أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - محمد الحنفي - اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العالم العربي















المزيد.....



اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العالم العربي


محمد الحنفي
الحوار المتمدن-العدد: 957 - 2004 / 9 / 15 - 10:45
المحور: اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت
    


 إلى كل من اقتنع بأيديولوجية الطبقة العاملة، و ناضل من اجل أن تسود بين الكادحين.
 إلى مناضلي اليسار العربي من أجل أن تسود أيديولوجية الطبقة العاملة، فاستشهدوا لأجل ذلك في 29 أكتوبر 1965.
 إلى شهيد الطبقة العاملة القائد العمالي المغربي الشهيد عمر بنجلون 18/12/1975.
 إلى الشهيد محمد كرينة شهيد الشباب العربي لانضباطه لقرار نقابي عمالي في مدينة عمالية فاعتقل و عذب ليموت تحت التعذيب في 24/4/1979.
 إلى مهدي عامل و سهيل طويلة و حسين مروة.
 إلى كل شهداء الطبقة العاملة في كل مكان من العالم.
 إلى شهداء حركات التحرر الوطني.
 إلى كل من امتدت إليه أيادي الظلام فاغتالته لمساهمته في تنوير الإنسان العربي بإبداعاته الفكرية أو الفنية.
 إلى فرج فودة و من على شاكلته الكثر.
 لأجل إنسان عربي متحرر.
 إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي لعظمة تضحياته في هذا الاتجاه.






مقدمة :
لا يختلف اثنان من المحللين العلميين على أن المجتمع العربي يعاني من مجموعة من الأزمات الحادة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هي أزمات لا نشك في كونها نتيجة لقيام أزمات بنيوية لها علاقة بطبيعة تنوع التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تنوع هذه التشكيلة في إطار المجتمع الواحد، أو في إطار كل المجتمعات العربية. فالوضوح الطبقي كما هو وارد في المجتمعات الرأسمالية غير وارد. و الأصول الطبقية في المجتمعات العربية تختلف عنها في المجتمعات الرأسمالية، و البورجوازية أو الطبقية التي يفترض فيها أنها بورجوازية ليست صناعية بالدرجة الأولى، إنها بورجوازية عقارية أو تجارية أو مالية، و في احسن الأحوال بورجوازية خدماتية. و بورجوازية من هذا النوع لم تأت نتيجة لخوضها صراعا معينا ضد الإقطاع و النظام الإقطاعي، من اجل تحرير الاقنان ليصبحوا عمالا في المصانع، بل هي صنيعة للسلطة القائمة في كل بلد عربي على حدة، أو هي عميلة للمؤسسات المالية الدولية أو للشركة العابرة للقارات في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، و الطبقة العاملة في البلاد العربية ذات أصول زراعية، تتوارث العقلية الزراعية التي تتميز بسيادة العقلية الخرافية الأمر الذي يجعلها اكثر استعداد لاحتضان الفكر الأيديولوجي الديني، و اكثر رفضا للفكر العلمي لاعتباره مخالفا للدين الإسلامي. و نظرا لأن الطبقات الحاكمة تنهج طريقة معينة لتنظيم المجتمعات العربية تجعل التنظيمات الحزبية و الجمعوية و النقابية غير قادرة على تنظيم المجتمع بصفة عامة، و غير قادرة على تنظيم الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة بصفة خاصة. فإلى ماذا يرجع ذلك ؟
هل يرجع إلى طبيعة التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية التي لا تعرف نفس التطور الذي عرفته في أوربا ؟
هل يرجع إلى قيام أزمة ديمقراطية في الواقع ؟
هل يرجع إلى عدم علمانية المجتمع ؟
هل يرجع إلى قيام أزمة بنيوية في اليسار ؟
أليس غياب التلازم بين وجود يسار قوي و متماسك و بين قيام الديمقراطية الحقيقية، و بين العلمانية هو جوهر الأزمة ؟
هل يمكن أن يقوم يسار قوي و متماسك في العالم العربي ؟
هل يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية في المجتمعات العربية ؟
هل يمكن تحقيق العلمانية في العالم العربي ؟
و محاولة منا في مقاربة الأجوبة المتعلقة بهذه الأسئلة و غيرها مما يمكن طرحه في هذا الاتجاه سنتناول مفهوم اليسار، و مفهوم الديمقراطية، و مفهوم العلمانية، و العلاقة بين المفاهيم الثلاثة، و معاناة اليسار من ادلجة الدين الإسلامي، و علاقة الديمقراطية بأدلجة الدين الإسلامي و معاناة العلمانية من سد ادلجة الدين الإسلامي و الديمقراطية و العلمانية و خيار التلازم، و العلاقة بين ديمقراطية الواجهة و ادلجة الدين الإسلامي ، والدولة الأصولية و استحالة العلمانية. و لماذا لا تسمح الأنظمة العربية بعلمانية الدولة ؟ و لماذا لا تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية، و الديمقراطية و العلمانية و الاستحالة المستلزمة، و تحقيق الديمقراطية، و فرض العلمانية مهمة يسارية صرفة، و أزمة اليسار-أزمة الواقع، و آفاق تجاوز أزمة اليسار. لنكون بذلك قد قاربنا موضوع اليسار –الديمقراطية- العلمانية، أو التلازم المستحيل في العالم العربي، مساهمة منا في النقاش الدائر حول أزمة اليسار، و أزمة الديمقراطية، و أزمة العلمانية على المستوى القومي، و على المستوى القطري. لنصل إلى طرح السؤال : ألا تعتبر أزمة اليسار جزءا من الأزمة العامة التي يعرفها المجتمع العربي ؟ هل هي أزمة بنية اليسار نفسه ؟ أم أزمة الطبقات التي يستهدفها اليسار بالتنظيم ؟ هل هي أزمة أيديولوجية ؟ هل هي أزمة تنظيمية ؟ هل هي أزمة سياسية ؟ هل هي أزمة علاقة مع الواقع ؟ و بطرحنا هذا السؤال-الأسئلة نكون قد مهدنا إلى الخلاصة التي تفتح أمامنا الطريق المؤدي إلى ملامسة سبل تجاوز أزمة اليسار الذي يوكل إليه النضال من اجل ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب، و الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا علمانية – ليتحقق بذلك التلازم بين الديمقراطية و بناء يسار قوي و موحد، و بين النضال من اجل الديمقراطية الحقيقية، و بين تحقيق العلمانية على ارض الواقع من اجل بناء مجتمع عربي و ديمقراطي و متحرر و اشتراكي.
فهل يمكن إعادة النظر في بناء اليسار القائم أيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا ؟ هل يتلاءم اليسار مع الشروط الجديدة التي تقتضيها عولمة اقتصاد السوق ؟ و هل يقوم بدوره كاملا في صياغة عولمة نقيضة ؟

