أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - مــن ماهيــات سيرة عيد الكريم قاسم















المزيد.....



مــن ماهيــات سيرة عيد الكريم قاسم


عقيل الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 979 - 2004 / 10 / 7 - 10:20
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


 {الـولادة والنشــــــــــــأة }
1-    الانتماء العائلي والنسب؛
2-    الولادة والصبا؛
3-    المعلم.
                                                                    { كما يكون الإنسان.. تكون فلسفته}  
                                                                         فخته
  
1.3- الانتماء العائلي والنسب:
 
ينتمي عبد الكريم قاسم من حيث الأب (قاسم محمد البكر الزبيدي) إلى عائلة سنية المذهب، قحطانية النسب، قدمت من الجزيرة العربية، واستقرت في البدء في الأراضي الزراعية الممنوحة لها من قبل  أحد السلاطين العثمانيين التي استقطعها إلى جدها السادس عبد الله، في منطقة المحصورة بين مدينتي الصويرة الواقعة على نهر دجلة وكربلاء على نهر الحسينية المتفرع من نهر الفرات، وذلك لإشرافه على أعمال شق النهر الأخير لإيصال المياه إلى مدينة كربلاء.[2]
و يمكن القول استنادا إلى شجرة العائلة: " أن جدهم السادس عبد الله هاجر من اليمن إلى العراق. وبعد وفاته تولى استغلال الأراضي الممنوحة له، أبنه عبود ثم حفيده كاظم ثم أبن حفيده بكر، الذي ترك الاشتغال بالزراعة، وكذلك فعل محمد بن بكر الذي أنجب قاسم والد عبد الكريم...[3] ". ولد قاسم محمد البكر في مدينة الحلة عام 1870 في منطقة البكرلي[4].
كان الأب قاسم كبقية الرجال من العوام (البغداديين والمتبغددين) يرتدي الزي الشعبي الشائع آنذاك والمتكون من الدشداشة والصاية ويعتمر اليشماغ والعقال المقصب من النوع النجدي، الذي يدلل على انتماءه القبلي لعشائر قدمت من نجد. كان, كما هو معروف عنه, رجلاً متديناً، وكانت تنشئته الاجتماعية التي تشكل شخصيته متوافقة مع محيطها كأغلبية الناس.
لقد أمتهن قاسم بكر الزبيدي عديد من المهن لمواجهة الحياة ومصاعبها المادية: النجارة،الدباغة, بيع الحبوب، تجارة المفرق للمنتجات الزراعية في الصويرة وكان أخرها نجارة صنع الشناشيل, التي استمر يعمل فيها لحين وفاته. يتطلب هذا الصنف الأخير من العاملين فيه جملة من الصفات منها: تحمل المشاق، الصبر الطويل والأناة وقوة الملاحظة والانسجام في الشكل والذوق والدقة والصرامة في الإنجاز.. بمعنى ضرورة توفر بعض عناصر الوعي الجمالي وقوة الشخصية، لدى العاملين فيه تنسجم مع طبيعة متطلبات المهنة، مما  يؤثر على تركيبتهم النفسية والسلوكية.
 وتدلل القرائن على صعوبة حياته العملية المقترنة بالمشاق وعدم الثبات، انعكست في سلوكيته ومزاجه الشخصي وقد علمته في الوقت نفسه الصبر والتحمل، الصمت والحوار مع الذات.. كما كان قليل المعشر دون أن يكون إنطوائياً، بسيطاً دون تعال، دؤوب على العمل ولم تغره الحياة، حتى بعد أن تحسنت أحوال العائلة مادياً وتدرج أصغر أبناءه في السلم الاجتماعي حين أصبح ضابطاً كبيراً برتبة زعيم ركن.
يحمل هذا الموقف دلالته السلوكية/ الاجتماعية ويعكس نفسية الرجل ودرجة تواضعه في مجتمع يعطي للوجاهة أهمية كما كانت في المجتمع البغدادي, إذ بقى سلوكه ونمط حياته على وتيرة السابقة رغم الحراك الاجتماعي العمودي وتبدل الموقع الاجتماعي لأبنائه وأصهاره، حيث " مضى عليه زمن دون أن يجالس أحد (في مقهى محلة العباسية في كرادة مريم– ع.ن) بل اعتاد التوجه يومياً إلى محلة المهدية والعودة منها مساءً بعربة خيل[5] ".
 لقد أورث الأب كثير من هذه الصفات إلى الابن الأصغر الذي عاشره منذ الطفولة، في ورشة العمل بعد انتهاء الدراسة اليومية أو أثناء العطل المدرسية.
بقى الأب يسكن في محلة قنبر علي الفقيرة، منذ قدومه من الصويرة عام 1926 ولغاية 1948، حتى أستأجر أبنه المقدم الركن عبد الكريم قاسم داراً للعائلة في منطقة كرادة مريم، وبقى فيها لحين وفاته عام 1956، حيث دفن في مقبرة الشيخ معروف في كرخ بغداد.
لم تتوفر لنا مصادر, إلا نادرا ومن نمط الأدب الشفاهي فقط, عن طبيعة حياة الأب وعلاقاته ونمط تفكيره وتصوراته الحياتية، ومدى تأثره بالقيم الاجتماعية ودرجة تعصبه لها [6]. إذ كان واحداً من أبناء هذا الشعب الكادح ومن عائلة تنتمي إلى الفئة تحت الوسط من حيث الدخل، نظراً للمساعدة المادية المتأتية من بعض واردات الأرض الزراعية التي تمتلكها العائلة في الصويرة، بحيث أمنت لكافة أبناء الأسرة دخول المدارس بما فيهم البنات، وهذه حالة لم تكن شائعة آنذاك, ربما كان ذلك بتأثير من عم الأبناء الوحيد، وهو محمد علي البكر، الذي كان الضابط في الجيش العثماني.
 في الوقت نفسه لم يحاول عبد الكريم قاسم تكوين صورة مبهرجة وهمية عن حياة أسرته وعن والده بصورة خاصة، كما يفعل أغلب زعماء المنطقة، وعلى الأخص أولئك المتأثرين بقيم البداوة والتفاخر بالنسب والأرومية القائمة على أساس رابطة الدم. وقد كان يردد القول المأثور للفيلسوف على ابن ابي طالب: (وقيمة كل أمرئ ما يحسنه), لذا لم يتكلم، سواءً قبل تسنمه المنصب الأول في الدولة أو بعدها، عن حياته العائلية والشخصية إلا لماماً، محددا أبعاد ظروفه الاجتماعية العامة دون التفاصيل، وذلك لأنه: من الجانب الذاتي المنطلق من تكريس حياته لتحقيق هدف التغيير الذي سعى إلى تحقيقه، نأى من التركيز على الجوانب الأنوية والفردية لذاته، كما لم يكن يرغب في تكوين كاريزما (الهالة الصمدانية) شخصية غير مؤسسة على أسس مادية حقيقية تستنبط من ذات قيم وأهمية التغيير المنوي تحقيقه. وكان ينطلق من المقولة العربية المشهور والمجسدة في البيت الشعري المنسوب للفيلسوف الامام علي بن أبي طالب:
                   أن الفتى من يقول ها آنذا           ليس الفتى من يقول كان أبي 
 لذا لم يتكلم عن ذاته ولا عن عائلته, لأنه أراد أن يخوض لجج الحياة معتمداً على مواهبه وإمكانياته الشخصية وفضائله النفسية من نزاهة وعفة وإخلاص وغيرها من القيم الحضرية ومن كريم السجايا وحميد الخصال، لهذا نراه يأبى أن ينتسب إلى قبيلة ويعتز إلى أسرة. ولذا يمكن أن نطلق عليه كما قالت العرب : أنه نسيب وحسيب.[7]
أما من حيث الأم (1880- 9شباط 1953) .. فتنتمي والدته (كيفيه حسن يعقوب الساكني) إلى عائلة شيعية المذهب، تنتمي إلى عشيرة السواكن (السواجن) التي يرجع نسبها إلى عشيرة تميم العدنانية. نذكر هذه الحقيقة ونؤكد عليها لدحض الادعاءات الخاطئة التي روجتها كثير من القوى التي ناهضت الزعيم قاسم، عندما ادعت إن والدته من أصول غير عربية، نظراً لانتمائها المذهبي الشيعي.
 لقد درج الكثير من  كتاب التيار القومي ومن اليمنيين والطائفيين، على اعتبار إن الأغلبية العربية الشيعية هي غير عربية الانتماء والأصل. وعادة ما يقرنونهم بصفة الشعوبية[8]، انطلاقاً من هذا الموقف المتحيز مسبقا أطلقوا على الزعيم قاسم مفردة (شعوبي) بعد تجريده من انتمائه العربي.
لقد وقع العديد من الباحثين وخاصة الأجانب منهم، كالباحث الاكاديمي الجاد حنا بطاطو في ذات الخطأ، وذلك عندما نسب، بصورة مطلقة، والدة الزعيم قاسم إلى كونها (كردية فيلية)[9]. وقد سبقه في ذلك الباحث اليعازر بعيري عندما قال:" وطبقا لبعض المصادر فإن أمه من أصول كردية[10]".
ويذهب إلى ذات الرأي أوريل دان، دون أن يحدد مصدره، عندما يقول: " أن كُتاب السير الخصوم ينكرون عليه عروبته ويقولون أن أباه تركماني نجار وأمه كردية الأصل. إلا أن أوثق المصادر وأدق التحقيقات أثبتت إن والد قاسم هو من العرب السنة في حين أن والدي أمه فيليين، أي من الكرد الشيعة الذين هاجروا إلى بغداد بأعداد كبيرة من منطقة تقع وراء الحدود الإيرانية…[11] ".
إن تأكيدنا على أصل والدة الزعيم قاسم، لا يحمل في طيا ته انتقاصاً من الأثنيات الأخرى (الكرد الفيليين أوغيرهم) التي يتكون منها التكوين الاجتماعي العراقي، قدر ما هو إيضاح للحقيقة المعرفية في نسبها. وهذا ما يؤكده مجيد خدوري، رغم عدم موضوعيته من الزعيم قاسم وثورة 14 تموز، فيقول بشيء من الشك بأن والدة الزعيم: " تنتمي إلى عائلة شيعية ترجع بنسبها إلى بني تميم, وهي قبيلة تنتمي إلى قبائل عدنان من جنوبي الجزيرة العربية. إلا أن قاسم، على الرغم من تأكيد نسبه العربي، حقيقة كان أم خيالاً، لم يفاخر بخلفيته العربية ولم يستغل مذهب العائلة لا سنياً ولا شيعياً. ووفرت له مناخاً غير مشوب بالتعصب العرقي والتزمت الديني الذي يتميز به أولئك الذين ينشأون في القسم الشمالي أو القسم الغربي من بغداد. أما نسبه العربي فكان موقع شك من قبل خصومه بسبب وقوفه بجانب الشيوعيين ضد الوحدويين، لكن هذا لا يعني إن دعاة الوحدة العربية الشاملة كانوا جميعاً عرباً اقحاحاً [12]" (التوكيد منا – ع.ن) .
كانت والدة عبد الكريم امرأة " ممشوقة القامة باسقة، مستديرة الوجه، يميل لونها إلى الحمرة مع بياض شديد، وقد لفت شعر رأسها وعنقها بفوطة بيضاء … وكانت إذا تحدثت أسرعت فتتعثر الكلمات في فمها فتأخذ حالة من اللكنة المحببة. وقد منحت نفسها صلاحية التصدي لكل خارج على ما تراه صحيحاً.
كانت ذات مشاعر أم عراقية فياضة وذات دخل متأت من أبناءها… مما منحها فرصة لترجمة مشاعرها الطيبة إزاء أبناء المحلة. فكانت تدخل كل بيت وتتأمل ضروراته بإمعان. فإذا شعرت إن أولاد فلان لا يقيهم الغطاء شر البرد، أخذت طريقها إلى المهدية وعادت بلحاف. وإذا رأت نعالاً ممزقاً في قدم امرأة، عاجلتها بواحد جديد وهكذا كان دأبها مع الآخرين في اللحظات المناسبة [13] ". كما أكد لنا الكثير من التقيت بهم من معمري مدينة الصويرة ومنهم السيد عبد المطلب سيد هاشم الذي لم يخرج في حديثه عن والدة قاسم عن  تلك الصورة التي رسمها حسن العلوي من حيث السلوك الاجتماعي والعلاقات الاسرية التي كانت سائدة آنذاك. قال: إنها كانت أمرأة طيبة ذات علاقة اجتماعية جيدة بالناس المحيطين بها, كما كان لها صداقات حميمة مع جيران المحلة, الذين بادلوها ذات المشاعر.. تجلى في ارضاع أحدى نساء الصويرة (السيدة عباسية الذرب) البنت الصغرى لكيفية اليعقوبي وهي نجية المولودة عام 1920 [14] . كانت كريمة جداً رغم حالتها غير الميسورة, أو كما يقول المثل العراقي: (يدها ليس لها), كانت ذربة اللسان, سريعة البديهة وسلسة المفردات, حافظة للقرآن وفي المحلة كان لها سلطان.
كانت والدة قاسم لها شخصية قوية وحازمة، من منظور علم النفس الاجتماعي، ولها أسلوبها الخاص في التعامل الاجتماعي مما جعل لها تأثيراً عميقاً على أفراد العائلة وأبناء المحلة المحيطين بهم. وكانت عندما ترغب بمقاومة سلطة ونفوذ الأب أو الأشخاص الأقوياء من حولها، فقد كانت لا تكترث بإعتراضاتهم المنطلقة من رؤياهم الذكورية، خاصةً إذا ما أمنت بالشيء المنوي إنجازه، فتعمل على تحقيقه بكل طاقاتها. كان حزمها السلوكي هذا, يقترن بالحنان الذي تفضيه على أفراد العائلة والعوائل المجاورة في المحلة.
 ومن هذا المنطلق لعبت والدة عبد الكريم دوراً مهماً ومميزاً في حياته والعائلة برمتها، خاصةً إذا علمنا أنه كان الأبن الأخير بعد وفاة ثلاثة أطفال ولدوا قبله[15]. ومن المعتاد أن تضع العائلة العراقية مكانة مميزة للابن الاصغر بالنسبة لأخوته الكبار. وقد بادلها الابن ذات الشعور وبدرجة كبيرة وتأثر بها. وهذا ما أشار إليه أصدقائه وأقرباءه. وقد سبق لعبد الكريم ومنذ متوسط الأربعينيات، أن خصص لها مبلغاً شهرياً قدره 30 ديناراً، وهو مبلغ كبير آنذاك[16]. توفيت في التاسع من شباط  عام 1953، أي قبل عشر سنوات بالتمام من إعدام ابنها الأصغر، ودفنت في وادي السلام في النجف بناءً على وصيتها.
ومن منطلق المعرفة والمعايشة المشتركتين في احدى محلات بغداد( العباسية- كرادة مريم) قيم المفكر الراحل هادي العلوي عائلة عبد الكريم قاسم بالقول: " خلفيته العائلية. فقد ولد ولأب سني وأم شيعية. وكان كلا الأبوين فاضلاً ومحموداً في محيطه... فعبد الكريم, نشأ في عائلة متوازنة طائفياً وهي عائلة فاضلة أيضاً وأتيحت لعبد الكريم تربية مستقيمة, هي التي تقف وراء شخصيته الاجتماعية المتكاملة... [17]".
ومن الملفت للنظر أن كافة الابناء( بنين وبنات) دخلوا المدارس الحديثة, وإن لم يكملها إلى نهايتها أغلبهم. وهذه حالة تدلل على فهم الوالدين لآهمية تعليم الابناء.
ادعى العديد من الكتاب، ومنهم احمد فوزي، أن الزعيم قاسم قد غير اسم أبيه من جاسم إلى قاسم عام 1930 [18] , ويكرر ذات المعلومة مجيد خدوري ويعلل ذلك بالقول: " لعل السبب في ذلك أن كلمة جاسم هي اللفظة العامية لكلمة قاسم [19] ". ويقول حسن العلوي أن الأخ الأكبر لعبد الكريم " كان معروفاً بإسم حامد جاسم، ولدى استفسارنا عن الاختلاف بين قاسم الذي يسمى به عبد الكريم وجاسم الذي يسمى به حامد.. قالت أم حامد أن عبد الكريم قاسم رفض منذ وقت مبكر كلمة جاسم .. وقال الصحيح هو قاسم [20] ".
وعند مراجعتنا لسجلات مدرسة الصويرة الابتدائية وجدت أن اسمه كان (عبد الكريم جاسم) وتسلسله رقم 2 في سجل قيود الطلبة للعام الدراسي 1923/1924 وكذلك كان اسم أخيه (عبد اللطيف جاسم).[21] كما كان يطلق عليه في الصويرة أسم (جاسم افندي) كما أفاد لنا بعض شيوخ المدينة المعمرين [22].
ولقد سبق وان اعتمدنا هذه المعلومة وتبنيناها في كتاباتنا السابقة من المصادر أعلاه. لكن هذا الطرح استفز مشاعر الروائي المبدع محمود سعيد وانتابه الشك في صحتها وهو الضليع المحب في تاريخ عبد الكريم قاسم، فتقفى أثر هذه المعلومة من مصادرها الأصلية.. وكتب لي رسالة يعترض بالبرهان على عدم دقة المعلومة. فكتب موضحاً يقول :
 " ذهبت بنفسي إلى مديرية تسجيل نفوس الكرخ سنة 1991 واستخرجنا الأوليات وقابلت أولاد أخ المرحوم حامد قاسم، ولم يسمع أحد ذلك إلا وضحك لسذاجة الخيال والاتهام والتشويه. ذكر لي السيد فتحي وكان مكلفاً بالشؤون القانونية في المديرية بأنه لا يُقبل أي طلب بتبديل الاسم إلا إذا وصل من المحكمة وفيه أمر منها. أما القضية الأهم فإن المحكمة لا تصدر قراراً بتغير الاسم إلا إذا كان الموما إليه حاضراً.. أي كان والده حاضراً وأن القضية تتعلق بالأخر وتغير الاسم الشخصي.. وأراني الصفحة خالية من أي شطب[23] ".
كما استفسرت بدوري من حسين حامد قاسم عن هذه المعلومة وقال أنها غير صحيحة ونفى حدوث مثل ذلك. وقال أن الأسرة تحتفظ بشجرة نسبها الذي يعود إلى جنوب الجزيرة العربية.[24]
واستفسرت أيضاً من المهندس طالب حامد قاسم في ابو ظبي وأخيه الأكبرعدنان, وأبن عمته المهندس طلال عبد الجبار جواد وأخيه الأكبر رعد في بغداد, وقد نفوا جميعهم حدوث مثل هذا التغيير. وقد أكد لنا طالب حامد أنه عندما اراد الدخول إلى الجامعة, طُلب منه شهادة الجنسية العراقية.. ونظراً لقدم إخراج والده ليها ولتعذر أخراج الملفات القديمة من ارشيفات مديرية الجنسية.. تم الاستناد إلى ملف عمه عبد الكريم واعتمدوها كإثبات قانوني وكانت هي الأخرى خالية من التعديل لاسم الوالد.
 وعندما دخل عبد الكريم الكلية العسكرية عام 1932. كان أسمه عبد الكريم قاسم.  لكن كان أسم أمينة في سجلات النفوس هو( أمينة جاسم) وصحح في عام 1975 إلى قاسم, حسب إفادة أبن أختها رعد عبد الجبار.
 وحسب اعتقادي إن هذا الاشكال ربما يعود إلى عدم دقة المعلومات التي كانت تنتاب سجلات الاحوال المدنية (النفوس). ومن المحتمل الضعيف أنه جرى تعديل, وإن كان قد جرى فعلاً, فهو بعد صدور قانون الجنسية العراقية عام 1924, وبالتأكيد قبل عام 1932 (عام دخول عبد الكريم للكلية العسكرية), إذ أوجب القانون المذكور على كل عراقي أن يثبت تبعيته العثمانية السابقة حتى يكون عراقي الجنسية.. ولذا جرت تعديلات في كل انحاء العراق, شملت بعض الاحيان الأسم أو اللقب وحتى تاريخ الميلاد. أو ربما تم ذلك لتلافي الاخطاء التي قد تحدث في سجلات التفوس لافراد العائلة الواحدة.
 وبغض النظر عن صحة هذه المعلومات من عدمها, ما الظير في ان يكون أسم والده قاسم أم جاسم.. رغم أن النغمة الموسيقية لأسم قاسم أخف وطأةً وأكثر تذوقاً على السمع من أسم جاسم. ولماذا أتخذ ولازال, مناهضيه ذلك سبةً عليه.. وكم من شخصية مشهورة أو غير مشهور, قد أبدلت أسمها.. بل  حتى غيرت من انتماءها الأثني؟
 
