أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد طولست - بلاد الدل تنهجر.















المزيد.....

بلاد الدل تنهجر.


حميد طولست

الحوار المتمدن-العدد: 3275 - 2011 / 2 / 12 - 01:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بلاد الذل تنهجر
هناك مقولة مغربية شهيرة تجزم بان "بلاد الذل تنهجر" أي تهجر وبكل الطرق والوسائل، للفرار من متاهات البطالة، وغياب فرض العمل، والانتظارات القاتلة الناتجة عن التنمية المعطوبة لجل البلدان العربية، التي أوصلت شبابها إلى حالات عالية من اليأس لدرجة ارتمائهم في قوارب الصغيرة المحملة بالأجساد الراغبة في الحريق إلى ضفاف الأمل، أو الموت في الماء المالح، أو بالنيران المحرقة للأجساد الطرية، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المزرية .لم يكن الموت بالنار موضة جديدة، لأنه كان معروفا مند القدم عند الكثير من دول آسيا، حيث اعتاد الصينيون واليابانيون والتايلنديون، إشعال النار في أجسادهم في الميادين والشوارع العامة، كما فعل ذلك تكاوي هيموري" عام 2001، حيث أضرام النار في نفسه من اجل دعم حقوق الشعب الفلسطيني بهذه الوسيلة الاحتجاجية المأساوية، الجنونية في فحواها، الحاقدة في رمادها، الرمزية في لهيبها الذي شب في جسد شاب تونسي مفرد معزول ومنه امتد إلى هشيم النظام التونسي، ومنهما إلى هشيم الكثير من الأنظمة العربية الأخرى التي لا تحترم إنسانية مواطنيها وتسومها الجوع والظلم والهوان.. والتي أصبحنا نسمع ونقرأ ونرى منها في الأيام الأخيرة، صوراً كثيرة لأشخاص من مصر والجزائر وموريطانيا والسعودية، يشعلون النار في أجسادهم، تيمنا بمحمد بوعزيزي الذي تحول إلى رمز وصاحب نظرية في إشعال الغضب ضد ظلم وتسلط الحكام..
إن ما أقدم عليه بوعزيزي قبل أسابيع دفاعا عن كرامته، وما فعله ويفعله، بعده الشباب المغاربي والعربي المعاني من البطالة والحرمان، ليدفع بالكثير من المتتبعين لمجرد الدهشة والاستغراب والاختلاف حول قضية إقدام الإنسان السوي على الارتماء في أحضان الموت، وخطورة ملاقاة ذاك المجهول الذي يفر منه الجميع، دون الاهتمام بالأسباب والدوافع العميقة التي تجبر المرء على التخلي عن الحياة التي ضنت عليه بأبسط الحقوق الحياتية، من كرامة، ولقمة، وحرية حضور وتعبير وتفكير.
أحيانا كثيرة تكون مناقشة الحقائق والوقائع بطريقة مختلفة للانطباع السائد لدي قطاع لا بأس به من الرأي العام،صعبة وقاسية للغاية، وخاصة في عالمنا العربي الذي اكتفى فيه الكثير باختزال "البوعزيزي" وكل من سار على دربه، في فئة المنتحرين الذين يتحملون-حسب النظرة السطحية لرجل الشارع- مسئولية الانتحار الأخلاقية والدينية التي لا جزاء لها غير جهنم خالدين فيها، دون أن تشفع لهم احتجاجاتهم الفردية بإحراق أجسادهم، التي تحولت إلي هبات شعبية جماهيرية واسعة، رصفت طريق الحرية لشعوبهم، وأدت، أو هي في الطريق، للإطاحة بقلاع الفساد والمفسدين، كما حدث في تونس مع الرئيس زين العابدبن بن علي، الذي لم يجرؤ أحد قط على زعزعته من على الكرسي الذي تربع فوقه ثلاثة وعشرين عاما، كلها ظلم وقهر وحرمان.
واختزل البعض الآخر فعل بوعزيزي، في أنه موقف تدميري إرهابي إفنائي، نابع من لحظة عدمية متعالية لظاهرة نفسية نفسانية مرضية، و أنه تأثير فيزيولوجي لعوامل جوية مناخية مرّ بها ومعه كل الذين أحرقوا أنفسهم،.. ولم يكن أبدا موقفا إبداعيا تغيريا يستحق التقدير والاحترام، ما هو إلا مجرد انتحار مرضى مجبرين غير مسئولين عما حدث، يستحقون الشفقة والتعاطف بل والإحساس بالذنب من جانبنا نحوهم.. كما علقت مؤسسة المتحدث الرسمي باسم الأزهر الشريف محمد رفاعة الطهطاوي على تعدد محاولات الانتحار حرقا في مصر والجزائر وموريتانيا: "الأزهر لا يمكن أن يعلق على حالات الأشخاص الذين يقومون بحرق أنفسهم باعتبار أنه ربما يكون هؤلاء في حالة من الاضطراب العقلي أو الضيق النفسي اضطرهم إلى فعل ذلك وهم في غير كامل قواهم العقلية"..
ورغم يقيننا بأن سياسة حرق الأنفس هي عمل ينضوي على كثير من المخالفات الشرعية والوطنية والإنسانية، وأنها أفعال مرفوضة شرعا وعقلا وأخلاقا، وتقع في حكم جرائم الانتحار المنهي عنها شرعا والتي لا يجوز ارتكابها تحت أي دافع ولأي سبب كان، لأنها طريقة موت فظيعة ومؤلمة جدا، لا يتمناها الإنسان السويّ حتى لألد أعدائه، ولأن الجسد أمانة ووديعة بين يدي الإنسان، وهو مسؤول على الحفاظ عليها ولا يحق له الإساءة له لأي سبب كان". لقول الله تعالى: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً "النساء29 ..