مفهوم اليسار :
فماذا نعني بمفهوم اليسار ؟
إن اللغة عندما نستعين بها تسعفنا، و تجعلنا ندرك ما نريد و على هذا الأساس، فاليسار نقيض اليمين : فإذا كان اليمين هو الذي يتمتع بحق التصرف فإن اليسار هو الذي يكون محروما من ذلك التصرف، و قد جرت العادة في المجتمعات المختلفة أن يلجأ الإنسان إلى استعمال يده اليمنى بالدرجة الأولى، و أن استعمال اليسرى لا يتم إلا باعتبارها مساعدة لليمنى ما لم توجد هناك قوة ذهنية تجعل اليد اليسرى هي الأساس و اليد اليمنى تابعة لها و مساعدة.
و بالنسبة للمجتمع نجد انه في كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية توجد طبقتان رئيسيتان، طبقة مستغلة و طبقة مستغلة و لكل طبقة تنظيمها الخاص، فتنظيم الطبقة التي تمارس الاستغلال يحرص على إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بغاية تأبيد الاستغلال. لذلك فهذا التنظيم، بحكم طبيعته يميني. و التنظيم الذي يقود الطبقة التي يمارس عليها الاستغلال من اجل انعتاقها و تحريرها من الاستغلال الممارس عليها، هو تنظيم يساري.
و إذا كانت تنظيمات اليمين تختلف من تشكيلة اقتصادية-اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية-اجتماعية أخرى. فإن تنظيمات اليسار تختلف أيضا من تشكيلة اقتصادية –اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية-اجتماعية أخرى. و بالنسبة للتشكيلة الرأسمالية فإن تنظيم اليمين هو الذي يقود الطبقة البورجوازية و تنظيم اليسار هو تنظيم الطبقة العاملة.
و معلوم أن كل تنظيم يقوم على أسس ثلاثة : الأساس الأيديولوجي و الأساس التنظيمي الذي يتناسب معه، و الأساس السياسي الذي يعبر عن طموحة الطبقة التي يقودها ذلك التنظيم.
و التنظيم اليساري لابد له من الاقتناع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية التي هي أيديولوجية الطبقة العاملة التي تعتبر أرقى ما أنتجه الفكر البشري. و هي الأيديولوجية العلمية الوحيدة التي لا تعتمد على الأوهام بقدر ما تعتمد على القوانين العلمية المادية الجدلية، و المادية التاريخية، التي تعتمد في التحليل الملموس للواقع الملموس، و في الوقوف على الصيرورة التاريخية لذلك الواقع، من اجل اكتشاف قوانين تطوره التي تعتمد في التسريع بذلك التطور.
و انطلاقا من هذه المقدمات نصل إلى إعادة طرح السؤال : فما مفهوم اليسار ؟
هل اليسار هو كل ما خالف اليمين ؟
هل التنظيمات البورجوازية الصغرى تعتبر تنظيمات يسارية ؟
إن اليسار تتحكم في تحديده ثلاث مكونات أساسية :
المكون الأول : الاشتراكية العلمية كأيديولوجية و قوانين علمية، بحيث نجد انه لا يمكن الحديث عن يسار غير مقتنع بهذه الأيديولوجية، لأنها هي التي تكسبه المناعة ضد كل أشكال الاختراق اليميني لصفوف اليسار، و تحول دون انحراف التنظيم اليساري في اتجاه اليمين.
و المكون الثاني : التنظيم المنسجم مع الأيديولوجية الذي يقوم بتنظيم وعي الناس الذين يقتنعون بالاشتراكية العلمية، العاملين على تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي انطلاقا من تصور معين، و وفق برنامج محدد.
و المكون الثالث : الموقف السياسي الذي يعتبر ترجمة واقعية للاقتناع بالاشتراكية العلمية، و بالممارسة التنظيمية المتناسبة معها.
فإذا احترمت هذه المكونات الثلاثة في تنظيم معين فهو تنظيم يساري صرف.