 
                    ****************************
 
كان عبد الكريم الطفل الرابع في العائلة، المتكونة من 5 أفراد وهم حسب تسلسل الميلاد:
1- حامد قاسم (20/8/1905- 1/1/1986) الذي تزوج من الأبنة الوحيدة لعمه المقدم ( وقيل كان برتبة عقيد) في الجيش العثماني, علي محمد البكر, وله منها 9 أبناء، ومن زوجته الثانية 9 أبناء أيضاً[25], وكان يشتغل في بيع وشراء الحبوب في الأسواق التجارية، كما عمل وسيطاً للنقل النهري بين تجار الحبوب وأصحاب الجنائب النهرية, إذ امتلك ثلاثة منها. واستمر في مهنته هذه حتى وفاته. [ وقد رصدت ملكيته قبل الثورة بحوالي 16 ألف دينار عراقي وهي ثروة لا باس بها بمقاييس ذلك الزمان ] حسب قول ناصر الدين النشاشيبي [26].
واستمر يعمل في العمليات التجارية لحين وفاته. لم يكمل من الدراسة سوى مرحلتها الأولى (الابتدائية), لكنه كان بجيد التركية وله معرفة بالانكليزية وله إلمام بالنحو العربي . [27]ولم يدخل معترك العمل السياسي لا قبل الثورة ولا بعدها. وقد اتبع مذهب أمه بصورة خيارية ودون إكراه من أحد, كما افاد لنا أبنه الأبكر عدنان[28]. وكان يعيش في بيت مؤجر لغاية عام1960.
 قدرت ثروته عند وفاته ب(5000) دينار فقط. وكان عدد الورثة 21 فرداً. ولم يكن يملك أي عقار غير منقول وهذا مثبت حسب القسام الشرعي. وقد قام مخمن التركات بالبحث عن امواله المنقولة وغير المنقولة في كافة ارجاء العراق.. ولم يجد لديه غير الملبغ المذكور أعلاه.[29]
لقد أثارت ملكية حامد قاسم ضجة سياسية/ اعلامية مفتعلة في زمن الجمهورية الأولى ممغنطة بإتجاه محاربة الزعيم قاسم. ينيط حسن العلوي اللثام عن بعض من جوانبها بالقول:
" لقد اعتقل بعد مقل أخيه مباشرةً. وأحيل إلى لجنة تحقيق – غير محايدة حتماً – وهي محملة بقناعات سابقة ومواقف سياسية ليست لصالح هذا المتهم، فخرجت بالنتائج التالية: لم تكشف التحقيقات عن وجود تجاوزات مالية أو إثراء غير مشروع؛ لم يعقد صفقات للحكومة؛ لم يعقد صفقات خارجية مع أية دولة عربية أو أجنبية؛ لم يغلف نشاطه التجاري بغلاف العمل السياسي ولم يثبت تعاطيه للسياسة؛ لم تثبت له أية صلة بأي مسؤول حكومي طيلة عهد عبد الكريم قاسم؛ لم يتدخل في قضية ما مقابل رشوة أو صفقة تجارية؛ ليست له سوى دار سكن واحدة. ويستأجر لزوجته الثانية داراً في جانب الرصافة. ولهذا تم إطلاق سراحه دون الحكم عليه بأية عقوبة [30] ".
 في حين لا تزال  لحد الآن بعض الأدبيات السياسية تجعل منه أمير من الأمراء.. وقد تم استباحت داره يوح 9 شباط 1963 ولمدة ثلاثة من قبل الحرس القومي, الذين استولوا على كل الحاجيات التي تعود إلى الزعيم قاسم واعتقلوا كل من عدنان وطالب وفرار بقية الافراد إلى المهدية حيث عائلة الزوجة الثانية لحامد قاسم.
2- أمينة قاسم (1907-1982)  زوجة ياسين محمد صالح القيسي، الذي شغل وظيفة رئيس كتاب محكمة الكاظمية. ولها 5 أبناء, احدهم (طارق) كان ضابطاً طياراً قتله انقلابي عام 1963.. وقد اختارت المذهب السني. [31]
3- عبد اللطيف قاسم (1910- 1977) أكمل الدراسة في مدرسة الصويرة الابتدائية لحد الصف الرابع, بعدها أنتقل مع العائلة لبغداد ودخل المدرسة الرشدية العسكرية, عام1926 وتطوع في الجيش العراقي في مدرسة الصنائع الجوية وتدرج ضمن مراتبها حتى بلغ رتبة نائب ضابط واستمر فيها حتى تقاعده.. وكان يسكن أحد البيوت الصغيرة الحكومية في منطقة تل محمد – جنوب مركز بغداد، والتي كانت إحد المشاريع السكنية الحكومية القليلة في العهد الملكي التي وزعت على صغار العاملين في المؤسسات الحكومبة. وبقى في منصبه وداره حتى بعد ثورة 14 تموز ولحين وفاته. وكان يذهب إلى عمله على دراجة هوائية حتى بعد أن أصبح أخيه على رأس السلطة[32]. كان رجل متدين جداً وبسيط في سلوكه وثقافته, وقد أختار المذهب السني.. ولم ينجب من الابناء.
1- نجية قاسم (1920-5/ 2/1986) تزوجت من عبد الجبار جواد (ابن بنت عمتها)[33]. كانت نجية قاسم ذات شخصية قوية, وتتمتع بذوق عالي, رابطة الجأش, وقد جابهة الحرس القومي عندما اقتحوا بيتها عنوة لإعتقال زوجها المريض في القلب آنذاك. وبعد انقلاب 8 شباط 1963, سافرت إلى النجف الأشرف لمقابلة آية الله السيد محسن الحكيم زعيم الطائفة الشيعية, وذَّكرته, بوصية قاسم نفسه: " بأن يتكفل الإمام الحكيم بالصلاة عليه ودفنه في حالة وفاته. ولهذا زارت شقيقة الزعيم, الامام الحكيم ترجوه تنفيذ الوصية والتدخل لدى سلطات الاتقلاب بتسليم الجثة ودفنها حسب الطقوس الاسلامية, ولم يجد الامام الحكيم أذناً صاغية لطلبه [34] ".
شهدت عائلة عبد الكريم قاسم علاقات تكافلية تضامنية، امتدت إلى العمومة والخؤولة.. وتشير بعض المصادر إلى أن جد عبد الكريم – بكر محمد كان يملك ورشة لدبغ الجلود في بغداد .. وقد عمل فيها والد عبد الكريم قبل تحوله للعمل في مهنة النجارة، ويعتبر دبغ الجلود من المهن الصعبة وغير الصحية وذات مخاطر مهنية نتيجة التعامل مع المواد الكيميائية بصورة بدائية.. وأرباحها لم تكن توازي مخاطرها، وخاصةً في مطلع القرن العشرين.
 ولعبد الكريم قاسم خالتان هما :
-      عكاب حسن اليعقوب، والدة العقيد فاضل عباس المهداوي
-      وصف حسن اليعقوب، وهي التي تولت العناية بالمهداوي بعد وفاة والدته المبكر .
كما لقاسم خالان هما:
-      محمد حسن اليعقوب، وكان أحد أبطال المصارعة (الزورخانة) آنذاك. وتوفى في سن مبكرة.
-  مطلك حسن اليعقوب، أستشهد في إحدى حروب الدولة العثمانية السابقة للحرب العالمية الأولى، وقد تم تجنيده قسرا ًفي ما اطلق عليه بالتركية [سفر برلك[35]] والتي تعني نفير الحرب، وقد ذهب ولم يرجع حال عشرات الألوف من العراقيين الذين شاركوا في مثل هذه الحروب ولم يعودوا لذويهم.
وكان لبعد الكريم عمٌ واحد هو المقدم (ومنهم من قال كان برتبة عقيد) علي (افندي) محمد البكر والذي خدم في الجيش العثماني الرابع الذي كان مقره في بغداد وكان أثناء الحرب آمراً لحامية بغداد الجنوبية. وقد أستشهد في عام 1917عند الدفاع عن بغداد ضد قوى الاحتلال البريطاني. وكان تأثيره كبيراً على عائلة أخيه قاسم محمد البكر وأخواتهما, حيث دفع ,حسب قراءتي لتتبع الموضوع, بالبنات لدخول المدارس الحديثة وقد أدخل أبنته الوحيدة (أم عدنان) أسوةً ببنات عمها، في الوقت الذي كان من النادر دخول الإناث إلى المدارس آنذاك. كما كان يمد لأخيه قاسم البكر وعائلته بالمعونة المادية. وقد تكفلت عائلة قاسم برعاية ابنته الوحيدة بعد استشهاده وهو يدافع عن بغداد عام 1917وتزوجت من ابن عمها حامد قاسم.
ولعبد الكريم قاسم ثلاثة عمات هن: وضحة, وزهرة, ونائلة. الاثنتان الأخيرتان لم تتزوجا وبقين عانسات. في حين تزوجت الأولى(وضحة) من التاجر الملاك محمد علي الطيار وخلفت منه بنتان هما: خيرية التي بقيت عانس ولم تتزوج, وزهراء التي تزوجت من الضابط في الجيش العثماني جواد جعفر الربيعي وخلفت منه ولدان هما: محمد علي وعبد الجبار الذي تزوج من نجية أخت عبد الكريم قاسم.
 
 نوضح هذه العلاقة الاسرية لتصحيح المعلومة المشاعة خطأً من كون أن عبد الكريم قاسم هو أبن عمة محمد علي جواد. والصحيح هو أن محمد علي أبن بنت عمة عبد الكريم قاسم.[36]
 
 
كان زواج قاسم محمد البكر من كيفية حسن، تعبر عن ذات التراتيبية الاجتماعية السائدة آنذاك, بمعنى كونها من ذات الطبقة والمستوى الاجتماعيين. كانت هذه التراتيبية تفرض ألا يكون مستوى الزوج الاجتماعي، كقاعدة عامة، أدنى من مستوى الزوجة بالولادة أو الثروة، وذلك لتجنب الحط من الموقع الاجتماعي لوالد الزوج وعائلته.
هذا التناظر في الموقع الاجتماعي للزوجين فرض من جانب أخر نوع من الوئام العائلي وأفقد لحد ما من سلطة العلاقات الأبوية (الذكورية) داخل الأسرة.. بمعنى أخر فسح المجال للأم دوراً تعدى القيام بالأمور المنزلية البحتة وخدمة الأب، إلى الاهتمام بتربية الأبناء وتوجيههم والمشاركة الوجدانية في شؤونهم الحياتية على الأقل، وزرع الحب والحنان  فيهم. و بادل الأبناء هذا الشعور ونسجت علاقة مودة وتقدير، وقاموا بمساعدة والديهم ماديا. إذ خصص عبد الكريم قاسم منذ أن اصبح معلماً جزء من راتبه لواديه وكان يزداد مقداره بقدر زيادة راتبه.[37]
 ومن ذلك يمكننا القول إن كلا الوالدين كان قد حملا هموماً غير عادية لحين شب الأبناء. كانا أميان ولباسهما ومحلة السكن وموقعه دللا على انتماءهم الطبقي. إذ سكنوا في البدء في المحلات الفقيرة والمعدمة (المهدية وقنبر علي) من كل الأطياف الاجتماعية والدينية والاثنية، كما كانت هذه المحلات تعج كذلك بالنازحين من مختلف مناطق العراق وخاصةً من مناطق شمال بغداد القريبة.
 كانت العلاقات الأسرية مماثلة مما لدى أغلب العوائل القاطنة في هذه المحلات، حيث يسود من جهة الترابط والتكافل الاجتماعي المتأثرة بمنظومة القيم الدينية أو/و القيم العشائرية. ومن جهة أخرى كان الإحباط والنظرة التشاؤمية من المستقبل ، والمستنبطة من العوز المادي، قد ولد العديد من الإشكاليات والنزاعات سواءً على نطاق الفرد الواحد أو الأسرة برمتها وفيما بين الأسر. ولأجل التخلص من ذلك رمى الأبوان بثقلهما وبذلا جهداً وراء تحقيق الابن الأصغر لدراسته الثانوية كأحد المخارج من الحالة المادية المأزومة.. وكان هذا موضع افتخارهما لاحقا وحراكهم في السلم الاجتماعي.. وهذا ما أشار إليه هو، وهي من نوادر حديثه عن ذاته، في أخر تصريح له، عندما قال:
" أنا نفسي من وسط فقير جداً، وهو ما أعترف به  بكل فخر، كان أبي نجاراً ولاقت أمي الكثير من الضنك في سعيها لكي أحصل على تعليمي المدرسي [38]".
والسؤال الذي يطرح ذاته هنا ، يتمحور في طبيعة العلاقات العائلية التي كانت قائمة، خاصة وأن الزوجين  كانا من مذهبين مختلفين، وهي حالة لم تكن شائعة آنذاك في المجتمع البغدادي! يبدو أن حالة التسامح واللا عصبوية كانت سائدتين بدليل لم يفرض الوالدين على أبنائهم أتباع هذا المذهب دون غيره.. بل ترك الأمر لهم ف " كان حامداً ميالاً لمذهب أمه ولطيف لمذهب أبيه ولم يظهر قاسم حماسة لأي منهما [39] ".
 كما أن حالة الإفقار المادي والعوز الذي أصاب العائلة، بعد وفاة عم الأبناء محمد علي البكر، قد عضد، في الوقت نفسه، من التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة، وبينها وبين ذوي القربى. وهذه الحالة تعبر عن طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بقوة في المجتمع البغدادي آنذاك ، حيث يتعاون كافة أعضاء الأسرة، كقاعدة عامة، فيما بينهم، وهذا ما سوف نراه عندما يتخرج عبد الكريم قاسم من الثانوية لينخرط في سلك التعليم لمساعدة والديه ماديا، وقد سبقه أخويه لاتخاذ الموقف ذاته، حيث انخرط الأخ الأكبر حامد في العمل الحر بصورة مبكرة والأوسط عبد اللطيف دخل ضمن مراتب المؤسسة العسكرية.
 في الوقت نفسه لم تتوفر لدينا المعلومات عن ماهية المواضيع التي كانت مدار اختلاف واحتكاك داخل العائلة ؟ وكيف كانت تُحل ؟ وأين تكمن مسبباتها، وما دور الاختلاف المذهبي فيها إن وجدت ؟ وكيف كانت العائلة تطمئن حاجاتها المادية الأساسية ومهنة رب الأسرة لا تدر دخلاً كبيراً ؟.
 ومن المعلومات القليلة والمتناثرة، يمكن رسم اللوحة التقديرية للعائلة وعلاقاتها المتبادلة، بالقول:
 لعب الدين دوراً في وعيها الاجتماعي دون تعصب، ذات طابع محافظ دون تزمت، متكافلة دون تسلط، لعبت الأم دوراً كبيراً في توجهات أبنائها دون استبداد، وكانت تجهد لأجل تخفيف معاناة الأسرة والتحايل على الزمن الصعب، مما أثر في نفوس الأطفال الذين تعلموا الصبر وتجلد الذات. وقد عكس عبد الكريم هذه الحالة بصورة واضحة في حياته العملية. إذ "كان صبوراً جداً، فإذا أراد أو اشتهى شراء شيء يلزمه ورأى ظروف  أبينا المالية لا تسمح.. ينتظر.. وقد يطول به الانتظار دون إن يضج أو يشكو [40] " .
ولما سأل مراسل مجلة المصور محمد رفعت، قاسم نفسه :
" -عن الحكمة التي على لسانك دائماً؟
-      الصبر  [41]  ".
لم تتوفر لنا مصادر مكتوبة، ناهيك عن كونها تفصيلية ودقيقة، تتحدث عن ماهية طفولة عبد الكريم وظروف نشأته ومساراتها وتعرجاتها، عن طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين ذاته، وبين ذاته ومحيطه العائلي، ومع بيئته الاجتماعية ، سواءً في المحلة أو المدرسة، ومع أصدقائه المقربين وفي كيفية استغلال الوقت الفائض معهم. كما لم تتوفر المعطيات عن هواياته واهتماماته، عن قراءاته ومطالعاته. ومدى تأثير البيئة السياسية للعراق آنذاك وما تمخض عن الانتفاضات الشعبية والتي توجتها ثورة العشرين التي كانت السبب المباشر لتكوين الدولة العراقية وبداية بروز النزعة الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال وما رافقها من نزاع ثقافي/ اجتماعي/ سياسي طال اغلب المكونات الاجتماعية ومؤسساتها المدنية. كما لم نفهم إلا بالنزر اليسر مدى تأثره بالدين كمنظومة قيم ونظام حياتي وكمحرك اجتماعي وفهم تفسيري للحياة خاصةً في تلك الفترة حيث كان يبرز في تجليات الوعي الاجتماعي، سواءً الجمالية، الحقوقية، السياسية، الثقافية والفلسفي. وكيف تفاعل مع الأفكار الجديدة التي كان الرواد الأوائل للاشتراكية يبشرون بها من خلال حلقاتهم وجريدتهم (الصحيفة)، وما كانت تعكسه من قيم زلزلت الواقع الراكد وبينت تناقضاته الحادة.   
في الوقت نفسه لم يرغب الزعيم قاسم في الكتابة عن ذاته لأنه لم يكن ينطلق من الذاتيه النرجسية للفرد القائد. لأنه لو كان ذاتياً، لما كان في موقعه القيادي الصحيح والمناسب، سواءً في تسنم المناصب العسكرية العليا التي صقلت منه مَعْلَماَ عسكرياً/ سياسياَ ناضجاً أهلته لقيادة حركة الضباط الأحرار؛ أو لم يكن بإمكانه تحقيق صيرورة التغيير الجذري التي قادها يوم 14 تموز؛ ولا بإمكانه قيادة البلد في أصعب وأحلك الظروف وإرساء الأسس المادية لعراق المستقبل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
2.3- الــــولادة والصبـــــــــــــا:
 
