أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - ياسين رزوقي - إجابة عن سؤال الثقافة والمثقف على ضوء المنهج الواقعي















المزيد.....



إجابة عن سؤال الثقافة والمثقف على ضوء المنهج الواقعي


ياسين رزوقي

الحوار المتمدن-العدد: 3211 - 2010 / 12 / 10 - 19:14
المحور: الارشيف الماركسي
    


احتلت إشكالية المثقف في الوسط الثقافي الوطني والعالمي حيزا مهما من النقاش، أو قل من التصورات التي حاول أصحابها تلمس ذواتهم فيها، وإسقاط صورة المثقف التي في ذهنهم على التصور الذي وجب أن يكون عليه المثقف، ولعل في طرح المشكلة على هذا النحو خطأ هو في حقيقته ناتج عن خطإ آخر، يعود لطبيعة الاختيار النظري والمنهجي الذي يعالج بواسطته مفكرونا مواضيعهم، وقد اخترت هنا لفظ "مفكر" للدلالة على من يمارس نظريا، تمييزا له عن المثقف.

إذا عدنا إلى طريقة معالجة إشكالية المثقف، وجدنا أن خطأ جل المقاربات يكمن في عمومية وكلية وتجرد المفاهيم المستعملة في علاج الإشكال من جهة، ومن جهة ثانية إلى طبيعة المنهج الذي يبحث عن التماثل داخل حقل الإشكالية أكثر من بحثه عن الاختلاف؛ وهذا حال التفكير الشكلي الذي يهتم بالتناسق ويرى في التناقض استثناء يجب حذفه أو عقلنته، وهو ما يبرر الحيرة التي يتخبط فيها هذا الفكر عند مصادفته تناقضا سواء في الفكر أو الواقع، وهو الباحث دوما عن الانسجام، الرافض أبدا للتناقض.

إن طريقة طرح الموضوع هي التي تحدد طريقة الإجابة، وما دام السؤال قائما على أساس عائم أو إيديولوجي، لابد أن تأتي نتائج البحث عائمة وغير واضحة؛ وحتى إن ادعت الموضوعية فإنها لن تكون سوى موضوعية هيغلية، تضمر أكثر مما تظهر، وتسعى إلى التفسير أكثر من سعيها للتغيير، وهو ما يتنافى مع حركة الفكر المادي، ولهذه العبثية والعدمية داخل هذا الفكر في طرحه وعلاجه للموضوعات دلالة طبقية. لهذا جاءت جل محاولات مقاربة سؤال المثقف مشبعة بهذه النكهة: في شكلية التأطير، عمومية وتجرد المفاهيم، ادعاء الموضوعية... تصب جميعها في بوثقة التضليل الإيديولوجي.

سأحاول في هذه المقالة تتبع بعض المقاربات التي عالجت سؤال المثقف، محاولا في الآن نفسه فحص أساسها النظري وتوضيح مايمكن توضيحه حتى يتبين للقارئ الكريم بعض معالم الإجابة عن سؤال المثقف في عتمة التصورات الكثيرة.

"صور المثقف" كتاب لإدوارد سعيد، عبارة عن مجموعة من المحاضرات كان قد ألقاها بجامعة "ريث" في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1993. في الفصل الأول، تحت نفس عنوان الكتاب، يقدم إ.سعيد تصور المفكر الماركسي الإيطالي "أنطونيو غرامشي" للمثقف الذي يعرضه في كتابه المشهور "كراسات السجن"، يؤكد غرامشي في هذا الكتاب أن "كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وضيفة المثقفين في المجتمع"(1).حيث يحدد المثقف انطلاقا من الوظيفة التي يؤديها داخل المجتمع، فكل الناس مثقفون حسب تصور غرامشي، لكن اختلاف تطورهم الفكري هو ما يجعل البعض منهم يقومون بوظيفة معينة لايستطيع كل الناس القيام بها، فما يحدد المثقف عن باقي الناس باعتبارهم مثقفين ثلاثية أساسية وهي المعرفة Le savoir،والفهم Le comprendre، والإحساس Le sentir. وهي العناصر التي لا تتوفر جميعها في الإنسان الشعبي Populaire (2).

من هذا المنطلق "يحاول غرامشي أن يظهر إمكانية الذين يؤدون الوظيفة الفكرية في المجتمع إلى نوعين: يضم أولهما المثقفين التقليديين مثل المعلمين، ورجال الدين، والإداريين، ممن يواصلون أداء العمل نفسه من جيل إلى جيل، ويمثل ثانيهما المثقفين العضويين، الذين اعتبرهم غرامشي مرتبطين على نحو مباشر بطبقات أو مؤسسات تجارية تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح، واكتساب المزيد من القوة، وزيادة السيطرة "(3). يتضح أن فهم إ.سعيد لغرامشي هنا يشوبه تشويه ما يتجلى في كون إ. سعيد يستعمل المثقفين العضويين بمعنى حرفي أي أولئك الأشخاص الذين ينتمون إلى طبقات أو مؤسسات تجارية كأعضاء، وإذا دققنا في تحليل هذا القول نجد إ.سعيد عجز على فهم معنى المثقف العضوي، فهذا الأخير ليس مرتبطا بطبقات كما يقول إ.سعيد بل بالطبقات الصاعدة، وليس - المثقف العضوي- مرتبطا بمؤسسة تجارية تستعمله لتنظيم مصالحها واكتساب المزيد من القوة والسيطرة، فهذه حسب الفهم الغرامشي مهمة المثقف التقليدي.

عندما عاد إ.سعيد لتصور غرامشي للمثقف، أوضح تصنيف غرامشي الشديد الدقة للذين يؤدون الوظيفة الفكرية في المجتمع، حيث ميز بين المثقفين الثقليديين والمثقفين العضويين، ثم انزلق انزلاقة موضوعية، تفرضها ضرورة أساسه النظري إلى اعتبار خبير الإعلان أو العلاقات العامة، الذي يستنبط أساليب تضمن لمسحوق غسيل أو شركة طيران حصة أكبر من السوق، مثقفا عضويا(4).

