أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - نظرية العرض المسرحي في المسرح العرائسي للطفل






















المزيد.....

نظرية العرض المسرحي في المسرح العرائسي للطفل



أحمد صقر
الحوار المتمدن-العدد: 3265 - 2011 / 2 / 2 - 20:16
المحور: الادب والفن
    


نظرية العرض المسرحي في المسرح العرائسي للطفل(تطبيقات):
الأستاذ الدكتور / أحمد صقر
قسم الدراسات المسرحية- كلية الآداب- جامعة الإسكندرية
----------------------------
تختلف أساليب التمثيل ومناهجه فى مسرح العرائس حتى إننا نستطيع أن نقسمها إلى قسمين:
1- تمثيل يعتمد على تحريك اللاعب لأكثر من دمية بالطرق المتعارف عليها كافة.
2- تمثيل يعتمد على تحريك العروس البشرية مرتدية للأقنعة أمام الجمهور بشكل مباشر لتؤدى دورها دون وسيط .
وعليه نستطيع أن نؤكد أن الدمى المستخدمة فى التمثيل قد تنقسم إلى عدة أقسام طبقاً لطبيعة الدمية ونوعها :-
1- الدمى المستخدمة بأحجامها الصغيرة وتظهر أعلى الستارة وأمام الستارة (مثل الدمى القفازية / ذات الخيوط / القره قوز ).
2- الدمى المستخدمة بأحجامها الصغيرة وتظهر صورتها على الشاشة الأمامية (خيال الظل).
3- الدمى المستخدمة بحجم العروسة الآدمى التى يرتديها الممثل البشرى ويقلد الدمية بمساعدة القناع.
4- الدمى المستخدة بحجم الحيوانات التى تتحرك أعلى الستارة أو أمامها بحجم أقل من حجمها الطبيعى المتعارف عليه.
5- الدمى التى يرتدى الممثل ملابس تقربه منها خاصة الحيوانات والطيور بالحجم الطبيعى للانسان.
ويترتب على ما سبق أن طرق التمثيل فى كافة أنواع مسرح العرائس تتفق فى بعضها وتختلف فى البعض الآخر فمنها ما يعتمد على الصوت والتعبيرات لإعطاء الدمية المتحركة أمام الجمهور القدرة على إقناعهم، هذا إلى جانب مدى تمتع هذه الدمية العروس ببعض السمات الجسدية وملامح الوجه غير المسطحة المعبرة ما يقرب العروس من روح الصغار والكبار على السواء ويجعلهم ينسون أنهم يشاهدون دمية مصنوعة من القماش أو الخشب أو غير ذلك، ويندمجون معها فيما تقدم وينسون أنها تتحرك بالأسلاك أو الأيدى بوساطة اللاعب، يعيشون ويندمجون معها فى العرض المقدم، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية فإن التمثيل العرائسى المقدم أمام الجمهور اعتماداً على دمى كبيرة بأحجام البشر غالباً ما تتمتع مثل هذه العرائس ببعض القدرات الإيجابية المرسومة على الأقنعة التى ترتديها على وجوها مما يجعلنا نتذكر الممثلين فى المسرح الإغريقى حين كانوا يقدمون أدوارهم اعتماداً على الأقنعة التى تحمل كل منها الملامح محددة للخير أو الشر للقوة أو الضعف، للرجل أو المرأة ، للشيخ أو الطفل وهكذا يحقق هذا النوع – الثانى من أنواع التمثيل فى المسرح العرائسى – وجوده على خشبة المسرح اعتمادا على قدرات الممثل سواء الطفل أو الكبير فى إقناع المشاهدين بوجوده دون أن ينشغل الطفل أو الكبير بكون الممثل يختفى وراء القناع ويصبح الاستمتاع بالعرض المقدم ومتابعته هو أساس المشاهدة .
أما عن النوع الثالث من أنواع التمثيل فى المسرح العرائسى فيتمثل فى التمثيل العرائسى للدمى التى تظهر صورتها على الشاشة، ذلك حين تصمم الدمى ويحركها المخايل من خلف الستارة اعتماداً على مصباح كهربى يعكس صورتها على الستارة فتبدو ظلال العرائس " السلوليت " دون أن تظهر وهنا يتابع الطفل أصوات الدمى وقدرتها على إقناعه دون أن تظهر أمامه ، وهنا يراعى فى المخايل قدرته على إعطاء الصوت المميز للدمية محدداً نوعيتها رجلا كان أم أمرأة مراعياً كافة التفاصيل الخاصة بالشخصية المقدمة مما يخلق حالة الصدق الفنى التى تقابل بالرضا والقناعة من قبل المشاهدين .
وتشارك الدمى (العرائس) على خشبة المسرح الممثل البشرى العرض، وقد تنفرد الدمى بالعمل، لكننا لابد وأن نعى جيداً أن الدمية على المسرح " ليست صورة أخرى من الإنسان، تقلده وتحاكيه، تماماً مثلما هى ليست لعبة للأطفال، بل هى هيكل يمثل وفق ما يراه الفنان تمثيلاً غير اعتيادى، لأنها لا يمكن أن تتحرك وتعبر بنفس الطريقة التى يتحرك ويعبر بها الممثل، كما أن الممثل لا يمكن أن يقلدها وهكذا تثار قضية ألا وهى اختلاف طرق التمثيل والأداء فى مسرح الدمى عن طريق الأداء والتمثيل فى المسرح البشرى، لأن الممثل البشر يحاكى ويقلد نماذج وأنماط وصورة موجودة فى الحياة، وعلى العكس من ذلك يصبح التمثيل فى مسرح الدمى معتمداً على الإمكانات التعبيرية التى تتسع لعالم العرائس واسع الآفاق غير المحدد بإمكانات الممثل البشرية الصوتية أو الإمكانات المحدودة للبشر التى تعجز فى بعض الأحيان الوسائل المكملة من مكياج وملابس وخدع وإضاءة فى تحقيق هذا العجز والنقص وسدهما عند التمثيل البشرى.
أما عن التمثيل فى المسرح العرائسى (مسرح الدمى) فإن الممثلين فيه ليسوا بشراً فهم " مخلوقات خيالية أبدعها خيال المؤلف، وصنعتها موهبة الفنان، وحركتها إرادة المخرج، فى إطار واسع من الحرية فى مجال الإبداع الفنى لا نظير له فى المسرح الآدمى، وهذا يتيح لمسرح الدمى أن يسبح فى عالم الخيال، مما يصعب تنفيذه على المسرح (البشرى) بالأشخاص العاديين فالممثل البشرى مهما وفق فى الانطلاق بخياله فى الأداء فإنه لن يصل إلى ما يمكن أن تحققه الدمية حين تنطلق فى عالم الخيال الذى يبتكره الفنان سواء المخايل (محرك الدمى) أو المخرج ، ففى هذا العالم تتراجع مساحة الواقع وتعلو مساحة الفانتازيا المعتمدة على الصورة البشرة أكثر من اعتمادها على الكلمة.
وعلى أية حال فإن التمثيل فى مسرح العرائس يحقق حالة من حالات الوهم التى تعود الإنسان أن يعيشها فى المسرح البشرى أى المسرح التقليدى حينما يقبل المشاهد أن يصدق أن الذى أمامه قصر وأن هذا الممثل هو الملك وأننا نعيش فى رحابه ، وسنستمتع بما حدث، وكما يحدث لنا فى المسرح البشرى فإنه من الطبعى أن يحدث عندما نشاهد مسرح العرائس أن ننبهر ونصدق بعد أن توهمنا حقيقة عالم العرائس حتى " تدب فعلاً الحياة فى تلك الدمى، بصرف النظر عن الخيوط التى تشغلها والتى يراها المشاهد أمام عينيه، وبصرف النظر عن الاعتقاد السالف لديه بأن ثمة لاعبين يشغلون هذه العرائس من فوق أو تحت ، أو يحركونها بالأسلاك أو العصى .
كل هذا يساعد الجمهور على تقبل العروسة والاعتقاد بأنها تعيش لحظات الفرح والحزن وأنها ليست هذه الدمية الساكنة، بل هى بملامحها الجسدية وتعبيرات الوجه المرسومة بعناية تحقق بمساعدة الإضاءة إمكانية تصديقها عند الجمهور وهو ما يجعلنا نوافق مختار السويفى حين يقول إن للممثل الآدمى فى " المسرح الآدمى شخصية خاصة به تختلف بطبيعة الحال عن الشخصـيات التى مثلها فى الروايات المسرحية، أما العروسة فهى " ملك " فقط أو " شيطان " فقط وليس لها حياة خاصة " .
لا يتقيد التمثيل فى مسرح الدمى بقيود المسرح البشرى وحدوده ولا بإمكاناته المتعارف بها ، بل يتخطى ذلك محققاً تفرداً وتميزاً جعله " لوناً فنياً له خصائصه المتميزة ويعتمد على النواحى البصرية أكثر مما يعتمد على الحوار اللفظى، وتزداد قوة هذا الفن واقترابه من خصائصه كلما زادت إمكانية مرئياته فى التعبير عن المضمون " وهذا يعنى أن الدمى تعتمد بشكل أساسى على البساطة والابتعاد عن التلوين والحركات المركبة المبالغ فيها أحياناً كما يحدث فى المسرح البشرى، فمنذ البداية يحدد مؤلف العرض المسرحى للدمية الدور المنوط بهذه الدمية أو تلك وهو ما يعتمد عند الاختيار على الإمكانات الظاهرة البادية فى ملامح الدمية، ثم يوفر لها من خلال المخايل (المؤدى والمحرك من وراء الستارة) إمكانات صوتية تكون قريبة ومكملة لتأثير هذه الشخصية العرائسية ودورها.
أما عن العلاقة بين الممثل والعروسة فيلاحظ أنها تختلف عن العلاقة بين الممثل البشرى والعروسة، ذلك أنه إذا اعتمد العرض المسرحى على البشر الذين يرتدون زى الدمى والعرائس ويضعون الأقنعة على وجوهم فإنهم هنا يصبحون قريبين جداً من مسرح الدمى الخالص لافتقاد الممثل المؤدى إمكاناته التعبيرية بالوجه بعد أن تحول إلى قناع، ويبقى من الأداء البشرى ما يتعلق بالصوت والإمكانات للممثل التى تختلف فى هذه الحالة عن إمكانات الممثل البشرى الذى لم يتقيد بالقناع وقدراته.
ومن ثم نستطيع القول : بأن العلاقة بينهما فى العرض المشترك لابد أن تراعى طبيعة العرض واحتياجات كل دور، دون أن يتحول الأمر إلى سجال ومنافسة حول أيهما يتفوق فى الأداء على الآخر ؟ لكن العلاقة المباشرة والحميمة بين اللاعب (المخايل – المؤدى) والعروس (الدمى) علاقة قديمة جداً يعتمد العرض فيها على إمكانات اللاعب فى تحريك الدمى وقدراته ليحقق الأثر المطلوب فى الجمهور المشاهد دون أن يظهر فى أثناء العرض ليحقق الجو الكامل للعرائس لكى تنفرد بالعرض.
وحقيقة الأمر أن اللاعب قد يظهر قبل العرض أو بعده ففى الحالة الأولى يقوم بدور مقدم العرض المسرحى ويعرف الجمهور بشخصياته المسرحية وموضوع المسرحية ثم يتراجع خلف الستار، وفى الختام يظهر ليتلقى التحية من الجمهور، وقد استمر هذا التقليد منذ نشأته – أى هذا الفن – قديماً وصولاً إلى منتصف القرن الماضى حيث حدث تطور فى إمكانات أدوات عرض مسرح العرائس وطريقته " فبدأ اللاعب فى الوجود والظهور بجانب عرائسه يحركها ويتحاور معها . وقد أخذ هذا الشكل الجديد أساليب ورؤى إخراجية عديدة بالإضافة إلى تأثره بنوعية العرائس وفئات الجمهور المتلقى " .
وهكذا تطورت العلاقة بين الممثل البشرى (اللاعب) وبين العرائس وأصبح هناك مساحة لظهوره فى بعض عروض مسرح الدمى وأصبح هناك مساحة لظهوره فى بعض عروض مسرح الدمى خاصة فى تلك التى تسمح تقنياتها الفنية بذلك فعلى سبيل المثال " يظهر اللاعب بجانب العروسة مستخدماً تعبيرات وجهه ليتحاور معها، ويجادلها ، ويلاحظها ويناقشها فى سلوكها ، ثم يواجه الطفل المشاهد ليؤكد هدفاً تربوياً يسعى إليه العرض " .