ولد عبد الكريم قاسم في (21 تشرين ثان- نوفمبر 1914) في محلة المهدية[42] من رصافة بغداد. ويصف احمد فوزي ولادة عبد الكريم قاسم، استناداً إلى رواية القابلة المأذونة التي قاربت آنذاك الثمانين من العمر على النحو التالي :
"عندما كانت الشمس يوم 21 تشرين الثاني 1914، تنحدر إلى مغيبها.. كانت هنالك في محلة المهدية في صوب الرصافة ببغداد، امرأة تتلوى من ألم المخاض.. وطال بها المخاض.. فتوافدت النسوة الساكنات إلى جوار بيت حسن يعقوب الساكني الملاصق لبيت حمودي الدواح، في ذلك الزقاق الضيق القديم، حيث المرأة المتلوية من الألم، المشرفة على الوضع !
وكان يقف إلى جوار (المرأة) صبيان وطفلتان صغيرتان ، ينظرون جميعهم إلى أمهم (كيفية بنت حسن اليعقوب الساكني) بعيون ممتلئة بالدموع، ووجوه كلها عطف وحنان .. ويدعون الله عز وجل أن ينقذ أمهم وليريحها من هذه الآلام .
وكانت شقيقاتها (عكاب بنت حسن) و(وصف بنت حسن) تقفان إلى جانبها، تعاوناها ريثما تأتي المولدة (القابلة) لتوليدها. وقبل أن ينصف الليل، دخلت الدار (المولدة) العجوز وتطلعت إليها العيون جميعاً تستحثها على إنقاذ (الوالدة). وكشفت المولدة على المرأة المتعبة من ألم المخاض.. وأطلقت صيحة خافتة: إنها في إعسار وخطر. وقامت من مكانها وتوجهت نحو الزوج (جاسم محمد البكر) الواقف بانتظار النتيجة، وبجانبه أولاده الأربعة الصغار، وقالت له:
-      أن زوجتك في خطر.. وإن الوليد بخطورة أيضاً.. هل تريد الأم .. أم الطفل؟
فتلفت (جاسم محمد البكر)- وهو واقف في بيت عمه( والد زوجته) – وآجال النظر في وجوه أولاده الصغار .. ولم ينطق ببنت شفة!..
وفهمت المولدة العجوز، إن الرجل يريد إنقاذ الأم، لأجل هؤلاء الصغار.. في الأقل! وعندها رفع ( جاسم محمد البكر) رأسه إلى السماء – وكان تقيا ورعاً- فدعا الله عز وجل أن ينقذ زوجته (كيفية) من هذا البلاء..
انطلقت صيحة من الأم, أنطلق بعدها صراخ الوليد الجديد.. وركن الوليد إلى جانب أمه.. واهتمت ( المولدة) والنسوة جميعهن بالأم خوفاً أن تقضي نحبها، بعد أن نزفت كثيراً من الدماء .
 قالت (زكية محمود، التي كانت تسكن محلة قنبرعلي، قبل أن تهدم في تخطيط مدينة بغداد في منتصف الخمسينيات، ثم انتقلت إلى محلة المهدية- وهي تروي لي ميلاد الزعيم عبد الكريم قاسم) قالت هذه العجوز وهي تستعيد ذكرياتها :
 " لن أنسى قط ذلك اليوم.. يوم ولدت (كيفية) أبنها الخامس، والذي أطلقوا عليه أسم (كرومي) ذلك الابن الذي تعسرت به أمه، وكادت أن تفقده ، أو تفقد حياتها من أجله.. لن أنسى ذلك اليوم قطعاً. وكنت قد التقيت هذه العجوز التي تبلغ آنذاك الثمانين عاماً في بيت أحد أقاربي من سكنة المهدية في أيلول 1958 [43] ".  
لم يُلاحظ من كتب عن عبد الكريم قاسم، انخراطه في صباه في أعمال صبيانية شريرة، خاصة وأن محلات بغداد القديمة وما اتسمت به من أزقة ضيقة، لا توفر لسكنتها وسائل الترفيه الاجتماعي، ما بالك بالنسبة للأطفال وصخب حياتهم، مما يدفع بالعديد منهم إلى ارتكاب الحماقات البريئة وغير البريئة. مع ذلك يورد بعض الكتاب، دون تحديد للمصدر أنه " عندما وصل الصف السادس الابتدائي ، كان عبد الكريم قاسم قد تزعم لفيفاً من الطلاب، غالبيتهم من اليهود، فتولد لديه منذ تلك الفترة المبكرة من حياته حب التزعم والرئاسة...[44] ".( التوكيد منا-ع.ن) يتضمن النص إسقاطاً رغبوياً للمؤلف ضد عبد الكريم قاسم خاصةً عندما يربط ذلك بكون غالبيتهم من اليهود، وهذا ما طبع العديد من مؤلفاته التي الفها اثناء لجوءه السياسي في مصر في المرحلة القاسمية.
وهكذا جعلت الظروف البيئية بكل أبعادها، من الصبي أن يميل إلى الانطواء أو بالأحرى إلى انبساط محدود، ساعدته في الوقت نفسه وبالتوئمة مع ميله الذاتي، إلى التحاور النفسي أو الداخلي " والذين مارسوا النظرية الأولى – المونولوج، ساهموا في صنع التاريخ. بينما لم يستطع أصحاب النظرية الثانية – الدايلوج أن يصنعوا شيئاً لا للتاريخ ولا لأنفسهم[45] ". رغم أن كتاب السير والسياسيين، الذين يوسمون الزعيم قاسم بصفة الانطوائية، لم يحددوا مقدار انطوائيته أو انبساطيته؟  وما هي مسبباتها وأيٌ منها المتغلب على الأخرى في مراحل حياته المختلفة، ولا مدى شموليتها في حياته الخاصة أو العامة ؟ لهدف الثورة والطبيعة السرية التي تقتضي الكتمان ؟. وهو القائل " …أن يده اليمنى لا تعرف ما في يده اليسرى ".
شب الصبي عبد الكريم وأصبح، إلى حدٍ كبير، مخلوق والديه وظروفه الاجتماعية والأسرية، التي ترصدته في عذاباته ومعاناته اليومية واحلامه المستقبلية وعلى كافة الأصعدة .. أصبحت ذاته الداخلية مختلفة كلياً عن أقرانه، بل حتى عن ذاته السابقة، لكنها – الذات – كانت على درجة عالية في صباها، من فتور الهمة بحيث تعجز في معظم الأحيان عن مساعدته. لذا كانت عملية تأقلمه الانتفاضي مع المحيط، واجبة الوجوب، لأن والديه وعائلته كانوا هم أيضاً نتاج عملية خلق الذات بالذات، ليس لأي منهما سند سوى الأخر وبعضٌ من العلاقات الأسرية ومن نمط حياة حاول التكيف معها دون ان يكون تابعا لها. وعليه منح الوالدين أبنهم الأصغر " الخصال الحميدة كالجرأة والإقدام والحفاظ على الكرامة والعزوف عن الملذات الفائضة في بداية حياته[46] ". 
 ترى هل أن شخصية عبد الكريم يمكن أن تكون في غير مكانها الذي أحتلته بجدارة فيما بعد، والذي حدده لنفسه مسبقاً, كوسيلة لتحقيق ما كان يراه صائباً للعراق بعد تحسسه لواقع العراق الاجتماعي وضرورة تغيره؟ خاصةً إذا عرفنا أن الشخصية, هي إلى حدٍ كبير نتاج الواقع الاجتماعي، وتتغير تبعاً للتغير الذي يصبه في سياق تطوره. لذا لا يجوز فهم المجتمع بمعزل عن الأفراد الذين يؤلفونه والعكس بالعكس لأن كلاهما يشكلان كلاً واحداً مترابطان جدلياً.
 كما أن تجارب الطفولة والصبا والاتجاهات التي تُكتسب أثناءها، يمكن أن تنتج أثاراً دراماتيكية على شخصية الفرد ونوازعه المستقبلية. رغم أن هذه الآثار يمكن تعديلها وإخضاعها لمؤثرات عديدة يصادفها الإنسان في سياق تنشئته لبثقافية والاجتماعية.
في الوقت نفسه هنالك هوة شاسعة بين الابن والوالدين في الأفكار والأحلام ، التطلعات والأمنيات .. طالما أن أرواح الجيل الجديد:
 " تعيش في منازل الغد
 الذي لا يمكنك زيارته
ولا حتى في أحلامك "
كما عبر عن ذلك جبران خليل جبران ..
 والسؤال المطروح هو كم من الأباء الذين يعون وجود هذه الهوة بين الاجيال.. في احلامها وسلوكياتها الفردية والجمعية؟ .
" إن معظم الناس يرون أن أولادهم هو استمرار لهم ويريدون استخدامهم من اجل تنفيذ طموحاتهم المعوقة.. وهذا يعني أحياناً أنه على الطفل، نظراً لحبه واحترامه لوالديه أن يخنق رغباته وميوله وعليه أن يغير مسار حياته واهتماماته التي يرغب فيها وذلك من اجل تنفيذ رغبات والديه أو الأوصياء عليه..
غالباً ما يؤدي هذا الصراع بين الرغبات إلى القضاء على حماس الطفل وفرحه في الحياة، وبالتالي يضاف إلى المجتمع شخصُ آخر يعمل كالمسنن في عجلة الدائرة عوضاً أن يكون شخصية حية تنبض بالحياة وتعطي نفسها وقلبها إلى عملها، وبنفس الوقت تستمتع وتخدم المجتمع [47] ". 
وإذا حاولنا وضع قائمة بالمؤثرات، من الناحية النظرية على الأقل، على تنشئة الشبان " فمن الممكن أن تشمل على الموضوعات التالية:
-       تأثير متغيرات العائلة؛
-        تأثير جماعة الصحبة [48]؛
-        تأثير الطبقة الاجتماعية؛
-        تأثير المدرسة (التدريب المباشر)؛
-       تأثير البيئة الحضرية؛تأثير التواصل الجمعي ؛
-        تأثير الدين؛ وتأثير السياسة (التنشئة السياسية) [49] ".
لكن يمكننا أن نضع للعائلة وتأثيراتها مكانة أكبر مقارنةً بالعوامل الأخرى في التحليل، دون المبالغة فيها. لأن الطفل في منطقتنا الشرق أوسطية، في هذه المرحلة يخاف من أمور أكثر من أي شيء أخر في الحياة منها: " إغضاب الوالدين؛ إعراض الصحاب والأصدقاء؛ الفقر وعدم وجود الكفاية من المال؛ الاستغلال <عدم التأهيل للنجاح في الحياة؛ التعرض للإذلال بسبب انتهاك معايير الجماعة…[50] ".
كما يلعب التكوين النفسي أحياناً دوراً يتجاوز التأثير العائلي، منها مثلا: المقدرة على العصمة وإلى مصادفات الحياة وتأثيراتها (سلبية كانت أم إيجابية)، والتي تغيير من التكوينات السيسيولوجية والبسيكولوجية للفرد. خاصةً إذا علمنا أن الخوف، بصورة عامة ومطلقة، يتحكم بمواقف الأفراد بل وحتى بشعوب دول المنطقة.[51] أي أن العلاقة ذات إشكالية عميقة بين الدولة والمجتمع سوف تتسرب إلى الذات الفردية بعد الذات الجمعية.
كما أشرتا سابقاً، فإن أكثر الدلائل المادية المتوفرة قد أشارت إلى وضع العائلة الاقتصادي البائس ، حيث وِلِد وعاش فترة شبابه، في بيت لازمته الحاجة والعوز المادي لفترة طويلة نسبياً، وكان هذا الأمر قد أثر بعمق في تركيبته النفسية وفي حسه المرهف، إذ كان دائم التفكير في وضعه الذاتي ووضع العائلة المادي والاجتماعي.. وكان يحاول منذ نعومة أظفاره البحث جاهداً عن المبررات المقنعة للتفاوت الاجتماعي ومسببات الفقر ومدى قدريته التي تغذيها وتبرر لها الثقافة الدينية التقليديةَ  .. مما حفزه على التأمل والانعزال وجعله " قليل الاختلاط بزملائه في المدرسة … وكان صبوراً جداً " كما رصد ذلك أحد أصدقائه.
 هذه الوضعية الاجتماعية/الاقتصادية وما شابها من مؤثرات روحية ونفسية ستؤثر لاحقاً في ماهيات منظومة أفكار الشاب عبد الكريم، إذ تأثر منذ ريعان شبابه ب " فكرة المساواة الاجتماعية" بأبعادها الكلية، وتبناها كحلقة مركزية في مشروعه اللاحق وأصبحت تمثل المبدأ الأول من منظومة أفكاره. لذلك أنصب اهتمامه على كيفية محاربة الفقر واجتثاث مقوماته المادية ما أمكن ذلك. حتى أن هذه الفكرة انعكست في شعوره الداخلي، المستفز أصلاً من العوز، وفي ممارسته الحياتية، التي تعمقت بصورة خاصة بعد تفهم مسببات الفقر والتفاوت الطبقي من الناحية النظرية، الذي اقترن بالإدراك السياسي الحسي والواعي لواقع البلد بعد احتلاله الأول وما تمخض عنه من مؤسسات ونظم وقواعد حكم والتي تأسست على أسس خاطئة كانت تتناقض مع الواقع العراقي ومكوناته الاجتماعية, كان من عواقبها ممارسات سياسية/ اقتصادية عملية عمقت هذه الأخطاء وزادت من حدة التفاوت الطبقي.. فخلقت ردود فعل مناهضة، سلمية وغير سلمية، لهذه السياسات الداخلية وتوجهاتها المستقبلية على كافة الأصعدة ومنها, الأكثر بروزاً, طبيعة وماهية الارتباط بدولة الانتداب (بريطانيا).
واستنطاقاً لما ذكر فقد كان عبد الكريم قاسم دائم الصراع مع واقع الفقر وفكرته، حيث كان يمقته بصورة غير عادية، تماثلاً مع مقولتي الإمام علي بن أبي طالب: { يكاد الفقر أن يكون كفراً } و{ لو تمثل ليَّ الفقر برجل لقتلته [52]}. وكان يرى في الفقر عقبة أمام تطور الفرد وبالتالي المجتمع برمته، لأنه خبر الوضع النفسي والاجتماعي لأبناء العوائل الفقيرة وجرب معاناتهم وتحسس بكل حواسه ذلك الألم الذي يرافقهم في دروب الحياة. وفي الوقت نفسه تحول الفقر لديه كدافع قوي لأجل إزالة ما أمكن من مسبباته ومكوناته.. كما كان الفقر بمثابة أحد أهم العوامل التي أثارت فيه التعمق في مضمون العدالة الاجتماعية وسبل حل معضلاتها واجتثاث مسبباتها.
 لهذا تميزت العديد من خطاباته، بعد تسلمه قيادة القرار المركزي للدولة، بالتأكيد, على أن المهمة الرئيسية للحكم  تتمركز في القضاء ما أمكن على الفقر ومسبباته ليس من الجانب الأخلاقي فحسب بل من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. لذا كان دوماً يصرح دون حياء:
 " أني ابن الفقراء.. أنني فقير .. شخص فقير وجدت وعشت في حي الفقراء وقاسيت زمناً طويلاً مرارة العيش، ولكننا نملك الغنى ، غنى النفس وكنا نملك الغنى، غنى الأباء [53] ".
هذا الواقع القاسي والمزري الذي رافقه كظله طيلة مرحلة الصبا والشباب وصعوبة تجاوزه، وانتقال الوالد من مهنة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية.. عوامل كانت كافية لدفع الفتى عن الوسط الاجتماعي والملذات الرخيصة والقذف به ما أمكن بعيداً عن منظومة الأفكار والقيم المحلية السائدة والمألوف الاجتماعي المتوارث وثقافته وتعصباته والتزاماته الضيقة، من دينية وطائفية وعشائرية وأثنية .
 إن " الهلع والمعاناة والألم الحزين في التراجيديا، أي كل الحالات التي تنحشر في وعي الذات "، كما يقول هيغل تشكل طريق التنقية والخلاص والذي كان يجري في خطاه كل ما كان ينبغي له أن يحدث . ذلك الوعي الذي نستخلصه من الممارسات الواعية التي أنصب الخطاب القاسمي على التأكيد عليها، خاصةً وأنها قد تمحورت حول الارتقاء بالذات البشرية إلى مصاف أعلى، من خلال اجتثاث معرقلات النمو والتطور على المستويين الفردي والجمعي.
لقد صهرت هذه الوضاع والأفكار الشاب عبد الكريم في أتونها لتكون منه رجلاً ذو رسالة، يسير في دروب الحياة المحفوفة بالمخاطر والصعاب.. انه والحال هذه يتماثل مع مقولة نيتشه إن:
" العظيم من الرجال يبحث دائماً عن الحياة المحفوفة بالمخاطر التي تتفق مع طبيعته ورسالته نفسها، حيث تتطلب منه أن يُصهر في النار ليبدو في أسمى قوته[54]… " .
وعند دراسة سيرة عبد الكريم قاسم بكل دقة وموضوعية، المهنية والسياسية؛ في المواقف الصعبة والمأزومة؛ عند ممارسته للحكم وحتى لحظات إعدامه الحياة؛ قد أكدت بكل أبعادها مدى انطباق مضمون القول أعلاه على رجل الدولة الذي غيَّر من مسار العراق الحضاري.
 
