أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن ميّ النوراني - إرادة الجهاد المنفتح















المزيد.....



إرادة الجهاد المنفتح


حسن ميّ النوراني
الحوار المتمدن-العدد: 959 - 2004 / 9 / 17 - 09:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(1) غياب الفاعل الفرد

إذا عجزت قوى التنامي عن مواصلة فاعليتها الحيوية في مواجة عوامل الهلاك، صارت الحياة فعلا مختنقا. التنامي خاصة حيوية يتحقق بها الكيان الوجودي الحيوي في مستوياته الفعلية كلها، وفي ذروتها مستوى الإنسانية؛ هذا المستوى الذي امتاز عمّا عداه من مستويات التحقق الحيوي بالقدرة على جمع مفردات خبرته، وصياغتها في تاريخ، حقق بدوره، فاعلية التنامي الحيوية، بصورتها الإنسانية. والتاريخ الإنساني ليس تجميع خبرات مفردة مغلقة، هو جمع تشارك فيه الخبرة المفردة بفعل يتعضون به الجزئي في الكلي، أي: ينفتح به الجزئي، بالكلي، على الكلي الممتد إلى ما بعد حدود الجزئي المكانية والزمانية. التاريخ هو فاعلية تفتّح الفردي على الجمعي، أو تفتّح الفردي، بالفردي، ليصنعا معا جمعيا واحدا، عوامله الفاعلة هم الأفراد الصانعون للتاريخ؛ الأفراد المبدعون لتحققاتهم الحيوية الوجودية، وهي تحققات لا يبدعها أفراد معزولون، كل في دائرة وجودية مغلقة؛ الإبداع الحيوي الوجودي هو فعل التنامي في الأفق الواسع للوجود، هو فعل تعميق الوجود الأنوي في الوجود العام. وبالتنامي المعمق يصير الوجود الأنوي فعلا تاريخيا، خلال صيرورته إلى فعل جمعي، يخلق بطبيعته تاريخا فاتحا، كل لحظة، عالما متجددا، يشتبك مع عوامل الهلاك، ويتجاوزها، أو يحيلها إلى شروط جدارة حضوره وشدة درجة فعل مشاركته في إعادة صياغة الوجود. ولكن شعلة الحياة تخبو في اللحظة التي تتجمد فيها فاعلية الحضور، وفي هذه اللحظة، تسقط الحياة في شراك الأزمة.
الأزمة حضور حيوي متجمد تاريخيا يضيق فيه الوجود الفردي وينغلق على ذاته، ويفقد قدرته على التنامي الجمعي، ومن ثم، تفقد الجماعة، أو الأمة، قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل في التاريخ الإنساني العام. والحياة لا تتوقف عن تحققاتها إذا فقدت قدرتها على إبداع حضورها التاريخي الفاعل، ولكن ، تتجه تحققاتها إلى الأداء الحيوي في وضعية المفعولية.
وضعية المفعولية حالة استلاب وجودي لكيان يعجز عن التواصل الفاعل مع المعطيات الوجودية، ثم ينقلب عجزه، أو يتفاقم، فيصير هو، نعني الكيان، معطى، مسلوبا، للموضوعات الوجودية الأخرى؛ أي: يصير معطى يمارس الغير فيه فاعليته، ويمارس عليه حصاره الخانق. المفعولية وضعية ذاتية، لا يخلقها الغير، ولكنها تغري الغير ليمارس عليها فاعليته. فالذات، كل ذات حية، مجبولة على الحركة التوسعية، فإذا تعطلت مكنة التوسع لدى ذات، فإن هذه العطالة مقدمة لحركة توسعية تنجزها ذات أخرى تمتلك عوامل الفعل، الفاعل، امتلاكا ذاتيا، ومنهاعامل شهوة الحيازة على الآخر، وهي شهوة تتفاقم، إذا صار الآخر أرضا سهلة وقابلة للاجتياح؛ أي: إذا صار الآخر في وضعية المفعولية، وهي حالة يتقهقر إليها الكيان، بعد أن تكون عوامله قد ألجمت فعله المبادر بتلقائيته الوجودية. ومن ينكص عن المبادرة الفاعلة، يهوي في ظلامة التاريخ، وتهرسه عجلات زمان يتحرك بالذي يحركه، ولا يجمد مع الجوامد. الحركة طبيعة الوجود، والوجود لم يزل، فالحركة لم تزل، وهي اتجاهات، إما نحو الأمام، وإما نحو الخلف؛ والفاعلون هم الذين يبدعون زمانا يتحرك للأمام. بينما تشتد وضعية المفعولية كلما ضاقت المساحة الوجودية بالحركة المنكفئة على ذاتها، المقلوبة الاتجاه.
المفعولية وضعية لا تستجيب للتحديات الخارجية بكيف يجعل منها عوامل بناء للذات. الآخر نسبة إلى الذات المأزومة بوضعية المفعولية، مخرج استهلاكي؛ هي تستهلكه، وهو يستهلكها. لكن استهلاكها له، تدمير لها، وتدمير له في ذاتيتها؛ أي: إعدام له كعامل استفزاز لها ودافع للتنامي بتوظيف فاعل يقلب تحديه لها إلى تحديها له. واستهلاكه لها، تدمير لها بمحاصرتها في دائرتها، دائرة وضعية المفعولية، لا تدميرا مطلقا، ولكن تدمير فاعليتها، لتظل سهلا مفتوحا لأداء فاعليته العدوانية.
الأزمة، كما الحياة، ذاتية. كما لا يقدر أحد على الحياة نيابة عن غيره، لا تخرج أمة من أزمتها، ما لم يكن الخروج مطلبا ذاتيا لها. ومن الجرثومة التي يبدأ منها مشروع الحياة، منها يبدأ مشروع النهوض الجمعي، متحديا حالة المفعولية، ومتحديا في الوقت ذاته، عدوانية التحدي الخارجي.
وكما جرثومة الحياة، أساس المشروع الحيوي للكيان، أساس عميق، فإن أزمة الكيان الجمعي، ذات أساس عميق أيضا، يضرب جذوره في التراث، ويفترش مركب عقل ووجدان الفرد والأمة في الحاضر المحكوم بالماضي، محكومية تغلق أفق المستقبل.
لماذا حشرت الأمة ـ أمتنا العربية أو الإسلامية ـ رأسها في صدع جدار كثيف سلبها الحضور في التاريخ، بينما لم يغب الجدار عن التاريخ، وظل يضغط على الرأس المحشور في صدعه المتفاقم؟! لماذا فشل مشروع الأمة النهضوي الحديث رغم انبلاج تباشيره منذ قرنين، ورغم تنوع طروحاته وتكرار تجاريبه؟ لماذا عجز العقل العربي المعاصر عن إنقاذ جمجمته المحاصرة بظلمات الصدع التاريخي المتكاثفة عهدا بعد عهد؟!
لماذا بددت السياسة العربية ـ أو الإسلامية ـ إمكانات قوتها، فانتهت بالأمة إلى وضعية المفعولية المزرية المسلوبة حق التعبير عن احتياجاتها الطبيعية وعن طموحاتها السامية؟ لماذا تراجعت الأمة من دور الحاضر الفاعل إلى دور الحاضر المنفي؛ من دور "الرسول" إلى دور المستباح؟!
ودعوة السلام التي تصعّدت من ذرا وجودنا، ومن ذرا فلسطيننا، لماذا تهاوت إلى دعوة انهزام واستسلام في مواجهة طوفان العدوان؟!
الهزيمة في فلسطين، ابتداء من الاحتلال الصهيوني لها، وانتهاء ـ حتى الآن ـ بالاعتراف بمشروعية العدوان، والتسليم بـ"حقه" ـ ولا حق لعدوان في البقاء ـ في وجود آمن، وبضمانة نشارك فيها، هذه الهزيمة تمثل ذروة وضعية المفعولية للحضور العربي ـ الإسلامي ـ المعاصر، وتجسد الخلاصة المكثفة للأداء الحيوي العربي ـ الإسلامي ـ المقلوب الاتجاه، والمدمر لذاته، المستباح للآخر. الموقف العربي (الإسلامي) من العدوان الصهيوني، دليل الأزمة التي يعانيها الحضور الراهن للأمة، فهو دليل فقدان السيطرة على زمام إرادة فعلها الجامع لإمكاناتها الذاتية الوفيرة، الموجه نحو مقاومة تحدي العدون الخارجي لها، الذي تجسد العدوانية الصهيونية مراميه وأهدافه وخطورته على الدور الكياني الفاعل للأمة العربية (الإسلامية).
ليست الهزيمة في فلسطين، هزيمة عسكر في مواجهة عسكر؛ إنما هي هزيمة حضور في وضعية المفعولية، قبالة حضور في وضعية الفاعلية. والحضور في كل وضعية له، أداء حيوي شامل، تنتجه طريقة معينة لتكييف إمكانات الوجود المتعددة وعلى صُعُد كُثْر، ولكن، في نسق واحدي، تتعضون فيه الأجزاء، وتنتج كليا عاما يسجل حضوره النوعي في التاريخ والجغرافيا. واالحضور العربي، أو الإسلامي، قبالة الحضور العدواني الصهيوني الفاعل، حضور يكيف قدراته الذاتية في نسق مهزوم، بكفاية متدنية، وبإرادة مسلوبة، وحركة متدهورة تتقهقر إلى مضائق أشد، أو إلى أزمة أعنف.
ما الذي يوثق رباط رزوح الأمة تحت نير الوجود الضيق المأزوم في دائرة ظلامية وضعية المفعولية؟! ما الذي يُقْعِد إرادتها عن الانقلاب على حالة المفعولية النافية لفاعلية مقومات وجودها التاريخي والمعاصر، إنقلابا يفجر مكنونات الحياة المقدامة، التي لم يبخل بها الخالق عن تشيؤ له، الذي أودع في كل ما خلق من أحياء قوة مغالبة عوامل الفناء؛ التي منها، ومن أشرشها، فيما يخص الحياة الجمعية، عامل الرضوخ للوجود في دائرة المفعولية الضيقة النافية للتحققات الذاتية، للفرد والأمة، تحققات تبدع حضورا فاعلا، وإشراقا ناهضا للحياة؟!
لم تزل الأمة، ورغم محاولات متعددة، أسيرة كوابح تكبل إرادة الفعل المقدام الرابض في كينونتها الحيوية والذاتية، وهو قوة يطويها كل كيان حيوي بضرورة التكوين الخَلقي، النازع إلى الفاعلية، بصدوره عن فاعل أو عن "الفاعل (=الخالق)"، الذي ابتعث من لدنه "روحا" تحققت تارخيا في الأمة العربية الإسلامية حاملة رسالة الهداية للناس أجمعين في حركة عميقة أخرجت الناس من ظلمات الوجود المغلول بالجهالات والمحاصر في مضائق الأنوية، إلى نور الوجود المتحرر من الباطل الزاهق، الموسوم بالحق والمرسوم بالجهادين الأكبر والأصغر. والمتحرر من رؤى السلف، برؤية متجددة، تساوق تغيرات الزمن، تساوقا يشترطه كل نهوض جديد للإرادة الفاعلة المقدامة.