ويختلف الأمر نسبياً عندما يصبح العرض للشباب أو الكبار ، ذلك أننا إذا شاهدنا مسرحية " شطورة " التى عرضتها فرقة " تحت 18 " التابعة لقطاع الفنون الشعبية للأطفال 1993 ، حيث مزج العرض ما بين الحيوانات وبين البشر ، اعتماداً على الاقنعة والملابس المحققة لشخصيات الحيوانات، ساعية إلى محاولة خلق علاقة بين قيم الحيوانات وقيم البشر، ومثل هذه النوعية من العروض لا تعتمد على العرائس التقليدية لكنها تعتمد على التمثيل البشرى لتجسيد شخصيات حيوانات، أما إذا كان العرض عرائسياً فإن الممثل البشرى (اللاعب) قد يظهر مع العرائس ، خاصة الماريونيت (الفتل) مثلما حدث فى عرض مسرحية " دبدوب الكسلان " التى عرضت عام 1987 ، وهو ما يحقق متعة فنية فى ظهور العرائس جنباً إلى جنب مع الممثل البشرى دون أن يفقد العرض قدرته على تحقيق المتعة البصرية للمشاهدين خاصة الصغار.
ومما سبق نستطيع القول بإمكانية مشاركة الممثل البشرى والعرائسى فى عرض مسرحى واحد وهو رأى يؤكده الكثير من المتخصصين العاملين فى حقل مسرح العرائس العالمى شريطة أن يراعى الممثل البشرى أنه لاينفرد بالأداء ولكنه يشاركه مشاركة عادلة منصفة لا تؤثر على مكانة العروسة على خشبة المسرح، وأهميتها عند جمهور المشاهدين . على حين يرى البعض أنه لابد من التيقظ فى إدخال الممثل البشرى على العروسة، ذلك أن إدخالها عليه يزيده عمقاً وفكراً ، ولكن فى الحالة الأولى – أى إدخال الممثل البشرى على عروض العرائس – لابد من التيقظ والتأنى فيه.
إما عن التمثيل فى خيال الظل فإن تشغيل الدمى – العرائس – وتحريكها فى هذا المسرح يختلف عنه فى أنواع مسارح العرائس الأخرى ، ذلك أن المخايل بعد أن يتم تصميم الدمى بملامح شخصيات محددة يقوم بتحريكها وهى مثبتة على الشاشة – الستارة – عن طريق الأسياخ الحديدية – أو السيقان الخشبية – التى يتصل كل سيخ منها بأحد أجزاء جسد العروس، أو قد يثبت سيخين فقط – ساقين خشبيتين – أحدهما فى الكتفين والآخر فى اليدين، وهكذا يتحول التمثيل فى هذا النوع من مسارح العرائس إلى قدرات عالية من المخايل ومعاونيه حتى تبدو الدمية قريبة من الكائنات الحية ويساعد المخايل فى ذلك الملابس التى ترتديها الدمية ونوعية المؤثرات الموسيقية وكذا الخلفية التى تحدد طبيعة المشهد ونوعيته وفى أى الامكنة تدور الأحداث . وعليه نستطيع القول : إن المخايل ومساعديه هم نواة مثل هذا النوع من العروض، ذلك أنهم هم المصممون والمنفذون معاً مما يعطيهم دوراً يتمكنون به من تحقيق الإعجاب والانبهار عند الجمهور، فهم يحركون الشخوص ويؤدون حوارهم كما يشاركون فى الغناء طبقاً لطبعية العرض المقدم ويجسد المخايل ملامح الشخصيات المؤداه بعد أن ثبتت على الشاشة، أو تحركت خلفها عن طريق مصباح الإضاءة الذى كان من الزيت أو غير ذلك المهم أن ينعكس ظل الدمى على الشاشة فتظهر أمام الجمهور المشاهد بكل حركتها وقدراتها على الاقناع .
أما عن طبيعة المنهج التمثيلى عند القره قوز فيختلف من حيث التكنيك عن مسرح خيال الظل ، ذلك أنهما يتشابهان فى طبيعة المضمون والشخصيات، لكنهما يختلفان فى طريقة الاداء، إذ إن شخصيات الدمى فى مسرح القره قوز تظهر على الستارة وتشاهد فيما يشاهد الممثل المؤدى إلى النوعيات الأخرى من الدمى التى تظهر أمام الجمهور وتحرك بخيوط ، أو أسلاك ، أو سيقان خشبية، أو أسياخ من أعلى وجانبى وأسفل الستارة الفاصلة بين جمهور المشاهدين وبين الممثلين – أى الشخصيات العرائسية التى تشارك القره قوز العرض – وعادة كان يساعد المخايل أكثر من مساعد يستهلون العرض بمساعدة الفرقة الشعبية الموسيقية بالتمهيد للعرض والاستهلال إلى أن يجلس الناس، وكما يقول سعد الخادم – نقلاً عن حديث الباحث السكندرى عام 1910 فى دراسته عن الأراجوز فى نيجيريا – إن الحفل يبدأ " بغرس من ساق خشبية فى الأرض ، تتفرع عند نهايتها العليا إلى فرعين ويكون طول هذه الساق حوالى أربعة أقدام ويركع اللاعب أمامها بعد ان يخلع ثوبه أو معطفه الأسود ويسدله على الساق، ثم يختبئ فى الوقت نفسه فى الثوب المعلق الذى يشد كالخيمة بين نتوء الساق ورأس اللاعب ويستغل اللاعب فتحة عنق الثوب ليخرج منها الدمى أو يدخلها، ويستخدم فى تقديم الألاعيب صوتاً رفيعاً كزقزقة الطير " .
أما عن القرة قوز المصرى فهو لا يختلف كثيراً عن الأراجوز النيجيرى، حيث يعتمد المصرى على طقوس شعبية كانت تتم سواء فى مصر أم فى الجزائر ، أو تركيا أو غيرها من البلدان، أما عن طبيعة التمثيل فقد اعتمدت على شخصية الأراجوز الشهيرة – التى يذكرنا بها محمود شكوكو – التى ترتدى ملابس ابن البلد – أى الجلباب – والطربوش ويتمتع بخفة الظل واللسان الناقد الساخر لكل ما حوله من عيوب ، تميزت شخصية الأراجوز التى تتحرك أعلى الستارة بصوت مستعار " يصدره اللاعب بوساطة (زعافة ) معدنية تتألف من قطعتين معدنيتين بينهما لسان صغير، ويضعها اللاعب فى فمه حين الحديث بصوت الأراجوز تحمل دائماً عصا صغيرة تضرب بها دائماً الشخصيات التى تحاورها أو تعابثها فيثير هذا ضحك النظارة وهذه الشخصيات دائماً شخصيات كريهة، فهى إما شرطى غليظ الحس ، أو الحماة أو الزوجة المشاكسة أو الشريك المخادع " .
وعلى هذا يتأكد لنا أن اختلاف طبيعة التمثيل عند القره قوز عنها عند شخصيات خيال الظل أو أنواع الدمى الأخرى يعود إلى طريقة العرض وإلى كيفية ظهور الدمى الأراجوزية أعلى الستارة بطريقة شاهدناها فى الصغر حيث كان الأراجوز يقوم الأخطاء المحيطة به ويصححها معتمداً على كونه شخصية فضولية يتدخل فى كل شئ معتمداً على الشطارة والفهلوة يساعده فى ذلك أجواء الحكايات الشعبية ونوعية الشخصيات المشاركة امثال الحماة أو الشرطى .
أما عن مقومات الإخراج فى مسرح العرائس الاحترافى ، فتتجلى مهارة المخرج فى حسن توظيف العناصر البصرية والسمعية التى يتميز بها هذا العرض أو ذاك ، ذلك أن فنون الديكور والملابس والموسيقى والإضاءة تسهم بنصيب كبير فى ترجمة النص المسرحى وتحقق للمتلقين من الأطفال المتعة الفنية والفكرية، وتنجح فى تحقيق الغاية المنشودة من مشاهدة الأطفال للمسرح ، أقصد تحقيق المتعة الفنية وتنمية قدراتهم على التذوق وحسن الاستقبال هذا إلى جانب تنمية المتعة العقلية التى تتجلى فى حسن الاستفادة مما يرد فى هذه المسرحيات من أفكار تتعلق بمناهج سلوكية وحياتية كلها مجتمعة تساهم بدورها فى تحقيق الغاية من مشاهدة الأطفال للمسرح.
وتختلف تقنيات الإخراج فى مسرح العرائس الاحترافى عنها فى مسارح الأطفال الأخرى – سواء المدرسى – أم الآدمى الاحترافى – حيث أن العناصر السمعية والبصرية المستخدمة فى مسرح الدمى ذات الخيوط تختلف عنها فى مسرح العرائس اليدوية القفازية والاثنين يختلفان بطبيعة الحال عن مسرح الدمى المستخدمة فى خيال الظل .
وتظهر مقومات الإخراج وتتجلى تباعاً عندما ينجح المخرج فى البداية فى اختيار المسرح الذى سيقدم عليه العرض المسرحى المزمع تنفيذه، لأن إمكانات هذا المسرح تختلف بطبيعة الحال مثلاً عن مسرح آخر كمسرح دار الأوبرا مثلا ذلك ان صالة العرض بإمكاناتها ومقوماتها التقنية والفنية، وكذا الصالة وحجمها ومساحتها وشكلها مربعة أو مستطيلة أو شبه دائرية يؤثر كل ذلك سلباً أو ايجاباً فى طريقة وضع المقاعد للمشاهدين من الأطفال، فصغر أحجام المشاهدين من الأطفال ينعكس عليهم فى طريقة مشاهدة العرض مقارنة بأحجام الممثلين من الدمى وأطوالهم وإلى أى مدى يحرص الأطفال على مشاهدته ومتابعته كل ذلك يؤكد أهمية تحقيق علاقة إيجابية صحيحة بين الخشبة والمتلقى.
ففى المسارح اليونانية والرومانية والتى كانت على شكل نصف دائرة أو ثلاثة أرباع الدائرة مما يجعل الجمهور من المشاهدين يلتفون حول خشبة المسرح من جميع الجهات وهم يشاهدون من أعلى المدرجات كل ما يدور على خشبة المسرح، دون أن يعوقهم عائق وقد واصل التطور الحضارى تقدمه وصولاً إلى المسارح الإيطالية (مسرح العلبة) الذى يتعذر مع على طول الخط أن يتابع الأطفال الذين يجلسون فى المقاعد الجانبية ما يدور على خشبة المسرح. كل هذا يؤكد حقيقة هامة فى مسرح العرائس وهى ضرورة أن يراعى المخرج فى البداية تحقيق الالفة والتلاقى بين جمهور المشاهدين من الأطفال وبين المسرح، حيث إن اهتمام الأطفال ومتابعتهم للعرائس وحبهم لها، بل أكثر من ذلك تعلق بعضهم ببعض الدمى يجعلهم يسعون إلى اقتناء شبيه لها، وهو ما يؤكد صحة ما اقترحته السيدة تحية كامل حسين منذ عام 1960 من ضرورة وجود " مسرح مستديم يمكنك أن تقوم بجواره بعض المنشآت التى يرى المختصون فى مسارح الدمى أنها لازمة لاكتمال العملية الفنية وأولى هذه المنشآت حجرة فى مدخل المسرح تتصل بصالة العرض ويستطيع الجمهور أن يدخلها فى فترات الاستراحة أو قبل العرض وبعده ، وفى هذه الحجرة يقام معرض صغير لأنواع الدمى التى تستخدم فى هذه الدار ، بل قد يقام عرض تاريخى بنماذج لتطور المحاولات المبذولة لتحسين أنواع الدمى المستخدمة لتكون أكثر تعبيراً وقدرة على الإتيان بأنواع جديدة من الحركات والتعبيرات " .
