أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حامد حمودي عباس - أمريكا تحتفل بافضل راقصيها..















المزيد.....

أمريكا تحتفل بافضل راقصيها..


حامد حمودي عباس

الحوار المتمدن-العدد: 3211 - 2010 / 12 / 10 - 22:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قبل لحظات ، انتهيت من مشاهدة المرحلة النهائية لاختيار افضل راقص في امريكا ، حيث كانت لي رفقة جميلة شاركت من خلالها وعبر شاشة التلفاز ، العشرات من الشبان والشابات وهم يعرضون لوحات تبرز أصالة الانسجام الانساني مع الحياة .. إنها رحلة تجسدت فيها انصع مشاهد التحدي ضد ملامح الفناء ، وقد انزاحت امامها جميع الالوان القاتمة ، لتظهر بدلا عنها تلك التي تبهج النفوس وتزيح عنها معالم اليأس بكل اشكاله وأيا كانت مصادره .
أمريكا تختار هذه المرة افضل راقصيها عبر تصويت جماهيري لا يميز بين الاسود والابيض ، ولا يضع اعتبار لدين أو مذهب ، بل ان ( راسل ) وهو الشاب الاسود والفائز في المسابقة ، صرخ عند اعلان النتيجة وعيونه تذرف دموع الفرح .. شكرا لله .. شكرا لله .
لقد كان هتاف مجرد من كل تبعات مضنية ، عدا عن كونه يؤمن بان هناك رب عليه ان يشكره لوقوفه معه حسب اعتقاده ، وبعدها فهو في حل من أية قوانين صارمه ، قد تجعله أسيرا لفكرة ما ، لا تبيح له ان يمتلك حريته في التصرف ضمن ما وضعه المجتمع له من قوانين تنظم شؤون حياته .
راسل .. الراقص الامريكي الفائز باعتباره افضل راقص في امريكا ، سينظم الى ركب افضل عالم وافضل طباخ وافضل حلاق ، وكذلك ابرع طيار ومعلم ورسام .. الى نهاية قائمة من حاملي الافضلية كل في مهنته .. وسوف تظهر عند كل اعلان بالنتيجة ، دموع تنطق بصدق المشاعر ، لا يشوبها ذلك الانفصام بالشخصية ، ولا يدنسها الانفعال والشعور بالكبرياء الكاذب ، وسوف لن يغمرها أي احساس بالذنب والخوف من عاقبة التصرف بعيدا عن وصية رجل دين أو ولي أمر .. لجنة التحكيم في ذلك البرنامج الرائع ، ضمت ثلاث شخصيات مرموقة في مجال فن الرقص التعبيري ، وكنت اتابع بانبهار شديد ، كيف تستجيب المرأة الجالسة في وسط الحكام الثلاثة لتعابير الراقصين وهم يؤدون لوحاتهم بالدموع ، من شدة الانسجام مع الاداء الراقي لتلك الاجساد المتحركة على سجيتها ، تنطق بضرورة ان يكون للانسان حريته المطلقة في ممارسة حياته ما دام سليم النية ولا يضر بحقوق الاخرين .
في ذات الوقت .. كانت الاخبار تأتي مثقلة من وطني العراق ، وهي توحي بمعالم اقوى صراع يخوضه رجال الدين ، ضد النوادي الليلية والتماثيل والمسارح وفن الموسيقى وعروض السيرك ، حتى بلغت شدة المعارضة الى ان اجهزة الدولة عافت همومها في ما يعانيه المواطن العراقي من شضف في العيش ، فراحت توغل في التفكير بكيفية انقاذه من براثن السكر والعربدة وذنوب مشاهدة المسرح والتمتع بحرمات سماع الموسيقى .. حينها تبين لي بان هناك خط غليظ يفصل بيننا وبين امريكا ، غير انها امبريالية ومحتلة وبنت كلب .. وغير انها كافرة يعمها المجون ، وانما لكونها صافية السريرة في تعاليمها لشعوبها بأن تحيا كما تريد ، بعيدا عن مآذن واجراس تحدد لها مواعيد عباداتها بالقوة .
البون يبدو شاسعا بيننا وبين ان يكون لنا راقص نصوت له ليفوز ويصرخ شاكرا ربه ، والبون اكبر مساحة بيننا وبين ان يكون لأحدنا ربه المطلق ، والمتحرر من وصاية شيخ او حبر أعضم ، لنهتف باسمه متى شئنا مختارين لا مجبرين .
أية حملة لتصحيح المسار تلك التي يشب سعيرها بين مثقفينا ، كي يضعوا ، بنظرهم ، حدا لملامح التردي في الامه ، وجماهير هذه الامة لا تترك منفذا للحراك الى الخلف إلا وسلكته ؟ ..
أي نشاط يفتخرون به ، ويعدون العدة للخوض في غماره ، مبتهجين لوحدهم ، ومتزاحمين مع بعضهم لوحدهم ، والجموع تجري بالملايين من حولهم لتدخل افران الموت بارادتها ، معلنة التمرد ، وباختيارها أيضا ، لركوب مطية التخلف وامتهان العيش الرديء ؟ .