في الخامسة من العمر يدخل الطفل كرومي(أسم التدليل لعبد الكريم كما متعارف عليه في العراق) إلى أحد الكتاتيب مقابل جامع الفضل بن ربيع في الرصافة،  ليتعلم، كعادة أهل ذلك الزمان وخاصةً في المدن الكبرى والدينية، القراء والكتابة وما يتيسر له من حفظ سورة من القرآن الكريم، والتي كانت تديره " الملاية فاطمة الحاج مصطفى عبد الله الجبوري، ابنة إمام وخطيب جامع الفضل [55] ". لقد مكنه هذا التعلم في الصغر من الولوج في عالم القراءة التي سيشغف بها في مراحل عمره القادمة. كما مكنته من امتلاك أسس اللغة العربية وتفتح ذهنيته على واقع اللغة وجمالياتها الادبية وسلالة المنطق القرأني وبداعته.. مما اثر إختياره لاحقاً للدراسة في القسم الأدبي في الإعدادية، وكانت عوناً له في امتلاك الذوق الأدبي وفي رسم الصورة الجمالية للجملة العربية وهذا ما تميز به.
 وتحت وطأة الحاجة، كما أعتقد، التي أصابت كل الطبقات الفقيرة, وفي المدن خاصةً، بعد الاحتلال البريطاني الأول نتيجة للتغيرات الجذرية في الحياة الاقتصادية وسرعة حراكه وإيقاعها وما رافقها من تضخم نقدي هائل، تسافر العائلة عام 1919/1920 إلى مدينة الصويرة، جنوب شرقي بغداد بحوالي 60 كم, ليعمل رب الأسرة في البدء نجاراً ثم صاحب (علوة) للمنتجات الزراعية ويدير في الوقت نفسه المتبقي من الأرض الزراعية التي تعود ملكيتها للعائلة. وتسكن في بيت بالقرب من نهر دجلة.[56]
آنذاك يدخل الصبي عبد الكريم ( أقل من6 سنوات), ثانيةً [57], أحد كتاتيب الصويرة والذي كان يديره الملا سيد محمد سيد إبراهيم الموسوي, نظراً لتوقف الدراسة في عموم العراق عام 1920.. وما ان افتتحت المدارس أبوابها, عام 1921 حتى ُقبل في الصف الأول في مدرسة الصويرة الابتدائية التي تأسست عام 1918 والتي كان يديرها آنذاك غلام محمد الهندي الجنسية.[58] ويدرس فيها مدة أربع سنوات لحد الصف الرابع.
ومن مقابلاتنا لابناء المدينة بغية تقصي الحقائق عن سيرة الصبي عبد الكريم يتضح أنه كان ذكياً ومتفوقاً في دروسه كما يدلل سجله المدرسي في سجل الطلاب العام رقم 1 الصفحة 2, إذ كان من المتفوقين في دراسته, وحصل على ما مجموعه 120,5من مجموع 130, عندما كان في الصف الرابع الابتدائي. لم يدون في السجل احوال الطالب الصحية ولا طبيعة سيرته التي بقيت بيضاء, مقارنةً ببعض الطلاب الآخرين حيث كتب في سجل عن الطالب ( ج.م.س.) أنه " شرس الطباع والاخلاق, مشاكس للأوامر المدرسية, ضعيف في دروسه, قليل الاهتمام بها, كثيراً ما يحرض الطلاب الكبار على الاضراب والاستياء من المدرسة " . أما عن الطالب (ح.ع.ب) فقد سجل في اسباب تركه الدراسة : " قام مقام والده في رئلسة عشيرة زبيد وأشتغل بالزراعة". ويشير السجل إلى ان عدد من الطلاب تركوا الدراسة بسبب فقر الحال وإلتحاقهم بالحياة العملية. في الوقت الذي بقى فيه سجل عبد الكريم خال من الملاحظات.. سوى كونه :" سافر إلى بغداد لاكمال تحصيله في إحدى مدارس العاصمة".( راجع الملحق رقم 1).
وعند الاستفسار من مدير المدرسة عن معنى خلو صفحة عبد الكريم من الملاحظات.. قال: " من المرجح هناك عاملان .. اما إهمال الادارة لتدوين مثل هذه الملاحظات .. أو أن سلوك الطالب العام ليس فيه ما يثير الانتباه وهذا الأخير أكثر ترجيحاً" [59].
ومن الامور الشائعة في مدينة الصويرة أنهم يتناقلون عن لسان أحد معلمي المدرسة أنه سأل ثلاثة طلاب هم عبد الكريم قاسم وعبد الكريم فرحان ابن المدينة وعلي مهدي حسن, عن ماذا يريدون أن يكون كل منهم في المستقبل؟
-       اجاب الأول : أنه يريد أن يكون ضابطاً كبيراً في العراق .. وقد تحققت أمنيته.
-       وأجاب الثاني: أنه يريد أن يصبح ضابطاً وأحارب عبد الكريم قاسم.. وتحققت هذه الامنية له.
-       في حين أجاب الثالث : أنه يريد أن يكون تاجراً كبيراً وله مكانة مهمة, وحقق ذلك.[60]
وفي هذه المدينة الصغيرة الواقعة على نهر دجلة جنوب شرقي بغداد، والتي هي عبارة عن حاضرة ريفية اقرب منها إلى المدينة الحضرية، كانت منظومة القيم العشائرية واعرافها هي التي تتحكم بسكان المدينة وأغلب سكانها من العشائر العربية أو المستعربة ذات أصول كردية فيلية. كما تمتلك المدينة علاقات مع محيطها الريفي المجاور لحواضر يسكنها منذ آلاف السنين الأكراد الفيليون كموطن اصلي لهم يمتد إلى عمق الأراضي الإيرانية.
أثرت المدينة في عبد الكريم بصورة كبيرة جداً.. انعكست في ذلك التبادل الروحي بينه وبين سكان المدينة.. ولم استطع الوقوف على سر علاقة (المكان) الصويرة وارتباط عبد الكريم بها, رغم أنه ليس من ابناءها الاصليين, ولم يمكث فيها فترة طويلة.. كما لم يستطيع شيوخ أهل المدينة الذين استطعت مقابلتهم, في حل لغز هذه العلاقة وطبيعة سرها.. سوى انهم اعتمدوا صيغ الوفاء التي تحلى بها قاسم إزاء بعض ابناءها الذين تسنموا مراكز عليا في الدولة. وربما هناك مؤثرات نابعة من اللاوعي لمرحلة الطفولة تسكن في ذات الصبي عبد الكريم.. فتفاعل مع محيطها تفاعلاً ايجابياً.
عاش عبد الكريم كبقية أقرانه من أبناء العوائل المتوسطة والفقيرة .. ومارس الحياة على طبيعتها وعمل مساعداً لوالده كبقية سكان الحواضر الريفية. وقد أقام عبد الكريم علاقات اجتماعية مع صبية المحلة التي سكن فيها وأغلبهم من فقراء الواقع الاجتماعي، ومارس معهم الألعاب التي كانت متوفرة، إذ كان النهر والحقل أماكن لقضاء أوقات فراغ الأطفال بعد المدرسة.
كان من بين أقرانه : " عبد الجبار الأعرج وكاظم من عائلة عمران… وبعد أن ترك عبد الجبار المدرسة أخذ يعيش من مهنة بيع الفشافيش .. وتمر الأيام ويتولى عبد الكريم قاسم حكم العراق . وتستملك الدولة الدور التي كانت تحيط بالدار الذي سكنها عبد الكريم في طفولته لبناء مدرسة عليها بعد تعويض أصحاب الدور تعويضاً عادلاً كان موضع رضاهم. وبينما كان عبد الكريم يلقي خطاباً في افتتاح المدرسة، تقدم الصفوف عبد الجبار الأعرج ليواجه عبد الكريم فمنعه الحرس… فلمحه وعرفه عبد الكريم فتوقف عن خطابه وناداه جبار.. جبار وأندفع جبار ولاقاه وصافحه بحرارة وسأله أين كاظم ؟ فاخبره بوفاته، ثم أخذ يسأل عن أخوان كاظم واحداً واحداً وعن أمه ومحل سكناه . ثم عاد واكمل الخطاب واستصحبه معه وأنقده 50 ديناراً من راتبه وخصص له راتباً شهرياً قدره عشرة دنانير من بلدية الصويرة وسمح له بمراجعته في أي وقت يشاء " [61].
كما حدثني النائب الضابط السابق حمزة محي عبد الله من مدينة الصويرة ذاتها، من انه لديه علاقة معرفة جيدة بجبار(الأعرج), وهو الذي أنقذ الطفل عبد الكريم من الغرق.. إذ كانت والدة عبد الكريم تعمل في المزرعة العائدة للعائلة بالقرب من نهر دجلة حيث كان يعيش، في حين كان الابن يسبح مع أقرانه وقد غرق وشاهدت الأم ولدها ومعاناته فأخذت تصرخ وتطلب النجدة. وكان جبار بالقرب منهم فهب لنجدة الطفل وانقذه من الغرق المحتم.[62]   
عادت العائلة إلى بغداد ثانيةً عام 1926. لم نستطع الوقوف على أسباب العودة ، فهل كان ذلك لتحسن وضعها الاقتصادي ؟ أم بلوغ الابناءحامد وعبد اللطيف وقاسم مرحلة دراسية لم تكن متوفرة في المدن الصغيرة آنذاك؟ أم كان وراء العودة الثانية إلى بغداد هو توفر عوامل الجذب المتعددة، مقارنة بعوامل الطرد الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية الدافعة للهجرة من المدن الصغيرة؟ ومن المرجح أن السبب الاخير هو الذي كان وراء العودة إلى بغداد، خاصةً وأن أعمال نجارة (الشناشيل) كان سوقها الأساسي هو المدن الكبرى فحسب وهي تلبي الكماليات الجمالية للفئات الغنية والميسورة.
سكنت العائلة هذه المرة وأستقرت لفترة طويلة في محلة (قنبر علي) المجاورة لمحلتها السابقة ( المهدية). وتقع قنبر علي، عند ملتقى ثلاث محلات شعبية بغدادية هي: إبراهيم عرب والمهدية والفضل. وهي الأخرى معروفة بفقر سكانها وتدني مستوياتهم المعيشية, وهم ينتمون إلى أثنيات وطوائف متعددة، ففيهم: العربي والكردي، اليهودي والمسيحي ومسلمين من سنة وشيعة، بغداديين ( ومتبغددين) وريفيين ومتريفين نزحوا من القصبات والمدن المجاورة لبغداد.
 بمعنى أخر عاشت العائلة في وسط اجتماعي خليط عكس من جهة واقع التركيبة الاجتماعية للمجتمع، ومن جهة ثانية أثر في نفسيات أفراده الذين سادت بينهم النظرة التسامحية مقارنة بالمحلات البغدادية المغلقة على طائفة محددة أو دين واحد أو قومية معينة والتي كانت تزخر بها بغداد آنذاك.
لقد مثل هذا الانتقال المكاني، ما بين محيطين اجتماعيين مختلفين في القيم والأعراف، في مستويات الوعي الاجتماعي والحضاري وتجلياتها الاجتماعية والجمالية والمعرفية، أحد عوامل الصدمة والتحفيز التي انحفرت في ذهنية الصبي عبد الكريم وتعمقت لاحقاً بفعل الاطلاع على أوضاع  اجتماعية مختلفة وممارسة واعية لبعض أنشطتها المقترنة بالقراءة الاستفهامية.
شكلت هذه المعايشة الاجتماعية، إضافةٍ نوعية جديدة إلى منظومة أفكاره والتي تطورت لاحقاً لتتبلور في فكرة  " الهوية الوطنية العراقية " وأصبحت تمثل، فيما بعد، المبدأ الثاني من منظومة أفكاره[63]. إذ نظر إلى العراقيين كنسيج اجتماعي متعدد في طور التكوين عند نشوء الدولة الحديثة، ليرسي شكله التوحيدي بعد استتباب مقوماته المادية وخاصةً بعد التغيير الكبير في 14 تموز 1958، بالتوئمة مع روح العصر، نظراً لتكونه من أثنيات مختلفة وتكوينات دينية وطائفية متعددة. لم يتعصب قاسم إلى واحدة منها على حساب الأخريات.. فعروبته هي امتداد لعراقيته، وإسلامه لا يتعارض مع الديانات الأخرى.. ألم يكن{ الإنسان أخو الإنسان أما أخوه في الدين أو نظيره في الخلق} كما حددها الفيلسوف الإمام علي بن أبي طالب! ومنها أنطلق قاسم أيضاً في عدم التفضيل على أساس المذهب أو القبيلة أوالنسب أو المنطقة.. بذرت العائلة هذه النظرة التسامحية منذ الصغر فيه وعمقها المحيط الاجتماعي وصقلتها الأفكار التقدمية والمنادية بالمساواة .. لذا حارب الزعيم قاسم الطائفية السياسية في الحكم والتي كانت أحدى السمات المفصلية للحكم قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي استمرت عليها لدوافع عديدة ووسمت المرحلة الملكية.. مما شكلت شرخاً قوياً في عدم تلاحم الهوية الوطنية العراقية التي منطقها الداخلي لا يستوعب النظرات الضيقة والولاءات الدنيا والمناهج الجزئية..
 إن " من يقرأ تاريخ 14 تموز عام 1958، لابد أن يلتمس نسيجها الوطني المعادي للطائفية والعنصرية، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن العراق لم يشهد طيلة تاريخه الحديث حاكماً يمقت الطائفية كالزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل طوال فترة حكمه والتي استمرت أربعة أعوام ونصف تقريباً وبشكل متواصل ودؤوب على إلغاء الطائفية من برامج الدولة العراقية، مما جعله يتبوأ مكانة خاصة في نفوس العراقيين على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ، فالمعارضون والمناصرون لقاسم لا ينكرون هذه الحقيقة.
وفي ملف الزعيم عبد الكريم قاسم شيئان لم يستطع أحد من المقربين إليه اكتشافها، وهما انتسابه العشائري وولائه المذهبي. وفي المقابل هناك شيئان أوصلا العراق إلى حافة الكارثة ( إن لم تكن في عمق الكارثة- ع.ن ) فيما بعد وهما تعصب الحاكم لعشيرته وولائه الطائفي. وربما تكون النشأة العائلية المتوازنة للزعيم قد ساعدته على ذلك. فقد نشا في مدينة محايدة لم تنشغل بقضايا العداء الطائفي أو العنصري، فقد ترعرع الزعيم في عائلة كريمة من سواد الناس والتحق بالجيش في ريعان شبابه وشارك في معارك فلسطين عام1948، كل ذلك منحه ثقة عالية بالنفس وعصامية لا تفخر بالأحساب وبالأنساب. ولهذا اكتفى باسمه الثنائي دون ذكر العشيرة أو اللقب أو اسم الجد    … ولو استمر قاسم بالحكم فترة أطول لكان قد وضع المسمار الخير في نعش الطائفية. حيث كانت سياسة التدرج بإلغاء التمايز الطائفي التي سار عليها قد أثارت المخاوف في نفوس غلاة الطائفيين، فقد عثر إنقلابيو 8 شباط عام 1963 في مكتبه على مسودة القانون الجديد للجنسية العراقية و الذي كان سيلغي القانون القديم الذي يقسم العراقيين إلى مواطن من الدرجة الأولى والثانية، والذي أستغله صدام فيما بعد لتهجير أكثر من نصف مليون إنسان [64] ".
 
