أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هشام غصيب - تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ















المزيد.....



تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 390 - 2003 / 2 / 7 - 03:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


(نقد فلسفة العلم الحديثة)

 

 

      طلب مني الصديق الأستاذ محمد دكروب المشاركة في الملف الذي خصصته "الطريق" الغرّاء لفكر محمود أمين العالم بمقالة حول كتاب "فلسفة المصادفة" للعالم. وسبق أن قرأت الكتاب المذكور قراءة خاطفة لم تتح لي فرصة الخوض في تفصيلاته وثناياه وشعابه الكثيرة. لذلك كان لا بدّ من إعادة قراءة الكتاب بتأني حتى يتسنى لي أن أقدم رأيا مدروساً ذا قيمة في الكتاب. لكن كثرة مشاغلي الأكاديمية والثقافية في الآونة الأخيرة حالت دون إعطاء الكتاب ما يستحقه من وقت وجهد. أضف إلى ذلك أن الطابع الفني التجريدي للكتاب يستلزم الخوض في شؤون فلسفية وفيزيائية مغرقة في التخصص والتجريد قد لا تكون "الطريق" الوعاء المناسب لها.

 

 

      لذلك كله آثرت ألا أخوض في التفصيلات وألا أقدم نقاشاً مستفيضا لأطروحة الكتاب، وإنما أن أسترشد بروحية الكتاب، الذي يؤكد موضوعية العلم وجدليته وتاريخيته، من أجل تقديم بعض الإيضاحات والتبصرات بصدد طبيعة العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي في سياق نقد التصور الوضعي للعلم السائد عالميا. وبتعبير آخر، فإني سأتخذ من هذا الكتاب الشامل مناسبة لإبراز بعض جوانب النقد الماركسي لفلسفة العلم الأكاديمية في القرن العشرين، معتبراً الكتاب محاولة رائدة في الماركسية العربية لاستيعاب المغزى الثقافي للعلم الطبيعي وتقديم قراءة نقدية لفلسفة العلم الحديثة. وآمل في أن أتمكن في المستقبل القريب من تقديم معالجة مستفيضة لهذا الكتاب الرائد بعد استكمال دراستي له.

 

 

      إذاً، سأنطلق في هذه المقالة من الرؤية الواقعية الجدلية، التي أشترك فيها مع كتاب "فلسفة المصادفة"، لنقد التصور الوضعي للعلم ببيان ثغراته ولحظات صمته الأساسية التي تجعله يخفق في استيعاب ظاهرة العلم ويعوق تشكل وعي جمعي علمي عالمي.

 

 

      وينبغي التأكيد هنا على أن التصور الوضعي للعلم ليس مجرد مدرسة أو تيار في فلسفة العلم الحديثة يقف على قدم وساق مع مدارس وتيارات أخرى. إذ يبدو لي أنه التصور المهيمن في الفكر الغربي، والأنجلوسكوني تحديداً، في القرن العشرين. وأعني بذلك أنه المكبوت الرئيسي ليس فقط في أوساط فلسفة العلم الحديثة، وإنما أيضا في الأوساط العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك نراه يتمظهر في عدة أشكال، حتى في تلك التصورات التي تدعي أنها تعارضه تحت مسميات مختلفة. وعلى سبيل المثال، فمثلما أنه يمكن النظر إلى فلسفة كانط النقدية على أنها محاولة لحل إشكالات إمبريقية هيوم من أجل تثبيت بعض جوانبها الأساسية، فإنه يمكن النظر إلى فلسفات باشلار وبوبر وكوهن وفايرآبند وغيرها من فلسفات القرن العشرين على أنها محاولات متنوعة لحل إشكالات الوضعية والكانطية من أجل تثبيت بعض أسسهما الجوهرية. وبالطبع، فإن هذه المقولة تحتاج إلى إثبات، لكن المجال هنا لا يسمح ببحثها تفصيليا. وقد يتاح المجال لذلك في أعمال قادمة.

