أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عادل الامين - اوراق عمل سودانية:استفتاء جنوب السودان 2011 ومآلاته















المزيد.....



اوراق عمل سودانية:استفتاء جنوب السودان 2011 ومآلاته


عادل الامين
الحوار المتمدن-العدد: 3251 - 2011 / 1 / 19 - 14:11
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الورقة الاولى

حق تقرير جنوب السودان واستفتاء 2011م

توطئة:
أن الاستفتاء المزمع انعقاده في 9 يناير 2011م، سيقرر مصير الجنوب بين الوحدة والانفصال.. إلخ، بينما الاستفتاء سيجري لتقرير مصير السودان كله بأيدي بعض المواطنين السودانيين في الجنوب، دون غيرهم من مواطني الجنوب ومن باقي مواطني السودان؛ إذ السودان سينقسم دولة وجغرافيا ومجتمعاً، ولأن هذا الفصل للجنوب سيكون بمثابة المفجر البادىء لحالة انفجار شاملة للمجتمع والدولة السودانية، وسيكون بداية لأعمال تفجير مشابهة في إفريقيا وفي الدول الإسلامية الأخرى.
يتقرر مصير جنوب السودان، وكأنه محتل ومستعمَر من بلد آخر، تنطبق عليه قواعد حق تقرير المصير التي استقرت خلال المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية بشأن الدول المستعمَرة، بينما الجنوب ليس إلا جزءاً من «دولة» مرَّ على استقلالها موحَّدة ومنضـوية تحت راية الأمم المتحـدة ما يزيد على نصف قرن.
هكذا يظهر تقرير المصير هذا وكأنه يجري في فراغ، وليس فعلاً انفصالياً وتقسيماً لدولة ومجتمع متكامل، لن تتأثر جراءه أوضاع الجنوب فحَسب؛ بل ستتغير من خلاله أحوال السودان في الأعم الأغلب؛ ذلك أن انفصال الجنوب ليس فعلاً ينتج عنه تأسيس دولة جديدة، بل هو طلقة البداية، لإطلاق عملية تفكيك للسودان كله، وقد ظهرت أُولَى المؤشرات بالفعل من خلال المطالبة بجعله حقاً ينطبق على بقية أقاليم السودان؛ إذ أعلنت حركة العدل والمساواة الانفصالية في دارفور، عن بدء سعيها لنيل حق تقرير المصير لكلٍّ من إقليمي (دارفور وكردفان)، وهو ما يعني نهاية السودان الحالي فعلياً.
و كلمات الرئيس التشادي (إدريس دبي) بأن انفصال جنوب السودان سيكون بمثابة كارثة لكل إفريقيا، مجرد كلمات مجاملة للرافضين للانفصال، بل هي وصفٌ لمخاطر هذا التقسيم للسودان على قارة تعيش حالة واسعة من التفكك في مجتمعاتها وتعاني دولها من ضعف المشروعية وضعف القدرات على الحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها.
وعلى الجانب العربي والإسلامي يبدو واضحاً أن فعل تقسيم السودان سيكون السابقة التي ينتظرها كثير من الانفصاليين في الدول العربية والإسلامية؛ إذ قطع مخطط تقسيم وتفكيك كثير من الدول والمجتمعات شوطاً كبيراً بالفعل.
والسؤال المطروح : هل الحكومة السودانية والشعب السوداني، سيقبلان إتمام المخطط المرسوم للسودان بالتقسيم والتبدد أم أن اتضاح المخاطر على نحو لا يقبل الجدل، صار دافعاً للأخذ بخطط أخرى لمواجهة هذا الخطر؟ وكيف سيتحرك السودان في مواجهة تركيز الضغوط المكثفة عليه في الفترة الراهنة لإنجاز هدف تفتيته؟ وما هي الخيارات المتاحة للخروج من المأزق؟
أولاً: إن المرحلة التي يمر بها السودان مرحلة خيار مصيري. والخيار المصيري هو ذاك الوضع الذي تواجه فيه دولة أو مجتمع تحدياً أو تحديات يترتب على طريقة التعامل معها حدوث تغييرات في هوية المجتمع والدولة والحدود الجغرافية ومناطق السيادة الأساسية... إلخ. وفي مثل تلك الحال تتعلق النتائج بطبيعة الاستجابة لهذا التحدي؛ فهناك دول ومجتمعات قررت الرفض والمواجهة وانتصرت على التحدي، وهناك دول ومجتمعات أخرى قابلته بالضعف والتردد، فتحولت من حال موحدة إلى حالٍ أخرى.
فمثلاً لقد واجهت الولايات المتحدة تحدي انقسامها بين شمالٍ وجنوبٍ في بداية تشكُّلها، ونجحت عبر الحرب الأهلية في توحيد ولاياتها والقضاء على المحاولة الانفصالية. والشعب الفلسطيني كذلك واجه تحدي تغيير الهوية والاستيلاء على أرضه وطرد السكان واختار المقاومة، وهو لا يزال على مدار قرن من الزمان يرفض الاستسلام للتحدي المفروض عليه؛ وذلك على الرغم من نجاح القوى الغربية في إجلاء بعضٍ من السكان وتغيير هوية مساحة كبيرة من فلسطين وإعلان دولة الصهاينة.
وهكذا الحال في أفغانستان والعراق؛ إذ يواصل الشعبان (الأفغاني والعراقي) تحديَ الاحتلال الذي فُرِض على بلديهما عبر الغزو الأمريكي المباشر.
وفي مقابل ذلك فإن ثمة مجتمعات أخرى واجهت تحديات مشابهة بالاستكانة والخنوع وعدم مواجهة الخطر فانتهت وتغيرت أوضاعها، كما هو حال حضارة الهنود الحمر، وكذلك عملية تقسيم إندونيسيا بظهور دولة (تيمور الشرقية) النصرانية داخل جغرافيتها ومجتمعها، وإثيوبيا التي تحقَّق تقسيمُها بظهور دولة إريتريا... إلخ.
والآن يدخل السودان حالة من حالات الخيارات المصيرية؛ فإذا قَبِل التحدي المفروض عليه انتهى إلى وضع آخر، وإذا واجه التحدي يكون قد حسم خياره، وعاد إلى حالة المواجهة. ففي مواجهة التحدي المصيري يكون عامل الإرادة هو العامل المحدِّد لتطورات الأحداث؛ فماذا لو رفض السودان هذا التحدي؟
ثانياً: في الوضع الراهن يبدو المجتمع والدولة السودانية في وضع حرج؛ إذ يبدو أن السودان مقيَّد بضرورة إنفاذ اتفاق نيفاشا الذي تعهد نظام الحكم بمقتضاه بإعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير، وهو يدرك أن عدم إنفاذ الاتفاق سيجلب عليه ضغوطاً أشد مما يعانيه، وقد يصل الأمر حدّاً أكثر من اشتعال الحرب الأهلية؛ إذ ثمة سيناريوهات تتحدث عن احتمال إعلان الجنوب انفصالَه من طرف واحد بالاستفتاء أو غيره، وطَلَبِ دعم عسكري من عدة دول وهو ما قد ينجم عنه تعرُّض السودان إلى هجوم عسكري أمريكي بريطاني صهيوني، بشكل غير مباشر على رأي بعض المحللين ومباشر عند بعضهم الآخر.
وفي الجانب الآخر، فإن مخاطر انفصال الجنوب وإنفاذ الاتفاقية باتت تظهر على نحو مجسَّد، وهو ما ذهب بكل الحجج والمبررات التي جرى تداولها كثيراً خلال مرحلة إقرار اتفاق نيفاشا كأساس لقبول تقسيم السودان. وكان ثمة تصـور أن توقيع الاتفاق سيوقف الضغوط الغربية على السودان، لكن ما حصل أنها تكثفت؛ إذ لم تكتفِ الولايات المتحدة باستمرار حصارها السياسي والاقتصادي للسودان، ولا باستمرار إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل دفعت المحكمةَ الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، لتشويه سمعة الرئيس السوداني عمر البشير ومطاردته باتهامات الإبادة والتطهير العرقي. وكان متصوراً أنَّ توقيع هذا الاتفاق سيمنح السودان (مجتمعاً ودولة) مدة خمس سنوات من الهدوء والاستقرار، لكن تحركت الشياطين الأمريكية والصهيونية والغربية وحركة الجنوب الانفصالية لتفتح معركة في إقليم دارفور بهدف إنهاك المجتمع والدولة وإدارتهما بأزمة أشد خطراً حتى يأتي موعد انفصال الجنوب، فتكون في حالة من الضعف والاستسلام. وكان متصوراً أن طمأنة الجنوبيين إلى مستقبلهم وإدماجهم في الحكم وإعطائهم نصيباً من الثروة النفطية أكبر من وزن الجنوب السكاني، قد يوقف دورهم التخريبي في الحياة السياسية، فحدث العكس وصاروا ناصرين في كل مواقفهم وتحركاتهم للغرب وضغوطه ومؤامراته على السودان من جهة، وداعمين لكل الحركات الانفصالية والتفتيتية في عموم السودان. وكان ثمة تقدير بأن مدة السنوات الخمس كافية لتغيير التوجهات الانفصالية بين النخب الجنوبية فظهر العكس؛ إذ صار الشغل الشاغل لتلك النخب هو تعميق حالة الانفصال على الصعيدين (الرسمي والشعبي) وكسب أنصار جدد لها في الإقليم وعلى الصعيد الدولي. وكان ثمة رؤية أن الأمور إذا وصلت حدَّ الاستفتاء والانفصال، فإن الشمال سيكسب الراحة والبناء المستقر، في ما بقي من جغرافيةِ السودان ومجتمعِه، فتأكد الآن أن الانفصال سيأتي بدولة معادية على الحدود، تماثل الكيان الصهيوني في دوره وأهدافه؛ سواء في المذابح التي ستجري للمسلمين في الجنوب أو في الدور التفكيكي للسودان الباقي.
وفي الوضع الإقليمي لم يكن التأثير الأمريكي قوياً فقط في ضغطه على قرارات دول الإقليم، بل كان الوضع الإقليمي نفسه في حالة تعبئة ضد الحكم في السودان؛ إذ كانت العلاقات السودانية مع مختلف الدول في وضع كان الأسوأ فعلياً.
أما الأوضاع الداخلية السودانية، فكانت في وضع الخطر، بسبب انتقالية الحكم في السودان بعد انشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة وخروج الترابي من الحكم وتشكيله حزب المؤتمر الشعبي المعارض لحزب المؤتمر الوطني الذي مثَّل الحكم في الحركة السياسية. وكذا لأن أطراف المعادلة السياسية في مركز الحكم (أو الأحزاب الشمالية حسب وصف كثير من المحللين) كانت في بداية العودة لمباشرة حقوقها السياسية بعد مرحلة كانت قد تحالفت فيها مع حركة التمرد الانفصالية في الجنوب. وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي كان السودان في بداية الخروج من حالة الارتباك الاقتصادي التي كان يعيشها بفعل الحصار الدولي عليه، إلى حالة التنمية، استناداً إلى عائدات البترول.
في ظل تلك المعطيات، قَبِل الحكم في السودان التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وَفْقَ آمالٍ تبددت جميعها بفعل استمرار الضغط الأمريكي والغربي، وعمق الفكرة الانفصالية داخل النخب الجنوبية، وحالة الاضطراب في داخل مركز الدولة.
لقد تغير الوضع الآن لمصلحة السودان، إذا قارناه بما كان عليه وقت توقيع اتفاقية نيفاشا؛ فالولايات المتحدة والغرب لم تعد لهم درجة الهيمنة ذاتها علــى القــرار الــدولي - على الأقل - بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الغربي، كما أن الولايات المتحدة قد تعمقت حالة تدهورِ أوضاعها السياسية والعسكرية بسبب تورطها في حربَي أفغانستان والعراق، وفي عشرات الأزمات المتفاعلة في المنطقة والعالم، ومعظمها صراعات تهدد باندلاع حروب. كما أن دولاً أخرى ظهرت بتأثيرها على ساحة القرار الدولي، وهو ما يضعف القدرة الأمريكية والغربية والصهيونية عن حالة التصرف الانفرادي السابقة.
أما في الوضع الإقليمي، فقد تغيرت أوضاع الحكم في السودان ولم يعد على حالة الحصار السابقة؛ فإريتريا تغيرت مواقفها من السودان وانقلبت من عداءٍ للحكم في السودان إلى موقف الداعم، وإثيوبيا في حالة اشتباك في الصومال وفي الداخل ومع إريتريا، وكذا أوغندا باتت تشعر بتهديد بعد التفجيرات في داخلها، وتشاد صارت حليفاً للسودان بفعل تبادل طرد الحركات المتمردة من كِلا البلدين وكان كلاهما مصدر تعزيز لحركات التمرد ضد الآخر. والعلاقات المصرية مختلفة عن أوضاع ما بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا).
وأما على الصعيد الداخلي في السودان فقد تغيرت الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الخمس وتحسنت أوضاع تسليح الجيش السوداني بعد دخول السودان مجال إنتاج الأسلحه. والأوضاع في دارفور تغيرت على الأرض فعلياً لمصلحة الحكم في السودان، بسبب قطع الدعم التشادي عن المتمردين وطردهم من الأراضي التشادية، ولإجراء انتخابات تشريعية عينت ممثلين لأهالي دارفور في مؤسسات الحكومة، وهو ما نزع الشرعية عن حركات التمرد، وبسبب توقيع بعض الاتفاقيات مع بعض الحركات أيضاً، وهو ما أدى إلى عزل الأخريات وأضعف نفوذها ودورها. والأهم من ذلك أن الوضع الشعبي صار رافضاً بشكل كبير لقضية التقسيم، وتفكيك السودان، ويشعر بالخطر الجدي على مستقبل السودان.
لقد تغير كثير من المعطيات التي فرضت التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وإن كان طرف الحركة الشعبية الانفصالية قد حصل بالمقابل على دعم تسليحي بفعل موارد النفط، كما حققت الانتخابات لها شرعية في الحكم وتمثيلَ مواطني الجنوب، إلا أن الأوضاع في الجنوب شهدت تنامياً في حالات الصراع القبلي والسياسي ضد هذه الحركة، وصلت حدَّ الأعمال العسكرية على نحو مؤثر.
والقصد أن ثمة ضرورة لخطة تحرُّك عاجلٍ، ينتقل بالسودان من الموقف الدفاعي الذي ساد لمرحلة طويلة مضت إلى الموقف الهجومي؛ فلم يعد هناك وقت.
شتان ما بين الاهتمام الأميركي غير المسبوق بالقاطرة السودانية المسرعة نحو الانفصال والتقسيم، وبين الغياب العربي شبه الكامل عن أزمة ستكون لها تداعياتها الكبيرة على هذا البلد العربي الأفريقي وعلى المنطقة. فلا يكاد يمر يوم في الآونة الأخيرة من دون زيارة مسؤول أميركي إلى الخرطوم أو جوبا، أو صدور تصريح من واشنطن عن تطورات الأزمة السودانية. في مقابل ذلك، لا ترى سوى تحركات عربية محدودة، ومتأخرة بالطبع، تتمثل في تصريحات متفرقة، أو زيارات متباعدة، أو في بيانات إنشائية على غرار بيان القمة العربية الأخيرة. حتى مصر المعنية أكثر من غيرها بقضية الوحدة والانفصال في جنوب السودان، على الأقل بسبب قضية مياه النيل المرشحة لكثير من التعقيدات، لم تنشط بشكل كاف إلا في الوقت الضائع، ولم تستثمر بشكل قوي حقيقة كونها استضافت أعدادا هائلة من اللاجئين من جنوب السودان.
ولم تتحرك واشنطن نحو تأييد الانفصال إلا بعد أن قطع السودانيون أنفسهم شوطا بعيدا في هذا الاتجاه. فمنذ تسعينات القرن الماضي وقعت حكومة البشير اتفاقا مع قادة جنوبيين لتشجيع انشقاقهم عن قرنق، أعطت فيه أول موافقة على حق تقرير المصير للجنوب. بعدها تعاقبت الأحزاب المعارضة في توقيع اتفاقات مع «الحركة الشعبية» وافقت فيها أيضا على حق تقرير المصير الذي أصبح لاحقا نقطة الارتكاز لدعاة الانفصال، الذين رأوا أيضا في رفع الحكومة لشعار «الجهاد» في حربها بالجنوب عاملا آخر لتشجيع ميلهم للابتعاد عن الشمال. من هنا، لا بد من الإقرار بأن توجه الجنوب نحو الانفصال في استفتاء يناير (كانون الثاني) المقبل، هو ترجمة لعجز النخب السياسية السودانية عن تحقيق مفهوم المواطنة وبناء هوية الدولة الحديثة، وحل أزمة لازمت البلد منذ استقلاله. فغالبية الجنوبيين ما زالوا يشعرون أنهم عاشوا مواطنين من الدرجة الثانية، وأن الشمال تعامل معهم دائما بفوقية، إن لم يكن بطريقة عنصرية. وهذه مسألة لا بد فيها من مواجهة ومحاسبة الذات، بدلا من الهروب من الواقع بحثا عن شماعة أميركية أو بريطانية.
لقد أضاعت الحكومة السودانية الحالية فرصة أخيرة لإنقاذ الوحدة، لأنها لم تستثمر السنوات الخمس الماضية منذ توقيع اتفاقية السلام لجعل الوحدة خيارا جاذبا، بل إنها من خلال المماحكات جعلت الأمور تأخذ المنحى الذي سيجعل نتيجة الاستفتاء المقبل هي الانفصال. صحيح أن هناك ضغوطا خارجية الآن على الحكومة لكي يجري استفتاء تقرير المصير في موعده المقرر في التاسع من يناير المقبل، لكن هذه الضغوط هي محاولة لمنع الأمور من الانزلاق نحو الحرب التي يلوح بها الجنوبيون إذا منعوا من الاستفتاء، وتلمح إليها الحكومة إن لم يتم حسم القضايا الخلافية خصوصا في ما يتعلق بمنطقة أبيي، وترسيم الحدود، والنفط، والمياه. المشكلة أن إجراء الاستفتاء من دون حل القضايا الخلافية سيكون أسوأ السيناريوهات، لأنه سيترك بؤرا قابلة للاشتعال في أية لحظة، بين طرفين تسلحا جيدا لمثل هذا الاحتمال، وقد تجر حرب جديدة بينهما أطرافا إقليمية أخرى. وربما يفسر هذا الأمر كلام المسؤولين الأميركيين أن أوباما يتلقى الآن تقريرا يوميا عن تطورات الوضع السوداني.
إن الفرصة الوحيدة لإبعاد شبح الحرب ليست في إجراء استفتاء يبقي المشكلات معلقة، بل في تركيز الجهود الداخلية والخارجية على إيجاد حلول للمشكلات المتبقية قبل حلول لحظة الطلاق. فهل نرى تحركا عربيا، أم نترك الملف كله للتحركات الغربية والوساطات الأفريقية؟
العرب دائما يبكون على غياب دورهم في ملفات إقليمية حساسة وخطيرة على الأمن العربي، من العراق إلى الصومال مرورا بمحطات أخرى عديدة، فهل يتحركون بجدية قبل فوات الأوان في السودان، على أساس أن لهم مصلحة استراتيجية في منع حرب أهلية جديدة بين الشمال والجنوب، أم يبقون متفرجين في انتظار أن تنتقل النيران إلى مناطق أخرى؟

