك قريب الآصرة ، وثيق الرابطة بالدولة ونظامها ، فمن الظلم أن نقول إن الاشتراكية نظام اقتصادي لا علاقة له بشكل الدولة ولا تدخل له في شئونها السياسية ، لأن تنفيذ مناهجها يقتضي تغييرًا أساسيًا في شكل الحكومة ، ولأنها تستوحي مثلها العليا ، من المثل الأعلى الذي استوحته الديمقراطية ، فمثل الاشتراكية الأعلى جماعي ، ومثل الديمقراطية فردي .
أما المقارنة بين بريطانيا وروسيا ، فأمر لا يمكن على إطلاقه لأن بريطانيا اشتراكية كما ذكر الأستاذ لمجرد وجود حزب العمال ، فلا يزال بها حزب قوي للمحافظين لابد أن يتملك مقاليد الحكم يومًا ما ، وفيها مجلس للوردات هو الوحيد من نوعه في العالم ، ولا يوجد له مثيل في أشد الدول محافظة ، وحزب العمال البريطاني نسيج وحده في سياسته بحيث لا يمكن اتخاذه مثالاً للمذهب الاشتراكي فإنه حتى وإن اعتنق المبادئ الصريحة للاشتراكية إلا أنه لا يعمل بها كلها أو يعمل بها على الطريقة الإنجليزية ، والإنجليزي لا يعمل لأنه يؤمن بنظرية ، ولكنه يعمل لأن العمل يتطلب نظرية ما ، وقد قال هربرت موريسون "نحن لا نطالب بتحويل المرافق ملكًا للأمة لأن ذلك هدف في حد ذاته ، ولا لأنه شعار حزبي ، بل لكي ننتفع بمواردنا القومية افضل انتفاع من أجل الخير العام ، وإذا كلن تحويل المرافق ملكًا للأمة يحقق هذا الغرض فيجب أن نحولها ، وإذا كان في وسع النشاط الاقتصادي الحر أن يحققه فلنبق على النشاط الاقتصادي الحر" .
ولا شك أن جملة كهذه كفيلة بأن تثير الشك في مدى إخلاص حزب العمال للمبادئ الاشتراكية من الناحية الموضوعية وتجعل من الغرابة بمكان أن نتخذ هذا الحزب بالذات مثالاً للأحزاب التي تحسن فهم الاشتراكية وتؤمن بها .
ويرى الأستاذ مظهر ، بناء على فهمه للاشتراكية ، أننا في عصرها ، ولا شك أن ذلك صحيح إذا قصد بها "التوجيه" من إشراف رئيسي على الصناعات ، ومنح العمال التأمينات اللازمة وعلاج البطالة والاحتكار والعدالة الاجتماعية مع الاحتفاظ بالملكية والحرية والمنافسة إلى حد ما ، ولكن إذا صح ذلك فأولى بنا وأقرب أن لا نسمي ذلك اشتراكية وأن نسميه "ديمقراطية معدلة" أو نظام توجيه Planning أو ديمقراطية اجتماعية أو غير ذلك ، لأن مثل هذا النظام يستوحي النظام الديمقراطي أكثر مما يستوحي النظام الاشتراكي ، وبيان ذلك كالآتي :
استلهمت الحضارة الأوروبية الغائيـة الإنسانية ، فكان هدفها الأول ، هو كما وضحه كانت "أن يكون الإنسان غاية في غاية" ، وقد كانت الديمقراطية هي ثمرة هذا الهدف الأساسي ، وقد عنيت الديمقراطية بالحرية السياسية أولاً ، وأهملت العدالة الاجتماعية لعدة أمور منها أن الناحية الاقتصادية لم تكن قد تضخمت كما هي الآن ، بعد التقدم الآلي والانقلاب الصناعي ، ومنها أن الحرية الفكرية هي رمز بقية الحريات ، وضمان المعارضة والثورة عند الظلم ، ومنها أن الحكم وقتئذ كان للملوك وليس للشعوب ، فكان همها الأول أن تكف أيدي هؤلاء عن ابتزاز الأموال ، وسلب الثروات بطرق المصادرة والضرائب ، وكان ذلك حسبها ، وفيه كل الغناء وقتئذ بالنسبة لعهود الاستبداد والتحكم .
فلما تأثل الحكم للشعب وتضخمت الناحية الاقتصادية كان من الضروري ــ بدون الحاجة إلى الاشتراكية ــ أن تعني الديمقراطية بهذه الناحية وأن تشملها ، ولاسيما وأن الغائية الإنسانية تقتضي أن تكون النظم في خدمة الإنسان وأن تلين وتتطور حسب ظروفه ، والإنسان اسم جنس تمثله الأمة حسب القواعد الديمقراطية ، لذلك كان الإصلاح الاشتراكي المزعوم في إنجلترا إصلاحًا ديمقراطيًا حقيقيًا يستوحي المثل العليا للديمقراطية ويتأثر بوراثتها وتعاليمها ، فهذا العصر هو صفحة جديدة من صفحات الديمقراطية .
 
!+
الأصول الأولى للنظرية الماركسية
ــــــــــــــــ
"النظرية" في الماركسية تجميع لوقائع وحوادث ومراقبة لمجرى الأحوال ، واستدلال بمنطق الإحصائيات المادية ، وليست فروضًا علمية قائمة بذاتها أو ابتداع فكري خالص أو كيان مستقل عن البيئة ، فهي في الحقيقة هدم للمعنى النظري في الكلمة ، وهي تعوض هذا النقص في الإبداع الفكري بالتفوق في الناحية العملية والزعم بأن ما يحدث دائمًا يطابق فكرتها ، وليست لها في الحقيقة أن تفخر بذلك لأنها لم تفترض الواقع على أسسها ، ولكنها أخذت أسسها من الواقع ، فكان من البديهي أن تتطابق معه وحتى هذا لا يضطرد معها ولا يتأتى لها دائمًا لأنها كثيرًا ما تسئ فهم الواقع وتصويره ، وبالتالي تستنتج نتائج خاطئة .
ولو أننا آمنا بالنظرية الماركسية في تبويب هذه الرسالة لكان يجب أن نبدأ بالكلام عن الحالة الواقعة في البلاد الشيوعية ومنها نستنتج النظرية نفسها ، لأنها تفترض سبق المادة على الفكرة ، واستلهام الواقع ، ولكن لما كان الواقع نفسه قد كذب عمليًا هذه الفكرة ، لأن النظريات قد سبقت وفرضت إلى حد كبير نفسها على الواقع واستطاعت أن تنال منه بالتغيير والتبديل بدون أن تدين بذلك إلى غير ذهن واسع ، وذكاء لامع ، وبضعة مئات من السطور ، كذهن كارل ماركس ، وذكائه ، وكتابه ، لما كان ذلك هو ما حدث فعلاً فإننا سنبدأ بتفسير الأصول الأولى للفلسفة الماركسية .
وتتوغل هذه الأصول في أقدم العصور ، فإن العالم كان يعيش في حياته البدائية الأولى في الفردوس الذي يعدنا إياه الشيوعيون "التقدميون" ! ففي هذا الوقت كانت الملكية مشـاعة بين جميع أفراد القبيلة ، وكانت هي المالكة الوحيدة للإنتاج والمسئولة عن عمل الفرد ، فإذا كانت أقصى غايات الماركسية هو أن نرتد عصورًا إلى الوراء ، فلسنا نعلم كيف يتسق ذلك مع قوانين التطور التقدمي التي تدعيها .
وقد كانت لمصر بالذات تجربة في هذا الصدد في تاريخها الحديث إذ مرت بدور جماعي عندما أعلن محمد علي محو الملكية الفردية للأراضي واعتبار الدولة هي المالكة الوحيدة .
ومن قبل فعل الفاتحون المسلمون الأول مثل ذلك بالأرض التي فتحوها ، فكان للأفراد حق استثمارها واستغلالها دون ملكيتها .
والفلسفة الماركسية وليدة المذهب المادي الذي يرى أن المادة في كافة صورها هي المؤثرة والسابقة والوجود الحقيقي الذي يطبع المجتمع بطابعه ، ويسم الأفكار والعقائد بسمته وإن لها ــ وليس للمعنويات ــ القدح المعلي في مصائر الأمم والشعوب .
هذه هي الفكرة الأساسية في المذهب المادي ، وقال قال بها في العصر القديم الفيلسوف اليوناني هيرقليطس (540 ــ475 ق.م) ، وليوسبس (500 ـ 430 ق.م) الذي وضع النظرية الذرية ،وإن كانت تنسب عادة إلى تلميذه ديمقريطس (460ـ370 ق.م) الذي يلقب "بأبي الفيزيقا" ، ويقرر ديمقريطس أن الحقائق المطلقة هي الذرات والفضاء ، وإن الذرات هي "حروف الهجاء" للكون ، وليست هذه الذرات ساكنة ، بل هي متحركة هائمة من تلقاء نفسها تشتبك بعضها ببعض فتكون الأجسام ، حتى إذا تهيأت الظروف اصطدمت وتفتت ، وهكذا دواليك ، أي أن النظرية الذرية القديمة وضعت تفسيرًا ميكانيكيًا محضًا للكون قائمًا على أساس المادة والحركة ، ثم تقدمت بها الاكتشافات العلمية ، والنهضة الفكرية التي تلت عهد النهضة فنادى بها فرنسيس بيكون (1761 ــ 1526) ، وهوبز (1588 ــ 1679) الذي حاول أن يطبق على عالم الحقيقة نوعًا من التفسير الميكانيكي كالذي استحدثه غاليليو وديكارت في الظواهر الطبيعية فقط ، وذلك اضطره إلى القول بأن المادة والحركة هما وحدهما الحقيقتين المطلقتين وأن المعرفة الإنسانية تأتي عن طريق الإحساس وكل الإحساسات تنشأ عن ضغط المادة على الحواس ، والعقل أو النفس في ذاته مادة ، وقد أيده في ذلك أحد مواطنيه تولاند (1670 ــ 1721) فأكد "أن المادة ليست ذلك الشيء الخامد الذي صوره لنا ديكارت ، بل هو مادة فعالة أو هي قوة ، المادة هي القوة والحركة والحياة والفعل بعض خواصها ، والتفكير هو وظيفة العقل كما أن الذوق وظيفة اللسان" ، وكذلك اعتنق هارتلي (1704 ــ1757) الفلسفة المادية وحاول أن يرد علم النفس إلى علم وظائف الأعضاء "الفسيولوجيا" ، وربما كان بريستلي (1733ــ1804) أعظم فيلسوف مادي بريطاني في القرن الثامن عشر ، وقد عدد أسبابًا كثيرة جديرة بالثناء تأييدًا للمادية ( وبعضها بالفعل مقتبس من الكتب المقدسة) وحاج قومه بأنه لا يمكن فهم الفكرة المسيحية التي تقدر أن الله في كل مكان إلا إذا افترضنا لله وجودًا ماديًا ، وفي فرنسا قويت المادية بفضل ديكارت من غير أن يقصد هو إلى ذلك فقد كان ديكارت مؤمناً أثنينيًا ، وكان في الواقع من الكاثوليك الأرثوذكس ، ولكن اعتباره الحيوانات مجرد آلات وتفسيره كيف أن الأعضاء يمكن تحريكها بمؤثر حسي من غير تدخل الروح ، كل ذلك أدى بـ لاماتري وآخرين إلى أن يستغنوا عن الأرواح بتاتاً ويفسروا الأشياء كلها تفسيرًا ميكانيكيًا ، فقد أكد لا ماتري (1709ــ1751) أن الإنسان ليس كائناً ممتازًا ، وإنه لا فروق جوهرية بين النباتات والحيوانات وبني الإنسان ، فكلها خاضعة لقوانين واحدة وهي تمثل أدوارًا مختلفة في عملية النشوء والارتقاء ، ومن الفلاسفة الماديين الفرنسيين أيضًا : ديدرو (1731ـ1848) ، وهلفتيوس (1715ـ1771) ، ودالامبير (1718ـ1783) ، ودولباخ (1723ـ1789) ، وكاباني (1757ـ1801) ولكاباني ترجع بعض العبارات المادية الشائعة مثل "الجسم والروح شيء واحد" ، "الإنسان ليس إلا مجموعة أعصاب" ، "العقل يفرز التفكير كما تفرز الكبد الصفراء" ، "وكل الأشياء حتى ما يسمى بالظواهر العقلية والخلقية تتبع قوانين المادة وخصائصها" ، وكان علم القوى العقلية (الفرنولوجيا) وليد هذا النوع من المذهب المادي(1) .
وبعثت الفلسفة المادية في منتصف القرن التاسع عشر بفضل تقدم التجارب العلمية ، والفنون الصناعية ، فوصف موليشوت (1822ـ1893) كل دورة الحياة بعبارات المادة والطاقة "فإذا لم يكن ثم كبريت .. فلا تفكير" ، وزاد وجت (1817ـ1895) على هذه الكلمة كلمة كاباني وهي أن "المخ يفرز الفكرة كما تفرز الكبد الصفراء" ، وربما كان كان بخنر (1824ـ1899) أهم هذه الطائفة من المفكرين فكتابه "القوة والمادة" ظل زمناً طويلاً عدة الفلسفة المادية ودرعها ، وقد كان يرى القوة والحركة شيئاً واحدًا واعتبر كل شيء نتيجة المادة والحركة ، ومع أنه ميز بين المادة والحركة فقد أصر على أنهما متلازمتان لا تنفصلان وقد نبذ فكرة الحيوية واعتبر الحياة تتولد من تلقاء نفسها من المادة في ظروف معينة كما اعتبر العملية العقلية مجرد "إشعاع في خلايا المادة السنجابية للمخ لحركة صدرت عن مؤثر خارجي"(1) ، ومن العجيب أن يأخذ المذهب المادي شكله الماركسي بفضل فيلسوف من اكبر فلاسفة "المثالية" وهو "هيجل" ، وذلك يعود إلى طريقته الجدلية(2) التي اتبعها ليثبت أسبقية الفكرة على المادة ، فإن هذه الطريقة نفسها تلائم المذهب المادي ، ولعلها أقدر على البرهنة على أسبقية المادة منها على البرهنة على سبق الفكرة ، وفي الحقيقة أن الاشتراكيين اتخذوها وسيلة وغاية في نفس الوقت ، وعلى كل فلما كانت كلا من الفكرة والمادة لها وجودها الثابت فإنه ليبدو لنا أن إثبات سبق إحداهما للأخرى إنما يعود إلى الحقيقة نفسها التي كما سنرى يعد ، لا تنظر إلى الصلة بينهما كسبق ، ولكن كعلاقة لا يمكن تحديدها تحديدًا دائمًا مطلقاً ، وإنما تعود إلى أمهرهما في الجدل ، وألمعهما في الفكر ، وقد كان هيجل لا يشق غباره في الفكر والفلسفة ، فرأى سبق الفكرة "وإن كان فردريك إنجلز يقول إنه إنما فعل ذلك اتباعًا للتقاليد المأثورة التي تقضي بأن ينتهي كل مذهب فلسفي بنوع من الحقيقة المطلقة" ، بينما كان تلميذه ماركس ثاقب النظر موفق الخطى في التطبيق العملي فانتهى إلى عكس ما انتهى إليه أستاذه .
وفضلاً عن ذلك فقد ظهر ما بين هيجل ، وماركس لودوفيج فيورباخ الذي حسم كثيرًا من متناقضات مذهب هيجل في كتابه "جوهر المسيحية" ، ولكن ماركس وإنجلز يريان أن فيورباخ ليس ماديًا على طول الخط وأنه فيما يختص بالدين والأخلاق مثالي ، وهو نقص يقلل من أهمية فيورباخ المادية .
وهكذا قدر لكارل ماركس أن يكون هو الفيلسوف المدخر للمذهب المادي الذي استطاع بألمعيته أن يلم شتاته وينتقل به من مجرد مذهب فلسفي في المادية إلى نظرية وثيقة البنيان ، متصلة الحلقات ، تحمل اسمه وتكيف الأوضاع الاجتماعية والفكرية والتاريخية لمختلف الأمم والشعوب ، بل وتتنبأ بما سوف يحدث في المستقبل .
* * *
وقد تولى ستالين تصوير القسمات الرئيسية "للمادية" ، و"الجدلية" كل على حده ، فقال إن المادية على عكس المثالية أو الميتافيزيقية لا تؤمن بالفكرة المطلقة أو "الروح الكونية" أو غير ذلك من المعاني الموضوعية لأنها ترى العالم بطبيعته الأصلية مادي ، وهي ترى أن الفكرة نتاج المادة وإن كافة الظواهر ما هي إلا صور مختلفة للمادة في حالة الحركة ، وإن العالم يتطور وفقاً لقوانين حركة المادة وإنه ــ كما كان يعتقد الفيلسوف القديم ــ شعلة حية تتوهج بانتظام وتخبو بانتظام .
ويغالي إنجلز فيقول "إن العالم المادي الذي ندركه بحواسنا والذي نحن جزء منه هو الحقيقة الوحيدة وإن إدراكنا وتفكيرنا مهما لاح عليهما من السمو على الحواس هما نتاج لعضو من أعضاء جسمنا هو المخ ، فليست المادة من إنتاج العقل، بل إن العقل نفسه ما هو إلا أسمى إنتاج للمادة" ، وهي ترفض الإيمان بوجود "أشياء في حد ذاتها" أو حقائق ثابتة لا يحيط بها القانون العلمي ، ونؤكد أن العلم الحديث سيهتك ستار الغموض المستترة وراءه هذه الحقائق .
أما الجدلية فإن ستالين يرسم لنا خطوطها الأولى فيقول إنها لا تعتبر المظاهر المختلفة والحوادث المتعدد تجمعًا حدث بمحض الصدفة دون أن يكون لها ارتباط بعضها ببعض ، ولكنها تنظر إليها كأجزاء متصلة الروابط وثيقة الوشائج يؤثر بعضها على بعض فلا يمكن فهم ناحية منها بمعزل عن النواحي الأخرى أو في غير زمنها ومكانها .
وهي ترى كذلك أن الطبيعة في حالة تغير وتحرك وتجدد وتطور أو كما يقول إنجلز "إن الطبيعة كلها من أصغر الأشياء إلى أكبرها ، من حبة الرمل إلى الشمس ، من الخلية البدائية إلى الإنسان كلها في حالة مستمرة من النشوء والاندثار كلها في تدفق دائم وحركة وتغير لا توقف فيها" .