 

 

      وعلى هذا الأساس، فإنه يمكن اعتبار الوضعية الدين الرئيسي أو الفلسفة الرئيسية للرأسمالية المركزية، وللرأسمالية الأنجلوسكسونية بالتحديد. وهذا يفسر لماذا تنتهي المحاولات البرجوازية الغربية المتنوعة لتخطي أشكال الوضعية القائمة إلى إعادة إنتاج ما تريد تخطيه في أشكال وبمسميات جديدة، حتى عندما تتبنى عناوين الواقعية ومسمياتها (مثلا مدرسة نانسي كارترايت التي تسمي نفسها الواقعية الظواهرية). وبالنظر إلى ذلك، بات من الضروري مجابهة عملية إعادة إنتاج الوضعية بصور مختلفة بعملية نقيض تعيد إنتاج النقد اللينيني للوضعية، والمتضمن بصفة خاصة في "المادية والنقدية التجريبية" و "الدفاتر الفلسفية". أي، بات من الضروري تجديد النقد الماركسي للوضعية في تجددها المتواصل في سياق تجديد الوعي الثوري النقيض. 

 

 

      ويبدو لي أن الثغرات الجوهرية في التصور الوضعي للعلم في جميع أشكاله وصيغه، والتي تجعله قاصراً عن استيعاب العلم فلسفيا في تجلياته التاريخية الفعلية، تتلخص في النقاط الآتية: 

 

 

(1) موضوع العلم:  إذا حللنا التصورات الوضعية على اختلاف مسمياتها وادعاءاتها، وجدنا أنها جميعا تشترك معاً في اعتبار الظاهرة الموضوع الأساسي للنشاط العلمي. وفي المقابل، فإن التصورات الواقعية Realist تعتبر الحقائق Realities ، أي البنى والسيرورات الحقيقية، الموضوع الأساسي للعلم. فالوضعية لا تعترف إلا بوجود الظاهرات (القراءات، البيانات)، ومن ثم فهي تعتبر العلم وسيلة لتنظيم البيانات في جمل منطقية مكثفة. أما الواقعية، فهي تنطلق من وجود البنى والسيرورات الموضوعية التي تنتج الظاهرات، ومن ثم فهي تعتبر البيانات والقراءات التي تصف الظاهرات واحداً من مدخلات عملية إنتاج المعرفة بصدد هذه البنى والسيرورات. إن العلم، وفق الواقعية، يعنى بالحقائق الموضوعية، لا بالظاهرات. فهو ينتج الظاهرات ويضنفها وينظمها في سياق إنتاج المعرفة بصدد الحقائق الموضوعية (الآليات المادية). بل إن العلم يعنى بالحقائق حتى على المستوى الوصفي. وعلى سبيل المثال، فإن مسارات الكواكب حول الشمس مثلا ليست ظاهرات، إذا توخينا الدقة، وإنما هي حقائق موضوعية تفسر الظاهرات المقاسة (مواضع الكواكب وسرعها). وبالطبع، فإن الوصول إلى هذه الحقائق يستلزم جهداً نظريا وعمليا كبيراً ومضنيا (انظر مثلاً الجهد الفائق الذي بذله كبلر للوصول إلى تحديد طبيعة مسارات الكواكب حول الشمس). وبالمثل، فإن الجاذبية هي حقيقة موضوعية، وليست مجرّد ظاهرة أو مجموعة ظاهرات. إنها في الواقع حقيقة معقدة ومتشعبة البناء تستلزم لاستيعابها شبكة متنامية من المفهومات التجريدية. أما الوضعية، فهي تحيل هذا البناء المفاهيمي المتشعب، والذي يعكس بصورة أو بأخرى جانبا من الواقع، إلى كومة من القضايا التجريبية التي تصف عائلة من الظاهرات، مغيبة بذلك البنى والمعاني الداخلية والهرمية الوجودية في الصروح المعرفية. والأنكى من ذلك أن خطابها يخلو كليا، وبحكم تركيبته الداخلية، من السؤال حول أصول الظاهرات ومكامنها وكيفيات نشوئها وأرضيات وجودها. فالظاهرات لا تنتجها الظاهرات الأخرى، كما إنها لا تظهر اعتباطيا، وإنما تنتجها بنى وسيرورات مادية واقعية تتمتع بوجود موضوعي مستقل عن الوعي والذات. وهذا بالضبط ما يغفله ويغيبه المنهج الوضعي، الأمر الذي يجعلنا نصنف الوضعية في أشكالها المختلفة ضمن الفلسفات اللاعقلانية، برغم مظهرها العقلاني العلمي.

