أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مايكل سامي - الأخلاق و نظام الثواب و العقاب















المزيد.....

الأخلاق و نظام الثواب و العقاب


مايكل سامي

الحوار المتمدن-العدد: 3211 - 2010 / 12 / 10 - 21:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ينادي المؤمنون بالأديان بان الثواب و العقاب هما أساس أي نظام أخلاقي و أن الناس لا ترتكب المعاصي إلا إذا كفرت بنظام الثواب و العقاب الموجود في معظم الأديان على أساس ان الناس بطبيعتهم أنانيين و مجرمين و أنه لو أطلق لهم العنان أو تم إعطاءهم الحرية فسيرتكبون الجرائم تلو الجرائم و تتحول الدنيا غلي غابة. و يستدل المؤمن على تلك النظرية بأنه هو نفسه كان سيقتل و يغتصب النساء و يرتكب الجرائم لو لم يكن هناك إله أو قانون رادع و انه لولا قناعته و ثقته في وجود عقاب رادع من الله و ثواب محفز أيضا لما أمكنه أن يلتزم باي معايير أخلاقية.
الفكرة كلها تعتمد على ان الإنسان ليس أخلاقيا و إنما هو حيوان أو مجرم بطبيعته و ان الله هو الشخص الاخلاقي و هو من يعلم الكائن البشري كيف يكون إنسانا و أن الله يستغل النوازع السيئة في الإنسان مثل الطمع و الانانية و الخوف و الجبن و يحولها إلي أخلاق جيدة عن طريق قهر الإنسان سيء الخلق بنظام الثواب و العقاب أو الجزرة و العصا ..
و يستدل المدافع عن نظام الثواب و العقاب بالجرائم التي تحدث في العالم رغم وجود قوانين رادعة كما يستشهد بحالات الإنفلات الأمني في حالات تراجع دور الدولة او سقوطها و يقول : أنظر ما الذي يفعله الناس حين لا يكون الشرطي موجودا !
و بالطبع لا يسأل المؤمن نفسه : هل هؤلاء المجرمين أو المتجاوزين للقوانين و الأخلاق مؤمنين و يتبعون الأديان أم لا ؟ أو هل تم تربيتهم بنظام العصا و الجزرة أم أنهم قد نشاوا وفق نظام آخر ؟ أو هل التربية وفق نظام الثواب و العقاب فعالة بدرجة 100 % أم أنها قد تنتج شخصا منحرفا أو مختل أخلاقيا ؟
إن الإجابة النزيهة عن تلك الأسئلة وفق إستطلاعات جيدة و موثوق بها ستكشف لنا زيف و تهافت نظام الثواب و العقاب و لكن الاهم انها سوف تقودنا إلي أسئلة أكثر عمقا و فعالية : هل السلوك الأخلاقي هو سلوك عقلاني إذا لم يكن هناك جزاء عن تجنبه و ثواب للإتيان به ؟ هل الإنسان الذكي العاقل هو إنسان أناني أم أنه إنسان فاضل قد يضحي بمصلحته أو جزء منها في سبيل خير الجماعة الإنسانية ؟ هل الناس التي تتبرع بأموالها و أوقاتها و مجهودها في سبيل سعادة بشر غرباء عنهم هم بشر عاقلون ام عاطفيون أم أن لهم مصلحة في ذلك ؟ و لو كان الإنسان الأخلاقي الفاضل هو إنسان عاقل و واعي فإلي أي حد يمكن إعتبار رجل الشارع أو الإنسان العادي شخصا عاقلا ؟
لكن المؤمن بنظام الثواب و العقاب غالبا لن يتوغل في هذا النوع من الأسئلة لأنه متورط في منظومة التفكير التي ترسخ نظام الثواب و العقاب أو على الأقل سيرد بإجابات تقليدية مؤكدا ان الإنسان هو شخص طماع و جبان لا تحركه إلا نوازع الأنانية و الخوف و بالتالي فإن كل من يقوم بعمل خير يفعل ذلك من أجل مصلحته الشخصية ( الحصول على ثقة و محبة الناس مثلا ) و أنه لو إفترضنا فرضا أن قام شخص ما بعمل خير لا يستفيد من وراؤه أي شيء فسيكون شخص غير عاقل أو مجنون أو عابث يتصرف بلا سبب ..