وهذا التغيير لا يقتصر على التغييرات الكمية ، بل إنه ينقلب إلى تغييرات نوعية أساسية بشكل وثبة سريعة مفاجئة نتيجة لتجمع كثير من التغييرات الكمية التدريجية ، فهو لا يأخذ شكل دائرة مقفلة أو تكرار لما حدث من قبل ، ولكنه يتم بصفة تقدمية تصاعدية من الأدنى إلى الأعلى ، ومن البسيط إلى المركب ، ومن الكم إلى النوع .
ويعتقد ماركس وإنجلز أن الاكتشافات الطبيعية هي خير ما يثبت صحة هذه النظرية في التطور وفي ذلك يقول إنجلز : "في علم الطبيعة كل تغيير هو انتقال من كم إلى نوع نتيجة لتغير كمي في شكل من أشكال الحركة الكامنة في الجسم أو المنقولة إليه فمثلاً نرى أن درجة حرارة الماء لا تأثير لها أول الأمر في كيانه السائل حتى إذا ما ارتفعت درجة الحرارة أو هبطت وصلت إلى اللحظة التي يتحول فيها الماء إلى بخار أو جليد ، ولكي يحمر سلك من البلاتين لابد من حد أدنى ثابت من التيار الكهربائي ، ولكل معدن درجة انصهاره ولكل سائل درجة غليانه وتجمده تحت ضغط مخصص على حسب قدرتنا على الوصول إلى تلك الدرجات الحرارية بما بين أيدينا من وسائل وأخيرًا لكل غاز نقطته الحرجة التي يتحول عندها بفعل الضغط والتبريد المناسبتين إلى حالة السيولة ، إن ما يسمونه في علم الطبيعة بالمعامل ما هو في الواقع إلا تسمية لتلك النقطة الحرجة التي تنشأ عندها تغيرات نوعية في الأجسام إذا ما زيدت الحركة أو انقسمت والتي تتحول بالتبعية عندها الكمية إلى نوع" .
وفي مكان آخر "يمكننا أن نعرف الكيمياء بأنها علم التغييرات النوعية التي تحل بالأجسام نتيجة للتغيير في التركيب الكمي خذ الأكسجين مثلاً إذا كان الجزيء يحتوي على ثلاث ذرات بدلاً من ذرتين كما هو معروف تكون الأوزون وهو جسم يتميز قطعًا عن الأكسجين العادي في الرائحة والتفاعل ، وماذا نقول في النسب المختلفة التي يتحد بها الأكسجين مع النتروجين والكبريت وكل منها يتخذ جسمًا يختلف نوعًا عن الأجسام الأخرى" .
وترى الجدلية أن التناقض كامن في جميع الأشياء ، فلكل منها ناحيتها السلبية والإيجابية الماضية والمستقبلة والصراع يدور بين هذين الضـدين ، الصراع بين القديم والجديد ، بين ما هو سائر إلى الفنــاء وبين ما تتمخض عنه الأيام بين ما هو في دور الاندثار وبين ما هو في دور النشوء ، إن هذا الصراع هو لب عملية التطور والارتقاء أو كما يقول لينين "الجدلية" في معناها الصحيح هي دراسة المتناقضات في جوهر الأشياء" ، وفي مناسبة أخرى "التطور هو دراسة صراع الأضداد" .
ويرى كارل ماركس أن امتداد هذه القواعد إلى دراسة الحياة الاجتماعية وتطبيقها على المجتمع يؤتينا نتائج على جانب عظيم من الأهمية ، لأنه يفسر تطور المجتمع على وجه الدقة ، ويرجع حوادثه إلى أسباب عملية ومادية بحيث لا يترك شيئاً منها للمصادفة أو للإرادة الإلهية أو للأسباب العليا الخارجة عن الطبيعة أو غير ذلك ، وبالاختصار فإنه يوجد علمًا له من الدقة ما لعلم الحياة مثلاً .
ويبدأ كارل ماركس ـ وهذا هو الجزء الذي ابتكره من الموضوع ـ في تطبيق هذه القواعد على الظواهر والأوضاع وتوضيح آثارها فيرى أن المادة لم تفسر بعد التفسير "المادي" أو "العملي" حتى من نفس فلاسفتها الذين نظروا إليها نظرة رمزية ، أما هو فيرى أن الإنتاج هو الذي يمثل المادة خير تمثيل .
حقاً إن الوسط الجغرافي ، من مناخ أو موقع له أثره الثابت في التطور ، ولكن هذا التغيير يتم ببطء ولا يساير تطور المجتمع ، فقد استبدلت أوروبا في مدى ثلاثة آلاف سنة على التعاقب ثلاثة نظم اجتماعية هي المشاعية البدائية والرق والإقطاعي ، بينما إن تغير العوامل الجغرافية التي تستحق الاهتمام يستغرق آلاف السنين أو ملايينها .
فالإنتاج أكثر فاعلية من أية ناحية مادية أخرى ، وهذا هو ما يجعله رمزاً للمادة عند ماركس ، وهو يقصد بالإنتاج إنتاج المواد اللازمة للحياة الإنسانية ، أي الغذاء والكساء والمساكن والوقود وما إلى ذلك ، وهذا لا يقتصر على القوى الإنتاجية ، بل يشمل العملية كلها من البداية حتى النهاية ، أي ما يحيط بها من علاقات متبادلة ، وطرائق في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والملكية .
فإذا كان الإنتاج هو الذي يمثل المادة في المذهب المادي ، فإن ذلك يستتبع أن يدور الصراع والتباين والتنافر والتناقض الذي في الطريقة الجدلية حول الإنتاج ولأجله ، وبذلك تتحقق المادية الجدلية تحقيقاً عمليًا في المجتمع .
وماذا يعني ذلك بمنطق الواقع ؟ ذلك يعني أن النظام الاجتماعي والسياسي والأفكار الروحية والمعنوية تختلف حسب اختلاف الإنتاج ، وتدور دائمًا حول محور الإنتاج وتـُـلائم ما بينها وبينه فكيفما تكون طريقة الإنتاج يكون المجتمع نفسه ، وهو يعني أيضًا أن التاريخ الحقيقي ليس هو تاريخ الزعماء والملوك والأنبياء وعظماء الرجال ، ولا هو تاريخ المذاهب السياسية والغزوات والفتوح ، ولكنه تاريخ الكتلة العاملة ودراسة قوانين الإنتاج .
وهو يوضح أسئلة تتردد في نفوسنا ولا نستطيع الإجابة عنها ، فكيف وسع أفلاطون وأرسطو وسقراط والأديان السماوية الثلاثة أن تقر نظامًا كالرق مثلاً ، وتبقي عليه ؟ إن ماركس يقول إن هذا الإقرار كان ضربة لازب ولم يكن الرجال ولا الأديان بالذين يستطيعون التغيير أو التبديل لأن النظام الاقتصادي كان يستلزم وجود الأرقاء الذين يقومون بما تقوم به الآلات ، ولم يكن إلغاؤنا الرق في العصر الحديث رحمة منا أو إنسانية ، ولكنه كان نتيجة لظهور الآلات والاستغناء عن الأرقاء ، ويمثل هذا التعليل يرجع ماركس أسباب وجود النظام الإقطاعي قديمًا ، والرأسمالي حديثاً .
فإذا صح ذلك فإن ماركس يرتب عليه نتائج أخرى فيجب أن تتسق العلاقات بين الإنتاج والمنتجين ، ويضرب ستالين المثال لذلك بالمشاعية البدائية التي كان فيها كلا من الإنتاج والاستهلاك جماعيًا ، وكذلك الجمهوريات السوفيتية ، فإن الإنتاج جمعي والاستهلاك جمعي أيضًا ، وعلى العكس من ذلك تتنافر علاقات الإنتاج بين المنتجين والمستهلكين في النظام الرأسمالي حيث ينتج المئات والألوف بينما يملك الأفراد والعشرات ويترتب على ذلكم تضخم الرأسمالية ونشوء الأزمات والصراع بين الطبقات .
* * *
هذا عرض أمين وإن كان مختصرًا للنظرية المادية من أقدم العصور حتى العهد الحديث ، ولا شك أن فيها جوانب كثيرة من الصحة ولكنها مع ذلك متعددة المقاتل وبقدر توسعها وتعميمها يكون حسابها العلمي عسيرًا .
فالعامل المادي له أثره البعيد في كافة الأوضاع ، ولا أحد ينكر ذلك ولكن ما الذي يدعونا إلى أن نجعل منه أعظم العوامل إطلاقاً في كل العصور وفي كل البلاد ؟ ليس لدينا مقياس دقيق أو ميزان صحيح يثبت ذلك ، بل الواقع يوضح لنا أن الأمور تختلف ، وأنه إذا كان التعليل المادي يصدق على بلد أو على عصر فإنه لا يصدق في البقية .
وليس لدينا  كذلك من المقاييس أو الموازين الدقيقة ما يوضح سبق الناحية المادية ، ودرجة هذا السبق وأثره .
وليس معنى السبق إذا وجد التأثير أو السيطرة ، فمن المعروف أن النمو يبدأ من البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى ، وقد سيطرت المادة طويلاً على الرجل البدائي حتى انتشله الفكر من وهدتها وأنقذه من إسارها .
لا شيء يضايق الرجل العلمي مثل التعميم وإصدار الأحكام بصفة مطلقة والقطع بصحتها أو التعصب لها تعصبًا أعمى ، إن ذلك يصلح في الدعوات الشعبية ، ويفلح في إغراء الجماهير وإثارة حماستها ، ولكنه لا يدخل في باب العلم ولا تنطبق عليه أحكامه .
كانت المبالغة والغلو هي داء كثير من الفلاسفة من قديم ، يتضح ذلك إذا وضعنا فلسفة بركلي المغرقة في المثالية أمام فلسلفة ماركس المغالية في المادية ، فبركلي(1) ينكر كل الوجود المادي ويدلل على صحة فكرته بنظرية(2) جديدة في الرؤية ، وماركس ينكر كل شيء ما عدا المادية ويزعم كما زعم من سبقه من فلاسفة المادة أن المخ يفرز(3) الأفكار كما يفرز الكبد الصفراء .
ولقد استفاد علماء النفس من نظرية بركلي ولفتت أنظارهم إلى الأثر النفسي في هذه المسألة ، كما جذبت انتباه علماء الفراسة العلاقة بين المخ والذكاء ، ولا تزال المذاهب الآن مختلفة في تحديد العامل المؤثر هل هو الحجم أو التلافيف أو المادة السنجابية أو غير ذلك ، وبذلك استفاد العلماء من كلا النظريتين ، وهذه هي قيمتهما الحقيقية بصرف النظر عن المغالاة والمبالغة .
وفيما عدا ذلك فهناك مذاهب فلسفية لا تقل عن المذهب المادي ولها فكرتها التي تخالف المادية ، فهناك المذهب المثالي وأبطاله سقراط وأفلاطون وأرسطو في القديم ، وكانت وهيجل وديكارت في الحديث ، وهي أسماء تستحق أعظم الاحترام ، وهناك المذهب الإرادي وفلاسفته شوبنهور وهارثمان ونيتشه ووندت ، وهناك المذهب الحيوي الذي وضع أسسه برجسون ، وهو أحدثها وقد ألم ولا شك بالنظرية المادية .
وذلك ما يدلنا على أن في كل مذهب أجزاء من الحقيقة وأن الميدان متسع لها جميعًا ، فالمذهب المادي صحيح ، ولكنه لا يصور الصحة كلها ونقيضه كذلك صحيح ، ومن الخطأ الزعم بأن مذهبًا من هذه المذاهب بالذات هو الصحيح أو أنه وحده أعظم أثرًا منها جميعًا .. الخ .
وجدير بفلاسفة يؤمنون بجدلية تثبت وجود الاختلاف والتعدد والتنافر والتنازع كظاهرة طبيعية ، ووسيلة للتطور التقدمي أن يقتصدوا في تحديد هذا التنوع أو توجيه هذا التنازع ، فإنهم وهذا من أعجب الأمور ــ قد كادوا يخطئون الخطأ الذي عابوه على هيجل ، فهيجل قد أوقف تطور الديالتيك عند نقطة خاصة وبدئه من جديد لتقيده بالفكرة المطلقة ، ومع أن الماديين قد تجنبوا هذا التوقف إلا أن قصره على المادة وربطه بها وحدها لا يختلف إلا قليــلاً جدًا عن ربط هيجل للتطور بالفكرة .
* * *
ومع كل فلسنا في حاجة إلى نقاش فلسفي ، ففي وسع رجل الشارع أن يسأل عن أثر المصادفات في نظام ماركس الميكانيكي ومذهبه الآلي ، فلا يسع أحدًا من أتباعه الإجابة ، فالصدفة تثبت وجودها في كافة العصور وكافة الميادين ، وكافة الأمم ، ومن اللحظة الأولى التي تبدأ فيها الحياة الإنسانية يظهر أثر الصدفة ، فهي التي تجعل حيواناً منويًا واحدًا من ملايين غيره يلتقي بالبويضة الأنثوية .
وفي الناحية السياسية في مصر مثلاً ، ماذا كان يحدث لو أن كليوباترا كانت أقل جمالاً وفتنة ، وأن "أنطونيو" كان أكثر مناعة وحصانة مما كان ، إن من العسير أن تربط بين جمال امرأة ، وبين ناحية مادية ، فالجمال بين الفقراء والأغنياء ، في الشمال والجنوب ، في القديم والحديث ، ومع ذلك تغير وجه التاريخ لهذه الصدفة .
وماذا كان يحدث لو لم تطرأ لعمرو بن العاص تلك الحيلة البارعة عندما كاد النصر يتحقق لعلي بن أبي طالب في صفين ، حيلة رفع المصاحف ، بنت البديهة السريعة ووحي الذكاء اللامع .
وماذا كان يحدث لو لم تمطر السماء ليلة موقعة "واترلو" أو كان "ناي" المتفزز محل "جروشي" البليد ، أو أصابت نابليون الرصاصة التي اودت بصديقه "دوروك" وقد كان معه قبل إصابته بثوان ، بل وألم يكن من المعقول أن الثورة الشيوعية نفسها لم تكن لتندفع لو لم يقتل البوليس القيصري الأخ الأكبر للينين ، ولو لم يقع في يده مصادفة أحد الكتب الماركسية .
وفي الناحية العلمية نرى أن كثيرًا من الاكتشافات قد أوحت بها صدفة عابرة أو حادثة تافهة ، مثل "تفاحــة" نيوتن ، و"غلاية" ستفنسون ، و"مفتاح" بكرل ، وكل كشف من هذه الكشوف كان إيذاناً بعهد علمي جديد ، قانون الجاذبية ، وكشف قوة البخار ، ومعرفة الإشعاع الذري .
وماذا عن عظماء الرجال ، والأنبياء ، والمفكرين ، والقادة الذين لعبت مئات الصدف الصغيرة في توجيههم نحو قصدهم المعروف ، ولولاها لتغيرت حالهم ، ولتغير تاريخ العالم .
يجيب الاشتراكيون بأن صدف ظهور زعيم أو كشـف نظرية ، إنما هي ضرورة ترجع إلى أصل اقتصادي ، ولو أننا أبعدنا هذا الزعيم أو أخفينا هذا الكشف ، لكان يجب أن يظهر رجال آخــرون يقومون بنفس الدور ، ويلبــون نداء الضرورة ، وهو رد تعوزه البرهنة ، وتنقصه الدقة لأننا لا نستطيع المعرفة اليقينية للذي كان يحدث لو لم يحدث ما حدث فعلاً ، وهل كان يبرز رجال يمثلون نفس الدور أم لا ؟ فإذا افترضنا صحة ذلك ، فمن المغــالاة أن نزعم أن البطل الجديد ستكون له نفس الصفات والخلائق التي كانت عند من ظهر فعلاً ، فمن العسير أن نتصور نسخة أخرى من نابليون تحل محله ، وتؤدي عمله ، وتحارب في معاركه كما فعل هو ، وإذا عللنا صدفة الظهور بأنها ضرورة اقتصادية ، فبماذا نعلل مئات الصدف في حياة الشخص نفسه بالذات ؟
ويبرهن إنجلز على صحة نظريته في ذلك بقوله : "حينما كشف ماركس النظرية المادية في تفسير التاريخ قدم تييري ، ومينيه وجيز وجميع المؤرخين الإنجليز ــ حتى سنة 1850م ــ البرهان على أنهم كانوا يسعون إلى تحقيق هذا الكشف ، واكتشاف مورجان للنظرية نفسها دليل على أن الوقت كان مهيئاً لها ، وإنه كان لابد حقاً من كشفها" .
وإنجلز أدرى من غيره في هذه الناحية بالذات ، ولابد أنه مصيب فيما ارتآه ، وتاريخ العلم والاكتشافات لا يعدم أمثلة أخرى تؤيد نظريته يحضرنا من ذلك اكتشاف ليبنتز ونيوتن لحساب التفاضل والتكامل في وقت واحد ، واكتشاف داروين والفريد رسل والاس لنظرية التطور في نفس الوقت ، وقد سجل كل من بل وأساجراي اختراعهما للتليفون في يوم واحد ، ولكن إنجلز لابد أن يسلم معنا بأن اكتشاف النظرية على يدي ماركس قد ترتب عليه من النتائج الخطيرة الهامة ما لم يكن ليحدث لو اكتشفت على يد غيره من العلماء الإنجليز مثلاً .
وهناك اكتشافات واختراعات ظهرت قبل وقت الحاجة(1) إليها أو تمكن الانتفاع منها كما أن الفصل كان تامًا بين المخترع لأصيل الذي أبرز الفكرة ، وبين رجال الأعمال الذين تولوا الاختراع بالإخراج والاستثمار ، وهذا وإن كان يدل على أن الانتفاع من اختراع أو اكتشاف إنما هو رهن بحاجته ووقته إلا أنه يثبت سبق الفكرة ، ففي هذه النقطة لم تستطع الماركسية أن تربط بين الحاجة وبين الاختراعات والاكتشافات ، ولم تحدد العلاقة بين البيئة وبين العظماء تحديدًا يدل على أن كلا من المخترع والعظيم هو صدى الحاجة والبيئة ، وأن اكتشافاته ونبوغه وعظمته إنما تعود إلى المجتمع قبل أي شيء آخر ، لأن الحقيقة في الواقع غير ذلك ، فهناك رجال من القادة والمكتشفين هم أبناء بيئتهم ووقتهم ، ولكن هناك آخرين يسبقون زمنهم ويبهرون معاصريهم بثمرات قرائحهم وعزائمهم وعظمتهم ، وهؤلاء هم الذين يقفزون بالبشرية ويؤثرون في تاريخها بفضل مواهبهم لا بفضل مواتاة الظرف أو الزمان وكثيرًا ما يفشلون ، وفشلهم يؤيد ما ذهبنا إليه من قبل من سبق الفكرة للمادة .