أحد رجال الدين في العراق ، أعلن لاتباعه ضرورة القيام بمظاهرات تجوب الشوارع للمطالبة بالغاء جميع مظاهر الفن ، باعتباره منافيا للاخلاق ومخالفا للشريعه .. وأنا متأكد بان ملايين من البشر سوف تستجيب لتلك الدعوة الشنيعه .. سوف يخرج الناس ، متناسين همومهم ومسكنتهم التي يعلنونها لكل فضائية تقابلهم في عرض الشارع ، وهو يتشكون من سوء واقعهم المعاشي في ضل احكام وضعها رجال الدين خلال سطوهم على الدستور ، وتدخلهم السافر في مقدراته ، سيتناسون تلك المظالم ، وينظمون الى اقوى الحركات الاحتجاجية ضد من يسعون لاحياء مراسم الحياة المتمدنة في البلاد ..
امريكا .. عدا عن كونها تحتل شعوب الارض وتنهب نفوطها وتقضم خيراتها ، اختارت افضل راقصيها هذا اليوم .. وسمعت راقصها الفائز يهتف بالشكر لربه ، دون ان يصحبه مرتد لعمة او معتمر لرداء رهبنه ، ولم يكن معه عندما راح يذرف دموع الفرح بالفوز غير اصوات المشجعين ، تغمر وجوههم علامات السرور الادمي البريء ، ولم تكن هناك في قاعة الاحتفال ، أية شعارات تمجد فرد بعينه ، ولم تزين جدران المكان أية صورة لرئيس الولايات المتحدة الامريكية ولا حتى لحاكم الولاية التي اقيم الاحتفال فيها ..
وحينما انتهت ، وللاسف الشديد ، روائع الاحتفال باختيار افضل راقص في امريكا ، لم ينطق أحد من القائمين عليه ، بكلمة واحدة تحمل معنى من معاني السياسة الفضه ، ولم اعثر ابدا على أية صيغة من صيغ التفلسف العربي الفاشله ، حيث بدت كل الكلمات المنطلقة من أفواه الحاضرين ، صافية غنية بمعاني الثناء على اصدق مظاهر العطاء الانساني المجرد من العقد والانفصام الحاد في الذهنية ، ذلك الانفصام المرافق للشخصية العربية أيا كانت درجتها في المستوى الثقافي والسياسي والديني ..
سوف تستمر احتفالياتهم بافضل راقص ، وافضل عالم ، وافضل فنان ورسام ونحات وشاعر .. وسوف نستمر باحياء أبغض احتفاليات لنقيم بكائيات الخوف من مصير غير معلوم في يوم لا نعرف له حينا سيحل فيه .. وهم مقدمون على تضخيم اواصر العلاقة بينهم وبين الحاضر لبناء مستقبلهم السعيد ، ونحن لا زلنا نحارب وبسيوف من تبن وليست من خشب ، أشباح من اختراعنا ومن وحي خيالاتنا المريضه ..
فتحية والف تحية .. وتهنئة من الاعماق ، لافضل راقصي امريكا .. والموت لصناع الموت في بلادي .. ممن يحرمون نصبا يقيمها الخيال البشري ، ويجاهدون من أجل اقامة سرادق النواح ندما على كل فرصة ضائعة ، لم ترتد خلالها اجساد وحياة الناس باتجاه الماضي السحيق .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,279,548,787
- للحقيقة .. إتجاه واحد .
- لمصلحة من يجري التحامل على التجربة السوفيتيه ؟؟ .
- كيف السبيل لإرضاء شركاء الدم ؟
- هيبة القانون ، أم هيبة الدوله ؟
- متى يصار إلى النطق بالحقائق ؟
- ألشيطان رجل .. ( قصة قصيره )
- رافقوني إلى القاع .. فذلك أجدى لمعايشة الحقيقه .
- اليسار في بلادنا ، وتخلفه عن ريادة الحركة الشعبيه .
- رمضان .. شهر الفقراء
- حينما تؤمن أمة ، بأن سكينا تنطق !! .
- مصير كادت أن تقرره حبة تمر
- إحكام العقل ، وما ينتظرنا في رمضان .
- للرجل ذكرى ، مازالت موقدة في ذاكرة العراق .
- لماذا نحن ( خارج منظومة العصر ) ؟؟
- تحريف المناهج التربوية في العراق ، لمصلحة من ؟ ..
- يوم في دار العداله
- أللهم لا شماته ....
- رغم ما يقال .. سيبقى النظام الاشتراكي هو الافضل .
- وجهة نظر من واقع الحال
- من قاع الحياة


المزيد.....




- الأذان يرافق تشييع ضحايا المسجدين بنيوزيلندا.. وترامب يثير غ ...
- بومبيو: ترامب مبعوث الرّب لإنقاذ اليهود
- نيوزيلندا: منفذ مذبحة المسجدين سيمضي بقية حياته معزولا
- جاويش أوغلو: الرئيس الفنزويلي يعد باعتناقه الإسلام مستقبلا
- موقع روسي: كيف ترعى المؤسسات المسيحية بأميركا الإسلاموفوبيا؟ ...
- ألمانيا.. توقيف 10 إسلاميين متطرفين خلال إحباط مخطط إرهابي
- بابا الفاتيكان يعزي في ضحايا حادث غرق عبارة في العراق
- جزيرة -الجنة- الإندونيسية تغرق في البلاستيك
- الرئيس التركي: يجب مكافحة عداء الإسلام مثل -معاداة السامية- ...
- ما قصة الإسلام والمسلمين في نيوزيلاندا؟


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حامد حمودي عباس - أمريكا تحتفل بافضل راقصيها..