أولا : حق تقرير المصير قبل عهد الإنقاذ:
بدأ السودان مسيرته بعد حصوله على الاستقلال فى الأول من يناير 1956، كدولة موحدة سمحت بتوزيع محدود للسلطة التى تم نقلها بموجب قانون الحكم المحلى الى وحدات إدارية ( مجالس محلية) لتمارسها فى ظل حكومة مركزية لها السيادة المطلقة على الأرض والمواطنين. وبالنظر إلى خصوصية وضع الجنوب، وما تعرض له من عزله إبان الحكم البريطانى، طالب الجنوبيون قبل إعلان الاستقلال بالحكم الفيدرالى، والذى وعدوا بأن يتم النظر فيه عند وضع الدستور الدائم للسودان، الا أن اللجنة القومية للدستور التى مارست عملها فى الفترة 1956- 1958، رفضت مطلب " الحكم الفيدرالى" ، وتعللت بتخوفها من أن يشكل ذلك المطلب خطوة نحو انفصال الجنوب عن الشمال.
وفى مؤتمر المائدة المستديرة الذى عقد فى 16مايو1965، فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964، لمناقشة قضية توزيع السلطة فى السودان، وشاركت فيه كل الأحزاب السودانية، لم يتمكن المجتمعون من الوصول الى صيغة محدده يتم بناء عليها صياغة العلاقة الدستورية بين المركز والولايات، لذلك تم تكوين اللجنة التى عرفت بلجنة الأثنى عشر، ومراعاة لأهمية وخصوصية قضية الجنوب، تم تشكيل تلك اللجنة من عدد متساو من الشماليين والجنوبيين (6 أعضاء لكل طرف) .
استبعد تقرير اللجنة الذى أعلن فى مارس 1966، خيارى الانفصال والكونفدرالية، وأوصى بالأخذ بمبدأ الحكم الأقليمى،وفى الحقيقة فإن توصيات هذه اللجنة شكلت الأسس الرئيسية التى بنيت عليها اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التى وضعت حدا للحرب الأهلية التى كانت قد اندلعت منذ عام 1955، ومنحت الاتفاقية الإقليم الجنوبى حكما ذاتيا واسع الصلاحيات، الأمر الذى خلق استقرار نسبيا فى الجنوب وساهم فى إعادة بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد، الا أن الحرب الأهلية اندلعت من جديد فى مايو 1983، بعد قرار الرئيس نميرى بتقسيم الإقليم الجنوبى إلى ثلاثة أقاليم، ثم بدأت الحرب تكتسب أبعاداً إضافية تعمقت مع مرور الوقت بعد إعلان نميرى تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان فى سبتمبر 1983، وهو ما عرف " بقوانين سبتمبر " وهكذا فإن التمرد أو بدء الحرب الأهلية مرة ثانية، كان سابقا على " قوانين سبتمبر" ، إلا أن هذه الأخيرة ألقت وقودا إضافياً على الحرب، حيث أصبحت هذه القوانين التى تطورت فى عهد نظام الإنقاذ الى ما عرف باسم " المشروع الحضارى" تلعب دورا محورياً وجوهرياً فى تشكيل تفاعلات مشكلة الجنوب ومساراتها، ومواقف القوى السياسية منها، كما أدت الى فشل كل المحاولات والاتفاقات المختلفة للوصول إلى حلول بشأنها فى عهد الديمقراطية الثانية 1985-1989، وكانت أيضا المحرك الأساسى لوقوع انقلاب 30 يونيو 1989 والذى وصل بمقتضاه نظام الإنقاذ الحالى الى الحكم، لاستباق الموافقة على اتفاقية الميرغنى – قرنق، التى وقعت فى نوفمبر 1988، والتى كان مفترضا أن يتم إقرارها فى 4 يوليو 1989، وكانت هذه الاتفاقية قد نصت فى أهم بنودها على تجميد قوانين سبتمبر، وعقد مؤتمر دستورى شامل فى 18 سبتمبر 1989، لوضع صيغة سياسية ودستورية جديدة لحكم السودان.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن حق تقرير المصير لم يكن جزءا من اتفاق كوكا دام بين الحركة الشعبية والتجمع الحزبى النقابى كما أنه لم يطرح فى اتفاق الميرغنى / قرنق ، وكانت الفكرة الأساسية فى ذلك الوقت هى محاولة الاصطلاح والتوافق على نموذج جديد لحكم السودان من خلال مؤتمر قومى دستورى يتم عقده بعد استيفاء مجموعة من الشروط تتلخص فى تجميد قوانين سبتمبر، وإلغاء كل الاتفاقيات العسكرية بين السودان والأقطار الأخرى، بالإضافة الى رفع حالة الطوارئ والاتفاق على وقف إطلاق النار.
ثانيا : الإنقاذ وحق تقرير المصير
جاءت مسألة جنوب السودان على رأس برنامج سلطة " الإنقاذ" التى أعلنت فى بيانها الأول أن القوات المسلحة السودانية قد قامت بالثورة، لإنقاذ الوطن من التردى والانهيار الذى أدت إليه سياسات الحكومة المنتخبة، خاصة استمرار الحرب الى ورثتها عن النظام المايوى.
والتقت الحكومة بالحركة الشعبية لتحرير السودان، لأول مرة فى أديس أبابا فى أغسطس 1989، وكان واضحا منذ البداية أن اللقاء لن يسفر عن نتائج تذكر، فقد كان معلوماً أن الانقلاب الذى وقع فى 30 يونيو 1989، كان إجهاضاً لاتفاق الميرغنى / قرنق، وأن وفد الإنقاذ جاء إلى أديس أبابا وهو يحمل مشروعاً جاهزاً لحل مشكلة الجنوب، هو عبارة عن المشروع الذى طرحته الجبهة الإسلامية القومية فى مؤتمرها الأول الذى عقدته خلال الفترة الديمقراطية عام 1987، ورغم فشل الاجتماع الأول، إلا أنه تم عقد اجتماع ثان بين الطرفين فى نيروبى فى ديسمبر 1989، بوساطة من الرئيس الأمريكى جيمى كارتر، والذى كان قد بدأ آنذاك فى الاهتمام بالمسألة السودانية من خلال " مركز كارتر لحل النزاعات سلميا"، وقد لحق الفشل بهذا الاجتماع أيضا، الا أن الرئيس كارتر أعلن فى مؤتمر صحفى أن الاجتماع لم يحقق النجاح المطلوب، لأن الوفد الحكومى لم يكن مفوضا من قبل الخرطوم لاتخاذ موقف حول المبادرة التى طرحها كارتر على الجانبين، وأن وفد الحركة الشعبية جاء مزوداً بهذا التفويض، الأمر الذى أثار حفيظة الخرطوم التى اتهمت كارتر صراحة بالانحياز للحركة الشعبية مما أدى الى توقف المفاوضات بين الجانبين، وقد كانت حكومة الخرطوم تهدف فى الحقيقة الى تعديل الموقف العسكرى فى الجنوب، الذى كان يميل بقوة لصالح الحركة الشعبية فى نهاية فترة الديمقراطية الثانية، حيث كانت الحركة قد استولت على مساحات هائلة فى الجنوب، بل أصبحت قواتها على وشك أن تدق أبواب المدن الشمالية، وهو الوضع الذى أثار الكثير من القلق والاضطراب فى ذلك الوقت، ودفع الجيش الى تقديم مذكرته الشهيرة إلى حكومة الصادق المهدى فى فبراير 1989، والتى احتج فيها على الأوضاع المتردية للقوات المسلحة آنذاك، وعلى عدم توافر الدعم الكافى لها.
ومن خلال الاستراتيجية الجديدة لنظام الإنقاذ والتى هدفت أساساً إلى تعديل الميزان العسكرى لصالحها، نجحت الحكومة السودانية فى تحقيق مكاسب ميدانية هامة من خلال تركيزها على تحسين أوضاع الجيش، وأيضا من خلال رفدها للقوات المسلحة بأعداد ضخمة من قوات الدفاع الشعبى، بعد أن أعلنت الجهاد وأطلقت على مقاتلى الجنوب أسم " الخوارج"، وخلقت أجواء تعبوية شاملة، تعلى من قيمة التضحية والفداء والقتال فى الجنوب، باعتباره جهاداً إسلامياً للدفاع عن الثغور ضد حركة التمرد التى تستند إلى القوى المعادية "للمشروع الحضارى" لنظام الإنقاذ، وقد بالغ نظام الإنقاذ فى سياسته التعبوية هذه على المستوى الاجتماعى حتى أدخل تقليداً جديداً على الحياة الاجتماعية بإقامة أعراس صاخبة لقتلى العمليات العسكرية فى الجنوب، فيما عرف باسم "عرس الشهيد"، تطلق فيه الزغاريد ويترنم الحاضرون خلاله بالأهازيج والأناشيد الدينية، ويرتدى ذوو الشهيد الملابس البيضاء باعتبار أن هذا عرساً له يزف من خلاله إلى "الحور العين" فى الجنة.
وعلى الصعيد الإقليمي كانت الأحداث تسير فى غير صالح الحركة الشعبية بعد انهيار نظام منجتسو هايلى مريام فى أثيوبيا، و سقوطه فى مايو 1991، والذى كان الداعم الرئيسى لجون قرنق، الأمر الذى ساهم فى إضعاف الحركة بعد فقدانها لحليفها الرئيسى، والذى كان يسعى من وراء هذا الدعم الى استخدام قرنق كورقة ضغط ضد الخرطوم، حتى يجبر الأخيرة على إيقاف دعمها للحركات المناوئه لنظام منجستو داخل أثيوبيا، وأيضاً لحركات التحرير الإريترية وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة اسياس أفورقى.