والتجديد الذي وقع مع ابتعاث النبوة المحمدية، انبثق عن رؤية مقدامة، وحّدت بإبداع منهجي شتات الكيانية العربية الثقافية والجسمية، وأخرجت الطاقات الحيوية من كمونها الوجودي في محابس الماضي تحت هيمنة سلطان الأبوية المتجمدة بمفاهيم خاطئة عن الوجود عامة، وعن الوجود الإنساني خاصة، والمرهونة بضلالات معتقدات كانت سائدة تحت شروطها الظرفية، لا تحت كل الشروط، ولا كل الظروف. كشفت منهجية النبوة المحمدية عن الروح الفاعلة في الكيانية العربية الفردية،، وأزاحت عنها حجاب الكفر، فانطلقت من كيانية الفرد كيانية الجماعة، وعمّقت الكيانية الجمعية كيانية الفرد، بتحرير الأنوات من مضائق الآنات المنفصلة، أو من مضائق الأزمة التاريخية التي غيبت العربي في عصر ما قبل الإسلام عن الحضور الفاعل في التاريخ، وهي، الأزمة ذاتها التي عاودت تغيييب العربي، والمسلم، عن الأداء التاريخي الفاعل في العصر الراهن.
وعلى الرغم من تغاير العصور، تظل الغيبوبة التاريخية نتيجة سبب لا يتغير جوهره، كما لم يتغير جوهر سبب الهلاك، فإن جوهر سبب الغيبوبة وسبب الهلاك، هو جمود الكياني في ذاته المنغلقة المنفصلة المتجسد في فردية "كافرة" واقعة في النهايات العدمية للوجود. حرر الإسلامُ الفردَ الكافر من حصار النهايات العدمية المنغلقة، وفتح وجوده على أفق مطلق يبدأ من لحظة "الإيمان" ويتدفق في فاعلية تاريخية وحّدت الأفراد، ووحّدت الأزمان المرئي منها والمُتَخَـيَّل، بمنهاج صادر عن الخالق الواحد، رب العالمين؛ أي: بمنهاج واحدي يعمق وجودية الفرد، باعتباره واحدا فاعلا مسلما للواحد المطلق: الله؛ وفاعلا بنسق جمعي واحد، لا يجور على واحديته الفردية، ولكنه ينبثق من فرديته الواحدة المسلمة لرب العالمين أجمعين، إسلاما يصح على وجهته إذا صحّ الإيمان؛ ولا يصح الإيمان إلا على معنى أخوة المؤمنين التي يقررها كتاب الإسلام، القرآن الكريم، وعلى معنى الحديث النبوي الشريف: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه". هذه الروح الإيمانية، الواحدية، التي أشرقت بها الذاتية الفردية الجمعية، هذه الروح، هي روح الأصل الذي انبثقت منه النهضة العربية الأولى، وهو الأصل الذي نحسب أنه لا بد أن تنهض منه النهضة العربية المطلوبة. فهل كشف مشروع العقل النهضوي العربي المعاصر القيمة الإبداية للأصل النهضوي العربي الذي أنتج الدور الرسالي للعربي المسلم في عصور الإسلام الزاهية؟!
إن زعمنا بوحدة الأصل النهضوي العربي في نموذجها الذي تحقق تاريخيا، وفي صورتها المطلوبة حاليا، ليس زعما يدّعي التوحيد بين مشكلات النهضة العربية الأولى والنهضة المبتغاة. ثم هو ليس يزعم للأصل النهضوي خاصة الجمود؛ فالصفة النهضوية تنفي جمود موصوفها، فالنهضة حدث مغاير للراهن، ومغايرتها محمول يجدد صياغة الموضوع، فالموضوع مقيد بالمحمول من جهة محمولية المحمول. النهضة فعل محكوم بالظرفية، وما من شك، أن الظرفية العربية المعاصرة مغايرة للظرفية العربية زمن البعثة المحمدية. والأصل الذي نزعم أنه واحد لكل نهضة عربية يسع التغاير الظرفي بواسعيته التي لا تضيق عن استيعاب التشيؤات الوجودية كلها، والتشيؤات متغايرة، والأصل النهضوي الواحدي هو أصل التغاير، والتغاير هو صورة فاعلية الأصل الواحدي التي لا تجري إلا في حركة تغاير، فالأصل الواحدي للنهوض العربي الرسالي، هو ذاته، المانح لمشروعية تغاير صور النهضة العربية الأولى عن النهضة العربية المرتجاة، وهو لن يمنح المشروعية لصورة تكرارية للماضي، فالتكرارية الصورية في الوجود وَهْم الرؤى الضيقة التي تحبس إمكانات التفتح في النهايات المغلقة للتاريخ.
الانغلاق الذاتي في دائرة وجودية ضيقة منفصلة ومعزولة هو الجامع المشترك للوضعيتين العربيتين ما قبل الإسلام، والعصر الراهن. ومع هذا الجامع المشترك، فإن الانغلاق العربي المعاصر يباين الانغلاق العربي ما قبل الإسلام، تباين ما يعاني العربي الأول والعربي الراهن من مشكلات، أنتجت في حالة الأول قضاياها الخاصة، وصاغت تكيفات مشروعها النهضوي بها؛ وهي غير القضايا الراهنة المعطاة للواقع المعاصر، الذاتي والموضوعي، والقومي والعالمي. كان طغيان العزلة في ضراوة المكان وظلامة الكيان الوجودي هي السمة الغالبة على وضعية العربي ما قبل الإسلام، وهي وضعية الجاهلية في حكم الإسلام، أو بالقياس إلى الدعوة المحمدية المنفتحة بالنور الإلهي على تحققات الوجود المطلق (الحر) والمتعين في وقت واحد. واجه الإسلام مشكلة علاقة الخالق بالخلق، التي تجسدت صورتها في عبادة الأوثان، وكانت هذه العبادة معنى يجسد العزلة الاجتماعية داخل إطار قبلي تعصبي، فكان لكل قبيلة وثنها المعبود، ومن ثمّ، كان لكل قبيلة دائرتها الوجودية الضيقة المنفصلة عن الدوائر القبلية الأخرى، والمنفصلة المنعزلة بوثنيتها عن المطلق الوجودي الإلهي، الذي تمحورت حول تجلياته دعوة النبوة المحمدية. وبهذه التجلية لواحدية المعبود للناس أجمعين، عالج الإسلام مشكلة التنافر البنيوي العربي، التي كانت المشكلة المعيقة لخروج العربي من دائرة الأزمة المنفصلة المنعزلة عن مجرى التاريخ الفاعل، إلى الصفحة المشعة للحضور التاريخي الرسالي.
وما زال التنافر البنيوي مشكلة عربية معاصرة، تمثل حالة تقهقر إلى ما قبل الدور الرسالي، ولكن مدى المشكلة المعاصرة يترامى إلى أبعاد أوسع من أبعاد المشكلة القديمة، وهي ـ المشكلة المعاصرة ـ تستعيد المشكلة القديمة، وتتمدد، ومن المشكلة القديمة، لتضيف مشكلات جديدة أخرى، تعكس جميعها، المشكلة الأم، مشكلة أزمة وضعية المفعولية، والتي لن تعالجها الرؤية السائدة ـ في الفكر الإسلامي التقليدي ـ لعلاقة الخالق بالخلق، ما لم يتم إبداع جديد لهذه الرؤية، بلا نفي لمفهومها الوجودي الأصلي، وبالتوكيد على تغيرات الظروف التاريخية، التي توجب على العقل العربي المعاصر استحداث نظرية زمانية تهدي المشروع النهضوي العربي المطلوب، وتستهدي بالأصل النهضوي العربي الأول الواحدي. فما زال الأصل الواحدي قادرا على إشعاع نور هداية للذات العربية الفردية والجمعية الراضخة لعبودية الانفصال والعزلة عن العالم الراهن، وعن التكوين التاريخي الخاص.
العربي المعاصر غائب عن الحاضر العالمي، وغائب عن زمانه الذاتي ، وغائب في وطنه، وهو مقهور قبالة ذاته، وقبالة تراثه، وقبالة غيره. لا يقبض على زمام وجوده، ولا تتقدم إرادته تجاه الغد، مطبوع للزمان غير فاعل فيه، تتفاقم وضعية مفعوليته بالاستسلام لحالة الهزيمة المتفشية في مفاصله الحركية، والتي هيأته لحالة استسلام موازية للعدوان الأجنبي الطامع عليه. والبنية الجمعية العربية المعاصرة مفككة، تعكس تفكك البنية الفردية لها. ويضاعف هذا التفكك المزدوج من تعقيدات مشكلة الوجود العربي المعاصر، ويضاعف، بالتالي، المسافة التي تعزل هذا الوجود عن دور رسالي عصري يبدع حضورا عربيا متميزا بالروح التي أبدعت الحضارة العربية الإسلامية الأولى، روح السلام في عالم واحدي يصنعه المحبون العادلون؛ وسيظل هذا العالم حلما يتغياه مشروع نهضوي جماعي يخلق من الإمكانات الذاتية والموضوعية أداة فاعلة تخترق حصار المفعولية، وتتقدم بالكل الذي لا ينفي ولا يستلب أبعاضه، ولكن، الكل المتقوم بأبعاضه، المالكة زمام الحرية، المبادرة، لا عن إكراه، بالنهوض الذي تطلبه هي، وتصنعه هي، وتتقدم به كما يتقدم بها. لا تحقق الأمم أحلامها، ولا تواجه الأخطار المحدّقة بها بفعل فردي حبيس آن منفصل عن امتداداته؛ فالنضال العربي تصدٍ واسع لجبهة عدوانية مركبة، وفعل يتغيا الخروج من الأزمة، والفعل الفردي المنفصل المنعزل فعل ضيق له طبيعة الأزمة، أو هو صورة الأزمة.
أما مشروع النهوض العربي الجديد، الذي حاولت تجارب القرنين الأخيرين (السياسية) من التاريخ العربي إنجازه، فلم يقدر على التفلت من دائرة المفعولية الضيقة المحاصرة. وكان بذاته، تعبيرا متجددا عن وضعية المفعولية. وقد أعوزته أداة النهوض، القادرة على إنجاز الفعل المطلوب. كان مشروعا غاب عنه الفاعل الفرد (الحر المبدع) صانع النهضة، الفرد الموحد، العضو الفاعل في الجماعة الموحدة. ظل الفرد حبيس القهر، مسلوب الحرية، بينما النهوض هو فعل الحرية، والجماعة من أفراد مسلوبي الحرية لا تصنع نهضة. النهوض حضور فاعل إبداعي جماعي تلقائي يضاد مفهومه القهر والحجر على حرية الفرد في تحقيق إمكاناته الوجودية، التي لا تتحقق إلا في نسق جمعي حر أيضا.
والمشروع الذي لا يملك أداة فاعلة، يفقد ذاته. وكان المشروع العربي النهضوي الجديد قد فقد ذاته، لا لفقدان الأداة الفاعلة، ولكن لسبب أعمق، كان فقدان الأداة الفاعلة نتيجة له، السبب الأعمق هو عوز المشروع النهضوي العربي المعاصر إلى رؤية فاعلة تبدع الفاعل الناهض. وإذا كانت المشكلة العربية الأولى، والأخطر، هي انشطارية الكيان الوجودي الفردي والجمعي، فالرؤية الفاعلة الناهضة القادرة على تحدي هذه المشكلة، هي الرؤية الواحدية التي تتعمق بنية التكوين العربي الحضاري، وتكشف عن جرثومته الوجودية، التي لا تزال، ولن تزل، تحوز قدرة مواصلة الحياة بشروط وتحت ظروف متغايرة، هي شروطها وظروفها التي تتحقق بها، وبفاعلية استكشاف متنام لآفاق وجود لا ينحبس في حدود، ويستحيل كل حدٍّ لديه نقطة بداية جديدة.