 

 

(2) تاريخية العلم: أما الثغرة الجوهرية الثانية التي تنخر جسد الوضعية فهي غياب مفهوم التاريخ أو الجدل فيه. فالوضعية تميل إلى النظر سكونيا إلى النظرية العلمية، يمعنى أنها لا تراها بوصفها عضوية تاريخية متنامية مقداريا وكيفيا. فهي لا تسأل نفسها، بحكم بنائها الداخلي، كيف تنشأ النظرية العلمية وتزدهر، وربما تضمر وتموت. بيد أن نظرة دقيقة في تاريخ البنى النظرية كفيلة بالكشف عن تاريخية النظرية العلمية والروابط التاريخية الجدلية بين النظريات الجديدة والأخرى القديمة. ويتبدى ذلك بجلاء في مبدأ التناظر Correspondence Principle  الذي وضعه الفيزيائي الدنماركي المعروف نيلز بوهر Bohr في الخمس الأول من القرن العشرين، والذي شكل وما زال يشكل مرشداً أساسيا في بناء ميكانيك الكنتم Quantum Mechanics وتطويرها. وقد اعتبر بعض الوضعيين تشعب هذا المبدأ وتنوع مظاهره وتعقد بنائه دليلا على انعدام الصلة الضرورية بين النظريات القديمة والأخرى الحديثة، بدلاً من اعتبار هذه السمات إشارة إلى صلة تاريخية جدلية حية بين هذه النظريات. فلو كان مبدأ التناظر مبدأ منطقيا بسيطا، لكانت الصلة بين النظريات مصطنعة ولا تاريخية وذاتية الطابع (غير موضوعية). والحق أن السؤال الأساسي المغيب في الخطاب الوضعي هو: كيف تنبثق النظريات الحديثة من قلب النظريات القديمة؟ فالنظريات الحديثة لا تنبع من العدم. كما إنها لا تنبع من المخيال الاعتباطي للعالم الفرد. إنها تنبثق بصورة أو بأخرى من قلب النظريات القديمة عبر نوع من التركيب الجدلي. فهي تخلق في سياق حل تناقضات أساسية في قلب النظريات القديمة. ذلك أن هذه التناقضات تتنامى وتزداد حدة إذ يتسع حقل المعرفة والممارسة العلمية. وتتفاقم هذه التناقضات حتى تصل النظرية نقطة الانفجار (أزمة ثورية). عند ذاك، تعاني النظرية سلسلة من التحولات الكيفية، التي تنطوي على التفكيك والتركيب وإعادة البناء، حتى تصل إلى حالة من الاستقرار النسبي، هي في الواقع النظرية الجديدة. فالنظرية الجديدة تنبع جدليا من قلب النظرية القديمة، أي بنوع من التفكيك والتركيب الجدليين. وعملية الولادة هذه هي التي تحدد نمط الصلة الضرورية المعقدة القائمة بين النظريات القديمة والأخرى الجديدة، يما في ذلك مبدأ التناظر السالف ذكره. وتحدد النظريات الجديدة الحدود المتنوعة والمتعددة الأشكال للنظريات القديمة. وهذا لا يعني البتة أن النظريات القديمة خاطئة، كما يدعي كثير من الوضعيين. إنها صحيحة، ولكن ضمن حدود أقل اتساعاً من حدود النظريات الجديدة. والدليل على ذلك أننا ما زلنا ندرس فيزياء نيوتن في المدارس والجامعات، وما زلنا نستعملها في العديد من التطبيقات والممارسات. ونحن نفعل ذلك لأنها أساساً نظرية صحيحة، بعكس، مثلاً، نظرية أرسطو في الحركة، التي هي نظرية خاطئة وغير علمية. إن نظرية نيوتن في الحركة نظرية صحيحة ضمن حدود تعينها نظريتا النسبية والكنتم، وإلا لما استعملت في التطبيق وبناء النماذج الناجعة. فمن من العلميين يفكر اليوم في استعمال أرسطو لهذا الغرض اليوم؟

 

 

(3) المنهج العلمي: شكلت مشكلة الاستقراء Induction المشكلة الرئيسية في فلسفة العلم التقليدية. وحاول كل من بوبر وكوهن حلها بنفي ضرورة الاستقراء في المنهج العلمي وعلى حساب موضوعية العلم. ويعمد بعض الوضعيين إلى الأحبولات اللفظية من أجل تفادي المشكلة وتغييبها. فهم يتفادون استعمال مصطلح "الاستقراء"، وإن كان خطابهم ينطوي على مفهوم الاستقراء. وهي بالطبع محاولة للتعويض عن عجز الوضعية عن حلّ مشكلة الاستقراء بالتجاهل اللفظي وتغييب لفظة "الاستقراء"، ومن ثم الصمت عن المشكلة برمتها.