إلي هذا الحد قد يصل تفكير المؤمن المتدين : إن فعل الخير بدون طمع في ثواب لا يعتبر خيرا بل يكون تصرف مجنون او طائش !! تلك هي التربية التي يربيها نظام الثواب و العقاب, إنه يرسخ في الإنسان الطمع و الجبن لدرجة إعتبارهما الدوافع الطبيعية العاقلة الوحيدة في الإنسان. يسهل بعد ذلك الإيمان بأن الله هو الشخص الأخلاقي الوحيد في الوجود و بالتالي تدعيم قهره للإنسان و تبرير طاعة الإنسان له.
لكن لماذا يقوم الله (بإفتراض وجوده) بفعل الخير؟ أو ما هي الدوافع السلوكية للإله ليكون شخصا أخلاقيا ؟ يعني حين يقوم الله بالإحسان إلي أحد عبيده أو الكثير منهم فهل يقوم بذلك لكي يتقي جهنم أو لكي يحصل على الجنة ؟ ما هي المنفعة التي يحصل عليها الله من تسهيل أمور الحياة على الناس أو تلبية دعواتهم أو الانعام عليهم بأيا من نعمه الكثيرة ؟ لماذا يفعل ذلك ؟
لا أحد يستطيع أن يهدد الله بجهنم أو يغريه بالجنة لكي يفعل الخير و يتقي الشر و لكن الله (بإفتراض وجوده) مع ذلك يختار أن يفعل الخير أحيانا, لذلك فأي الطرفين هو الشخص الأخلاقي الله أم البشر ؟ من يقوم بفعل الخير بإرادة حرة غير مهددة او منساقة وراء أطماع أم من يقوم بفعل الخير مدفوعا بالجبن و الطمع ؟ من يقول أن الله هو الشخص الأخلاقي سينفي ذلك عن الناس و هكذا يكون الناس أشخاص غير أخلاقيين و إنما مقلدين لأفعال الإله فقط ..
هذا يقودنا للسؤال عن ماهية الأخلاق نفسها ..
هل الإنسان هو شخص أخلاقي بسبب نتائج أفعاله أم بسبب نيته الحسنة ؟ يعني هل يحسب المرء فاضلا لو قام بفعل الخير دون قصد منه أم يحسب فاضلا لو نوى فعل الخير و لكنه أتى بمصيبة مثلا ؟ أتصور أن الأخلاق تعتمد على الإرادة الحرة المخلصة لفعل الخير ( النية الطيبة ) أولا و على النتائج الطيبة لهذة الإرادة ثانيا فلا يمكن للفعل أن يكون أخلاقيا إذا كان عملا شريرا بنية طيبة أو عملا طيبا بنية شريرة, بل الخير كل الخير في العمل الطيب بواسطة نية طيبة فقط.
لهذا و إعتمادا على هذا المنطق لا يمكن ان إعتبار المقلد لفعل الخير هو شخص أخلاقي أو فاضل لأن عمله الطيب ليس نابعا منه و ليس صادرا من إرادته الحرة الغير مهددة و الغير مرتشية. السلوك الفاضل يجب أن يكون من إبداع عقل أخلاقي يفكر في الخير و يختار بنفسه ما يراه خيرا له و لجماعته على حد السواء.
يجب أن يكون السلوك الأخلاقي سلوك طيب و ممدوح دائما بمعنى أنه ليس معيوبا بأي شكل من الأشكال فلا يمكن إعتبار الإنسان الفاضل الأخلاقي أنه عبيط أو ساذج أو يعمل ضد مصلحته الخاصة بينما الشخص الأناني هو الشخص العاقل المنطقي الذي يعمل لمصلحته الخاصة بل إن العكس هو الصحيح دائما. و من ناحية أخرى فالسلوك الأخلاقي يجب أن يكون محسوبا بحيث لا يكون إهدارا للمجهود أو الوقت أو المال أو غيره بل يكون في محله تماما يساعد الناس و لا يضر صاحب السلوك في نفس الوقت.