إن توافر خشبة مسرح بإمكانات تتلاءم مع مسرح العرائس أمر غير متعذر فى ظل التطور الذى تشهده بعض البلدان العربية، هذا إذا ما توافرت الأمكنة – أى المسارح المجهزة بخشبات مسارح ومقاعد للمشاهدين من الأطفال أما أمر تشغيله فيظل قضية من الصعوبة بمكان أن تحسم فى ظل التطور التقنى والفنى الذى يشهده العالم فى مجال العروض المسرحية المعتمدة على الكمبيوتر وإمكانات الليزر فى المشاهدة والاستمتاع ، هذا إلى جانب إمكانية توفير خشبة مسرح متحركة مجهزة يمكن أن تتغير عليها الديكور فى ثوان معدودة وإذا ما توافرت هذه الإمكانات فتظل هناك مشكلة عدم توافر الفنيين العاملين فى مجال مسرح العرائس والسبب فى ذلك يعود إلى ضرورة أن يستخدم كل فنى إمكاناته ومهاراته الشخصية الفنية دون أن يتلقى مساعدة، كما هو قائم اليوم فى المسرح البشرى بإمكاناته التقنية العالية، وعليه فكثيراً ما يفضل العامل فى الحقل المسرحى خاصة من الفنيين الاستفادة من التكنولوجيا لضمان نجاح العرض أفضل من الاعتماد على مهاراته الشخصية ، أما عن طرق الإخراج فى مسرح العرائس فمنها مثلاً :
أ‌- مسرح الدمى ذات الخيوط (الماريونيت) (*):
شاع استخدام هذا النوع من الدمى ذات الخيوط (الماريونيت) فى كثير من البلدان العربية، فقد عرفته مصر وقدمت عروضاً عرائسية مثل الأوبريت الشهير " ألف ليلة وليلة " لصلاح جاهين الذى حقق للمشاهدين المتعة الكبيرة، لكن مسرح الدمى ذات الخيوط من النوع المكلف مادياً حيث إنه يحتاج إلى إنشاءات خاصة وأعمدة خشبية وحديدية ... كما أنه له إضاءاته الخاصة، وكذلك يتوفر عليه محركون يحصلون على فترة تدريبات طويلة. ويمكن إقامة المنشآت الخاصة بمسرح عرائس الخيوط على خشبة أى من المسارح العادية .. أو الأماكن المخصصة له فقط ولا يمكن تقديمه فى غير تلك الأمكنة والتى عادة ما تكون مغلقة.
وعليه فإننا نقول إن هذا النوع من مسارح الدمى يحتاج إلى تكلفة مادية عالية، نظراً لما يحتاجه العرض من مناخ وبيئة مسرحية خاصة به تتناسب مع طبيعة سينوجرافية لابد من أن تتوافر حتى لو تم إنشاء هذه الطبيعة السينوجرافية داخل المسارح التقليدية أو فى أى مكان يخصص لإقامة مثل هذه النوعية من العروض شريطة أن تحتوى خشبة المسرح على سطح عال يعلوها " يصعد إليه المحرك بوساطة درج متعدد الدرجات حتى يصل إلى السطح فيقف عليه ويدلى بدميته ذات الخيوط المتعددة المتصلة فى نهايتها بصليب وهو الذى بوساطته يتحكم المحرك فى حركات الدمية " .
وهكذا يتمكن اللاعب من الصعود أعلى هذا السطح العلوى هو من يساعده من اللاعبين ويحركون الدمى – بعد أن يدلوها إلى أسفل – اعتماداً على الخيوط التى يمسك كل منهم فى يديه بالصليب الذى يمكن اللاعب من تحريك الدمية كيفما شاء ، على أن هذه الطريقة تعد إحدى الطرق المستخدمة فى مسرح الدمى ذات الخيوط ومن الممكن أن نجد طرقاً أخرى قد تختلف فى جزئية مكان المخايل (اللاعب) وكذا الدمى لكنها جميعاً تنتمى إلى مسرح الدمى ذات الخيوط.
أما عن الديكور (المناظر) والملابس والملحقات المسرحية ، فإن طبيعة الديكور فى مسرح الدمى ذات الخيوط يتحدد اعتماداً على طريقة التعامل مع المناظر ، فالمناظر هنا " توضع على مسطحات خشبية لها أربع عجلات تمشى على قضيب خشبى يشبه قضبان السكة الحديد ... ومسطحات المناظر الخشبية هذه هى التى تشكل مكان تمثيل الدمية ... فهى بمثابة خشبة المسرح بالضبط ويمكن إدخالها وإخراجها من جهتى يمين أو يسار المسرح حيث تتصل هذه القضبان بعرض خشبة المسرح من الكواليس اليمنى إلى الكواليس اليسرى . ويتم إدخال هذه المناظر وإخراجها فى حالة تغير المشاهد بوساطة عمال محددين لهذا الغرض ... بينما يكون محركو العرائس فى الجزء الأعلى من المسرح .
إن المناظر المستخدمة فى مسرح الدمى ذات الخيوط لابد من أن تحقق نوعية الأجواء التى تدور فيها الأحداث وطبيعتها وهو ما يمكن الشخصيات (الدمى) من تحقيق الأثر المطلوب فى المشاهدين، لكنه لابد من أن يراعى مصمم المناظر أن تتسم هى أيضاً بالعمق مما يحقق للجمهور ما يسمى بالبعد الثالث أى Third Dimantion مع مراعاة ضرورة أن يبالغ مصمم الديكور فى تشييد مناظر تغطى لكبر حجمها وروعتها على وجود الدمية وتصرف جمهور الأطفال عن متابعة حركات الدمية وأدائها.
تكمل الملابس المسرحية الصورة الجميلة التى يبدو عليها المنظر المسرحى، فالأزياء (الملابس) عامل هام من عوامل الإبهار ذو فعالية وتأثير على الجمهور يحقق مع باقى العناصر النجاح للعرض المسرحى. كما لابد من أن يحرص مصمم الأزياء على استخدام ألوان متنوعة مبهرة تضمن اجتذاب أنظار جمهور الأطفال من خلال اختيار موديلات ملابس مصممة بعناية ودقة ، حيث إنه إذا " حدث عدم اتساق فى ملابس الدمية أو شذوذ فيها يفسد على المتفرج متعته ويطغى على بقية المؤثرات، وعلى العكس فاتساق الزى يجعل الدمية تبدو من خلال الإضاءة السفلية على خشبة المسرح رائعة وتحدث التأثير المطلوب " .
إن التجربة المسرحية تؤكد أن تناغم المناظر المسرحية مع الملابس من خلال أداء الشخصية المسرحية يحقق تكامل أبعاد التجربة ونجاحها هذا إذا وضعنا فى الاعتبار تحقق باقى العناصر الفنية الأخرى التى بها يكتمل العرض المسرحى.
إن حرص المخرج أو مدير خشبة المسرح – إن وجد – على توافر كافة الملحقات والمكملات المسرحية يجعل الشخصية تتحرك وهى واثقة أنها إذا احتاجت إلى العصا للضرب أو إلى أى من القطع الصغيرة- الاكسسوارات – فإنها سوف تجدها وهو ما يكمل أدائها ولا يشعرها بالحيرة عندما تهتم بالتحرك لإحضار هذه المكملة – أقصد مسدس – عصا .. ألخ، لأنه إن حدث ذلك فسوف يربك العروس وتفشل فى أداء دورها وإقناع المشاهدين.
أما عن الاضاءة ، فقد سبق أن ذكرنا أن دور الاضاءة وتأثيرها يتحقق عندما تتكامل باقى العناصر الموجودة على خشبة مسرح الدمى ذات الخيوط، ذلك أنه عند اكتمال المنظر المسرحى وارتداء الدمية ملابسها وتوافر الاكسسوارات التى تحتاجها فى أدائها، عندئذ يبرز دور الإضاءة فى إحداث الأثر المطلوب على المنظر أو الملابس وهم جميعاً يشكلون علاقة تأثير وتأثر لا يمكن الاعتماد على أحدهم دون الآخر.
تبرز أهمية الإضاءة عندما ينجح فنى الإضاءة فى مسرح الدمى ذات الخيوط فى إنارة أجزاء المسرح المراد إضاءتها وإظلام المساحة الأخرى التى لابد من ان تظل مظلمة لتحقق هدف هذه النوعية من المسارح، لكن فنى الإضاءة لابد من أن يراعى عند تسليط الأضواء على وجوه الدمى بشكل متصل أو أن يتحولوا عنها فيلف الظلام وجوهها. إن " الإضاءة القوية غير مستحبة فى مسارح الدمى، لأنها تؤثر تأثيراً مدمراً على الملابس والمناظر فتغير من ألوانها وتفقدها التأثير المطلوب منها . لذلك فلابد من توزيع الإضاءة توزيعاً من شأنه أن يبرز الألوان والمناظر ويحد التفاصيل التى يرى المخرج أنها يجب أن تسترعى انتباه المتفرجين " .
تخضع استخدامات الإضاءة فى مسرح العرائس عامة وفى مسرح العرائس ذات الخيوط خاصة إلى بعض القواعد والمعايير التى يجب أن تراعى، حتى تتجنب سلبياتها التى من المممكن أن تؤثر على العرض المسرحى من هذه المعايير والقواعد :-
1- أن توزع على المسرح من الجانبين الأيمن والأيسر ومن الوجهة الأمامية. ونادراً ما " تسلط الإضاءة من أعلى المسرح ... ذلك لكى نتحاشى سقوط ظلال المحركين على الدمى والمناظر " .
2- أما عن طبيعة الألوان فعادة ما تكون بيضاء عامة أو ملونة حسب ما يتطلب الموقف المسرحى ... فهناك بعض الأعمال فى هذا المسرح يتطلب إضاءة متغيرة ... والبعض إضاءة ثابتة ... وبعض الأعمال تحتاج إلى إضاءة فوق البنفسجية " .
3- يراعى بعض المخرجين الدارسين العالمين بتقنيات استخدام الإضاءة تجنب استخدام " الإضاءة التحتية، فهى غير مستحبة ، لأنها تخفى على النظارة الأجزاء السفلى من الدمى وخاصة رواد المقاعد الأولى" .
ويلاحظ أن قواعد الإضاءة ومعاييرها فى مسرح الدمى عامة تقترب كثيراً من قواعد الإضاءة فى المسرح البشرى فمثلاً تعتمد الإضاءة وتغيير ألوانها على تغيير رقائق الجيلاتين طبقاً للون المراد استخدامه لإحداث تأثير ما وتوضع البروجيكتورات إما على مقدمة خشبة المسرح أو على الجانبين ويتم تغير اللون والتحكم فيه بعد ذلك عن طريق غرفة التحكم الموجودة فى أعلى نهاية صالة المشاهدين.
وإذا كنا نؤكد على أهمية المكياج كثيراً فى تحقيق الكثير مما تحتاجه الشخصية المسرحية لأداء هذا الدور فإننا هنا نؤكد أيضاً على أهمية الألوان فى مسرح الدمى بشكل عام والدمى ذات الخيوط بشكل خاص فبعد أن تصنع الدمى تصبح جميعاً ملامحها واحدة تقريباً ، ثم يلى ذلك استخدام الدهان لتلوين الدمية وإخفاء الكثير من عيوب التصنيع البارزة والواضحة للعين، وبعد أن تأخذ الدمية الألوان التى أرادها لها المخرج ومصمم الملابس ومصمم المناظر تكتمل ملامحها وتأخذ شكلها الحقيقى الذى ستمثل به ويعبر عن الشخصية المراد تجسيد أبعادها.
يرى بعض النقاد أن المبالغة فى استخدام الألوان خاصة اللون الأحمر لتلوين الوجنتين، واللون الأسود الكثيف لتلوين الحواجب والرموش وإبراز تجاعيد الوجه بصورة مبالغ فيها وعمل الخطوط الداكنة التى تحدد التجاعيد تتحقق وتتضح بعد أن تتحدد نوعية الإضاءة المستخدمة والاثنين معاً يحققان للدمية التأثير المطلوب طبقاً لمواصفات الدور على خشبة المسرح.
أما عن الموسيقى فى مسرح الدمى بشكل عام ومسرح الدمى ذات الخيوط بشكل خاص فهى تتشابه كثيراً مع طريقة العرض لبعض الأغانى الاوركسترالية المسجلة بشكل مسبق ويتدرب عليها الممثلون كثيراً وتصبح هذ الموسيقى فى أثناء العرض Play back وفقط يحرك الممثلون الشفاه . أعنى بذلك الدمى الصامته تتحرك وفقاً لقدرات المحركين لها وثبت فيها الحياة بشكل يتحدد وفقاً لطبيعة الدور الذى تؤديه كل شخصية، وفى كثير من الأحيان يلجأ المخرج إلى شريط يسجل جميع أصوات الشخصيات طبقاً لطبيعة الموقف ويتبقى بعد ذلك كيفية إحداث التوافق والتناغم بين حركة الدمية، وبين الصوت المسجل المعبر عنها.
لاشك أن هذا الأمر يحتاج إلى تدريبات متواصلة بين المحركين وبين الأصوات المسجلة حتى ينجحوا فى إتمام الأداء الكامل للشخصية هذا من ناحية.
من ناحية ثانية فإن الموسيقى والمؤثرات الموسيقية فى عرض مسرح الدمى يفضل تسجيله أيضاً ليصبح لدينا شريطان يسعى المخرج بعد ذلك ومعه الفنى المتخصص فى نقلهما على شريط واحد يجمع بين الأداء الموسيقى وهو ما يتدرب عليه فريق التمثيل سواء بتحريك الدمى أو المنفذين لشريط الكاسيت عند بدء العرض المسرحى.