ثالثا : إعلان توريت ووثيقة فرانكفورت:
ونتيجة لزيادة حده الاستقطاب بعد نجاح نظام الإنقاذ فى تعبئة أعداد ضخمة من ميليشيات الدفاع الشعبى خلف خطابه الجهادى، وبعد الهزائم المتكررة التى تعرضت لها الحركة الشعبية وفقدانها للعديد من مواقعها فى الجنوب، وازدياد الضغوط العسكرية عليها، بدأت تظهر بوادر الانقسام فى الحركة، احتجاجا على خطابها السياسى، الذى كان يدعو الى تحرير كل السودان –شماله وجنوبه- من أجل إعادة صياغته فى إطار مختلف، أطلق عليه جون قرنق مسمى دولة " السودان الجديد " ويقوم هذا الخطاب على أسس ديمقراطية وعلمانية واشتراكية، تهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وإلى نزع هيمنة الأقلية الشمالية العربية على الحكم، وتتيح للتعدد العرقى والثقافى والدينى فى السودان التعبير عن نفسه فى إطار هوية سودانية " متمايزة" تختلف عن تلك التى يتبناها شمال السودان فى ارتباطاته العربية والإسلامية
فى أغسطس 1991، وقع الانقسام فى صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور لام أكول، والدكتور رياك مشار، وكلاهما كان يعمل أستاذا جامعيا، وقد شكلا معا ما عرف وقتها " بمجموعة الناصر" استنادا الى المنطقة التى نشأت فيها حركتهما، وجوهر الخطاب السياسى لهذه المجموعة يتركز فى أنه ليس من المقبول الاستمرار فى القتال والتضحية بدماء الجنوبيين، نيابة عن الشمال، من أجل هدف لن يتحقق، وهو بناء " السودان الجديد"، طالما أن القوى الشمالية لا ترغب أو لا تستطيع حمل السلاح لإحداث التغيير المطلوب، وأنه من الأجدى التركيز على حق تقرير المصير، والعمل من أجل انفصال الجنوب واستقلاله، بسبب البون الشاسع بين المكونات الثقافية والاجتماعية والتنموية لكل من الجنوب والشمال، فضلا عن انعدام الثقة بينهما، إلى درجة اعتبار أن السعى إلى " الوحدة العادلة مع العرب"، ليس الا نوعا من السراب.
وفى الحقيقة فإن انشقاق مجموعة الناصر وغيره من الانشقاقات الجنوبية الأخرى التى توالت بعد ذلك، لم تنبع فقط من وجود مثل هذا الخلاف الفكرى أو السياسى حول الرغبة فى حق تقرير المصير أو الانفصال، بل غذتها أيضاً عوامل أخرى ذات جذور عميقة فى التركيبة الجنوبية، فرياك مشار ينتمى الى قبائل "النوير" التى تعارض هيمنة قبائل "الدينكا" وهى أكبر قبائل الجنوب والتى ينتمى إليها جون قرنق، كما أن لام أكول ينتمى الى قبائل "الشلك" وهى ثالث أكبر القبائل فى الجنوب بعد كل من الدينكا والنوير، مع ما بين هذه القبائل وغيرها من حروب داخلية على الأرض والمرعى واختلافات ثقافية ولغوية ودينية، وهذه الاختلافات والصراعات لا يتم التعبير عنها مباشرة أو بشكل صريح، بل يعبر عنها فى بيانات كل انشقاق تحت لافتات مثل ديكتاتورية القيادة، والفساد المالى والإداري، وانتهاك حقوق الإنسان، والمؤامرات الداخلية واغتيال المنافسين.
وتجدر الإشارة فى هذا السياق أيضاً إلى أن هناك العديد من وجهات النظر التى ترى أن الطرح الوحدوى للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق ليس أصيلاً، وأن استمساك قرنق بشعار الوحدة، إنما يعود منذ البداية لأسباب تكتيكية تتعلق بوعيه بأن الدعوة الصريحة إلى الانفصال، ستضّيق من مجالات المناورة والحصول على الدعم أمامه، وذلك فى الإطارين الأقليمى والدولى. فالدول الأفريقية لن ترحب يمثل هذه الدعوة طبقاً لمبدأ الحفاظ على الحدود السياسية الموروثة من الاستعمار الذى أقرته منظمة الوحدة الأفريقية، كما أن دول الجوار السودانى لن تكون سعيدة بالمطالبات الانفصالية التى قد تنتقل عدواها إليها بسبب التداخلات الاثنية والقبلية العابرة للحدود السياسية، وربما رأى جون قرنق أيضاً أن المطالبة بالانفصال ستؤدى بلا شك إلى استنفار القوى المؤيدة لمناؤيه، بالإضافة إلى أن نظام " منجستو " وهو الداعم الأساسى له آنذاك، لم يكن ليقبل منه المناداة بالانفصال أو بحق تقرير المصير، بسبب تعدد القوميات فى الدولة الاثيوبية والتى ستنتقل اليها عدوى هذا الطرح، ومن ثم فإن وجهات النظر هذه ترى أن الطرح الوحدوى لقرنق يرتكز على تفضيله الحصول على الدعم السياسى والمادى والعسكرى اللازم لاستمرار حركته، والعمل على تحقيق مكتسبات متزايدة على الأرض، الأمر الذى سيؤدى به فى نهاية المطاف الى تحقيق أهدافه فى السيطرة على كل السودان، إعادة صياغة هوية الدولة فيه، أو التراجع عن هذا الهدف الكبير إذا اقتضت الضرورة ذلك، والاقتصار على السيطرة على الجنوب فى كيان مستقل أو ذا صلاحيات واسعة النطاق مع المشاركة فى حكم الشمال، مع ما بين هذين الاحتمالين من سيناريوهات وتصورات متعددة .
وما يهمنا هنا هو أن انشقاق مجموعة "الناصر"(1)، قد ترتب عليه تطوران مهمان، التطور الأول يتعلق بالحركة الشعبية نفسها ، حيث بادرت الحركة لمواجهة هذه الأحداث، إلى عقد مؤتمر عام لها فى سبتمبر 1991، فى مدينة "توريت" التى كانت تسيطر عليها آنذاك، وذلك لمراجعة برنامجها الداعى إلى السودان الجديد، وتبنى شعار"تقرير المصير"، وقامت الحركة الشعبية فى هذا المؤتمر بإجراء تغييرات جوهرية فى الأولويات الواردة فى "المانيفستو" الذى أصدرته عام 1983، حيث أكدت الحركة أن الاستقلال وحق تقرير المصير، نتيجتان محتملتان إذا تعذر الوصول لاتفاق حول سودان علمانى ديمقراطى موحد، وذكر المتحدثون باسم الحركة الشعبية، بأنها تبحث فى حق سكان الجنوب فى تقرير المصير إذا اختارت غالبية السودانيين قيام دولة دينية فى الشمال، وأصبح ذلك المؤتمر علامة بارزة فى تاريخ الحركة الشعبية بعد أن صدر عنه ما عرف "بإعلان توريت"، والذى ورد فيه حق تقرير المصير لأول مرة، كخيار ضمن خيارات الحركة التى ظلت قبل ذلك تعلن إنها تحارب من أجل الوحدة وترفض الانفصال.
التطور الثانى تمثل فى سعى حكومة الخرطوم الى تعميق الانقسام والانشقاقات فى صفوف الحركة الشعبية، وبدأت الاتصالات مع لام أكول الذى كان قد أعلن انشقاقه تحت اسم "الحركة الشعبية المتحدة" وقد تمخضت هذه الاتصالات التى تمت برعاية الكنيسة الألمانية عن التوصل إلى " وثيقة فرانكفورت" فى يناير 1992، بين نظام الإنقاذ الذى كان يمثله فى هذه المفاوضات على الحاج، وبين لام أكول ، وهى الوثيقة التى اعترفت فيها – ولأول مرة – حكومة سودانية بحق تقرير المصير. وقد كانت " وثيقة فرانكفورت" وستظل علامة فارقة فى تاريخ مشكلة جنوب السودان، فرغم إنكار الخرطوم لهذه الوثيقة وقتها، إلا أن هذا الاتفاق ظل يلقى بظلاله على مسار النزاع حيث حدد له مساره الجديد وترك من وراءه كل الاطروحات السياسية والفكرية السابقة التى بدأت بمؤتمر جوباً عام 1947، مروراً باتفاقية أديس أبابا عام 1972، والتى كانت تتحدث على استحياء عن حكم ذاتى وعن ادارة الجنوبيين لشئونهم المحلية.
وفى تلك الأثناء أخذت الدعوات الجنوبية الى حق تقرير المصير تتزايد، حيث اجتمعت مجموعة من المثقفين الجنوبيين على رأسهم بونا ملوال وفرانسيس دينق وجوردون مورتات، وبيتر نيوت كوك، فى مدينة "ادير" بايرلندا، وذلك لمناقشة الوضع فى السودان واصدر المجتمعون بيانا أطلق عليه " إعلان أدير" وحدودا فيه ثلاثة خيارات وهى الفيدرالية والكونفدرالية والانفصال، على أن يتم الحسم بين هذه الاختيارات عن طريق استفتاء الجنوبيين.
وعاد شعار تقرير المصير للظهور بصورة أكثر وضوحاً لدى الحركة الشعبية، فى ندوة واشنطن التى عقدت فى أكتوبر 1993، وذلك فى محاولة لاحتواء الآثار الناجمة عن انشقاق رياك مشار ولام أكول ، ولتفادى انقسام القائد "كاربينو كوانين " نائب جون قرنق فى قيادة الحركة الشعبية حيث كانت ملامح هذا الانقسام قد أخذت فى التبلور آنذاك، وقد أكدت الحركة الشعبية فى هذه الندوة معارضة حكومة الجبهة الإسلامية فى الخرطوم، وأية حكومة قادمة، لا تحترم حق شعب الجنوب وجبال النوبة والمناطق المهمشه فى تقرير المصير.
كما ظهر بعد ذلك المنبر الانفصالى الذى يقوده الوزير السابق بونا ملوال، الذى يتخذ من لندن مقراً له ، ويقوم بونا ملوال بنشر مقالاته التى تنادى بحق تقرير المصير باعتبار هذا الحق تعبيرا عن طموحات غالبية شعب جنوب السودان، وتنبع أهمية هذا المنبر فى أن بونا ملوال هو أحد أهم الشخصيات التى لعبت دوراً بارزاً فى اتفاقية أديس أبابا كما كان وزيراً للإعلام فى عهد الرئيس نميرى لعدة سنوات، مما يكسبه وضعا مميزا فى الأروقة الدولية .
وهكذا بدأ حق تقرير المصير يأخذ طريقه كأحد الحلول الرئيسية المقترحة لحل مشكلة الجنوب، نتيجة للمناورات والانقسامات الحزبية فالفصائل المنشقة فى الجنوب وجدت فيه تعبيراً سياسيا مناسبا لتغطية انشقاقاتها التى تعود فى جزء مهم منها، الى الصراعات القبلية والصراعات على السلطة والنفوذ فى الحركة ، كما أن نظام الإنقاذ سعى إلى إضعاف الجنوبيين وتعميق الانشقاقات والحروب الضارية بين الفصائل الجنوبية لمساعدة قواته العسكرية فى الميدان وتسهيل القضاء على هذه الفصائل واحتوائها من خلال مبدأ "فرق تسد"، وذلك حتى يتسنى له الوقت اللازم لإحداث التغيير الاجتماعى والسياسى واسع النطاق الذى انهمك فيه فى الشمال للقضاء على القوى السياسية التقليدية بعد خلخلة قواعدها.

رابعا: مبادرة الإيجاد :
واستمراراً فى نفس هذه الاستراتيجية من جانب نظام الإنقاذ، وبالنظر إلى أن حكومة الخرطوم كانت ما تزال فى حاجة إلى مزيد من الوقت لإكمال استعداداتها العسكرية فى الجنوب، وإضعاف معارضتها فى الشمال، فقد طلب الفريق البشير من قمة "الإيجاد" المنعقدة فى أكتوبر 1993، أن تتدخل لحل المشكلة السودانية، الأمر الذى رحبت به المنظمة، خاصة بعد فشل محاولة منظمة الوحدة الأفريقية للوصول إلى حل، و التى جرت برعاية الرئيس بابا نجيدا فى أبوجا الأولى، وأبوجا الثانية وفى مايو 1992 وأبريل 1993 على الترتيب.
رحبت "الإيجاد" بالمطلب السودانى وشكلت على أثره لجنة دائمة للسلام فى السودان فى سبتمبر 1993، تكونت من رؤساء أربعة من الدول الأعضاء، هى كينيا وأوغندا، و إريتريا، وأثيوبيا. وبادرت هذه اللجنة إلى دعوة الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى أول لقاء بينهما تحت مظلة الإيجاد فى مارس 1994، ثم عقدت الجولة الثانية بعد ذلك بشهرين فى مايو 1994 فى نيروبى، وهى الجولة التى شهدت إعلان منظمة الإيجاد عن تصورها فى شأن حل النزاع السودانى، والذى عرف فيما بعد باسم "إعلان المبادئ".
كان من أهم مبادئ هذا الإعلان النص على أن تقوم بالسودان دولة ديمقراطية علمانية، تكفل حرية الاعتقاد والعبادة لكل المواطنين السودانيين، وأنه يجب فصل الدين عن الدولة، وكذلك الاعتراف بالتعدد العرقى والاثنى والثقافى والدينى، وضرورة استيعاب كل أنواع التعدد هذه والاعتراف بها، كما أكد إعلان المبادئ على أن كل الأطراف يجب أن تعطى الأولوية للمحافظة على وحدة السودان، وأنه يجب التأكيد على حق تقرير المصير على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتى لكل أهل المناطق المختلفة، فإذا تعذر الاتفاق على هذه المبادئ يكون للطرف المعنى الخيار فى تقرير المصير بما فى ذلك الاستقلال عن طريق الاستفتاء.
وهكذا انتقل مبدأ تقرير المصير من مجال الصراع السياسى بين الفصائل الجنوبية، ومن محاولات الغزل أو الاستقطاب بين الحكومة وبعض هذه الفصائل، لكى يصبح مبدأ رئيسياً فى مبادرة إقليمية، كانت حكومة الخرطوم هى التى سعت إليها بنفسها، وبالرغم من ذلك فقد بدا أن نظام الإنقاذ قد فوجئ بالبنود الواردة فى إعلان المبادئ، ونتيجة لذلك أعلنت الحكومة السودانية رفضها القاطع على لسان غازى صلاح الدين، رئيس وفدها إلى المفاوضات، وأكدت على رفضها فصل الدين عن الدولة، وأن المشروع الحضارى لنظام الإنقاذ يتعدى حدود السودان، وأنه قادر على مواجهة الاستكبار والصهيونية والصليبية الدولية.
كانت الخرطوم قد أكملت استعداداتها للحرب، ومن ثم لم تعبأ بفشل العملية التفاوضية، وعادت إلى الخيار العسكرى الذى حشدت له بقوه واستطاعت من خلاله أن تحقق العديد من المكاسب الميدانية عام 1995، حدت بها إلى الإعلان أن هذه المعارك هى آخر معارك الجنوب، وأطلقت على صيف ذلك العام اسم "صيف العبور"، وأن الحركة الشعبية لن يكون لها أى وجود مؤثر بعد ذلك، ومن هذا المنطلق بدأت بالتركيز على مشروعها المسمى "السلام من الداخل"، وسارت فيه شوطاً طويلاً، أدى فى النهاية إلى توقيع اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، وإلى تضمين مبدأ تقرير المصير فى دستور 1998.

