أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد عصيد - الهوية والتاريخ والسياسة، متابعات















المزيد.....

الهوية والتاريخ والسياسة، متابعات


أحمد عصيد

الحوار المتمدن-العدد: 3194 - 2010 / 11 / 23 - 21:33
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


"ليس التاريخ مجالا لتصفية الحسابات"، "لا ينبغي إثارة النعرات"، "هذا النبش في التاريخ مدعاة للفتن والصراعات"، "التاريخ مجال للبحث العلمي له مختصوه". كانت هذه بعض من ردود الأفعال التي صدرت عن بعض المثقفين والسياسيين المغاربة في سياق النقاش الذي أثاره مقالنا عن "الهوية والتاريخ ورموز الدولة الوطنية" وكذا مقالنا عن "جذور العنف في الدولة المغربية"، وإذا كنا نوافق على ما ورد في هذه الملاحظات من آراء وجيهة من حيث المبدأ، إلا أننا لا نقبل أن تكون نتيجتها التراجع عن طرح موضوع التاريخ وقضاياه وقراءاته في النقاش العمومي، وإلا صارت هذه الملاحظات سلبية في آثارها ونتائجها، لأنها ستنتهي إلى إقرار ضرورة الركون إلى الصمت خوفا من الطابوهات السياسية والإجتماعية التي يستحسن حسب هذا المنطق تجنبها. والحال أن أي تطور لا يمكن أن يحدث بدون كسر الطابوهات من هذا النوع وتحويلها إلى قضايا مفكر فيها بمختلف أنواع المقاربات، العلمية الأكاديمية منها أو السياسية.
وأعتقد أن المعيار الذي لا ينبغي أن يغيب عنا ونحن نتناول مختلف هذه القضايا هو معيار الوحدة الوطنية الجامعة، التي هي مكسب تاريخي لا يمكن التراجع عنه أو التفريط فيه، ونقصد بهذا أن النقاش حول قضايا الهوية والتاريخ لكي يكتسي طابع الجدية المطلوب ينبغي أن يتمّ خارج النعرات القبلية أو العرقية أو الطائفية من أي نوع، وأن يكون هدفه تجاوز عوائق الحاضر و نقائصه وعيوبه التي تتمثل أساسا في شيوع أنواع الميز واللامساواة، في اتجاه الرقي بالوضعية الإنسانية وضمان الشروط المطلوبة لانتقال سلمي وهادئ نحو الديمقراطية.
ثمة ترابط عميق بين مفاهيم الهوية و التاريخ والسياسة، حيث يحيل الربط بين هذه المفاهيم على إشكاليات دقيقة و متشعبة، تنفتح على مجالات التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا واللسانيات وغيرها. فالهوية خارج التعريفات النظرية والثقافية، عندما نربطها بمجال المجتمع الإنساني، تصبح صعبة التحديد كخصائص ثابتة للإنسان أو للحضارة، حيث تصبح الهوية شعورا بالإنتماء يخضع لتراتبية على مستويات عدة، (الإنتماء إلى القبيلة ، الإنتماء إلى الجهة أو إلى الوطن أو العقيدة أو القارة إلخ)..
إنّ مفهوم الهوية معقد ومنفلت وليس قابلا للقياس أو التحديد الدقيق، ذلك أن الهوية عندما نربطها بالتاريخ تصبح صيرورة للتجربة الإنسانية المتغيرة، حيث لا مجال للفصل بين الهوية و الثقافة، فعلاقة الهوية بالتاريخ تبرز أن الهوية صيرورة يعاد بناؤها في زمن عبر النشاط الإنساني والتفاعل والتبادل. ولهذا لا تثور إشكالية الهوية إلا في المنعطفات التاريخية الحاسمة و لحظات التحول الكبرى التي تنبعث فيها الأسئلة القلقة.
من هذا المنطلق فالتاريخ بسبب ما ذكرنا لا يعني فهم الماضي فقط بل الحاضر أيضا، حيث أن نظرتنا إلى التاريخ تعكس الكثير من توترات الحاضر وتستجيب لحاجاته، مما يفسر سعي الإنسان الدائم إلى إعادة قراءة التاريخ وتفسيره وتأويله، ويبرز بالتالي عدم وجاهة الرأي القائل بضرورة طمس السؤال التاريخي أو تأجيله بسبب الحساسيات السياسية أو الدينية أو العرقية والإثنية.
فإذا لم تكن نصوص التاريخ المكتوب تتغير فإنّ قراءاته من منطلق حاجات الحاضر تتغير وتختلف حسب السياق، غير أنّ إعادة قراءة التاريخ تعبر عن درجة نضج الحاضر ورغبة أهله في التجاوز والتجديد و التطوير والمضي نحو المستقبل.
وإذا كانت السياسة تدبيرا للظرفي، فإن ذلك لا يمكن أن يحدث بمعزل عن طبيعة الكيان الدولتي وهويته، هذه الهوية التي تشكلت بالطبع في التاريخ وانبنت عبر صيرورة الأحداث والوقائع و التجارب. ومن الطبيعي أن تسعى الدولة عبر مختلف بنياتها إلى ترسيخ هويتها الجامعة لدى الأفراد و الجماعات المنضوين تحت سلطتها لضمان ولائهم لها والحفاظ عبر ذلك على الإستقرار. غير أن المشكل يثور عندما يجد الفرد تنافرا بين وعيه الفردي بالإنتماء الهوياتي وهوية الدولة الرسمية.
هذا التداخل بين الهوية والتاريخ والسياسة يكتسي طابعا متوترا في البلدان الإسلامية عامة و في المغرب بصفة خاصة بسبب أن هوية الدولة تتحدد عبر الدين الذي هو "دين الدولة"، أي أنه وسيلة من وسائل ممارسة السلطة، مما يزيد الأمر تعقيدا بالنسبة لموضوع التاريخ.