والمصيبة هنا هي هذه الشطحات الفكرية والانزلاقات الميتافيزيقية التي أصابت مثقفنا عندما بحث عن شيء غير الحقيقة، اضطر إلى استعمال لغة غير واضحة، مدعما إياها بكلمات من مثن غرامشي في تعريفه للمثقف العضوي، في قراءته لها- إ.سعيد- شوه المتن الغرامشي نفسه.

يمكن للمثقفين في نظر غرامشي أن يتحولوا إلى " فئة منسقة للقهر الذي تفرضه الطبقة المهيمنة على الطبقات الأخرى، ويرى أيضا أن الطبقة العاملة يمكن أن تفرز مثقفين عضويين تتمثل مهمتهم في الحد من الهيمنة، وذلك ببحثهم عن طرق ديمقراطية لمراقبة ومحاسبة أجهزة الدولة"(5). فالصراع قائم بين مثقفين تقليديين يدافعون عن نظام الهيمنة السائدةHégémonie ، ومثقفين عضويين يعبرون عن مصالح ورغبة الطبقات الصاعدة في التخلص من تلك الهيمنة. والذي نسيه إ.سعيد أو تجاهله هو أن غرامشي لم يتحدث عن المثقفين العضويين كشيء ثابت، بل إن ما يسمى اليوم مثقفا تقليديا كان في الماضي مثقفا عضويا بالنسبة للطبقة المنحلة أو المتفككة. كما أن المثقف العضوي حسب غرامشي لايتحدد فقط بوظيفته داخل المجتمع كما حددها إ.سعيد بل كذلك بتحقيق الفكر العضوي بين المثقفين وطبقاتهم، وذلك بصياغة المبادئ والقضايا التي تطرحها الجماهير في نشاطها العملي صياغة محكمة، وتكون نتيجة ذلك هو تحقيق ما يسميه غرامشي الكتلة الثقافية والاجتماعية. بهذا المعنى لا يمكن الحديث عن استقلالية المثقف العضوي، فاستقلاليته نقطة ضعف ضد كتلته الثقافية الاجتماعية الصاعدة في مواجهة الكتلة الثقافية المتفككة، إنه تأكيد لدور المثقف كحامل لمشروع اجتماعي، وتأكيد لتميز البراكسيس عن الفلسفة، أو فلسفة الممارسة على ممارسة التفلسف. حيث يرى غرامشي "إن إرشاد كثلة كبيرة من البشر إلى التفكير بطريقة متسقة في العالم الحقيقي الراهن، هو حدث فلسفي، أهم كثيرا وأكثر أصالة من اكتشاف فيلسوف عبقري لحقيقة تبقى ملكا لمجموعة صغيرة من المثقفين"(6).هنا يأتي الفيلسوف الديمقراطي عند غرامشي ابنا لعصره وربيبا لزمانه بلغة هيغل، لايتصور ذاته بمعزل عن مشاكل عصره والمهمات التي تطرح عليه في ساحة المجتمع المدني. فهل لخبير الإعلان الذي يبحث عن تسويق مسحوق غسيل – بلغة إ.سعيد- أن يحقق تلك الكتلة الثقافية والاجتماعية أو الفكر العضوي بينه وبين الجماهير المستهدفة أو بينه وبين المؤسسة التجارية التي يشتغل لصالحها، حتى نسميه- كما يرى السيد إ.سعيد- مثقفا.

ثم يعود إ.سعيد إلى الطرف النقيض(اليمين) بعد أن عرض موقف اليسار(غرامشي)، كيف لا وهو من يقول "وأقل ما يجدر بالمثقف عمله أن يكون همه إرضاء جمهوره"(7)، والواضح أن إ.سعيد يسعى إلى كسب جمهور عريض من اليسار واليمين !حيث يعرض تعريف "جوليان بندا" للمثقفين باعتبارهم "عصبة صغيرة من الملوك-الفلاسفة، الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية وبالحس الأخلاقي الفذ، ويشكلون ضمير البشرية"، يضيف بندا "المثقفون الحقيقيون هم الذين لايهدف نشاطهم أساسا إلى تحقيق أغراض عملية، وكل الذين ينشدون السعادة في ممارسة فن ما أو علم ما، أو في تأملات ميتافيزيقية، أي باختصار، في التحلي بمزايا غير مادية، ومن هنا يقولون بطريقة ما، ليست مملكتي من هذا العالم"(8).ولعل الرجوع إلى كتاب جوليان بندا خيانة المثقفين La Trahison des Cleres- حيث اختار لهم بندا التعبير الديني"الإكليريكيون"- توضيح للخلفية النظرية لموقف بندا الطوباوي للمثقفين.

أما إ.سعيد بعد أن أعلن صراحة إعجابه "الشكلي" بموقف غرامشي للمثقف، باعتباره أكثر واقعية، أصر إلا أن يزيل الخطر الناجم في نظره عن احتمال اختفاء وجه المثقف أو صورته في خضم بحر من التفاصيل حيث يؤكد أن المثقف "فرد له في المجتمع دور علني محدد لايمكن تصغيره إلى مجرد مهني لاوجه له، أو عضو كفوء في طبقة ما لايهتم إلا بأداء عمله، فالحقيقة المركزية بالنسبة إلي، كما أعتقد، هي أن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي؛ أو تجسيد أي من هذه، أو تبيانها بألفاظ واضحة؛ لجمهور ما، وأيضا نيابة عنه. ولهذا الدور محاذيره، ولايمكن القيام به من دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة محرجة، ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي (بدل أن ينتجهما) ويكون شخصا ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تنسى ويغفل أمرها على نحو روتيني"(9). الواضح أن إ.سعيد بدل تدقيق المعنى، زاد التفاصيل على بحر التفاصيل، فشوه الصورة أكثر.