ولو وضع أحد ما "الحب والبغض" مكان الإنتاج ، وعلاقات العاطفة محل علاقات المادة لجاء بنظرية لا تقل أهمية وصدقاً عن النظرية الماركسية ، وإن كانت ساذجة بسيطة ، فإن كافة أعمالنا تتأثر بالحب الذي هو صفة فردية واجتماعية في نفس الوقت "أي تترتب عليه علاقات اجتماعية ، والعلاقة ما بين الأب والابن ، والزوج والزوجة ، والرئيس والمرؤوس ، كلها تخضع لعوامل عاطفية بعيدة عن النواحي المادية ، وهي ــ أي هذه النظرية الجديدة تستند بعد ذلك إلى أساس علمي من نظريات علم النفس الحديثة والغرائز والطبيعة البشرية ولتمكن لمؤيديها من الاستعانة بآراء "فرويد" ، و "أدلر" ، و "يونج" ، و "ماكدوجال" وغيرهم من علماء النفس الذين يفتحون آفاقاً لا تقل سعة وعظمة عن الآفاق الاقتصادية ، بل لوجدوا في كتاب الاشتراكيين أمثال "تولستوي" و "جوركي" ما يثبت ذلك ، فإن جوركي في قصته الصغيرة الخالدة "ستة وعشرون وواحدة" دلل لنا على أن الإنسان يتحمل الشقاء المادي ، وتكاليف الحياة الثقيلة في حين أنه يعجز عن تحمل خيبة الحب وفجيعة العاطفة ، ولاستطاعوا كذلك أن يقولوا إنه إذا كان الجوع هو الذي جعل للمادة أهميتها العظيمة ، فإن الحرمان الجنسي يعطي الحب والعاطفة مثل أهمية المادة ، ولعله من وجهة النظر الاجتماعية أهم منها لأن الإنسان يستطيع أن يشبع جوعه بيده ، ولكنه لا يستطيع أن يشبع عاطفته إلا مع الآخرين .
وترى الماركسيين يكثرون من إقحام العلم في دعوتهم ويزعمون أنهم نصراؤه وأن دعوتهم هي الوحيدة التي تقوم على العلم عندما تقوم باقي الدعوات على الإغراء والإيمان .
وهو زعم باطل ولاشك لأن الاشتراكية المثالية سبقت الماركسية ، وكانت أنبل وأعظم وأكثر حرارة ، واصدق إخلاصًا ، فلما جاءت الماركسية كان لها "كدعوة" إغراؤها التي تدين بانتشارها إليه : إغراء صراع الطبقات ونصرة المحرومين ، ولو كان نجاحها رهناً بالعلم وحده لكان يجب أن تنهار وتضعف لأن الماركسية قد خسرت قضية العلم عندما خرجت من الميدان الفلسفي الواسع إلى الميدان العلمي الضيق فعجزت عن تحديد التعميمات التي وضعتها كسبق المادة ومدى أثرها في بقية العوامل وتبعية الاكتشافات للعصر ، وعظماء الرجال للبيئة وهي كلها نواح فلسفية لا يمكن في الحقيقة تحديدها ، ولكن الماركسيين قذفوا بها إلى ميدان العلم فيجب أن نحاسبهم بحساب العلم .
وحتى لو كان المذهب الماركسي مذهبًا يطابق القوانين والنظريات العلمية فإننا لننصح للماركسيين أن يقللوا من زهوهم بذلك ، فالعلم بأسره ليس كل شيء ، ومهما كان العلم فإن القواعد الأخلاقية ستفضله دائمًا ، وبأي حق تطلب من أحد الناس أن يقتنع بالمبدأ العلمي ويصم صوت ضميره ؟ أن ذلك الرجل لمحق إذا رفض لأنه يرى أن المثل الأعلى القديم لدى سقراط مازال حيًا صادقاً لم يتغير حتى الآن بينما سقطت المزاعم العلمية لأرسطو بعد أن آمن بها العالم عصورًا طويلة ، وسيبقى دائمًا أمثال هؤلاء الرجال الذين يحكمون بأن الصدق خير من الكذب بأسرع مما يحكمون بأن الأرض كروية ويرون أن العلم ما هو إلا إحدى وسائل الحكم على الأشياء وليس الوسيلة الوحيدة ، وإن له دائرة اختصاصه المحدودة التي لا يصح له أن يتعداها .
ومع كل فماذا نعرف عن العلم ؟ إننا لم نعرف منه إلا القليل ، وكل كشف جديد إنما هو برهان على جهلنا السابق به ، ولو قلنا إنه مازال في جعبة العلم قوانين يناقض كل منها كل قانون لدينا لما قلنا مستحيلاً أو آتينا بشيء لا يتسع له ميدان العلم ، وأقرب ما يحضرنا من ذلك أن المادة نفسها تحت البحوث الحديثة(1) تكاد تفقد خصائصها التي تمثلها إلى حد ما الطاقة ، وكل عالم حقيقي يشعر إزاء تيه المعارف أنه ــ كما قال نيوتن ــ كالطفل قد عثر على إحدى الصدفات ، وأمامه البحر اللانهائي الحافل بملايين الأصداف .
أو يقول كما قال الشافعي :
كلما علمني الدهــــر         أراني نقص عقــــلي
وإذا ما ازددت علمًا          زادني علمًا بجهــلي
* * *
والواقع أن الماركسية لم تسرف في دعاويها على حساب العلم فحسب ، بل أيضًا على حساب المادية نفسها ، فإنها جعلت من الإنتاج وعلاقاته المتداخلة رمزًا للمادية المؤثرة واستبعدت بقية العوامل المادية مع أن بعضها يفضل الإنتاج قوةً وتأثيرًا ، وإن لم تكن مثله ظهورًا وسرعةً ، فقد يكون الموقع الجغرافي في مصر أكثر أهمية من الإنتاج لأنه فرض عليها مصيرًا تاريخيًا استلزم لوناً خاصًا من الإنتاج ، وقد يكون المناخ في شبه الجزيرة العربية ووسط أفريقيا أو مناطق الشمال الباردة هو الذي حدد قسمات الإنتاج وطرائقه ووسائله ولا نعدم أمثلة أخرى كثيرة من هذا النوع .
وأغلب الظن أن ماركس لما وجد شواهد صحة فلسفته في بعض النواحي تناسى بقية النواحي ، ولم يعد يأخذ الوقائع من النظرية نفسها ، بل أخذ يفرض عليها الوقائع ويحملها على تفسير كل ناحية من نواحي النشاط الإنساني رغم ما في ذلك من ابتسار ينطق بالتعمل والتكلف ، وهي القصة القديمة للمذاهب ، فالفيلسوف يؤخذ بالفكرة الواحدة التي تفسر كل شيء ، ويبني عليها نظامًا جامعًا يلم أطراف الكون ، ومع أنه في الأول إنما يستنتج فكرته الأساسية ، إلا أنه شيئاً فشيئاً يتحمس لفكرته تحمسًا يحد من حريته العلمية ويجعله يجمد على رأيه ، وقد كان الإغراء أمام ماركس قويًا لا يقتصر على التشييد النظري لفلسفة جامعة وإيجاد تفسير مادي للتاريخ ، بل أيضًا يتعلق بالناحية العملية ، لأن نتيجة هذه النظرية تأتي في وقتها المناسب ، وتجعل من مبدعها فيلسوفاً وزعيمًا في نفس الوقت ، لذلك كان ماركس داعية عملي لمذهب معين ومؤسسًا للجمعية الاشتراكية الدولية سنة 1864م بقدر ما كان فيلسوفاً ومؤلفاً لكتاب رأس المال .
على أن أقسى نقد يمكن أن يوجه إلى الماركسية هو عدم معالجتها للناحية الإيجابية والإدارية ، فإذا افترضنا جدلاً أن كل ما جاءت به النظرية الماركسية يطابق ما يحدث في الواقع فإننا نرى أنها قد قامت بشطر من حل المشكلة التي تتعرض لها الفلسفة ، ولعله الشطر الهين ، أما ما يجب أن نعمله لعلاج نقص الإنسانية وآلامها فإنها لا تقدم سوى حلاً هزيلاً يتجاهل الطبيعة البشرية ، ويمكن الرد على خطئه بقواعده "الجدلية" نفسها ، ومن وجهة نظر الماركسية إذا كان الإنسان شيئاً من الأشياء ، وجزءًا لا يستطيع الفكاك من أسر قوانين تحكم نشاطه ، وتحدد مصيره ، وإذا كان الكون من أصغر ذرة حتى أكبر جرم ، ومن أعظم الأحداث حتى أتفه الحركات يسير حسب قوانين ميكانيكية آلية لا مكان معها لإرادة الإنسان أو حرية الاختيار ، فما فائدة الجهد والسعي والعمل والإرادة ، أو رسم الأهداف ، وتنظيم الخطط .
إنه لعجيب حقاً هذا الإسراف من الماركسية في تجاهل الناحية الإنسانية وأثرها فالتفرقة القديمة بين العاقل وغير العاقل ، بين الإنسان وبين الشيء لا تنال أدنى اهتمام أو أقل عناية مع أنها أصيلة ، لها من القوة ما تجعلها تقف أمام الطبيعة موقف الند للند ، وسيان كان الامتياز الإنساني سرًأ من أسرار الذات الإلهية ونفحة قدسية من روح الله أو تقدم بضعة ملايين من السنين ، فالمهم هو أن الامتياز الإنساني قد أفرد الإنسان بخصائص تجعله يصمد أمام تقلبات الطبيعة ، ومن المعقول جدًا أن القوانين التي يوردها إنجلز عن التطور الفجائي وغيره ــ لا تصدق تمامًا على الإنسان ــ وإن صدقت على الأشياء والمواد وذلك ما يمكن أن يطلق أيضًا على كثير من النواميس الطبيعية الأخرى ، وكل صفحة من التاريخ البشري تنطق بأن الامتياز امتياز أصيل ، وأن التفرقة بينه وبين غيره إذا لم تكن نوعية ، فإنها تمثل ملايين من السنين يجب تقديرها ، وفي جميع الحالات فلا شك أن الإنسان له مميزاته الخاصة التي استطاع بها أن يفوق غيره من الكائنات وقد أشرقت الشمس من آلاف السنين على حيوانات لم تتقدم قيد شعرة عما كانت عليه بينما تقدم الإنسان تقدمًا لا يكاد يتصور ، فكيف نطبق عليه القوانين التي تسري على المواد الغفل أو الحيوانات والأنعام .
وأبرز مظاهر الامتياز الإنساني هي الذكاء ، والخيال ، والقدرة على الربط بين الحاضر والماضي ، والمعنويات الكريمة أي الفنون والآداب والديانات والمثل العليا التي تصور ذروة الحضارة ، أما الوازع الاقتصادي أو المادي فقد كان اقل العوامل أثرًا في التقدم الإنساني ، ولقد استهوت البشرية منذ قدماء المصريين حتى عهدنا الحاضر خيالات البطولة ومعنويات الأديان وبريق المثل العليا فعنيت بالجميل قبل أن تعنى بالنافع ، ولم يبرز العنصر الاقتصادي كعامل مؤثر إلا في العصر الحديث عندما استطاع الذكاء الإنساني أن يخترع الآلات ويكتشف القوى فاستطاع أن يوفر لنفسه من الحاجات ما لم يتوفر له من قبل ، وبالتالي أصبح عبدًا لهذه الحاجات ، فبرز العنصر المادي كعامل فعال وحتى هنا فإن الحاجات الاقتصادية كثيرًا ما ترجع إلى النواحي الذوقية والنفسية والعاطفية أكثر مما ترجع إلى الناحية المادية الأصلية ، فإن الناس تلبس وتتأنق لأن ذلك يرضي كبرياءها وخيلاءها ، وهي تدخن عندما تتضايق أو لكي تسري عن نفسها ، أي أن الحاجة المادية وهي الزي والتدخين هنا إنما هي استجابة لحالة نفسية هي التضايق والزهو وليس العكس .
وكما أننا لم ندرس بتفصيل ، ما إذا كان الامتياز الإنساني سرًا إلهيًا في الإنسان أو أن تقدم ملايين من السنين جعل منه سيدًا للطبيعة بعد أن كان عبدًا لها أو منحه طبيعة أخرى مستقلة بعد أن كان جزءًا منها ، لأن النتيجة واحدة ، وهي تقدم مرتكز على امتياز أصيل ، فإننا لن نتعرض لما إذا كان للمعنويات وجودها المعنوي المستقل أو أن الإنسان قد ابتدعها ابتداعًا لينظم بها حياته وهو فرض لا يضيرنا على الإطلاق ، بل على العكس يزيد من أهميتها ، ويوضح ضرورتها لأن النتيجة في الحالتين واحدة وهى أن المعنويات قد خدمت البشرية خدمة كبرى ، وكانت النجم الذي تهتدي به في جهادها العظيم لتشييد الحضارة ولولاها لما كان الإنسان كما هو فردًا يتغلب على ذاته ، ويكبح جماح غرائزه ويقدر الغير ويحسب حساب المستقبل ويحفظ الاعتبارات الخلقية ، فلو لم تكن موجودة لوجب على المفكرين إيجادها وخلقها وإسباغ ثوب القداسة والاحترام عليها .
والواقع أن الماركسيين لا ينكرون ذلك على إطلاقه ، ولكنهم يردون أصول المعنويات إلى أسباب مادية ، وهذا يمسخها مسخاً ، ويجعلها وسيلة ، وكل قوتها هي أنها غاية .
* * *
وخلاصة القول في هذا الفصل أن التطور البشري أعظم من أن يكون ماديًا فحسب ، وأن قواعد الجدلية تصدق في كثير من الحالات ، ولكن ليس دائمًا ، وأن التاريخ البشري يعود إلى عوامل عدة يلعب فيها الأدوار الرئيسية العامل المادي والمصادفات والمعنويات ، وبطولة الفاتحين ونبوغ المكتشفين ، وأهواء النفوس ، وأن كل محاولة لتحديد النشاط الإنساني والتنبؤ بتطوره أو الزعم بأن كل شيء في الإنسان كما هو في المادة يرتد إلى أصل مادي ، ويسير حسب قانون آلي ميكانيكي يمكن معرفته ، هي محاولة ظالمة لتحديد شيء غير محدود ومعرفة شيء سيظل دائمًا غامضًا مبهمًا ولو عرفناه لجر ذلك علينا كثيرًا من التعاسة والشقاء ، لأن الأمل لن يقودنا إليه ، ومعرفتنا به ستثبطنا عن إدراكه ، ومن أجل ذلك أربدِّت وجوه أبطال الروايات أمام العرافة القديمة وحاولوا نسيان ما قالت ، وتكذيب ما زعمت ، وأن كل زعم عن سبق للمادة على الفكرة أو للفكرة على المادة إنما هو قول عام لا يمكن إثباته أو تحديده ، ولو قدر علينا المفاضلة في أي العوامل أشد تأثيرًا في التطور الإنساني لكان من المحتمل أن نرجح كفة المعنويات على الماديات لأنها هي ناحية الامتياز الإنساني والمعنى الحقيقي للحضارة ، ولأنها حاولت علاج الواقع ونجحت إلى حد كبير ، أما الاشتراكية فسنرى أن حلها الذي تقدمه لا يمكن أن يؤثر كثيرًا ، ولعله بتأثير ما يستلزمه من ملابسات سيئة يؤخر أكثر مما يقدم .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
@+
النظريات الاقتصادية والاجتماعية للماركسية
ــــــــــــــــ
يلجأ علماء الاقتصاد السياسي عندما تأخذهم الحيرة في تعريف الاشتراكية وتعديد مذاهبها إلى قاعدة عامة هي أن الاشتراكية هي المذاهب المتنوعة التي تتميز بخاصيتين هما تقرير المساواة العملية بين الناس وعداوة الملكية الفردية ، وكان بإمكانهم أيضًا أن يقولوا إن الصفة العامة الغالبة على كل المذاهب الاشتراكية هي كما يفهم من دلالة الاسم نفسه "الجماعية" التي هي نقيض الفردية .
والاشتراكيون جميعًا على اختلافهم يؤمنون بأن العمل الجماعي خير من العمل الفردي ، وأن مصلحة الجماعة خير من مصلحة الفرد ، وأن النظام ألزم من الحرية ، وأن الصفة العامة تغلب الصفة الخاصة ، وهو ميل يتلاءم مع مطلبهم في المساواة ، وعداوتهم للملكية ــ ثمرة الفردية ــ ويتسق مع فلسفتهم الطبيعية التي تحرم الفرد من الإرادة وتأبه للجنس فحسب ، وليس الفرد .
والخطأ هنا هو الخطأ في الفصل الأول التعميم ، وتناسى العوامل الخاصة والنفسية والمؤثرات الأخرى العديدة ، ونكران أثر الوازع الذاتي .
تعج الأرض بالبؤساء المحرومين والتعساء الأشقياء ، كل منهم يعلم أن مستقبله شر من حاضره ، وأن غده اسود من يومه ، ومع ذلك فلا يفكر أحد منهم في القضاء على نفسه والتخلص من حياته ، لأن حب الحياة أقوى من كل فشل والتعلق بها متغلغل في جذور النفس الإنسانية يغلب كل صعوبة ، ويهون كل قسوة ، وما الشهوات والربح والشهرة إلا وسائل لتوكيد ذاته وإثبات وجوده ، وما الاكتشافات ، والاختراعات والفنون ، والفلسفات ، والزعامات ، والغزوات إلا انبعاثات ينظمها الوازع الحيوي الذاتي على اختلافها في سلكه ، وكل ما في العالم من خير أو شر إنما هو ثمرة من ثمراته ، ومن الخطأ أن نحسب أن وازع الربح المادي ، وازع مستقل أصيل ، فإنما هو فرع من الوازع الحيوي لا يمكن محوه إلا بمحو الحياة نفسها ، وقد برز على غيره في هذا العصر ، لأن سلطة المادة قد تضخمت وآفاقها قد اتسعت .