إنه من التجني، أن نسأل العاطلين والفقراء المسحوقين لماذا يفضلون فظاعة الموت احتراقا، على وطأة القهر والتعدي على الكرامة.. ومن الظلم كذلك التشكيك في نية وحقيقة وأسباب وقوف بوعزيزي والكثير من الشباب العربي، في وجه الظلم والقهر والإهانة الناتجين عن الحرمان من الحق، الذي أحسوا به، حتى أقدموا على الموت طوعا. ومن العار اعتبار ما قدموه من تضحية لأوطانهم لتحي حرة أبية، أفعال عدمية لا تعكس شجاعة، وليس إلا دليل جبن وفشل وانعدام رغبة شباب متخلف في الاستمرار في الحياة.
كان الأجدر بالمنتقدين، أن يتفهموا عمق الألم وحجم المعاناة وكمّ القهر والإهانة وضياع الحقوق، والتقلب بين أحضان الفقر والظلم-أكبر وأفظع الجرائم التي ندد بها القرآن الكريم وجميع الكتب السماوية، ونهى عنها لأنها السبب الرئيس لكل الأوضاع السيئة السوداء التي تتسع وتكبر كل يوم لتشمل غير المحظوظين- قبل أن يلوموا من يموت تشوقا لاحتضان الرغبة الإنسانية المشروعة في الحرية والكرامة والحياة..وعلى ثورتهم ضد ظروف القهر والفقر المفروضة عليه، كما يقول الشافعي رحمه الله: "لا تستشر من ليس في بيته دقيق لأنه مدلّه العقل"، أي ذاهب العقل .
فمن يتحمل مسؤولية ما وقع ويقع في عالمنا المتخلف في كل شيء، وعلى من سنلقي اللوم، هل على الشباب المحرق لجسده، أو على الذين يسيرون الأوطان حسب أهوائهم وإجراءاتهم المضحكة الاستغفالية التي لا تحل مشاكل ولا تخفف من أزمات، بقدر ما تزيد من ثقل الأعباء والهموم اليومية التي تدفع المواطن المنكوب إلى التظاهر وحرق الجسد فتعنفهم أجهزة القمع وتنكل بهم سلطات الظلم، وقد أفتى في حقهم العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بحرمة ضرب المتظاهرين، وقال: إنّ العنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية العربية ضد المتظاهرين وما ينتج عنه من إيذاءٍ بدني هو حرام شرعًا.مستشهدا، بقول الرسول الكريم "صلي الله عليه وسلم": "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا- وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ". وأوضح خلال خطبة الجمعة من الدوحة أنّ طاعة أفراد الأمن لقياداتهم وتنفيذ تعليماتهم بالتعرض للمتظاهرين بالإيذاء الذي يمكن أن يصل إلى القتل، كما حدث في تونس وغيرها، هو حرام أيضًا، مصداقًا لقول الرسول: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، ونصح أفراد الأمن بعدم تغليب طاعة مرءوسيهم على تنفيذ أوامر الله ورسوله بحفظ دم إخوانهم المتظاهرين، مثمنًا الانتفاضة الشعبية ضد حكم الطاغية في تونس.
حميد طولست Hamidost@hotmail.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,642,894
- جوع كلبك يتبعك
- ثقافة التقليد.
- على هامش تطبيق مدونة السير.
- غربة درب
- عابد الجابري واستفزاز الصغيرات.
- عشق حي قديم.
- وإذا بوعزبزي يوما أراد الحياة...
- صراعات الأديان
- الغضب
- لماذا يبكي الآباء عند تزويج بناتهم؟؟؟
- مشاهد حياتية مستفزة(الحلقة3)
- مشاهد حياتية مستفزة الحلقة 2
- مشاهد حياتية مستفزة, الحلقة الأولى,
- عيد العمال بنكهة جديدة
- اليوم العالمي للصحافة
- احتفالات عيد العمال
- على هامش المصادقة على مدونة السير الجديجة
- قصار القامة عظماء الهامة
- المعارض ليست سيئة كلها
- الاعتذار(1)


المزيد.....




- لماذا نحتاج للبطاطس المهروسة؟... دراسة تكشف أهميتها لجسم الإ ...
- ناسا تسعى لشراء مقعد على متن المركبة الروسية -سويوز-17-
- قوات أميركية تستريح على الطريق في أربيل
- كاري لام تزور أكبر مسجد في هونغ كونغ
- بارزاني: يجب ألا ننسى كفاح الجيش الأميركي لحماية المنطقة
- أركان الخليج ودول عالمية من الرياض: عازمون على ردع الاعتداءا ...
- شباب لبنان... الغضب فوق شفاه تبتسم
- نتانياهو يفشل في تشكيل الحكومة ويعيد التكليف إلى الرئيس الإس ...
- مواكب لمناصري حركة أمل على الدراجات النارية تشوّش على الاحتج ...
- طرابلس -عاصمة لبنان الثانية- غاضبة على الدولة وعاتبة على الح ...


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد طولست - بلاد الدل تنهجر.