يتحدث إ.سعيد عن المثقف باعتباره فردا له في المجتمع دور علني محدد، والسؤال هو لماذا اختار إ.سعيد للمثقف أن يمارس في العلنية، قد يكون لهذا الاختيار خلفية من تصور غرامشي، فهذا الأخير يماهي بين المثقف العضوي والفيلسوف الديمقراطي، ويشترط ضرورة توفر مناخ من الحرية لكي يظهر هذا النوع من المثقفين، بالتالي توفر شرط الحرية لايعني أكثر من الممارسة العلنية للمثقف داخل المجتمع، ثم يضيف على ما فيه من عمومية "أن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر،أو موقف، أو فلسفة، أو رأي؛ أو تجسيد أي من هذه أو تبيانها بألفاظ واضحة؛ لجمهور ما، وأيضا نيابة عنه"؛ على هذا النحو وانسجاما مع منطق مثقفتا التعويمي الأرسطي (لاعلم إلا بالكليات)، يستحيل كل من له ملكة القدرة على التوضيح مثقفا، وحجته الديكارتية "هي أن المثقفين أفراد عندهم الاستعداد الفطري لممارسة فن التعبير عما يمثلون سواء كان ذلك قولا، أم كتابة، أم ظهورا على التلفزيون"(10). وهو ما يجعل المثقف الحقيقي في نظر إ.سعيد مرغما على الإدلاء بشهادته علانية أمام الجمهور. وما يزيد التحديد السعيدي غرابة هو تحديده للمثقف بأنه ذلك "الشخص الذي ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه"، والسؤال الذي نطرحه على إ.سعيد هو: ماهي المعايير التي بموجبها نعرف إن كان هذا الشخص سهل الاستيعاب أم لا؟

يرى إ.سعيد أنه "لا وجود البثة لمن يمكن وصفه بمثقف خاص، لأنك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب فيها كلماتك ثم تنشرها، كذلك لا يوجد مثقف عام فقط، أي إنسان يعيش كمجرد رئيس صوري، أو متحدث باسم أفراد أو هيئات، أو رمز لقضية، أو حركة أو موقف"(11). هنا يمكن أن نتفق مع إ.سعيد في هذين النفيين (لا وجود لمثقف خاص/ لا وجود لمثقف عام)، فالسياسة في كل مكان حسب تعبير إ.سعيد ولا منجاة منها بالهروب إلى عالمي الفن الصافي والفكر النقي (اللذان لا وجود لهما من الأساس)، كما لا يمكن ادعاء الموضوعية النزيهة- فإذا كانت الطيور تغرد فليس من أجل إمتاع آذاننا، بل لكي تعلن نفوذها وقوتها، دفعا لصرخات عصافير أخرى- لأن في التعبير عن آراء طبقة أو مجموعة ما، ندافع في الحقيقة عن آراءنا ومواقفنا ومصالحنا المادية والرمزية، "فالمثقف الذي يدعي الكتابة فقط لذاته الخاصة، أو لأجل المعرفة الخالصة، أو العلم المجرد، لا يجب أن، ويجب ألا يصدق. كما قال كاتب القرن العشرين العظيم جان جينيه ذات مرة، في اللحظة التي تنشر فيها مقالات في مجتمع تكون قد دخلت الحياة السياسية فيه؛ وهكذا إذا كنت لا تريد أن تكون سياسيا لا تكتب مقالات أو تعبر عن رأيك بحرية"(12).

يحدد إ.سعيد المثقف باعتباره هاويا، أي مقابلا للمثقف المحترف الذي يسعى إلى تخفيض العمل الثقافي إلى درجة التربح المادي، فيستحيل كمهني ومأجور في خدمة جهة ما؛ وباعتباره هامشيا ومنفيا بحكم مواقفه "المكدرة للصفو العام"، كما أن دور المثقف لا ينحصر في قول الحقيقة في وجه السلطة على الطريقة المثالية، بل" إنه تأمل حذر بالبدائل المتاحة، واختيار البديل الصحيح، ثم تقديمه على نحو عقلاني حيثما يمكن أن ينجح ويحدث التغيير المناسب"(13).

لعل النقد من موقع الصفر مستحيل، كما أن الكتابة من وقع الصفر كتابة بيضاء، وهو ما لا يستطيع مفكرونا إدراكه نتيجة موقعهم الطبقي، وموقعهم في علاقات الإنتاج المعرفي، وكذا نتيجة الانفصام البنيوي عندهم بين حركة الفكر وحركة الصراع الطبقي؛ إذ لا يمكن فصل الفكر أو الإنتاج النظري عن التربة التي تغذيه وإلا استحال وهما من الأوهام الطبقية، تغذيه فكرة أن الأنتلجانسيا يمكنها أن تسبح فوق الطبقات، نوعا من الأوهام الأيديولوجيا التي تفخر بها.

حين يحلق المرء في سماء المثالية يصعب عليه تصور الواقع، وحين ينطلق من تمثلات مفارقة للواقع الفعلي، فإنه يعجز عن فهم الموضوعات، ليس لتعقد هذه الأخيرة، بل لاعتبارها امتدادا للذات -وهي خاصية التفكير البورجوازي الذي يرى العالم بأسره امتدادا لذاته- أي يمكن مقاربتها دون الانفتاح على الواقع، على الممارسة العملية، من حيث هي ممارسة ثورية تقوم بنوع من القطع المعرفي والمنهجي، لأنها تكشف عيوب النظرية وتصحح أخطاءها.

لعل في علمية الإنتاج النظري علاقة بعملية إنتاجه في حاضره عبر سيرورة معقدة من العمليات، أولها نقد الأدوات المعرفية والمنهجية والمفهومية، باعتبار هذا النقد شرطا لقيام المعرفة ذاتها، وثانيها أن هذه الأدوات إنتاج ومنتج للممارسة الواقعية، وليس للفكر الخالص، وبين نقد الأدوات وإنتاجها علاقة جدلية أفرزها نقد الممارسة الأيديولوجية للتحالف الطبقي المسيطر.