خامسا: القضايا المصيرية ومقررات أسمرا 1995:
على الجانب الآخر للمعادلة، حيث تقف المعارضة الشمالية فى مواجهة نظام الإنقاذ، وجدت القوى الشمالية نفسها فى موقف صعب حيث أنها غير قادرة على التعاطى مع النظام الذى أعلن فى أكثر من مناسبة أنه لن يتفاوض إلا مع من يحمل السلاح، وأن حكومة الإنقاذ جاءت بالقوة، وأن من يريد منازعتها أو مشاركتها السلطة ليس أمامه سوى هذا السبيل، لذا قامت فصائل المعارضة بتكوين "التجمع الوطنى الديمقراطى" من أجل تكتيل جهودها، والتنسيق فيما بينها. وقد سعت القوى السياسية المكونة للتجمع المعارض إلى جذب الحركة الشعبية إلى عضويته، إذ أن هذا الانضمام كان يمثل ولاشك إضافة هائلة إلى التجمع باعتبار أن الحركة الشعبية هى القوة الوحيدة القادرة على مواجهة نظام الإنقاذ وإزعاجه عسكرياً، فالأحزاب والقوى السياسية الشمالية مثل الحزب الاتحادى وحزب الأمة والحزب الشيوعى وغيرها، لا تمتلك قدرة عسكرية تذكر، بل أن بعضها مثل الحزب الاتحادى لا تاريخ له على الإطلاق فى هذا المجال.
وفى مواجهة سياسات الإقصاء التى اتبعتها حكومة الخرطوم، أعلن التجمع الديمقراطى المعارض فى يونيو 1995 ما عرف فيما بعد باسم "مقررات القضايا المصيرية" فى أسمرا، والتى جرى الاتفاق من خلالها على المبادئ المتعلقة بإنهاء الحرب الأهلية، وقد أقرت هذه المبادئ حق تقرير المصير كمدخل أساسى لإنهاء الحرب كما يلى (2):-
1. خيار التجمع الوطنى المفضل هو وحدة الوطن المؤسسة على التنوع والاعتراف بأن السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات واللغات، وأن تلك الوحدة ستقوم على حق المواطنة وعلى المساواة فى الحقوق والواجبات وفق المعايير المضمنة فى المواثيق العالمية حول حقوق الإنسان.
2. الاعتراف بأن حق تقرير المصير يوفر حلاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية لتسهيل استعادة الديمقراطية فى السودان وتعزيزها وإتاحة فرص تاريخية فريدة لبناء سودان جديد قائم على العدالة والديمقراطية.
3. أن المناطق المتأثرة بالحرب هى جنوب السودان ومنطقة إبيى وجبال النوبة والانقسنا.
4. أن أهل جنوب السودان بحدوده القائمة فى أول يناير 1956 سيمارسون حقهم فى تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية.
5. يستفتى أهل إبيى خلال الفترة الانتقالية حول بقائهم ضمن إقليم كردفان أو الانضمام إلى إقليم بحر الغزال.
6. تسعى الحكومة الانتقالية للتوصل إلى حل سياسى ورفع المظالم التى عانى منها أهل منطقة جبال النوبة والانقسنا.
7. الخيارات التى تطرح فى الاستفتاء بالجنوب هى:
8. أ- الوحدة ب – الاستقلال
وهكذا وافقت القوى السياسية الشمالية، على حق تقرير المصير واعتبرته بنداً أساسياً فى مواثيقها، ورأى بعض المراقبين أن تقرير المصير قد فرض فرضاً على أحزاب الشمال عبر "البندقية الجنوبية"، لأن تحالف القوى الشمالية غير المسلحة تاريخياً، وضع هذه القوى فى موقف الشريك الأضعف رغم ثقلها الجماهيرى فى الشمال، وأن البندقية الأكثر فعالية فى الصراع مع نظام الإنقاذ كانت هى البندقية الجنوبية، وبذلك أدى فقدان الأمل فى الوصول إلى حل وطنى للأزمة السودانية إلى القبول بهذا الحل، الذى يعرف الجميع أنه قد يؤدى إلى الانفصال، إلا أن الإفرازات المزمنة الناتجة عن طول أمد الصراع و التحولات المتسارعة فى الواقع السياسى، جعلت القوى السياسية الشمالية تلهث وراء مناورات نظام الإنقاذ وتقلباته السياسية، وتسعى ما وسعها الجهد إلى مواجهته ومحاولة إسقاطه بأى وسيلة.
سادسا : اتفاقية الخرطوم للسلام:
على الجانب الحكومى، وبعد فترة وجيزة من إعلان مقررات القضايا المصيرية فى أسمرا وقعت الحكومة السودانية على اتفاقية الخرطوم للسلام فى إبريل 1997، غير أن هذه الاتفاقية لم تكن فى إطار رد الفعل على مقررات أسمرا 1995، بل تعد فى الحقيقة تتويجاً للمسار الذى كان قد بدأه نظام الإنقاذ فى محادثات فرانكفورت فى يناير 1992، وقد مرت هذه الاتفاقية من الناحية الإجرائية بعدة خطوات، بدأت بالتوقيع على ميثاق للسلام فى إبريل 1996، الذى كان بمثابة إعلان للمبادئ وقعت عليه كل من الحكومة، وحركة استقلال جنوب السودان بقيادة الدكتور رياك مشار، والحركة الشعبية لتحرير السودان (مجموعة بحر الغزال) بقيادة كاربينو كوانين، وبعد أن استمرت التعبئة السياسية حول هذا الميثاق عاماً كاملاً تم توقيع اتفاقية الخرطوم بين الحكومة والأطراف الجنوبية التالية:-
حركة استقلال جنوب السودان بقيادة رياك مشار.
-الحركة الشعبية لتحرير السودان (مجموعة بحر الغزال) بقيادة كاربينو كوانين.
-تجمع أبناء بور بقيادة القائد أروك طون أروك.
-الحركة المستقلة لجنوب السودان بقيادة كواج مكواى.
-قوة دفاع الاستوائية بقيادة توبولوس أوشانج
وبعد التوقيع على الاتفاقية، كونت هذه الفصائل فيما بينها جبهة موحدة هى الجبهة الديموقراطية للإنقاذ، وتم دمج قواتها فى حركة عسكرية موحدة أطلق عليها أسم "قوة دفاع جنوب السودان" أسندت قيادتها السياسية والعسكرية للدكتور رياك مشار.
وعقب توقيع اتفاقية الخرطوم بأشهر قليلة، أدت بعض المساعى إلى توقيع الدكتور لام أكول لاتفاقية "فاشودة" مع الحكومة السودانية فى 20 سبتمبر 1997، وذلك بعد الاستجابة لبعض التحفظات التى أبداها وقد تم توقيع الاتفاق بحضور رث "ملك" الشلك، وهو الزعيم الروحى للقبيلة التى ينتمى إليها لام أكول، وقد أجاز البرلمان السودانى اتفاقية الخرطوم التى تم تحويلها إلى مرسوم دستورى هو المرسوم الرابع عشر عام 1997.
وتنص اتفاقية الخرطوم التى تقع فى ديباجة وثمانية فصول، على قضايا الدين والدولة والضمانات الدستورية وتوزيع السلطة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، وكذلك توزيع الثروة ومشاركة الجنوبيين فى مؤسسات الحكم الاتحادى، إلا أن أهم فصولها هو ذلك المتعلق بحق تقرير المصير لمواطنى جنوب السودان، بعد فترة انتقالية تمتد لأربعة أعوام من تاريخ إنشاء المجلس التنسيقى للولايات الجنوبية التى تم تحديدها بعشرة ولايات، ويجرى فى نهاية الفترة الانتقالية استفتاء على خيارى الوحدة أو الانفصال، على أن يجرى هذا الاستفتاء تحت رقابة المنظمات الإقليمية والطوعية الوطنية والأجنبية.
أما فيما يتعلق بقضايا الدين والدولة فقد نصت الاتفاقية على أن المواطنة هى أساس الحقوق والواجبات ويشارك جميع السودانيين بحكم المواطنة، على وجه المساواة فى المسئولية السياسية.
ومن ناحيتها اعتبرت الحكومة السودانية أن هذه الاتفاقية تمثل خطوة كبيرة فى الاتجاه نحو إنهاء الحرب الأهلية وأنها ستكون نموذجاً لحل المشاكل المماثلة فى القارة الإفريقية، وإنها سبقت بمراحل اتفاقية أديس أبابا 1972، بينما قللت المعارضة من أهمية الاتفاقية، وأن الهدف الحقيقى منها هو تحويل الحرب إلى حرب جنوبية / جنوبية، على نطاق واسع، وأعلن جون قرنق أن المنشقين على حركته وكذلك الحكومة السودانية، كاذبون فى المناداة بحق تقرير المصير. وطبقاً لقرنق فإنه كان ينبغى على المنشقين الذين تحالفوا مع نظام الإنقاذ، أن يكونوا حرباً على النظام بدلاً من الانخراط فى جيشه الذى يحارب أهلهم فى الجنوب، إذا كانوا جادين فى دعواهم التى برروا بها انشقاقهم، وأن الذى يحول دون الانفصال أو الاستقلال ليس الحركة الشعبية لتحرير السودان، أو التجمع الوطنى المعارض، بل نظام الإنقاذ.
ومن ناحيته أصدر التجمع الوطنى الديمقراطى بياناً أوضح فيه رفض التجمع اتفاقية الخرطوم باعتبارها إطاراً لتكريس انفصال جنوب السودان، وأنها لا تحقق السلام فى الجنوب لأنه تم بين أقلية فى الشمال وأقلية فى الجنوب وفى غياب الشرعية والضمانات الدولية.
وعلى المستوى الإقليمى والدولى جاءت ردود الأفعال على اتفاقية الخرطوم فاترة، حيث أعلنت إدارة الرئيس كلينتون أنها تتضمن بعض الإيجابيات، إلا أنه لا يمكن اعتبارها حدثاً كبيراً، إذ لم يشارك فيها لاعب رئيسى مثل قرنق، أما الخارجية المصرية فقد أعلنت أن هذا الاتفاق سيكون له تأثير سلبى على عملية الاستقرار وجددت موقفها الرافض لانفصال جنوب السودان لتنافيه مع مبادئ ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية.
وحين دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، برزت الكثير من الخلافات وسط القوى الجنوبية الموقعة على الاتفاق حول المواقع السياسية والمناصب الدستورية، ووصلت هذه الخلافات إلى حد الاقتتال الضارى وتبادل اختطاف بعض القادة والمسئولين فى العديد من المواقع بالإضافة إلى الفساد المالى و الإدارى، وكثرت الاحتجاجات وكذلك التذبذب فى المواقف وهو أمر بدا أن حكومة الخرطوم كانت تتوقعه، بل ربما هدفت إليه من البداية، وساعدت حسبما رأى الكثير من المراقبين على تفاقم الخلافات الجنوبية واشتعالها، وقد انتهى الأمر فى نهاية المطاف، وبعد الكثير من التفاصيل إلى إعلان رياك مشار عن انسحابه من الاتفاقية وعودته إلى الحركة الشعبية بقيادة قرنق وذلك بعد أن اهتز موقف مشار تجاه أحد منافسيه "فاولينوماتيب" والذى كان يحظى بدعم غير مباشر من الحكومة، وقد استمر سريان الاتفاقية مع باقى الأطراف، كما تم تمديد الفترة الانتقالية المحددة لإجراء الاستفتاء حول تقرير المصير والتى كان مقرراً انتهاؤها فى مارس 2002، لمدة سنتين آخريتين حتى عام 2004، وذلك بموافقة الطرفين طبقاً لأحد بنود الاتفاقية. وعند نهاية هذا التجديد تم مد العمل بالاتفاقية لعام آخر بطلب من مجلس تنسيق الولايات الجنوبية الذى يرأسه الآن الدكتور "رياك قاى" الذى ينتمى إلى قبائل النوير.
لقد مثلت اتفاقية الخرطوم بالنسبة للحكومة لبنة أساسية فى استراتيجية "السلام من الداخل"، التى سعت إلى خلق تحالف عريض من القوى السياسية الجنوبية والفصائل المناهضة للقرنق، بهدف تقويض وضع قرنق وتهميشه عملياً، فالشروط السخية التى قبلت بها الحكومة فى الاتفاقية، عبرت عن محاولة جادة لسحب البساط من تحت أقدام قرنق، فقد منحت الاتفاقية لمجموعة الفصائل المكونة للجهة الديمقراطية للإنقاذ، حق تقرير المصير، والانفصال إذا شاء أهل الجنوب، وحكما فيدرالياً واسعاً ذا سلطات واسعة، يكون الجنوب بموجبة موحدا وشبه مستقل حتى قبل الاستفتاء، ولكن الكثير من المشاكل ظهرت فى تطبيق الاتفاقية، حيث بدأت تظهر الانشقاقات والصراعات فى جبهة الجبهة الديمقراطية للإنقاذ، وكان من أبرزها انشقاق القائد "كاربينو كوانين بول"، الذى ينتمى إلى الدينكا وعودته للانضمام إلى جون قرنق، قبل أن ينشق عليه مرة أخرى ويعود إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية، حيث قتل فى المعارك مع الفصائل الجنوبية الأخرى، كما أن التطبيق أظهر ضعف فاعلية السلطات والصلاحيات التى منحتها الخرطوم للجبهة الديمقراطية للإنقاذ من الناحية العملية، ومن الناحية الأخرى كان نظام الإنقاذ يراوح فى موقفه السياسى من هذه الفصائل ويوظفها كأداة فى إطار الاستراتيجية الخاصة بإضعاف قوات قرنق، حيث كان معلوماً للجميع، أن الوصول إلى اتفاق مع هذه الفصائل وحدها لن يكون كافياً لجلب السلام أو إنهاء الحرب الأهلية. وقد تطورت الأوضاع بعد ذلك بعد البطء الذى صاحب المبادرة المشتركة التى قدمتها كل من مصر وليبيا فى 1999، وعدم قدرتها على تحقيق تقدم يذكر، إلى أن تبدلت السياسة الأمريكية تجاه السودان مع تعيين السيناتور جون دانفورث كمبعوث رئاسى لواشنطن فى السودان، الأمر الذى تمخض عن توقيع اتفاقية "جبال النوبا" فى يناير 2002، لتنطلق بعدها عملية التسوية فى كينيا والتى أحدثت اختراقاً هائلاً بتوقيع اتفاق مشاكوس الإطارى.