مشكلة الأخلاق ليست هي الإنانية أم التضحية بالذات بل هي في إتخاذ القرار الأخلاقي لكي ينفع الشخص نفسه كما ينفع آخرين و بقدر الإمكان دون أن يضر أحدا. يعني مثلا حين يقرر الإنسان عدم السرقة فإنه ينفع نفسه بالدفاع عن نظام آمن له و لأبناؤه من بعده كما ينفع غيره بالدفاع عن هذا النظام أيضا. و حين يقرر أحد الأشخاص أن يتبرع بجزء من وقته في الحفاظ على البيئة أو رعاية المرضى أو الدفاع عن حقوق الإنسان (حسب ميوله) فهو يقوم بهذا العمل الأخلاقي الفاضل لكي يجعل حياتنا جميعا حياة أفضل. إن الفكرة الرئيسية في السلوك الأخلاقي هو التركيز على المصلحة المشتركة بين الناس بدلا من التركيز على تضارب المصالح و إن كان الإنسان في عمله مضطرا لأن يكون تنافسيا و يفضل مصلحته فوق مصلحة الآخرين فهو لايزال يستطيع أن يكون أخلاقيا في حياته الخاصة و أن يضحي بجزء من ماله و وقته و مجهوده لكي يسعد بشر آخرين.
لذلك فالفعل الأخلاقي يحتاج لتفكير أخلاقي و قرار أخلاقي و ليس مجرد إتباع أوامر مطلقة ليس لها فعالية في جميع الأوقات إبتغاء رضا إله يثب و يعاقب ..
الأخلاق وعي و إرادة و فعل بمعنى أن الشخص يجب أن يكون لديه وعي بأهمية و قيمة الفعل الأخلاقي كسلوك فاضل و خير و من ثم يقرر إتيان هذا الفعل بناء على إرادة حرة و من ثم ينتج عمل يحقق المنفعة للناس و له. لكن مجرد تحقيق المنفعة للناس بناء على أوامر عليا تم إصدارها لحكمة غير معلومة يجعل المرء كالآلة الصماء أو الحيوان الأعجم اللذان ينفذان الاوامر التي يتلقونها بدون تفكير منهم. و مجرد تحقيق المنفعة للناس بناء على الطمع في جنة أو الخوف من جهنم ينفي الأخلاقية عن السلوك و يحوله إلي مقايضة مصلحة بمصلحة و من المعروف أن تبادل المصالح ليس فعلا أخلاقيا أو ضد الأخلاق بل هو نوع آخر من السلوك.
إذن فالناس حين يخضعون لنظام الثواب و العقاب لا تكون سلوكياتهم أخلاقية بحسب التصنيف الأخلاقي للسلوك و لكن المشكلة الحقيقية هي أن هذا النظام يجعل الناس غير قادرين على الفعل الأخلاقي أو حتى حب الخير لذاته, و حيث أن التربية تستطيع أن تزرع في النشأ أي شيء فإن التربية على نظام الثواب و العقاب لا تزرع في المرء حب الخير و كراهية الشر بقدر ما تزرع في نفسية الإنسان و عقله حب الثواب و كراهية العقاب. بالطبع كل شخص في طفولته يكون بطبيعته الحيوانية الأولى يستجيب بشكل جيد للثواب و العقاب و لكنه سرعان ما يكبر ليتعلم أن فعل الخير قد لا يكون له لذة مباشرة أو يحقق مصلحة مباشرة لصاحب الفعل و لكنه مفيد له على المدى الطويل أو حتى يدعم الخير للنوع الإنساني. و بالتالي فإن التربية الصحيحة يجب أن تركز على مخاطبة العقل و انسنة الكائن البشري و تحويله إلي شخص أخلاقي بطبيعته يحب الخير للجميع و يكره الشر لأي واحد. أما التربية بنظام الثواب و العقاب فتكرس الشخصية الحيوانية عند الكائن البشري و توقف نموه الأخلاقي معتبرة أن الإجبار على فعل الخير سينجح مدى الحياة.