في غياب الوعي بأن الإنتاج النظري إنتاج تاريخي، أي له علاقة بالواقع والممارسة الإنسانية، يفقد هذا الإنتاج شكله العلمي ويستحيل مجرد أيديولوجيا أي نقل مشوه ومقلوب للواقع. إن انشطار الأنا داخل هذا النوع من التفكير،أي انفصال الفكر عن الواقع، تحت تأثير دوافع معينة قد يكون المفكر واعيا أو غير واع بها، هو ما يجعل مقارباته للموضوعات المختلفة تتسم بطابع التعالي والعمومية والتجرد والإخفاء المقصود وغير المقصود وعدم الوضوح.

لهذا نعلنها منذ البداية ابتغاءا للوضوح، ورفعا لكل التباس، وعودة لموضوعنا الأساسي- سؤال المثقف- إنه لا وجود للمثقف –بمعناه الكلي- بل هناك مثقف من خلال الموقع الذي يحتله في البنية السوسيوثقافية؛ كما إنه لا وجود للثقافة -بمعناها الكلي- إلا من حيث هي مجموع الرأسمال الرمزي الذي تنتجه المجتمعات في تطورها التاريخي، بل هناك تحديدا ثقافات تبعا للمجموعة التي أنتجتها، والدور التي تؤديه داخلها، وموقعها في البنية الفوقية بشكل عام. واستعمالي لهما – الثقافة والمثقف- بهذا المعنى الجزئي ليس من باب الإثراء الفكري، بل هو استعمال منهجي لا يخلو من نسمة طبقية معادية لفلسفة البورجوازية وطريقتها في عرض الأفكار وتفسيرها، بما هي فلسفة من المستحيل عليها أن تطرح في غير صيغتها الميتافيزيقية، حتى إن تطرفت استحالت فلسفة وضعية لاأدرية في آخر الأمر.

لقد تعددت تعاريف الثقافة وأصبحت من حيث كثرتها ودلالاتها المختلفة والمتباينة تبعا للمجال الذي عرفت من داخله حاجزا أمام كسب المفهوم لدلالة مشتركة وموحدة، مما جعل المقاربات الدلالية الخارجة عن نطاق التطور التاريخي للمفهوم، تصب في باب الاختلاف الحجاجي، وليس في باب البرهان العلمي؛ فأي مقاربة للمفهوم خارج حدود تكونه وتطوره واستعماله تصبح مقاربة غير علمية بل وعدمية، لأنها تتخذ اللاوضوح واللاتميز منطلقا لها، وبالتالي تبتغي الوصول إلى شيء غير الحقيقة، ويكفي العودة لبعض المقالات أو الكتب التي عالجت مفهوم الثقافة والمثقف ليكتشف القارئ تهافت التعاريف وميوعة التصورات، بل وفي كثير من الأحيان ادعاء الموضوعية الزائفة وإيهام القارئ بعلمية البحث، في الوقت الذي يستثمر فيه هذا الأخير لأغراض سياسية، عنصرية، أو باختصار طبقية.

اكتسبت كلمة ثقافة أو (culture) معناها الفكري في أوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فالكلمة الفرنسية كانت تعني في القرون الوسطى الطقوس الدينية (cultes) ولم تعبر عن فلاحة الأرض إلا في القرن السابع عشر. أما في القرن الثامن عشر فقد عبرت عن التكوين الفكري عموما وعن التقدم الفكري للشخص خاصة وعما يتطلبه ذلك من عمل وما ينتج عنه من تطبيقات. هذا هو المعنى الموجود في المعاجم الكلاسيكية. لكن انتقال الكلمة إلى الألمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أكسبها لأول مرة- وقبل رجوعها إلى فرنسا- مضمونا جماعيا، فقد أصبحت تدل على التقدم الفكري الذي يتحصل عليه الشخص أو المجموعات أو الإنسانية بصفة عامة؛ اكتسبت كلمة ثقافة هذا المضمون في ألمانيا موازاة لتصور عام لتاريخ البشرية اعتبرت فيه درجات التقدم الفكري معيارا أساسيا للتمييز بين مراحل تطوره، أما الجانب المادي في حياة الأشخاص فقد أفردت له الألمانية كلمة حضارة(14).

نستنتج من تتبع تطور مفهوم الثقافة، أنه استعمل بمعان مختلفة، كما أن انتقاله من محيط تداولي إلى آخر عبر التاريخ أفرز استعماله بمعنى عام وهو المعنى الذي مازال متداولا حتى اليوم، أي التقدم الفكري الذي يتحصل عليه الشخص أو المجموعات أو الإنسانية بصفة عامة. كما أن الاستعمال الحالي لمفهوم الثقافة يغلب عليه الطابع الروحي، بحيث أصبحت الثقافة مقابلا للحضارة، فالأولى روحية والثانية مادية، وهذا التقابل نتيجة لتطور المفهوم داخل المحيط التداولي الألماني كما سبق توضيحه. وتمييز هذا الأخير بين الروح (الفكر، المطلق، اللامتناهي...) والمادة (الطبيعة، المتناهي...)، حيث نجد ألفريد فيبر يميز بين الحضارة على أنها جملة المعارف النظرية والتطبيقية غير الشخصية، وبالتالي تلك التي يعترف بصلاحيتها ويمكن تناقلها، وبين الثقافة على أنها جملة من العناصر الروحية والمشاعر والمثل المشتركة التي ترتبط في خصوصيتها بمجموعة وزمن معينين(15).