وليس معنى ذلك أن يطلق له الحبل على الغارب ، فكبحه وتوجيهه واجب ، ولكن لا يجوز أن يقتل المريض نفسه ، والأديان والمثل العليا وطرق التنظيم المستحدثة في البلاد الديمقراطية وسائل صالحة لهذا التوجيه ، والماركسيون يرون أن طلب الربح "رذيلة برجوازية" لا يصح لهم اقترافها ، وهذا جميل ونحن نوافقهم إلى حد كبير ، ولكن لكي يتم ذلك يجب أن يكون الإيمان به صادرًا عن اقتناع وحرية وليس اضطرارًا وعجزًا ، وإلا فلا قيمة للعمل به تحت ضغط السلطة أو استجابة لأمر الحكومة .
لذلك يجب علينا أن نقضي نهائيًا على كل فكرة لمحو الطابع الفردي أو كل محاولة تصهر الفروق الفردية في بوتقة عامة بحيث تنعدم فيهم الخصائص الذاتية ، لأن في تنوع النفوس ، وتعدد الطبائع ، وحرية الوازع ، الضمان لتقدم الحضارة وحمايتها من ضيق الأفق ، وجمود الأوضاع وانعدام الابتكار الفردي ، ولأننا من وجهة النظر الاجتماعية البحتة ، نجد أن الفرد القوي هو "وحدة" المجتمع القوي ، ولن يوجد مجتمع قوي يقوم على أفراد ضعفاء ، فإن مظهر التماسك والطاعة الذي يأخذه مثل هذا المجتمع سرعان ما ينقشع ويترك مكانه للفوضى والتحلل وهذه ملاحظة هامة جديرة منا بكل اهتمام وتقدير فإن ميزة الحضارة الحديثة الأولى هي أنها أفسحت المجال أمام كل فرد ، واعترفت بشخصيته ومنحته الحرية ، واحتفظت له بحقوق عمله وكده ، وحمته من سلطة الجماعة ، وطغيان الأمراء والكهنة والملوك وكل انتقاص من هذه الحقوق إنما هو انتكاس في الحضارة وعودة إلى القديم وتقهقر إلى الوراء لا يقدر أثره الذين نشأوا في الحرية ، ولكن صحائف التاريخ الحمراء الدامية تحدثنا عنه أبلغ حديث .
ويظهر أن الماركسيين لا يؤمنون بهذا الكلام لأنهم جعلوا الوحدة الإنسانية الطبقة وليس الفرد وتعدوا في سبيل ذلك الفرد والأسرة والمدينة والوطن وهي الوحدات التي تسبق الطبقة ، كما ابتدعوا نظرياتهم في المساواة والملكية .
والمساواة المطلقة حلم لا يمكن أن يتحقق لمخالفته لطبائع الأشياء لذلك باءت جميع المحاولات التي جربها الماركسيون بالفشل وإن كان الإنصاف يقتضينا أن نقول إن صيحة المساواة إنما قامت على أكتاف فلاسفة الاشتراكية المثالية ، أما ماركس فلم يعن بها كثيرًا ، ولكن الماركسية ظلت مع هذا حتى اليوم مقترنة في أذهان الناس بالمساواة .
وهناك عدة آراء في المساواة منها المساواة الشيوعية ومبدؤها "من كل شخص بحسب قوته ولكل بحسب حاجاته" de chacun ses forces, à chacun selon ses besoin ، أي أن يعمل كل شخص بحسب قوته ويأخذ حسب حاجاته ، وهو رأي خيالي ، لأنه لن يمكن تقدير جهد كل فرد وحاجته ولو أمكن ذلك وطبق فإن نصيب الأقوياء في العمل والحاجة سيزيد ، فلن تكون هناك مساواة ، فإذا زاد في العمل فحسب وسوى في الحاجة بالباقين ففي ذلك ظلم لهم فهو على أحسن الفروض ــ ولو أمكن التنفيذ ــ يحقق العدالة لا المساواة .
وهناك رأي آخر شعاره "كل شخص يعمل نفس العمل يحصل على نفس التمتع" de echacun le même travil, à chacun la même jouissance ، أي أن يعمل الناس وتقدر حاجاتهم بنسبة واحدة هي متوسط الاثنين (العمل ــ الحاجة) ، وهو أساس باطل لأن طبائع الناس تختلف وقواهم تزيد وتنقص ، فلن يؤدي الضعيف نفس العمل ، ولن يقنع القوي به ، وكذلك حاجات الناس .
وآخر الآراء في المساواة هو المساواة في وسائل الإنتاج وأصحاب هذا الرأي يرون أن تملك بعض الأفراد لوسائل الإنتاج هو سبب عدم المساواة ، فلابد أن تتحقق المساواة في الإنتاج إذا أريد المساواة الفعلية بين الناس ، وهم يقترحون لذلك ثلاثة حلول :
أولها : هو تقسيم كل وسائل الإنتاج على الأفراد بنسبة متساوية ، ويعترض على هذا الحل بأنه ليس اشتراكيًا بالمعنى الدقيق لأنه سيترتب على تقسيم رؤوس الأموال أن يكون كل فرد مالكاً ، والاشتراكية تحارب الملكية ، كما يعترض بأنه لن يمكن فيه مراعاة المساواة فإن بعض الناس سيأخذون قطعة أرض بينما يأخذ الآخرون جزءًا من آلة ، وحتى لو نفذ فلن تستمر هذه المساواة طويلاً لأن بعض الأراضي أكثر خصبًا من غيرها ، وبعض الصناعات أكثر إنتاجًا من البعض الآخر ، كما أن بعض الناس أعظم مقدرة وأكثرهم همة .
ويتلخص الحل الثاني في جعل وسائل الإنتاج ملكاً لمن يستغلها أو يعمل بها فتكون الأرض للفلاحين ، والمصانع للعمال ، والمناجم للمعدنيين على أن تكون الملكية فردية فيما يمكن استغلاله فرديًا ومشاعة في الموارد التي لا يمكن استغلالها إلا بواسطة عدة أفراد والاعتراضات السابقة تثار هنا أيضًا .
أما الحل الثالث فيرى أصحابه إلغاء الملكية الفردية والملكية المشاعة ولا يبقى إلا نوع واحد منها هو الملكية الجماعية collective فتؤول كل رؤوس الأموال إلى الدولة التي توزع على كل شخص بحسب عمله a chacun selon son travail ، أي أن ساعات العمل هي التي تحدد الأجر الذي يتقاضاه العمال في نظام الجماعة وهذه النقطة هي أهم ما يثار بحق ــ على هذا الحل ــ لأنه لن يمكن تقدير هذا العمل الذي قد يأتي عفوًا كما قد لا يتحقق في ساعات طويلة ، لأن الجهد الذهني عمل أيضًا .
وبالنسبة للملكية فإننا نجد أمامنا(1) عدة آراء منها إلغاء جميع أنواع الملكية وهو مذهب الفوضويين Anarchistse ، ففي النظام الشيوعي تلغى الملكة بجميع أنواعها "بالنسبة لأموال الإنتاج والاستهلاك" ، أما الفوضوية Anarchisme ou doctrine libertaire ، فتضيف على ذلك إلغاء الدين والدولة Ni dieu Ni maitre لأنهم يرون أن طاعة الإنسان لغيره فيها تنازل عن الكرامة ويقولون إن كل سلطة وسيلة إلى الاستغلال والدولة عندهم تؤدي إلى التعقيد فلا ضرورة لوجود قوانين أو بوليس أو عقوبة ، فليس لأحد حق الإكراه على شخص آخر والمرشد الأعظم للناس هو العلم والعقل La raison et la science وهذا المذهب ظاهر البطلان والخطأ ، فهو يسئ فهم معنى الحرية إذ المسلم به أنه يجب أن يتنازل كل شخص عن جزء من حريته للاحتفاظ بالجزء الباقي .
ومن هذه الآراء الجماعية Collectivisime ، أي الاحتفاظ بالملكية الخاصة لأموال الاستهلاك المعدة لإشباع حاجات الإنسان مباشرة وقصر ملكية وسائل الإنتاج كالأرض والمناجم والسكك الحديدية على الدولة بصفتها ممثلة الهيئة الاجتماعية ويعاب عليه أن الناس يستبدلون فيه الاستغلال الرأسمالي بالإهمال البيروقراطي الحكومي ، وهو أمر مشهود في كل حكومات العالم ، فطبيعة العمل الحكومي تقضي عليه بأن يكون أكثر بطئاً وتبذيرًا من العمل التجاري ، ولعل الاستغلال الرأسمالي أرحم من الاستبداد الحكومي ، لأن الأول يخلق الروح المناوئة له ويثير روح المقاومة بشكل مشروع ثم هو متفرق هنا وهناك ، والدولة تستطيع أن تصلح فساده بالقوانين ، كما يمكن للعمال أنفسهم بفضل اتحاداتهم الحد منه ، أما استبداد الدولة فإنه محيط شامل ، وإهمالها عام ، ولا يمكن الإصلاح إلا بثورة ، والأمر بعد ذلك موكول إلى الطبيعة البشرية التي لا تستطيع أمامها القوانين الصماء شيئاً والطبيعة البشرية واحدة في الرأسماليين والحكوميين وكل أنواع الناس .
وبصفة عامة فإننا نلحظ في جميع هذه المحاولات للإصلاح الابتسار والتعميم وقسر النظرية على تطبيق لا يستقيم مع الطبائع العملية وإذا قارنا هذه المحاولات النظرية المتكلفة بطريقة سهلة بسيطة كفرض الضرائب التصاعدية لرأينا أن هذه الأخيرة قامت بمحاولة المساواة والعدالة بطريقة هادئة ، عملية ، مستمرة ، فالضرائب في بريطانيا تعيد توزيع الثروة مرة كل ثلاثة أجيال ، وهي مع ذلك لا تقتضي ثمن هذه المساواة من حرية الفرد أو بمحاولة التضييق عليه" .
* * *
ومن النظريات الاجتماعية التي يعطيها الماركسيون أهمية كبرى نظرية "صراع الطبقات" ولو صحت لكانت جديرة بها لأنها ثمرة تطبيق الجدلية المادية على المجتمع ، وخلاصتها أننا نجد في المجتمع كما نرى في الطبيعة الصراع بين الناس ، ويأخذ هذا الصراع شكلاً طبقيًا ماديًا ، فهو دائمًا بين طبقتين متعارضتين أحداهما قليلة العدد عظيمة الثروة ، والأخرى كثيرة العدد ضئيلة الثروة ، وأن هذا عرف في كل الأدوار التاريخية ، ففي المجتمع اليوناني كان هناك طبقة الأحرار الأسياد ، وطبقة العبيد الرقيق ، وفي المجتمع الروماني كان هناك طبقة الأشراف Patricain وطبقة العامة Plebien كما وجد في القرون الوسطى أصحاب الإقطاعيات ورقيق الأرض ، وفي العصر الحديث يتكون المجتمع من الرأسماليين والعمال ، ويرى ماركس أن النزاع دائم بين كل طبقة والأخرى وأن النصر دائمًا للطبقة الكثيرة العدد الضئيلة الثروة ، وإن المستقبل بناء على ذلك سيظهر طبقة العمال على الرأسماليين .
ولما كان هذا الصراع استجابة لقانون تطور قاسي عام ينتقل بنوبة مفاجئة من الكمي إلى النوعي ، فمن الطبيعي أن يأخذ شكلاً حادًا لا هوادة فيه ، وينتهي بالثورة .
ويصور ستالين هذه النقطة في رسالته عن المادية الجدلية تصويرًا واضحًا فيقول "إذا كان تحول التغييرات الكمية البطيئة إلى تغييرات نوعية سريعة مفاجئة أحد قوانين التطور ، إذن فمن الواضح أن الثورات التي تقوم بها الطبقات المقهورة هي ظاهرة طبيعية جدًا لا يمكن تلافيها ، فالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وتحرير الطبقة العاملة من نير الرأسمالية لا يمكن تحقيقه بتغييرات بطيئة وإصلاحات ، بل بتغييرات نوعية في النظام الرأسمالي ، بالثورة فقط ، ولكي لا يتخبط المرء في سياسته يجب أن يكون ثوريًا لا إصلاحيًا ، وعليه أن يتبع سياسة طبقية بروليتارية لا تسامح فيها لا سياسة إصلاحية ولا سياسة تنسيق بين مصالح البروليتارية ومصالح البرجوازية ولا سياسة مساوم يسعى إلى تدرج الرأسمالية نحو الاشتراكية .
"يجب أن لا نغطي تناقضات النظام الرأسمالي ، علينا أن نكشف عنها ، ويجب أن لا نحاول كبح الصراع الطبقي ، بل يجب أن نسير به إلى خاتمته" .
وهذا كلام لا تنقصه الصراحة ، ولعمري أن "الرفيق" ستالين جدير بالشكر على ذلك ، ولكن هل هو كلام صحيح ؟
لا شك أن فيه الكثير من معالم الصحة ، ولكن إيراده بهذا الشكل خطأ محض ، ومن السهل الرد عليه .
ففي الناحية التاريخية نجد أن تقسيم ماركس ليس دقيقاً ، فالمجتمع اليوناني لم يتكون فحسب من السادة والأرقاء ، بل كان هناك طبقة ثالثة بينهما هي طبقة التجار الأجانب ، وكانت طبقة الأشراف مقسمة في العهد الروماني إلى عدة طبقات تبلغ الخمس ، وكاد المجتمع ينقسم في عهد القرون الوسطى إلى سبع طبقات "الرقيق ، الرقيق المحررين ، الأشراف ، النبلاء ، الحكام ، رجال الدين .. الخ" ، وفي العهد الحديث توجد بين العمال والرأسماليين طبقة وسطى لها اعتبارها وكيانها الخاص هي طبقة الموظفين وصغار التجار .
والواقع أن عدم التحديد يشمل الطبقة الواحدة ، فكلمة العمال مثلاً تعني عدة طبقات لأن الطبقة هي حالة أو مستوى اجتماعي status وذو عقلية معينة ، وبناء على ذلك يكون العمال الزراعيون طبقة غير العمال الصناعيين ، ويكون عمال المدن طبقة غير عمال الريف ، وهذا التحديد على الأساس الاجتماعي يفضل في نظرنا التحديد على الأساس المادي الضيق الذي لا تتحقق فيه المساواة الكاملة التامة بين جميع أفراد طبقة العمال .
وحتى في الطبقة الواحدة للمهنة الواحدة تجد الطبقات ، فهناك بين عمال المهنة الواحدة ــ كما في أمريكا ــ العمال العاديون Unskilled Workers ، وهناك طبقة العمال الفنيين Skilled ، ثم طبقة العمال المنتجين الذين ينتجون لحسابهم الخاص في الأرياف ، والطبقة الثالثة والثانية يعادل مستواها الاجتماعي مستوى الطبقة المتوسطة أو البرجوازية ، وفي روسيا السوفيتية حاليًا توجد بين العمال طبقة ممتازة هي "الستخانوفيين" ، كما سنقرأ في الفصل الثالث .
وفكرة الصراع وتنازع البقاء ظاهرة طبيعية محضة لم يسلم أمامها الإنسان على طول الخط فهو إلى جانب فكرته وعاطفته وارتباطاته مزود بناموس طبيعي آخر هو ناموس التعاون الذي يضاد مفعول ناموس التنازع والصراع وهو أرقى منه لأنه من لوازم الأحياء العليا ، وقد كان له اليد الطولى في ارتقائها ، ولاسيما في ارتقاء الإنسان ولكن الاشتراكيين أسقطوا من حسابهم الإنسان كقوة مؤثرة ، لذلك أخطاء حسابهم في النتيجة النهائية فالصراع موجود ولكنه ليس الوحيد أو المطلق ، لأن معه قانون التعاون والإرادة الإنسانية ، والواقع هو ثمرة تفاعل هذين بقانون التنازع التي تفترضه الجدلية في الطبيعة .
وليس هناك معنى لقصر هذا الصراع على الطبقات ، فالصراع عام في كل شيء ، موجود بين أفراد الطبقة الواحدة وموجود بين الإنسان وبين الطبيعة ، بل هو موجود بين الإنسان ونفسه وموجود بين الأمة ، وهي وحدة بضعة طبقات ، وبين الأمم الأخرى ، ولم تقم الحروب ــ وهي أظهر صور التنازع والصراع ــ لأسباب طبقية فقد حارب فيها العمال زملائهم ، وبارز فيها الأشراف أقرانهم وأعلن علماء الدين في الجانبين أن الله يؤيد فريقهم وحده وقد أمل الماركسيون أن يكون عامل "الطبقة" أشد تأثيرًا من عامل "الوطن" فلا تكون حروب إلا بين الطبقات وذهبوا إلى أن العمال لا وطن لهم ، ولكن الأيام كذبت ظنونهم .
وكذلك لا نستطيع أن نقول إن الصراع مادي على طول الخط ومن الطبيعي أن يتأثر كأي شيء آخر بالعامل الاقتصادي وأثره البليغ الذي لم نجحده قط ، ولكن هذا لا يمنع من أن هناك عوامل أخرى ليست مادية قد أوجدت الصراع والكفاح ، وما أكثر الحروب بين الأمم وبعضها لمجرد الزهو السياسي أو الخيلاء الدولي أو شهوات القادة أو اختلاف الأديان أو غير ذلك من الأسباب التي فاقت الأسباب المادية أو على الأقل عاداتها .