واجه المشروع النهضوي العربي المعاصر مشكلة احتلال الدول الاستعمارية لبلدان الوطن العربي، وأفلح في تبديل ألوان الرايات التي كانت ترفرف على رؤوس مواطنيه، فاستبدل الرايات الوطنية بالرايات الأجنبية على غالبية مساحته، وكان يمكن لهذا التبدل أن يستحداث واقعا جديدا يحرر العربي، فردا وجماعة، من غيابه التاريخي وراء الحجب الكثيفة، ومن هيمنة عدوان خارجي تسلط على مقدرات الوجود العربي وانتهك خصوصياته الثقافية. ولكن الاستقلال العربي (السياسي ؟ الظاهري) لم يحقق هدفه النهضوي بإطلاق حقيقي لإمكانات الفعل؛ وظلت الأمة على وضعية التابع المقهور رغم الاستقلال الظاهر، والذي اشتدت معه التبعية القاهرة فاشتدت مقهورية المواطن والوطن بالقهر المضاعف المُمارس عليهما من الأجنبي والوطني. قهر الوطني للوطن والمواطن تمتد جذوره في الماضي وتتشابك عصيّة، تشابُك عوامل مركب النقص الذي يعاني منه الذين يعانون من التخلف الحضاري ومن مشاعر الدونية التي اكتنفت جوانحهم قبالة مستعمر قاهر جامح أفرغهم من معاني الانتماء الأصيل إلى ذواتهم القومية، وجردهم من عقيدتهم الجمعية وعقيدة الحرية التهضوية التي لا يقوم مشروع إنساني على غير قاعدتها وبدعاماتها؛ فالنهوض فعل بنية واحدة تتقوم كينونتها بالحرية، ولكن، ظلت الذات العربية الفردية والجمعية مشطورة في زمن الاستقلال الظاهري، كما كانت مشطورة في زمن التعبية الباطنة الظاهرة. ولم يعالج الاستقلال الظاهري، بمشروعه النهضوي الخاص، لم يعالج مشكلة الانشطار التي نشأت تحت قهر المستعمر؛ للوطن والمواطن.
لم يعالج مشروع الاستقلال الظاهري مشكلة الانشطار البنيوي العربية لأنه لم يمتلك أهلية المعالجة، فقد كان هو بذاته يحمل الداء ولم يكن يملك الدواء؛ ويعود داء الانشطار إلى ما قبل الاستعمار، وما نشأ منه تحت قهر الاستعمار كان صورة جديدة له، عن صورة قديمة تمتد جذورها في تاريخ التكوين العربي الفردي والجمعي، وتتصل بما قبل الإسلام، لكن الدعوة المحمدية أطاحت بها إلى قعر الوجدان، ثم ما لبثت أن طفت في النصف الأخير من عصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ تصدعت الوحدة السياسية للأمة المسلمة، وخاض المسلمون وراء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ووراء معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية يرحمه الله، حربا ضروسا غرزت أسافين الشروخ الأولى في بنية النهضة العربية الإسلامية في مرحلتها المبكرة، وأوقدت رمادا قديما كان مدفونا على بقايا نار لم تنطفىء كلها بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
والانشطارية خاصة عربية جاوزت البنية إلى المفهوم. وبوعيه الوجودي المشطور تلقى العربي القديم دعوة النبوة المحمدية على أنها تكريس للتعددية الوجودية التي بلورها النظام القبلي المتعدد والنظام العقيدي الوثني الموازي للتعددية القبلية، والتي بلورتها بيئة قاسية فرضت العزلة على القبائل وعلى فاعلية الأداء الحيوي والتاريخي للعرب ما قبل الإسلام؛ وتلقى العرب مفهوم الخالقية على أرضية ثقافتهم التعددية، التي لم يستأصلها إسلامهم من جذورها، ثم استعادت فاعليتها بعدما تحول المسلمون الأوائل عن صفاء الدعوة النبوية إلى شوائب الحياة الدنيا، فبرزت القبلية مرة أخرى، وظهر الحاكم القاهر المتعالي، المستبد بأمر الجماعة باسم الدين، وانشق الوعي الإسلامي إلى شق دنيوي وشق أخروي، وكثرت الفرق والتشيعات وجمحت الشهوات وتضخمت الأنوات، وتسابق الناس على النهايات؛ ضاقت دوائر الوجود وتكالبت الأمم على الأمة، وغار الدور الرسالي للعربي المسلم، واندحرت دعوات العقل وتفشت الاتكالية، وغاب المواطن في مجاهل الوطن وفي دهاليز قصور الحكام، وصار الحاكم (المستبد القاهر الجائر) حاكما بأمر الله، وانقهر الناس بالحاكم "المستنصر بالله"، وواصل حملة إرث النبوة يرددون قول "لا حول ولا قوة إلا بالله"، بلسان الضعيف المقهور؛ وما زال واقع الأمة المتقهقر يتراجع ويتراجع حتى اقتحم عليها نفوس أبنائها وديارها عدو من الشرق وعدو من الغرب؛ قامت تصد هذا مرة، وتستسلم لذاك مرة حينا، ثم تدحره، ثم جاء الطوفان العارم الذي هزمها وشطرها على أشطارها، وخرج تظاهرا بالخروج لا خروجا حقيقيا، بعدما أخرجها، أو كاد، من ذاتها.
تصدت حركة الاستقلال السياسي العربية المعاصرة للظاهرة الاستعمارية التي كانت قد أنتجت حالة خراب قومي في الوطن العربي، فلم تفلح حركة التصدي في مواجهتها مع حالة الخراب التي أصلتها ممارسات نظم نقلت القهر التاريخي وقهر العدوان الأجنبي إلى الساحة الجوانية للذاتية العربية الفردية، فأنتج هذا النقل فردية مشلولة تاريخيا، ومحصورة في دائرتها الوجودية الضيقة المنعزلة والمنفصلة، لا في البعد القومي لها فحسب، ولكن في البعد العالمي أيضا، الذي صار، في الزمن الحاضر، مكونا رئيسيا للذات المعنية بالحضور التاريخي الفاعل. العالم يتقدم نحو بلورة واحدية وجوده، بينما يواصل العربي أو المسلم إنكفاءه على ذاته المقهورة المغيَّبة، الغائبة، ويكرس عزلته في كينونة التعدد الحيوي والمفاهيمي، وما زال يعمق انشطاريته، بينما يحث العقل المعاصر خطاه الجريئة نحو الكشف عن فاعلية وجودية واحدة، تنتظم بها كثرة الأشياء، في نسق لا يقهر أبعاضه، ولا ينفيهم في نهايات عدمية الوجود، التي ينفذها نظام منعزل، لا عن النسق العالمي الواحدي الفاعل، وإنما منعزل في ذاته الفردية الضيقة عن ذاته الجمعية التاريخية والمعاصرة، والتي ينقلب بها هذا النظام المنعول عن وجهة العالم نحو نسقه الواحدي، إلى وجهة تلغي الحضور الفاعل للذات الوطنية الفردية والجمعية، بتأصيل وضعية المفعولية التي يحياها العرب المعاصرون، والذين قادهم المشروع السياسي إلى حضيض التبعية لقوى العدوانية العالمية، وقادهم إلى حضيض مهانة الاستسلام للعدوان المتبلور في قيام الدولة الصهيونية، ليغلق، بظلماته، الكوة التي كان نبي المسلمين قد نفذ منها، مرتقيا درجات الروح، إلى واسعية الخالق، والتي كان منها، وقبل نبي المسلمين، قد نهض النبي عيسى يدعو إلى السلام، لا للاستسلام كما يتكيف المشروع العربي للاستقلال الظاهري مع عدوان الصهيونية ومع معطيات العالم التي يتحرك في اتجاه الحرية، بينما لم يزل نظامنا يضغط في اتجاه العبودية. الحاكم العربي يفهم النسق الواحدي، أنه هو الواحد الكل، أما الناس في وطنه فهم حشو له؛ هو الواحد (الكل المطلق)!!

(2) العقل المطلوب

هزيمة النظام السياسي في معركته ضد العدوان وضد التبعية للأجنبي لا تعني هزيمة للأمة لن تقوم لها قائمة بعدها؛ ولكنها تعني أن الأداء النضالي بالطريقة التي جربها مشروع الاستقلال السياسي، لم يكن هو الأداء الصحيح، ولا يقدر على أن يكون صحيحا، لأن الأداء الصحيح لمقاومة التبعية وصد العدوان، هو أداء عقل مستنير، لا أداء الأيادي الباطشة. فالعقل المستنير المنفتح هو أداة معركة الإنسانية الوجودية؛ أما الأيادي الباطشة فهي أدوات ملوك الغاب والغزاة المتوحشين قتلة الروح. وإذا كان ثمة أمل في النهوض، فهو الأمل المرهون بالحرية التي يينع بها عقل الأمة المقدام من جديد، وتتفلّت بها الرؤوس المحشورة في صدع الجدار العازل عن واسعية الوجود، الجدار الذي ينذر بالتهاوي إلى قاع الحياة؛ فإذا تهاوى، تهاوت معه الرؤوس، وتهاوى معه الأمل إلى مدى من الزمان، قد يطول، ولا شك أن الأمة التي لا تفيق على إنذار تهاويها، حقَّ على الزمان أن يفنيها. وقد ذهبت أمم كثيرة، أهلكها الجمود في قواقع ذاتياتها، صارت أحافير تاريخ، بينما ولدت أمم انفتحت على التاريخ وصنعت حركته.
الجمود هلاك، والانفتاح حياة، والإنسان عقل إذا جمد أهلك بجموده صاحبه. وإذا انفتح العقل فانفتاحه يبعث صاحبه. فإذا أمكن للعقل العربي المعاصر أن يبتعث طاقات الحياة في جسد الأمة، تكون الأمة قد استجابت لتحدي الهلاك، بالأداء الفاعل الناهض المقدام.
فما العقل المطلوب؟
ما هو الفعل الذي إذا أنجزه العقل العربي المعاصر، يكون قد أدى مهمته النهضوية القائدة، ويكون قد ابتعث طاقات الحياة العربية المركومة، التي لم تزل في انتظار من يوقد شمسها مرة أخرى؟!