هذا التحديد للثقافة باعتبارها عالم المعرفة بمعناها الروحي والفكري وباعتبارها تميزا عن الواقع المادي واستعلاء عليه، لا يخلو من نكهة إيديولوجية البورجوازية في مرحلة انحطاطها، في تقسيمها للعمل إلى يدوي وذهني، الأول لا قيمة له والثاني أصل كل قيمة، هذا التقسيم يخلق ما سماه ماركوز "الطابع الإثباتي للثقافة"، فالفصل بين الثقافة والحضارة في المرحلة البورجوازية لم يكن مجرد فصل اعتباطي، بل فصل يتضمن إثباتا لمكانة "المثقف" وللدور القيادي المسند إليه كموجه للواقع، "ودفاعا عن هذا الدور فقد اعتبرت كل محاولة لإزالة الطابع الإثباتي للثقافة إزالة للثقافة ذاتها وسقوطا في اللاثقافة"(16).

حتى لا نتوه في كثرة التعريفات، أنبه القارئ أن تناولي للثقافة والمثقف هنا، مبني على تحليل لطبيعة الإنتاج المعرفي داخل بنية اجتماعية هي بالتحديد طبقية، محاولا تحديد -الثقافة والمثقف- في موقعهما ضمن علاقات الإنتاج المعرفي في المجتمع الطبقي، وهو ما يحيلنا مباشرة إلى التعددية والاختلاف كأساس نظري للبحث في هذا الموضوع، اختلاف تفرضه طبيعة الأساس المادي للإنتاج النظري (المجتمع الطبقي) وليس طبيعة الموضوع المدروس. من هذا المنطلق تصبح الأداة التي نتأول بها الموضوع مستغرقة في الموضوع ذاته وليست منفصمة عنه، إنها بالتحديد منطق الاختلاف –المادية الجدلية- باعتبارها منطق دراسة التناقضات في صلب الوحدة الظاهرة؛ فعندما يقع الفكر في حيرة من أمره أمام مأزق تأويل التناقض –في الفكر أو الواقع- وهو الرافض له لتشبثه بمنطق التماثل، يقاربه مقاربة تلغيه. هذا حال المقاربات البورجوازية لإشكالية الثقافة والمثقف، فهي باعتمادها منطقا أحادي البعد، لا ترى التناقض في كلية أطرافه، بل إنها لا ترى التناقض أصلا؛ وكيف تراه، وهي المنكرة له.

"الثقافة بداهة خاطئة، كلمة تبدو وكأنها كلمة، ثابتة، حازمة، والحال أنها كلمة فخ، خاوية، منومة، ملغمة، خائنة..."(17) رأي إدغار موران هذا يحمل قدرا من الحقيقة، إن وراء الاستعمال المبتذل لمفهوم الثقافة تاريخ تطور خلاله المفهوم إلى أن أصبح استعماله الحالي - نتيجة مجموعة من إكراهات الإنتاج المعرفي داخل المجتمع الطبقي- مجرد بوثقة ميتافيزيقية يصب فيها الحساء الإيديولوجي لهذا المجتمع برمته، وأستعمل الأيديولوجيا هنا بالمعنى الواسع الذي استعمله بها ماركس وإنجلز في مؤلفات الشباب، بمعنى الوعي المغلوط أو الزائف الذي يتصور نفسه خارج الواقع والممارسة الإنسانية.

إذا اعتبرنا الثقافة في ظل هذا التحديد جملة عناصر البنية الفوقية في مجتمع طبقي، نقول إن الثقافة إنتاج، وأضيف إنتاج بالمعنى المادي للكلمة. قد تثير هذه النتيجة استغراب القارئ، لكن إذا ماعدنا إلى تقديم "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" لماركس يقول فيها »إن الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم، يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية، مستقلة عن إرادتهم، وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية. ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي وتطابقه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن أسلوب إنتاج الحياة المادية يشترط تفاعل الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بصورة عامة«(18). فالأفراد الذين ينتجون وجودهم المادي ينتجون في الآن نفسه الأفكار والمبادئ والنظريات طبقا لموقعهم في علاقات الإنتاج المعرفية، ذلك أن العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية لا يمكن اختصارها في علاقة ميكانيكية صاعدة، تحدد البنية التحتية بموجبها البنية الفوقية. فليس هناك ما يدعم فكرة العلاقة ذات التأثير وحيد الاتجاه بين البنيتين، فرغم أن ماركس وإنجلز لم يركزا كثيرا على تأثير البنية الفوقية في البنية التحتية لعدة أسباب، لكنهما أكدا بالمقابل علاقة التفاعل المتبادل بين البنيتين، وهو ما عبر عنه إنجلز في رسالته إلى بلوخ سنة 1890 بقوله إن »العامل المحدد في التاريخ حسب التصور المادي للتاريخ هو في نهاية الأمر إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الواقعية، لم نجزم قط أنا وماركس أكثر من هذا، فإذا شوه أحدهم هذا الموقف معتبرا أن العامل الاقتصادي هو العامل المحدد الوحيد فهو يجعل منه جملة فارغة مجردة عابثة. الوضع الاقتصادي هو القاعدة، ولكن مختلف عناصر البنية الفوقية(...) تفعل هي أيضا فعلها في مجرى الصراعات التاريخية وتحدد شكله بطريقة بارزة مسيطرة في حالات كثيرة(...) العامل التاريخي حالما تنتجه ظواهر اقتصادية أخرى يصبح مؤثرا بدوره فيؤثر في محيطه وحتى في الأسباب التي أنتجته«(19). وهو مايدفعنا للقول بأن الثقافة إنتاج بالمعنى المادي للكلمة أي أنها إنتاج كأي بضاعة، فإذا كانت هذه الأخيرة تنتج وفق شروط مادية معينة (العرض، الطلب...) أو ببساطة الحاجة، فإن الثقافة تنتج وفق نفس الشروط المادية؛ سواء الثقافة الرسمية (الثقافة الأكاديمية، ثقافة الأسياد، ثقافة النخبة) أو الثقافة المهمشة أو المكبوتة (الثقافة الشعبية، ثقافة الحس المشترك، ثقافة المقهورين)، فالثقافة لم تكن يوما واحدة وموحدة داخل المجتمع الطبقي، كما أن الدولة ليست لكل المواطنين، والحزب لجميع الطبقات، فهذه الكلية والعمومية نتيجة لتشوه المفاهيم وأدلجتها داخل المجتمع الطبقي، وإذا كان هذا هكذا لا يجب حصر الثقافة في ثقافة رسمية أو مسيطرة أو معلنة من خلال الكتب والإنتاجات الأكاديمية. فالثقافة المكبوثة أو المهمشة أشد نقدا للواقع وأكثر سخطا ورفضا لما تسفق له الثقافة الرسمية، بهذا المعنى لا بد من احترام الثقافة المكبوتة، ثقافة الحس المشترك، ثقافة العمال وعموم الكادحين، فهي بوعي حامليها الجنيني والحسي تحمل بذور الوعي الصاعد في عفويته، ولا عجب أن يحتل هذا النوع من الثقافة موقعا هامشيا من داخل البنية الفوقية للمجتمع الطبقي، وكيف يكون لها حضور وهي ثقافة العامة والغوغاء، هذا ما يِؤكده ماركس وإنجلز في الأيديولوجيا الألمانية عندما يؤكدان أن »أفكار الطبقة المسيطرة هي أيضا وفي كل العصور أفكار مسيطرة «(20)، فالثقافة السائدة هي ثقافة الكتلة الطبقية المسيطرة، وحتى إن عادت هذه الكتلة إلى الثقافة المهمشة لا تعود إليها إلا من باب التعميه والتنويم الأيديولوجي، فالثقافة الشعبية أو ما يسمى الفولكلور مثلا تستعمله الطبقات المسيطرة لربط الطبقات المضطهدة بماضيها وحصر حدود وعيها في الزمن الماضي بما يحمله هذا الفولكلور من حضور للمقدس وتأكيد على أهميته وضرورة تثبيته في لاوعي الناس، أساسا لشرعية حكم أو نظام سياسي أو نمط إنتاج، بهدف تأبيد وضع السيطرة الطبقية.