غير أن ما يميز المغرب حاليا وكذا العديد من المجتمعات الإسلامية في موضوع التاريخ، هو ما يلاحظ من ثقل الماضي على الحاضر، حيث تسود فكرة أسطورية عن ازدهار الماضي في مقابل تخلف الحاضر مما خلق نوعا من "البلوكاج" النفسي والذهني لدى المسلمين نتج عنه نوع من تقديس الرواية السنية الأورثوذوكسية للتاريخ، وهي رواية تضمر الكثير من الخوف من الإكتشاف وتتجنب البتّ في التناقضات والمفارقات، وتضع حدودا للمعرفة والبحث التاريخي، حيث تستند الشرعية السياسية للسلطة ـ بسبب عدم فصل الدين عن الدولة ـ إلى رواية معينة للتاريخ، مما يجعل هذه الرواية محروسة ومراقبة، وهذا ما جعل علاقة التاريخ بالسياسة وبالوعي العام علاقة متوترة.
وينضاف إلى ما ذكرنا سبب آخر يجعل النقاش حول التاريخ يكتسي طابعا حادّا يثير الكثير من المخاوف، وهو هشاشة الوضع العام الذي لم يعرف بعد تقوية أسس البناء الديمقراطي، حيث أنّ الحسم في اختيار الديمقراطية هو الذي من شأنه أن يجعل التاريخ مجالا مفتوحا للقراءات المختلفة التي لن تثير أية حساسيات من أي نوع، ويظهر هنا بطلان الرأي الذي يستشهد بالتجربة الإسبانية، والذي يزعم أن الإسبان قد تجنبوا أي نقاش حول التاريخ بعد الحرب الأهلية تفاديا للوقوع في تصفية الحسابات التي من شأنها عرقلة المرور نحو الديمقراطية، والواقع أن الذي حسم النقاش التاريخي في إسبانيا وجعل الشعب الإسباني يتجاوز النقاش التاريخي هو الحسم في اختيار الديمقراطية و ووضع أسسها الفعلية، وهو وضع نفتقده في المغرب، حيث ما زال ثمة إصرار على تكريس مساوئ الماضي وعرقلة الإنتقال نحو الديمقراطية، مما يجعل الوضع يبدو متذبذبا ومثيرا للأسئلة القلقة.
إن أسئلة التاريخ بالمغرب المعاصر تبرز بشكل كبير مدى الحاجة الماسة إلى فهم الماضي فهما متوازنا ومنفلتا قدر الإمكان من هيمنة الإيديولوجيا الرسمية والإيديولوجيات المنازعة لها، حيث ساهم ضعف الثقة في المؤسسات الرسمية وفي الأحزاب السياسية في تزايد قلق السؤال التاريخي، مما يحتمّ إعادة قراءة تاريخ المغرب وتصحيحه في المقررات الدراسية وخاصة في إطار سياسة الجهوية الموسعة التي تمّ طرحها للنقاش مؤخرا، حيث سيمكن ذلك من العودة إلى التاريخ الإجتماعي المحلي عوض الإكتفاء بالتاريخ الرسمي الذي كان عبارة عن عملية انتقاء لعناصر هوياتية ولرموز ثقافية في فترة ما وسياق خصوصي تلبية لحاجات الدولة الوطنية المركزية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,399,309,521
- إلى المدافعين عن العربية: هذه أخطاؤكم فتداركوها!
- الفن و الدين بين الذات و المجتمع إلى الممثلة لطيفة أحرار
- عن التعدد اللغوي ووظائف اللغات بالمغرب رسالة مفتوحة إلى الدك ...
- تعقيب على -إعلان دمشق-: هل تهدد الديمقراطية مستقبل اللغة الع ...
- -تعريب الحياة العامة- مقترح مكانه الطبيعي سلة المهملات
- الأمازيغ و التلفزة المغربية
- الأمازيغ بين التقرير الأممي و الدراسة الإسرائيلية
- مجلس الجالية و عقلية -أهل الكهف-
- الخطبة و الخطباء
- عودة إلى -أسئلة الإسلام الصعبة-
- عقول صغيرة
- الفن و الدين أو الحرية في دائرة المطلق
- جذور العنف في الدولة المغربية أو المغاربة في مواجهة نمط الإس ...
- ثقافة الحظر و الوصاية (دفاعا عن الفن و الجمال)
- الهوية و التاريخ و رموز الدولة الوطنية (إلى حراس المعبد القد ...
- ترجمة القرآن بين الريسوني و الأخ رشيد
- حمى الإفتاء الدلالات و الأبعاد
- في -عروبة الإسلام-
- أبواق المساجد و أجراس الكنائس
- العربية و التعريب بالمغرب


المزيد.....




- الحكومة اليمنية تلغي تحرير سوق المشتقات النفطية وتحصر استيرا ...
- ماذا قال صلاح عن استبعاد وردة؟
- طفلة أردنية تسحر -أميركان غوت تالنت-
- ?ما هي إنفلونزا العيون؟?
- رئيس أركان الجزائر: أنا مع الشعب وليس لدي طموح سياسي
- سلطات مدغشقر تعلن عن مقتل 15 وإصابة 75 في تدافع بعد عرض عسكر ...
- إعلام: ترامب وبوتين يلتقيان الجمعة في أوساكا خلال قمة مجموع ...
- سباق الرئاسة.. من يتناظر الليلة؟
- الأمير وليام: سأساند أبنائي تماما لو أنهم مثليون جنسيا
- الشرطة تلبي رغبة عجوز وتأخذها إلى السجن


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد عصيد - الهوية والتاريخ والسياسة، متابعات