أنتقل الصبي عبد الكريم إلى المدرسة المأمونية في العاصمة بغداد, لينتفل إلى مدرسة الرصافة، ليتخرج بعد سنة واحدة، أي في نهاية العام الدراسي1926-1927. وقد رصد أحد معلميه حينئذ، حالة التي يتمتع به من ذكاء وفطنة وذاكرة القوية وقدرة على حفظ الدروس بدون عناء، لذا أخذ يرعى هذا الطالب ويحثه ووالديه على ضرورة إكمال دراسته اللاحقة ولا يتركها، لأن تسرب الطلاب بعد المدرسة الابتدائية كان عالياً جداً آنذاك.
كان عبد الكريم يعمل مع والده في ورشة النجارة بعد الدوام المدرسي وأثناء العطل الصيفية، مما أتاح له التعرف على طبيعة الأعمال الجسمانية ومشاق العمل مما عزز اعتماده على ذاته وتقوية شخصيته وتعزيز الثقة بها أكثر فأكثر. وكان في الوقت نفسه، يبعده عن مزالق الجنوح وما يترتب على التسكع في الأزقة والطرقات من مشاكل، ناهيك عن مساعدة والده واكتساب الخبرات الحياتية وما تطرحه من استفهامات فيما هو ومحيطه عليه.. هذا العمل كلن ، كما أشرنا سابقاً، قد مثل أحد العوامل المبكرة التي عودته على الصبر الذي اصبح حكمته الأولى في الحياة.
و بعد إكماله الدراسة الابتدائية بتفوق، يدخل عبد الكريم في الثانوية المركزية للبنين في عام 1927 " وداوم فيها سنة واحدة ثم نجح إلى الصف الثاني الثانوي وترك المدرسة سنة واحدةلآسباب مرضية وداوم بعدها في الصف الثاني, فحاز شهادة الدراسة المتوسطة.. [65]" ويختار الفرع الأدبي، ويتخرج منها بعد أن قضى فيها مدة 5 سنوات عام 1931.
 هذه الثانوية كانت الوحيدة في مدينة بغداد آنذاك، وكانت بمثابة المنبت الرئيس للكوادر المستقبلية للدولة العراقية. وكانت تضم بالأساس أبناء نخب الحكم السياسية في الدولة وأبناء العوائل الأرستقراطية والتجار وعلية القوم في المجتمع، ومن مختلف الطوائف والأديان. كما كانت تضم المدرسة عدداً قليلاً من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة. حفز هذا الخليط الطلابي المتمايز طبقياً، الطالب عبد الكريم على مجاراة زملاءه من خلال التفوق العلمي.. بمعنى إن فقر حاله المادي كان حافزاً قوياً على بث روح التحدي لديه في هذا الوسط الاجتماعي. وقد نجح في تحديه، إذ اكمل دراسته الثانوية بتفوق كبير على مدار السنوات الخمس. وفي السنة الأخيرة أكمل دراسته في الدور الثاني, لأنه في" أثناء الامتحان النهائي ألم به مرض أضطره دخول المستشفى، ففاتت عليه فرصة الامتحان المذكور، ولما شفى من مرضه، أمتحن مع الطلبة المكملين ونجح في جميع الدروس بتفوق [66] ". كان عبد الكريم متفوقاً في كل مراحله الدراسية ( الابتدائية والثانوية وفي الكليتين العسكرية والأركان وكذلك الدورات المهنية) وكان دائماً ضمن المراتب الأولى حسب التقارير الرسمية وما أشار إليه أغلب مدرسيه.
لوحظ أثناء دراسته في الثانوية نزعته نحو تأكيد الذات بصورة أكبر مما سبق، مقترنةً  بشغف التفوق العلمي على الآخرين. هذا الميل يبدو مستنبط من الإحساس بالمعاناة الطبقية مما وَلَدَ لديه نزعة روح الإصرار والتحدي والتفوق، في ظروف منافسة غير متساوية من حيث توفر إمكانيات الدراسة ولكون بعض الطلبة كانوا ينظرون بازدراء لزملائهم من العوائل الفقيرة وزادها حقدا لتفوقه المدرسي. كان الطالب عبد الكريم سباقاً لقاعة الدرس. وكان يجيب على أسئلة مُدرسيه بسهولة ويسر.
 وفي الوقت نفسه ذاق مرارة التمايز الطبقي، خاصةً وكا اشار أصدقائه إلى أنه كان مرهف الحس ودائم التفكير بما هو عليه. وكان يرى ببصيرته هذا التناقض الذي بدء يعيه بصورة حادة، مما جعل منه لاحقاً متمرداً على التمايز الاجتماعية المرير.
بدأ هذا التحول الذي حدده شرط نشأته الأولى، ذلك أنه كان منذ وقت مبكر شديد الحساسية إزاء القضايا الوطنية والاجتماعية.. إذ منذ مراهقته، وحتى قبلها في صباه، وجد نفسه حاملاً احلاماً مستقبلية وهموما شتى.. منها على البعد العائلي وثقل الحياة المادية.. إلى هواجس الشباب واحلامها السياسية التي كانت مستعرة في الوسط المتعلم.. إلى اللبنات الفكرية الأولى التي بذرها الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي في العراق والتي أخذ ذهنه يتفتح عليها.. إلى العاصفة الاجتماعية التي سرت في المجتمع العراقي حول المرأة وتحررها.. وحرية الرأي وثقافته.. والعمال وأرهاصاتهم الطبقية الأولى .. والمعاهدة العراقية- البريطانية لعام 1930 والمعارضة ضدها.. هذه الظروف شغلت الكوامن النفسية للمراهق عبد الكريم.. ترى كيف زاوج بينها.. واي منها لعب الدور المحرك في وعيه الاجتماعي وتجلياته؟ هذا ما لا استطيع البت فيه, لانعدام الوثيقة المكتوبة والشفاهية.
وفي الوقت نفسه يستحيل علينا، في الظرف الراهن، في غياب المعطيات الدقيقة والموضوعية، قياس عمق هذا الوعي الذي أكتسح عقل وروح الشاب قاسم ومداه.. لكن يمكننا القول أنه كون فكرة عامة، لا يخلو منها الغموض والمثالية، عن أسباب الظلم والتمايز الاجتماعيين، نظراً لقلة أو انعدام المصادر الفكرية التي يمكن أن تعلل ذلك بروح علمية بعيدة عن القدرية والتبريرية التي تزخر بها مصادر الفقه التقليدي الذي كان حضوره واسع في الحياة المعرفية.
لقد دَرَسَ عبد الكريم العديد من الأساتذة في الثانوية المركزية، عراقيين وعرب وأجانب، منهم: محمد بهجت الأثري؛ طالب مشتاق؛ شيت نعمان؛ وصديق الخوجة؛ علي مظلوم ومحمود الملاح وغيرهم. وقد تبوء بعضهم مناصب مهمة بعد 14 تموز. فمثلا أسند الزعيم قاسم منصب مدير عام مديرية الأوقاف إلى الأول، ومنصب سفير العراق في تركيا إلى الثاني، الذي كتب في مذكراته عن الطالب قاسم: " أنه تلميذ قديم من تلاميذ المدرسة الثانوية المركزية في بغداد سنة 1927. أنه تلميذ هادئ، يبتعد عن مخالطة زملاءه، ويقضي فترة التنفس في زاوية منعزلة. مظهره يعلن عن فقر الحال وفقدان المال، مكتئب النفس، عابس الوجه، ضعيف البنية، مشروم الشفة العليا من جهتها اليسرى، وهذه العاهة، على ما يبدو سببت له شعوراً بالنقص جعلته منقبضاً على نفسه ويتجنب الاجتماع برفاقه والناس أجمع [67] ".
ينقل أحمد فوزي، رأياً لأستاذ مادة العلوم الطبيعية في الثانوية المركزية آنذاك وهو شيت نعمان الذي قال: " أولاً – كان عبد الكريم قاسم يجلس دائماً في المقاعد الخلفية، لا يشترك في البحث ولا ينطق ببنت شفة. ثانياً- كان قذراً، انعزالياً، يرفل في ثياب رثة ممزقة. ثالثاً- كان يكثر من التغيب عن الدرس ولم يشترك في الامتحانات التي كانت تجري في الصف [68]… ".
 يبدو أن النص متحامل ضد قاسم ويحاول النيل منه ومن فقره. كما أن هذا الموقف المسبق ذو الغائية الواضحة، تدحضها الوقائع المدرسية التي دللت على تفوقه في كل سنوات الدراسة..وهذا ما أكده الكم الغالب من المدرسين والوثائق الرسمية. ممكن كانت ملابس قاسم تدلل على حالة فقره، لكن استخدام مفردة( قذر) بعيدة عن الذوق والاخلاق وتنم عن حقد طبقي وربما سياسي.. وأغلب الظن كلاهما.. خاصةً وأن هذا القول قيل بعد ثورة 14 تموز وأثناء الاحتراب والصراع  بين القوى السياسية.
 ومما يلقي ضلال مكثفة من الشكوك، ما ذكره أستاذ الأدب العربي من أن الطالب عبد الكريم كان يحفظ الكم الوفير من جماليات الكنوز الشعرية العربية. وقد كان معجباً من شعراء تلك المرحلة، بالشاعر معروف الرصافي. لقد كان يحفظ له قصائد كثيرة كان يرددها دوماً. وهذا الإعجاب حسب رأي، كان من تأثيرات أستاذه الأديب مصطفى علي المعجب هو الأخر بالرصافي كأديب وكسياسي ناهض الاحتلال والمشروع البريطاني.[69]
 لقد أتقن عبد الكريم اللغة العربية نتيجة " كثرة قراءاته النحوية وكنت بعد أن أخذ مكانه في زعامة العراق، وصرت صحفياً ومدرساً للغة العربية، أتابع باهتمام – وكأي معلم- جمله الإعرابية، فاشعر بارتياح لأنه لا يلحن باللغة العربية…[70] , كبقية الزعامات السياسية في العراق ودول الجوار.
ويروي" ذو النون أيوب في كتابه " الحقيقة والتاريخ" عن صديق له روى عن عبد الكريم قاسم، عندما زامله في الدراسة الثانوية، قوله: كان من الذكاء وسرعة الخاطرة، بحيث تزدحم الأجوبة على لسانه حين يسأله، فيتعثر في الكلام ويتمتم أحياناً، وقد وجه إليه مدرس اللغة العربية يوماً سؤلاً، مما يلقيه الأساتذة على تلاميذهم لاختبار مبلغ سعيهم، فأسرع عبد الكريم قاسم بالجواب.. وتمتم.. فضحك بعض التلاميذ، فنهرهم الأستاذ مغتاضاً، وقال جاداً:
-  خير لكم أن تعجبوا بهذا الطالب وتقتدوا به… إني أتوقع أن يكون مستقبله غير مستقبلكم .. بل إني أتنبأ له مستقبل عظيم [71]… ".
ويؤكد رشيد مطلك أحد طلاب صف عبد الكريم هذه الواقعة بالقول: " أنني أتذكر يوماً من أيام الشتاء في الثانوية المركزية وكنا وقتئذ في الصف الأول (ب) والدرس اللغة العربية والمدرس الأستاذ محمود الملاح وكان يجري معنا اختباراً شفهياً في قواعد اللغة العربية. ولما جاء دور عبد الكريم قاسم أنتصب انتصاب الجندي يرد على أسئلة الأستاذ وبسرعة مدهشة، كما يردد الصبيان المحفوظات بصوت جهوري، فاخذ بعض الطلاب يضحكون، فزجرهم الأستاذ الفاضل الملاح بعبارات لا يزال بعضها يرن في أذني: " على من تضحكون يا سفهاء يا كسالى. إن هذا الولد أحسن واحد فيكم وسوف يكون له شأن كبير.. وكان ذلك قبل أثنين وثلاثين عاماً…[72]"
هذه العينة من الشهادات تؤكد الحالة التي كان عليها الطالب عبد الكريم قاسم، وسعيه المتواصل لأجل أن يتغلب على فقره من خلال دراسته في هذه المرحلة وتفسر إلى حدٍ ما نزوعه اللاحق نحو المساواة الاجتماعية التي تعمقت أبعادها عندما بدأ يتتلمذ على يد مصطفى علي, أحد رواد الفكر الاشتراكي.
يبدأ عبد الكريم في هذه المرحلة من الدراسة بمسيرة التثقيف الذاتي، إذ أن الكتب الدراسية لم تشف غليله إلى المعرفة وتفسير الظواهر الاجتماعية/الاقتصادية التي تطرحها الحياة بصورة متوصلة، كما إن هذه المواد التعليمية كانت غير وافية وتلقن بصورة مجردة وخالية من عناصر الشوق، والأهم ليس لها ارتباط بالحياة و بالواقع المعاش ومضامينه الاجتماعية، ذات أبعاد مثالية وغير مستنبطة من تاريخية ومنطقية المجتمع العراقي والعربي. كما كان التعطش للمعرفة يصطدم بقلة المتوفر من المصادر والأدبيات وخاصةً ذات المنحي العلمي في متونها والإنساني في توجهاتها..وبالتالي فالطالب عندما يفقد اهتمامه بما ينقل إليه يغلق عقله دونه، والنبيه منهم سيبحث من خارج المنظومة المقررة.
 لذا لابد من ولوج طريق أخر، وهذا ما كان له.. حيث بدا في تقصي أثر مجموعة حسين الرحال, رواد الفكر الاشتراكي في العراق.. والذين كان يراهم يومياً مجتمعين في مقهى النقيب في محلة قنبر علي بالقرب من محل سكناه.. وكان صديقه رشيد مطلك من بين تلامذة هذه المجموعة، ومن خلاله تعرف على بعض أعضاءها وتلامذتهم (مجازاً) من سكنة المحلة ذاتها أو طلاب في ذات الثانوية، وتقرب من الأفكار التي كانوا يبشرون بها.
وقد ارتبط روحيا وبعلاقة تلمذة بالمعلم، آنذاك، مصطفى علي (1900- 1980) الذي تربطه علاقات قوية بابن بنت عمته محمد علي جواد، الضابط الطيار وأول قائد عام للقوة الجوية. وتعود علاقة عبد الكريم باستاذه أيضاً إلى الرابطة التي نشأت من خلال عمل والد عبد الكريم في ذات الورشة الصغيرة التي يعمل فيها (وقيل يملكها) والد مصطفى علي[73].
 وعند قدوم أسرة عبد الكريم من مدينة الصويرة " انتقلت إلى جوارهم في محلة قنبر علي وعبد الكريم صبيّ في عهد تكوينه النفسي. فكان الفتى يأتي يومياً إلى دارهم ويجلس عند قدمي مصطفى علي الذي يكبره نحواً من 14 عاماً، ليستمع إلى أحاديثه وأراءه. وظل عبد الكريم ملازماً لصاحبه معجباً به، أخذاً عنه حتى أصبح معلماً... ثم انتمى إلى الكلية العسكرية… [74]] ( التوكيد منا –ع.ن.) . واستمرت العلاقة مع قاسم حيث كان يستشيره قبل الثورة. و" كان في السنة التي سبقت الثورة يلتقي بمصطفى علي حيث يأتي إلى بغداد (كان برتبة زعيم-عميد ركن- ع.ن.) فيقول له أريد أن أتحدث معك في شؤون خطيرة.. وحين يبدي مصطفى استعداده يقول عبد الكريم ليس الآن، سوف نتحدث في فرصةٍ قادمة. وتكرر ذلك القول وتكرر الإرجاء حتى أُعلنت ثورة 14 تموز فإذا بمصطفى علي يسمع اختياره لمنصب الوزارة من الإذاعة دون سابق علم أو توقع  [75]…"
لقد أثرت هذه العلاقة بقوة في شخصية الشاب عبد الكريم, والتي انصبت على الجانب المعرفي وعلى التوجه السياسي والنظرة الاجتماعية للحياة وفلسفتها. ومن يحلل شخصية مصطفى علي ومكوناتها وتطلعاتها المستقبلية، كما كان يعرضها في مقالاته السياسية والقانونية وسجالاته، في الادب والنقد الادبي، سيلاحظ أن تلميذه قد أستوعب العديد منها وأعتبرها منطلقاً في تجربته العملية وعند ادارته للصراع الاجتماعي، بعد استلامه الحكم.
 وبتأثيرات استاذه أحب عبد الكريم شعر معروف الرصافي وحفظ له، واللغة العربية والاستمتاع بها، و(ربما) بـتأثيره دخل سلك التعليم، لأن مصطفى علي كان في بدء حياته العملية معلماً. كما أن الأفكار التحررية والنظرة التقدمية التي وسمت مواقف قاسم، والعديد من زملاءه الطلبة، كان قد استمدها مما كانت تطرحه جماعة الرواد الأوائل للفكر التقدمي ( جماعة حسين الرحال)، وما كان يتثقف بها عن طريق أستاذه، من قبيل :
الموقف من الاحتلال البريطاني، التحرر الاجتماعي، المضامين الاجتماعية لحركة الاستقلال، النزعة العراقية والوحدة الوطنية، الموقف من المرأة وحقوقها، حرية الفكر، ماهيات العقد الاجتماعي، التربية والتعليم، الموقف من الطبقات المنتجة وخاصة ما يتعلق بموضوع الفلاح والأرض.. وغيرها من المعالجات الفكرية والسياسية التي كان يبشر بها الرعيل الأول وأولئك من الرعيل الثاني بشقيه الديمقراطي الليبرالي والحلقات الماركسية ومن ثم الشيوعية.
خاصة وأن هؤلاء الرواد سبق لهم إشراك كل من العمال والطلاب، لأول مرة في الخريطة السياسية  للبلد، وكانوا وراء تحركاتهم المطلبية..كما أشركوهم في حملتهم المناهضة للحد من الحرية الفكرية وكانوا يوجهون أراءهم إليهم.. فعلى سبيل المثال، نشر بكر عوني صدقي في العدد 2و3 من جريدة الصحيفة لسنة 1927مقالاً بعنوان ( كيان الرجعية ينهار) قال فيه :
 " أننا نبغي الحرية ونعدها مثل الحياة الأعلى نبغيها في حياتنا الفكرية ونبغيها في حياتنا الاجتماعية  وهم الرجعيون يمقتونها ولا يريدون أن يتعدوا دائرة التقليد المطلق وشتان بين ما نبغيه وما يبغونه ..فإلينا أيتها الشبيبة .. نقضي على الرجعية التي طالما فتت بعضدنا ولنجهر دوماً بحياة الحرية والأحرار…[76]].
هذه الأفكار جذبت قطاعاً واسعاً من الطلبة، مما هيأ رافداً جديداً للحركة الفكرية والسياسية، والتي  ناضلت من أجل زعزعت أرضية القيم الاجتماعية التقليدية، ومن ثم الإطاحة بسلطتها السياسية والروحية.. كما مثلت هذه الأفكار وما يشتق عنها من برامج ومطالب، أداة جذب للشباب الواعي ووسيلة تفتح ذهني لهم.
 وإذا لم تسمح الظروف الموضوعية لعراق تلك المرحلة، ولا الذاتية للحركة التحررية بكافة فصائلها، في تحقيق ما كانوا يصبون إليه، فإن ثورة 14 تموز ومفردات منهاجها وتوجهات قيادتها اللاحق المستوحاة من تلك الأفكار وما أضافته ضرورات الحياة، قد حقق الكثير منها، بل في بعض المفاصل فاق السقف العلوي لتلك البرامج. لنا من قانون الأحوال الشخصية لعام1959 خيرُ تعبير عن تلك الرؤى والتطلعات في صيرورة تطورها، وخاصةً بما يتعلق بالمرأة وحقوقها. أن موقف قاسم من المرأة قد حددته له تلك النظرات المعرفية للرواد الاوائل وموقفهم من المرأة العراقية وكفاحها من أجل إضفاء المسرة للأبناء وضمان مستقبلهم المأمون. يضاف إلى ذلك إفرازات الحياة  الاجتماعية والتشريعية التي هضمت حقوق المرأة والتي لمسها كل مدرك وفطين.
حدد قاسم موقفه من المرأة، وذلك عندما قال مخاطباً مؤتمر رابطة المرأة العراقية في آذار 1959:
 " إن الرجال مهما عظم شأنه فإنهم مدينون للنساء . فالنساء وللمرأة بالذات الفضل الأكبر في توجيههم، وقد أرضعتهم لبان العزة والكرامة والشهامة ودفعتهم إلى جليل الأعمال لخدمة الوطن. قد يكون الكثير من إخوانكم الرجال قد شاركوا وساهموا في الأخذ بيد المرأة، فكثير من النساء ومن الكواعب الحسان كن يرفلن في الدمسق والحرير وكثير من الشعراء تغنوا بجليل الأعمال والفضائل التي كانت تتمتع بها المرأة بالذات. ولكنني وأنا هذا الإنسان الضعيف، كنت أفتش عن ناحية أخرى للأخذ بيد أختي المرأة، الناحية الأخرى وهي الحرية إكسير الحياة... وأنني شخصياً سوف أفنى في كياني ودمي في سبيل هذا الشعب وفي سبيل مناصرة قضية المرأة بالذات [77] "(التوكيد منا-ع.ن).
هذا الرؤيا النظرية والموقف العملي لقاسم يتماثل ويتطابق مع  ثقل العناية التي أولاها الرواد الأوائل للفكر التقدمي المتشرأب إلى حياة أعدل للمرأة في مجتمع متخلف وقاسي في قيمه وممارساته الحياتية، حيث كان اغلب أفراده يخضعون بصورة مطلقة لأسوء ما في قيم المجتمع البدوي/ الفلاحي، التي لا تمنح المرأة أية قيمة بشرية. كان قاسم في موقفه هذا وفي ذهنه حياة والدته ،كما أعتقد، حيث كانت تضفي على الأسرة الدفء والحنان إزاء نواقص ماديات المعيشة.. إن صراعها مع الحياة جعلها ترتقي بنظر أبناءها وخاصةً الأصغر منهم. هذه النظرة المساواتية للمرأة لدى قاسم وتداعياته السياسية والثقافية عكستها عدة قوانين صدرت في عهده منها على سبيل المثال : قانون الإصلاح الزراعي؛ قانون العمل والضمان الاجتماعي؛ قانون الإرث وتوزيع التركات, بالاضافة لإبى قانون الاحوال المدنية. ومن هذا المنطلق عين أول وزيرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي عام 1959. 
ومن خلال المعطيات القليلة والمتناثرة، وخاصةً الشفاهية منها، يبدو لنا أن الطالب عبد الكريم قد تأثر بالصراع السياسي والاجتماعي الذي أحتدم منذ النصف الثاني من عشرينيات القرن المنصرم، وعلى وجه الخصوص ما أثارته ما عرف بالأدب السياسي ب(مسألة النصولي) عام 1927وكذلك قدوم الداعية الصهيوني موند عام 1928، وهما المسألتان اللتان أرختا مساهمة الطلبة في العمل السياسي لأول مرة، حيث كان الطلبة بمثابة بؤرة الاحتجاج في هاتين المسألتين[78]. كانت الأولى تحمل في طياتها أبعاد الفتنة الطائفية البغيضة, كما يرسم أبعادها الجواهري الكبير بالقول إن النصولي: " ارتبك خطأً بل حماقة حين انتقص من ذكرى استشهاد الامام الحسين ... ورغم خطأ النصولي إلا إن عدداً من الطلبة وقف إلى جانبه ليس في افكاره بل ضد قضية الفصل, وكان ذلك يعني في الحالتين الوقوف ضد النزعة الطائفية... [79]".
صحيح لم تتوفر الآن لدينا معلومات حول مساهمة الطالب عبد الكريم في هاتين الحركتين الطلابيتين . كما أنه لم يسلط الضوء على حياته ومنها نشاطه الطلابي، كم فعل الآخرون، صدقاً أم كذباً. إلا أن الدلائل القرينة (قد) توضح مساهمته في حركة الاحتجاج، شأنه في ذلك شأن أغلب الطلاب، الذين يمتازون بروح الحماس والتلاحم الجماعي من جهة، ومن جهة ثانية كان قادة الرواد الأوائل، الذين تأثر قاسم بأفكارهم، هم المحرضون الفعليين لحركة الاحتجاج، ومن جهة ثالثة أن اغلب قادة الطلبة في هذه الحركة كانوا متأثرين بأفكار الرواد ومن أتباعهم من أمثال: حسين جميل؛ عبد القادر إسماعيل؛ زكي خيري؛ محمد سلمان حسن؛ فائق السامرائي؛ عزيز شريف؛ رشيد مطلك وغيرهم، وكانوا كلهم في ذات المدرسة التي درس فيها عبد الكريم، وبعضهم كان في صفه أو/ و يسكن في محلته أو من أصدقائه أو زملاءه الذين يلتقون سويةً في مقهى المحلة أو في نادي التضامن الذي أجتذب إليه بشكل خاص الطلبة، حيث دعت بعض مواد نظامه الداخلي " وبرنامجه المعلن إلى وحدة الشباب ونشر المعرفة ...[80] ".
هذه الأفكار الجديدة التي أخذت تطرحها الحركة الطلابية كانت تتبلور وتتناغم مع نفسية الطالب عبد الكريم القادم من قعر واقع الفئات الاجتماعية الحالمة بالتغيير، تجد صدى لها في نفسه.. فمن جهة هي جديدة تطرق الوعي الاجتماعي، الفردي والجمعي، بقوة وبدون استئذان، ومن جهة ثانية كانت تعبر في ناهيتها عن جوهر مصالح هذه الفئات وتتناغم وتطلعاتها في الخروج من نطاق الإملاق المستديم، كما كان يدفعه محيطه وأصدقاءه ومعارفه ومعلميه وما يدور بينهم من مناقشات مشتركة أو أحادية من جهة ثالثة.
 هذه الظروف كانت بقوة تجبره، إن لم يكن يختارها، على المساهمة في مجالات نشاطها العملي وفي التعمق في فهم مدلولاتها لتحقيق هدف التغيير. ومما نشط من صور تحدي الطلبة والمساهمة في الفعل السياسي، هو موقف السلطة ( مجلس الوزراء) الذي أقر، بصورة لا تربوية ووحشية، إصدار " مرسومين بأثر رجعي برقمي 13و14 يُخول فيها وزير المعارف حق جلد الطلبة، فيما يخول الثاني وزير الداخلية حق وضع الأشخاص تحت الرقابة [81] ".
بعد هذين الحادثين شبت حركة احتجاج جديدة في مطلع عام 1930، أوسع زخماً وأخطر بعداً من الناحية السياسية وأكثر شمولاً من الناحية الاجتماعية, انصبت هذه الحركة على مناهضة المعاهدة العراقية/البريطانية والتي أبرمتها وزارة نوري السعيد الأولى( 23/03/1930 – 19/10/1931). كانت ماهيات المعاهدة في الضد من المصالح الوطنية العليا وتحد من الأبعاد الاستقلالية لعراق ما بعد الانتداب. لقد عارضت العديد من القوى السياسية المعبرة عن مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها بعض عناصر نخبة الحكم السياسية، ناهيك عن القوى الراديكالية آنذاك ومنها : الحزب الوطني العراقي، وفئات الطلبة والشباب الملتف حول شخصيات من مجموعة الرحال المنحلة والفئات العمالية والمهنية. وقد لعب طلاب كلية الحقوق والثانوية المركزية دوراً محسوساً في تثوير الشارع السياسي والنزول إلى التظاهر ضد المعاهدة.
هزت هذه الحركة السياسية الوعي الاجتماعي وتجليه السياسي وأدخل مفاهيم جديدة لم تكن متداولة سابقاً بين الناس بذلك العمق. ساهم العديد من شباب محلة قنبر علي في هذه الحركة الاحتجاجية و ( ربما) الطالب عبد الكريم أيضاً، وقد تأثر بها بحكم مساهمة أقرباءه وأصدقاءه وبعض من أساتذته الذين كانوا من المحرضين والمنورين في هذه الحركة، وقد تفاعل مع جوهرها المنصب على تحقيق الاستقلال السياسي الكامل بعيداً عن الوصاية البريطانية.
 هذا الظرف والفعل الماديين تبلورا في وعي الضرورة لدية وأمسى يمثل أحد غائياته المستقبلية وحلقة مركزية من مبادئه الأرأسية. عبر عن ذلك في مؤتمره الصحفي المنعقد في 28 /07/1958 بالقول : " منذ تخرجي من الكلية العسكرية لاحظت الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوء ، وصممت من ذلك الوقت على قلب هذه الوضاع رأساً على عقب[82] ". هذا التصميم/ الغاية سبقه بالضرورة الإحساس بالواقع قبل أن ينتقل إلى فعل ممارسة عضوية.
إن هذا الإحساس بالأوضاع تبلور بالتزامن مع جملة من المشاكل الأساسية التي طرحتها صيرورة تطور الحياة ونمو الوعي الاجتماعي، أمام المجتمع العراقي وحركته بالعمق، منها :
- ما يتعلق بالاستقلال السياسي للبلد وإنهاء الانتداب البريطاني؛
- ضرورة القيام بالإصلاحات الاقتصادية وتطوير القوى المنتجة، وخاصة بالريف؛
-        تحقيق الإصلاحات الاجتماعية والتقليل من الفقر والتخلف؛
-        بدايات بروز النخب العسكرية وصعود دورها كمراكز قوى مؤثرة؛
-        مسألة التمايز الطائفي/القومي وضرورة الوحدة الوطنية؛
-   بروزعواقب التغيرات في الملكية الحقوقية للأرض وتهجير الفلاحين وتكون أحزمة مدن   الصفيح حول المدن الكبرى وخاصةً بغداد والبصرة؛
-   التطورات السياسية والاجتماعية في دول الجوار ونمو الحركة الاستقلالية في سوريا، وخطر تواطؤ بريطانيا مع الحركة الصهيونية وبعض الحكام العرب آنذاك.
 