 

 

      ومن جهة أخرى، فإن فلسفة العلم التقليدية تعمد إلى اختزال المنهجية العلمية إلى عمليتي الاستقراء والاستنتاج. لذلك، فإنها تعجز عن فهم طبيعة النظرية العلمية، وضرورتها في إنتاج المعرفة، وعلائقها الضرورية المتشعبة بالتجربة. ذلك أن فلسفة العلم التقليدية تغفل، باختزالها ذاك، بعداً جوهرياً ثالثا من أبعاد المنهج العلمي، وهو التركيب النظري Theoretical Synthesis ، الذي يحكمه المنطق الجدلي، والذي يبدأ بالنظرية وينتهي بها. فلا سبيل إلى فهم الثورات العلمية وعملية البناء النظري والإبداعات العلمية الكبرى (نيوتن، فرينل، بولتسمان، ماكسويل، آينشتاين، شرودنغر، هايزنبرغ، ديراك، هوكنغ) من دون هذا المفهوم؛ أي لا سبيل إلى فهم تطور المعرفة العلمية من دونه. وبالطبع، فإن غيابه في الخطاب الوضعي ليس عرضيا، وإنما يرتبط أساساً بغياب مفهومي التاريخ والجدل في هذا الخطاب.

 

 

      إن النظريات العلمية تشكل صروحاً معقدة متعددة المستويات والطوابق. لذلك، فإن العلاقة التي تربط النظرية بالتجربة علاقة معقدة متشعبة. لكن ذلك لا يعني أن للتجربة حياتها الخاصة المستقلة جوهريا عن النظرية. فتشعب العلاقة بين النظرية والتجربة لا يعني أن هذه العلاقة غير  ضرورية، أي عرضية، كما يعتقد الوضعيون المعاصرون. إنها علاقة ضرورية، وإن لم تكن علاقة منطقية بسيطة. ولولا ذلك لفقدت التجربة العلمية معناها ومبتغاها، ولفقدت النظرية العلمية علميتها وعلاقتها مع الواقع الذي تعكسه.

 

 

(4) العلم بوصفه نقداً: هناك بعد جوهري رابع من أبعاد المنهج العلمي يغفل كليا في الخطاب الوضعي وفلسفة العلم التقليدية، وهو النقد؛ نقد الفكر ونقد الواقع. ولئن كان النقد أساسيا في علوم الطبيعة، فإنه يتبوأ مركز الصدارة في علوم الاجتماع. فالممارسة النقدية شرط أساسي من شروط إنتاج المعرفة بصدد موضوعها في صيرورته، وخصوصاً في حال الاجتماع وتطوره. ولعله من المفيد هنا أن نبحث هذه العلاقة بين النقد والعلم الاجتماعي ببعض التفصيل، حيث إن ذلك قد يفيدنا في إلقاء الضوء على طبيعة العلم الاجتماعي من جهة، وعلى العلاقة بينه وبين القوى الاجتماعية الرئيسية في المجتمعات المعاصرة من جهة أخرى، وعلى العقلانية العلمية الحديثة من جهة ثالثة.

 

 

      ولعل خير مدخل إلى دور النقد في العلم الاجتماعي، أي إلى العلم بوصفه نقدا، هو تصور الفيلسوف الفرنسي الراحل، لوي ألتوسير، للعلم وعلاقته بالفلسفة والآيديولوجيا.