ومن التعسف أن نقول إن انبثاق ثورة الحياة الجديدة في العرب لظهور الإسلام ، وتدفق جيوشهم على فارس والروم إنما يعود إلى سبب مادي هو الطمع في غنائم البلاد المترفة والفرار من الشظف والكفاف في بلادهم كما أن من التكلف أن نرجع هجوم الصليبيين على بلاد الشرق إلى مطامع اقتصادية راودت نفوس قادتهم وزعمائهم فقادوهم كالقطيع باسم الدين ، من التعسف أن نقول ذلك ، لأنه حتى لو صح أن الأفكار المادية كانت مؤثرة عند القادة الذين دفعوا بالعرب إلى فارس ، وبالصليبيين إلى الشرق ، فإن جمهرة الجيش ، وكثرته الغالبة إنما اندفعت بدافع الإيمان فحسب ولم يكن ليخطر في ذهن المسلم الأول أو الصليبي أية شائبة مادية ، ولو حدث ذلك لانهزم العرب ، ولما تحرك الصليبيون ، والتاريخ يقص علينا أن كلا منهما كان يرى أن الموت في سبيل عقيدته هو أسمى المراتب .
ولعل النظام الطبقي الوحيد الموجود حاليًا والذي يعتبر من أعرق النظم الطبقية هو نظام الطبقات الهندي ، يؤكد ما ذهبنا إليه من قوة الأثر الديني ، فالطبقات في الهند لا تقوم على أساس مادي ولا ثقافي لأن بين المنبوذين حملة الدرجات العلمية من جامعات أوروبا وأمريكا ومنهم الثراة أيضًا والعامل الوحيد الذي يفرق بين الطبقات هو المبدأ الديني .
وفي تشبيه الانتقال الثوري بالتطور النوعي الطبيعي نظر ، لأن التطور من كمي إلى نوعي عمل طبيعي له أصوله المحدودة المشروطة التي لا تتدخل فيها الإرادة الإنسانية فنتيجته معروفة مقدمًا إذا تمت شرائطه ، ولابد أن تتم ما لم يتدخل فيها الإنسان ، أما الثورة فإنها محاولة إنسانية تتأثر بتعدد الإرادات ، والعوامل الخاصة والصدف العابرة ، لذلك يحدث كثيرًا جدًا أن تتطور الثورة نفسها وتنتكس وتبقى عجلة الصراع الدائرة ، لأن التطور المنشود لم يتم بالثورة .
وفي أزمنة الثورة يحدث التغيير على عجل ، وحتى إذا رسمت الطريق للثورة في تؤدة وتبصر ووجهت إلى غاية معينة ، فإن الثورة تحقق أقل مما كانت ترمي إليه ، وليست التقاليد المرعية تلك التي تعد نمطًا من التفكير والسلوك اللذين انحدرا إلينا عن الماضي بالأمر الذي يمكن التغلب عليه ولم نعرف محاولة كانت غايتها الانفصال عن الماضي وإنشاء تاريخ على أساس جديد ثم قدر لها النجاح .
وقد كانت الثورة التي قامت في فرنسا عام 1789م محاولة حاسمة حازمة لأحداث تغيير أساسي في كيان المجتمع الفرنسي واستطاعت في مدى ست سنوات أن تحدث تغييرات معتدلة بعيدة الأثر في النظم الاجتماعية والاقتصادية وفي شكل الحكومة ، ولكن آمال اليعاقبة في نبذ الماضي ، وبدء التاريخ لعام جديد ، وبالقضاء على المسيحية وخلق عنصر من الفضيلة يقوم على ديانة جديدة للإنسانية ، كل هذه الآمال قد باءت بالخيبة ، وقد أحكم كذلك تدبير الثورة الروسية التي نشبت عام 1917م وأحدثت بدورها تغييرات فعالة في النظم الروسية حتى قضت على طبقة الرأسماليين وجعلت الأرض والصناعة ملكاً للأمة ، ولكن أحلام الشيوعيين في خلق مجتمع لا يقوم على الطبقات وفي القضاء على الشعور القومي وإلغاء الدول والسيادات وفي نبذ الصالح القومي كمبدأ تسترشد به الحكومة في تنظيم العلاقات الدولية ، كل هذا باء أيضًا بالفشل ، وفي كلتا الحالتين كان الماضي أقوى من أن ينبذ(1) .
وإذا قارنا الثورة الفرنسية والسوفيتية وما تبعهما من انتكاس وتحول بالإصلاح التدريجي البطيء في انجلترا لما ترددنا في تفضيل التدرج والبطء على التسرع والثورة ، ولحكمنا بأن التقدم الإنساني اعتمد على التدرج والهدوء والمواظبة والاستمرار وربط الحاضر بالماضي والانتفاع من القديم وزيادته ، كما يظهر من تاريخ العلماء والمفكرين والفلاسفة المخترعين أكثر مما اعتمد على الثورات التي كانت في حقيقتها رد فعل للمظالم والاستبداد وحركة تنفيسية ، فهي سلبية ، وهادمة وليست إيجابية مشيدة .
وأخيرًا فإن علينا أن نفكر طويلاً قبل أن نسلم بأن فكرة الصراع في مختلف أشكالها هي الصورة الوحيدة لما هي عليه الحياة والطريقة التي تسير بها الأعمال وتتحقق بها الأغراض ، فإننا إذا آمنا بها بذرنا بذور الحقد والبغض والكراهية(1) ، وجنينا ثمر ذلك حروبًا دائمة لا يستقر أوراها ، ولا تخمد نارها ، وخلافات في كل ناحية لأن الصراع هنا عام فهو لا يقتصر على ناحية ولا ينتهي بزمان ، وليس في ذلك ما يروق أو يغري أو يحمل الناس على الإيمان به أو العمل له ، بل إنه لجدير منهم بأشد المقت والكراهية وفكرة التعاون والحب أنبل وأعظم ، وأكثر فائدة وجدوى من فكرة الصراع ، وليس معناها التسامح المطلق أو التفريط في الحقوق ، ولكن معناها أن يكون التعاون والحب هو المثل الأعلى ، والطريقة الفضلى فإذا لم يكن هناك مناص من حرب أو إذا فشلت الطرق السلمية والإنذارات المتكررة ، فلتكن الحرب ولتكن الطرق العنيفة التي يتوصل بها إلى الحقوق ، وقد أشعل "لنكولن" ــ وكان محبًا كبيرًا للإنسانية ــ حرب أربع سنوات ليتحد الوطن ، فالحروب والوسائل الثورية هي هنا وسائل يضطر إليها الإنسان اضطرارًا وبعد استنفاد كل جهد وليست هي بالخطة الدائمة أو الأسلوب العادي ، إنها استثناء وليست القاعدة .
ولكارل ماركس نظرية أخرى بعيدة الأثر في الماركسية وهي هذه المرة اقتصادية وليست اجتماعية ، تلك هي نظرية فائض القيمة ويقصد بها أن العامل لا يأخذ كل قيمة عمله(1) ، فالذي يشتغل ثمانية ساعات يأخذ أجر ست ساعات فحسب والفرق هو فائض القيمة الذي يأخذه الرأسمالي لنفسه ويضيفه على رأس ماله ليستثمره في الإنتاج فترتفع المقدرة الإنتاجية بقدر ما تنخفض المقدرة الشرائية ، لأن الزيادة على حساب العمال وهم الذين يمثلون المستهلكين ، فينشأ من هذا الاختلال الأزمات الاقتصادية التي تروع البلاد ذات المذاهب الاقتصادية الحرة والرأسمالية .
وقد تولى علماء الاقتصاد السياسي(2) نقد هذه النظرية ، فقالوا إن هناك بعض أشياء لها قيمة كبرى ولم يبذل فيها أي عمل أو جهد كالينابيع الطبيعية والبلاجات البحرية ، كما أن هناك سلعًا تزداد قيمتها دون عمل كالأنبذة ، وانتقدوا فكرة متوسط العمل لأنها لا تفسر كيف إن أشياء استغرقت ساعات متساوية في عملها تختلف في قيمتها كالصورة التي يرسمها مصور عبقري ، والأخرى التي يخطها مبتدئ ، وهي كذلك أهملت الإدارة كما أهملت الذكاء ولم تأبه إلا لعمل العمال وهي أخيرًا تتناقض مع إحدى نظريات الاقتصاد السياسي في الريع(1) ، وهي نظرية ريكاردو(2) ، وخلاصتها أن الريع هو قيمة الفرق بين الأرض الخصبة والأخرى القاحلة ، ويرى ريكاردو بناء على ذلك أن قيمة الريع في ازدياد دائم ، فالناس بدأوا بزراعة الأرض الخصبة فلم يكن هناك ريع ، ولكنهم بعد ازدياد عددهم لجئوا إلى استغلال الأرض الأقل خصوبة فنشأ الريع أي الميزة الفرقية للأرض الأولى على الثانية واستمر ذلك واستمرت معه زيادة الريع .
ونظرية ماركس تناقض ذلك لأن العمل في الأرض القاحلة يكون أكثر واشق من العمل في الأرض الخصبة وهو مع ذلك لا يغل ما تغله الأرض الخصبة بأهون أسباب العمل .
وهي كذلك تناقض نظرية الغلة وزيادتها ، فلو أن العمل هو كل شيء لما كانت هناك أنواع يزداد فيه الكسب والخسارة أو حد معين تقل عند الأرباح وتعظم الخسائر أو يكون العكس فيزداد الربح أكثر من زيادة العمل ، وهي نظرية معروفة في الاقتصاد السياسي .
ولا توضح نظرية ماركس في الأزمات لماذا لا تكون الأزمات دائمة مادام استغلال العمال مستمرًا ؟ فالأزمات تحدث بصفة دورية بين مدد تتراوح بين سبع وإحدى عشرة سنة كما لا توضح لما كيف أن الأزمة إذا كانت ظاهرة قلة استهلاك كما يرى ماركس ، تـُسبق دائمًا بدور من أدوار الرخاء ترتفع فيه الأجور وتزدهر فيه الحالة الاقتصادية.
* * *
وقد تنبأ ماركس بناء على هذه النظريات ، مضافاً إليها نظرية صراع الطبقات بأن شقة الخلاف ستتسع بين العمال المستذلين المستغلين وبين الرأسماليين الجشعين ، إذ بينما يزداد هؤلاء فقرًا يزداد أولئك غنى كما ستضطر المشاريع الصغيرة إلى الإفلاس والاختفاء وتختفي معهم الطبقة الوسطى (البرجوازية) فلا يبقى إلا البلوريتاريا ، والرأسمالية وجهًا لوجه .
ولكن هذه التنبؤات لم تصدق ، إذ أنقذت الشركات المساهمة الاقتصاد الحر من هذا المصير ، فانتشرت ودعمت الطبقة الوسطى وعظم أمرها حتى وصفها أحد الكتاب "لروا بوليو" بأنها "ملكة العالم ، ووارثة الأرستقراطية والنظام الإقطاعي القديم ، وسيكون العالم في قبضتها ، والساعة التي يقسم فيها إلى أسهم قد دنت" ، فرأس المال ينتشر بدلاً من أن يتركز حتى ليكاد يصير كل واحد مالكاً لجزء من رأس المال العام وبذلك يتحقق الحلم الاشتراكي ، ولكن بطريقة وصورة تخالف طرائق وتصور الاشتراكيين .
وقد وضح هذه الحقيقة بالإحصائيات أحد أصدقاء فرديك إنجلز "هنري برنشتين" الذي نشر سنة 1899م مؤلفاً بالألمانية قرر فيه أن الإنتاج الكبير لم يقض على الإنتاج الصغير ، وأن التركيز لم يتم بالصورة التي تنبأ بها ماركس وإن الدعوة إلى تشجيع المشروعات الصغيرة صناعية أو تجارية أو زراعية زادت عما كانت ، وقد أراد برنشتين أن يخلص النصيحة لزملائه وأصدقائه من الاشتراكيين فعدوا ذلك خيانة منهم ولكنهم انصاعوا أخيرًا إلى أقواله ومنهم "فاندرفيلد" الزعيم الاشتراكي المشهور .
وكل يوم يمضي من ذلك الوقت حتى الآن يؤيد ما ذهب إليه برنشتين ويظهر ما في الطاقة الإنسانية من قدرة على إصلاح فساد النظم وما في المجتمع الديمقراطي من مرونة يستطيع بها إصلاح كل خطأ ومسايرة كل تطور ، والتقدم ملحوظ في هذه الناحية ، فإن تدخل الدولة بدأ في بريطانيا سنة 1833م بسن قانون المصانع وانتهى حاليًا إلى مشروع بيفردج ، كما أن تدخل الحكومة الأمريكية الذي بدأ سنة 1873م بقانون يحمي المستهلكين من استغلال شركات السكك الحديد انتهى الآن إلى إيجاد أنواع شاملة من إصلاح للنظام الديمقراطي مثل النظام العادل Square Deal لتيودور روزفلت ، والحرية الجديدة New Freedom لودرو ولسن ، وليس لدينا من الأسباب ما يجعلنا نعتقد ان هذه الوسائل رغم فشلها حاليًا في علاج المشكلة علاجًا كليًا حاسمًا ، ستعجز عن أداء هذه المهمة في المستقبل أو أن غيرها من النظم الشيوعية أو الفاشية ستحل محلها لهذا العجز ، فما زال في الديمقراطية بقية تمكنها من الثبات أمام النظم المستحدثة ، فضلاً عن أن مشكلتها الأساسية وهي التوفيق بين الباعث الفردي على الربح بما يوجده من توسع ومنافسة وتكديس وبين الرغبة في تحقيق المنفعة العامة بما تفرضه من تضحية وبذل ومشاركة محلولة من نفسها ، ومؤلف هذه الرسالة يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الجمع بينهما ليس فحسب ممكناً ، بل هو الوضع الطبيعي وأن سوء الفهم أو تعقد الأوضاع هما وحدهما اللذان يجعلان الرأسماليين يظنون أن مصلحتهم تنافي مصلحة الجماهير أو المستهلكين ، لأن النظام الرأسمالي نظام فردي ، والفرد مهما عظم فإنه جزء من كل هو المجتمع وهو صغير ولو كثرت ثروته أمام الكثرة العددية ، ومصلحته رهينة بمصلحة المجتمع ، وكل تقدم ورفاهية للمجتمع يحمل إليه توسعًا وازدهارًا لأعماله ، كما أن أي تهديد للمجتمع كقيام ثورة أو حرب أو انتشار وباء يهدده قبل غيره بنهب العدو الغازي أو الجماهير الحانقة لمصانعه أو موت عماله المدربين واضطراره إلى استئجار غيرهم من الجدد بأجور مرتفعة لقلة عددهم تبعًا لقانون العرض والطلب ، والنظام الرأسمالي نظام حر كما هو فردي ، وذلك يجعله شديد التأثر والحساسية بالتيارات الخارجية كالصحافة والتعليم وحرية المعارضة وازدياد الوعي الاجتماعي ، فلابد له من المسايرة ، ومن المستحيل أن ينأى بمعزل .
فإذا كانت المصلحة الأساسية للطرفين واحدة ، فإن تعقد النظم وسوء الفهم هما وحدهما اللذان يحولان دون الوصول إلى العلاج الكامل وهما رغم صعوبتهما ، هينان يمكن التغلب عليهما بمختلف الجهود الشعبية والحكومية وأثر الزمن .
وقد بدأ بعض الرأسماليين يدركون ذلك ، ففي أمريكا تبذل محاولات كثيرة لإشراك العمال في الإدارة مع أصحاب الأعمال والمديرين ، وهناك دعوة لمنحهم نصيبًا من الربح السنوي للمؤسسات يعادل 25 % منه ويحمل هذه الدعوة بضعة من رجال الأعمال المتنورين مثل أريك جونسون وهنري والاس وسيسل أدمسون ، كما استطاعت الحكومة الإنجليزية عقب هذه الحرب أن تنقذ صناعة النسيج في منشستر بفضل تعاون العمال وأصحاب الأعمال ، وقد كانت مطالب العمال معقولة جدًا ، وسُـلم لهم بها على طول الخط .
ولست أشك أن المستقبل القريب يدخر طرائق أخرى لعلاج المشكلة فقد ينشأ نوع من الشركات العمالية البحتة ، كما قامت شركات المساهمة ، وهو نوع من الشركات طالما تعجب جوستاف لوبون من عدم ظهوره والسبب واضح ، فإن تماسك العمال وثقافاتهم ودرجة إدارتهم وروح الإقدام والمخاطرة كلها لم تكن قد وصلت فيهم إلى الحد الذي تمكنهم من إنشاء الأعمال والاستقلال بإدارتها ، ولكن هذه الصفات كلها في طريق الاستكمال والنضوج .
 
 
 
 
 
 
 
#+
الماركسية عند التنفيذ
ــــــــــــــــ
التفرقة بين الطبيعة النظرية والطبيعة العملية تفرقة أصيلة تعود إلى الاختلاف بين أداة النظر وأداة العمل ، أي بين العين واليد ، وقد أدرك هذا الفرق الحكيم الشعبي الذي صدر عنه المثل المشهور "العين بصيرة واليد قصيرة" ، فإن اليد قصيرة دائمًا عاجزة عن أن تبلغ مدى الرؤية أو تلاحق الأبعاد التي تدركها العين ، ومن هذا الفرق تتباين الطبيعة النظرية عن الطبيعة العملية ، ولعل خير من أدرك هذا الفرق من الكتاب هو شبنجلر(1) الذي يرى "أن اليد تمثل التفكير العملي بينما العين تمثل التفكير النظري ، فهناك إذن نوعان من التفكير ، تفكير اليد ، وتفكير العين ، الأول عملي فعال ، والثاني نظري تأملي ، أحدهما يسير تبعًا لمبدأي الوسيلة والغاية ، والآخر تبعًا لقانون "العلية" ، واليد في تفكيرها تصل إلى وقائع ، وأما العين فإلى حقائق ، والتفكير الأول يمثله السياسي والبطل ورجل الأعمال ، والثاني يمثله رجل الدين والقديس والعالم" .
فالتعارض أصيل ، وليس كل ما ينتهي إليه الفكر من الحقائق يمكن أن ينفذ وأن يصير "واقع" حتى ولو كان صحيحًا ، لأن الوقائع ميدان تحرسه قوى أخرى غير قوى الفكر ، ولا تدخله إلا من تسمح له بالولوج ، فتنفيذ فكرة ما رهن بإمكانيات عملية وصحتها ــ نظريًا ــ لا تكفي لتنفيذها ، وأي محاولة لتنفيذ فكرة غير عملية جهد ضائع ، ولولا ذلك لتحققت من عهد بعيد أماني المصلحين وآمال الفلاسفة والأنبياء .