العقل صورة الحق. وردد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يهدم معبودات الوثنيين العرب فور دخوله مكة فاتحا قول الله تعالى في سورة الإسراء: "وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهقا". والحق الذي جاء مع النبي الفاتح، هو الإيمان بالله الواحد ربّ العالمين، الذي ينفي عقيدة العرب المشركين الواهمة أن المعبودات كُثْر. بادر النبي إلى محو هذا المعتقد الموهوم، في اللحظة التي تعمق فيها التراث العربي وبلغ مستوى الأب الواحد إبراهيم عليه السلام، الذي كان قد شيّد البيت الحرام بمكة، بيت الله الأول في الأرض. كانت مكة، بالبيت الحرام، الكعبة، رمز وحدة المكان العربي ووحدة التاريخ الإنساني العربي منذ الأب إبراهيم، ووحدة المعبود، التي تعكس، بمفهوم "الله رب العالمين" وحدة الوجود كما يقررها نسق جماعة المسلمين، التي تلقت اسمها هذا ـ المسلمين ـ عن إبراهيم أيضا، جدّ أنبياء الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يجمعها الإسلام المحمدي في مسماه ومعناه. إبراهيم هو أبو حركة توسع الحياة الدنيا بمفهوم الحياة المطلقة الديني، المتقوم بربوبية الله الواحد للعالمين. العقل بالمفهوم الديني هو العقل المؤمن بواحدية الله رب العالمين، خالق كل شيء، وبالمفهوم الديني (الإسلامي) فإن ربوبية الله الواحد للعالمين، خالق كل شيء، هي الحق الذي جاء فاتحا مكة، الذي زهقت به تعددية الربوبية، غير الخالقة، ولا لذاتها، والتي وصفها النبي محمد بأنها باطل، وقرر، بالنبوة المنفتحة على الألوهية المطلقة، الفاتحة: "إن الباطل كان زهوقا"؛ أي: الباطل زهق بطبيعته الوجودية، وفي المقابل، فالحق هو ديمومية الوجود التي لا تبطل ولا تزهق، وهي التي جاءت إلى مكة بالنبي المنفتح الفاتح بالله الأول والآخر والظاهر والباطن. والآية التي رددها النبي الفاتح بينما كان يهدم معبودات العرب الوثنية المنصوبة في البيت الحرام، جاءت في النص القرآني بعد آية "وقل ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا"، وهذه الآية ـ الأخيرة ـ توجيه للنبي عليه السلام، أتى في سياق دعوته، من الله، بإقامة الصلاة المعمقة، والتهجد المكثف؛ أي: بالانفتاح المعمق على الحضور الإلهي المُستحضر بشدة، وهذا الانفتاح القوي، موثق بحركة دخول وخروج عبر الـ "الصدق" المؤسس بدوره على سلطان رباني من لدن الله، يؤيد حركة الصدق، أو يعطيها معناها. والسلطان هو الحجة، مصدرها الله، يمنحها للنبي الذي يحوزها بطلب صادق لها، وبأداء حركي: مدخل ومخرج؛ والحركية متدفقة، ومتواصلة ونشطة، تقاوم عوارض الجمود: صلاة في الليل الذي يهجع الناس فيه عادة للسكون، وقرآن (= صلاة) في الفجر: بعث مجدد للانفتاح على الربوبية مع مطلع دورة يومية متجددة من الفاعلية التي تنشط في النهار عادة، وتهجد زائد (نافلة) يأمر الله به النبي ليعمق فاعليته الحركية، باعتباره القدوة للمؤمنين، نحو مقام محمود يبعثه الله، ربه، ورب العالمين، وهو بعث منبعث من الفاعلية التعبدية النبوية، المنبعثة بدورها، من فاعلية الربوبية، أو فاعلية الانفتاح على "الحق"، باعتبار ربوبية الله هي "الحق"، الذي جاء بالنبي الفاتح المنفتح، الذي أزهق جهالة الوثنيين العرب، الجهالة التي قيدت فاعلية طاقات الحياة التي أودعها الخالق، رب العالمين، في الكيان الإنساني. الحق، هو معنى إطلاق فاعلية الكيان الإنساني، وبالمفهوم الديني، فهو إطلاق الفاعلية الإنسانية من قيد "الباطل الزهوق"، إلى واسعية رب العالمين الواحد، التي لا تقيدها الحدود.
العقل هو أداة حركية الحق. فالأداء العقلي بحث عن الحق، بمداخل ومخارج الصدق، أو بمعايير الصدق. والصدق واقعي، ما وقع منه وما يقع الآن وفيما بعد. والدخول والخروج بالصدق، هو انفتاح على واقعة، ولكن، مع عدم تجمد فيها، بالتفاعل معها، وبها، باعتبارها دائرة، ينفتح بها ما قبلها على ما بعدها، لا دائرة منفصلة منعزلة عمّا قبلها وما بعدها، ولا منفصلة عما معها، ولا منعزلة عنه. هي دائرة علاقة العقل المنفتح بما حوله، تنشأ بالحجة (العلم / السلطان) الربانية، والحجة الربانية حق، والحق هو ما يصور العقل، أي الذي يكونه، فالعقل الديني صورة للفاعلية المنفتحة بالربوبية الجامعة للعالمين، على هذه الربوبية؛ فهذه الربوبية هي الحق، المطلق، الواحد؛ فالعقل الديني انفتاح، بالمطلق الواحد على هذا المطلق الواحد. العقل الديني النبوي هو الذي أزهق بطلان عبودية العرب الوثنيين، التي كانت لأرباب متفرقين، لا لله رب العالمين، الواحد. وبهذا الإزهاق، فتحت النبوة المحمدية الدائرة الوجودية للمؤمن بها على ذاته التاريخية، بالكشف عن انتمائها لأب واحد، أبوة دينية، وبالكشف عن انتمائها لخالقية رب العالمين، الواحد المطلق، فالنبي كشف، وهو يزهق باطل وثنية العرب، عن المعنى الواحدي لرسالته، الإنساني، والرباني، دونما ثنائية؛ فالمعنى الإنساني هو معنى رباني أيضا، فإبراهيم، أبو العرب، هو نبي، وأقام البيت الحرام، بفاعلية النبوة الإلهية، وهو داع لله الواحد، الذي دعا إليه النبي محمد، وأعلن نبوته بفاعلية هذه الواحدية الإلهية الخالقة.
الواحدية هي صورة الأداء التاريخي الفاعل للنبوة المحمدية التي تحققت في أمة واحدة تعبد ربا واحدا هو الله الخالق، عبودية وحّدت الأمة المؤمنة بالخالق "المؤمن". واحدية النبوة المحمدية عمقت واحدية المسلم الجمعية الفاعلة، بواحدية المسلم الربانية الوجودية المطلقة الفاعلة.
يغيب المعنى الواحدي الفاعل عن وعي المسلم الراهن الذي يعيش حالة تشطر تأدّى إليها بتطورات تاريخية ذاتية وخارجية ابتدأت من المفارقة الأساسية بين المعنى العقلي الواحدي للإسلام ومن العجز العقلي العربي عن استيعاب هذا المعنى الواحدي للنبوة الفاتحة، التي أنجزت تحققها التاريخي الواحدي بقوة الدفع الذاتي الطبيعي فيها، الذي حجب فاعلية العجز العقلي عن أداء مضاد تحت الفيض المتنامي لحركة المسلمين الجهادية المبكرة الموصولة بالربوبية؛ التي تتنامى فيها ـ في حالة الانشطار ـ الفاعليات العاجزة عن الإشراق الوجودي، لحلولها في الدوائر الضيقة المنغلقة المنفصلة المنعزلة، ومنها فاعلية العجز العقلي، التي ما تلبث أن تنقلب إلى وضعية المفعولية.
كانت تعددية المعبود العربية مظهرا للتكوين التاريخي للوجدان والعقل العربيين تحت مؤثرات النموذج الحيوي الفردي والجمعي الذي صبغته بيئة الصحراء، وحركة الترحال، أو الانفصال المستمر عن المكان، سعيا وراء مصادر الحياة، وطلبا للأمن النفسي والاجتماعي، الذي كانت تتهدده الصراعات الدموية بين القبائل؛ هذا الصراع الذي عمّق تعددية الوجدان العربي، وانغلاقية الحضور العربي التاريخية، فأنتج ـ الصراع والتعددية والانغلاق ـ عقلا غير مؤهل لوعي الوجود وعيا واحديا؛ ومن ثم، لم تتوفر للعقل العربي الذي تلقى الدعوة المحمدية، لم تتوفر له أهلية وعي النبوة المحمدية وعيا واحديا. ولكن الوحي، الذي شدّد على قضية واحدية الربوبية، دفع بالوعي العربي الوجودي خطوة هامة نحو الاقتراب من الواحدية العقلية، بالقدر الذي كان ضروريا لأداء النبوة. وتحول الوعي العقلي العربي التعددي إلى وعي عقلي ثنائي ظل فيه الخالق متميزا عن الخلق، ولم يكن العقل العربي الذي كان يتلقى الوحي، وينفعل ويتحقق به، لحظة بلحظة، معوزا للتغور العميق في معناه الواحدي العقلي، الذي جاءت النبوة ذاتها تحققا تاريخيا له؛ ولم ينتج عن الثنائية العقلية التي تطورت إليها التعددية، خطر يهدد الدعوة، وقد تكون هذه الثنائية، التي أعطت فاعلية إيمانية منقادة لرب له الأمر وحده، فاعلية تحققت في فرد مقدام، قد تكون هذه الثنائية أحد عوامل الاندفاع القوي للجماعة الإسلامية الأولى، في حركة الفتح الواسع، والذي ابتدأ مع فتح مكة الذي سماه الوحي "الفتح"؛ وكان الفتح حركة تحقق تاريخي لواحدية النبوة، التي نجت في بدايتها، من سلبيات الوعي الثنائي للوجود. كانت فاعلية الجماعة الإسلامية الأولى مقدامه، وصانتها عقيدتها الواحدة الجامعة من التصدع لذي قد ينتج من وعي غير واحدي، ولكنه يظل إمكانا قابلا للتحقق. ولا يتحقق ـ التصدع ـ وبصورة مَرَضيَّة، إلا إذا تراجع الفعل الجامع إلى فعل فردية منغلقة منعزلة منفصلة.
خلقت النبوة المحمدية تحققها التاريخي في جماعة واحدية البنية الجسمية والعقلية، على اساس عقيدة جماعية، وأخلاق جماعية أيضا. لكن البنية الواحدة للجماعة المسلمة، أخذت تتخلخل في النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه، واشتد تخلخلها برفض الخليفة الثالث التنحي عن إمامة المسلمين بحجة أنه "لن يخلع ثوبا البسه الله إياه"؛ فصارت الإمامة بهذا المفهوم عزلا للإلهية الخالقة عن عباد رب العالمين. وفي غياب الوعي العقلي الواحدي، فصل المفهوم الجديد للإمامة بين طبقة الوجود الإلهي، وطبقة الوجود الإنساني المؤمن بالله الواحد، والمتحقق تاريخيا، إسلاميا، به، وصار "الإمام" يستمد مشروعيته وسلطانه من الله الذي ـ كما صورته الممارسة الحاكمية المستحدثة ـ لا يشرع الشريعة لمصلحة الناس، ولكن لمصلحة "الإمام" الذي ما زال يحتفظ بلقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما شريعة الإسلام في حقيقتها، ذات مقاصد جماعية، هي مقاصد العقيدة الإيمانية برب واحد للعالمين، التي حققتها النبوة المحمدية في التاريخ. ثم جاء معاوية بن أبي سفيان من تحت ثوب الخليفة عثمان، وصبغ وظيفة الحكم بمعنى تعصبي ضيق خرج عن المفهوم الجماعي الإسلامي، واستغرق الجماعة كلها في بطنه، واستبد بأمر الناس بدعوى "قدرية إلهية" لا يملك الناس غير الانصياع لها إذا ما شاؤوا أن يبقوا ـ بزعمه ـ مؤمنين برب العالمين. لملم معاوية الأفق الوجودي الذي نشرته الدعوة المحمدية الفاتحة المنفتحة، لملمها، بالقسر، في بطنه، وتجسم هذا الفعل بإكراه الأمة على مبايعة ابنه بالخلافة، التي صارت، ابتداء منه، "ملكا عضوضا"؛ أي: أداء أنويا ضيقا منغلقا منفصلا منعزلا، زعم لنفسه أنه قدر إلهي، فصار القدر الإلهي ـ بهذا المفهوم المغلوط ـ أداء ضيقا لا يسع الحركة الإنسانية المنطلقة المتفتحة بالدعوة النبوية الفاتحة، فانكشف بهذا التعارض بين المفهومين الواسع والضيق للإلوهية، تصدع البنية الإسلامية على مستوى التحقق التاريخي، وغار هذا التصدع إلى مستوى الوعي (غير الواحدي)، الذي ظل خطره إمكانا محتملا، صار واقعا فاعلا ضاعف خطر التصدع الجسمي، وصار الوعي (غير الواحدي) بالنبوة المحمدية خطرا، بانزياح الغطاء الذي وفره الأداء التاريخي الواحدي المبكر للجماعة المسلمة، الذي تحول إلى أداء فاعل في دائرة حاصرتها أنوية الحكم الضيقة، التي عزلت طبقة الحاكم، عن طبقة المحكوم، وأفرزت بداية الانشطار في الذات العربية المسلمة، بين الحاكم القاهر بقدر الله، والمحكوم المقهور، بقدر الله أيضا. فولدت ثنائية جديدة في وعي المسلم، بين القدر الإلهي القاهر، والقدر الإلهي المقهور، انضافت إلى، وعمّقت مفهوم الثنائية الأساسي بين الخالق والخلق. وعمّقت ثنائية القاهر والمقهور انشطار الذات العربية المسلمة بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وانعكست هذه الثنائية بين الحياتين في ثنائية المالك للدنيا والمحروم منها، وهي صورة أخرى لثنائية القاهر والمقهور، أو الحاكم والمحكوم، أو قدر الله الحاكم القاهر وقدر الله المحكوم المقهور، أو قدر الله الذي يتملك به المالك الحاكم القاهر وقدر الله الذي يحرم المحكوم المقهور.