ومن طرق الاخراج الأخرى مسرح الدمى القفازية ويعد هذا المسرح من أفضل أنواع مسرح الدمى وأسلهلها وأبسطها فى التقديم، إذ لا يحتاج الإنسان إلى أكثر من عدد من الدمى التى تلبس فى اليد مثل الجوانتى " القفاز " وبعدها تبدأ حركات الدمية عن طريق أصابع المؤدى فتظهر حركاتها طبقاً لمهارات المحرك لها .
وعليه ونظراً لبساطة هذا النوع وإمكانية تقديمه فى أى مكان فقد كان من أشهر الأنواع التى تقدم فى المدارس فى المناسبات المختلفة أو حتى داخل قاعة الدرس فى دروس التربية الفنية، إذ يمكن أن تصنع من الورق وتلون ويتدرب التلاميذ على تحريكها.
إن المتتبع لهذه النوعية من الدمى يدرك أنه من الممكن أن تستخدم عند صغار الأطفال سواء فى المدارس أو المنازل أو الأندية أو ما شابه ذلك دون الحاجة إلى تعقيدات فنية أو وسائل تقنية مساعدة أكثر من الستارة التى من الممكن أن يتخفى ورائها اللاعب وتظهر الدمية أعلى الستارة وتتحرك وتؤدى اعتماداً على قدرات الممثل المؤدى وهو ما يؤد أن هذا النوع من المسارح سواء كان عند صغار الأطفال أو عند أطفال المراحل المتوسطة أو الثانوية، يعتمد بشكل أساسى على الممثل المؤدى الذى به يتحقق نجاح العمل وقد حددت تحية كامل عاملين هامين فى نجاح هذا الفن:-
أ‌- إن اللاعب الفنان يعبر تعبيراً يكاد يكون مباشراً عن إحساسه وانفعالاته وأفكاره وينقلها إلى المتفرجين بأسلوبه ويسيطر عليهم من خلال حركات يديه وهذه وسيلة مشبعة لكثير من الميول الفنية والاتجاهات النفسية قد لا تتحقق بمثل هذه القوة فى أى مجال آخر .
ب‌- ارتباط المتفرجين الشديد بجو الدمى ، وتقبلهم الشديد للإيحاء، لأنهم يعيشون مع الدمية ويكلمونها ويكفى أن تظهر لهم قطعة من الخشب فيرونها سيفاً إذا كان الموقف يتطلب سيفاً ، ولأنهم يندمجون اندماجاً تاماً ... وهذا سر قوة مسرح الدمى اليدوية وسر بقائه طوال هذه القرون مع التقدم الشديد الذى أحرزته المسارح الإنسانية خلال الحضارات المختلفة .
وعلى هذا يتأكد لنا أن مسرح الدمى القفازية يختلف اختلافاً كلياً عن مسرح الدمى ذات الخيوط ، والسبب فى ذلك أن النوع الثانى لا يمكن أن يتحقق اعتماداً على شريط كاسيت تسجيل عليه أصوات الشخصيات المؤدية اللهم إلا الموسيقى التصويرية والتى من الممكن أن تسجل أو المؤثرات الموسيقية، ذلك أن الممثل فى هذا المسرح – أقصد الدمى القفازية – يعتمد على الأحاسيس والانفعالات المنبعثة وقت أدائه لهذه الشخصية أو تلك مما يحتاج إلى أداء فورى غير مسجل، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى فإن حالة الاندماج والتلاقى بين الجمهور – جمهور الأطفال – والدمى قد يحتاج فى بعض الأحيان أن ترد الدمى على هذا الطفل أو ذاك مما يتعذر معه أن نسجل الأصوات على شريط كاسيت.
أما عن الديكور (المناظر) والملابس والملحقات المسرحية فى هذا المسرح فيمكن القول بأن الديكور المستخدم فى هذ النوعية من العروض العرائسية بسيط بما تحتاجه عروض المسرح البشرى من ديكورات ومناظر ، يعجز مسرح الدمى عن استيعابها والتعامل معها نظراً لصغر مساحة مسرح الدمى ومحدودية تجهيز خشبته مقارنة بالمسرح البشرى.
وسبق أن ذكرنا أن تقديم عروض مسرح الدمى القفازية من الممكن أن تتم داخل الفصل الدراسى أو فى قاعة مسرح محترف ولكن بعد إعادة صياغة خشبة المسرح لتلاءم احتياجات هذه النوعية من المسارح ، ففى البداية تتقدم المناظر المسرحية إلى الأمام قليلاً فى هذا المسرح متغاضية عن عمق المسرح وتركب المناظر عادة " على حوامل خشبية أو حديدية حسب الامكانات المتاحة . وبارتفاعات مناسبة ، لتظهر واضحة من وراء الحاجز الأمامى للمسرح ... ويمكن للمناظر فى مسرح عرائس القفاز ، وهى موضوعة على هذه الحوامل،أن تتحرك من اليمين إلى اليسار وبالعكس.. أو من أعلى وأسفل وبالعكس أيضاً".
ومما يلاحظ أن المناظر ستتحرك أمام جمهور المشاهدين محققة تأثير المناظر المسرحية فى المسرح التقليدى، لكن التمثيل فى المسرح التقليدى يعتمد على تحرك الممثلين أمام هذه المناظر بطريقة طبيعية أما فى مسرح الدمى القفازية ، فالمناظر تتحرك دون أن تتحرك الدمى مما يوحى بأن الدمى تمشى وتتحرك.
أما عن الملابس فى مسرح الدمى القفازية فهى بسيطة بساطة الشخصيات المستخدمة فى العرض ، فمثلاً إذا أراد اللاعب أن يقدم عدة شخصيات مستمدة من واقع الحياة – مثلاً ابن البلد والفلاحة والعمدة والشرطى – فهو يحتاج إلى ملابس توضح ملامح كل شخصية من هذه الشخصيات وتؤكد تفردها فهذا الفلاح ابن البلد يرتدى الجلباب وإن تشابه مع العمدة لكن الأخير يرتدى جلباباً من نوع غال يختلف عن جلباب الفلاح البسيط وكذا من شخصية الفلاحة أو الشرطى . والفيصل فى كل ما سبق ضرورة أن تتمتع هذه الملابس بانسيابها واتساعها حيث تصبح فضفاضة مناسبة لأن يدخل اللاعب الدمية على شكل جوانتى ويتمكن من تحريك أجزائها دون أن تعوقه الملابس.
فمثلاً إذا أردت أن تحرك الفلاحة أو أى من هذ الشخصيات فما عليك إلا أن " تدخل إلى العنق ليتاح لك أن تضع إبهامك فى يد الفستان الواحدة وخنصرك فى يده الأخرى وتخرج سبابتك من عنقه لتدخل فى رقبة رأس الدمية " .
تتحقق الملحقات المسرحية – الاكسسوار – طبقاً لاحتياجات العرض فمثلاً إذا عرضنا مسرحية للدمى القفازية داخل أحد الفصول الدراسية واحتجنا إلى أقلام وكراسات وكتب أو شنطة مدرسية أو عصا للمدرس أو نظارة فهذه كلها تعد مكملات لا استغناء عنها لكى يتمكن اللاعب من التقاطها عندما تحتاج الدمية إليها لتجسيد ملامح شخصيتها، وهى تختلف بطبيعة الحال طبقاً لمكان العرض ونوعيته . لذلك " ينبغى دراسة التمثيلية وتحليلها أولاً للتعرف بمشاهدها ومتطلباتها لتحضير الديكورات المناسبة ولوزامها فقد تكون بحاجة إلى كرسى أو طاولة أو مقعد أو سرير أو عربة وغير ذلك مما يستدعى تحضيرها مسبقاً .... مع الاحتفاظ بنسبة الحجم إلى الدمية وكلها مكملات أو كما تسمى ملحقات يحتاجها اللاعب ومساعدوه عند تقديم العرض الذى يراعى فيه كذلك ضرورة الإقلال من عدد المناظر المستخدمة فى العرض بحيث لا تتجاوز ثلاثة او أربعة .
أما عن الإضاءة ، فنظرا لبساطة عرض مسرح الدمى القفازية وقدرته على أن يتم فى أى مكان وزمان فقد منح جماهيرية كبيرة سواء فى المدارس أو الساحات الشعبية أو المقاهى – كما كان سائداً فى مصر فى فترة الستينيات وبدايات السبعينيات – وعليه فإنه إذا تم العرض فى وضح النهار فلسنا بحاجة إلى استخدام اضاءة ، أما إذا تم وقت الليل فإن الحاجة إلى استخدام الاضاءة تصبح ملحة وتتعدد وسائل الاضاءة وطرقها فى مسرح الدمى القفازية طبقاً لخيرات المخرج وما يتطلبه العرض، فبعض المخرجين يلجأون إلى استخدام الاضاءة الغازية العادية شريطة أن تتحقق إنارة المسرح، على حين يرى لبعض آخر أن أفضل أنواع الإضاءة المستخدمة هى الشبيهة بالإضاءة المستخدمة فى المسرح البشرى، أى التى تأتى من " أعلى ومن الجانبين، لكن يندر استخدام الاضاءة الموجهة من الأسفل فى مقدمة المسرح ولكن يفضل استخدام مثل هذه الإضاءة فى الخلفية وتوجه عادة إلى البانوراما الخلفية " .
وقد يرجع السبب فى رفض الإضاءة الموجهة من أسفل مقدمة خشبة المسرح إلى الدمى إلى أنها تسبب انعكاس ظلال العرائس على الخلفية مما يعوق الدمى ويفسد عليها تحقيق جماليات المنظر المسرحى المتكامل ، وخير نوع من أنواع الإضاءة لهذا المسرح " هو الإضاءة القريبة من الإضاءة السفلية، لأنها تضئ المسرح إضاءة تامة مع إبقاء النظارة فى ظلام كامل، ويعاون هذه الإضاءة مصباحان أو أكثر من المصابيح العادية ويراعى أن يوضع أحدهما أعلى المسرح على حين يرى البعض أن إنارة المسرح بشكل كامل طوال العرض مع الاعتماد على لحظات الإظلام التدريجى والاستعانة بالبروجيكتور المتحرك يسهم أيضاً فى تركيز بؤرة الإضاءة على الدمية فى أثناء حدث مسرحى ما ، والأمر فى النهاية يعود إلى طبيعة كل عرض وإلى الإمكانات المتوفرة له وأخيراً إلى خبرات المخرجين.
أما عن المكياج فى هذا المسرح فيراعى فيه أن يعبر عن شخصيات كاريكاتورية مبالغ فى ملامحها ، لا تقترب درجات لونها من الألوان الطبيعية للشخصيات العرائسية الأخرى، فهى لا تقدم فلاحاً بعينه أو عمدة بعينه بل هى تقدم أنماطاً لشخصيات موجودة بيننا فى المجتمع، لذا لا ينبغى ألا تقدم محددة، بل يغلب عليها العمومية الكاريكاتورية فى الملامح.
ويحظى الصوت فى مسرح الدمى القفازية بأهمية كبيرة لدرجة تجعل المخرج يحرص حرصاً شديداً على تدريب فريق اللاعبين ومعهم اللاعب الأول " المؤدى – يسمى أحياناً الراوى – على أداء العديد من الأصوات التى تجعل لكل شخصية عرائسية نبرة صوتها المميزة وإلا اختلطت الأصوات وتداخلت وعجز المتفرجون عن التمييز بين هذه الشخصية وتلك . وقد استعان اللاعبون فى مسرح الدمى القفازية قديماً ببعض المهارات والإمكانات التقنية المتعلقة بالصوت واعتمدوا على مهارات بدائية تتمثل فى إتقان المؤدى للعديد من الأصوات وتغيير طبقات الصوت اعتماداً على بعض الحيل " كأن يمسك اللاعب بمنخاره فيصدر الصوت مضغوطاً قليلاً على تفاحة آدم فيبح الصوت أو يضع منديلاً على الفم فيصدر الصوت وكأنه آت من بعيد " .
وقد استمرت هذه التقاليد المتعارف بها وحققت نجاحات كبيرة وقدراً كبيراً من التلاقى والتجاوب بين المشاهدين واللاعب المحرك للدمى نظراً لأنهم يشاركون معاً فى مسرحية لدمى متحركة تقدم حية أمامهم، تزداد أحاسيسهم وانفعالاتهم أو تتراجع طبقاً لطبيعة الأجواء السائدة للعرض.