يضاف إلى ذلك أن التنفيذ العملي للمبادئ بالذات له مزالقه الخطرة والتواءاته العجيبة ، فالمبادئ لا تتحقق إلا بالرجال ، وسمو المبدأ ، وقوته كلها خاضعة لطبيعة الرجال الذين يقومون عليه ، ولم تـُـمنح المبادئ قوة الحياة التي تجعلها تدفع الميل بها أو تغييرها وتمكنها من الثورة على الضعف البشري ، ولو تم لها ذلك ما أشار إليه ستالين في رسالته عن المادية الجدلية من ضرورة عدم الاعتماد على «نيات عظماء الرجال الحسنة» ، أما والحالة على ما هي عليه فإن هذه الإشارة تعني الاعتماد على النيات السيئة للرجال ، لأن الاعتماد على الرجال أمر لا مفر منه في جميع الحالات فإذا استبعدنا النيات الحسنة لم يبق أمامنا إلا النيات السيئة .
ولا تجد كالمبادئ مادة يتعدد فهمها وتتباين معرفتها وتؤثر عليها طبائع الأشخاص واختلاف الزمان والمكان ، لأن هذه المبادئ ليست قواعد حسابية أو هندسية يمكن إدراك الخطأ فيها ، ولقد بدأت الدعوات الدينية دائمًا بقديسين وصديقين وانتهت بدجاجلة وأدعياء ، وذلك ما يقال أيضًا على أية دعوة أخرى في الفلسفة والآداب أو العلوم والفنون ، لأن القوة المنشئة المبتكرة الأصلية سرعان ما تخبو نارها وتجمد على وضعها القديم بينما يتطور العالم ، وتنقسم الجماهير إزاء ذلك إلى ثلاثة أقسام :
الأول   : قسم المحافظين الجامدين المؤمنين بالفكرة في شكلها الأول لا يقبلون لها تغييرًا ولا تعديلاً ولا يسيغون تطورًا أو تقدمًا .
والثاني : طبقة وسطى تتظاهر بالجمع بين المبدأ والتطور ، ولكنها في الحقيقة تسبغ مظاهر المبدأ أو علاماته على قوانين التطور والأوضاع الجديدة وينشأ من ذلك أن يكون المبدأ واحد ولكنه في زمان ما ومكان معين غيره في زمان آخر ومكان لآخر ، فالإسلام في الجزيرة العربية وعند بدء ظهوره غيره في إيران في القرن الخامس أو العاشر ، والاشتراكية الإنجليزية غير الاشتراكية الفرنسية ، وهما في هذا العصر غيرهما في العصر الماضي ، فمع أن الاسم واحد إلا أن الإسلام تأثر في العرب بالطبيعة العربية ، وتأثر في فارس بالخصائص العريقة في الأمة الفارسية ، وكذلك سيطر الخلق القومي الإنجليزي على الاشتراكية الإنجليزية بقدر ما سيطر المزاج الفرنسي عليها في فرنسا .
والثالث : يتكون من الذين يجحدون هذه المبادئ بمجرد جمودها مسايرتها التطور فيؤمنون إيماناً جديدًا بمبادئ جديدة ويصارحون المبادئ القديمة بالعداوة ، فهم رواد مبدأ جديد لا يلبث أن يجمد ويأخذ دوره كالقديم الأول .
* * *
إن مراعاة هاتين النظريتين كفيل بأن يقلل من غلواء المتهوسين للمبادئ المتعصبين للتنفيذ ، لأنهم سيرون أن نجاح التنفيذ لا يتوقف على الصحة النظرية ، وإنما على تحقق الإمكانيات العملية ، وأن هذا التنفيذ يتأثر تأثيرًا حيويًا بالزمان والمكان وطبائع الشعوب والقادة .
ولكننا مع ذلك سنفترض أن النظريات الماركسية والشيوعية والاشتراكية عملية وليست خيالية ، وأن سوء الفهم لن يلوثها ويغيرها عن حقيقتها ، فهل يمكن بعد ذلك أن تحقق التحقيـق الأمين الكامل المربـح ؟ فمن السهل أن نحقق مظهرًا من مظاهرها أو مبدأ دون بقية المبادئ كما أن من الممكن بالمثابرة الدائمة والإصرار المستمر والتضحية بلا حدود أن نقسر الطبيعة على تنفيذ شيء غير عملي ، كأن نجعل من بلد ليست صناعية ــ بلدًا صناعيًا ــ إذا استبعدنا فكرة الربح ، وقبلنا أن نصنع سلعًا بأضعاف ثمنها في الخارج ، إن تحقيق ذلك ممكن ولكنه تحقيق خاسر يتم بتضحية تفوق ثمنه .
نحن نقول إن الماركسية لا يمكن أن تنفذ تنفيذاً أميناً كاملاً مربحًا ، فقد سبق للعالم أن جرب الشيوعية والاشتراكية مرات عديدة أولاها هي المرحلة البدائية التي كانت ملكية الإنتاج فيها مشاعًا بين الجميع ، وكانت الصفة الجماعية غالبة على الصفة الفردية ، ومع ذلك فلم يلبث العالم أن ترك هذه المرحلة إلى غيرها ، ولو أثبتت المرحلة الأولى صلاحيتها العملية لبقيت ، ولكن التطور حكم عليها بأنها لم تكن أكثر من مرحلة بدائية منحطة أطرحها الإنسان عندما تقدم ، واختفاؤها على كل حال ، ومهما كانت الأسباب هو حكم عليها من وجهة النظر العملية بالفشل والسقوط وعدم الكفاية .
ثم كانت عدة محاولات تختلف فيها النسب الاشتراكية والشيوعية بعضها يطمح للمساواة وبعضها يهدف لمحو الملكية أو تحديدها وحدثت في اليونان والرومان والشرق والغرب ، وكانت محاولات أخرى قام بها أفلاطون وأرسطو في القديم وأوين وبلان في الحديث وباءت كلها بالفشل ولم تعد أن تكون محاولات وحركات ثارت ثم قرت واشتعلت ثم خمدت ، ثن باءت بالفشل واستمر الركب الإنساني في طريقه لم يغيره وبقيت الملكية كما هي والتمايز كما هو .
ولدينا الآن محاولة حديثة استأثرت باهتمام الناس هي "المحاولة الروسية" ونريد الآن أن نستقصى هذه المحاولة وأن نبحث بحثاً هادئاً مدى النجاح الذي وصلت إليه .
كانت روسيا ببعدها القصي الضارب نحو الشمال والشرق ، واتساعها الشاسع ، وتأخرها في العلوم والفنون ، وأخذها بأسباب الحياة البدائية واستسلام شعبها الوديع إلى استبداد القياصرة من آل رومانوف مثار سخرية الدول الأوروبية منذ عهد بعيد فكان بسمارك يسميها "اللاشيء الكبير" ويقول عنها إنها ليست أقصى ممالك المدنية الغربية شرقاً ، ولكنها أقصى بلاد المدنية الشرقية غرباً ، ويضعها في البلاد المؤنثة ، وكان يقسم البلاد ما بين مذكر ومؤنث فانجلترا واسكتلندا وهولندا وإسكندنافيا وشمالي فرنسا وإيطاليا كلها مذكرة ، وروسيا وبولندا وبلغاريا وجنوبي فرنسا وإيطاليا مؤنثة .
وظل الشعب الروسي على إيمانه القديم ، وتسليمه لقياصرته وكهنته يتخبط في الوضع الإقطاعي حتى نشأت ناشئة حديثة تشربت آداب العصر وألمت بعلومه وأدركت ما وراء سهول روسيا الفسيحة غربًا من تقدم في العلوم والمعارف وحرية في الرأي والعقيدة ومشاركة في الحكم والسياسة ، فغلت دماؤها للظلم الذي يعانيه ، واتقدت نفوسها حمية للوطن ، وثورة على الطغيان فألفوا الجمعيات السرية لإرغام أولي الأمر على منح الشعب حقه من الحرية والعدالة ، فلما بطشت بهم الحكومة حتى كادت حركتهم تخمد لجئوا إلى الاغتيال المنظم والإرهاب السياسي ، فقتلت سيدة منهم الجنرال تريبوف رئيس شرطة بطرسبرج ، وأطلق الرصاص على البرنس كروبتكين حاكم تشاركوف ، وهوجم الجنرال درنتلين ، وتعددت المحاولات لاغتيال القيصر حتى قتل سنة 1881م ، ولم يكن لهم وراء ذلك كله غرض غير الثورة على الظلم والرغبة في الدستور العادل ، والإيمان بوطنهم ، أما الماركسية فلم يكن الإيمان بها غالبًا حتى لقد طرد باكونين(1) زعيم الأحرار الروس من الجمعية الاشتراكية الدولية عند انعقاد مؤتمر لاهاي سنة 1872م لخلاف بينه وبين أنصار ماركس مما كان سببًا في نقل مقرها إلى نيويورك .
تلك صفحة من أنبل صفحات الجهاد في سبيل الحرية طرزتها عقود غالية من دماء الشباب وحاطتها بالقداسة والكرامة أرواح المئات والألوف من الفتيان والفتيات منهم من قتل ومنهم من عذب ، ومنهم من أبعد عن بلاده المحبوبة أو نفي إلى سيبريا ، ومنهم من قضي تحت السياط أو تحت سنابك جياد القوزاق والحرس القيصري .
وظل الحال كذلك ما بين مداراة من القياصرة ووعود ممطولة بالإصلاح وبين مثابرة هؤلاء الشباب حتى قامت الحرب الكبرى سنة 1914م وانضمت روسيا إلى الحلفاء الغربيين فتعرضت من الخارج لنقمة جارتها القوية «ألمانيا» كما تعرضت في الداخل للدسائس التي حاكها "راسبوتين" وأعوانه وعلى رأسهم القيصرة التي كانت تنتمي إلى أصل ألماني ، فحاقت الهزيمة بالجيوش الروسية وتعرضت لأنكر أنواع النكبات والكوارث وحصدتها الجيوش الألمانية المنظمة حصدًا ، فأضرب العمال وثار الجنود واشتعلت نيران الثورة وتولت الأمور حكومة اشتراكية معتدلة برئاسة «كرنسكي» ، وأعلن العفو عن الفارين والمعتقلين في كل أقطار الأرض أن عودوا إلى بلادكم فعاد مع من عاد «لينين» الذي تلقف الثورة بدهائه وعبقريته وتقلد القيادة مكان «كرنسكي» ، وأعطاها لونها الشيوعي الأحمر .
والمهم في ذلك أن الثورة السوفيتية سنة 1917م كانت كغيرها ثورة على الظلم والاستبداد ، وكان سببها الهزيمة الحربية والدسائس الداخلية ، وقد ثارت كل البلاد المهزومة على نظمها فهوى عرش «هوهنزلرن» وظهرت جمهورية «فيمار» ، وسقط عرش «آل عثمان» في تركيا ، كما انهارت إمبراطورية النمسا والمجر فلم تكن الثورة الروسية بدعًا ، ولا ثمرة للشيوعية ، ولا نبوءة عملية تنبأ بها ماركس ، فإن لينين قد أظهر الشيوعية بعد وقوع الثورة ، وقد كان من الممكن أن تكون ألمانيا شيوعية أكثر من روسيا لو وجد بها لينين وستالين وتروتسكي ، فإن ألمانيا أعرق في الاشتراكية من روسيا ، وفيها ظهر كارل ماركس الذي نقل زعامة الاشتراكية من فرنسا إلى ألمانيا ، وظهر رودبرتس ولا سال رائدًا الماركسية ، كما أنها من الناحية الصناعية كانت أكثر تقدمًا من روسيا ، وكان العمال فيها أكثر عددًا وأعظم تنظيمًا وتركيزاً ، وكان حزبها الاشتراكي أقوى أحزاب العالم .
وكانت الفترة التي تلت الثورة من أتعس فترات التاريخ الروسي ، فقد ألبت عليها الدول الغربية الأعداء من كل ناحية وساعدوا القواد القيصريين على الثورة ، وتركوا اليابان تتوغل في شرق سيبريا حتى بحيرة بيكال ، وعانى الشعب السوفيتي من الحلفاء وملوك وسط أوروبا ما لا سبيل إلى توفيته حقه من الوصف ، وقد قـُوِم ما أصاب مناحي الثروة في بلاد السوفيت من الخسائر بما لا يقل عن 000ر000ر000ر4 من الجنيهات ، وناهيك بما انتزعه الحلفاء منها من الولايات الهامة مثل أستونيا ولاتفيا ولتوانيا التي جعلوا منها دويلات البلطيق وجزءًا من أوكرانيا وروسيا البيضاء الذي أدمجوه في بولونيا ليجعلوا منها دولة كبيرة ، وبسارابيا التي ألحقوها برومانيا ، ذلك الحبل من الدويلات التي خلقوها من العدم ليضيقوا به الخناق على الاتحاد السوفيتي حربيًا وتجاريًا وسياسيًا والتي سماها كليمنصو «الحاجز دون الوباء» Cordon Sanitaire (1) .
ومعظم هذا صحيح ، ولكن هذه هي المعادلة المألوفة بين الدول المعادية ، ومن قبل كون الاتحاد السوفيتي نفسه بالأشلاء والأجزاء وحارب المسلمين أقسى حرب وضم ولايات الأزبك وتادزيك والكرج وأوزربيجان والتتر وداغستان .. الخ ، ومضى دون هوادة في سياسة «ترويس» هذه المناطق .
وأفظع من هذه المتاعب الخارجية كانت المتاعب الداخلية ، فإن الفلاحين قد ثاروا في مختلف البلاد عندما أرادت الحكومة الاستيلاء على قمحهم وغلالهم ورأوا المجاعة أمامهم فاستقتلوا دونها وأدى ذلك إلى هلاك بضعة ملايين منهم ، يزاد على ذلك حركات التطهير والاضطهاد لكل من يظن فيه المعاداة للوضع الجديد ، وبصفة عامة كانت الثورة الروسية مثالاً للثورة التي ينعدم فيها التنظيم والرحمة وتتفاقم فيها الخسائر والضحايا .
* * *
في السنين الأولى التي تلت الثورة مباشرة حاولت روسيا مخلصة أن تحقق المساواة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا فقسم الفلاحون الأرض وأدار العمال المصانع وألغيت الرتب من الجيش وطالب الجميع بالمساواة في الأجور بين الناس مهما اختلفت أعمالهم وأهدرت الدماء في سبيل ذلك مدرارًا وشمل الانقلاب كل شيء حتى تحققت المساواة أخيرًا .
تحققت بأن نزل أجر الفرد إلى نحو 57(1) قرشًا في الشهر !! فلا عجب إذا هبطت حماسة القوم للمساواة وضاق بها كل من الشعب والحكومة ، الشعب لأنه يريد مساواة في ظل الوفرة والامتلاء ، والحكومة لأنها تريد أن تقوم بواجب الحكم ، ولا يتأتى لها ذلك بهذه الروح ، فنبذت المساواة شيئاً فشيئاً وتراجع لينين وتروتسكي وستالين سنة 1921م في سياستهم الجديدة عن مبدأ المساواة المطلقة .
وعندما بدأ مشروع الخمس سنوات كانت الشكوى عامة من قلة الإنتاج ، وكان ذلك يرجع إلى سببين :
أولهما : أن العامل لا يجد ما يشتريه إذا زاد أجره عن الحد الأدنى المقرر للعمال لأن شراء الحاجيات رهن ببطاقته التي لا يستطيع أن يزيد عليها شيئاً .
والثاني : لأنه تعلم من رؤسائه أن طلب الربح الكثير رذيلة برجوازية تليق بالمجتمع الرأسمالي ولا تليق بالمجتمع الشيوعي .
وعجز رجال الدولة عن تغيير هذه الحالة لأنهم لا يستطيعون فصل العامل ولا منحه أجرًا أقل من الحد الأدنى .
وفي سنة 1934م فكروا في تقدير الأجر على حساب القطعة فيما جاوز مقدارًا معلومًا من القطع المطلوبة في ساعات العمل اليومية فجاءت هذه الطريقة ببعض الفائدة ولكنها لقيت كثيرًا من الاعتراض ولم تتجاوز نطاق المجهودات الفردية المتفرقة واصطدمت أخيرًا بنقص القدرة على الشراء وقلة المشتريات .
وفي أغسطس سنة 1935م اهتدى عامل من غير عمال الحزب الشيوعي في مناجم الدونتز إلى طريقة بسيطة لمضاعفة الإنتاج من الفحم فنجحت تجربة هذه الطريقة نجاحًا لفت إليها الأنظار ، وشاعت أخباره في معاهد الصناعة الأخرى وخلاصتها أن تتفرغ كل طائفة في العمل لعمل واحد في الوقت الواحد فبدلاً من الاشتغال بقطع الفحم ونقله وتهيئة المكان مرة بعد مرة لتجديد القطع في الموضع الواحد يستمر العامل في القطع ويستمر غيره في النقل والتفريغ ولا يحتاج هذا ولا ذاك إلى تبديل الآلات واستئناف العمل فترة بعد فترة من أوقات النهار .
هذا العامل هو الكسي ستخافوف Stakhanof الذي عرفت الحركة باسمه وقيدت السجلات الرسمية باسم «الستخانوفية» .
ومن ذلك الحين أصبح الستخانوفين طبقة ممتازة من الصناع الفنيين وجزتهم الدولة بزيادة الأجور فأصبح الواحد منهم يتقاضى أجرًا يعادل في بعض الأحيان أجور ثمانين أو مائة من العمال الآخرين وسمحت لهم باستئجار الخدم في المنازل وغير ذلك من أسباب الترف والرخاء(1) .
ويقدر أجر العامل غير المدرب في روسيا بـ 125 روبلاً في الشهر ، أي حوالي 600 دولار(2) في السنة بينما يأخذ الرؤساء وكبار المهندسين ما بين 9600 و 400ر14 ريالاً في السنة ، وفي أمريكا يأخذ العامل 1200 ريالاً في السنة ويأخذ رئيس المهندسين ما بين 000ر10 و 000ر15 ريالاً ، أي أن الفرق بين أجر العمال والرؤساء في روسيا يوازي ضعفي الفرق في أمريكا .
وعندما جاءت الحرب زادت روسيا مرتبات مديري المصانع على عكس ما حدث في أمريكا إذ كانت الزيادة للعمال وأنقصت الأجور الضخمة بالنسبة لزيادة الضرائب التصاعدية على الدخل .