 
 
 
 
3.3-المعلم:
 
في مثل هذه الظروف وغليان الحراك الاجتماعي ينهي  بتفوق الطالب عبد الكريم دراسته في الثانوية المركزية عام 1931. آنئذ طرح الواقع عليه ضرورة الاختيار بين طريقين.. إما العمل أو مواصلة الدراسة الجامعية.. أي الخيار بين ذاته وطوحها وبين ضرورات مساعدة العائلة وانتشالها ما أمكن من حالة الفقر ووطأة الحاجة المادية، وتخفيف العبء عن كاهل الوالدين وتوفير الحد المعقول من متطلبات المعيشة.
بوعي مدرك وحث من بعض أساتذته وأقرباءه حسم الشاب عبد الكريم صراعه الداخلي وأختار طريق العمل وترك إكمال طموحاته للمستقبل المؤجل والمؤمل. مثل هذا الظرف مر بكم كبير من أقرانه الطامحين من أبناء العوائل الفقيرة، حيث تحت ضغط الظروف الاقتصادية غالباً ما يتسربون من الدراسة، في مستوياتها المختلفة، ويدخلون سوق العمل لكسب قوتهم اليومي ومساعدة عوائلهم. لذا فالخط البياني لطلبة الدراسات الجامعية آنذاك كان يؤشر إلى كونه، في الغالب الأعم، مقتصر على أبناء الطبقات الميسورة و فئات نخب الحكم، وبدرجة أقل بكثير من أبناء الفئات الوسطى، ومن النادر جداً من أبناء الفقراء والمدن الصغيرة البعيدة.
ضمن هذه الظروف يتقدم الشاب عبد الكريم للعمل في مهنة التدريس ويتم تعينه بصفة معلم ابتدائية  بتاريخ 22/ تشرين الثاني 1931, وبناءٍ على رغبته الطامحة إلى معرفة ودراسة واقع المجتمع العراقي، يطلب العمل خارج مدينة بغداد.. وتلبيةً لذلك يتم تعينه معلماً للغة الإنكليزية في مدرسة الشامية الابتدائية الرسمية للبنين في مركز قضاء الشمامية التابع إلى لواء الديوانية( محافظة القادسية حالياً ) وقد بلغ من العمر 17 عاماً[83].
ترى هل اختياره مهنة التعليم جاءت بناءً على رغبته أم نتيجة لانغلاق منافذ العمل الأخرى؟ أم كانت بتحبيذ من معلمه الأديب مصطفى علي الذي كان يرعاه من الناحية التوجيهية والفكرية؟ أم لأنه وبعد " إكمال الثانوية 1931، لم يتمكن من الدخول للكلية العسكرية فاشتغل معلماً…[84] |، كما يذهب إلى ذلك خليل إبراهيم حسين. لكنه لا يذكر مصدر معلوماته ولماذا لم يقبل في الكلية العسكرية.هذا الاختزال في العرض يلقي بظلال الشك على المعلومة، خاصةً إذا عرفنا أن سياسة القبول في الكلية المذكورة، كان محدوداً في تلك السنة وما قبلها ويكاد أن يكون مقتصراً على أبناء الضباط ورؤساء العشائر ونخب الحكم.
 التحق عبد الكريم قاسم في عمله، في الوقت الذي تسير الدولة عبر تشريعاتها إلى إقحام علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية في الريف من خلال تغيير واقع الملكية الحقوقية للأراضي الزراعية وتسجيلها باسم شيخ العشيرة والملاك الغائبين ( المقيمين في المدن) من كبار أعضاء نخبة الحكم والمتنفذين في الدولة وكبار التجار.
كان التعليم متخلف بصورة مهولة آنذاك، وشبه معدوم في المدن الصغيرة والمناطق الفلاحية. إذ أن عدد المدارس في عموم البلد كانت 279مدرسة عام 1927في مستوياتها الثلاثة( الابتدائية والمتوسطة والإعدادية)، التحق بها في حدود 28028طالباً وطالبة. كما لم تزد نسبة المتعلمين في البلد عن 3% من السكان البالغ عددهم في حدود ثلاثة ملايين نسمة[85].
كما لم تكن المدارس في المدن الكبرى مستوفية مستلزماتها التربوية، كان التلقين هو الأسلوب الشائع في التدريس. والدوام كان بوجبتين ، صباحية ومسائية. وكانت الصورة أعتم بالنسبة للمدارس في المدن الصغيرة إن وجدت، مثل قضاء الشامية، حيث كانت فيها مدرسة واحدة فقط تبرع في بناءها الحاج حمود العطية والد السياسي في الحزب الوطني الديمقراطي والوزير السابق هديب الحاج حمود. وكان يتعلم فيها أبناء موظفي الدولة, كذلك أبناء الإقطاعيين الجدد وأغنياء الفلاحين جنباً إلى جنب مع أبناء الفلاحين المتوسطين والفقراء على قلتهم، إذ كانوا يمثلون نسبة صغيرة جداً، وغالباً ما يتسربون من الدراسة بعد سنوات قليلة، ليلتحقوا بمراتب المؤسسة العسكرية أو الأمنية في الغالب.
 كانت مدينة الشامية هي أشبه ما تكون بقرية زراعية كبيرة من حيث الأبعاد الحضارية، وكانت تتعامل اقتصادياً مع محيطها القرب في منطقة الفرات الأوسط وكانت واردات القضاء ومردوداته المالية عالية جداً آنذاك حسب قول الوزير السابق هديب الحاج حمود[86]. وكانت تحكمها العلاقات العشائرية وتحالفاتها ومنظومة قيمها. فشمال القضاء تسكن عشائر العوابد وجنوباً عشائر الحميدات, وكلاهما يعودون لعشيرة بني حسن. لقد أصاب المنطقة برمتها الإهمال المتعمد من قبل مثلث الحكم [سلطة الانتداب؛ العرش والوزارة]، لكونها من المناطق المغضوب عليها بسبب مشاركتها الكبيرة في ثورة العشرين.
لقد استفز مكان العمل المتسم بعمق التخلف وقساوة الظروف الحياتية، المعلم قاسم من الأعماق. وهاله رؤية الفوارق الطبقية والتراتيبية الاجتماعية، مما دفعه كل هذا إلى استقراء الواقع والمقارنة عما عليه الحواضر الأخرى كبغداد.. زاد ذلك تعمقاً ما كان يشاهده من طرد كيفي واسع للفلاحين نتيجة تغيير علاقات الملكية الحقوقية للأرض.. والتي اقترنت بتقنين العلاقات الاجتماعية ضمن ما يسمى " قانون دعاوى العشائر المدنية والجزائية [87] ".
هذه المعايشة المادية حفرت في أخاديد عقله وروحه ،مسألة ضرورة  تغيير هذه العلاقات الإنتاجية لأجل إنهاء حالات الاستلاب المادي و القهر المزمن، وتكييف أوضاعهم وفقاً للقانون المدني وربطهم بالتطور العام للبلد وتقليل ما أمكن من التفاوت بين الريف والمدينة.
هذه الأفكار التي أصبحت أهدافاًله لاحقاً، طرحت على الشاب قاسم ضرورة تفسير هذه الظواهر المنتشرة في الريف ومسبباتها والعلاقات والقيم السائدة فيها والمستنبط من العالم المعزول والمتميز بالحضور القوي والمكثف للخرافة والفنتازيا والإحساس المبهم بالزمان. لذا حاول تفسيرها من خلال القراءة المعمقة مما متوفر له من أدبيات سياسية وللمواضيع الاجتماعية والتاريخية، بغية سبر غور هذه الظواهر وإيجاد تفسيرات للوضع الخرافي السائد اللامعقول. لذا اعتكف المعلم قاسم مع ذاته يتحاور وإياها أو مع كتبه. فكان كما قال مدير مدرسته في حينه أن:" المعلم عبد الكريم قاسم ملفت للنظر بوداعته وقلة كلامه وحدبه على طلابه وبعده عن أي نوع من القسوة التي كان يمارسها الكثير من المعلمين حين يستثيرهم الطلاب الأشقياء الذين يثيرون أكثر المعلمين وداعةً وحلماً [88]".
 كما انه كان خلافاً لزملائه المعلمين يرفض الجلوس في مضايف الشيوخ لأجل قتل وقت الفراغ بعد انتهاء الدوام الرسمي، إذ غالباً ما كان يخرج بصحبة كتبه في اغلب الأوقات إلى عمق الريف مستطلعاً الحياة اليومية الواقعية ومحاورا ًذاته عن المحيط الاجتماعي ومظاهره- عن الوضع البائس الذي يلفه بكل أبعاد كينونته الحية .[89]
يستذكر هديب الحاج حمود الذي كان طالباً في ذات المدرسة, قائلاً:  "كان هناك سكن ريفي لوالدي يطلق عليه الناس أسم (القصر) حيث يَقْدم بعد العشاء موظفوا الدولة البالغ عددهم 12 موظفاً ويجتمعون بالدار ويتسامرون.. والوحيد الذي لم يأتي كان المعلم عبد الكريم قاسم. كانت مدرستنا الوحيدة في القضاء وكانت مختلطة. دخلت فيها عام 1927وقد درسني المعلم عبد الكريم  اللغة الانكليزية في الصف السادس الابتدائي وعندما كان يدخل الصف الذي أدرس فيه.. كانت الرهبة لا تفارقه.. وكانت علاقته بالطلاب طيبة جداً.. وبعد انتهاء الدروس يرجع إلى داره.. ولم نكن نعرف سبب إنزواءه  [90]" كان الشاب قاسم يؤثر العزلة على مخالطة الناس الذين ينعدم عندهم الإحساس بالوقت ولا يشعرون بأهميته. كان في تلك الفترة أميل إلى الحوار مع النفس منه إلى حوار الغير.
 وقد سبق لهديب الحاج حمود أن أكد هذه الحالة، بالقول: " أن عبد الكريم قاسم كان معلماً ناجحاً في درس اللغة الإنكليزية وكان منعزلاً عن زملاءه وعن سكان القضاء. فلم يقم أية علاقة صداقة مع أي شخص في قضاء الشامية بالرغم من أن زملاءه المعلمين كانوا يترددون على مجالس الضيافة في القضاء[91]" . كما "...  كان أسلوبه في التدريس ناجحاً. حيث كان يعطف على التلاميذ الصغار الذين يأتون إلى المدرسة بملابس رثة ممزقة لكونهم أبناء فلاحين وفقراء الحال … [92]".
وتأسيساً على ذلك حصل المعلم عبد الكريم قاسم في شهرمايس/ايار عام 1932 على شكر من مدير معارف المنطقة الجنوبية في البصرة وذلك لاهتمامه بالصف المختص به. وثبت في شهر تموز من ذات العام في وظيفته كمعلم في مدرسة الشامية الابتدائية  الرسمية لكفائته وجدارته.[93]
لكن .. لم ترق مهنة التعليم إلى نفسية الشاب عبد الكريم، والتي عمل فيها عاماً دراسياً واحداً. إذ تصادمت المهنة، كواقع عمل وآفاق مع طموحاته الذاتية المشبعة بالكثير من حماس الشباب والمتأثرة  بما كانت تطرحه الأفكار الجديدة والمتسربة بهدوء في عقول الجيل الجديد .. جيل مرحلة الانتداب والصراع من اجل الاستقلال السياسي. هذه الأفكار كانت تلبي طموح الواعين من الشباب، نظراً لمعالجتها إشكاليات الحياة بصورة علمية وموضوعية أكثر, حتى أمست محركاً روحياً لهم وخاصةً شبيبة المدن الذين كانوا يصبون إلى الخروج من ذواتهم الفردية وولاءاتها الدنيا وما يناظرها من قيم ، إلى المجتمع الأرحب حيث الحرية في التفكير والممارسة الواعية، لأجل ان ينتقوا ما يلائمهم دون أن يكون[ إنسان – لاقطة] يرضخون للقيم الاجتماعية المفروضة عليهم والمتناقضة وروح مستقبلهم.
وعلى ضور ذلك قدم في 30/9/1932 طلباً إلى مدير معرف منطقة البصرة بأن يُعد مستقيلاً  اعتباراً من 1 تشرين أول1932, رغبة منه في إكمال تحصيله العالي. وقد وافق عليها مدير معارف المنطقة في 5 تشرين الأول من ذات العام.[94]
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


[2]  حول مآل الأرض يقول المهندس طالب حامد قاسم: " أن أباه حاول استرجاع ملكية الأرض الممنوحة لجدهم عبد الله فسافر إلى اسطنبول وجلب سند ملكية الأراضي الممنوحة وأقام الدعوى في المحاكم لاسترجاعها. وقبل صدور الحكم قامت الثورة فطلب عبد الكريم قاسم أوراق المعاملة وكتب عليها : إنها أرض أعطيت إلى أجدادي بغير حق. ويجب أن تعود إلى الفلاحين أصحابها الحقيقيين. وحفظت المعاملة ". خليل إبراهيم حسين، الموسوعة ، مصدر سابق، الجزء الأول، ص. 24.  
[3]  المصدر السابق ص.23.
[4] من رسالة ماجد حامد قاسم للمؤلف, بدون تاريخ.
[5]  حسن العلوي ، عبد الكريم قاسم، رؤية  بعد العشرين، ص. 11، دار الزوراء، لندن 1985
[6] حدثنا السيد عبد المطلب سيد هاشم: أن قاسم محمد البكر الذي سكن البلدة ارسل أبناءه لطيف وعبد الكريم إلى أحد كتاتيب المدينة. ولما عرف أن الملا يعلمهم قراءة القرآن وإداء الصلاة على الطريقة الجعفرية.. نهره وطلب منه الاكتفاء بتعليمهم المبادئ العامة وحفظ القرآن. وكان له صلات طيبة وطبيعية مع المحيط الاجتماعي. مقابلة معه في 30/ 4/2004 في داره بالصويرة وبصحبة المدرس السيد عائد الحسوني وأني مدين له على تسهيل هذه المقابلة وغيرها وبحضور د. عزيز الخفاجي والسيد إبراهيم الموسوي. علما أن السيد عبد المطلب يعتبر مؤرخ مدينة الصويرة وله كتابات منشورة عنها. وعند المقابلة معه كان قد بلغ من العمر ما يقارب 8 عقود. وكان يحفظ بذاكرة لا بأس بها في حدود العموميات دون التفاصيل الدقيقة.
                 