وقد تطورت وسائل الصوت فى مسرح الدمى القفازية بعد أن تطورت تقنيات المسرح ولجأ العاملون إلى " تسجيل الحوار على شريط مع جميع مؤثراته وموسيقاه ويدار الشريط ولا يبقى على اللاعب إلا أن يحرك دميته بالنسبة للكلام وللمواقف ويجرى فى مثل هذه الحالات أن يكتب الحوار مجالات لرد الجمهور وبإمكان الكاتب البارع أن يهيئ جمهوره لمثل هذه الإجابات ثم يجعل الدمية تتكلم ما تريد " .
إن الاعتماد على هذا التكنيك للصوت المسجل سلفاً بالنسبة للحوار أو المؤثرات الموسيقية أمر قد يفشل فى بعض الأحيان خاصة إذا تعرض المسرح لانقطاع التيار الكهربى، بل أكثر من ذلك إذا تبادل الجمهور مع الدمى الحوار فغالباً ما يأتى الجمهور حاملاً عبارات قد لا يشمل عليها نص المسرحية، لذا تعجز الدمى عن الرد طبقاً للشريط المسجل وعليها – أى الدمى – أن تتدخل لإنقاذ الموقف.
أما إذا تعرفنا بطبيعة عرض الدمى القفازية فى المدارس والبيوت فإنه من الأفضل الاعتماد على الحوار الحى الذى يتم بين الدمى وصغار التلاميذ والأطفال عامة فى المنازل، نظراً للعفوية والتلقائية التى تغلب على اسئلتهم والتى يعجز الشريط المسجل على التجارب معها لذا من الأفضل الاعتماد على العرض الحى للدمى القفازية نظراً لقدرته على تحقيق غايته فى الإمتاع والتوجيه والتعليم.
يختلف حديثنا عن الدمى فى خيال الظل باعتباره نوعاً من أنواع العرائس التى استخدمت من قبل مسرح الدمى القفازية أو الماريونيت، ويرجع الاختلاف إلى الطريقة التى تستخدم بها الدمى وطريقة عرضها، ذلك أن الدمى فى خيال الظل لا تظهر أمام الستارة أو أعلاها ولكنها تظهر خلفها وقد انعكست صورتها على الستارة التى يشاهدها الجمهور بعد أن سلـط عليها اللاعبون مصـدر إضاءة فجعلها تبدو مثل الأطياف أو الخيالات أو كما تسمـى " السلويت ".
يعتمد اللاعبون على تصنيع دمى من الجلد يشترط أن تكون مسطحة وأن تكون " شفافة وتلون وتزود بالمفاصل ويتم تشغيلها بوساطة أسياخ حديدية يضغطها اللاعب على ستارة قطنية يؤخذ خلفها الضوء، بينما يجلس النظارة فى مواجهتها يتطلعون إلى خيالها الملون" وهكذا تتحدد طبيعة عرض خيال الظل، فنحن أمام نوعية من العروض ذات طبيعة خاصة إذ تتجلى مهارة اللاعبين بداية فى قدراتهم على تثبيت الدمى المسطحة على الستارة وتحريكها وتحقيق الغاية المنشودة من تحرك الشخصية وتجسيد دورها، ثم قدراتهم على إضافة دمى واستبعاد أخرى فى مهارة فائقة محاولين ألا يدرك الجمهور ويشاهد أياديهم وهى تغير هذه الدمية أو تلك نظراً لمصدر الإضاءة الموجه إلى الدمى من الخلف والذى يجسد كل ما يقع عليه مباشرة على الستارة.
أما عن الديكور (المناظر) والملابس والمكملات فتعد المناظر المسرحية من البديهات التى تسهم بدورها فى تجسيد الأجواء المسرحية المتكاملة للعرض المقدم وتحقيقها ونظراً لأن الشخصيات المستخدمة فى خيال الظل، وكذلك الأجواء التى تدور فيها الأحداث غالباً ما تتحرك فى عوالم أسطورية خرافية (*) ، فإنها تكتسب جمالها من قدرتها على تجسيد هذه الأجواء ويسعى مصمم المناظر إلى تصنيعها من " نفس المواد التى تصنع منها الدمى وتلون غالباً ما تصنع مجموعة المناظر المطلوبة لحالة من الحالات متشابكة معاً باعتبارها مجموعة واحدة توضع خلف الشاشة كلها معاً وتثبيت بدبابيس ، ويراعى فى صناعتها أن تكون قابلة للتطبيق حتى تشحن فى صناديق بسهولة عند الانتقال" .
إن تشييد المناظر المسرحية وتثبيتها بنفس طريقة تثبيت الشخصيات تجعلنا ندرك إلى أى مدى تتحدد مسئولية اللاعب فى تحريك المنظر وإدخاله ليصبح مجسداً بالضوء أمام جمهور المشاهدين يتبع ذلك تحريك الشخصيات – الدمى – على الستارة البيضاء محققين معاً اكتمال الرؤية الجامعة لعنصر المكان بإيحاءاته وألوانه المعبرة والشخصية المحققة والمجسدة للحدث . على أن مسألة تحقيق هذه الصورة البصرية على خشبة مسرح خيال الظل تخضع لبعض القوانين منها " عدم فراغ الشاشة البيضاء بل تترك جوانبها بيضاء دون مناظر أو شخوص، وتعتبر فى هذه الحالة مخارج ومنافذ للدمى من وإلى الموضوع الذى تصوره المناظر وإليه ولم توجد أيه محاولات لإبراز البعد الثالث فى المناظر سواء كانت حجرة أو ما شابه ذلك، لأن هذا فوق طاقة هذا المسرح " .
لم تحظ الملابس بعناية كبيرة فى مسرح خيال الظل، نظراً لأن الظاهر منها للجمهور ليس أكثر من مجموعة ألوان تزين جسد هذه الدمية أو تلك ، ونظراً لأننا نشاهد " سلوليت " أى ظلاً للصورة، لذلك فلا تحدد للدمية ملابس بعينها وكل ما يشاهد مطبوعاً على الستارة هو بعض الرسوم أو النقوش الزاهية بألوانها وقد طبعت ورسمت على جسد الدمية وكما سبق أن ذكرنا فإن عالم خيال الظل هو عالم الخرافات والأساطير لذلك أصبحت الملابس عبارة عن رسوم تحدد كون الدمية لكاهن أو جندى أو ملك أو أى من الكائنات الأسطورية والسماوية ويلاحظ أن " الرؤوس لم تكن تتميز بطابع معين يرتبط بشخصية من تمثلها فمثلاً رؤوس رجال البوليس لا يمكن الاستدلال على أنها رؤوس بوليس من غير أجسامها " .
أى أن ملابس الدمى فى مسرح خيال الظل لا يمكن أن تحقق الذاتية والتفرد للشخصية التى ترتديها وإنما هى مجرد نقوش وألوان ورسوم على جسد الدمية توحى بأجواء الأساطير والحكايات الخرافية، لكن جسد الدمية لا يمثل كلاً متكاملاً ، بل إننا إذا نزعنا الرأس عن الجسد فقدت الشخصية (الدمية) دلالاتها التى أعدت لها.
تحتاج بعض عروض خيال الظل إلى بعض الاكسسوارات التى تتداولها الدمى على خشبة المسرح وتنعكس صورها على الظلال مكملة الصورة المسرحية، ومن بين هذه المكملات المسرحية بعض الأكواب أو العصا وكل ما يرد فى النصوص المعروضة من مكملات يحتاجها الممثل لاستكمال دوره .
قد ذكرنا آنفا أن الإضاءة المستخدمة فى مسرح خيال الظل لا تتعدى مصادر الإضاءة الخلفية التى تنعكس على الدمى والمناظر المسرحية المثبتة على الستارة فتطبعها بألوانها وملامحها العامة دون التخصيص لشخصيات الدمى، لكن لا يحتاج عرض خيال الظل أكثر من هذه الإضاءة الخلفية مع شبه إظلام تام لكل مدرجات المشاهدين ومقاعدهم دون الحاجة إلى إضاءة أمامية أو جانبية للعرض.
إن الصوت وتأثيره فى هذا المسرح يحظى بأهمية كبيرة ذلك أن المشاهد يتوقع من تلك النوعية التى تدور أحداثها فى أجواء الأساطير والحكايات الخرافية ألا تتكلم بنبرات تقليدية معهودة للجمهور، وإنما على كل شخصية أن تتحدث بنبرات توحى بأنها آتية من عوالم بعيدة. لذلك يدرك العاملون فى مسرح خيال الظل مدى صعوبة ذلك وينهج كل مخرج فى محاولة تدريب الممثلين والمؤدين على أن يرتجل كل منهم ما يراه مناسباً للشخصية التى تتحرك على الستارة موفقاً بين البعد المادى للدمية وبين نبرات الصوت.
وداخل إطار هذه المسرحيات الظلية ذات العوالم الأسطورية والخرافية تأتى أهمية الموسيقى بما تحدثه من تأثيرات بالغة فى جمهور المشاهدين، فمنذ اللحظات الأولى لدخول المسرح يهيأ المشاهدون ويترتب على ذلك نوع الآلات الموسيقية التى يستخدمها المخرج بالاتفاق مع مؤلف الموسيقى ويوفق المؤلف الموسيقى إن استخدم البيانو مع العزف المصاحب لدقات الطبول النحاسية، هذا إلى جانب ضرورة مراعاة دور الموسيقى المصاحبة للدمية فى تحقيق الأثر المطلوب دون أن نغالى فى ذلك، ولعل الفراغ الدرامى فى النص العرائسى لخيال الظل هو الذى يسمح للمخرج بأن يتدخل لملء هذا الفراغ بمقطوعات موسيقية تحقق بالتعاون مع باقى العناصر البصرية على خشبة المسرح الأثر المطلوب.
على أن استخدام المؤثرات الموسيقية والحيل المسرحية فى عروض الدمى لخيال الظل يعد أمراً هاماً وفعالاً ، ذلك أن أصوات البرد والرعد وسقوط الأمطار أو هبوب الرياح أو وقع أقدام لقدوم بعض الشخصيات الخرافية كلها مؤثرات يصغها مصمم الموسيقى ومنفذها ويسجلها على شريط كاسيت لاستخدامها وقت اللزوم هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية فإن بعض هذه العروض تحتاج إلى بعض الحيل المسرحية " منها الظهور والاختفاء المفاجئ لعلل فوق الطبيعة وذلك بجذب الدمية أو دفعها من وإلى الشاشة مرة واحدة وكذلك فى حالة إحلال شخص بالسرعة نفسها لإبراز التأثير الأسطورى وسيطرة القوى الخارقة للطبيعة ... وكذلك تصاحب الحوادث التى تنسب للأقدار والقوى الخارقة للطبيعة بضرب شديد على الطبلة مثلاً وإحداث ضوء مفاجئ وسحابة من الدخان " .
وتتمتع عروض الدمى لمسرح خيال الظل بإمكانات ومساحات فنية كبيرة تسمح بظهور العديد من المؤثرات الموسيقية وبحسن توظيف الحيل المسرحية التى تسهم فى إضفاء أجواء خيالية متوقعة من هذا النوع من المسارح ، على أن بعض هذه العروض قد تحتاج إلى ظهور سحب ورعد وبرق أو اشتعال لبعض الأمكنة، هذا إلى جانب أصوات الزلازل والبراكين فكلها حيل من الممكن أن يصممها واضع الحيل المسرحية ويحركها صورة من سماع الصوت المصاحب لها والمسجل على شريط كاسيت مما يحدث الأثر المطلوب.

ومن النماذج التى أخترتها للتطبيق مسرحية " الثعلب الساحر " وهى من الأدب الصينى
تتناول هذه المسرحية موضوعاً يتعلق بسلوكيات بعض الناس وأفعالهم حينما يحاول بعضهم أن يتسلى مع البعض الآخر دون علم الطرف الأول، وما يتبع ذلك من نتائج لا تأتى كلها طيبة. والمسرحية مكونة من مناظر ليس بينها أى تقارب أو تناسب درامى من حيث البنية، فالمنظر الأول قصير وكذلك الثانى، بينما المنظر الثالث هو الأساس، والمنظر الأول يمهدنا لما سوف يحدث حين نشاهد شاباً شارداً وحيداً أو ثعلباً فى حالة من الضجر والملل، أراد الثعلب أن يسلى نفسه عن طريق التخفى فى شخصية أميرة ترغب فى لقاء هذا الشاب كنج تسو . وبالفعل تأتى خادمة الأميرة المزيفة – المنظر الثانى – وتبلغ الشاب بالأمر ، ويذهب هو وينتظر الأميرة فى حجرته وتصل إليه وتحدث بعض المفاجآت – المنظر الثالث – أهمها اكتشاف والده هذا الأمر وغضب الأميرة المزيفة الذى ترتب عليه إصابة الشاب بالجنون.