الانشطار الذي تأدّت إليه الجماعة، هو في حقيقته المعطى التاريخي لغياب الاستيعاب العقلي للمعنى الواحدي للنبوة المحمدية المنفتحة الفاتحة. ففي كنف هذا الغياب، ظل انشطار الذات العربية ما قبل الإسلام قائما، رغم احتجابه، وعاود فاعليته التاريخية عندما وقع خلل ميزان الحياة الجمعية الإسلامية الأولى، ولم يقع في المقابل، استيعاب المرجعية العقلية للذات المسلمة لهذا الخلل وتجاوز خطره، لفقدانها أهلية مواجهة ومجاوزة خطر الثنائية على البنية الجمعية للذات وللأمة، ووقع الضد، عندما أدت المرجعية العقلية الإسلامية دورها التسويغي للتحقق التاريخي للوعي غير الواحدي، الذي هو وعيها هي، والذي أدّاه في الواقع نظام الحكم الجديد، هذا الذي قمع، من فوق الكرسي القاهر، التوجهات العقلية المناهضة للعقل الذي استندت إليه ممارسات الطبقة القاهرة، ضد الطبقة المقهورة. ظل السلاطين المسلمون، على اختلاف مسمياتهم، حريصين، وإلى وقت متأخر من التاريخ الإسلامي، على تأييد سياساتهم بالفتاوى الشرعية، ولم يعدموا أن يجدوا بين "حاملي" الشريعة، من يحملها على الوجه الذي يرضي "مولانا" السلطان؛ وكان "حاملو" الشريعة، وبهذا الدور، يواصلون تعميق الهوة بين طبقة الحاكم القاهر، وطبقة المحكوم المقهور، التي برزت منذ عهد معاوية، وذهبت تتكرر مع كل حاكم، فأصبحت الهوّة إرثا جمعيا، وإرثا فرديا أيضا. فهي تشطر الأمة إلى حاكم قاهر ومحكوم مقهور، وتشطر الفرد أيضا إلى المقهور القاهر، والمقهور المقهور؛ فالفرد يتمثل إرثه الجمعي، ليستعيد توازنه النفسي، فيتمثل الذات الحاكمة القاهرة، ويتماهى معها، وفقا لآليات الدفاع، وصدّا لهجوم خارجي باستخدام أسلحته، فيصير قاهرا، دن أن يقدر، في مواجهة قاهر طاغية، أن يتحرر بالكلية من مقهوريته والتي يحملها في أحشائه باعتبارها إرثا؛ وقاهريته لا تأخذ وجهتها السليمة، ضد القاهر الحاكم المستبد، لدوافع أمنية، ولكنها تصب في قناة مقهور، في قناته هو، وفي قناة فرد أخر مقهور. الفرد القاهر المقهور ينشطر من داخله، وينشطر عن البنية الجمعية المقهورة، التي تعاني من انشطارها بين الحاكم القاهر، والمحكوم المقهور. والحاكم القاهر مقهور أيضا، فما يصدره من فاعلية قاهرة للغير، هو، في حقيقته، إنتاج ذات مقهورة، القهر إنتاج ذات مقهورة، والقاهرية التي يمارسها الحاكم المستبد ضد المحكوم، هي انعكاس مخزون نفسي كثيف من المقهورية، يمثل المحكوم المقهور مصدرا هاما لها. فالقاهر، الظالم، يعيش حالة ترقب قلقة للحظة انفجار بركان غضب المظلومين، الذين وإن طال صبرهم، فهو لن يطول إلى الأبد، فالظلم واقعة منغلقة على ذاتها في نهايات العدم الوجودي، وهي واقعة واهنة لا تصمد أمام عاصفة طلب العدالة عندما تبدأ في اجتياح الظلمات. حالة ترقب القاهر الخائف في كل لحظة، تمثل للقاهر قوة قهر، تحصره بدوره، في مضيق الذات المقهورة، المشطورة، بالتالي، بين وضعية القاهر ووضعية المقهور، وهما وضعيتان تعكسان إرثا جمعيا قهريا، بقدر ما تتغذيان منه.
الذات، الجمعية والفردية، المشطورة، بلغت ذروة أزمتها التاريخية في اللحظة التي أتمّت فيها جاهزيتها للتحول إلى وضعية المفعولية قبالة وضعية فاعلية أجنبية، وتحققت ذروة الأزمة تاريخيا بالسيطرة الغربية على الوطن العربي الذي كان قد خضع لحالة انقسام جغرافي وانقسام زماني بينما كان يعبر طريق الاستعداد الذاتي لقبول الاستعمار الأجنبي الغربي له.
كشفت صدمة الاستعمار، منذ البداية، عن غيبوبة الأمة التاريخية، وعن تخلفها عن ركب الحضارة الذي كان قد هجرها إلى أمم أخرى، في غفلة منها، وبالمقابل، في صحوة الأمم الأوربية الحديثة. وحركت الصدمة الاستعمارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر (عام 1798م)، الإحساس الأولي، البدهي، بأزمة الغيبوبة والتخلف، عبّرت عنه، كلمات قليلة، لكنها دالة، حكاها صاحب "الخطط التوفيقية" عن الشيخ الأزهري حسن العطار (1180-1250هـ الموافق لـ 1766-1835م)، الذي شاهد الفارق الحضاري بين الأمة وبين الغزاة الغربيين، فقال: "إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها".
والمشكلة التي أدركها الإحساس البدهي لشيخ أزهري، أخطر، وأوسع، وأشد، من وصفه لها. فالتخلف المعرفي عرض لمشكلة المفعولية التي غيبت الأمة عن ذاتها، في ظلمة إرثها، والتي غيبتها عن الحضور التاريخي الفاعل، وعن الغيبة التي تفاقمت إلى أن استدعت حالة الاستعمار الغربي والتي دخلت فيها، في غيبوبة جديدة. بالوضعية الاستعمارية، تراكمت طبقات الغيبوبة على الذات الجمعية والفردية الراضخة لمفعولية القهر والانشطار. وجاء الاستعمار الغربي يحمل المغلولين بمفعوليتهم الذاتية على الرضوخ لأغلال مفعولية جديدة، تُعمِّق الأولى، وتفاقم مشكلتها، بطبيعة نوعية تصدرها حضارة أخرى، مختلفة النوعية، بأصولها ومعانيها، عن الأصول والمعاني الحضارية العربية الإسلامية. بات على الذات العربية الإسلامية، ومنذ بدء التماس مع الحضارة الغربية المتفوقة، أن تتقهقهر مشكلة المفعولية لديها إلى حالة جديدة من الثنائية الشاطرة، مختلفة نوعيا عن الحالات السابقة الذاتية، هي حالة ثنائية حضارية شطرت المشطور قبلا علىمستوى الذات الجمعية والفردية، إلى ذاتي وأجنبي، ومن ثم، إلى ديني هو الصبغة العامة للذاتي، وإلى دنيوي أجنبي، هو الصبغة العامة للغازي بعسكره وبحضارته الثقافية.
انبهرت الذات العربية، تحت وضعية مفعولية مظلمة، بالتقدم الحضاري الغربي، الذي، وبقابلية ذاتية، افترش حيزا كبيرا من الوجود العربي الذي كانت الفاعلية الحضارية قد هجرته، وأحالته إلى كيان خرب يائس يعلق الأمل (بمنطق واهم) على حياة أخرى، يثيبه الله فيها بالجنة عوضا عن خسارة الحياة الدنيا التي أفلتت منه، وصار أثرها عبئا يثقل كاهله المقهور الغائص في أوحال تخلفه والضائع في مجاهل ظلمات ذاته. استبان للذات العربية المسلمة، بعد اتصالها بالحضارة الغربية، أن حيازة المتعة ليست مرهونة بالآخرة فقط، فهي ممكنة في الدنيا، وبالجبلة الخلقية، يحب الإنسانُ العاجلَ، ويذر الآجلَ، والعاجل على هيئته الغربية، حاد، أخّاذ، لا تقاومه نفوس خربة مقسومة بين اشطارها، تنزف من صدوعها دم الحياة المقدامة التي سال إليها من التحقق التاريخي الرسالي الفاتح للنبوة المحمدية. تحولت الطاقة الحيوية السيّالة إلى داء "سيلان" أفسد أداة الفاعلية الحيوية الوجودية للذات العربية المسلمة، الجمعية والفردية، التي رزحت مساحة شاسعة من حضورها تحت عدوانية غازية حضارية.