سابعا: حق تقرير المصير فى إطار ماشاكوس:
نص الاتفاق الإطارى الذى جرى توقيعه فى ماشاكوس فى 20 يوليو 2002، على منح حق تقرير المصير لجنوب السودان بعد مرحلة انتقالية قدرها 6 سنوات، وذلك من خلال استفتاء تحت رقابة دولية.
وقد نص الاتفاق الإطارى أيضاً على اتفاق الطرفين على العمل سوياً على إعطاء الأولوية للوحدة وجعلها جاذبة لأهل جنوب السودان، ولضمان التنفيذ أشار الاتفاق إلى آلية محددة (3) تتمثل فى تأسيس مجلس مستقل وهيئة تقييم خلال الفترة الانتقالية، على أن تقوم هذه الهيئة بإجراء تقييم فى منتصف المدة لترتيبات الوحدة، وتتشكل هيئة التقييم من ممثلين متساوين من حكومة السودان والجيش الشعبى لتحرر السودان، ومما لا يزيد عن ممثلين اثنين من الدول والمنظمات الآتية:-
أ-الدول الأعضاء فى اللجنة الفرعية حول السودان التابعة لمنظمة الإيجاد وهى جيبوتى وإريتريا وأثيوبيا وكينيا وأوغندا.
ب-دول مراقبة دولية وهم إيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
ج-أى دول أو هيئات دولية أخرى يتم الاتفاق عليها من قبل الأطراف.
وناط الاتفاق بالأطراف والهيئة العمل خلال الفترة الانتقالية على تحسين المؤسسات والترتيبات المؤسسية طبقاً للاتفاقية والتى تهدف إلى جعل وحدة السودان جاذبة لأهل الجنوب.
فى هذا السياق يمكننا أن نشير إلى ملاحظتين أساسيتين، الملاحظة الأولى تتعلق بوجود نوع من التعارض فى بنية الاتفاق الإطارى نفسه فيما يتعلق بمسألة الوحدة أو الانفصال، إذ أنه يمنح الجنوبيين الحق فى إدارة شئون إقليمهم، الأمر الذى يقتضى إنشاء هياكل ومؤسسات وأجهزة إدارية خاصة بالإقليم الجنوبى لتمكين حكومة هذا الإقليم من إدارة شئونه، وهذه خطوة قد تشجع على الانفصال فى وقت لاحق. وفى الوقت نفسه ينص الاتفاق على تشجيع الوحدة وجعلها جاذبة بمعنى أنه يدعو إلى التركيز على الآليات المفضية إليها، والتى تقتضى إنشاء ودعم الهياكل والمؤسسات والأجهزة ذات البعد القومى والتى تشجع الطرفين على التفاعل والعمل سوياً بشكل منفتح من أجل مستقبل مشترك، مع محاولة التقارب وتخطى المشاكل الناتجة عن الحرب طويلة الأمد، والتى أفرزت مناخاً عاماً من التوجس وعدم الثقة. وعلى ذلك فإن المحصلة النهائية للفترة الانتقالية ستكون رهناً لعوامل غير منظورة وقد لا يمكن السيطرة عليها، إذ أنها تعتمد على ظروف وأسلوب تطبيق الاتفاق التى تعتمد بدورها على فهم الطرفين لنصوصه والمناخ الذى سيجرى التطبيق من خلاله وكيفية تجاوز المشاكل المعقدة التى ستنشأ خلال التطبيق.
ولمحاولة فهم هذا التعارض الخفى فإننا نشير إلى النص الوارد فى تقرير دانفورث فيما يتعلق بحق تقرير المصير(4)، الصادر فى أبريل 2002 حيث عرض التقرير حق تقرير المصير للجنوبيين باعتباره وسيلة لحماية أنفسهم من الاضطهاد، وأشار إلى رأى الشمال الرافض لتقرير المصير المؤدى للانفصال، ثم ذهب دانفورث إلى "أن وجهة النظر الممكن تحقيقها أكثر والتى يعتقد أنها الأفضل لتحقيق حق تقرير المصير هى التى تضمن حق الشعب فى جنوب البلاد بالعيش تحت حكم يحترم دينه وثقافته، وذلك فى إطار إعطاء ضمانات جدية داخلية وخارجية بحيث لا يمكن للحكومة أن تتجاهل فى الممارسة أى وعود تقدمها أثناء مفاوضات السلام".
وهكذا فإنه من الواضح أن الفهم الأمريكى الوارد فى تقرير دانفورث، والذى يحاول جعل تقرير المصير وسيلة وليس غاية مقصودة فى ذاتها، ويستخدمه أداة للضغط والتلويح بإمكانية إنقاذه للحصول على الحقوق، قد يتحول كما هو واضح من التفاعلات الجارية حتى الآن إلى نقطة بدء لمسار جديد فى العمليات السياسية السودانية برمتها، فبمجرد التوقيع على هذا الحق بدأت التفاعلات تأخذ شكلاً جديداً، ومنحى آخر فاحتلت قضية المناطق المهمشة حيزاً كبيراً وبخاصة قضية منطقة "ابيى" التى من المرجح أنها ستتحول إلى "كشمير" جديدة فى السودان، بالإضافة إلى أزمة دارفور الذى اشتعلت إلى حد غير مسبوق وتحولت الآن من قضية داخلية إلى قضية ذات بعد دولى، بمعنى أنها خرجت من حيز التفاعلات الداخلية فى السودان إلى التدويل مع رفع سقف المطالب والمطالبة بحصة من البترول وقوات عسكرية مستقلة وحكم ذاتى واسع النطاق، وكل ذلك على خلفية صراع أثنى وعرقى وجهوى موجه ضد المركز أو الشمال النيلى بالتحديد.
أما الملاحظة الثانية فتقودنا إلى المشاكل التطبيقية لحق تقرير المصير، لجنوب السودان (5) والتى يمكن إيجازها فيما يلى:
أ-قضية حدود الجنوب: نص الاتفاق الإطارى على أن حدود الجنوب هى الحدود المعروفة عند استقلال السودان فى يناير 1956، إلا أن الحركة الشعبية ومنذ الشوط الأول فى الجولة الثانية للمفاوضات طرحت تصوراً مختلفاً لحدود الجنوب، وذلك بأن ضمت إلى الولايات الثلاث المتعارف عليها، مناطق كل من إبيى وجبال النوبا (كلاهما تقع فى ولاية جنوب كردفان الحالية)، وجبال الانقسنا جنوب (ولاية النيل الأزرق).
وقد رفضت الخرطوم النظر فى هذا الطرح باعتبار أن حدود جنوب السودان معروفة بالضرورة وأن هذه مسألة محسومة فى الاتفاق الإطارى، إلا أن الحكومة السودانية وللعديد من الاعتبارات رضخت جزئياً لمطلب الحركة الشعبية وأجرت مفاوضات حول هذه المناطق فى مسار منفصل وموازى لمسار مبادرة الإيجاد فى محاولة لتحاشى الاعتراف بحق تقرير المصير لهذه المناطق، وذلك طبقاً للتصور السائد آنذاك بأن الحركة الشعبية تتشبث بمطلب التفاوض حول قضايا المناطق كمطلب تكتيكى بالنظر إلى انتماء جزء من قواتها العسكرية إلى هذه المناطق. إلا أن التجربة العملية ومسار المفاوضات أثبتا خطأ هذا الاعتقاد، فرغم الوصول إلى تفاهم عام حول حكم ذاتى بصلاحيات معينة لجبال النوبا وجبال الانقسنا، إلا أن الموقف أصبح معقداً للغاية بخصوص "إبيى" وتحول إلى أزمة كبيرة فى المفاوضات بسبب إصرار الحركة الشعبية على موقفها بضم أبيى إلى بحر الغزال، ورغم محاولة الولايات المتحدة الأولية لاتخاذ موقف ضاغط على الطرفين لدفعهما إلى التوصل إلى اتفاق، إلا أنها انحازت فى النهاية إلى موقف الحركة الشعبية من خلال اقتراحها جعل المنطقة تابعة إدارياً لكل من حكومتى ولاية كردفان وولاية بحر الغزال فى الوقت نفسه إلى أن يجرى تحديد وضعها النهائى بعد 6 سنوات عبر الاستفتاء. وهذا أمر ستقابله مشكلة أخرى فى حينها وهى من هم الذين يحق لهم التصويت على مستقبل منطقة أبيى؟ فالحركة الشعبية تصر على أن حدود أبيى تقف عند خط العرض 10 شمالاً وهذا يعنى أن "الدينكا نقوك" هم المعنيون وحدهم بالتصويت، فى حين أن الحكومة ترى أن حدود المنطقة هى خط العرض 11.5 شمالاً وهذا يعنى أن قبائل المسيرية التى تتمركز فى بابنوسة والمجلد وترتحل إلى الجنوب صيفاً يحق لها التصويت. وبالنظر إلى الأغلبية العددية للمسيرية فإن النتيجة ستكون فى هذه الحالة لصالح الشمال وهو الأمر الذى ترفضه الحركة الشعبية بالطبع.
ب-حق التصويت: السؤال الأساسى المطروح قبل الدخول فى عملية الاستفتاء والمطلوب الإجابة عليه هو: من هو الجنوبى؟ أو بمعنى آخر من يحق له التصويت فى الاستفتاء؟ قد تكون الإجابة على هذا السؤال غاية فى البساطة فى الأحوال العادية، ولكنها فى الوضع السودانى تثير العديد من القضايا الإشكالية، بالنظر إلى المتغيرات التى حدثت فى السودان فى السنوات العشرين الماضية، حيث نزح مئات الآلاف من الجنوبيين إلى وسط وشمال السودان، هرباً من الحرب أو المجاعة. فهل من يحق له التصويت هو الشخص القاطن فى الجنوب؟ وما هى وضعية الجنوبيين النازحين؟ وما هو الوضع بالنسبة للشماليين الذين استقروا فى مدن الجنوب، هل يحق لهم التصويت أم لا؟ وهل إذا صوت الجنوب لصالح الانفصال سيبقى الجنوبيون القاطنون فى الشمال فى أماكنهم؟ أم سيتم ترحيلهم؟ وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن مسمى "جنوبى" ليس ذا دلالة قانونية، وإنما هو إشارة إلى انتماء جغرافى إلى جهة من جهات السودان. ويزداد الأمر تعقيداً بالنظر إلى التركيب المعقد للجنوب الذى يتكون من فسيفساء عرقى وثقافى ودينى شديد التنوع، مع عدم وجود سجلات رسمية منتظمة لإثبات الهوية، وبذلك تكون عملية تسجيل وتحديد من يحق لهم التصويت مسألة بالغة الصعوبة.
وطبقاً لآخر إحصاء تم إجرائه فى عام 1983، يبلغ عدد سكان الجنوب حوالى 5.4 مليون نسمة، أى ربع عدد سكان السودان البالغ آنذاك 22.5 مليون نسمة (عدد السكان الحالى حوالى 38 مليون نسمة)، كما أنه من الصعب العثور الآن على إحصاءات دقيقة للجنوبيين، بسبب الظروف الأمنية الصعبة، إلا أن تقديرات الحكومة السودانية وعدد من منظمات الإغاثة العاملة فى جنوب السودان تشير إلى أن عدد الجنوبيين النازحين إلى الشمال بلغ حوالى 2 مليون جنوبى، فى مقابل حوالى 1.5 مليون مازالو فى الجنوب، وأن اللاجئين إلى دول الجوار فى اثيوبيا وأوغندا وكينيا وأفريقيا الوسطى بلغوا نحو نصف مليون جنوبى، وأن هناك أكثر من 50 ألف جنوبى فى دول العالم الأخرى. وهذه التقديرات قد تزيد أو تنقص بنسبة ما، إلا أنها توضح بكل تأكيد أن نصف الجنوبيين على الأقل يعيشون الآن فى الشمال.
وقد حددت الحركة الشعبية لتحرير السودان موقفها من هذه النقطة فى الورقة التى قدمتها إلى مؤتمر "قضايا الانتقال إلى الديمقراطية والسلام" الذى عقد فى كمبالا عام 1999، وذلك على النحو التالى:-
- السودانيون الجنوبيون هم المواطنون الأصليون من أهل المنطقة والذين يقيمون فى أحد الأقاليم الجنوبية الثلاثة (بحر الغزال والاستوائية وأعالى النيل)، وينتمون إلى إحدى المجموعات العرقية أو القبلية من السكان الأصليين من خلال أحد الأبوين أو كليهما.
- السودانيون الجنوبيون الذين يقيمون فى مدن السودان الشمالية يجب أن يعودوا إلى مناطقهم لكى يستطيعوا الاقتراع فى الوقت المحدد للاستفتاء، ولا يسمح لهم بالاقتراع من مناطقهم فى شمال السودان (بحجة أنهم قد يكونون تحت تأثير حكومة الخرطوم).
- اللاجئون الجنوبيون فى الخارج، يسمح لهم بالاقتراع خارج السودان فى بلدان اللجوء أو فى مقار البعثات الدبلوماسية السودانية.
ويلاحظ على هذه الرؤية أنها تهدف إلى إغلاق الطريق أمام حكومة الخرطوم فيما يتعلق بالجنوبيين المقيمين فى الشمال، حيث أن هؤلاء قد يكونوا من مؤيدى الوحدة، بسبب عدم رغبتهم فى التخلى عن حقهم فى العودة إلى مواطنهم الأصلية، فى الوقت الذى قد لا يستطيعون فيه العودة إلى الجنوب لأسباب تتعلق بأوضاعهم المعيشية أو بسبب مخاوف أمنية أو قبلية. كما أن الحركة لا توضح الطريقة التى سوف يتم بها ترحيل هؤلاء إلى الجنوب مرة أخرى، وهل سيتم ذلك طوعاً أو عن طريق الإكراه؟
قد يكون هذا الموقف من جانب الحركة الشعبية تفاوضياً، بحيث يجرى التنازل عنه فيما بعد، إلا أنه فى هذه الحالة سيحتاج أيضاً إلى الكثير من الترتيبات الخاصة بإثبات الهوية وتسجيل من يحق لهم التصويت بحكم وجود أعداد هائلة أخرى من النازحين من الغرب ومن المناطق الملاصقة للجنوب، وهذا قد يقود إلى إحداث خلافات ومشاكل هائلة فيما يتعلق بالتفاصيل التى تحكم هذه العملية.
ج-كيفية التصويت: المؤسسة السياسية والإدارية والقانونية الموجودة حالياً فى الجنوب هى "الولاية" مع وجود "القبيلة" كوحدة اجتماعية مهمة داخل الولاية. وحسب التوزيع الحالى فإن الجنوب مقسم إلى 10 ولايات، وكل ولاية منها تمثل تقريباً قبيلة واحدة، أو قبائل مترابطة الأواصر على نحو ما، ولكل ولاية دوائرها الانتخابية الخاصة بالتصويت للمجلس الوطنى (البرلمان)، وبداخل كل ولاية توجد المجالس المحلية كوحدات إدارية وقانونية على مستوى أدنى.
وبالنظر إلى هيمنة القبيلة على الحياة فى الجنوب، فإن المتوقع هو أن يصوت أبناء كل قبيلة فى اتجاه موحد، غايته نصرة القبيلة أو الولاية فى الاتجاه الذى تريد، فإذا كان سؤال الاستفتاء الموجه لكل جنوبى له حق التصويت كالتالى:- "هل ترغب فى بقاء الجنوب فى الوحدة الحالية أم تريد الانفصال" فإن مثل هذا السؤال قد يقود إلى نتيجة غير عادلة لبعض القبائل، التى قد تجد نفسها فى مواجهة نتيجة (لم تصوت لها)، ولا ترضى عنها أو لا تحقق مصالحها. ويمكن توضيح ذلك كما يلى:-
- قبيلة الدنيكا هى أكبر قبائل الجنوب من حيث العدد، ولها أربع ولايات من الولايات العشر، تقع ثلاث منها فى إطار بحر الغزال الكبرى، وفى المقابل فإن قبيلة النوير هى القبيلة الأولى فى أعالى النيل الكبرى، وتليها من الناحية العددية قبيلة الدنيكا.
- أما قبيلة الشلك وهى ثالث أكبر القبائل الجنوبية فهى موزعة بين أعالى النيل والمديرية الاستوائية.
- هناك مجموعة كبيرة من القبائل المتصارعة فى المديرية الاستوائية وهى قبائل تحمل مشاعر عدائية تجاه القبائل الثلاث الكبرى خوفاً من الوقوع تحت سيطرتها.
وعلى ذلك فإن قبيلة الدنيكا والنوير لو تحالفتا معاً فإنهما ستحسمان اتجاه التصويت سواء للوحدة أو للانفصال، ومن ثم فإن باقى القبائل ستجد نفسها مضطرة للرضوخ لنتائج هذا الاتجاه التصويتى أو ذاك، وكأن تصويتها لا قيمة له، أو هو من باب تحصيل الحاصل، وهذه مسألة بالغة الحساسية فى الوضع الجنوبى فمن المعروف أن خسائر الجنوبيين نتيجة للقتال الضارى بين بعضهم البعض هى أكثر من خسائرهم فى القتال ضد الشمال، كما أن هناك العديد من القبائل الجنوبية التى ما زالت تقاتل مع حكومة الخرطوم ضد قوات قرنق، حيث قاتلت قوات "فاولينوماتيب" – على سبيل المثال - بضراوة إلى جانب القوات الحكومية من أجل تحرير مدينة "توريت" واستعادتها من قوات الحركة الشعبية، وكانت على رأس أحد المحاور الثلاثة الرئيسية التى قامت القوات الحكومية من خلالها باقتحام المدينة.
أما إذا كان السؤال المطروح للاستفتاء "هل ترغب فى أن تبقى ولايتك فى إطار النظام القائم أم تكون فى إطار جنوب منفصل" فمن المؤكد أن نتائج الاستفتاء سوف تختلف، ففى هذه الحالة من الممكن أن تصوت بعض الولايات للانفصال عن الشمال فى حين أن بعضها الآخر قد يفضل البقاء فى إطار السودان الموحد، الأمر الذى يعنى أن الكيان الجنوبى المنفصل فى دولة جديدة قد يشتمل على أربع أو خمس ولايات فقط -على سبيل المثال- فى الوقت الذى قد تختار الولايات الأخرى صيغة مختلفة مثل الكونفدرالية مع الشمال، وإن كان من غير المتصور أن يلقى مثل هذا الاقتراح موافقة الحركة الشعبية، لأنه سوف يقود إلى تفتيت الجنوب المعروف بحدوده الحالية، وسيؤدى أيضا إلى فقدان الحركة الشعبية لموقعها كممثل للجنوبيين.
ومن ثم فإن القضايا الفنية المتعلقة بالاستفتاء والتى ينتظر حسمها فى الاتفاق النهائى ستكون ذات أثر بالغ الأهمية فيما يتعلق بنتائج الاستفتاء ومن ثم وحدة التراب السودانى، أو حدوث الانفصال، وهى فى كل الأحوال تشير إلى أن عملية تطبيق اتفاق ماشاكوس برمتها، ستواجه تعقيدات صعبة.