وفكرة هذه المسرحية مستمدة من أجواء المجتمع الصينى، فهى فكرة يشوبها الكثير من أجواء يكتنف أحداثها الغموض والسحر ، بهدف تحقيق المتعة الحسية للمشاهد والقراء جنباً إلى جنب مع المتعة الفكرية . فهى تحفز الإنسان على ضرورة أن يتسلى فى أوقات الفراغ وأن يسعد هو ومن حوله ببعض المواقف الضاحكة أو المقابل شريطة ألا يتأذى أحد . ولكن الثعلب الساحر المعروف بمكره المعهود عندما يفكر فى أن يتسلى مع الشاب وينجح فى ذلك ويصل إلى منزل والده ويلتقى به فى حجرته وقد تخفى فى زى أميرة يغضب من تدخل والد الشاب ويصب عليه جام غضبه بأن يصيبه بالجنون.
أما عن الحدث الدرامى فى هذه المسرحية – وفى المسرحية الظلية بشكل عام – فغالباً ما يختلف الأمر ، نظراً لأن الأسس الفنية الخاصة ببناء المسرحية الظلية لن تأتى متطابقة كما هو الحال فى المسرحية بشكل عام وإن تحددت فى مسرح الأطفال الآدمى أو العرائسى ، لكن المسرحية الظلية التى أخذت الشكل التقليدى وسميت بالبابة، " كانت باستقباله أو استفتاحه عبارة عن مجموعة من الأشعار يبدأ بها العرض وهى عادة فى مدح النبى وأمة العرب، وأحياناً أخرى تتضمن تصويراً للأحوال السائدة ثم يعرض الموضوع الرئيسى للرواية ثم تختم يمثل ما بدأت به وأحياناً بمدح وشكر للنظارة وتمجيد لآبائهم وأجدادهم " .
وعليه فإن طبيعة الحدث الدرامى فى المسرحية الظلية مرتبط بقدرة الراوى على صياغته وسرده ، يتبع ذلك عملية تجسيده اعتماده على الدمى والشخوص الظلية التى تغير فى حوارها وفقاً للموقف الذى تمر به الشخصيات، ونظراً لقصر المسرحية الظلية – إذ لا يتجاوز زمنها نصف ساعة – يعتمد المخايل على حسن تقديم الحدث للجمهور وسرعته وغالباً ما يكون الحدث بسيطاً غير معقد كما هو الحال فى هذه المسرحية، فالحدث يحدث منذ البداية بأن يتقابل الشاب كنج تسو والثعلب الساحر المتخفى فى زى الأميرة سنج واكتشاف والد كنج تسو الأمر وضربهما معاً .
أما عن الحبكة المسرحية فإن غالبية مؤلفى مسرحيات خيال الظل – وهم أيضاً مصممو وصانعو الدمى – لا يهتمون بالحبكات المسرحية المركبة والمعقدة ، إذ أنهم يقدمون نوعاً من الإبداع الشعبى، لا يسعى إلى حبكات مسرحية مركبة ، لذا تأتى الحبكة – كما هو واضح من المسرحية – بسيطة تتمثل فى ترتيب الثعلب الساحر الذى تخفى فى زى أميرة للقاء مع الشاب كنج تسو فى حجرته واكتشاف والده الأمر وضربهما الاثنين بالعصا عقاباً لهما عن فعلتهما .
أما عن الصراع فى هذه المسرحية فهو ليس صراعاً درامياً بالمعنى التقليدى المتعارف به ، بل نستطيع القول إنه نوع من الصدام البسيط الذى يحدث بين الشاب بقدراته الآدمية البسيطة وبين الثعلب الساحر بقدراته الساحرة ويترتب على هذا الصدام نوع من التطور والنتائج ولكن ليست بالمعانى المتعارف عليها فى الصراع التقليدى . إن عنصر التشويق يعد عنصراً أساسياً فى مثل هذا النوع من نصوص خيال الظل، إن هدفها الأساسى تحقيق نوع من المتعة والتسلية والضحك والسخرية من العادات والتقاليد والسلوكيات السلبية، ونستطيع أن نرصده – عنصر التشويق – منذ بداية المنظر الأول عندما التقى الشاب الشارد الوحيد فى الطريق بالثعلب الساحر المتخفى فى شخصية الأميرة سنج ومنذ البداية تنجح مثل هذه الحيلة فى خلق نوع من التشويق والتعلق والتلهف من قبل الأطفال والكبار المشاهدين لمتابعة ما سوف يحدث من مفاجآت قد تثير الضحك أو عقاب أى من هذه الشخصيات.
أما عن الشخصيات ، فقد حدد مبدع هذه المسرحية الظلية منذ البداية ست شخصيات هى: شخصية الشاب كنج تسو وشخصية الثعلب الساحر الذى تحول إلى شخصية الأميرة سنج وشخصية الخادمة التى ظهرت فقط فى المنظر الثانى، هذا إلى جانب شخصية الخادمة التى ظهرت فى المنظر الثالث والأخير وكذا شخصية الأب الذى يحسم الأمر بضرب الأميرة وابنه كنج تسو .
والواقع أن شخصيات هذه المسرحية تحمل ملامح عامة تجعلها ذاتية متفردة ، ولعل مرجع الأمر فى ذلك أننا غالباً لا نجد من يقوم بقراءة المسرحيات الظلية أو تحليلها إلا المتخصصين ، لذا يعتمد المؤلف المنفذ أيضاً على شخصيات وضع هو ملامحها وصممها ونفذها على أرض الواقع دون أن يسجلها على الورق لأنه لم يكن يهتم كثيراً بهذا الأمر ، وإنما يعتمد المخايل على كيفية تصنيع هذه الشخصيات وتنفيذها وصبغها بألوان مع إعطائها إمكانات صوتية تميزها بين باقى الشخصيات مما يجعلنا نقول مجازاً : إن فن خيال الظل هو فن المشاهدة وليس القراءة .
أما عن الحوار فمن قراءتنا لدراسات المتخصصين فى فن خيال الظل يتضح لنا تأكيدهم جميعاً أن لغة الحوار فى هذه المسرحيات غالباً ما تكون اللغة الدارجة أو الفصحى السهلة، وهو ما أراه لا يعوق تقديمها على جمهور الأطفال المشاهدين سواء بالمحافظة على مستواها أو بإدخال شئ من التخفيف على بعض أجزائها .
لقد جاء الحوار هنا محققاً لفكرة المسرحية خاصة ما يتعلق منه بمحاولة تأكيد القوى السحرية للثعلب الساحر – الأميرة – خاصة فى حجرة الشاب فى المنظر الثالث وقدرتها على إحضار الطعام، أو إخفاء نفسها أكثر من مرة أو عقاب الابن بالجنون نظراً لتطاول الأب ، كلها جمل حوارية قصيرة محققة لفكرة المسرحية خاصة إذا راجعنا الحوار الذى يدور بين الأميرة والأب :
الابن : لا توجد نساء هنا يا أبى وانظر بنفسك .
الأب : ولكن تشرب دون أن تدعونى ولذلك سأضربك بهذه العصا (الأب ينهال على
ابنه ضرباً بعصا فى يده).
الابن : كفى يا أبى .... كفى إنك تؤلمنى.
(تحدث ضوضاء وتضطرب الأجواء وتخرج الأميرة ).
الاميرة سنج : هآنذا وقد كنت متخفية فلا تضربه .. إذن إنها غلطتى.
الأب : إنك ولا شك امرأة سيئة السلوك وسأضربك أنت الأخرى.
(ينهال على الأميرة ضرباً) .
الأميرة : كفى إنك لا تدرى ما تفعل أن لى قوة سحرية وإذا لم تكف فسأجعلك تندم
طوال حياتك.
الأب : (يزداد ضرباً ويعلو صوته) إنك أيضاً وقحة وسليطة اللسان إن هذا يجعلنى
أمعن فى ضربك.
وهكذا يحقق الحوار السابق ما اعتدناه من حوار شخصيات خيال الظل التى غالباً ما تعاقب بالضرب بالعصا عندما تخطئ وتغفل ما يثير الشخصيات الأخرى فتصبح العصا وسيلة للقصاص منها فى أسلوب يغلب عليه روح المرح من الصياح والزعيق والهرج ، وكلها ملامح دائماً ما يحققها حوار شخصيات خيال الظل.
تنحصر مستويات الزمان فى أى عرض أو نص مسرحى فى ثلاثة مستويات (ماض – حاضر – مستقبل) فد نرى الزمن فى مسرحية ما يعتمد فقط على الحاضر، أو الماضى فقط أو المستقبل فقط ، وقد يمزج المؤلف بين أكثر من مستوى لمستويات الزمان مثلما حدث فى هذه المسرحية، ففى المسرحية ينحصر مستوى الزمن فى الحاضر والمستقبل ، ولا شك أن الزمن الحاضر له تأثير ايجابى وقوى على الأحداث والأفعال فى المستقبل.
تمثل الحاضر فى رغبة الثعلب أن يتسلى بالشاب كنج تسو الذى يسير وحيداً شارداً فى الطريق فيتنكر الثعلب فى زى خادمة الأميرة ثم فى شكل الأميرة ولعل هذا الحاضر هو ما شكل ملامح المستقبل فبعد أن تلتقى الأميرة مع الشاب فى حجرته يغار الأب ويضرب ابنه بالعصا فتغضب الأميرة الساحرة وتصيب الشاب بالجنون فما يجعل الحاضر يشكل هذا المستقبل الأليم للشاب ووالده .
أما عن المكان الذى تجرى فيه أحداث المسرحية فيمثل الحيز المكانى الذى يحدده المؤلف منذ بداية المسرحية وهو ما يترتب عليه سلوك الشخصيات وافعالها، بل أكثر من ذلك يحدد لنا منذ البداية طبيعة الأجواء التى ستدور فيها أحداث المسرحية.
حدد المؤلف منذ البداية ومن خلال ارشاداته المسرحية طبيعة المكان، ومن خلال الكلمات التى ترد منذ البداية نتعرف على طبيعة المكان، فهو طريق عام يسير فيه الشاب " كنج تسو " حيث يقابل الثعلب الذى تنكر فى زى " خادمة الأميرة " وترك المؤلف للمخرج تشكيل ملامح هذا الطريق العام ورسم أهم ملامحه .
تنتقل الأحداث بعد ذلك إلى منزل الشاب " كنج تسو " غير أن المؤلف ولكون الأحداث فى اطار خيالى نظراً لأن الثعلب المتنكر فى زى " الأميرة " هو الذى يستخدم قدراته فى رسم ملامح المكان، لذا يسبق الانتقال من حاله الواقع إلى الخيال مؤثرات تسبق العمل السحرى داخل هذا الحيز المكانى.
إن لغة الحوار غير المقرؤة للممثل (المتمثلة فى الجمل الواردة بين الاقواس التى تسمى الإرشادات المسرحية) تسهم بدورها فى تقديم الكثير من الدلالات التى تفيد القارئ وكذا الممثل أو المخرج فى الاستفادة منها باعتبارها دلالات تفيد كثيراً فى فهم النص وتفسيره . منذ بداية المسرحية " القصيرة نسبياً " تتضح مقاطع من لغة الحوار غير المقرؤة من خلال الارشادات المسرحية التالية :-
- (مؤثرات صوتية وضوئية لحدوث عملية سحرية يظهر اثناءها الثعلب ويتحول بسرعة إلى صورة الأميرة سنج).
- (نفس المؤثرات التى تسبق العمل السحرى وتنتهى بظهور مائدة وسط الحجرة وبها الطعام والشراب).
- (يترك الخادم بحجرة وهو دهش وتبدو عليه علامات عدم التصديق والحيرة، ويغلق الشاب الباب المفتوح).
- (مؤثرات صوتية وضوئية ثم تعود الأميرة إلى الظهور ويستأنفان اللهو والشراب وترتفع الضوضاء مرة أخرى فيصحو والد الشاب من النوم ويسأل الخادم).
- (يقتربان من الحجرة ، تزداد الأصوات وضوحاً).
وصولاً إلى (يبكى ويتشنج – الأب – بينما يسحب الخادم الشاب المجنون إلى الخارج ).
من خلال الارشادات السابقة – اللغة غير المقروءة للممثل – نستطيع أن نفهم أننا أمام لغة مسرحية غير مقرؤة من قبل الشخصيات أى أنها لا تمثل حواراً مسرحياً يدر بين الشخصيات، لكنها تعد اشارات وارشادات للقارئ والممثل تعبر عن الأجواء المسرحية التى تدور فيها الأحداث وتسهم بدورها فى تحديد دلالات مسرحية كثيرة لها تأثير فى التعريف بما سوف يظهر مجسداً على خشبة المسرح مشكلاً ومحققاً الفراغ المسرحى الذى ستدور فيه الأحداث.