 

 

      نظر ألتوسير إلى العلم في كتاباته الأولى ("من أجل ماركس"، "قراءة الرأسمال") بوصفه إنتاجا اجتماعيا من صنف خاص يتميز عن الإنتاج الآيديولوجي والفلسفي والفني والاقتصادي والسياسي، وإن كان ينبثق أصلا من تربة الآيديولوجيا. إذ رأى ألتوسير أن حياة المجتمعات تسير عبر أربعة مستويات أساسية: المستوى الاقتصادي، والمستوى السياسي، والمستوى الآيديولوجي، والمستوى النظري (الذي يضم العلم والفلسفة). فالعلم هو الممارسة النظرية التي تؤسس المستوى النظري. أما الفلسفة فهي الممارسة النظرية التي تقوم على أساس هذا المستوى مكملة للعلم. لذلك رأى ألتوسير أن العلم يسبق الفلسفة منطقيا وتاريخيا ويوفر لها التربة التي تنبت فيها. كما رأى أن العلم ينبثق من تربة الآيديولوجيا في قفزة مفاهيمية تنقل الوعي العلمي من إطار مفاهيمي آيديولوجي إلى إطار مفاهيمي علمي، وإن كان ألتوسير لم يوضح تماما كيف تتم هذه القفزة (القطع الإبستملوجي). وينمو العلم على أساس الإطار المفاهيمي الجديد على النحو الآتي: إن الجماعة العلمية لا تجابه موضوع المعرفة بصورة مباشرة، وإنما تجابه مادة خاما من الانطباعات والمفهومات الآيديولوجية، فتقوم بتسخير الإطار المفاهيمي العلمي أداة لتحويل المادة الخام الآيديولوجية إلى معرفة علمية. هكذا يتم إنتاج المعرفة العلمية. أما الفرق الجوهري بين العلم والآيديولوجيا فيكمن في كون هدف الآيديولوجيا عمليا (إعادة إنتاج البعد الذاتي لنمط الإنتاج السائد) وكون هدف العلم نظريا (إنتاج المعرفة).

 

 

      لكن ألتوسير عاد ونقد نفسه في نهاية الستينيات ("مقالات في النقد الذاتي"، "لينين والفلسفة") وعدّل رؤيته إلى العلم على أساس هذا النقد الذاتي. إذ لاحظ ألتوسير أن نظريته الأصلية في العلم لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية العلم الماركسي ولا علاقته الخاصة (ربما العضوية) بالممارسات السياسية والاجتماعية للطبقة العاملة. وبتعبير أدق، فإن نظريته الأولى لم تأخذ بعين الاعتبار البعد السياسي الطبقي للقطع الإبستملوجي الذي أحرزه العلم الماركسي. فلم يكن هذا القطع إبستملوجيا محضا، وإنما كان أيضا قطعا سياسيا طبقيا، حيث إنه انطوى على قفز من الموقع الطبقي البرجوازي إلى الموقع الطبقي العمالي. ولم يكن بالإمكان خلق علم حقيقي بصدد المجتمع (البرجوازي بخاصة) من منظور البرجوازية، ذلك المنظور الذي تغيب عنه بحكم طبيعته آليات اجتماعية جوهرية كالاستغلال والقمع والهيمنة الطبقية والجوهر التاريخي للصراع الطبقي، ومن ثم تغيب عنه طبيعة المجتمع الطبقي بوصفه كلا متناقضا متغيرا، فيعجز المنطلقون منه عن بناء نظام مفاهيمي قادر على تمثله في صيرورته. لذلك كان لا بد لماركس من القفز من المنظور البرجوازي إلى المنظور العمالي حتى يتسنى له بناء جهاز مفاهيمي علمي أرضية لعلم التاريخ، علم التشكيلات الاجتماعية (المادية التاريخية). إن بروز المنظور العمالي، منظور طبقة البروليتاريا، كان شرطا جوهريا من شروط نشوء علم التاريخ والاجتماع. فالوعي الاجتماعي العمالي هو الوحيد القادر، بحكم تركيبه الداخلي وموقعه في المجتمع، على خلق علم التاريخ والاجتماع. 