طغت القسمة الجديدة للذات العربية المسلمة بين الخاص والأجنبي على أوجه القسمة الأخرى، التي لم تتلاشَ، وإنما تراجعت أهميتها، في الظاهر، قبالة أهمية المشكلة الناجمة عن طغيان المدّ الحضاري الغربي العدواني، الذي دفع حدود الوجود التاريخي الضيق للأمة، إلى مساحة تكاد لا تفي بالحاجة الضرورية للهواء الصحي. أطبق المدّ الحضاري الغربي حصاره على ذات تنتمي إلى تراث مغاير للتراث الذي أنتج الحضارة الأوربية، وكاد هذا الحصار المطبق أن يقتلع الذات العربية المسلمة من أصولها التاريخية بتعميق الصراع معها إلى مستواها التكويني التاريخي، ونجح، بفاعلية حادة، من توسيع الشرخ الذي أحدثه في البنية الفردية والجمعية للأمة، وإلى العمق الموازي لمستوى التكوين التاريخي لها. غير أن الذات العربية وتحت شدة وطأة الهجمة، لم تزل تتشبث ببقايا الروح التي بعثتها النبوة المحمدية، الكامنة تحت ركامات زمنية، المتحصنة في بؤرة عميقة، المضغوطة إلى حد القابلية للانفجار. فالحضارة الغربية الغازية تحوز قوة التمدد في مساحة التاريخ العربي الإسلامي، لكن قوتها، الدنيوية، تخذلها عندما تداعب مخيلتها أحلام اقتحام الحصن الأساس للذات العربية الإسلامية، وهو حصن إيماني مفتوح على الربوبية الشاملة للعالمين، بما فيهم الحضارة الغربية المعاصرة الغازية. لن يبلغ الخطر الغربي على الذات العربية المسلمة مستوى الربوبية الشاملة الذي يمثل بالنسبة للعربي المسلم بؤرة وجودية مفتوحة على المطلق، وعلى وجهها الآخر، فهي بؤرة مصمتة قبالة أية محاولة تطمع في تحديها. ورغم أن التحدي الغربي للذات العربية المسلمة يطال المفهوم الديني الأخروي، إلا أن هذه المطاولة تنتج من تفاقم التحدي الغربي للحضور العربي التاريخي الدنيوي، لا عن مواجهة مباشرة مع المفهوم الأخروي المستقل بذاته داخل منظومة المفاهيم الإسلامية، والذي حاز بهذا الاستقلال حصانة تؤدي فاعليتها المطلوبة في اللحظة التي يفلت فيها التحدي ضده من عقال معتد جامح. فالمفهوم الوجودي الأخروي العربي الإسلامي صامد في مواجهة تحدي حضارة الغرب الغازية، وهو صامد وراء جدار قلعة الوجود التي تلجأ إليها الأمم عندما يشتد عليها الخناق، صامد بينما سقطت المساحة الدنيوية التاريخية الوجودية للذات العربية تحت الضربات المكثفة للعدوان الحضاري الغربي، الذي ذهبت عدوانيته إلى ما وراء احتلال الأرض ونهب ثرواتها، إلى اقتحام عقل ووجدان العربي، وانتهاك تراثه وحضوره، فأوجد ذاتية عربية ضامرة تاريخيا، تمارس فاعليتها الوجودية ضد ذاتيتها، المشطورة قبل الاستعمار، والمشطورة اشطارها بعد الاستعمار.
استباحت الحضارة الأوربية الغازية دنيوية الذات العربية المسلمة بإنتاج مادي، هو معطى تاريخي لمنهجية عقلية ترفض التصور التقليدي للعقل العربي المعاصر بتراميه التراثي، الثنائي، والذي أعطى وضعية المفعولية لذات منغلقة منفصلة منعزلة، بينما الذات الأوربية الغازية ذات ناهضة منفتحة متصلة حاضرة، ولكن بخصائص مغايرة لخصائص الذات العربية المسلمة التي أعطتها دعوة النبوة المحمدية؛ فالأخيرة معطى تصور وجودي مطلق غير مقيد بالحياة الدنيا، والأولى معطى تصور وجودي دنيوي. فالمسلم يتكيف مع الحياة الكائنة برؤية تتجاوزها إلى حياة سوف تكون، ليس في الدنيا، سوف تكون في الحياة الأخرى؛ والأوربي الغازي يتكيف مع وقائع حياته برؤية تقيد هذه الوقائع بالكائن الآن، وبما قد يكون في حدود الدنيا. المواجهة بين العربي المسلم والأوربي الغازي ـ وكما هي في حقيقتها العميقة، وكما ينبغي أن تكون واقعيا ـ رؤيوية، وبرؤيتين واحديتين، تنسجان من الوقائع المتعددة والمتباينة تصورا عقليا واحديا، لكنه غير متطابق المدى، فهو، لدى المسلم، نسيج من وقائع تاريخية وأخرى فوق تاريخية، ولدى الأوربي نسيج من وقائع التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل فحسب. انطلاقا من هذا التصور، تتحدى الحضارةُ الغربية، بتوظيف تاريخي لطاقاتها، الذاتَ العربيةَ المعاصرة، التي تراجعت عن توظيف طاقاتها تاريخيا، وعلقتها على أمل حياة أخرى، لا يعدو، الأمل، أبعد من "حلم"، علقت النبوة المحمدية تحقيقة بالعمل الصالح، وفي الدنيا، فهو، وفي ظل الغياب عن العمل، لا يعدو أن يكون أملا فارغا. الذات العربية المعاصرة، تواجه التحدي الحضاري الغربي، بمفهوم أخروي، فارغ من محتواه التاريخي، لا لفروغه من المحتوى بذاته، فالتاريخ ينفي مثل هذا الاتهام، ولكنه فارغ من المحتوى لفروغ الحاضر العربي الإسلامي من عقل يعيد بعث المفهوم الأخروي، في تحقق تاريخي يتكيف مع متطلبات التحدي الذي يواجهه من حضارة غربية هي منتج انبعاث عقلي أوربي، نهض بالذات الأوربية من وضعية المفعولية التي كانت ترزح تحت نيرها، إلى وضعية فاعلية مقدامة، توسعية، عدوانية.
والفشل الذي انتهى إليه مشروع الاستقلال العربي المعاصر، في مواجهة تحدي الغزو الأوربي للأمة العربية الإسلامية، لا يقضي على إمكان تحقيق فعل نهضوي، وهو إمكان قائم في صورة "قوة" ما زالت قادرة على أن تبعث الذات العربية متجددة، موصولة بذاتها الأولى، غير مقيدة بها. أما تلك "القوة"، فلن تنبعث، أو تتحقق في لتاريخ المعاصر، إلا باعتبارها منتج رؤية عقلية واسعة، توحد الذات العربية المسلمة المعاصرة، مع تحققها التاريخي الماضي، مع التاريخ الإنساني، مع الحاضر على إطلاقه، أي: على إبداعه، مع المستقبل التاريخي وفوق التاريخي. فالرؤية المبتغاة، لا تلغي الحضور التاريخي الأوربي الغازي في الحضور التاريخي العربي الإسلامي المعاصر المهزوم، ولكنها تقلب الحضور الغازي على وجهه الأصيل، وهو الوجه العقلي الإنساني، النهضوي، المقدام، وتتعضون مع أصله، وعلى أرضيتها التاريخية الأصلية، أي بالأصل العقلي الواحدي لها، الذي يصون الذات العربية المسلمة من وضعيات الانشطار المتعددة، معوقات النهوض الجديد؛ وبالأصل العقلي الواحدي للذات العربية المسلمة، لا يظل الأجنبي الأوربي عامل تحد مدمر، بل يصير عامل تحد بناّء، يتمثله عقل عربي إسلامي إنساني واحدي، يفجر الطاقات الوجودية للنوع الإنساني، نحو تحقق إنساني تاريخي رسالي فاتح منفتح بمعنى "السلام" الذي وصف الله، رب العالمين، به نفسه في القرآن الكريم؛ الذي هو وصف الجنة أيضا.
السلام عالم واحدي يبدعه الحب. والحب، المبدع ـ بفتح الدال ـ على مذهب الواحدية، هو الأداء المبدع ـ بكسر الدال ـ لذات منفتحة على الآخر، ضمن علاقة مؤسسة على شريعة العدالة التي تضمن للفردية حرية التحقق، وتكبحها عن فعل استلاب حرية تحقق فرد آخر، له من الوجود باعتباره بعضه، حق مساو لحق أية فردية أخرى. وتحقق الفردية الذي لا يسلب تحقق فردية أخرى، هو فاعلية جمعية، أو هو فاعلية انفتاح فردي يعطي انفتاحا جمعيا بين فردي وفردي، بلا جور على الفردية، بلا جور للفردية على الجماعة. تصنع هذه الفردية عالمها الواحدي النسق الذي تنسجه ذات تحب الآخر، طالما كان الآخر بعض الأفق الجمعي للفرد، الفرد الذي يبلغ ذرا تحققه بالفاعلية الجمعية له ولغيره، أو منه وبه ومن غيره وبه. لكن الذي لا يحوز واحدية ذاته الفردية، لن يشع الواحدية الجمعية، فالبيت الخرب ليس سكنا، والذات المشطورة بيت خرب، والذات المشطورة لن تكون عماد بناء جمعي واحدي فاعل ناهض مقدام. والعقل، بفاعليته الحرة المنفتحة هو طوق نجاة سفينة تخوض غمار المجهول، بينما هي أشطار، لا يجمع أبعاضها إلا ذاكرة لم تفقد بعد قدرتها على استعادة ماضيها المجيد، ولا الأمل الذي ما زال يحدوها، أمل النصر في مواجهة تحدي الفناء الذي يتهددها.
العقل المنقذ، هو الذي وصفناه بأنه صورة الحق، ما تحقق، وما يقبل التحقق، لا في الزمان المنظور، وإنما في كل الأزمان التي ستتوالى، وتوالت، على وجود لم يبدأ ولن ينتهي. والعقل الذي هو صورة الحق المطلق من قيود زمان فان، هو العقل الواحدي، الذي هو معطى معنى وجود واحد يتحقق في كُثْر، كل فرد منه، من الكثر، يعيد توكيد المعنى الواحدي، فالمفرد فردي باعتبار كونه معطى وجوديا متناهيا في ذاته، بذاته؛ وهو، أي المفرد، معطى وجودي للامتناهي بانتمائه إلى وجود يندّ عن قيد الفردية المتناهية في ذاتها وبذاتها. العقل صورة تحقق الوجود المتناهي واللامتناهي، باعتبار فردية المتناهي ومطلقية اللامتناهي من قيد التناهي الفردي؛ العقل بهذه الرؤية الواحدية، يحوز أهلية تأسيس مشروع نهضوي تواجه به الأمة وضعية المفعولية التي وقعت في دائرتها الضيقة المنفصلة المنعزلة؛ فهو يحوز إمكانات إبداع فاعلية ذاتية فردية وجمعية باعتبارها معطى للعقل الذي هو صورة الحق. والحق هو الزمان، والزمان هو فاعلية الوجود، والوجود واحد متكثر، فالعقل صورة للواحد المتكثر، صورة غير منفصلة أو منعزلة عن الوجود، أي غير منغلقة، هي منفتحة، ينفتح بها الفردي على الجمعي، وينفتح بها الذاتي على الغيري، وينفتح بها الآن على الزمان الديمومي، تنفتح بها الدائرة المنغلقة للمفعولية المقهورة وتنبثق بها الفاعلية الناهضة البانية المحبة العادلة السلامية.