إن الحديث عن الثقافة "بال" التعريف لا معنى له، إلا إذا اخترنا الطريق الأيديولوجي، أما الطريق العلمي فيحيلنا على أنماط متعددة من الثقافة تتناقض شكلا ومضمونا ووظيفة في المجتمع الواحد. حتى إن وجد نوع من التماثل المشترك بين هذه الثقافات، وهو ما يبحث عنه الفكر الأيديولوجي داخل البنية الثقافية عندما يقر بوجود ثقافة مشتركة أو عناصر ثقافية مشتركة، ونحن لا ننفي هذا من باب الضحد العلمي بل من باب الضحد الأيديولوجي الذي يبحث في الغايات والمقاصد، فالبحث عن التماثل دليل عن عجز هذا الفكر عن رؤية وفهم التناقض، بوعي أو بدون وعي، فكما يقول نيتشه "أن ترى غير التماثل والتساوي بين الأشياء فذلك دليل على قصر نظرك"،لا يمكن تصور ثقافة "بال" التعريف، ثقافة للجميع داخل المجتمع الطبقي، إلا إن أردنا إدخال العالم في ثقب إبرة؛ إذ يكفي استقراء بسيط للواقع لكشف زيف الثقة الزائدة في المفهوم، ففي مجتمع طبقي لا يمكن للجميع الوصول إلى مقدار واحد من الثقافة، فالثقافة غير متاحة للكل لعدم تساوي الفرص ماديا واجتماعيا للوصول إليها عن طريق التعليم، رغم كل ما يقال من شعارات عن عمومية التعليم ودمقرطته، فكما يعاد إنتاج نفس علاقات الإنتاج المادية، يعاد إنتاج نفس علاقات الإنتاج المعرفية، إذ لا يمكن لابن فلاح أو عامل أن يصل إلى مكانة اجتماعية تتيح له كسر نمطية الثقافة إلا استثناءا، والاستثناء يؤكد القاعدة.

وحتى لا نستمر في الحديث عن الثقافة كمجال للإنتاج الفكري المحض أو المجرد، لابد من رفع التباس لازال قائما، إن تأكيدنا من قبل أن الثقافة إنتاج بالمعنى المادي للكلمة قائم على أساس نقد لتقسيم العمل في المجتمع الرأسمالي، فتقسيم العمل إلى مادي وذهني كان له نتائج خطيرة –تخدم في آخر المطاف مصالح الطبقات المسيطرة- من بينها كما يقول ماركس »أن يحسب الوعي نفسه شيئا آخر غير أن يكون وعيا بالممارسة الاجتماعية، ويخيل إليه أنه يمثل شيئا في الوقت الذي لا يمثل فيه شيئا من الواقع، وبدءا من هذه اللحظة ينطلق الوعي في عملية التخلص من العالم والاندفاع نحو خلق النظرية المحض«(21)، بمعنى أن انقسام المجتمع إلى طبقات، وتقسيم العمل، بما يحمله هذا الوضع من استلاب للإنسان، يجعل هذا الأخير خاضعا لمنتجات الفكر (الثقافة)، كشيء مستقل عن الحياة المادية للإنسان، بحيث يصعب عليه في ظل هذا الوضع تصور الثقافة كإنتاج متجذر في صلب الممارسة الاجتماعية الطبقية، لهذا تأتي الثقافة بجميع أشكالها مثقلة بأوهام الوضع الطبقي، وهو ما يعبر عنه الانقسام والتفكك والانفصام الموضوعي بين الفكر والواقع في البنية الثقافية للمجتمع الطبقي، عبر ما يسمى الإنتاج الفكري، فهذا الأخير ليس سوى إنتاج لعلاقات مادية يتفاعل فيها الاجتماعي، السياسي، القانوني... وما يجعل هذا الإنتاج المادي (الثقافة) يتخذ طابعا متعاليا عن الواقع والفعالية الإنسانية، هو واقع الاستلاب، فكما يتجلى هذا الأخير في مجال الإنتاج المادي (العمل) عبر المال والبضاعة، اللذان يختفي وراءهما الاستغلال والسرقة، كذلك الأمر مع الإنتاج المعرفي، فهذا الأخير يتبدى في المجتمع الطبقي كإنتاج للفكر المحض، المجرد عن المصالح والرغبات والنزوات والصراع... نتيجة التركيبة الميتافيزيقية التي يعبر عن نفسه بواسطتها، بحيث تخيل لنا الموضوعات التي يتناولها مستقلة عن حياتنا المادية ، ومثال ذلك الأخلاق والدين.