 

 

      ولكن، كيف يتبلور المنظور العمالي الطبقي على المستوى النظري؟ يرى ألتوسير أن الفلسفة هي الصورة النظرية للمنظور الطبقي. ومعنى ذلك أن الفلسفة سياسية في جوهرها. وحسب تعبير ألتوسير، فان الفلسفة هي السياسة في حقل النظرية. إنها الصراع الطبقي على الصعيد النظري. وعليه، فإن القطع الإبستملوجي الذي أحرزه ماركس لم يكن قفزة من المنظور البرجوازي المتشكل مسبقا إلى المنظور العمالي المتشكل مسبقا، وإنما تمثل في خلق فلسفة البروليتاريا (المادية الجدلية)، ومن ثم تشكيل المنظور العمالي على الصعيد النظري، بنقد فلسفة البرجوازية من المنظور الطبقي العمالي، ثم بناء علم التاريخ والاجتماع انطلاقا من هذه التربة الفلسفية الجديدة. فالسياسة إذا لا تدخل بصورة مباشرة في العلم  الماركسي نفسه (المادية التاريخية)، وفق ألتوسير، وإنما تدخل فيه بصورة غير مباشرة عبر دخولها في تشكيل الفلسفة العمالية (المادية الجدلية). إن العلم الماركسي يحتاج إلى تربة فلسفية معينة ينطلق منها ويطل منها على قلب المجتمع في صيرورته، لكنه مستقل وحيادي في جوهره. فلئن اعتبر ألتوسير الفلسفة الصراع الطبقي على الصعيد النظري، فإنه ضمنا اعتبر العلم غير ذلك. بذلك ربط ألتوسير العلم الماركسي بالسياسة وأبقى على نقائه المعرفي في آن. إذ اعتبر الفلسفة الجسر الذي يصل النظرية العلمية بالممارسة السياسية. بذلك ظن أنه أفلح في وقاية العلم من التلوث بالصراع الطبقي والسياسي، أي في وقاية النظرية من التلوث بالممارسة العملية.

 

 

      لماذا شعر ألتوسير بالحاجة إلى ابتكار هذه الأحبولة للإبقاء على النقاء المعرفي للعلم برغم شعوره بضرورة ربط العلم الماركسي بالممارسة السياسية للطبقة العاملة؟ لماذا لجأ إلى مخرج تحميل الفلسفة وزر السياسة؟ هل يعود ذلك إلى مخلفات فلسفة العلم البرجوازية في فكره؟ هل يعود إلى اقتناعه بضرورة أن يكون العلم، كائنا ما كان نوعه، حياديا وغير ملتزم بأي موقع طبقي؟ هل يعود إلى خلطه بين الحيادية والموضوعية، بين التحيز والالتزام؟ ولئن انبثقت النظرية العلمية من تربة الفلسفة العمالية، من منظور الطبقة العاملة، ألا تنبثق الممارسة السياسية العمالية من قلب النظرية العلمية؟ ألا ينم ذلك عن وجود علاقة جدلية ضرورية بين النظرية العلمية والممارسة الثورية، وعن الوحدة الجدلية بين الطرفين؟ أم هو مجرد تراكب بين الطرفين؟ ولكن، إذا كان العلم الماركسي مجرد مرشد لأي فعل اجتماعي، كائنا ما كانت طبيعته الطبقية، كانت حاجة البرجوازية إليه لا تقل عن حاجة البروليتاريا إليه، ومن ثم تشبثت به وحاولت تنميته، بدلا من محاربتها إياه بهذه الضراوة. إذا كان العلم الماركسي حياديا على هذا الغرار، فلماذا يحتاج بالضرورة إلى المنظور العمالي كي ينطلق منه؟ إن هذه التساؤلات تقود بالضرورة إلى فكرة العلاقة الجدلية بين النظرية العلمية والممارسة الثورية  وإلى التفريق بين الحيادية والموضوعية، بين التحيز والالتزام. فالالتزام التاريخي بالطبقة العاملة هو ضمانة الموضوعية، أي معرفة الموضوع في صيرورته. ولنفصل ما نعنيه بذلك. 

 

 