الورقة الثانية
السودان الموحد وخيار الانفصال
توطئة:
إن أساس مشكلة جنوب السودان يعود – علاوة على الاعتبارات التاريخية وسياسة بريطانيا الاستعمارية - إلى انعدام عوامل التوحد بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب سواء من حيث اختلاف الدين أو اللغة أو العرق أو العادات والتقاليد والوجدان والمشاعر المشتركة.
إن مشكلة جنوب السودان أخذت أبعاد الصراع الاجتماعي الممتد الذي ليس من السهولة حله من خلال الاتفاقيات والتسويات القانونية. وهي مشكلة أصبحت تتمدد وتتعقد بمرور الوقت ، لذلك من الأفضل أن تحسم بصورة نهائية . ويرى أصحاب هذا الرأي أن الاستفتاء يجب أن يشمل الشعبين الشمالي والجنوبي.
منذ فترة مابعد الاستقلال كانت دعوات الانفصال تأتي من جانب أبناء الجنوب دون أبناء الشمال . وقد التزم أبناء الشمال طوال الفترة السابقة بالدعوة لوحدة البلاد وعدم التفريط في أي شبر من الأراضي السودانية . وقد اتبعت حكومات السودان المتعاقبة القول بالفعل فقاتلت الحركات المتمردة في جنوب السودان من أجل فرض الوحدة ، كما فاوضت تلك الحركات في أحيان أخرى من أجل الوحدة . وكان الانفصال خط أحمر في كل تلك المفاوضات لايمكن الاقتراب منه على المستوى الشعبي رغم تذمر البعض من أبناء الشمال من الحرب طويلة الأمد في جنوب البلاد . ولكن الدعوات لفصل جنوب السودان ظلت على مستويات فردية تعتمل في نفوس البعض دون الإفصاح علانية في أجهزة الإعلام.
أولاً : التيارات الانفصالية :
أ‌- التيار الانفصالي الشمالي:
وفي عهد حكومة الإنقاذ الوطني بدأت تلك الدعوات تظهر على السطح ، وازدادت حدة بعد توقيع اتفاق نيفاشا والنص صراحة على "حق تقرير المصير لجنوب السودان" ، فتكون بذلك التيار الشمالي الانفصالي الذي تبنى دعوات السلام العادل . وأصبح – وبناء على اتفاق نيفاشا –ظلم الشمال على حساب الجنوب واقعاً معاشاً. والغريب أن التيار الشمالي الانفصالي هو تيار من داخل الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني دون الأحزاب الأخرى ، مما دفع البعض للقول أن هذا التيار يمثل الرأي الحقيقي لحزب المؤتمر الوطني الذي أتاح لقياداته فرصة التحرك وحرية الإعلام للتبشير بدعوات الانفصال وتهيئة الشعب السوداني في الشمال نفسياً لتقبل تلك الدعوات ، وتهيئة الشعب السوداني للتصويت للانفصال وجعل الوحدة خياراً غير جاذب في أذهان الناس.
والسؤال الذي أعيا الكثير من الباحثين . لماذا نشأ تياراً شمالياً يدعو للانفصال ؟ ويمكن تلخيص الإجابة حول هذا الموضوع في النقاط الآتية:
1- يرى البعض أن هناك قناعة تشكلت لدى تيار عريض من عشاق المؤتمر الوطني أنه لاطائل ولاجدوى من وحدة الشمال والجنوب وذلك للفروقات الكثيرة والتي ذكرناها آنفاً.
2- ويرى البعض الآخر أن هذا التيار قد نشأ نتيجة لاستياء أبناء الشمال من استمرار الحرب خمسين عاماً دون تحقق أشياء تذكر . وأن هذه الحرب قد أقعدت السودان اقتصادياً ، وتسببت في انهيار معظم الحكومات في الشمال ، وبدأت تزرع الفتن في الغرب والشرق . كما أنه لا أمل في تسوية مرضية للطرفين إلا عن طريق منح "حق تقرير المصير" .
3- ويرى طرف ثالث أن هذا التيار الانفصالي لم يكن وليد فترة الإنقاذ ، بل كان هناك شعور لدى عدد من الإسلاميين وبعض الأحزاب الدينية ، بأن الجنوب وقف – منذ فترة مابعد الاستقلال – حائلاً دون وضع الدستور الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية في السودان.
4- ويرى آخرون أن شهوة السلطة والتشبث بها هو الذي دفع بعض عناصر المؤتمر الوطني للدعوة لفصل جنوب السودان عن شماله . ويرى هؤلاء أن المؤتمر الوطني يجب أن يستمر في حكم السودان ، وأن الجنوب سيكون السبب في تقلص نفوذ ه ، وربما يكون السبب في إزاحته من الحكم.
5- وهناك تيار يرى أن التيار الانفصالي الشمالي قد نشأ لأسباب ومرارات شخصية بحتة ولأسباب متباينة ، مثل موقف الطيب مصطفى مؤسس التيار الانفصالي الشمالي والذي كان دافعه الرئيسي لفصل جنوب السودان هو الشعور بالمرارة والكراهية تجاه أبناء الجنوب بعد موت ابنه في العمليات هناك.

وقد نجح التيار الشمالي الانفصالي في تحقيق ما هدف إليه بغض النظر إلى الأسباب الكامنة وراء تلك الدعوة كما بينا. وقد تغلب هذا التيار على العامل النفسي والقدسية التي أحاطت بفكرة الدعوة لفصل الجنوب ، واعتبار أن تلك الدعوة من الخطوط الحمراء المسكوت عنها . وهذا التيار – ومن خلال صحيفة الانتباهة الواسعة الانتشار ومن خلال الندوات واللقاءات التي نظمتها – قد نجح إلى حد ما في إقناع أبناء الشمال من تقبل فكرة الانفصال إذا اقتضت الضرورة لذلك باعتبار آخر الدواء "الكي" .
ب‌- التيارات الانفصالية الجنوبية:
وبالنظر إلى التيارات الجنوبية الانفصالية ، نجد أنها – عموماً – مهددة في مسارها وأهدافها وأسبابها الداعية للانفصال. ويمكن تلخيص ذلك في النقاط الآتية:
1- النظرة إلى الشمال باعتباره شكل من أشكال الاستعمار، وأحفاد تجار الرقيق . وأبناء الجنوب في ذلك متأثرين بالبعثات التبشيرية وماضي سلوك بعض الشماليين في الجنوب.
2- بعض التيارات الجنوبية ترى أن الجنوب أرض مليئة بالثروات ، ويجب ألا يشارك أبناء الشمال في الاستفادة منها.
3- استحالة العيش مع أبناء الشمال ، مع انعدام الثقة بين الطرفين وذلك لنقض أبناء الشمال المستمر للعهود والمواثيق وعدم مصداقيتهم ووفائهم في كثير من المواقف.
4- رعاية حكومة الإنقاذ – خاصة المؤتمر الوطني - لمسلمي جنوب السودان ( الذين يشكلون 18% من سكان الجنوب) . تمثلت هذه الرعاية عبر الحركة الإسلامية في الشمال وعبر منظمات مثل منظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة واتحاد الطلاب المسلمين بجنوب السودان وبيت الزكاة الكويتي ... إلخ . وبذلك صار للحركة الإسلامية الشمالية الوجود المكثف بجنوب السودان مما سبب إزعاجاً ومواقف تدعو للريبة وسط أبناء الجنوب الآخرين ، بل وتغيرت نظرتهم لمسلمي جنوب السودان باعتبارهم عملاء للشمال ومسانديهم في ظلم أبناء الجنوب.

ثالثاً : الانفصال يفقد الشمال والجنوب ميزة الكيان الواحد وفرص الاستثمار الكبير:
يكاد يجمع المراقبون على أن إجازة قانون الاستفتاء لممارسة حق تقرير المصير لجنوب السودان كأحد استحقاقات اتفاقية نيفاشا، قد دشن وبصفة رسمية انفصال الجنوب، بالأخذ في الاعتبار إستمرارية دولة المؤتمر الوطني الشمولية الدينية، ودعوة الحركة الشعبية لتحرير السودان مواطني الجنوب للتصويت للانفصال لاستحالة تحويل الوحدة لوحدة جاذبة في ظل دولة دينية تجعل من غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية. ودون الخوض عميقاً في الجدل حول حتمية وقوع الانفصال من عدمه، نود أن نناقش مآلات الواقع السوداني في حال وقوع هذا الانفصال، لتبديد أوهام من يظنون أن في الانفصال خيراً للجنوب والشمال معاً. إذ أننا نزعم بأن الانفصال تحيط به مخاطر جمة سوف يعاني منها الكيانان المفترض ظهورهما بعد الانفصال،
ويؤدي الانفصال حتماً إلى فقدان ميزة الكيان الواحد الذي هو بلاجدال الأقوى والأغنى بموارده وممكناته الاقتصادية والبشرية والثقافية، ويحرم الطرفين من فرصة التماسك بوزن إقليمي ودولي أكبر، ويعتبر بالتالي تراجعاً خطيراً في زمن التكتلات والبحث عن كيانات أكبر تكون أكثر قابلية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية الدولية المعقدة. ويلاحظ أن الانفصال الذي سوف يتم على أساس افتراض تباين وتناقض مستعصٍ على الحل، سوف يمنع من وجود أي شكل من أشكال التكتل الإيجابي أو التكامل في أي صورة من صوره.
كما يقضي الانفصال على فرص استثمار الموارد الاقتصادية بكامل التراب السوداني الحالي لمصلحة جميع السودانيين ويضيع إمكانية توظيف موارد الطاقة مع المساحات الزراعية الشاسعة والاستفادة من الأيدي العاملة المدربة ومن الخبرات الفنية التي كان حظ الشمال منها أكبر نسبياً، ويخلق بالجنوب دولة ذات طبيعة مناخية وجغرافية واحدة ، كما يحرم الشمال من غنى التنوع المناخي والجغرافي بالجنوب وبالتالي يقضي على إمكانيات استثمارية متنوعة وواسعة تقوم على هذا التنوع.
وسوف تخصم من نصيب الشمال لصالح دولة الجنوب الموارد الآتية:
1- من 21% إلى 32% من الموارد البشرية.
2- 25% من الأراضي الصالحة للزراعة لوجود الأمطار طيلة العام.
3- الجنوب عمق استراتيجي للشمال(26% من الكتلة الحيوية).
4- 60% من الثروة الغابية.
5- 70% من الحياة البرية.
6- مياه النيل الأبيض وروافده.
7- 55% من الثروة الحيوانية.
8- 60% من الثروة السمكية.
9- 80% من النفط.
وسوف تخصم من نصيب الشمال لصالح دولة الجنوب الموارد الآتية:
1- البنيات الأساسية القائمة في الشمال لدولة السودان الموحد القائمة منذ إعلان السودان دولة حديثة.
2- الامتداد الإقليمي لسواحل البحر الأحمر ووجود الموانئ الحيوية فيه يحسب لصالح دولة الشمال.
3- الخدمة المدنية العريقة بكل تراكماتها وتطورها منذ العهد البريطاني.
4- فقد السوق المحلي في الشمال للمنتجات الجنوبية.كما يفقد الشمال السوق الجنوبية لمنتجاته.
5- يحجب انفصال الجنوب دولة الشمال من الاتصال المباشر بشرق أفريقيا.
6- انفصال الجنوب يعوق التنمية الصحيحة لحزام السافنا المشترك بين الشمال والجنوب.
7- يفقد السودان دوره الرائد في تطوير مشاريع أعالي النيل المائية التي يتوقع أن تزيد من تدفق مياه النيل الأبيض (مشروع جونقلي مثلاً).