يواجه العقل الواحدي المشكلة الأم للواقع العربي الراهن/ مشكلة التبعية للأجنبي، وهي التي لا يمكن مواجهتها بمعزل عن هذا الأجنبي الذي لا ينفك عن التحدي العدواني للوجود العربي الذاتي الفردي والجمعي، بدوافعه الطامعة في تحويل الحضور العربي المعاصر، وعوامله الحيوية، إلى موضوع لحضوره هو، بالجور على ما هو حق وجودي للآخر، وباستلاب حريته في إبداع حضور تاريخي متميز مستقل بذاته، ومساهم، بتميزه، في إبداع حضور إنساني وجودي، يسع المفهوم الوجودي الغربي (الدنيوي) للإنسان، ويتجاوزه بمفهوم الدين الأخروي للفاعلية الإنسانية. أبدع العقل الغربي، الحديث والمعاصر، انفتاحا إنسانيا دنيويا على الوجود المطلق. وتراجع العقل الإسلامي عن مواصلة التقدم الذي أحرزه في عصور الانبثاق والتكوين والتحققات التاريخية الأولى، لكنه ظل يحكم روابطه بالمفهوم الأخروي للوجود الديني للإنسان، في دائرة منغلقة على ما بعد الحياة (الدنيا)، ومن ثم، صارت الحياة الدنيا الإسلامية العربية دائرة منغلقة أيضا، منغلقة على ذاتها، في وضعية المفعولية، الوضعية التي استباحها المفهوم الغربي، الثقافي والتقني، للحياة الدنيا، وفرغها من قيمة تراثها، وأحال تراثها إلى عبء يثقل كاهل حركتها التاريخي؛ فالتراث الذي لا تستطيع ذاتية إنسانية الانفصال التام عنه، يستحيل إلى قيد يغلّ الإرادة النهضوية، عندما يصير هذا التراث عامل تشطير للذات، لا عامل توحيد. ونجح المفهوم الحضاري الغربي في إيهام العقل العربي الإسلامي المعاصر بأنه لن ينطلق من ظلماته إلا بالخروج على تراثه، أي بالانفصال عن زمانه الماضي. والانفصال عن الماضي وهم لا يجيزه عقل هو صورة الحق. فإذا كان الواقع "حقا"، فالحضور العربي الراهن واقع "حق" لا ينفصل عن ماضيه، أي: عن تراثه الديني، وخاصة الأخروي. فالوهم الذي عشعش في العقل العربي، الذي ظن به أن خروجه من دائرة النفي المظلمة، مشروط بالانفصال عن ماضيه، هذا الوهم كاذب، لفقدانه شرط التعامل العقلي ـ العلمي ـ مع الواقع العربي والإنساني كله. فالواقع العربي الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه التراث حضورا فاعلا واسعا؛ والواقع الإنساني الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه فعل عدواني ناتج عن توظيف إرادة ضيقة أنوية لفاعلية عقلية منفتحة بضرورة انفتاح الطبيعة العقلية المجردة من التوظيفات الأيديولوجية المنغلقة بضرورة طبيعتها. الواقع الإنساني الراهن واقع تحت هيمنة عدوانية إرادة غربية، تقتضي عدوانيتها تجريد الآخر من عوامل القوة المؤهلة للدفاع عن الوجود الذاتي ضد هجوم عدوان مضاد بمفاهيمه الوجودية (الدنيوية) للمفاهيم الوجودية العربية الدينية (الأخروية التي تسع الدنيوية). فالواقع الإنساني العام الذي يفرض هيمنته على الواقع العربي الراهن، هو واقع عدواني أدلج العقل ـ الإنساني المنفتح ـ لتعميق عدوانيته، والعقل الأوربي المؤدلج هو الذي يتحدى الواقع العربي الراهن، يتحداه على وجهيه: وجهه العقلي المجرد، ووجهه العقلي المؤدلج، ومشكلة التحدي تكمن في أن العقل المجرد غير قابل للتحقق التاريخي إلا في صورته المؤدلجة، فالعقل المجرد، المعطى الغربي، دخل الحياة العربية في سياق اقتحام غربي لها، أي: دخلها باعتباره عاملا عضويا في عقل مؤدلج لخدمة مصالح الغرب العدوانية التوسعية؛ أما افتراض إمكان ردّ العقل الغربي إلى العقل المجرد، والتعامل مع الأخير كمعطى إنساني بريء من غرضية الأيديولوجيا، فإنه، أعني هذا الافتراض، وهْم لن تقل خطورته عن التعاطي مع العقل الغربي على ما هو عليه، فهو وهْم لأنه ينافي مفهوم العقل الذي هو صورة الحق، فالعقل الأروربي صورة الواقع الأروبي، الأول معطى للثاني، والأول والثاني عناصر كينونة واحدة تنعكس في الحضارة الأوربية التي صنعت عقلها، وصنعها عقلُها، العقل الأوربي الصوري والتطبيقي عقل حامل للخصوصية الأوربية بقدر ما هو محمول لها، والإشارة إلى عقل تجريدي لا تعني إلا أنه يجوز، لأغراض إجرائية بحثية، تصور وجود هذا العقل، وحقية هذا التصور لا تعدو كيانيته التصورية.
مشكلة تحدي العقل الغربي للعقل العربي الإسلامي أعمق مما خال للفكر العربي المعاصر الذي أعوزته رؤية عقلية واحدية لا تغفل لحظة عن فاعلية ارتباط عوامل تكوين العقل وتكوين الوقائع أيضا، وغياب الوعي بفاعلية ارتباط عوامل التكوين ينتج وهما، ينتج بدوره الوقوع من جديد في منزلق التبعية الحضارية للغير العدواني، فالتبعية لا تحصل إلا للعدواني، والتبعية للعدواني تعميق للشرخ الذي تعاني منه ذاتية راضخة، في دائرة المفعولية، لواقع يسلبها حق التفتح التاريخي، التفتح الذي لا يحصل باستيراد معطيات حضارية أجنبية عن البيئة الذاتية، هي معطيات ستجد فرصتها للنمو، ولكنه نمو يخرب الأرض ويفسد الهواء، وينتج ذرية مشوهة ومعوقة وتائهة في غيبوبتها عن ذاتها وعن الآخر أيضا. والرد على التحدي العقلي الغربي بمنهج تعريبي يمحي المسميات الأجنبية بمسميات محلية، ليس هو التحدي القادر على مواجهة الخطر الداهم القادم مع غزو حضاري قوته الفاعلة العقل الباني للحضارة الغازية، المبني لها، فالسلاح الذي يحارب به مقاتل هو سلاح فاعل طالما بقي سلاحا يحارب به هذا المقاتل، ولكنه سلاح قاتل لمقاتل آخر يحارب بسلاح ليس سلاحه؛ والحضارة الأوربية، بما فيها العقل الأوربي سلاح يقاتل به الأوربي، فالسلاح والمقاتل كينونة وجودية واحدة تترابط عناصرها ترابطا ينتج فاعلية واحدة، هي، بالرد إلى الذات العربية المسلمة، فاعلية عدوانية صادرة عن العقل الغربي الغازي، الذي هو الأداة الأكثر حدّة في معركة الغرب ضد العالم غير الغربي بما فيه العالم العربي.
كل منتج حضاري، ومهما قلّ شأنه، يحمل مفاهيم وخصوصيات ثقافية. وعندما تتعاطى أمة مهزومة حضاريا مع منتج أجنبي، فهي تزيد إلى مشكلة مفعوليتها مشكلة أخرى تتفاقم بها هزيمتها وتتضاعف تبعيتها وغيبوبتها عن ذاتها وعن غيرها وما يصح الحكم به على أمة مهزومة لا يصح الحكم به على أمة حاضرة في التاريخ بفاعلية، فالأمة القوية تتعاطى مع منتج حضاري أجنبي بروح "العزة". القوي عزيز ممتنع على التبعية للغير، والمهزوم ذليل مستباح لكل عدوان.
النهضة إرادة رافضة للهزيمة الرافضة في دائرة المفعولية، والعزة هي الحالة الشرط للنهضة. النهضة العربية الإسلامية المطلوبة ذات بُعد تقني، فهي لا تتوهم أن بإمكانها مواجهة تحدي الحضارة الغربية المعاصرة بمنتج تقني ينتمي للزمان القديم، هذا التوهم صورة للانفصال عن المعطى العقلي الإنساني المنفتح زمانيا ومكانيا، ورفض العقل النهضوي العربي المفترض للحضاري الغربي ليس رفضا للانفتاح على ما هو منفتح، العقل الناهض انفتاح، هو فتح للمغلق، وفتح المغلق انفتاح، هكذا كل فعل ناهض مناهض للعدوان الذي هو ـ العدوان ـ الحالة المضادة للانفتاح. ولكن الانفتاح على الآخر لا يعادل الانسلاخ عن الذات؛ المنسلخ عن ذاته لا ينفتح على آخر، ينفتح على الآخر موصول بذاته، أو منفتح على ذاته، ومن انفتاحه على ذاته يتأسس انفتاحه على الآخر. النهوض فعل يبدأ من الانفتاح على الذات، ويواصل فاعليته بانفتاح الذات على الآخر، بتنامي انفتاح الذات على ذاتها. فالانفتاح على الآخر هو فعل تنامي الذات المنفتحة على الوجود الذي يبدأ بالنسبة لها من أصلها الذاتي ويتواصل في تحققات أخرى للأصل الذاتي، الذي يكشف تغوره عن أصليته للذاتية الإنسانية كلها. فالفعل الناهض من الأصل الراسخ في الغور الوجودي الإنساني، فعل منفتح على التحققات الإنسانية المنفتحة لا الراضخة لحالة العدوانية. لا يقدر الفعل النهضوي العربي الإسلامي على الانغلاق على المعطى النهضوي الغربي، شرط أن يتعاطى الأول مع الثاني "من فوق". هذا التعاطي القوقي لا يضمر احتقار المعطى النهضوي الغربي، هو يخلِّص الأخير من حالة الرضوخ للعدوانية، فالفوقية، برؤيتنا الواحدية، شرط انطلاقة الفاعلية الإنسانية من قيود الدوائر الضيقة المحصورة في أغلال الكراهية إلى واسعية الوجود التي يشرق فيها حب يعطي السلام للناس أجمعين. الفوقية التي نشترط على الفعل النهضوي العربي أن يتعاطى بها مع المنتج الغربي، هي ضمانة مشروعة للأول تصون سلامة ذاته الناهضة في معركة تحدي عدوانية الغرب. تحصل هذه السلامة بإعادة صياغة المنتج الحضاري الغربي ليلائم بيئة جديدة تمتد من غور الوجود الإنساني إلى ذروته العليا، التي يحوز التصور الإسلامي إمكانات تجليتها ابتداء من أصله الأعمق، وتناميا، بفاعلية جهادية، إلى درجة "ظهور الإسلام بإرادة رب العالمين على الدين كله".
العزة، ومعطاها: الفوقية، شرطان للفعل النهضوي العربي الإسلامي المطلوب. والجهاد، بتحققات منفتحة، أداة النهضة المطلوبة. مقولات العزة والفوقية والجهاد تؤطر، مبدئيا، منهاجا نهضويا عربيا عقليا وتنفيذيا، يتوحد به الأخلاقي مع النفعي والذات مع ذاتية الآخر، والحادث مع المطلق، وهذا كله على أساس ذات عامرة بذاتيتها الواقعة في الآن والمترامية في الزمان كله. العزة والفوقية والجهاد مقولات منهج نهضوي أصلي يتنامى من الجرثومة الوجودية للكينونة العربية الإسلامية التي تجلت تاريخيا في فتح النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمكة، الذي كان أول الفتح بتجلياته التاريخية، أول انتصار إسلامي لربوبية الواحد، المطلق، الله، نور السموات والأرض، على تعددية الأرباب الميتة التي كان يعبدها العرب المشتتون الضالون. ثم انطلقت الحركة الإسلامية الجهادية، قوامها المجاهدون المأمورون بـ "وجاهدوا في الله حق جهاده"، الذين ساحوا في الأرض ليخرجوا الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ضيق الخلق إلى سعة الخالق. وبالخروج من ضيق الخلق إلى سعة الخالق تتعمق مقولة عزة المؤمن التي أسست فعله الجهادي، والتي ترفعه إلى حالة الفوقية، الواسعية، ليتوحد، بمقولة العزة، بصفة جمعت، في نص قرآني، بين الله جل جلاله والرسول الفاتح صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فالمجاهد، حاضر تاريخي فائق، منفتح على الجماعة المؤمنة، وعبر الرسول الفاتح، منفتح على الألوهية المطلقة الوجود، فإذا كان ثمة صفة تطابق الموصوف بالنهضة فلا صفة أدق وأحكم وأشمل من صفة المجاهد، الذي يجاهد نفسه الجهاد الأكبر، الذي يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا، ويعمل للآخرة كأنه يموت غدا.