في الواقع أن التربية على نظام الثواب و العقاب قد تساهم في خلق مجرمين و منحرفين بأشكال كثيرة لأنه من السهل على أي كائن بشري متوسط الذكاء ان يتأكد من أنه لا ثواب ولا عقاب ولا إله يحاسب و بالتالي فسيقوم بنفاق المجتمع واهما إياه بانه شخص مؤمن ثم يقوم بفعل كل الجرائم و الموبقات في الخفاء. إن شبكة الإيمان واسعة الخروم و الكثيرين يهربون منها و بالتالي فإن لم يتعلموا أن الأخلاق لا شأن لها بالإيمان و أنها تعتمد أساسا على إنسانية الإنسان و درجة تحضره فسيفقدون أخلاقهم الإجبارية يوم يفقدون إيمانهم. إن من أهم عيوب نظام الثواب و العقاب في التربية هو الربط بين الإيمان و الاخلاق و بالتالي يكون من السهل فقدان الأخلاق مع الإيمان.
يعني لو هددت طفلك يوما بانه إن لم يظل هادئا فستدخله حجرة الفئران و أطاعك فعلا, ما الذي ستفعله لو كفر يوما بحجرة الفئران و عرف انها مجرد خدعة لإخافته ؟ ربما ستهدده بالضرب وقتها. و لكن في أيا من حالات الترهيب و التهديد و الوعيد سواء بعقاب حقيقي أو بعقاب خيالي لن تجعل الطفل يحب أن يكون شخص هادئ و مؤدب من ذاته سواء في حضورك أو غيابك بل ستجعله شخصا مقهورا ضعيفا جبانا يحركه الخوف و الترهيب.
و لو رغبت طفلك في الإستذكار عن طريق إثابته بالمال فهو لن يقوم بأي شيء إلا مقابل المال كالعبد الأجير و كأنه يستذكر دروسه دون هدف. الأفضل و بدلا من الترهيب و الترغيب هو مخاطبة عقل هذا الإنسان الصغير (طفلك) و محاولة إقناعه و إفهامه بأهمية و قيمة إستذكار المرء لدروسه و كيف سينفعه ذلك.
إن مخاطبة العقل تفترض و تدعم و تضخم وجود العقل في الإنسان بينما مخاطبة الغرائز البدائية فتفترض و تدعم و تضخم وجود الغرائز البدائية في الإنسان. يعني لو عاملت الكائن البشري على أنه حيوان فسيصير حيوانا و لو عاملته على أنه إنسان عاقل و أخلاقي سيصير شخص عاقل و أخلاقي فعلا. و نظام الثواب و العقاب يتعامل مع الكائن البشري على انه حيوان أعجم لا يستجيب إلا بالعصا و الجزرة و بالتالي فإن هذا الكائن البشري لن يستجيب أبدا إلا بأسلوب العصا و الجزرة الذي تعلمه ..
حتى الحيوان لو عاملته بإنسانية فسيكون أشبه بالإنسان أما الإنسان لو عاملته بحيوانية فسيصير حيوانا شرسا همجيا لذلك فإتباع أسلوب العصا و الجزرة في التعامل مع البشر مهين جدا و غير فعال و يجعل من البشري شخص همجي لا يهتم إلا بتحصيل الثوابات و تجنب العقابات و بالتالي لا يحفل بأي قيمة أخلاقية أو يفهم معنى فعل الخير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,382,797


المزيد.....




- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- المسلمون في نيوزيلندا..ما هي أصولهم وهل يشكلون هدفا للاعتداء ...
- وكالة: السعودية تقلص نفوذ عائلة بن لادن
- بعد -مجزرة المسجدين-.. ضاحي خلفان يمتدح -حكمة- القيادة الإما ...
- بعد -مجزرة المسجدين-.. ضاحي خلفان يمتدح -حكمة- القيادة الإما ...
- بعد ربط اسمه بـ-مجزرة المسجدين-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام ...
- الكويت تؤكد رفضها اقتسام الإشراف على المسجد الأقصى وفرض سيطر ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مايكل سامي - الأخلاق و نظام الثواب و العقاب