      لقد بينت في دراسات ومقالات سابقة أن العلم الطبيعي ثوري في جوهره. إنه في ثورة دائمة على الكائن المعرفي. فهو لا يرضى أبدا بذاته ومكوناته، وإنما يعرضها دوما لحمض الاختبار والتجربة. إنه يسعى باستمرار إلى نقض ذاته وابتكار الأساليب الذكية لدحض أفكاره. إنه دائم الشك في ذاته؛ يؤكد ذاته بنفيها. وبالطبع فإن علم الاجتماع والتاريخ يشترك في ذلك مع العلم الطبيعي. فهو يسعى باستمرار إلى التشكيك بنظرياته وفرضياته وأفكاره وفحصها واختبارها بطريقته الخاصة. إنه أيضا في ثورة دائمة على الكائن المعرفي. إن علاقته مع ذاته ومكوناته هي علاقة نقدية. ونعني بالنقد هنا التقويم وإبراز السلبي وبيان التناقضات والحدود والنقض والرفض والحث على التغيير. لكن علم الاجتماع والتاريخ يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو ليس نقديا في علاقته مع ذاته ومكوناته حسب، وإنما هو نقدي أيضا في علاقته مع موضوعه (المجتمع والتاريخ). وهو بذلك يتخطى في ثوريته وروحه النقدية العلم الطبيعي. فهو يرفض الكائن الواقع، ولذلك ينقده، أي يصدر أحكامه التقويمية بصدده، ويبرز السلبي وعناصر الاستتار والتشويه والتزوير فيه، ويظهر تناقضاته، ويكشف عن حدوده ونقائصه، ويومىء إلى إمكاناته، ويحث على تغييره صوب حل تناقضاته. إنه ليس حياديا بصدد موضوعه، وإنما ملتزم بكشف عوراته، بتحويله الثوري. وبهذا المعنى، فإن العلم الماركسي يعكس الالتزام الطبقي والصراع الطبقي في بنائه الداخلي. إنه علم ثوري حتى النخاع، ليس فقط لأنه علم، ولكن أيضا لأنه علم الثورة وعلم الطبقة الثورية  الذي لا يصلح في بنائه الكلي لغيرها. إن البرجوازية قد تستفيد بطريقتها الخاصة من بعض جوانبه، لكنها لا تستطيع بحكم جوهرها تمثله أو تبنيه في مجمله. إنه الوجه الآخر للممارسة الثورية للطبقة العاملة. فهو يرتكز إلى هذه الممارسة والعكس بالعكس لأنه نقدي بصدد موضوعه، لأنه مكمل عضوي لهذه الممارسة، لأنه جزء لا يتجزأ من هذه الممارسة، لأنه لا يكون من دونها ولا تكون هي من دونه. إنه علم يسعى إلى فهم الموضوع كما ينبغي أن يفهم: في صيرورته، عبر المساهمة في تغييره بحل تناقضاته. فإما أن يسعى الفكر إلى نقد موضوعه والكشف عن عوراته، وعند ذلك يكون علما وموضوعيا، وإما أن يسعى إلى وصفه وتثبيته وتكريسه، وعند ذلك يكون آيديولوجيا مزيفة وتبريرية تحجب الواقع في صيرورته عن أعين الناس. وبهذا المعنى فإن النقد هو شرط من شروط إنتاج المعرفة في علوم الاجتماع والتاريخ، أي إن النقد هو بعد جوهري من أبعاد هذا العلم. فلا علم اجتماعيا من دون منهج نقدي كلي يدخل في صميمه. إن العلم الاجتماعي نقدي في جوهره صوب ذاته وصوب موضوعه. فإما أن يكون نقديا بهذا المعنى وإما أن لا يكون. لهذا فإن الالتزام بالمنهج النقدي هو التزام بالعلم والمعرفة والعكس بالعكس. وهذا هو فحوى "أطروحات حول فويرباخ" لماركس والتي شكلت نقطة البداية الحقيقية للمادية الجدلية.

 

 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,650,046,494





- الانتخابات الرئاسية الجزائرية: فرز الأصوات بعد يوم عصيب شهد ...
- واشنطن تحجب التأشيرات عمن -يعرقلون السلام- في جنوب السودان
- الجزائر.. انتخابات على وقع تظاهرات حاشدة
- النتائج الأولية تشير إلى فوز -حزب المحافظين- في الانتخابات ا ...
- تشاووش أوغلو ردا على واشنطن: من يستغلون التاريخ لأغراض سياسي ...
- أوكرانيا تريد تعديل اتفاقيات مينسك حول التسوية في دونباس
- الكونغرس يعترف "بإبادة الأرمن" وأنقرة تحذر من خطر ...
- خليفة حفتر يعلن شن الهجوم "الحاسم والأخير" على الع ...
- العراق: انتحاري يقتل سبعة من الحشد الشعبي قرب سامراء
- خليفة حفتر يعلن -المعركة الحاسمة- على طرابلس


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هشام غصيب - تجديد لينين في مجابهة تجديد ماخ