رابعاً : الانفصال يتوج بقيام دولة مغلقة هشة بالجنوب:
يجعل الانفصال من دولة الجنوب دولة مغلقة لا منفذ لديها إلى البحر، وهذا بالقطع يحتم مرور بترولها عبر دولة الشمال إلى ميناء بورتسودان. فالخيار الآخر هو إنشاء خط أنابيب لميناء ممباسا الكيني، وهو خيار غير عملي بالأخذ في الاعتبار التكلفة ومايدور حول نضوب البترول خلال ستة أعوام قادمة فقط. وبما أن ميزانية حكومة الجنوب تعتمد بنسبة 95% على عائدات البترول، فإن دولة الجنوب سوف تخضع لإبتزاز دولة المؤتمر الوطني في الشمال لتسويق بترولها مما يجعل استقلالها شكلياً، ويمكن دولة الشمال من إضعافها اقتصاديا.
ويؤدي الانفصال إلى قيام دولة في جنوب السودان تتميز بالضعف في هيكل الدولة وضعف المؤسسات المدنية مع الحضور القوى للعامل القبلي وانتشار أوضاع التخلف المزمنة الناتجة عن أسباب تاريخية والمعززة بماخلفته الحرب الطويلة، مع الصعوبات الاقتصادية الكبيرة التي ستواجه حكومة دولة الجنوب، يرشح دولة الجنوب لمشروع صوملة أخرى أو على الأقل عدم استقرار مزمن.
الانفصال سوف يفضح هشاشة البنية السياسية في دولة الجنوب ويؤكد تغييب مؤسسات المجتمع المدني وإضعاف العمل الحزبي والمؤسسات الحديثة، ويعلي من شأن النفوذ القبلي ومؤسسات المجتمع الأهلي الأخرى في النشاط السياسي، وهذا يرجح تعدد الانقسامات واستمرار الفلتات الأمنية وقد يدفع بالحركة الشعبية مرغمة لبناء نظام ديكتاتوري بالجنوب حتى تفرض النظام وتوفر الحد الأدنى من الأمن. وبالتأكيد لن تكون أيادي المؤتمر الوطني بعيدة عن أي تمرد أو تفلتات أمنية تحدث في الجنوب.
مشكلات بناء دولة في الجنوب بالبدء من مواقع متخلفة، تستدعي بالحتم الاستعانة بالخارج، وليس هنالك خارج مستعد للدعم بلاشروط ودون أن يحقق له هذا الدعم مصالح اقتصادية وسياسية. فالدول المستعدة للدعم دائماً لها أهداف استعمارية وشروط مجحفة لاسبيل لتفاديها في حال البناء من الصفر او البدء من مواقع متخلفة، ووجود مثل هذه الدول الحتمي بدولة الجنوب لن يشكل خطراً على استقلالها وسيادتها هي فقط، بل سيشكل خطراً دائماً وداهماً على دولة الشمال الغارقة في أوهامها أيضاً.
وستواجه دولة الجنوب أزمة بناء خدمة مدنية فاعلة ومؤسسات تعليمية قادرة وقضاء مؤهل، وبالمجمل مؤسسات دولة حديثة، في ظل نقص الكادر وضعف التمويل واستمرار نشاط عسكرة الحياة لفترات طويلة يصعب معها إعادة تأهيلهم للعودة للحياة المدنية. وتواجه دولة الشمال خدمة مدنية مختطفة من قبل المؤتمر الوطني وقضاء غير مستقل ومؤسسات تعليم تم تخريبها عمداً، مما يحتم تعميق الأزمة بدلاً من استشراف حلول لها.
وبالرغم من ذلك فإن الحركة الشعبية يبدو أنها سوف تقبل التحدي لبناء دولة في بقعة الجنوب الجغرافية ، دولة لها مقومات الدولة الحديثة ، وتوجه رسالة لكل من يشك في قدرات شعب جنوب السودان وقياداته السياسية والعسكرية في بناء هذه الدولة. وأن الحركة الشعبية – في ظل الفترة الانتقالية – قد قطعت شوطاً كبيراً في تأسيس مستويات الحكم في الإقليم الجنوبي لتثبيت أركان دولة جنوبية إذا اختار الشعب السوداني في جنوب البلاد . إضافة إلى الوعي الذي يتمتع به القادة السياسيين من أبناء الجنوب سوف يتمص ويتحكم في الانفلاتات الأمنية والصراعات القبلية.
خامساً : الانفصال يؤدي إلى انهيار أحد الجسور العربية-الأفريقية :
من المعلوم أن الانفصال يحرم دولة الشمال من عمقها الأفريقي، ويقطع الصلة المباشرة بينها وبين دول حوض النيل في معظمها وينهي التماس والتثاقف بين العالم العربي في طبعته السودانية الأفريقية وبين أفريقيا الأواسط وأبعدها ويغلق الطريق أمام أي تواصل حضاري يسمح للطرفين ببناء تواصل إنساني مفيد ومؤثر على المستوى الإنساني، يؤسس لعلاقة أفضل في سبيل تعميق الصلات من أجل النضال لخلق مجتمع إنساني يحترم الإنسان بماهو إنسان بعيداً عن كافة أشكال التمييز.
وكذلك فإن الإنفصال سوف يقوم بقطع التواصل المباشر بين دولة الجنوب والعالم العربي ويجعل محيطها أفريقياً صرفاً، وبالتالي يمنعها من التثاقف الشعبي الهادئ مع الثقافة العربية والإسلامية والمواطن العربي غير السوداني بعيداً عن مؤثرات السلطة الدينية في شمال السودان، ومن ثم يحرمه من مقاربة تلك الثقافة من مواقع الندية ويكرس العداء المضمر الذي اورثه له ميراث التعالي الأخرق الذي تكرس في أبشع صوره لدى دولة الإسلام السياسي في الشمال.
سادساً : الانفصال يؤدي إلى انحسار الديمقراطية في الدولتين :
يؤدي الإنفصال إلى تكريس الدولة الدينية في الشمال وتمكين رأس المال الطفيلي من تشديد قبضته على السلطة، متوهماً أن فشله في فرض سطوته على الجنوب أسبابها دينية وعرقية، وأن نقاء دولة الشمال الديني باغلبيتها المسلمة سوف يمكنه من فرض دولته الدينية الإسلامية بسهولة ويسر. وبالطبع سوف يتناسى أن المشكلات بالأصل هي اقتصادية واجتماعية وسياسية، نفخت في جسد التمايز العرقي والديني دفعاً سالباً عمقته الدولة الدينية، والدلالة على ذلك مشكلة دارفور وانتفاضات أبناء الشمال ضد السدود واحتجاجات أبناء الشرق ضد المظالم المرشحة للتصاعد مثلها مثل احتجاجات أبناء كردفان. عدم إدراك رأس المال الطفيلي ومؤتمره الوطني لهذه الحقائق سوف يدفعه لمحاولة قهر وقمع المعارضة وتكريس الشمولية في دولة الشمال تحت شعارات دينية أفرغت من محتواها مسبقاً، ويرشح دولة الشمال لمزيد من الصراعات المسلحة نتيجة لإنسداد سبل الحل السياسي.
كما يؤدي الانفصال سوف يجعل الحركة الشعبية مضطرة لبناء دولة قابضة وغير ديمقراطية في الجنوب مع حتمية وجود دولة شمولية للمؤتمر الوطني في الشمال، يعني تغييب كامل للمواطن السوداني جنوباً وشمالا، ويحتم وجود علاقة عدائية بين الدولتين. ولهذا يرجح أن تكون الحدود بين الدولتين حدود ملتهبة دائماً منذ لحظة ترسيمها مروراً بحراستها ووصولاً للتفاهم حول ضبطها.
إن إستمرار دولة المؤتمر الوطني الطفيلية في الشمال ونشوء دولة الحركة الشعبية في الجنوب في غياب المؤسسية والشفافية وضعف إن لم يكن غياب المشاركة الشعبية، يحتم إنتشار الفساد في الدولتين في إطار غياب مبدأ المحاسبة والإنفراد بالسلطة بشكل أو بآخر. وهذا يهدد بتعميق الأزمة ونشوء دولتين فاشلتين بدل دولة فاشلة واحدة.
سابعاً : الانفصال ومشاكل "نيفاشا" العالقة :
الإنفصال يعمق مشكلة المناطق الثلاث (أبيي وجبال النوبة والنيل الأزرق)، ففي حال دعم الحركة الشعبية لإنفصالها هي الأخرى سوف يتطور صراع دموي وطويل بدأت نذره منذ الآن برفض أبناء المسيرية لقانون استفتاء أبيي ولقرار التحكيم بلاهاي وهو غير ملزم من ناحية قانونية سوى لأطرافه (الحكومة والحركة الشعبية). فلا دينكا نقوك ولا المسيرية كانوا طرفاً في النزاع، وبالتالي لم يصدر حكم التحكيم في مواجهتهم. أما منطقة النيل الأزرق وجبال النوبة، فتوهم المؤتمر الوطني مقدرته على فرض دولته عليهما عبر الرشا أو بالقوة، فسوف يقود حتماً إلى حروب أخرى، خصوصاً إذا أحست المنطقتين بتخلي الحركة الشعبية عنهما عند أو بعد الانفصال.
كما أن إنفصال الجنوب سوف يشجع جميع المجموعات المهمشة بالبلاد على المطالبة بحقها في تقرير مصيرها، وذلك لأن استمرار رأس المال الطفيلي ومؤتمره الوطني في السلطة ، لن يسمح بمعالجة مشكلات المناطق المهمشة بإشراكها إشراكاً حقيقياً وفاعلاً في السلطة، أو القيام بتنمية حقيقية تنتشل إنسان الهامش من الوهدة التي هو فيها. وهذا يعني أن دولة الشمال الرسالية مهددة بالصوملة نتيجة لتكريس الشمولية والنهب المنظم.
ثامناً : الانفصال ومشاكل المواطنة والجنسية :
الانفصال يثير مشكلة العدد الكبير من الجنوبيين المقيمين بالشمال وبعضهم لم ير الجنوب ولايعرف عنه شيئاً. ومن الطبيعي أن يثور السؤال عن مصير هؤلاء وهل سوف يستمرون في البقاء بدولة الشمال كمواطنين من الدرجة الثانية أو قل رعايا أم أنهم سيطردون إلى دولة الجنوب؟ ونفس الأمر ينسحب على الشماليين المقيمين بالجنوب وإن كانت أعدادهم أقل. هل سنشهد هجرة مهولة كالتي حدثت بين الهند وباكستان حين تم التقسيم على أساس ديني كرس العداء بين الدولتين ونفخ الروح فيه؟
وما مصير ممتلكات المواطنين الجنوبيين في الشمال ومصير ممتلكات المواطنين الشماليين في الجنوب؟ هل سيسمح لمواطني الدولتين بالتملك والعمل وممارسة النشاطات الاقتصادية أسوة بمواطني كل دولة من الدولتين أم سيعاملون كأجانب بوصف كلاً منهم من رعايا دولة أخرى؟
أما بخصوص الجنسية ، فهناك ثلاث احتمالات للتعامل مع إشكالية الجنسية تتعلق بسؤال : ماهية الجنسية التي يحملها الإنسان من أبناء الجنوب في حالة اختياره الانفصال، وخاصة لأولئك الجنوبيين الذي يقطنون في الشمال ، ولايملكون مقومات الحياة في الجنوب بعد ما أسسوا أوضاعهم في الشمال على مدى عشرات السنيين.
الخيار الأول: في أن توافق الدولتان على ازدواجية الجنسية لمن يرغب من أبناء الجنوب، فيصبح لهم كامل حقوق المواطنة في الشمال كما هي في الجنوب.
الخيار الثاني: هو منح أبناء الجنوب الموجودين في الشمال الخيار بين جنسيتي البلدين ، فيصبح أحدهم مواطناً في الدولة التي يختار ، وهذا يعني فقدان المواطنة في البلد الآخر.
الخيار الثالث: هو اعتبار كل الجنوبيين مواطنين في الدولة الجديدة في حالة الانفصال بشكل تلقائي دون النظر أية خيارات أخرى .
ولكل خيار ميزاته وتبعاته.

تاسعاً : الانفصال والاستخلاف العالمي والإقليمي لتمثيل السودان :
والسؤال الذب بتبادر للذهن بعد الانفصال هو : من سيخلف دولة السودان الحالية في المؤسسات الدولية كالامم المتحدة والإتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية؟ هل سيسمح لدولة الشمال بالإحتفاظ بإسم السودان أم أن دولة الجنوب ستطالب بالاسم؟ قد تعطي نيفاشا مؤشراً أولياً على أن الاستخلاف سوف يكون لدولة الشمال بإعتبار أنها عرفت بالحكومة في مقابل الحركة الشعبية، ولكن نيفاشا لم تنظم علاقات مابعد الانفصال.

عاشراً : الانفصال ومياه النيل :
ستواجه الدولتين بالسؤال الصعب حول اقتسام حصة السودان من مياه النيل وكيفية توظيف الحصص بإعتبار إحتياجات النهضة الزراعية ومشكلات الري والتنافس الدولي على موارد المياه بالأخذ في الاعتبار مشكلة ندرة المياه عالمياً وخلافات دول حوض النيل الأخيرة. حساسية هذه المسألة أكبر لدولة الجنوب لأن موارد دولة الشمال من النيل الأزرق أكبر من مواردها من النيل الأبيض، واحتياجات الجنوب في إزدياد في حال وجود تنمية زراعية لاتعتمد الري المطري وتأخذ في إعتبارها عامل التغير المناخي.