ومن النصوص الأخرى التى أخذتها للتطبيق نص مسرحية " ذيل الحمار " من الأدب المصرى
وهذه المسرحية تعرض فى مشهد واحد قد يصل إلى خمس عشرة دقيقة وقد يطول – طبقاً لاستجابة الأطفال – إلى نصف ساعة ، حيث تعتمد على قدرات كل تلميذ فى بلوغ الهدف وإلصاق الذيل بالحمار.
تبدأ المسرحية بأن يعلن الراوى للأطفال بعد أن يحييهم ويلقى عليهم بعض النكات عن لعبة ذيل الحمار ، ويؤكد أن من يلصق ذيل الحمار فى مكانه الصحيح سيحصل على جائزة وتدخل دمية على شكل حمار ، وينادى الراوى ، فتدخل دمية تقول : إن هذا عمل سهل وتأخذ فى تركيب الذيل أكثر من مرة إلى أن يغادر الدمية الحمار الساحة ويلصق الراوى الذى فى ظهر الدمة ويضحك الأطفال ويعلن الراوى أن الحمار موجود وتدرك الدمية أنهم يضحكون عليها وتنتهى المسرحية بأن يفرح الجميع ويسعدون .
وتسعى مثل هذه المسرحيات التى تكتب للأطفال الصغار فى مرحلة الطفولة المبكرة دون الثامنة، إلى تقديم نوع من الألعاب المسرحية التمثيلية التى تركز فيه وبشكل أساسى على مفهوم اللعب والمتعة وقد يأتى التعلم بعد ذلك، ذلك أن المسرحية تطرح فكرة أساسية غالباً ما تنكشف عند الأطفال الصغار وهى مبالغة بعضهم فى قدراته على فعل هذا الشئ وعندما يخوض التجربة يفشل ويضحك عليه الجميع. إن فشل الدمية فى إلصاق ذيل الحمار أثار عليها ضحك الجميع لكنه فى الوقت نفسه علمها درساً هاماً وهو ضرورة أن يتعلم الإنسان وألا يغتر بنفسه بين أقرانه ويعلن أنه يعرف هذا أفضل من زملائه لأن الاختبار يؤكد حقيقة علم الطفل بهذا الشئ أو جهله به ويكشفها.
أما عن طبيعة الحدث فإن مثل هذا النوع من المسرحيات التى يقدمها مسرح الدمى القفازية للأطفال الصغار تعتمد بشكل أساسى على عنصر الفرجة وعلى قدرات الممثلين وبخاصة الراوى فى إبقائهم فى مقاعدهم فى حالة نشوة وفرح وإعجاب عن طريق تقديم حدث مسرحى بسيط يتمثل فى قدراته على أن يظهر الدمية القفازية التى تأخذ شكل الحمار ثم الدمية الثانية التى ستقوم بإلصاق الذيل بالحمار ، وهنا الحدث بسيط بصرى أكثر من كونه قولى ، أى إن الأطفال سينشغلون طوال الوقت فى مشاهدة الدمية وهى معصوبة العينين وتحاول أن تلصق الذيل بالحمار وهم يشجعون ويضحكون وينقسمون – ربما – إلى فريقين فريق ينادى ويرشد الدمية إلى مكان الحمار لكى تلصق به الذيل وفريق آخر قد يصفق ويطلب الدمية ويرشدها إلى المكان الخاطئ وهو ما يحقق الهدف من هذه النوعية من مسرح الدمى القفازية للأطفال كأحد أنواع وأشكال المسرح العرائسى الاحترافى أقصد الترفيه والإمتاع جنباً إلى جنب مع تحقيق مبدأ التعلم والاستفادة مما يشاهدونه.
وإذا ادعينا أن هذه المسرحية تشتمل على حبكة مسرحية أو عقدة مسرحية بسيطة فغالباً ما تتمثل فى خطأ الدمية فى وضع إلصاق ذيل الحمار فى المكان الخطأ ثم اكتشافها أن الحمار ذهب فتصر على إلصاق الذيل فى الحمار بعد إحضاره وسرعان ما يعلق الراوى الذيل فى الدمية وينكشف الأمر وتأتى نهاية المسرحية بعد أن تكتشف الدمية وجميع الأطفال الذين يشاهدون العرض أن الذيل قد علق على ظهر الدمية.
أما عن تحقق عنصر الصراع فى هذه المسرحية فلا أرى ما يؤكد وجود الصراع الدرامى نظراً لبساطة المشهد وقصره ومحدودية أحداثه ، فقط يمكننا القول إن حالة الصدام التى تحدث بين دمية الحمار والدمية الأخرى وسعى الدمية إلى إلصاق الذيل بالحمار الخشبى قد تحقق بمعاونة اليد البشرية ومساعدتها أقصد المخايل ومحرك الدمى القفازية.
والواقع أن التشويق هو أساس هذه المسرحية وتحقيق المتعة واللهفة والتعلق بمشاهدة الأحداث والانتظار لنتيجة هذا السباق هو ما يشغل الأطفال ويجعلهم يصيحون ويفرحون هو ما أراه عنصراً محققاً فى مثل هذه المسرحية للأطفال الصغار.
أما عن الشخصيات فإن المؤلف هنا يعتمد على شخصيتين هما الحمار الخشبى والدمية بمعاونة الراوى الذى من الممكن أن يقوم بدور المخايل فى تحريك وتقديم الدمى القفازية للأطفال.
إن الشخصيتين اللتين استخدمهما المؤلف غاية فى البساطة من حيث تعرف الأطفال بهما فشخصية الحمار تبنى فى شكل كاريكاتورى مبالغ فى حجمه دون تحديد تفاصيله وهو ما يخطف أنظار الأطفال، ويجعلهم يعتقدون أن الحمار يتكلم ويمشى دون أن يحدد المؤلف بطبيعة الحال هذه الملامح فى النص نظراً – وكما سبق القول – لأن هذه النوعية من المسرحيات تعتمد أساساً على العرض دون القراءة .
أما عن الدمية الثانية فهى أيضاًَ تتمتع بملامح يحددها المخايل إذ من الممكن أن يستخدم المخايل لهذا الدور كل يوم دمية جديدة وأى هذه الدمى تحظى باهتمام الأطفال وإعجابهم وتصفيقهم تصبح هذه الدمية المستخدمة لتقديم هذه النوعية من الدمى المدعية التى تتمتع بثقة زائدة فى النفس تصل إلى حد الفشل وتثير ضحك الجميع عليها.
أما عن الحوار فلا تخضع مثل هذه النوعية من المسرحيات إلى حوار مسرحى مكتوب وثابت ، إذ قد يبدأ الراوى عرضه بمونولوج قد يطول أو يقصر طبقاً لاستجابة الجمهور وانفعاله مع ما يقدم ، حيث يعرض عليهم المسرحية التى ستقدم ومحتواها وقصتها، ثم يبدأ فى إلقاء كلمة البداية لتدخل الدمى وتتحرك أمام الجمهور . وقد اعتمد المؤلف على لغة مسرحية سمعية وبصرية جميلة وبسيطة ومحققة لهدف المسرحية تمثلت اللغة السمعية فى استخدامه بعض الكلمات التى غالباً ما تثير عند الأطفال ذكريات وأحاسيس جميلة عندما يستمعون إليها كما فى الحوار التالى:
(الأطفال يتحمسون ويشعرون ويضحكون من قلوبهم )
تدخل دمية تقول : إن هذا عمل سهل وتأخذ الذيل لتركيبه .
الراوى : انتظر لابد أن أعصب عينيك .
" يعصب عينى الدمية "
تثير هذه الجملة عند الأطفال وتستحضر لهم لعبة " الاستغماية " أى أن يعصب الأطفال أعين أحدهم ويجعلونه يبحث عنهم فى أماكن عدة وهم يضحكون لتخبطه وعجزه فى الوصول إليهم، وهو ما يتضح بعد ذلك عندما تضع الدمية العصابة على عينيها وتتحرك فتسأل الدمية :
الدمية : هل هو مضبوط فى مكانه ؟
الراوى : يتمتم .... هذا رائع .
ولكن الدمية تكتشف أنهم يضحكون عليها وأنها وضعت الذيل فى المكان الخاطئ وهو ما يحقق ما سبق قوله أن اللغة البصرية تكمل الصورة عند الأطفال جنباً إلى جنب مع اللغة السمعية وذلك حيث يتحرك الراوى محققاً الحركات الإرشادية التى تحقق للطفل المشاهد المعنى الكلى للمسرحية.


ومن هذه النماذج التطبيقية كذلك :
مسرحية " الأميرة والشحاذ " من الأدب الإنجليزى
تتكون المسرحية من ستة فصول ، وتدور أحداثها بين قصر الملك والد الأميرة الذى يعرض عليها أميرين لتختار أحدهما للزواج ، لكنها ترفض الأمير الصينى العجوز والأمير الإنجليزى الشاب، لكن الملك يعلن موافقته بعد أن سمع من ابنته أنها ستتزوج من أى شحاذ يتقدم لها ، وبالفعل يسمع الأمير الإنجليزى الشاب هذا الحوار ويتخفى فى زى شحاذ ويتزوجها وتعمل معه كمتسولة ويجولان الشوارع بحثاً عن الرزق وينامان فى كوخ بسيط ، إلى أن يعرض الأمير الشحاذ على الأميرة أن تذهب للعمل فى قصر الأمير (أى قصره هو ) لأنها كلما مرت به أعجبها ويقول لها : إنها لابد أن تعمل هناك وتحضر الطعام فى نهاية اليوم . وهكذا تعمل الأميرة الشحاذة إلى أن يوجه الأمير الشحاذ دعوة إلى والدها الملك ويأتى ويشاهد ابنته وهى تعمل كخادمة ، وهنا تتكشف الحقيقة ويعلن الأمير الشحاذ أنه صاحب القصر وأنها تعمل فى قصرها ويسعد الجميع ويفرحون.
أما عن فكرة المسرحية فهى حب العمل وضرورة أن يعمل الإنسان ليكتسب لقمة عيشه حينها سيسعد الإنسان أفضل من الاعتماد على الغير، أو على مال الغير وجاهه ، ومن خلال المسرحية نتعرف على منهج المؤلف فى معالجته الدرامية لهذا الموضوع الذى سينفذ باستخدام الدمى ذات الخيوط ، لذا حرص المؤلف أولاً على ألا يحشد بخشبة المسرح التى سيجرى عليها العرض الشخصيات الكثيرة ولا المشاهد الكثيرة مما يمكنه من تحقيق رؤيته فى إطار معالجة درامية تعتمد على حسن تقديس العمل وتفضيله على الكسل، والتأكيد على أن الإنسان الذى يعمل ويكد يحظى بكل ما يتمناه وحينها يدرك جيداً حلاوة ما حصل عليه.
وهكذا وظف المؤلف لذلك ثلاثة مشاهد أساسية لسهولة تقديم الدمى وتحريكها من خلال هذه الخلفيات الثلاث ما بين قصر المدينة وطرقاتها وأخيراً منزل أو قصر هذا الأمير الشحاذ ، واعتماداً على هذه المعالجة تمكن المؤلف من حسن تعميق فكرته وتأكيدها عن طريق أدواته الدرامية مثل الشخصيات التى سعت إلى تأكيد هذه الفكرة بكافة السبل بالاستعانة بلغة حوار سهلة مقبول معبرة فى يسر عن قيمة العمل وأهمية أن يعمل الإنسان فى المجتمع ليدرك منذ صغره قيمة العمل وفضله على الإنسان.
استعان المؤلف فى هذه المسرحية بشخصية الراوى حيث يقوم بالسرد والتمهيد للأحداث التى سوف يشاهدها الجمهور قبل أن ترفع الستار ، حيث يطلعنا على القصة فى اختصار ، ثم يتراجع الراوى وينتحى جانباً من المسرح ويشاهد مع الجمهور الأحداث التى تجسد إلى أن يبدأ الفصل الثانى، حيث يظهر من نافذته ويخاطب الجمهور معلقاً على ما سمعوه وما شاهدوه ، ملوحاً بما سوف يحدث من أجل تحقيق عنصر التشويق للجمهور المشاهد ، ويتكرر هذا التعليق فى بداية الفصل الثالث وكذا فى بداية الفصل الرابع بكلمات قليلة تحفز الجمهور على حسن متابعة ما سوف يحدث إلى أن نصل إلى الفصل الأخير ويعلن الراوى صراحة قبل أن تبدأ الأحداث أن الأمير الشحاذ يعد لمفاجأة .