ولجأت روسيا إلى المكافآت والجوائز في الأجور فإذا استطاع رئيس عمال أن يصل إلى إنتاج المقادير المقررة بعمال أقل عددًا نال جائزة يتراوح قدرها بين الربع والنصف من جميع الأجور التي وفرها في ثلاثة أشهر ، ولكنهم يرفعون باستمرار مستوى الإنتاج ، فيستمر مستوى المعيشة بين العمال كما هو .
وقد ندد ستالين أكثر من مرة بفكرة المساواة في الأجور فقال سنة 1931م «إذا أردنا المقدرة الصناعية فلابد أن يكون الأجر على درجات تحدد الفروق بين العامل الحاذق وغير الحاذق تحديدًا دقيقاً ، ويجب أن يرفع الأجر لا بحسب حاجة العامل ، بل يحسب ما أتم من عمل» .
وفي سنة 1934م قال «إن هؤلاء القوم يحسبون أن الاشتراكية تستلزم المساواة في مطالب العيش لكل فرد من أفراد المجتمع إلا ما أسخفه من رأي يخرج عن فكر مهوش شتيت إن المساواة التي نادوا بها أضرت بصناعتنا أكبر الأضرار» .
وقد قررت الحكومة الروسية سنة 1940م إلغاء الأسبوع السداسي وأعادت العمل سبعة أيام في الأسبوع ورفعت ساعات العمل من سبع ساعات إلى ثمان ، وأنذرت العمال بقطع ربع المرتب وفرض العقوبات التأديبية عند قلة الإنتاج ، وأجازت للرؤساء أن ينقلوا العمال والمهندسين قهرًا من صناعة إلى صناعة ومن مدينة إلى مدينة ، مع توقيع العقوبات التي يرجع فيها إلى مشيئة الرئيس .
ويقدر العارفون أن الشعب الروسي يتكون الآن من أربع طبقات :
الأولى : طبقة العقليين وتبلغ ما بين 12 % إلى 14 % من السكان ولها من دخل الدولة ما بين 30 إلى 35 % .
والثانية : طبقة الصناع وتبلغ ما بين 20 % إلى 22 % من السكان ولها من دخل الدولة 29 % .
والثالثة : طبقة الزراع وتبلغ نحو 53 % من السكان ولها من دخل الدولة 29 % .
والرابعة : طبقة المسخرين أي غير المؤمنين بالنظام الشيوعي والذين يعملون سخرة وتبلغ ما بين 8 % إلى 11 % ولها من دخل الدولة ما بين 2 % إلى 3 % .
ومن المتناقضات العجيبة حقاً ، وما أكثرها في روسيا ، إنها وهي دولة «العمال والفلاحين» كما تنص على ذلك المادة الأولى من دستورها والتي تعتنق الماركسية وتقدس العمل اليدوي تعطي الملايين للراقصات والممثلات والمغنيات والشعراء والقصاصين ، فقد يكون ذلك صوابًا من إحدى وجهات النظر ، ولكنه في روسيا يبدو شديد التناقض مع روح الوضع القائم .
وفيما عدا المساواة الاقتصادية ، فإن روسيا قد تراجعت شيئاً فشيئاً عن المساواة الاجتماعية فمع أن لقب الرفيق لا يزال موجودًا إلا أن ألقاب «المفوضين» و «مجلس مفوضي الشعب» بطلاً أو استعيض عنها بالاصطلاحيين القديمين «وزير ومجلس وزراء» ، كما زادت ألقاب «الرفيق» ستالين على ألقاب أعظم قياصرة آل «رومانوف» وروعيت بين الرؤساء والمرؤوسين حقوق التسلسل ، وأعيد وجوب التحية العسكرية كما كانت عليه قبل الثورة ، وصدرت الأوامر بأن يقسم الضباط اليمين للعلم ويقبلوا أطرافه ، بل لقد طغت المظاهر العسكرية على النواحي الأخرى في الحياة فاستعملت الرتب بين عمال الخطوط الحديدية الرسمية ومأموري النيابة .
هذا عن المساواة ، أما عن الملكية ، فقد ألغى لينين طبقة صغار الملاك سنة 1917م ، ولكنه اضطر إلى العدول عن ذلك سنة 1921م ، وألغيت مرة أخرى سنة 1926م ثم أعيدت ثانية في أوائل عام 1932م وحاليًا يجوز للفرد في المنظمات التعاونية أن يقتني قطعة أرض وبقرة وبعض العجول والأغنام وعددًا من الدواجن والأدوات الزراعية وغير ذلك وأجيز للمنظمات التعاونية التي تقوم بتربية الماشية اقتناء عشر بقرات وعشرة عجول وعشرة رؤوس من الخيل ومائة وخمسين رأسًا من الأغنام وعددًا غير محدد من الدواجن ، كما اعترف سنة 1946م بحق المورث في الإيصاء بتركته إلى شخص ثالث يختاره هو في حالة عدم وجود فريب يرثه .
* * *
وهكذا نجد روسيا بعد عشرين سنة من جهادها الماركسي بلدًا تنعدم فيه المساواة ، وتتعدد الطبقات ، ويفضل المستوى الاجتماعي والاقتصادي لبعضها البعض الآخر بمراحل تفوق بكثير الفروق بين الطبقات في البلاد الرأسمالية ، وتتحقق فيها ملكية أدوات الاستهلاك ، وقطع الأرض ، أي أنها لم تحقق من المبادئ الشيوعية والعقيدة الماركسية إلا أقل من القليل تحقيقاً مشوهًا(1) .
ومع ذلك ..
ومع ذلك فما هو الثمن الذي دفعته روسيا للحصول على هذا القدر الضئيل من المبادئ الاشتراكية .
يا ليته اقتصر على ضحايا الثورة ، فذلك كله هين بالنسبة للثمن الحقيقي الذي دفعته .
«حكم إرهابي» ذلك هو الثمن في كلمتين .
حكم إرهابي تكون دعائم الحياة فيه الهواء والماء والغذاء والبطاقة التي تنعم الدولة بها على الأفراد والتي يمنح بمقتضاها العمل والغذاء وبدونها لا يجد ماء ولا غذاء ، ولا يجديه الهواء إلا القليل .
سيطر هتلر وموسوليني على شعبهما وسممت أفكارهما بالدعاية الخاطئة والفكرة الثابتة واحتجزاهما عن العالم حتى عجزا عن التفكير السليم والتقدير الدقيق فقاداهما إلى النتيجة الطبيعية المحتومة لذلك ، الحرب والاصطدام بباقي العالم ، ودفع الشعبان ثمن خطئهما واستسلامهما فادحًا ثقيلاً أرواحًا لا تحصى من الشباب وخرابًا دائمًا تنعق بومه في كل الأرجاء وذلة وتعاسة تعصر أفئدة المهدمين الباقين ، وستالين يفوق هتلر وموسوليني قوة وصلابة ودعايته أعمق جذورًا وأشد تأصلاً وهو كمؤمن قديم بنظرية معينة أشد تمسكاً بها وفرضًا لها من هتلر وموسوليني اللذين أبدعا نظامهما للحكم وهو كذلك أكثر بعدًا عن العالم الغربي وأقل فهمًا له ، وقد أعطت الصحافة السوفيتية الشعب الروسي صورة عن الشعوب الديمقراطية بعيدة عن الحقيقة إن لم تكن مناقضة لها ، صورة العجز والإفلاس والضعف والرغبة في التعدي والميل إلى الاتهام وحبك الدسائس لروسيا ، فزادت في تضليل الشعب وإبعاده عن العالم ، وهو بوضعه الجغرافي بعيد عنه ، وكل شيء في روسيا أو الماركسية أو ستالين ينبأ بأن نتيجة الدعاية المضللة والتعصب والتأليب لن يكون منها مفر في المستقبل كما لم يكن منها مفر في الماضي ، وأن الاصطدام في هذه المرة سيكون مروعًا ، وستكون يقظة الشعب الروسي مفجعة أكثر من فجيعة الشعب الألماني ، وستحيق بالعالم الديمقراطي المحن والشدائد والكوارث حتى لو انتصر ، لأن مصيبة المنتصرين لن تقل عن مصيبة المنهزمين .
فيا عجبا كل العجب لهؤلاء المبشرين بالسعادة الداعين إلى العالمية يشعلون حربًا وقودها الجماهير الكادحة ، وضحيتها الأمن والرخاء ، ولن يسعد بها العالم ، فالحرب لا تلد إلا الحرب وقد وصف لويد جورج حرب سنة 14ــ 1918م بأنها «الحرب التي هي خاتمة الحروب» ، وكانت للعالم عظة لو أنه يتعظ ، ولكن الطبيعة البشرية لا تتغير تخرج من الحرب كما دخلت فيها وتنسى الأسباب التي من اجلها أشعلت حتى تعود من جديد لتشعل حرب الشقاء أو الفناء .
قد يسأل البعض من أين حكمنا بذلك ؟ وما هو الدليل على وجود هذا الحكم الإرهابي في روسيا ؟
لو أردنا أن نجادل أن نحاور لسألناهم أن ينفوا ذلك وسيعجزون حتمًا ، ولكننا لا نريد ، وسنقول لهم إن أول الأدلة على وجود الحكم المطلق الإرهابي الذي يجعل من روسيا بلدًا فاشيًا كألمانيا تحت هتلر وإيطاليا تحت موسوليني هو طبيعة الإيمان بالنظرية الماركسية ، فالحكومة الروسية تؤمن بنظرية خاصة في السياسة والاقتصاد ، وهي لا تنكر ذلك ، والإنكار على كل حال لا يجديها أمام الحقيقة الواقعة ، وعندما تؤمن الحكومة بمبدأ خاص يصير همها الأول أن تنشر هذا المبدأ وأن تحابي الأنصار المؤمنين بقدر ما تحارب الأعداء المعارضين مثل الحكومة في ذلك كالفرد عندما يؤمن ، فإن كافة علاقاته تخضع للمبدأ الذي يؤمن به ، فأصدقاؤه هم المؤمنون به وإن كانوا أبعد الناس عنه وأعداؤه هم المعارضون له وإن كانوا أقرب الناس إليه ، وأعظم الفضائل لديه هي الإيمان ، وأفظع المنكرات عنده هي الكفر ، ذلك أمر يتفق فيه كل الأفراد المؤمنين وكل «حكومات المبادئ» لا فرق بين مبدأ ديني أو مبدأ فاشي أو مبدأ ماركسي(1) ، والمؤمن لا يضن بحياته على مبدئه ، ومن باب أولى لا يضن بحياة الناس عليها ، وكذلك حكومات المبادئ لا تهمها حياة الناس إلا الوجود الحي للمبدأ ، فإذا لم يؤمنوا فوجودهم وعدمهم سيان ، بل إن عدمهم أفضل لأنه يسهل الطريق أمام المبدأ ، ويخلصه من غير المؤمنين .
فطبيعة الحكم الموجود في روسيا يفرض عليها النظام الإرهابي ويخضع حرية الناس وحياتهم لرجال الحكومة الممثلين للمبدأ ، والحكومة الديمقراطية وحدها هي التي تفرق عن حكومات المبادئ ، لأن مبدأها الوحيد هو الإنسان نفسه «أن يكون الإنسان غاية في ذاته» ، فالمبادئ هنا في خدمة الإنسان ، وليس الإنسان في خدمتها .
وذلك لا يمنع من رضا الشعب الروسي بهذا النوع من الحكم وخضوعه له ، فإن هذا هو الوضع الطبيعي مادامت الدولة قد ضللت الشعب وقطعت كل العلاقات بينه وبين العالم الخارجي ، وقلبت عنده الحقائق ، فهو كالمريض دون أن يشعر تفتك العلة بأحشائه وهو يظن أنه أحسنهم صحة ، على أن ذلك لن يدوم طويلاً بالطبع .
والدليل الثاني هو ما بين أيدينا من الكتب والرسائل التي تصف حياة روسيا وطريقة حكمها مثل كتاب «اخترت الحرية» تأليف ف. كرافشنكو ، و «أحد الناجين من الموت» تأليف أ. بارمين ، و «تقرير عن روسيا» تأليف أريك جونسون ، و «وجهًا لوجهًا مع روسيا السوفيتية» تأليف فلودمير بنشكونسكي ، وهذه الكتب كلها تصف الحكم الروسي وصفاً حقيقيًا وتصور لنا الحياة الروسية ابتداء من عشرات الحوادث الصغيرة التافهة إلى السياسة العليا في المكتب السياسي Politbureau .
لكننا نعلم أن الذين اعترضوا أول مرة سيعترضون هنا بحجة أن هذه الكتابات ما هي إلا دعايات مأجورة قام بها هؤلاء الكتاب لتشويه صفحة روسيا بعد أن قبضوا ثمنها من الرأسماليين والسياسيين الإنجليز والأمريكيين !!
ومع إنهم سيقولون ذلك على كل ما لا يلائم مشربهم أو يعارض النظام الروسي إلا أننا فضلنا إطراح هذه المؤلفات القيمة جانبًا وأن نعود إلى الكتب التي ألفت منذ عشرة سنين أو أكثر والتي لا ترقى إلى مؤلفيها شبهة الارتزاق والتحامل .
هذا كتاب ظهر سنة 1937م من تأليف أندريه جيد باسم «العودة من روسيا» Retour de l U.R.S.S. (1) .
وقد كان جيد شديد العطف على الشيوعية شديد العداء للراسمالية ، فلما توفى الكاتب الروسي العظيم مكسيم جوركي دعت حكومة السوفيت بعض الكتاب المشهورين بميولهم الشيوعية للاشتراك في جنازته وفي مقدمتهم أندريه جيد الذي ألقى خطابه في حفلة الجناز وتجول في روسيا وزار بعض المؤسسات العامة بدعوة من الحكومة الروسية ، فلما عاد نشر هذا الكتاب .
يقول جيد إنه أعجب عند وصوله بالحدائق العامة ومعسكرات الرواد وغيرها من المنشآت ، ولكنه لم يلبث أن رأى ما تخفيه بعض المظاهر من فساد قاتل للعقل والقلب .
ذكر أنه رأى مرة في موسكو بعض مئات من الناس تنتظر أمام أحد المخازن ، فسأل عن سبب اجتماعهم قبل فتح أبوابه ، وما سبب التسابق مادام الجميع سيشترون ، فأجيب بأن السابقين هم الذين يفوزون بالشراء ، ثم قال : «وبعد ساعات دخلت المخزن ، إنه واسع عظيم والجمهور فيه خليط عجيب ، أما البائعون فذو تؤدة لأن المشترين على صبر عظيم وهم يستطيعون أن ينتظروا الصباح كله أو النهار كله ، ويظهر أن الروسي يعجبه أن ينتظر كما يلذ له أن يجعلك تنتظر ، أما السلع فكلها منفرة ، وقد كنت أود أن أشتري شيئاً لأصدقائي ، ولكنها من القبح بمكان عظيم ، ولا يظهر الذوق إلا إذا وجحدت المنافسة ، ولكن لا بسيل إلى الاختيار ، فيجب الرضا بما يعرض عليك ، فإما أن تشتري أو تمتنع ، ومادامت الحكومة الصانع والبائع والمشتري فتقدم النوع يظل تابعًا لتقدم الثقافة ، وقد قيل لي ماذا يفيد النوع إذا لم يكن هناك منافسة»
إن الحكومة هي التي تسيطر على كل شيء ماديًا وأدبيًا ، ومادام الأمر كذلك فلا سبيل إلى رقي الإنسانية ، فصحيفة «برافدا» تحمل إليهم كل صباح ما يجب أن يعرفوه ويعتقدوه وهم يربون الأطفال منذ صغرهم على هذا الخضوع الفكري والمادي ، فالطعام كله رديء ، والأقمشة كذلك ، ولا سبيل إلى معرفة ما يجري في الخارج لأن كل اتصال مع البلدان الأخرى معدوم .
لقد أقامت الحكومة خطاً لا سبيل إلى تجاوزه في الفكر والتقدير بحيث اضطرت الناس إلى التشابه في الطعام والشراب والثياب والتفكير والويل لمن يتجرأ على النقد «فإن أي اعتراض أو نقد يعرضان صاحبهما لأشد العقوبات ويحال دون وصولهما إلى الجمهور ، وأشك أنه يوجد اليوم بلد في العالم حتى في ألمانيا الخاضعة لهتلر فيها العقل أقل حرية وأكثر خضوعًا واستعبادًا مثل روسيا السوفيتية» .
ويقول في موضوع آخر «إن الرؤوس لم تنحن من قبل مثلما هي عليه اليوم» .
وقد حاولوا إخضاع جيد نفسه لآرائهم فقد عرض إحدى خطبه على بعض معارفه ، فانتقدوه قائلين إن فيه أشياء لا يليق التفوه بها ، ويقرر أخيرًا أن الترجمة الروسية لخطبة لا تمثل الحقيقة ولا تطابق الأصل الفرنسي .
أما عن ستالين وطريقة حكمه ، والألقاب والمظاهر التي يحاط بها شخصه وتجعله كأحد القياصرة ، فإن قصة واحــدة تكفي للدلالة على ذلك .
مر في تنقلاته بمدينة «جوري» مسقط رأس ستالين فرأى أن واجب اللياقة يقضي بأن يرسل إليه تحياته من هذا البلد كشكر على الحفاوة به ، فكتب برقية يقول فيها و «لدى مروري بجوري في أثناء سفري الجميل شعرت بدافع قلبي لأرسل إليك ....» ، ولكن المترجم ــ ولم يكن عاملاً صغيرًا بل موظفاً كبيرًا ــ توقف عند الكلمة الأخيرة لأن صيغة المخاطب لا تكفي في مراسلة ستالين ، فاقترح أن يضاف «أنت زعيم العمال» ، أو «سيد الشعوب»(1) أو ما شابه ذلك فأبى جيد ، وثار ، ولكنه اضطر أخيرًا إلى الخضوع والرضا بما طلب منه .
وهذا كتاب ثان من تأليف أحد كبار رجال الثورة الشيوعية «تروتسكي» واسمه «خيانة الثورة» ، وقد عاب فيه على ستالين تقييده لحرية الفكر وإن كان يقرر أنه هو نفسه لم يكن يترك الأقلام تتجول في غير دائرة الفكرة ، وهو أن يكون إما مع الثورة أو ضدها ، فلنتصور حكمًا وتقييدًا تعتبر إزاءه هذه السياسة ــ سياسة تروتسكي ــ رحمة وحرية .