حادي عشر : ديون السودان الخارجية :
من سيتكفل بديون السودان الخارجية المقدرة ب 34 مليار دولار وهل سيتم إقتسامها بين الدولتين وعلى أي أساس؟ هل ستوزع المديونية على عدد سكان السودان الحالي، أم أن دولة الجنوب سوف ترفض تحمل أي نصيب من المديونية ؟
ثاني عشر : مصير القوى السودانية الممتدة بعد الانفصال :
لا أحد يدري ما مصير القوى السياسية ذات الامتدادات في الجنوب والشمال. فالحركة الشعبية مثلاً لها قطاع الشمال الذي زعمت في فترة ما أن عضويته وصلت لخمسمائة ألف، وللمؤتمر الوطني عضوية في الجنوب وكذلك المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وقوى أخرى. كيف ستستمر هذه القوى في العمل السياسي بعد انفصال الدولتين؟ هل سيتخلى المؤتمر الوطني عن عضويته في الجنوب وتتخلى الحركة الشعبية عن عضويتها في الشمال أم ماذا؟
ثالث عشر : الانفصال ومشاكل توزيع "الأصول العامة" :
كيف سيتم التعامل مع المؤسسات العاملة بكامل تراب الوطن كالنقل النهري وإلى من ستؤول من الدولتين؟ وهل سيستمر نشاطها بين الدولتين أم سيتوقف؟.
رابع عشر : الانفصال والعملة" :
بالنسبة للعملة التي يتم تداولها في دولة جنوب السودان في حالة أن أفضى الاستفتاء إلى ميلادها ، سوف يكون بين خيارين.
الخيار الأول: الاستمرار في التعامل بالجنيه السوداني.
الخيار الثاني: تؤسس دولة جنوب السودان نظام نقدي ومصرفي يواجه الاحتياجات الضرورية لتنظيم اقتصاد الدولة الجديدة.
خامس عشر : العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الدولتين بعد الانفصال (الهوية السودانية):
ماهو أثر هذه القطيعة السياسية والفصل على هوية السوداني بعامة والشمالي بخاصة بفصله عن عمقه الأفريقي وقطع صلته به، وما أثر تغييب هذا التنوع على التطور الثقافي والهوية السودانية؟
سادس عشر : الانفصال وتفتيت السودان الشمالي:
قد يؤدي انفصال جنوب السودان إلى تفتيت السودان إلى عدة دويلات . ففي السودان الكثير من النزاعات المسلحة القائمة (دارفور وأبيي والنيل الأزرق) والمحتمل أن تقوم (شرق السودان وجبال النوبة) . كما توجد مطالبات عديدة في مناطق أخرى (منطقة المناصير ) . لقد بات الوضع في السودان أكثر هشاشة وقد يتشظى السودان إلى دويلات في أي لحظة خاصة مع انفصال جنوب السودان الذي يؤدي إلى تشجيع الآخرين في وجود التربص العالمي خاصة من جانب الولايات المتحدة واسرائيل التي تضع في أجندتها مسألة تقسيم السودان إلى عدد من الديلات الضعيفة باعتبار السودان الموحد يمثل محوراً فعالاً في المثلث الحيوي والذي يضم منطقة الشرق الأوسط (باعتباره قطراً عربياً مهماً) ومنطقة القرن الأفريقي ( باعهتبارها مطلاً على البحر الأحمر وصاحب علاقة مؤثرة على دول القرن الأفريقي ومنطقة البحيرات وحوض النيل (باعتباره السند الحقيقي لمصر وهما يهيمنان على الحصة الكبرى في مياه النيل.
سابع عشر : الانفصال وصوملة السودان الجنوبي:
قد يؤدي انفصال جنوب السودان إلى أن إندلاع حروب أهلية بين مكونات الجنوب المختلفة . ويذهب الكثير من المراقبين إلى أن الجنوب سيكون ساحة للمعارك بين أبنائه وبين قبائله المختلفة . والصراع القبلي متأجج عبر العصور بين القبائل الجنوبية الكبيرة (الدينكا والنوير والشلك ) من جهة وبين قبائل الأقليات من جهة أخرى. وبإمكان اتفاق القبائل الثلاث الكبيرة فيما بينهم حول كيفية حكم الجنوب ولكن كيف يمكن التوصل إلى الاتفاق مع القبائل الصغيرة العديدة التي سوف تقاتل من أجل البقاء إذا ما وجهت بالتصفية العرقية وهذا متوقع الحدوث بأخذ الأمثلة من منطقة البحيرات (بورندي مثلاً).
كما قد يكون سبب عدم الاستقرار وقيام الحروب في دولة الجنوب عقب الانفصال في حالة تعنت الحركة الشعبية وفرضها لنوع من الحكم الشمولي والإصرار على غياب الديمقراطية والانفراد بالسلطة والعمل على تصفية الحسابات مع الآخر.
ثامن عشر : الانفصال والحدود:
تعتبر مسألة الحدود بين الدولتين من أكبر وأعقد المشاكل القائمة الآن والتي سوف تظل قائمة بين الدولتين إلى زمن طويل بعد الانفصال . ومايشاهد الآن من تعثر مسألة ترسيم الحدود والتعنت القائم بين الطرفين ، يظهر سوء النية المبيتة من الطرفين لجعل هذه المسألة بورة تأجج لصراع في مستقبل الأيام عقب الانفصال. وتعتبر مسألة الحدود من المشاكل التي قد يزيد من عمقها انفصال جنوب السودان في دولة جديدة ، عندها تكون مسألة الحدود مشكلة بين دولتين مستقلتين وليس بين شريكين في الحكم. مما يدفع الدولتين أو أحدهما الدخول في حرب إقليمية مع الأخرى بسبب مسألة الحدود.
وتنبع أهمية الحدود لما تتمتع به مناطق التماس بين الشمال والجنوب من ثروات طبيعية (بترولية ومعدنية ومائية ) وحيوية ( لتحكمها في مصادر المياه واعتبارها منفذا لداخل القارة الأفريقية. وبذلك فإن مسألة الحدود إذا لم تحسم قبل الاستفتاء سوف تكون قنبلة موقوتة ساكنة سوف تنفجر حتما بعيد الانفصال مباشرة ، لأنها من المسائل التي لايمكن تأجيلها باعتبارها عنصراً هاماً في توصيف كيان كل من الدولتين الجديدين.
وتفرز مسألة الحدود إن لم تحسم مسألة النزاعات القبلية في مناطق التماس خاصة مناطق الرعي والزراعة المشتركة بين الجانبين . كل هذا يدفع القبائل في المناطق المشتركة إلى التمرد على كل من الدولتين إذا كانت الحلول ليست في موافقة مصالحها ، مما يجعل الدولة في مواجهة مع مواطنيها في تلك المناطق.
تاسع عشر : حسن الجوار بين الدولتين في حال الانفصال:
إذا اختار مواطني الإقليم الجنوبي لخيار الانفصال ، لابد أن تتم فوراً عدد من الإجراءات الضرورية والسريعة . ومن أهم هذه الإجراءات:
1- الاعتراف المتبادل للدولتين من قيادات الدولتين.
2- الشروع في تبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.
3- إعلان كل من الدولتين عن قيام علاقات حسن جوار بين الدولتين وأن يكون حل جميع القضايا المعلقة والتي تنسأ بطرق سلمية ، وأن يثبت كل من الطرفين مبدأ حسن النية.
4- شروع الطرفين في إنشاء الاتفاقيات الثنائية لتكملة إجراءات النقص فيما يستجد من نواقص دولة الجنوب الوليدة.
5- قيام دولة الشمال في المبادة في تقديم المساعات اللوجستية في مجالات الأمن والاقتصاد وغيرها من المجالات المختلفة .
6- عمل الطرفين امتصاص التفلتات على مناطق التماس.
7- توجيه الإعلام في كل من الدولتين للعمل على تثبيت علاقات حسن الجوار .
8- عمل الدولتين كل ما في وسعهما لتوطيد علاقات حسن الجوار.
خاتمة:
كثير من الأسئلة الصعبة والمشكلات التي يثيرها موضوع انفصال السودان لدولتين شمالية وجنوبية وهو أمر راجح الحدوث الآن. ولعل في إثارة بعضها أعلاه توضيح لموقف دعاة الوحدة الذين لم يكونوا يوماً دعاةً لها من مواقع عاطفية، بل من مواقع معرفة جدية بمخاطر الانفصال وفصم عري التواصل بين الجنوب والشمال، وتغييب فرصة بناء كيان موحد وقوي يدرك تناغم جدل الوحدة والتنوع، في دولة مدنية ديمقراطية تقوم على حقوق المواطنة وسيادة حكم القانون، وتهتم بتوزيع عادل للسلطة والثروة. ولسنا بالطبع في حاجة للقول بأن ماورد أعلاه لا يغطي جميع مخاطر الانفصال، بل يقدم مؤشرات أولية تحتاج لدراسة وتحقيق أعمق.
ولمناقشة هذا الأمر بروية وتأني لابد من الإجابة على االعديد من التسأولات من خلال المحاور الآتية:
المحور الأول: دور الاستعمار البريطاني في انفصال جنوب السودان:
من المعلوم تاريخياً أن الاستعمار البريطاني قد أصل لفصل جنوب السودان، وسعى لذلك بشتى السبل ، بل وقام ببعض الخطوات العملية لضم الجنوب إلى بعض دول شرق أفريقيا ولكنه فشل لقوة إرادة السودانيين خاصة من أبناء الجنوب الذين أيدوا البقاء ضم السودان الموحد.
وبريطانيا بإعلانها وتنفيذها لسياسة المناطق المقفولة ، سعت لتعطيل التنمية وبذر بذرة الخلاف بين أبناء الشمال والجنوب داخل الوطن الواحد حتى تزداد الهوة اتساعاً بمرور الزمن وتكون قضية جنوب السودان "خميرة عكننة " لجميع الحكومات المتعاقبة على حكم السودان بعد الاستقلال.
المحور الثاني: دورالحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال في انفصال جنوب السودان:
جميع الحكومات الوطنية بعد الاستقلال مدنية كانت أم عسكرية لم تولي قضية جنوب السودان الأهمية اللازمة ، بل كل جل همها أن يكون السودان موحداً وألا تقبل بتقسيمه ، واتبعت سبيل الحل العسكري في كثير من الأحايين خاصة الحكومات العسكرية.
والحكومات المتعاقبة لم تسعى لدراسة جوهر قضية جنوب السودان كما لم تسعى لتنمية الجنوب منذ الاستقلال حتى تجعل المواطن فيه آمناً مطمئناً لمستقبله أكثر مما تجعله يحمل السلاح في مواجهة حكومة الشمال والتي اعتبرها في بعض الفترات حكومة مستعمرة تجثم على صدره لذلك لابد من التخلص منها.
المحور الثالث: دور الأحزاب والكيانات السياسية السودانية في تعميق فكرة الانفصال:
للأحزاب دور سالب في تدعيم وحدة السودان وبالتالي فمواقف أغلبية الأحزاب قد أيد الانفصال ولو بطريق غير مباشر. فالإسلاميون وافقوا على "حق تقرير المصير" لجنوب السودان (اتفاقية فرانكفورت) والأحزاب التقليدية ممثلة في تجمع أسمرا وافقوا على "حق تقرير المصير" وأخيراً المؤتمر الوطني والحركة الشعبية قاما بتثبيت حق تقرير المصير في (اتفاقية نيفاشا). وكل هذه الأحزاب تعلم علم اليقين أن حق تقرير المصير في عالم اليوم نتيجته معلومة وهي الانفصال. لم تنج دولة واحدة قام فيها استفتاء لحق تقرير المصير وكانت نتيجته تأييد الوحدة. لذلك أقول وبكل أسف أن الأحزاب السودانية جميعها بشرت بالانفصال قبل وقوعه.
المحور الرابع: البعد الدولي ودوره في تفتيت الدول عن طريق "حق تقرير المصير":
الأصابع الأجنبية لعبت ومازالت تلعب الدور الرئيس في تفتيت الدول في عالم اليوم الذي يقوم على هيمنة الدول الغربية. والسودان يقع ضمن الدول المستهدفة بغض النظر عمن يدير دفة الحكم فيه. وبالرجوع إلى فترة الثمانينات نجد أن معهد كسنجر قد أعد دراسة لإعادة الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط ومنطقة البحيرات ومنطقة القرن الأفريقي. وبالنظر لهذه المناطق الثلاثة نجد أن السودان هو الدولة الوحيدة التي تمثل القاسم المشترك فيها. ونسبة لكبر مساحته واتساع موارده يمكن أن يلعب دوراًً مفصلياً في هذه المناطق الثلاثة وبالتالي يكون حجرة عثرة لعودة الاستعمار الغربي للقارة الأفريقية كما يخطط لذلك.
أرادت الدول الغربية العودة لأفريقيا ولكن بطريقة جديدة مبتكرة ، وهي إعادة تقسيم الخارطة السياسية كما فعلت بعد نهاية الحروب العالمية الأولى والثانية. وبالنظر للمناطق الثلاثة والتي يعتبر السودان العنصر المشترك فيها ، نجد أن منطقة الشرق الأوسط تمتاز بالثروات النفطية والبعد الاستراتيجي، كذلك منطقة القرن الأفريقي التي تربط بين القارات الثلاث أوروبا – أفريقيا - آسيا . أما منطقة البحيرات فإن مسألة مياه النيل تمثل العمود الفقري للصراع في عالم اليوم والذي سوف يسمى "عصر المياه" وتقوم بهذا الدور إسرائيل على وجه التحديد وقد بدأت فعلاً بمياه الفرات والآن هي تتوجه إلى مياه النيل ( بغرض بناء إمبراطورية النيل-الفرات).
والدور الأجنبي موجود – بطريقة مباشرة وبطريقة غير مباشرة - في جميع الاتفاقيات التي أبرمت مع أبناء الجنوب على مر الزمن. حركة الأنانيا وجد الدعم الخارجي. اتفاقية 1972م في عهد مايو كانت برعاية هيلاسلاسي ولكن الأيدي الأجنبية فيها واضحة. أما عن أصدقاء الإيقاد فحدث ولاحرج . أصحاب الإيقاد هم دول فرضت نفسها على اتفاقية ماشاكوس بدون دعوة وبدون سابق إنذار. تولى أصدقاء الإيقاد كل شيء يخص اتفاق ماشاكوس باعتبارهم طرفاً أصيلاً في الاتفاق الإطاري.
أما الدور الأجنبي في اتفاقية نيفاشا خاصة دور الولايات المتحدة الأمريكية ، فهو دور مباشر مفروض على الطرفين أحياناً بالاتفاق وأحياناً بالتهديد لطرفي الاتفاق. أو قد يكون متفق عليه بالتراضي والله أعلم.
خلاصة القول أن للغرب استراتيجياته المعلنة وغير المعلنة في تفتيت الشعوب والدول لإضعافها ونهب ثرواتها . والسودان يقع في قائمة هذه الدول منذ استقلاله . وزاد الاستهداف بعد قيام انقلاب الإنقاذ في 1989م وإعلانه المشروع الحضاري الإسلامي في المنطقة العربية الأفريقية الحساسة ، الأمر الذي ألهب ألسنة النيران ضده وضد السودان بأكمله.
المحور الخامس: دور المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في جعل الانفصال جاذباً:
من المفروض أن يسعى الشريكان – وبمقتضى اتفاقية نيفاشا – إلى جعل الواحدة جاذبة ، ولكن أفعالهما وتصرفاتهما وتصريحاتهما طيلة الفترة تدل على أنهما سعيا لأن تكون الوحدة نافرة. والدلائل على ذلك كثيرة أهمها:
• المماطلة والتسويف في حسم الكثير من القضايا العالقة والأساسية وعلى رأسها القوانين المصاحبة للاتفاقية مثل : قانون الانتخابات وقانون الاستفتاء والقانون المشورة الشعبية. إضافة إلى المشاكل المزمنة مثل : مشكلة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب ومشكلة أبيي ومشكلة دارفور وغيرها من المشاكل.
• التصريحات غير المسؤؤلة من الجانبين التي أججت وتؤجج الكراهية وتصلب المواقف أدى إلى تعطيل الكثير من الحلول.
• قياديو المؤتمر الوطني يلمحون إلى توقع حدوث الانفصال وأن الشمال قوي في اقتصاده وموارده ولايحتاج إلى الجنوب ، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك بأن قال بأن خيار الانفصال – إن حدث – سوف يسعد قادعة المؤتمر الوطني.
• الحركة الشعبية كحزب مشارك في الاتفاقية والحكم ومناط به جعل الوحدة جاذبة أعلن رسمياً الانحياز لخيار الانفصال. ويقوم حالياً حكام الولايات الجنوبية تباعاً بإعلان موقف الحركة الشعبية الرسمي على الجماهير التي تتقدم بالتوقيع على مراسم الانفصال في التاسع من يناير 2011م.

هكذا انهارت أحلام السودانيين في تحقيق وحدة طوعية لسودان جديد بيد أبانئه الذين قصروا في حقه واللعب بمقدراته. فالتاريخ لن يرحم. لن يرحم الذين وقفوا على الرصيف ، كما لن يرحم الذين تواطؤا وباعوا السودان. وأطالب – إن وقع الانفصال – باستقالة الحكومة السودانية في الشمال وقيام حكومة قومية على أسس قوية وواضحة تجنب السودان المزيد من التفكك والتشرذم.
ضعف الأمل ، ولكن لابد من التشبث به لآخر لحظة .
اللهم جنب السودان المحن ،
اللهم أجمع كلمتنا ، وسدد خطانا للحفاظ على ماتبفى من سوداننا.
اللهم ، ألهمنا الصبر ، واجعلنا ممن يتعلمون من أخطائهم،
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,093,868,354
- مجموعة قصصية:الامام الاخضر
- تونس الحمراء
- انهم ياتون عند الفجر
- مصر والانتخابات والاخوان المسلمين
- فصل جنوب السودان ام تفكيك المركز
- سيرة مدينة: ركن الجمهوريين
- ام كوكاية
- الاصدقاء الثلاثة والطاعون
- كل الوان الظلام
- الفراشة والنار
- قطار الشمال الاخير(مجموعة قصصية)
- سيرة مدينة: مك الدار
- مقالات سودانية:المحكمة المهزلة .. وعار الأبد !! ... بقلم: د. ...
- سيرة مدينة: العمة نورا وسوق الزيارة
- اليقين والقدر
- السودان صراع الرؤى وازمة الهوية
- اخر جرائم مصطفى سعيد
- الساقية...(رواية سودانية)
- رواية-عازف الكمان-
- لم تنهار الاشتراكية بعد...


المزيد.....




- ارتفاع عدد اللاجئين السوريين بالأردن الراغبين في العودة لبلا ...
- طرفا النزاع اليمني يتبادلان قوائم الأسرى والمعتقلين
- 7 دول أوروبية ترفض ميثاق الأمم المتحدة للهجرة
- وفدا الحكومة والانقلابيين يسلمون المبعوث الاممي كشوفات الاسر ...
- مفاوضات اليمن.. تسليم قوائم الأسرى تمهيدا للتبادل
- غدا.. الجامعة العربية تنظم منتديين للشباب والمجتمع المدني
- مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب يشارك في اجتماعات العقبة ...
- وزير العدل الجزائري: بوتفليقة يرفض استغلال مبادئ حقوق الانسا ...
- إقرار مبدئي لميثاق الأمم المتحدة حول الهجرة رغم الاعتراضات
- محكمة الجنايات السورية تصدر حكما بالإعدام على أكثر من 40 مته ...


المزيد.....

- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح
- مبدأ اللامركزية الإدارية وإلغاء المجالس المحلية للنواحي في ض ... / سالم روضان الموسوي
- القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / / محمد رضا
- متطلبات وشروط المحاكمة العادلة في المادة الجنائية / عبد الرحمن بن عمرو
- مفهوم الخيار التشريعي في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا ... / سالم روضان الموسوي
- الحقوق الاقتصادية في المغرب / محسن العربي
- الموجز في شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 / سمير دويكات
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ... / محمد عبد الكريم يوسف
- دور مجلس الأمن في حل المنازعات الدولية سلمياً دراسة في القان ... / اكرم زاده الكوردي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - عادل الامين - اوراق عمل سودانية:استفتاء جنوب السودان 2011 ومآلاته