استخدام المؤلف تكنيكاً يجعل الأحداث منذ اللحظة الأولى تطرح وتعرض وتتطور وتتصاعد محققة بعض الأزمات الصغرى وصولاً إلى الذروة وانفراج الأحداث ، بعد أن يكتشف الملك فى الفصل الأخير أن ابنته تعمل خادمة فى قصر هذا الأمير ، وفى لحظات سريعة بعد أن يتأزم الموقف ويتعقد يعلن الأمير صراحة أنه هو الشحاذ وأنه صاحب هذا القصر وأن الزوجة (الأميرة – الشحاذة ) تعمل فى قصرها ، فتنتهى المسرحية نهاية سعيدة.
إن ما يمتاز به الحدث الدرامى فى هذه المسرحية هو حسن الترتيب وقدرة المؤلف على تحقيق الترابط العضوى لهذه الأحداث ، وهو ما يجعل القارئ والمشاهد يدرك مدى الترابط والتوافق بين الأفكار المطروحة وبين طريقة تجسيدها وتحقيقها مما خلق لهذه المواقف الدرامية قدرةعلى استحضار أحاسيس نفسية جميلة ومشوقة عند القراء والمشاهدين بين لحظة موافقة الأميرة على الزواج من هذا الشحاذ ثم تحولها إلى متسولة تعمل وتجوب الشوارع، إلى أن تصل إلى العمل كخادمة فى قصر هذا الأمير، وفى كل لحظة لا تفتقد الأحداث قدرتها على إثارة أحاسيس الخوف والقلق والترقب ، إلى أن نصل إلى نهاية المسرحية ونعلم أن الشحاذ هو الأمير وأن هذا هو قصر الأمير والأميرة .
أما عن الحبكة الفنية فقد وفق المؤلف فى عرض حبكة مسرحية جاءت متوافقة مع الأحداث ، أعنى أن الحبكة تتحقق بشكل مناسب وموافق لتطور الأحداث ، فمنذ اللحظة الأولى التى تعقدت فيها الأحداث وظهرت إحدى الحبكات الفرعية ، أعنى زواج الأميرة من الشحاذ ما الذى سيحدث بعد ذلك ؟ هل ستنتهى حياة الأميرة إلى هذا المصير ؟ لكن المؤلف سرعان ما يجعلنا نلاحق الأحداث وتعقدها فى أسلوب يؤكد أننا أمام ذروة أخرى ستتعقد فيها الأحداث بعد أن ذهبت الأميرة لتعمل فى مطبخ الأمير ، ثم مشاهدة والدها لها وهى على هذا الحال وتنفرج الأزمة ويأتى الحل جميلاً محققاً السعادة للجميع وهى تعلم أنها تعمل فى قصرها لأنها زوجة هذا الأمير .
أما عن طبيعة الصراع فى هذه المسرحية فهو من النوع البسيط ، ونعده نوعاً من الصراع المادى التقليدى الذى يدور بين قوتين متساويتين متعارضتين هما قوة الأمير بما يمثله بعد تحوله إلى شحاذ سراً وبين الأميرة التى وافقت بإرادتها أن تتحول إلى شحاذة ، وعليه نتوقع حين نقرأ أو نشاهد المسرحية أن الأميرة ألقت بنفسها إلى التهلكة حين وافقت على الزواج من هذا الشحاذ إلى أن تزداد حدة الصراع والصدام بين الطرفين وتتعقد الأحداث وتنفرج فى نهاية المسرحية.
أما عن الشخصيات :
فتتكون المسرحية من عدة شخصيات:-
1- الملك : والد الأميرة رجل كبير فى السن سريع الغضب والندم.
2- الأميرة : ابنة الملك فتاة جميلة مدللة تتورط فى الزواج من شحاذ نتيجة تدللها .
3- أمير صينى : رجل عجوز يتقدم لخطبة الأميرة فترفضه.
4- أمير إنجليزى : شاب وسيم ترفضه الأميرة حين يتقدم لخطبتها .
5- الشحاذ : هو نفسه الأمير الانجليزى بعد أن يتنكر فى زى شحاذ .
6- الراوى : شخصية تعلق على الأحداث عن بعد ، فهو ينتحى جانباً ويتدخل فى أعقاب كل حدث ليعلق ويمهد للحدث القادم.
7- خادم الملك : شخصية نمطية لها دور محدد فى خدمة الملك.
8- بستانى : شخصية نمطية لها دور محدد للعمل فى حدائق الأمير الإنجليزى.
وقد استعان المؤلف فى رصد فكرته وتجسيد قضيته بعدد من الشخصيات التى جاءت جميعها محققة لكثير من نقاط التنوع الذى يسهم بدوره فى عرض أبعاد الموضوع، فقد اعتمد المؤلف على شخصية الملك وهو رجل كبير فى السن حريص على زواج ابنته المدللة التى لا تهتم كثيراً بالزواج حتى أنها ترفض أميرين تقدما لخطبتها رغم أن الأمير الشاب كان مناسباً لها وهكذا يغضب الأب – الملك – ويوافق على زواجها من أى شحاذ – مثلما طلبت – يمر بالقصر وقد غلب على ملامح شخصيته – الملك – وباقى شخصيات المسرحية أنها جميعاً تتمتع بالتفرد فى ملامحها بحيث لم تتحول جميعاً إلى شخصيات متشابهة غير محددة الملامح، فمثلاً الملك شخصية محددة الأبعاد ، كذلك الأميرة فهى نموذج للابنة المدللة لكنها تحمل بداخلها من السمات والملامح القوية التى لم تظهر إلا بعد أن تعيش فى التجربة فتثبت أنها قوية قادرة على العمل وأنها من الممكن أن تتحمل كل هذه المتاعب لكى تحافظ على زوجها رغم الإغراءات التى عرضها عليها الأمير الشحاذ .
إن شخصيات المسرحية جميعاً نجحت فى إثارة قضية هامة عند الأطفال ألا وهى قضية حب العمل والسعى لاكتساب الرزق، لان الإنسان الذى لا يعمل عضو فاشل فى المجتمع، وهكذا رسخت هذه الشخصيات القيم الأخلاقية والتربوية والتعليمية التى يحتاجها الأطفال والتى تصبح أدوات مساعدة للمدرس أو المعلم حينما يضرب مثلاً بهذه المسرحية يمكنه ذلك من حسن تحقيق القدوة التى على الأطفال اتباعها.
من ناحية أخرى فإن المؤلف لم يبالغ فى تدليل الأميرة ليفسد علينا إعجابنا بها وبقدراتها على تخطى الصعاب بل جعلها قادرة على العمل مما يساهم بدوره فى أن تكون نموذجاً لبعض الأطال المدللين. كذلك حققت ملامح شخصية الأمير الشحاذ تميزاً وتفرداً نظراً للأسلوب الذى رسم به المؤلف ملامح الشخصيتين ففى البداية عندما يطلب الأمير من الملك زواج ابنته الأميرة وترفض ، يصر الأمير على الزواج منها ، ولا يستسلم ، ويظهر هذا الإصرار فى تحمله أن يتحول إلى شحاذ ، فيرسم المؤلف ويوضح جوانب قوية وجميلة فى نفسية الأميرة أهمها الإصرار وحب العمل، مما أسهم فى تجسيد أبعاد الموضوع.
أما عن الحوار، فقد تميز فى هذه المسرحية بأنه قد صيغ فى أسلوب ينم عن التشويق، من خلال جمله السريعة المتلاحقة – إلا فى النادر – التى أفصحت عن معناها فى إيقاع سريع متلاحق الخطى دون أن يطيل المؤلف ويعطل تدفق الأحداث ومحافظة الشخصيات بحوارها وأحداث المسرحية على تحقيق الجاذبية والتشويق بالنسبة للقارئ أو المشاهد .
اعتمد المؤلف على لغة عربية فصحى سهلة معبرة بعيدة عن التراكيب اللغوية المركبة والمعقدة التى يصعب على الأطفال فهمها والإحساس بها، ذلك حين ركز على قضية هامة لطالما يسعى الدارسون والمتخصصون فى علم النفس التربوى وعلم الاجتماع الاقتصادى إلى طرحها أقصد قضية العمل وكيف يمكن أن يصبح محبباً إلى قلوب الأطفال عامة ؟ من ناحية أخرى فقد حرص المؤلف على حسم قضية العمل أو عدمه والاعتماد على ثراء الأسرة ووضعها الاجتماعى، وذلك حين سعت الأميرة الزوجة لهذا الشحاذ المتسول إلى العمل من أجل ضمان بقائها هى وزوجها على قيد الحياة وكان من السهل عليها أن تعود إلى بيت والدها الملك، لكنها رفضت وأصرت على حياة العمل والكد لتحافظ على بيتها وزوجها وهو ما حسم قضية العمل ضد حياة الراحة والكسل ، برغم أن المؤلف استخدم لغة سهلة معبرة قادرة على تصوير الحالات النفسية لشخصية الملك ومدى ما يشعر به من قلق على ابنته ورغبته فى أن تتزوج ثم ما أصابه بعد أن تزوجت من الشحاذ المتسول إلى أن يعلم بحقيقة الأمر ، ثم مدى قدرة المؤلف على تصوير النقلات النفسية والشعورية لشخصية الأمير الذى قبل أن يتحول إلى متسول وكذا الحال بالنسبة للأميرة التى قبلت بعد إصرارها وتحديها لنفسها وأبيها أن تتزوج من أول شحاذ يمر بالقصر وعواقب هذا القرار وتعنتها فى تطبيقه ثم يصور لنا المؤلف التحول النفسى الذى أصاب الأميرة بعد أن أصبحت تتسول مع زوجها.
وعلى الرغم من كل ما سبق نأتى إلى قضية الترجمة عن النص الإنجليزى الأصلى الذى استعان فيه المترجم ببعض الكلمات البعيدة عن التداول عند الأطفال غير معروفة بمقاصدها ومعانيها وكان من الأفضل أن يستخدم كلمات عربية أخرى تحقق الأثر المطلوب ويتضح لنا ذلك من الحوار التالى:-
الأميرة : يا إلهى .... وهذا هو الأمير الذى تريدون منى أن أتزوجه ؟؟
( ثم تلتفت إلى الأمير قائلة ) عد إلى بلادك يا سيدى الأمير فلست أصلح لك (يخرج الأمير غاضباً متمتاً بعبارات السخط ).
الملك : أيتها الرعناء ... أنظرى ماذا فعلت . لقد ذهب بدون رجعة .
من خلال الحوار السابق يلجأ – المترجم – إلى لفظة الرعناء فى مسرحية دمى ذات خيوط تقدم للأطفال دون أن يدرك صعوبة تقبل مثل هذه الكلمة ، فكان من الأفضل أن يستخدم كلمة أخرى أبسط ، تعبر عما يود الملك أن يقوله للأميرة ... أيتها المتهورة ، أيتها المتسرعة، أيتها الغبية... مع تحيات الأستاذ الدكتور / أحمد صقر جامعة الإسكندرية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,234,849
- تاريخية العولمة والقوي التي دفعت العالم إلي التغيير
- الارشادات المسرحية في مسرحية الزفاف الدامي للكاتب الاسباني ل ...
- البيئة العربية في مسرح لوركا الاسباني
- المسرح بين التجريب والعولمة
- في النقد التطبيقي ..مسرح نصرة المرأة
- سينوجرافيا المسرح ..المرجعية النظرية للعرض المسرحي
- آلية التلقي في المسرح ..دراسة في النقد الأدبي والمسرحي
- المسرح وتحديات العولمة
- الأسرة في المسرح الأمريكي المعاصر


المزيد.....




- صرامة المنهج وفاعلية الخصوصية في قراءة النصوص الأدبية
- شركة روسية تشتري حق عرض الفيلم الايراني -الرمان الفج-
- مخرج مغربي ينال جائزة لأفضل إخراج لفيلم روائي قصير في مهرجان ...
- العالم يحتفل بعيد الهالوين
- المرصد السوري : مسلحو "الدولة الاسلامية" يسيطرون على حقل غاز ...
- بالصور.. -هاني أبو المعاطي- يفوز بانتخابات المكاتب الفنية لف ...
- توقيع -لا تخجل من فضيحة بيضاء- بمركز السينما.. الخميس
- شهر "الفيلم التسجيلي"..في المعهد الفرنسي بالقاهرة
- افتتاح مهرجان بي بي سي عربي للأفلام والوثائقيات
- اسرائيل : الصلاة مسموحة لمن هم فوق الخمسين فقط في المسجد ال ...


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - نظرية العرض المسرحي في المسرح العرائسي للطفل