النهضة فعل جهادي تواجه به الذات مهزوميتها، وتواجه به عدوانية الغير، ووفقا للتراث العربي الإسلامي، الجهاد جهادان: جهاد النفس أو الجهاد الأكبر، وجهاد العدو، وفي الحديث: "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، فالجهاد الأصغر، ضد عدو، حالة مشمولة بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، الفردي الجماعي، ومعنى الجهاد النفسي التحرر من الرضوخ في مضائق الوجود، والانطلاق في الواسعية التي يعبر إليها المجاهد من ارتباطه مع النبوة، وبها، ومع الألوهية، وبها، في معنى العزة، التي يرقى بها المؤمنون إلى "فوق": فوقية الإيمان، فوقية الذات الفردية والجمعية على حالة المفعولية، الوضعية الميتة التي تقابلها وضعية حية للمجاهد، ليس فقط قبل الموت الحيوي (الدنيوي)، ولكن بعده أيضا، فالفوقية الإيمانية تعال على ضيق الدنيا، ونفي للموت، ببعده الوجودي. الفوقية صورة لللانفتاح على المطلق، الذي ينفتحه المؤمن بعزة، ويحققه تاريخيا بالجهاد. والانفتاح على المطلق، هو فاعلية المشروع النهضوي العربي الإسلامي المطلوب، الذي ما زال يتعثر لاصطدامه بعقبة الفرد المغلول في أسر دائرة المفعولية الراضخة تحت نير القهر الواقع على الذات الفردية والجمعية. التحرر من القهر هو الخطوة العملية الأساسية للبدء في تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة. وتلد هذه الخطوة الأساسية من قرار إرادة نهضوية عزيزة منفتحة على ذاتها أولا، وعلى الآخر ثانيا، وعلى ذاتها والآخر معا؛ لتحوز الذات بهذا كله أهلية عقلية واحدية تجمع عوامل تكوينها المعاصر في فعل مقدام لا يتردد عن المُضِّيِّ، بقوة ووضوح، من اللحظة الراهنة، إلى مستقبل لا يلغي الماضي، ولكن، مستقبل يعمق فيه العربي المسلم حضوره في الزمن الراهن، إلى مستوى عمقه التاريخي، وعمقه الوجودي الضارب بجذوره إلى لحظة آدم، باعتبار هذه الأخيرة تحققا تاريخيا للإرادة الإلهية المطلقة؛ باعتبار هذه الأخيرة، الفعل الخالق الدائم للخلق المحدث المستمد لوجوده من إحداث الدائم له، الذي يتجلى تاريخيا في تمثل الخلق للإحداث الدائم بإحداث الطاعة المبدعة للدائم.
النهضة إرادة مقدامة أداتها الفاعلة جهاد يحرر الذات من حالة الانشطار التي استدعت عدوان الأجنبي، واستدعت طيَّه مزيدا من الانشطار الفردي والجمعي. الجهاد هو وحده المؤهل للتفوق على حالة الانشطار، والعزة هي الشرط اللازم لانطلاقة حركة جهادية مبتدعة، مبدعة، توحد الذات الفردية والجمعية في مواجهة هزيمتها قبالة تاريخها، وقبالة العصر الراهن. والعزة هي الشرط الضامن للتعاطي المأمون مع الغير؛ وبالفوقية، ومعطى العزة، لن يتأتى من التعامل مع الغير خطر تعميق التبعية العربية الحضارية الراهنة للغرب العدواني، وإنما يتأتى الانتفاع بالمنجز الحضاري الغربي بشروط أخلاق الحضارة العربية، ولتكريس هذه الأخلاق بإنجاز نهضوي عربي إسلامي جديد، ينفتح على الآخر، انفتاح المؤمن، بالنبوة، على الله رب العالمين. وإرادة نهضة عربية إسلامية جديدة مرهونة بوعي واضح وقوي بالحاجة إلى التمايز الحضاري الرسالي الذي أفرد حركة المسلمين الأوائل بمعانٍ قيمية عليا، استوحتها من مصدر الوحي العالي علوا مطلقا. والدور الرسالي يعطيه فرد كريم على نفسه وعلى جماعته أما المهين، فهو مجلبة للعار والدمار. والكريم متوحد مع ذاته ومع جمعيته، كيانيا حيويا ثقافيا.
التوحد، فيما نحسب، هو منهاجية المشروع النهضوي العربي المعاصر المطلوب والمنوط بالعقل العربي المعاصر مهمة إبداعه. يتحدى الواقعُ العربيُ الراهنُ عقلَه بمشكلات انشطاراته بين اقسام الزمان من جهة، واقسام المكان من جهة أخرى. ويمكن للعقل العربي المعاصر أن يحوز أداة فاعلة يتحدى بها مشكلات واقعه المشطور المعاصر، تحوز بدورها، نعني الأداة، قدرة اختراق الراهن في اتجاهات الذات المتعددة، دون الانفكاك عن الأصل، أو الانفكاك عن الحاضر، وليس بالضياع في مسافة تُباعد بين الأصل والحاضر، إذ مهمة المشروع العقلي العربي المطلوب، إبداع واحدية الأصل والحاضر، أو إبداع الحاضر من الأصل الذي لا يتنافى معه، أي الأصل الأشد واسعية، المؤهل لإبداع لحظة آنية، غير منفصلة ولا منعزلة عن الزمان الساري من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، من الفردي إلى الجماعي، من الذاتي إلى الإنساني، من البعض إلى الكل، ومن الكل إلى البعض. والجهاد أداة تحوز إمكانات تحقيق المنهاجية الواحدية، المؤسسة لمشروع نهضوي عربي مطلوب، يبدعه العقل العربي المعاصر.
الجهاد قرار إرادة، لا يصدر عن حالة قوة حضارية، الأخيرة هي التي تصدر عنه، القوة معطى الإرادة، وحالة الوهن العربي الإسلامي الراهنة معطى غياب الإرادة النهضوية. والإرادة غير الأماني، الإرادة تستوجب أداة فاعلة، الجهاد أداة فاعلة، توحد إمكانات الذات التاريخية والبيئية، على مستويي الفردي والجمعي، بفاعلية مبادرة، متحررة من أسر القهر، منبثقة من الأصل الوجودي الفردي، الجمعي، الكلي، في لحظة واحدية، ومن ثم، مقدامة، تبدع تحققات جميع ممكناتها الحيوية، ليست عدوانية، بل فاتحة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور.
الجهاد مفهوم يفيض عن استخدام القوة في معركة يتواجه فيها عسكران. هو مفهوم يسع، ويفيض عن، مشروع نهضوي متكامل، تتطلع إليه أمة، باعتباره معطى حضاريا لها، يبدع حاضرا موصولا بالمستقبل: "الغيب". هذا الأخير، الذي يحوز إمكانات مفتوحة على المطلق الوجودي، تعطي الراهن (الدنيوي) الأمل المتدفق نحو غد أشد جمالا وسعادة وسلاما من اليوم، غد لن يحمل طيّه نعيّ الحياة، ولكنه يجدد البشارة بحياة لا يغلبها الموت. ونصَّ القرآن الكريم على أن الذين يقتلون في سبيل الله "أحياء يرزقون". الموت ليس ذروة الجهاد، فالجهاد فعل مفتوح، وجهاد النفس جهاد أكبر، وجهاد النفس فعل يحرر الذات من أغلال قيودها، أو من دائرة مفعوليتها، ويسمو بها، إلى دائرة فاعليتها؛ ومشكلة الواقع العربي الراهن هي مشكلة الرضوخ في دائرة المفعولية، ومهمة المشروع النهضوي العربي المطلوب، هي تحرير الذات، الفردية والجمعية، من دائرة المفعولية والسمو بها إلى دائرة الفاعلية. الجهاد الأكبر مقولة مفتوحة غير جامدة في زمان، هي فعل التكيف مع ما هو واقع، والواقع الراهن غير متطابق مع الواقع القديم، فإذا قام اليوم جهاد أكبر، فلا يجيء قيامه تكرارا لجهاد أكبر جاهده السلف العظيم، ومع أن جهاد اليوم المطلوب، وجهاد الأمس المنصرم، معطيان لأصل واحد، فهما معطيان متمايزان، هما معطيا أصل واحد متمايز بتحققات كُثْر، يغزلها التاريخ المتجدد.
المهمة الأساسية، أو التحدي الحضاري الأشد، الذي يواجه العقل العربي المعاصر، هو، أو هي، إبداع مشروع نهضوي معطى لأصل يغزل التاريخ تحققاته، باعتبار التاريخ فاعلية إنسانية متجددة، وباعتبار الأصل وجودا يحضر حضورا بائنا، ويكمن، ولكنه لا يفنى؛ وباعتبار النهضة إرادة جهاد تصنعها ذات انتصرت على تحديات انشطاراتها، فانتصرت على مفعوليتها؛ وباعتبار العقل فاعلية الانفتاح بالفردي على الكلي، وبالكلي على الفردي، انفتاح الفردي على الفردي، والتاريخي على التاريخي، انفتاح الحب بالحب، والسلام بالسلام، والحب على العدل، (و) على السلام
(هذا فصل من كتاب يعود تاريخ كتابته إلى عام 1986)*





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,342,872
- غزة تموتُ.. ولا تموتْ..
- وجاد
- يا كلّ النسوةْ.. هاتن نخلعْ.. كلَّ الشوكْ
- عرس الله
- هل تعتذرالسيدة فدوى البرغوثي عن خطئها؟!
- الأطفال هدف مرغوب للعدوان؟!
- قفوا... أيها الـْ !!
- هلمِّي -حماس- لنبني للحب وطنا!!
- ورد قلبي
- حماس من الشيخ ياسين إلى الرنتيسي
- عن مرأة.. حشرت في أنفي.... قيحا
- فليقف الدمار في العراق!!
- نبيٌّ في العشقِ وفسقُنْ
- مواويل جمرِنْ
- اعتذري يا حماس للطفولة واذهب إلى الجحيم أيها الاحتلال البغيض ...
- أجدد الدعوة لوطن مفتوح في فلسطين وأدعو مثقفي العالم لتبني ال ...
- النبوة المحمدية - رؤية نقدية
- لماذا تـُمنح الكرامة لشهيد ويتعفن شهيد؟!
- الحوار المتمدن بعد عامين
- رئيس مجلس السلطة الفلسطينية التشريعي رفيق النتشة قضية متناقض ...


المزيد.....




- إعلان تطهير محيط ثلاث كنائس من الألغام بقصر اليهود
- إعلان تطهير محيط ثلاث كنائس من الألغام بقصر اليهود
- إزالة ألغام قرب مكان -تعميد المسيح-
- الأردن... بعد ساعات من منع مكبرات الصوت في المساجد الرزاز يل ...
- بشار جرار يكتب عن زيارة بابا الفاتيكان: الأمل يتجاوز حدود ال ...
- رأي.. بشار جرار يكتب عن الزيارة المنتظرة لبابا الفاتيكان: ال ...
- بافاريا الكاثوليكية تتوسع بتدريس الدين الإسلامي للتلاميذ الم ...
- مقتل جنديين في هجوم لجماعة بوكو حرام بنيجيريا
- رئيس الحكومة الجزائرية يستقبل مبعوث بابا الفاتيكان
- بوروشينكو يستنجد بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن ميّ النوراني - إرادة الجهاد المنفتح