[7] يوضح د. محمد حسين الاعرجي الفرق بين المفهومين بالقول:" والفرق بين النسب والحسب عند العلماء أنّ النسب تعداد آباء المُنتسِب والحسب ما يبتدعه الانسانُ من مجد لنفسه بعيداً عن نسبه, ومن هنا كانت العرب تقول: فلان حسيبٌ غيرُ نسيبٍ, وفلان نسيبُ غيرُ حسيب...".في الأدب وما إليه, ص.116, دار المدى, دمشق 22002.
 [8] استخدم هذا المصطلح في العصر الحديث وفي العراق على وجه التحديد، بصورة مبتذلة وبإسفاف ولأغراض سياسية وليست علمية، ذات منحى عنصري لا يخلو من النزعة الطائفية. ولقد مر ظهور هذا المصطلح بطورين أبان القرنيين الثاني والثالث الهجري.. الأول : عندما طالب الكتاب والعلماء المسلمون من غير العرب (الموالي) بمساواتهم مع نظرائهم العرب انطلاقاً من الآية الكريمة { وجعلناكم شعوباً وقبائل لكي تعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، نظراً لما لاقوه من تميز في المعاملة من قبل الولاة ومركز الخلافة الإسلامية ذوي المنطلق العصبوي أما الطور الثاني، فقد تحول هذا المطلب إلى حركة ذات أبعاد عنصرية مقابلة، تدعو إلى تفوق الفرس على العرب، باعتبارهم ورثة حضارة سابقة. هذا الموقف هو الأخر يحمل منطلقاً وبعداً عنصرياً مشابه لموقف المتطرفين العرب إزاء الأمم الأخرى. فكلا الخطابان يتسمان باللا معقولية.. ويعبران عن أزمة فكرية تنتابهما . إن اللاعقلانية في الخطاب المعاصر لمفهوم الشعوبية، والذي أستخدم بكثافة غير معقولة ولا منطقية بعد ثورة 14 تموز في العراق، يتضح ذلك عندما تعتبر, خلافاً للمفاهيم العلمية والموضوعية, الشيوعية والشعوبية والشيعة كمترادفات تهدف إلى معنى واحد. في الوقت نفسه استخدم كمفهوم مجردة خالي من المضامين الاجتماعية والسياسية، وكسلاح يهدف، من منطلق طائفي وعنصري إلى محاربة اتجاهات فكرية وسياسية. إن منظري الشعوبية في الوقت الحاضر وبتجريدهم للمفهوم يعبرون عن فكرة " العدو الذي يبطن في داخله الخبث والذي تجده معادياً في كل مكان ويظهر من خارج الإخلاص وتحت هذا المصطلح القائم يمكن أن تدرج جميع الظواهر السياسية والاجتماعية والفكرية " فرهاد إبراهيم، مصدر سابق، ص. 277 .   استخدم هذا المفهوم على مر التاريخ بصورة متعددة ومبتذلة حسب الظرف والجهة المقصود محاربتها. لذا نراه يعنى، به الفرس مرة والشيعة في ثانية والشيوعية في ثالثة وعلى النزعة الوطنية العراقية في رابعة (أثناء حكومة الانقلاب الأول عام 1936 وبصورة أشد أثناء المرحلة القاسمية) وأخيراً ضد كل من لا يؤمن بفكر دعاته. واصبح أثناء الحرب العراقية– الإيرانية يعني (الصهيونية والخمينية) حسب تحديد المؤتمر الشعبي الإسلامي المنعقد في بغداد 1980.
 جمع هذا المفهوم عدة مفاهيم لا يجمعها جامع مشترك. إن مضمونه يعبر عن محتوى فارغ وأجوف وعن أزمة فكرية، وفي الوقت نفسه عن آمال ومخاوف. ويعكس نظرة ذاتوية أكثر مما هي موضوعية، ذات بعد عنصري، يتضح من قول أحدهم " إن من لم يعتقد بأن الجنس العربي هو الأفضل فهو شعوبي أثم ". هذه النظرة تعبر عن ظاهرة تعكس أزمة الفكر المتبني لهذا المصطلح، باعتباره رؤية تفسر من خلاله العلاقة مع العالم المحسوس وليس المجرد. وتتجلى عمق أزمته عندما يحول العلاقات الاجتماعية المعقدة والمتشابكة إلى مجرد صورة مبسطة بل وحتى ساذجة، تظهر بشكل عدو متآمر حاقد، لأنها تنطلق من الفكرة العقيمة وهي (العقلية التآمرية), التي تغوص في عمق التاريخ العربي وتستظهر حوادث تافه لتفسير سير التاريخ وصيرورة تجليه. رأى أحدهم في الخوارج والشيعة والقرامطة والشعوبية الفارسية أنهم أعداء للعرب, ولم ينظر إلى الصراع بين الدول المتجاورة ( بين إيران والعراق مثلا) هو تنافس طبيعي يحدث بين عالم البشر. العقلية المنادية بهذا المصطلح تتسم بكونها 1- سطحية في تفسير الأحداث؛2 - مبالغة وساذجة؛ 3 - الربط المغرض لمتناقضات لا تجتمع . راجع للمزيد حول هذه النظرات الضيقة:عبد الرزاق الحصان، المهدي والمهدوية- نظرة في تاريخ العرب السياسي، بغداد 1957 ؛ د. عبد العزيز الدوري، الجذور التاريخية للشعويية، بيروت1969؛ هادي الفكيكي، الشعوبية والقومية العربية، بيروت1969؛ صبحي محمد جميل، أضواء على الحركة الشعوبية ودورها التخريبي في الفكر العربي والإسلامي، بغداد 1988؛ خير الله طلفاح،  أعداء العرب التقليديون، بغداد 1981
[9]  حنا بطاطو، مصدر سابق، الجزء الثالث، ص.125
[10] اليعازر بعيري، ضباط الجيش في السياسة والمجتمع العربي، ترجمة بدر الرفاعي ،ص.171، دار سينا والمكتبة الثقافية، القاهرة-بيروت 1992، علما بأن الكتاب قد صدر باللغة الإنكليزية عام1966
[11] أوريل دان ، العراق في عهد قاسم ، مصدر سابق، الجزء الأول ص.34. ولم يوضح المؤلف من هي ( أدق المصادر وأوثقها) التي اعتمدها ؟ أميل إلى كونها غير موثوقة ولا دقيقية وتنطلق من موقف غير موضوعي من قاسم.
[12] د. مجيد خدوري ، العراق الجمهوري ، ص. 102، الدار المتحدة للنشر ، بيروت 1974
[13] حسن العلوي ، رؤية بعد العشرين ، مصدر سابق، ص. 10.
[14] مقابلة معه جرت في 20/3/2004 في داره بالصويرة.
[15] مقابلة مع رعد عبد الجبار جواد, في 8/4/2004 أبن أخت الزعيم قاسم في بغداد.
[16]  حسن العلوي , رؤية بعد العشرين , مصدر السابق . ص. 11
[17] هادي العلوي, حوار الحاضر والمستقبل, مجلة النهج, العدد 52(16), ص. 58, خريف 1988.
[18]  أحمد فوزي، عبد الكريم قاسم في ساعاته الأخيرة، ص. 16، ط.2 بغداد 1998وسنطلق عليه لاحقا الساعات. لكن لم يكن لعبد الكريم في تلك السنة تلك المكانة التي يستطيع فيها تغيير اسم والده.. إذ كان عمره 14 سنة فقط وإن تمت! فهذا يعني برضا الوالد, لأن القيم الاجتماعية, وخاصةً آنذاك, لا تسمح لصبي بهذا العمر من أن يفرض رأيه على والده.
[19] مجيد خدوري، العراق الجمهوري، مصدر سابق هامش رقم 25 ص. 130من الناحية اللغوية إن هذا الطرح غير سليم إذ أن أسم جاسم مشتق من الفعل جَسُمَ, جسامة، بمعنى عَظُمَ. كما أن أسم قاسم مشتق من الفعل قَسَمَ بمعنى جزءَ.
[20] حسن العلوي ، رؤية بعد العشرين، مصدر سابق، ص.13.
[21] راجع الملحق رقم واحد. وقد افاد مدير المدرسة السيد أسعد عبد المحسن عز الدين, إن السجلات قد نُظمت في مطلع الخمسينيات.. وأميل إلى حدوث بعض الآخطاء في عملية نقل المعلومات حيث يبدو أن الأخوين عبد الكريم وعبد اللطيف كانا في صفٍ واحد وهذا مخالف للواقع, إذ أن عبد اللطيف أكبر من قاسم بعدة سنوات. كما أنهما انتقلا عام 1926 إلى بغداد وليس عام 1924كما يتضح من الوثيقة. ورغم أن المدرسة تأسست عام 1918, إلا أن السجلات كانت مُنظمة منذ العام الدراسي 1923/1924
[22] اللقب مستقى من لقب أخيه الضابط علي (أفندي) محمد البكر, الذي كان مقيم في مدينة الصويرة بصفة ضابط تجنيد وأقام شبكة من العلاقات فيها أثمرت بعض المصالح الزراعية وعقارات ( قيل 5 بيوت), التي كانت وراء انتقال قاسم محمد البكر عام 1919 إليها.
[23]  رسالة خطية من الروائي العراقي المقيم حالياً في أمريكا محمود سعيد إلى المؤلف بتاريخ 30/05/1996.  
[24]  استفسرت, ضمن مقابلات عديدة جرت في نيسان 2004, من الاخوين طالب وعلي في ابو ظبي, عن شجرة العائلة وأكدا وجودها.. لكن لم اطلع عليها.. وأعتقد أن المهندس طالب يروم نشرها ضمن كتاب يعده بالاشتراك مع الاديب عبد العباس عبد الجاسم.
[25] الابناء من الزوجة الأولى ( نعيمةعلي محمد البكر) هم :عدنان, فردوس, ماجد, حسين, منى, طالب, عبد الله, علي, وأميرة. أما من الزوجة الثانية (ماجدة عبد الوهاب) فهم :بتول, هدى, ندى, شذى, أسيا, وفاء, سيما, زينب, محمد وحيدر. مقابلات متعددة جرت مع الاخوين عدنان والمهندس طالب حامد وكذلك المهندس طارق عبد الجبار وأخيه رعد في بغداد في الفترة شباط/ نيسان 2004. 
[26]  مستل من شامل عبد القادر، عبد الكريم قاسم – البداية والنهاية، ص.51، الدار الأهلية، عمان 2002، ط. 1.:
[27] من رسالة المهندس ماجد حامد قاسم للمؤلف بدون تاريخ.
[28] مقابلة جرت معه بتاريخ 24/3/2004 في بغداد
[29] مقابلات مع المهندس طالب حامد قاسم في ابو ظبي في 17و18/4/2004. وقد اشار طالب لنا أنه " عندما ذهب إلى مخمن التركات بعد وفاة والده علم 1986 وقدم أقراراً بملكيته رفضها المخمن في البدء وقال لطالب: البرنس حامد لديه هذه الاموال فقط وهو الآمير والمالك الثري؟ لم يثق بالاقرار وارسل الكتب الرسمية إلى كافة المؤسسات المعنية , يتحرى فيها عن ملكية حامد قاسم.. وبعد مضي ثلاثة أشهر أعتذر ذات المخمن لطالب على تعجله في اصدار الاحكام وتأسف لكون الاشاعات اكبر من الحقائق, إذ ثبت لديه ان كل الدوائر المعنية فندت المزاعم المشاعة عن(إمارة حامد).
[30]  حسن العلوي, رؤية بعد العشرين ص. 64 , مصدر سابق.
[31] أبنائها هم: صبحي, خولة زوجة العقيد المتقاعد هدبان علي الهدبان, طارق ضابط طيار, مؤيد لاعب كرة قدم معروف كان ضمن المنتخب العراقي, وأحلام المتزوجة من عبد علي المعمار.
[32] حدثني المهندس طالب حامد في ابو ظبي ,أن آمر القاعدة الجوية التي كان يخدم فيها عبد اللطيف, قد أمر بتخصيص سيارة تنقل عمه عوضاً عن تنقله بالدراجة الهوائية من وإلى مركز القاعدة.. لكن عبد اللطيف رفض رفضاً قاطعا ذلك الأمر, لآنه منذ عام 1948 كان يتنقل بالدراجة الهوائية.. وتخصيص سيارة له أمرُ منافي لقواعد الانضباط العسكري. هذه الواقعة أدخلته في نقاش جدي مع أخيه الزعيم قاسم وطلب منه إحالته على التقاعد لأن تخصيص سيارة له تمت ليس وفق السياقات العسكرية بل للمحاباة فقط لكونه أخ القائد العام القوات المسلحة..
[33] كان ضابطاً في الجيش العراقي ومن ذات دورة عبد الكريم قاسم، تدرج في مناصبه حتى بلغ رتبة زعيم (عميد) ركن. وكان أخر منصب تسنمه هو قائد الفرقة الرابعة. وبعد انقلاب 8 شباط 1963 اعتقل و أحيل على التقاعد. وهو الشقيق الأصغر للعقيد الطيار محمد علي جواد، خريج الكلية العسكرية العراقية، واصبح أول قائد للقوة الجوية العراقية. ومن الضباط الذين ساهموا في تأسيسها, وكان محبوباً من زملاءه , كما كان يمثل أحد مراكز القوى في المؤسسة العسكرية منذ منتصف الثلاثينيات، وكان ذو اتجاه وطني عراقي ينادي بأولوية عراقية العراق . ساهم في الانقلاب الأول وعمل مع بكر صدقي وأغتيل معه في مدينة الموصل في العاشر من آب 1937 على يد مجموعة نوري السعيد والسفارة البريطانية والضباط القوميين.. " كان والدهما ضابطاً في الجيش العثماني وهو جواد محمد جعفر المتزوج من زهراء محمد علي الطيار أبنة عمة عبد الكريم قاسم, وقد قاتل والدهم الأتراك ضد قوى للاحتلال البريطاني وسافر إلى تركيا بعد سقوط مدينة بغداد التي رجع إليها بعد تأسيس الدولة العراقية وأحال نفسه على التقاعد وعمل بعدها في املاكهم في منطقة أبو صيدا في محافظة ديالى ". مقابلة مع الاخوين رعد وطارق عبد الجبار في آذار 2004. وكان لعبد الجبار جواد اربعة ابناء هم حسب تسلسل العمر : رعد مدير ثانوية؛ سعد طبيب؛ مهى زوجة غسان الهدبان؛ والمهندس طلال.
[34] حسن العلوي, الشيعة والدولة القومية في العراق 1914-1990,ط.2, 1990ص. 211, دار النشر ومكانها بلا. ويشير العلوي أن الزعيم قاسم " كان يتابع تطور الوضع الصحي للمرجع الديني الأكبر السيد محسن الحكيم. فيهاتفه سائلاً عن صحته ويعوده في المستشفى, وإنما كان يعبر عن إلتزام صميم بمسؤوليته كزعيم سياسي وكحاكم وطني إزاء زعيم ديني بارز" ذات المصدر وذات الصفحة. وتشير بعض المصادر العائلية للزعيم قاسم إن التي زارت السيد الحكيم هي السيدة نعيمة علي محمد البكر ابنة عم الزعيم قاسم وزوجة حامد قاسم الأولى.
[35] بصدد مفردة (سفر برلك) التركية، يقول عالم الاجتماع علي الوردي أنها " تحولت على ألسنة العامة في بغداد إلى كلمة أخرى متناقضة في المعنى وهي: سفر علك، أي حرب الهرب "، لمحات، ج. 4 ص.85، مصدر سابق. 
[36] زودني بهذه المعلومات الأخوين رعد وطارق ابناء عبد الجبار جواد محمد جعفر الربيعي, وهما في نفس الوقت ابناء أخت عبد الكريم قاسم. مقابلات جرت معهما في بغداد في الفترة بين شباط ونيسان 2004. كما أكد هذه المعلومات أبناء حامد قاسم: عدنان والمهندس حامد والمهندس علي.
[37]  تحدث حامد قاسم في حوار له مع مراسل مجلة الهلال في شهر شباط 1963، عن ذلك بالقول :
[ - هل كان يعطف على والديه؟
-         نعم وكان يساعدهما بالمال، كان يعطي لأبي كل شهر ثمانية دنانير وكذلك أمي
-         وكم كان راتبه في ذلك الوقت؟
-         كان في رتبة عقيد في الجيش. ( يعني في مطلع الخمسينيات- ع.ن)
-         وهل كان والدك يحبه ؟
-         نعم وكذلك والدته.. لأنه كان الصغير بيننا. ]
[38] مستل من مجلة أصوات، العدد 13 ،ص.38، نيسان / أبريل ، 1993، باريس . ويشير شامل عبد القادر، مصدر سابق، ص. 45 إلى معلومة دون أن يحدد مصدرها تقول: " أن دخول عبد الكريم المدرسة كان ضد رغبات الأب". لا اميل إلى صحة هذه الرواية.. لأن كل اشقاءه سبق لهم وأن دخلوا المدارس وحتى شقيقتاه. ولم يوضح المؤلف ما هي مبررات هذه الرغبة لدى الأب؟ في الوقت كل الدلائل الحياتية تشسر إلى عكسها.
[39]  حسن العلوي، رؤية، مصدر سابق، ص. 14. في الوقت الذي نلاحظ أن القسام الشرعي لورثة عبد الكريم قاسم كان وفق المذهب الجعفري  بناءً على طلبهم.. وهذا هو نصه .
 