إن نفس الشروط التي يقوم عليها الإنتاج المادي في المجتمع الطبقي، توفر الشرط الأساسي للإنتاج المعرفي، والفصل بين الإنتاجين هنا فصل منهجي لتأكيد الأساس الواحد للإنتاجين، من حيث هو بالتحديد أساس طبقي؛ فالفصل بين الإنتاج المادي والفكري تكسر لأول مرة على أرض المادية التاريخية في تأكيدها لأول مرة التحام النظرية بالممارسة، أو بالأحرى التحام النظرية الثورية بالنشاط الثوري، إذ كما يقول ماركس"تصبح النظرية قوة مادية حين تؤمن بها الجماهير".

تصور الثقافة في المجتمع الطبقي على أنها الجانب الروحي للحضارة الإنسانية، وهذا صحيح من حيث الشكل الذي تتخذه الثقافة ضرورة داخل هذا المجتمع، وتعزز الطبقة المسيطرة هذه الصورة عبر وسائل الهيمنة الأيديولوجيا المادية والمعنوية، وتشمل المؤسسات التي وجدت أساسا لهذا الغرض وهي المدرسة والإعلام والمؤسسة الدينية والمؤسسات المتنوعة للثقافة، وكذا الفاعلون في هذا المجال كل من مكانه، فكما يقول ابن خلدون في المقدمة "السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره".

لايمكن للثقافة من داخل المجتمع الطبقي أن تكون واحدة، فهي على الأقل ثقافة صاعدة وثقافة نازلة، ثقافة مع التغير وأخرى مع الثبات، ثقافة مع الجديد وأخرى مع القديم... إن الثقافة في جوهرها تباين ثقافي؛ والحال نفسه في تحديد المثقف، ليس هناك مثقف بالمعنى المبتذل للكلمة بل "إنه يحق لنا القول أن جميع البشر مثقفون مع الاستدراك بأن جميع البشر لا يمارسون وظيفة المثقفين في المجتمع(...) وإذا كنا نستطيع التحدث عن مثقفين فالحديث عن غير مثقفين لا معنى له"(22)، هكذا يقول غرامشي في دفاتر السجن، فالمثقف يحدد بالوظيفة التي يقوم بها في كتلة تاريخية معينة، حيث يميز غرامشي كما أشرنا سابقا بين المثقف العضوي الذي يرتبط وجوده بالكتلة التاريخية الجديدة أو بالطبقات الصاعدة، والمثقف التقليدي المرتبط بالكتلة التاريخية السابقة أو بالطبقات المحافظة أو التي في طريقها إلى الزوال. من هنا لا يشكل المثقفون طبقة اجتماعية قائمة بذاتها كما يدعي بعض من قارب هذا الموضوع، بل لكل طبقة مثقفوها، وحتى إن نسب المثقفون لأنفسهم نوعا من الاستقلالية عن الطبقات الاجتماعية فليس ذلك سوى وهم من الأوهام الطبقية يسبح فيها المثقفون عن وعي وعن غير وعي.

عندما نقول إن المثقفين مرتبطون بطبقاتهم الاجتماعية فهذا لا يعني أنهم يعبرون بطريقة آلية عن مصالح طبقاتهم فكثيرا ما يخون المثقف دوره التاريخي ويسقط ضحية الإغراءات الكثيرة التي تمنحها له الكتلة الطبقية المسيطرة، كما يمكن للمثقف أن يعبر عن مصالح وأفكار ومواقف الطبقات النقيضة لطبقته، بوعي أو بدون وعي، وهنا نختلف مع تصور غرامشي للمثقف. إذ يصعب تصور ارتباط ميكانيكي بين المثقف وطبقته الاجتماعية، فليس من الضرورة أن يولد المثقف العضوي من رحم الطبقات الصاعدة أو يرتبط المثقف التقليدي بالطبقات التي في طريقها إلى الزوال أو بطبقة معينة كالفلاحين مثلا، بل قد يحدث العكس والأمثلة على ذلك كثيرة. فكما يقول سارتر في "مجرموا الحرب" »المثقف في الأصل، إنتاج للمؤسسة البرجوازية، لكن عندما ينجح المثقف في القبض على تناقضاته بقوة، لا يبقى أمامه سوى حل واحد، أن يلقي بنفسه إلى اللاشرعية، وهذا يعني في الأخير، أن يلقي بنفسه في رفض كلية المجتمع الذي كونه، وهذا يفترض أن يناضل من أجل مجتمع لا يوجد فيه المثقف« فالمؤسسة البرجوازية هي التي تتحكم في إنتاج وإعادة إنتاج المثقفين، بهذا يصبح من الصعب التحدث عن إفراز طبقي صاف للمثقفين، بمعنى أنه لا يمكن أن نتحدث عن إنتاج المثقفين بشكل مواز لتطور الطبقات، فغالبا ما يتم كبح هذا الإفراز وتعطيله من طرف الطبقات المسيطرة، عبر وسائل الهيمنة الأيديولوجية ومن بينها المدرسة، التي يعمل التحالف الطبقي المسيطر من خلالها على إعادة إنتاج نفس علاقات الإنتاج المادية والمعرفية، وهو ما يجعل من الصعب أن تنتج الطبقات الكادحة كالفلاحين مثلا مثقفين عضويين، لكن هذا لا يعني انتفاء إنتاجهم نهائيا.