وذلك كتاب ثالث صدر سنة 1935م وهو بعنوان «أحدثكم عن الصامتين» I speak for Silent من تأليف الكاتب الروسي «فلاديمير تشيرنافين» يصور فيه محنته بين يدي السوفيت ، وقصة إلقاء القبض عليه والتحقيق معه ، وكان الكاتب ينتسب لطبقة النبلاء ، وهو ذنب يكفي لكي يجعله عدوًا للحكومة ، وقد كلفته الحكومة عندما فكرت في مشروع الخمس سنوات باستخراج مقدار معين من الأسماك في منطقة بيرمانسك حيث كان يعيش ، وكان المقدار الذي فرضته الحكومة مستحيل التنفيذ فلما ذكر ذلك لأحد المسئولين اعتبره عصياناً ، ووجد رجال هيئة الأبحاث السياسية السرية «النكفيدا» فرصتهم المنشودة فقبض عليه في الحال بتهمة التآمر على مشاريع الدولة والكيد للحكومة ، وكان رجال الحكومة أنفسهم يعلمون أن المشروع الذي فرضوه مستحيل التحقيق لأسباب فنية ظاهرة ، ولكن لم يستطع أن يصرح أحد منهم بذلك ، وكانوا في الوقت نفسه يحتاجون إلى ضحية يقدمونها اعتذارًا عن فشل المشروع فقبض عليه حتى يبرر سقوط المشروع بأنه نتيجة لتآمر بعض المنتمين للعهد القيصري ، وأنه لولا ذلك لنجح .
أما قصة التحقيق معه وسجنه ووصف السجون وزملائه فيها من الأساتذة والمهندسين والأطفال الذين لا يزيد سنهم على العاشرة من أبناء الذين هربوا من عدوان الحكومة فقبض عليهم كرهائن ، وطرق التعذيب في الغرف السفلى من السجن ، وكيف كان يضطر إلى الوقوف ساعات وأيام ، وكيف قبض على زوجته وولده وصدر عليه الحكم بالإبعاد خمس سنين إلى إحدى الأصقاع النائية ، وأخيرًا كيف استطاع الهرب فذلك ما لا تتسع له للأسف صفحات الرسالة ، ويمكن للذين يرغبون في معرفته الرجوع إلى الكتاب نفسه وإلى الكتاب الذي ألفته زوجته بعنوان «الهرب من السوفيت» ، ووصفت فيه فرارهم ، ولكني أقول إن هذا الكتاب يذكرني دائمًا بكتاب آخر عنوانه «كنت سجيناً عند هتلر» من تأليف ستيفان لورانت وهو صحفي هنغاري كان يعمل في إحدى الصحف المعادية للنازية ، فقبض عليه لمدة ستة شهور في الحجز الوقائي ثم أفرج عنه ، فالوقائع في هذين الكتابين متشابهة تكاد تكون واحدة ، طرق التحقيق والحجز والتعذيب والقبض على الزوجات ثم الفرار .
والواقع أن طرق التحقيق في روسيا الستالينية وألمانيا الهتلرية متشابهة إلى حد عجيب ، ففي ألمانيا الجستابو الرهيب ، وفي روسيا النكفيدا ، وهي أشد منه رهبة ، وقد رأس الجستابو هملر كما يرأس النكفيدا بيريا أحد الرجال الأربعة البارزين في المكتب السياسي ، وهما يتشابهان حتى في المنظر الخارجي نفسه فكل منهما حليق الشارب أصلع الرأس صامت ظنين يحجب عينيه بمنظار أنيق ولا ينم على وجهه آثار مهنته البغيضة .
* * *
ما يهمنا من ذلك كله أن النظرية الماركسية لا يمكن تحقيقها عمليًا كاملاً لمخالفتها لطبائع الأشياء ، وأن كل محاولة تبذل لذلك لن تنجح إلا نجاحًا جزئيًا ضئيلاً على أن يكون ثمن هذا النجاح الضئيل التضحية بحرية الشعب في الحكم والعقيدة والاقتصاد ، وغني عن الشرح أنها صفقة خاسرة لا يمكن أن ترضي أحدًا ، وأن الشعب سيفقد في سبيلها كلا من الحرية والعدالة .
أما ما يستدل به على نجاحها بانتصار روسيا على ألمانيا فهو استدلال غير سليم ، لأن روسيا القيصيرية قد هزمت نابليون ، ولأن انتصار روسيا لا يعود إلى قوتها بقدر ما يعود إلى كثرة أعداء ألمانيا ، واضطرارها إلى الحرب في ميادين متعددة .
على أن إنجلترا وأمريكا قد انتصرتا كذلك ، ونظامهما يخالف النظام الروسي .


(1)  القرش نوع من السمك المفترس .
(2)  ليس معنى ذلك رضاءنا عن الديمقراطية والرأسمالية ، فهما في حاجة إلى إصلاح كبير أشرنا إليه في كتابنا "ديمقراطية جديدة" ، ولكن معناه أن الإصلاح يجب أن لا يكون على حساب الحرية لأنه في هذه الحالة سيكون إصلاحًا لناحية العدالة وإفسادًا لناحية أهم منها ، وهي الحرية ، التي تضمن صلاح العدالة ، بل والتقدم البشري كله .
(1)  البيروقراطية : هو الحكم المركزي للموظفين والمكاتب .
(1) هذه المقتطفات من رسالة عصر الاشتراكية للأستاذ إسماعيل مطهر ، ص 20 .
(1) عدد مايو سنة 1948 من الهلال ، الجزء 5 من المجلد 56 ، ص 49 .
(2) انظر كتاب الاقتصاد السياسي للأستاذ الدكتور عبد الحكيم الرفاعي بك ، ص 51 ــ 63  .
(1) انظر كتاب الاقتصاد السياسي للأستاذ الدكتور عبد الحكيم الرفاعي بك ، وكتاب الاقتصاد السياسي للدكتور زكي عبد المتعال .
(1)  عرض تاريخي للفلسفة والعام ، أ. ولف ، ص 100 ـ 102 .
(1)  المصدر نفسه ، ص 119 .
(2)  الجدلية Dialectics مأخوذة عن الكلمة اليونانية Deal ego  ، أي يجادل ويناقش ، وكانت الجدلية في العصور القديمة هي طريقة الوصول إلى الحقيقة بالكشف عن متناقضات حجج الخصم .
(1)  هو جورج بركلي ، ولد بإيرلندا سنة 1684م ، وتوفى سنة 1753م ، واشتهر بفلسفة المثالية ودفاعه عن الدين والروحانية . .
(2)  ملخص نظرية بركلي في الرؤية هي أن البصر لا يمنحنا فكرة الامتداد ، وما يخيل إلينا من رؤية الأبعاد والأطوال إنما هو عمل ذهني داخلي ، والدليل على ذلك أنه إذا رد البصر على من ولد لأعمى فإن المرئيات لا تبدو له على صورة إحساس جديد ، بل يخيل إليه أنها امتداد لشعوره وتفكيره القديم ، وما نشعر به من أننا نرى عند التحديق بالعينين إنما هو أثر من عملية ربط الانتباه بالتحديق ،ويشبه بركلي المرئيات بلغة أعدها الله لتفاهم الأفراد كأداة التخاطب اللفظية ، فهي عرف وتواضع متفق عليه وأداة لتصوير فكرة ، ويستنتج بركلي من ذلك كله أنه ليس في الرؤية ما يقوم دليلاً على وجود المادة ، لأن هذه إنما تعرف بصفاتها المادية ، وقد بينا أنها كلها ذهنية .
(3)  يرى علماء الطب والفسيولوجيا أنه يمكن إزالة أجزاء كبيرة من الفص الجبهي في الســمع وهو الجزء الذي يظن أنه مكان التفكير والشخصية دون أن يفقد = = الإنسان شخصيته كلها أو بعضها ، وقد أجريت عمليات قطعت فيها الصلة التشريحية تمامًا بين الجزء الجبهي من المخ كله وبين بقية المخ ، ولم يتغير التفكير أو تفقد الذاكرة كأن الصلة بين المخ الجبهي والجسم صلة لا علاقة لها بالاتصال المادي التشريحي ، ولعله اتصال كهربائي أو كيمائي أو غير ذلك ، وهذا إن لم يهدم النظرية المبالغة ، فإنه على الأقل يبرهن على أن المسألة أصعب مما يتصورها الناس ، وأنها ليست من المسائل التي يطلق فيها القول على علاته .
(1)  من الممكن ملاحظة ذلك من العرض الذي شرحناه لتاريخ المذهب المادي نفسه فإن ديمقريطس ابتكر النظرية الذرية قبل التقدم العلمي الذي أثبت ذلك ، وقد وضع ليونار دافنشي في القرن الخامس عشر تصميم طائرة ذات مروحة أفقية فوقها كما في طراز طائرات هليكوتروب وتصميمات بيوت تركب ويمكن فكها ونقلها وطاحون لفاف وبزال قاطع وآلة غزل ومجرافة تطهر المواني ، وكان أول رجل ركب إبرة مستطيلة على محور أفقي وبذلك هيأ لنا البوصلة كما نعرفها الآن ، وكان هو الذي اخترع ما نسميه الآن ناقل السرعة في السيارات ومقياس الريح ، كما ابتكر جهاز الغوص وحزام النجاة ، ووضع تصميمًا لغواصة .
(1)  كان علماء القرن التاسع عشر يظنون أن الطاقة حالة تحل بالمادة ، فالكهربائية مثـلاً عرض من أعراض جوهر المادة ، لأنك إذا حككت قطعـــة من حجر = = الكهرباء اكتسب الصفة التي تجذب الأجسام إليه ، وقد تزول هذه الصفة عنه إذا لمسته بيدك ، مما يدل على أن المادة هي الجوهر ، والكهرباء هي العرض ، ولقد كان من أهم التطورات العلمية في القرن العشرين أن البحث في تركيب الذرة قد دلنا على أن المادة مؤلفة من كهرباء وبذلك صارت المادة نفسها نوعًا من أنواع الطاقة .
(1)  الاقتصاد السياسي للدكتور عبد الحكيم الرفاعي ، ص 55 .
(1)  كتاب السبيل إلى عالم أفضل ، تأليف كارل بيكر ، ص 166 ـ 167 .
(1)  يذهب بعض العلماء إلى أن الحقد هو الصفة الرئيسية في الاشتراكية وفي ذلك يقول "جوستاف لوبون" ، "والصفة الرئيسية للاشتراكية هي الحقد على جميع الأفضليات ، أفضلية النبوغ ، وأفضلية الثروة ، وأفضلية الذكاء" ، ويؤيده في ذلك الكاتب المصري الأستاذ عباس محمود العقاد الذي يقول "والشيوعية في لبابها قائمة على خلفية الحسد ، فلا ترى شيوعيًا إلا رايته حاسدًا للممتازين من خلق الله كيفما كان سبيل الامتياز ، وليس من يشعر بالعطف على الضعيف أو الفقير ، ولكنهم جميعًا يحقدون على القوي والغني وعلى كل صاحب فضل يشيد به الآخرون ، وليست التفرقة عندهم بين من يحب أو يكره ولا تفرقة بين من يكرم أو يلؤم ، وإنما هي على الجملة تفرقة بين من يحسد أو لا يحسد كائناً ما كان مثار الحسد عليه ، وإنك لتستطيع أن تعلم مع من من الخصمين يكون الشيوعي كلما علمنا من منهما الراجح ومن منهما المرجوح ، فهم في صف المرأة إذا نازعت الرجل ، وفي صف الولد إذا نازع الوالد ، وفي صف الجاهل إذا نازع العاقل ، وفي صف الخامل إذا نازع المشهور ، وفي صف الدهماء إذا نازعوا أبطال التاريخ" (ص 48) من كتاب "في بيتي" ، ولا شك أن ذلك هو إحدى الثمار المرة لفكرة صراع الطبقات .
(1)  معنى العمل عند ماركس هو ما يقوم به عامل متوسط المهارة في كل نوع من فروع الصناعة في الظروف العادية للإنتاج ، ويرى ماركس أن السلعة عمل متبلور .
(2)  انظر كتاب "الاقتصاد السياسي" للدكتور عبد الحكيم الرفاعي ، ص 63 ، 101 .
(1)  الريع هو المبلغ الذي يدفعه المزارع للمالك نظير استغلال الأرض .
(2)  ريكاردو (1772ـ1823) اقتصادي إنجليزي مشهور يعتبر مؤسس علم الاقتصاد السياسي الحديث ، وقد استعار ماركس كثيرًا من آرائه .
(1)  "شبنجلر" للأستاذ عبد الرحمن بدوي ، ص 113 .
(1)  هو ميشيل باكونين ولد سنة 1814م من عائلة عريقة وخدم بالجيش الروسي ، وتأثر بما يحوطه من مظاهر البؤس والظلم فاعتزل الخدمة وعكف على الإطلاع والترحال ، وقابل برودون في باريس وتأثر به وجاهد في سبيل الحرية في ألمانيا والنمسا وروسيا ، ونفي إلى سيبريا ، ولكنه فر منها وارتحل إلى أمريكا وإنجلترا ومات سنة 1876م بمدينة برن بسويسرا بعد أن قضي جل حياته في نضال مع السلطات الحاكمة في معظم بلاد أوروبا .
(1)  "موسكو ، برلين ، لندن" بقلم عصام الدين حفني ناصف ، ص 3 ، 4 .
(1)  ملاحظة لهذه الطيعة ، أي ما يعادل ثلاث دولارات تقريبًا ، انظر هامش الصفحة التالية .
(1)  الأستاذ عباس محمود العقار في العدد 633 من مجلة الاثنين الصادر في 29 يوليه سنة 1946م .
(2)  الدولار يعادل في قيمته الاسمية ريالاً مصريًا تقريبًا .
·                ملاحظة لهذه الطبعة : [ فقد دار التطور دورة كاملة فبعد أن كان الدولار خُمس جنيه أصبح الحنيه خُمس دولار] .
(1)  يعتذر ستالين دكتاتور روسيا بأن حالتها الآن لا تسمح بالشيوعية الكاملة وأن عليها الاكتفاء بهذا القدر منها حتى يتمكنوا من زيادة الإنتاج بحيث يصير كل شيء برخص الماء والهواء ، وعندئذ تتحقق الشيوعية الكاملة ، وهو رأي له قيمة من ناحية الطرافة فحسب فبغض النظر عن إمكان تحقيق هذا الرأي عمليًا فإنه في الحقيقة ليس أكثر من وعد بعيد المدى ليس له ضمانات يعد به دكتاتور في السبعين من عمره .
(1)  الواقع أن المبدأ الماركسي أشد تحكمًا من غيره لأنه يشمل الناحيتين المعنوية والاقتصادية بينما لا تشمل المبادئ الدينية والفاشية سوى الناحية المعنوية فحسب ، ومن أجل ذلك لم تبدع هذه المبادئ نظم البطاقات الدائم الذي تتحكم به الدولة في الأرزاق بعد أن تحكمت في عقيدة الشعب وضميره بكبح المعارضة ، وتكميم الصحف واضهاد المعارضين .
(1)  انظر تلخيص هذا الكتاب بقلم الأستاذ صديق سيبوب في العدد 49 من "مجلتي" الصادر في أول فبراير سنة 1937م  .
(1)  وقد كان هذا سنة 1937م ، أي قبل الحرب ، فما بالك بألقاب بعد الحرب !.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,724,258,489
- ترشيد النهضة
- الحركة الميثاقية
- الثورة تجابه منعطفاً خطيرًا
- نزولاً على إرادة الشعب
- اقتراح
- جمال البنا في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التنوير وا ...
- المسألة الشعبية بين جورج صاند وجوستاف فولبير
- عندما ثار الأسطول البريطاني
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 3 3 )
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 2 3 )
- كلكم سيدخل الجنة «إن شاء الله» إلا المارد المتمرد
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 1 3 )
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 3 3 )
- الطقوسية العدو اللدود للإسلام
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 2 3 )
- مانيفستو المسلم المعاصر
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 1 3 )
- الحكمة باب يفتحه الإسلام على الزمان والمكان
- امريكا افضل من صدام
- دعوة لإعمال العقول


المزيد.....




- قوانين في الإمارات لمكافحة وضع المكياج وتدخين الأرجيلة أثناء ...
- أحمد حلمي: جنتي في إسعاد الناس
- كنائس العراق ترفع الدعوات بالسلام في أعياد الميلاد
- تحرير 14 قرية في هيت وتأمين الطريق الدولية السريعة بالرمادي ...
- انفجار قنبلة يودي بحياة ضابط وجندي شمال سيناء
- بوتن يلغي العطلة الحكومية بأعياد الميلاد
- ليبيا.. عشرات القتلى في سرت وبنغازي
- مقتل 22 مسلحا و6 شرطيين جنوب أفغانستان 
- بالفيديو.. بريطانية تتزوج قطين
- شرق أوكرانيا: هدنة وسلام في النصوص وحرب متواصلة في الميدان


المزيد.....

- وحدة الوطنيين الدّيمقراطيين بين الواقع والطّموح ( القواسم ال ... / الأسعد سائحي
- الماركسية والممارسة الثورية-(حول منهجية لينين) / منصور حكمت
- تونس - - الجبهة الشعبية - من حماية - الثّورة - مع النهضة إلى ... / الأسعد سائحي
- اسلوب العمل الشيوعي / منصور حكمت
- البعد الايديولوجي لليسار الاوربي التقليدي / عبد الكاظم العبودي
- الماوية: تطور الماركسية على قاعدة تجربة نضال البروليتاريا: ا ... / الخطابي زروال
- ستراتيجية المقاومة وتحديد الاعداء، الاصدقاء والحلفاء / جورج حداد
- الماركسية الجديدة وصناعة تجميد الإشتراكية في القالب الفطير ل ... / المنصور جعفر
- ملخص مسيرة الخط الماركسي اللينيني-الماوي- في تونس / محمد علي الماوي
- حول -ملخص مسيرة الخط الماوي في تونس- : الفردانية في التأريخ / نضال عرماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جمال البنا - نقد النظرية الماركسية