                                              القســـــــــــام الشــــــرعي
وزارة العدل
محكمة شرعية الكرادة                                                                   المتوفى عبد الكريم قاسم
العدد 458/ 1978                                                                      القاضي محمد حسن كشكول
التاريخ 5/6/1978
تسلسل القسام   434
  ثبت في البيان المقدم من مختار واختيارية محلة الكرادة الشرقية المؤرخ في 3/6/1978 وشهادة الشاهدين محمد علي عباس وعدنان حامد قاسم بأن عبد الكريم قاسم توفى بأجله الموعود بتاريخ 9/2/ 1963 وانحصر ارثه الشرعي بكل من أشقائه الكبار حامد وعبد اللطيف وشقيقاته الكبريات أمينة ونجية ثم توفى عبد اللطيف عن زوجته زهرة أحمد عباس وعن شقيقه حامد وشقيقاته أمينة ونجية ولا وراث سواهم.
وعليه فقد صحت المسألة الارثية بالفريضة باعتبار ثمانية وأربعون سهماً وفق المذهب الجعفري منها إلى زهرة أحمد عباس أربعة أسهم واثنان وعشرون سهماً إلى حامد وإلى كل واحدة من شقيقاته أمينة ونجية أحد عشر سهما. علما بأن الورثة قدموا التقرير الابتدائي إلى مديرية ضريبة الدخل ( التركات)كما جاء بكتابها المرقم 45/2/1978 والمؤرخ 29/5/1965 وفقا لأحكام قانون الأحوال الشخصية المعدل المرقم 188 لسنة 1959 بناءً على طلب الوارث حامد قاسم فقد أصدرنا  القسام في 5/6/1978
                                                                               محمد حسن كشكول
                                                                               محكمة شرعية الكرادة
المصدر : مستل من خيل إبراهيم حسين، الموسوعة، ج.6، هامش ص. 7-8، مصدر سابق .
[40] راجع حديث حامد قاسم ، لمجلة المصور العدد 1773 في 3/10/1958 ، مستل من جمال مصطفى مردان ، عبد الكريم قاسم – البداية و السقوط،  ص. 14 ، المكتبة الشرقية للطبع والنشر ، بغداد 1989
[41]  راجع  عدد المصور لشهر آب 1958
[42] لقد غرقت هذه المحلة، أسوةً بالمحلات الفقيرة في رصافة بغداد، نتيجة للفيضان الذي اجتاحها  يوم 29 من ذات شهر وسنة ولادة عبد الكريم، وقد احدث العديد من الأضرار ببيوت الفقراء في محلات بغداد مثل: الشيخ عمر، باب الشيخ، سراج الدين، أبو سيفين، الطاطران، الفضل والمعدان والدركزلية وغيرها.. للمزيد راجع د. علي الوردي، لمحات اجتماعية، مصدر سابق، الجزء الرابع، ص. 98- 99
[43]  أحمد فوزي ، الساعات ، مصدر سابق، ص. 15 . لم يكن عبد الكريم أصغر الابناء حسب ما أفاده رعد عبد الجبار, حيث أن والدته هي أصغر أبناء قاسم. علماً بان أحمد فوزي كان أثناء إعداد هذا التحقيق الصحفي يشغل منصب مسؤولية ومرافقة الوفود الصحفية الأجنبية بعد ثورة 14 تموز، ممثلا عن وزارة الإرشاد ( الإعلام حالياً). والنص أعلاه يختلف في بعض النواحي عن النص الذي كتبه ذات المؤلف في كتابه : غربٌ أم غروب ، ص.53-55، مصدر سابق. حيث كانت الشتيمة مقترنة بذاك النص عندما كتب "وأطلق بعدها – صراخ الوليد الجديد.. صراخ.. لم تعهده الآذان لطفل جديد.. كان صراخه.. أقرب إلى عواء الذئب.. منه إلى صراخ طفل وليد" وكان يصف المولدة ب [ العجوز الشمطاء ]. ومن النص ويبدو أنه كتبه في آذار 1959 .
[44]  أحمد فوزي ، الساعات الأخيرة، ص. 18 ، مصدر سابق. ويشير مصدر أخر إلى أن الصبي عبد الكريم" دفعه ذات يوم تصرف شاذ من صبي من أقرانه، دخل إلى محل أبيه وإلى التقاط آلة حادة لضرب الصبي الذي اعتدى عليه، ولولا تدخل والده في اللحظة المناسبة وأخذه الآلة من يد ابنه لكان عبد الكريم قد شج  رأس قرينه". شامل عبد القادر، مصدر سابق، ص.12. في الوقت ذاته روى لنا الحاج ابو جعفر من مدينة الصويرة :" إن عبد الكريم كان طفلاً كثير الصخب المقترن بالبراءة الصبيانية .. وكان يلهو في احدى المرات مع صحبه على شاطئ دجلة وقد عبثوا في ارض تابعة للسيد زهلول محمد ال طعمة.. لكن الذي دفع التعويض عن التلف الحاصل هو عائلة عبد الكريم, باعتباره رئيس هذه المجموعة من الصبيان ". مقابلة بتاريخ20/3/2004 نظمها السيد عائد الحسوني في الصويرة.
[45]  حسن العلوي، رؤية ، ص.12، مصدر سابق.
[46]  شامل عبد القادر عبد الكريم قاسم، مصدر سابق، ص.11
[47] أنديرا غاندي، حقيقتي ، ترجمة وفاء غازي ،ص. 61، دار الوحدة للطباعة والنشر بيروت 1986
[48] وانطلاقاً من هذا العامل، فإن أصدقاء ومعارف عبد الكريم ، سواءً في الطفولة أو الشباب، كان لبعضهم لاحقاً مكانته في الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية، وضمت شخصيات من خارج المؤسسة العسكرية منهم على سبيل المثال .. مصطفى علي القانوني والأديب وأحد رواد الفكر الاشتراكي ، و رشيد مطلك الشخصية الوطنية ورسول ثورة 14 تموز لقوى التيار الديمقراطي, و كمال عمر نظمي القانوني والعضو المتقدم في الحزب الشيوعي العراقي ، والدكتور جواد علي، والشيوعي البارز عامر عبد الله ، وعبد الفتاح إبراهيم أحد مؤسسي التيار اليبرالي الديمقراطي الناضج وشلة من الانتلجنسيا العسكرية ذوو الاراء التقدمية وغيرهم ممن ترك بصمات أثاره على الواقع العراقي ومن مختلف الاتجاهات السياسية .. هذه الشلة التي تميزت بالفكر المتفتح والرأي الحر المتناقض مع الفكر المنغلق ذو الميزة العصبوية والمقترن غالباً بالصرامة. . وهي ميزة أغلب العسكريين.. هذه الصحبة حدت لديه إلى حدٍ بعيد من غلوائية منظومة القيم العسكرية من صرامة وإنضباطية والطاعة وامتثال للأوامر’ وما ينجم عنها من سلوكية اجتماعية ونفسية وقيم ثقافية.
[49]  خلدون حسن النقيب / في البدء كان الصراع/ ص.230، مصدر سابق.
[50]  المصدر السابق ، ص. 231
[51]  راجع للمزيد حول هذا الموضوع  غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي ، بيروت 1987. كذلك د. فرهاد إبراهيم ، الطائفية السياسية في العالم العربي ، نموذج شيعة العراق، ص. 11، مصدر سابق.
[52] من الملاحظ أن عبد الكريم قاسم كان متأثراً بصورة كبيرة بالفيلسوف علي ابن ابي طالب.. إذ كان غالباً ما يردد اقوالاً من خطبه. قال مرة : " اننا نستمد الحكمة من أقوال الامام علي أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال. { الحلم عشيرة ولا ظهير كالمشورة} و{ من إستبد برأيه هلك} ومن { شاور الرجال شاركهم عقولهم}, وسوف لا ننسى العمل بقوله المأثور و{ ثمرة التفريط الندامة وثمرة الحزم السلامة} ومن { صارع الحق ملكه} ومن { أبدى صفحته للحق ملك...". من رسالته إلى الاحتفال بمولد الامام علي ابن ابي طالب في النجف الاشرف.
[53] أنظر عبد الكريم قاسم، جيشنا المظفر في ذكرى تأسيسه الحادية والأربعون، وزارة الإرشاد ، بغداد 1962، مستل من ليث الزبيدي ، ثورة 14 تموز في العراق، ط. الثانية، مكتبة اليقظة العربية، بغداد 1981. وكتب الصحفي فالح حسون الدراجي عن بدايات تأسيس مدينة الثورة( التي سميت مدينة صدام سابقاً ومن ثم مدينة الصدر حالياً) في أطراف بغداد قائلاً: [ فقد بدا تأريخها قبل التأسيس وتحديداً من تلك الأمسية التي اصطحب فيها الزعيم عبد الكريم قاسم شقيقته التي طلبت منه تخصيص دار سكنية لها إلى السدة الشرقية، حيث وقف شاخصاً بصره ليقول كلمته الشهيرة وهو يؤشر بيده على آلاف الصرائف: أترين هذه الصرائف، هؤلاء أحق منك في الحصول على دور سكنية تليق بهم.. وحين أنتهي من توفير السكن لهؤلاء سيكون لك الحق في أن تحصلي على دار سكنية مثلهم. وفي ذات الليلة جلس عبد الكريم قاسم مع وزير الأعمار والإسكان ، ليسهرا على كوب من الشاي وحول مائدة غطتها الخرائط، أما الصباح فقد أستيقظ الناس فيه على أصوات محركات الشفلات والمكائن وعلى حركة المهندسين والمساحين والعمال والجنود وهم يخططون ويعدون العدة لبناء مدينة يتوفر فيها الماء والكهرباء والصرف الصحي وكانت مدينة الثورة، المدينة التي شيد عبد الكريم فيها دوراً للفقراء وسكان صرائف  الشاكرية والعاصمة والمجزرة وكمب صليخ والكرادة. أبدأ المشروع بحلم ليصبح حقيقة " جريدة المؤتمر في 28/02/2003 العدد 339 لندن( التوكيد منا –ع.ن)
[54]  مستل من جرجيس فتح الله، العراق في عهد قاسم، ج.2، ص. 527، مصدر سابق.
[55]  أحمد فوزي ، الساعات الخيرة، ص.17 ، مصدر سابق.
[56] تبرع الزعيم قاسم بدارهم ليشيد عليها ثانوية الصويرة للبنات عام 1959 والمكتبة الملحقة لها وحديقتها الصغيرة عبر نفق ارضي. بعد ضم دار السيد عبد الوهاب حافظ الخزرجي التي استملكته منه الدولة مقابل عوض نادي سخي. وكانت أول ثانوية في المدينة وقد افتتحت عام 1962.. وسميت بثانوية عبد الكريم قاسم.. ابدلت بعدها إلى ثانوية صدام .. وبعد 9 نيسان 2003أعاد الناس عفويا اسم عبد الكريم ثانيةً عليها.
[57] توقفت الدراسة في مطلع العام الدراسي 1920-1921 في عموم العراق ، بسبب الانتفاضة العراقية ( ثورة العشرين) التي اندلعت في 30/06/1920، مما صعب على المعلمين من الالتحاق بمدارسهم، والسبب الأهم تخوف سلطات الاحتلال من مشاركة الطلبة في الانتفاضة. إذ كانت تتخوف من التجمعات الكثيفة، أياً كان شكلها ودافعها.
[58] مقابلتان مع السيد عبد المطلب سيد هاشم, مؤرخ الصويرة وكذلك مع المدير الحالي لمدرسة الصويرة الابتدائية اسعد عبد المحسن في 20/3/2004.
[59] السجل العام رقم 1 لمدرسة الصويرة الابتدائية محفوظ في ارشيف المدرسة.. ومقابلة مع مدير المدرسة بتاريخ 20/3/2004 في الصويرة. وقد وجدنا تضارب في تاريخ دخوله المدرسة وخرجه منها, حيث يختلف المدون في سجلات المدرسة مع ذلك المذكور في دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960, الذي يذكر أن عبد الكريم قاسم دخل "مدرسة الصويرة الرسمية في قضاء الصويرة سنة 1921واستمر فيها حتى الصف الرابع حيث انتقل إلى المدرسة المأمونية في الرصافة في بغداد وحازعلى شهادة الدراسة الابتدائية سنة 1927. وتعليل هذا الاختلاف يعود على الاكثر.. إن إدارة المدرسة بدأت تنظم السجلات منذ مطلع الخمسينيات.. والمدرسة لا تحتفظ الأن بملفات الطلبة. والصحيح كما تدل الكثير من المعطيات أنه انهى دراسته في الصويرة عام 1925. كما ان السجل لم يحتوي إلا على درجاته للصف الرابع دون بقية السنوات.
[60] مقابلة مع مؤرخ الصويرة السيدعبد المطلب سيد هاشم في 20/3/2004.اعتقد أن هذه الحكاية قد يكون لها شيءُ من الصحة .. لكن للخيال الشعبي دور في تضخيمها, حباً لهم للزعيم قاسم وعدم محبتهم لعبد الكريم فرحان الذي كان من الضباط الاحرار وعضو في الهيئة العليا.. وساهم كما يشير هو في مذكراته في العمل على الاطاحة بحكم عبد الكريم قاسم . راجع للمزيد كتابه "حصاد ثورة – مذكرات- نجربة السلطة في العراق, دار البراق 1994 لندن.
[61]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء1، هامش ص. 24، مصدر سابق .
[62] مقابلة جرت معه في بغداد بتاريخ 21/3/ 2004 حيث يعمل في محل سمير الصافي للادوات الاحتياطية.
[63] حول هذا الموضوع راجع للمزيد كتابنا: قراءة أولية في سيرة عبد الكريم قاسم،دار الحصاد ، دمشق 2003.
[64]  د. عدنان فاضل ، عبد الكريم قاسم والطائفية، جريدة المؤتمر ، العدد 162في آب/آغسطس 1996
[65] دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960, تأليف محمود فهمي درويش والدكتورين مصطفى جواد وأحمد سوسه/ مطبعة التمدن, بغداد 1961
[66]  عبد الكريم الجدة ، الزعيم المنقذ، ص. 5، مطبعة البرهان بغداد 1960.
[67]  طالب مشتاق / أوراق أيامي 1900- 1958، دار الطليعة بيروت ص. 568
[68]  مستل من أحمد فوزي، الساعات الأخيرة، ص. 20، مصدر سابق. لم يُشر المؤلف إلى مصدر هذه المعلومة ولا تاريخ نشرها. ويورد الجواهري الكبير ذات الاقتباس في مذكراته لكن دون كلمة ( قذر). لا ندري هل أن هذه الكلمة أقحمها أحمد فوزي الذي ألف العديد من الكتب ضد قاسم والتي تعج بالكثير من لافتراءات؟ أم حذفها الجواهري  لما لها من وقع يخدش الذوق قبل الروح؟ وبالمناسبة فإن أحمد فوزي لم يكن موضوعياً مع ذاته قبل أن يكون مع قاسم . فقد كتب في كتابه غربٌ أم غروب أن  قاسم كان "  مثار السخرية والاستهزاء نظراً لما كان عليه من منظر مقزز للنفس وقذارة في الملبس – عرف بها- حتى آخر أيامه في جلولاء… ولكن هذا الشاب الفاشل- الذي خرج للعالم دون أي رصيد جوهري في شخصيته " هذا الوصف وغيرها من الشتائم قد حذفها الكاتب في كتابه: الساعات الأخيرة، الصادر عام 1989, بعد أن تكشفت للملأ حقيقة قاسم وفشل أسس المشروع القوماني الذي حارب احمد فوزي وتياره سلطة تموز/ قاسم .
[69]  اعد الاديب مصطفى علي كثير من الدراسات النقدية عن شعر معروف الرصافي.
[70] حسن العلوي، رؤية بعد العشرين، ص. 13 مصدر سابق.
[71]  مستل من أحمد فوزي، الساعات الخيرة، ص.20، مصدر سابق.
[72] المصدر السابق ص. 20. علما بان رشيد مطلك اصبح في الخمسينيات رسول عبد الكريم قاسم إلى الأحزاب والقوى السياسية وخاصةً الوطني الديمقراطي والشيوعي العراقي. وقد تعين مديراً عاما لمصلحة المصايف والسياحة للفترة 1958- 1963.
[73] عبد الحميد الرشودي،  مصطفى علي، حياته وأدبه، ص.15 دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1987.ويشير المؤلف إلى أن مصطفى علي أنتسب إلى الكلية العسكرية العراقية، بإلحاح من صديقه محمد علي جواد، وبعد دوام فترة ستة أشهر، ترك الحياة العسكرية، لأنها لا تتناسب وإحساسه الأدبي. وقد استمرت علاقته  بمحمد علي جواد لحين اغتياله مع بكر صدقي في آب 1937وكان بمثابة (مستشار) له في القضايا السياسية، كما كان على علم بموعد الانقلاب الأول عام 1936وقد اسرَ له بذلك.. كما أنه شارك في اللجنة السرية التي أسسها قادة الانقلاب لأجل تحقيق رؤيتها لواقع العراق اللاحق. 246
[74]  مير بصري، أعلام السياسة في العراق الحديث ، ص 246 ، رياض الريس للكتب والنشر, لندن 1987
[75] المصدر السابق وذات الصفحة.
[76]  مستل من عامر حسن فياض، بواكير الفكر، مصدر سابق، ص. 76
[77]  مستل من د. علاء الظاهر ، الجوانب الإيجابية في عهد وشخصية الفريق الركن عبد الكريم قاسم، مجلة الموسم ، ص. 80 ، العدد 32 لسنة 1997.
[78]  حول هاتين المسالتين راجع لمزيد :فؤاد الوكيل، جماعة الأهالي، مصدر سابق؛ عامر حسن فياض، جذور الفكر الاشتراكي، مصدر سابق؛ حنا بطاطو، مصدر سابق، ساطع الحصري، مذكراتي في العراق، مصدر سابق؛ خيري العمري، حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث؛ عبد الرزاق الحسني, تاريخ الوزارات، الجزء 2, مصدر سابق.
[79] د. عبد الحسين شعبان,الجواهري.. جدل الشعر والحياة,ص. 189و191,دار الكنوز الادبية بيروت 1997.
[80]  حنا بطاطو، الجزء الثاني ، ص. 42، مصدر سابق. علماً أن السلطات الحكومية قد أغلقت النادي بعد مظاهرة 8 شباط 1928،  وقد سبق لجماعة الرحال أن أسسوا هذا النادي الذي لم يدم سوى سنتين, اغلق بعدها من قبل السلطات.
[81]  فؤاد الوكيل ، جماعة الأهالي، ص. 70، مصدر سابق. أثار هذين المرسومين المزيد من ردود الأفعال،في الوسط السياسي والطلابي  مما أجبر السلطة على إلغائهما.
[82]  مستل من مذكرات جاسم كاظم العزاوي ، ص.
[83]  أشار الزعيم قاسم  في إحدى خطبه ، أمام المؤتمر الأول للتربية والتعليم في 15/09/1960 إلى عمله في سلك التعليم بقوله: " ما زلت ذلك الفرد البسيط من زمرتكم، من زمرة التعليم، فقد سبق لي أن اشتغلت بمهنة التعليم مدة من الزمن، وخبرت بنفسي الصعوبات والمصاعب التي يعانيها ويلاقيها أخواني وأخواتي المعلمات". مستل من ليث الزبيدي ، ص. 325، مصدر سابق.
[84]  خليل إبراهيم حسين، الموسوعة، الجزء الأول ، ص. 24، ويكرر ذات المعلومة في الجزء السادس، ص. 8. 
[85]  الأرقام مستلة من شامل عبد القادر، مصدر سابق،ص. 18
[86] مقابلة معه بتاريخ 7/4/2004 في بغداد
[87]  اتجهت سلطة الاحتلال البريطاني ، منذ البدء إلى الإبقاء على مؤسسة القبيلة،وإعادة النفوذ المادي وليس المعنوي فحسب إلى شيخها، بالتماثل بما طبقوه في أفغانستان وذلك عن طريق إسناد حيازة الأرض إليه بالاسم الشخصي وليس العشيرة. هذه الترتيب قننته سلطة الاحتلال ومن ثم الانتداب بجملة من التشريعات منها : نظام دعاوى العشائر المدنية الجزائية 1918 وتعديلاته عام 1924، الذي استكمل بعدة قوانين منها: قانون تسوية حقوق الأراضي لعام 1932،وقانوني اللزمة وقانون العقر في ذات العام، وقانون حقوق وواجبات الزراع لعام 1933وغيرها من القوانين التي أدت في النهاية إلى تجريد المنتجين الفعلين من وسيلة إنتاجهم الوحيدة- الأرض..
[88]  مستل من أحمد فوزي ، الساعات الأخيرة، ص. 21 ، مصدر سابق،
[89] يحاول العميد المتقاعد خليل إبراهيم حسين، الإساءة للمعلم عبد الكريم قاسم, عندما ينسب إليه، دون تحديد المصدر، أنه كان شاذاً ويربي ثعلباً، حيث يقول:" ولقتل الفراغ في قرية الشامية، أخذ بعض المعلمين يربون الحمام والطيور، أما عبد الكريم فقد ربى ثعلباً وأخذ يعتني به كثيراً ", ليترك للقارئ أن يستنتج من كونه غريب الأطوار. الموسوعة، ج.1، هامش ص.27. وفي الحقيقة أن موضوع تربية الثعلب قد جاء بها وذكرها لأول مرة الضابط المتقاعد، محمد حسن الطريحي، في مذكراته المنشورة في مجلة الموسم العددان 14 و 15 سنة 1993، حيث يذكر فيها " أنه زار الملازم عبد الكريم قاسم أثناء معارك الحكومة العراقية مع العشائر في منتصف الثلاثينيات وسأله عن البلبل الذي كان يربيه. فأجاب قاسم بأنه يربي الآن ثعلباً (حصيني) ولما سأله الطريحي عن الثعلب قال قاسم أنه لم يره ، لكنه يأتي من المدخنة ويأكل الطعام الذي يتركه قاسم له ليلاً قرب المدخنة. وتسائل الطريحي عما إذا كانت الفئران هي التي تأكل الطعام، لكن قاسم كان يعتقد أن ثعلباً هو الذي يأكل الطعام. ورغم أن الزعيم نفسه لم يرَ الثعلب، يستنتج أعداءه أنه كان يربيه ويمضون ليستخلصوا من استنتاجهم الخاطئ هذا أن الزعيم شاذ في سلوكه وغريب في أطواره". د.علاء الدين الظاهر، الجوانب الإيجابية، ص. 81، مجلة الموسم، العدد 32 في 1997 ،مصدر سابق. يبقى أن نقول: إ ن عبد الكريم قاسم لم يكن ذلك الإنسان الكامل أو الكائن الذي هو من غير طبيعة البشر ..إنما هو إنسان سوي عادي له عواطفه وميوله الحسية، كغيره من الناس وله زلاته وأخطاءه.. سواء أكان يربي ثعلباً أو غيره.. فهو ليس ملاكاً أو قديساً، وفي الوقت نفسه ليس شاذاً أو غريب الأطوار كما يحلو للبعض اتهامه.
[90] مقابلة مع هديب الحاج حمود في 7/4/2004
[91] ليث الزبيدي، ثورة 14 تموز، مصدر سابق، ص. 324. في حين يشير مجيد خدوري في كتابه العراق الجمهوري ، دون ذكر المصدر، إلى فحوى مغاير لقول هديب الحج حمود المذكور أعلاه، عندما يذكر في ص. 103: " أن عبد الكريم قاسم لم يكن معلماً ناجحاً. إن نظرته إلى التلاميذ كانت نظرة القاسي المستبد. غير أن علاقته هو معه كانت ودية ". أني أشك في أمانة النص المنقول من قبل خدوري الذي لم يكن موضوعياً مع قاسم.. وقد نفى هذا القول بصورة مطلقة وقاطعة السيد هديب عند استفساري منه عن مدى امانة وصحة هذا القول.. بل استغرب من نشر مثل هذا الكلام غير الصحيح عن لسانه.. وهو الذي يكن كل الاحترام له. وقد أشار إلينا بأنه كان ومحمد حديد وصديق شنشل ذو حظوة معنوية لدى قاسم الذي يكن لنا كل الاحترام.
كما ويسفه القول أعلاه سلوكية قاسم نفسه وعمله سواءً في المدرسة, حيث حصل على كتاب شكر من مدير المعارف أو أثناء دراسته أو تدريسه في الكلية العسكرية. كما نفى ذلك العديد من زملاءه من الضباط الاحرار، بما فيهم من تأمر ضده مثل جاسم العزاوي وغيره الذين اجمعوا على انه لا توجد عند قاسم ولا في ملفاته ما يشير إلى جوانب خليقية سيئة. وعلى منوال هذا الردح كتب احمد فوزي في كتبه السابقة..منها  أن المعلم قاسم " وجد له أثناء فترة اشتغاله في الشامية رهطاً من عشراء السوء، فكان يقضي الوقت معهم في لعب البوكر .. كما كان يقضي معظم لياليه في معاقرة الخمر- مع هؤلاء الصحاب " ص. 60، غربٌ أم غروب مصدر سابق. 
[92]  جمال مصطفى مردان، مصدر سابق، ص. 15.
[93]  دليل الجمهورية العراقية, مصدر سابق.
[94] المصدر السابق.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في:الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لعراق مطلع القرن الماضي
- الضباط والسياسة في العراق الحديث :مدخل تاريخي
- عودٌ إلى البدء في أرأسيات التطور: 14 تموز: جدلية الفهم والمو ...
- البيئة الاجتماعية لبغداد ومحلاتها الشعبية
- من تاريخية الأنقلابية في العراق الحديث
- أفكار أولية: عن طبيعة ومهام المؤسسة العسكرية في عراق المستقب ...
- مدخل نظري: من ملامح المؤسسة العسكرية العراقية
- الإرهاصات الفكرية للمساواتية الحديثة في العراق الحديث
- دور الفـرد في التاريـخ - عبد الكريم قاسم نموذجاً


المزيد.....




- السعودية تستدعي سفيرها بألمانيا للتشاور
- فيتو روسي جديد ضد التمديد للجنة الكيميائي بسوريا
- شاهد...زلزال بقوة 6.3 درجة يضرب الصين
- داعش يخسر ميدانيا ويخرس إلكترونيا
- مصر تناقش مع البنك الدولي إطلاق نظام تعليمي جديد
- الحريري يغادر الرياض إلى باريس
- أول تعليق من واشنطن على استخدام موسكو -الفيتو- بشأن سوريا
- السعودية تقرر دعوة سفيرها في ألمانيا للتشاور
- روسيا تحبط محاولة تمديد تحقيق دولي بشأن الأسلحة الكيماوية في ...
- روسيا تستخدم -الفيتو- ضد مشروع قرار ياباني بشأن الأسلحة الكي ...


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - مــن ماهيــات سيرة عيد الكريم قاسم