لكن عندما تتعفن إيديولوجية الطبقات المسيطرة يصبح المثقف –الذي في الأصل من إنتاج المؤسسة البرجوازية- واعيا بأن مصلحته ليست إلى جانب الطبقات قيد الاحتضار بل إلى جانب الطبقات الصاعدة، وهو ما يدفع به إلى "رفض كلية المجتمع الذي كونه"، ويعني هذا أن يناضل من أجل مجتمع لا يوجد فيه المثقف؛ أي لا يوجد فيه مثقف بالمعنى البرجوازي، موظف أو خادم لدى التحالف الطبقي المسيطر، هنا يحضر "المثقف الملتزم" عند سارتر، باعتباره ذلك المثقف الذي يكون وفيا لمجموعة سياسية واجتماعية، لكن من دون أن يكف عن مناهضتها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا كمقدمة للإجابة –عن إشكالية الثقافة والمثقف- ونتيجة لها في الآن نفسه هو: ما موقف المثقف من قضية الثورة؟ باعتبارها القضية الأولى والمركزية في الثقافة، أمع الثورة أم ضدها؟ فالثقافة التي لا تنتصر للديمقراطية، للمساواة، للحرية، للحلم الإنساني (إزالة المجتمع الطبقي)؛ ثقافة مشبوهة، متهمة، يجب محاكمتها. والمثقف الذي لا ينتصر للثورة أساسا لمواقفه في الساحة الثقافية، مثقف موظف، كلب حراسة بلغة بول نيزان، خائن لدوره التاريخي ويجب محاكمته، "هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعا نضاليا(...) وتتأكد ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثوريا" كما يقول مهدي عامل.



الهوامش:

(1) إدوارد سعيد، صور المثقف، محاضرات ريث سنة 1993، ترجمة غسان غصن، مراجعة منى أنيس،دار النهار للنشر،بيروت 1996، ص 21.

(2) زهير الخويلدي، وثبة غرامشي، الديمقراطية، المثقف، دوره التاريخي وروابطه العضوية، جريدة العرب الأسبوعي، عدد السبت 8/03/2008.

(3) إ.سعيد، المرجع السابق، ص 22.

(4) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 22.

(5) زهير الخويلدي، المصدر السابق.

(6) غرامشي، كراسات السجن، القسم الثالث، فلسفة الممارسة.

(7) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 29.

(8) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 22-23.

(9) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 27-28.

(10) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 29.

(11) إ.سعيد، نفس المرجع، ص 28-29.

(12) إ.سعيد، الآلهة التي تفشل دائما، ترجمة حسام الدين خضور،التكوين للطباعة والنشر، لبنان 2003، ص 127.

(13) إ. سعيد، المرجع السابق، ص 117.

(14) د. الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، منشورات عيون، الطبعة الثانية الدار البيضاء 1986، ص 6.

(15) المرجع السابق، ص 7.

(16) نفس المرجع، ص 9.

(17) نفس المرجع، ص 6.

(18) ماركس وإنجلز، مختارات في أربعة أجزاء، الجزء الثاني، دار التقدم موسكو، دون تاريخ، ص 6- 7.

(19) د. الطاهر لبيب، المرجع السابق، ص33.

(20) نفس المرجع، ص 32.

(21) ميشيل ماركوفيتش، العلم والإيديولوجيا، ترجمة أحمد السطاتي، منشورات أقلام، السلسلة الثقافية 1973، ص 27- 28.

(22) د. الطاهر لبيب، المرجع السابق، ص 25.



ياسين رزوقي

صيف 2010





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,503,744





- انتفاضة الجزائر: ماذا بعد؟
- الذكرى الـ 29 على استشهاد المقاومة البطلة يسرى فياض إسماعيل ...
- بطل عملية سلفيت لمناضل #عمر_ابو_ليلى
- الائتلاف الوطني للدفاع عن التعليم العمومي يدعو للمسيرة الوطن ...
- الشعبية تندد باعتقال الأمن الوقائي لطلاب ببيرزيت على خلفية س ...
- -مستقبل الولد و البلد صنع الأم-
- الجبهة الشعبية: الانتصار للأسرى أولوية وطنية عاجلة
- إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع جيش العدو الصهيوني بقط ...
- لقاء -الجبهة الديمقراطية- و -الشيوعي اللبناني-: المشروع الا ...
- إصابة عشرات الفلسطينيين في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي بقطاع ...


المزيد.....

- حياتي: ليون تروتسكي الجزء االثاني / عبد الرؤوف بطيخ
- حياتي: ليون تروتسكي الجزء الثالث / عبد الرؤوف بطيخ
- حياتي: ليون تروتسكي الجزء الأول "النشأة والتكوين" / عبد الرؤوف بطيخ
- مقالات عن سورية ولبنان، ١٨٦٠ / كارل ماركس
- افتتاح القسم الإنكليزي في مكتبة الشيوعيين العرب / الصوت الشيوعي
- روزا لوكسمبورغ والأممية الرابعة / ليون تروتسكي
- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية - فلاديم ... / سامي حسن موسى
- منتخبات من مكتبة الشيوعيين العرب محفوظة في ارشيف الإنترنت / الصوت الشيوعي
- اتمام اعادة بناء مكتبة الشيوعيين العرب على الخوادم الجديدة م ... / الصوت الشيوعي
- المرأة العاملة - ناديجدا كروبسكايا - (الفصل الأول) / عالية الروسان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - ياسين رزوقي - إجابة عن سؤال الثقافة والمثقف على ضوء المنهج الواقعي