و قد توجد تنظيمات تدعي الاقتناع بالاشتراكية العلمية و لكنها لا تنسجم تنظيميا مع تلك الأيديولوجية، و لا تتخذ مواقف سياسية تتناسب معها. فإننا نجد هذه التنظيمات يسارية على مستوى الشعار، و يمينية على مستوى الممارسة.
و التنظيم اليساري الحقيقي الذي يستهدف تنظيم اوعى الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة، وجعلهم يمتلكون الوعي الطبقي الحقيقي و الانتقال إلى نشر ذلك في صفوف الكادحين بمختلف الوسائل الممكنة و تنظيمها في النقابات و الجمعيات حتى تتمرس على طرح المطالب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و انتزاع تلك المطالب التي تؤدي إلى تحسين أوضاع الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة المادية و المعنوية، ثم الارتقاء بالكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة إلى النضال السياسي-الديمقراطي من اجل تحقيق الديمقراطية و الحرية و الاشتراكية.
و لذلك فاليسار هو التنظيم الذي يقتنع أعضاؤه بالاشتراكية العلمية، و يحترم مبادئها، و يعمل على تنظيم اوعى عناصر الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة وفق تصور تنظيمي محدد و هادف، و العمل على تحقيق الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية، انطلاقا من برنامج سياسي محدد يتفق عليه أعضاء التنظيم اليساري من خلال هيئاتهم الحزبية التقريرية، و بواسطة أجهزتهم التنفيذية لجعل الكادحين و الطبقة العاملة يلتفون حول التنظيم اليساري الذي يقودهم في أفق تعميق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.
و ما سوى هذا التنظيم قد يكون يساريا بشعاراته فقط، أو باستنساخه للتجارب الاشتراكية التي تحققت في بلد معين، أو يدخل الاشتراكية العلمية ضمن مكونات متعددة الأيديولوجية، فإنه في الواقع لا يمكن اعتباره يسارا، لأنه يبقى مرشحا للانحراف في اتجاه اليمين في أية لحظة. و تنظيمات من هذا النوع هي تنظيمات بورجوازية صغرى مريضة بالتذبذب و عدم الحسم و بالتطلع، و السعي إلى الالتحاق بالطبقات المستفيدة من الاستغلال الطبقي للمجتمع ككل، و للطبقة العاملة كجزء، لأن هذه التنظيمات لو كانت تحترم مبادئ الاشتراكية العلمية لحاربت هذه الأمراض من صفوفها، و بين مناضليها، و من أيديولوجيتها و من برامجها حتى تبقى يسارية قولا و عملا.


مفهوم الديمقراطية :
فإذا كان اليسار محددا فيما ذكرنا، فإننا نجد أنه لا يكون كذلك إلا باحترام الممارسة الديمقراطية. لأن اليسار إما أن يكون ديمقراطيا أو لا يكون. فماذا نعني بالديمقراطية ؟
إننا في معالجتنا هذه سوف نتوقف فقط عند المدلول الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حتى لا نتيه في التفسيرات غير العلمية و التضليلية التي تمتلئ بها صفحات الجرائد و الكتب و المجلات. و التي توجه ما يتداوله الناس على انه هو الديمقراطية التي ليست إلا مفهوما ميتافيزقيا، لا يمكن تحقيقه على ارض الواقع.
فإذا كانت الديمقراطية عند قدماء اليونان هي حكم الشعب نفسه بنفسه، فإنها في عصرنا هذا يجب أن تترجم هذا الحكم إلى واقع ملموس من خلال :
1) تمكين الشعب أي شعب في العالم العربي من تقرير مصيره بنفسه، و الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج لم تعرف قط أنها تسعى إلى تحقيق إرادتها التي تمكنها من تقرير مصيرها في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية نظرا للقمع الممارس عليها من قبل الطبقات الحاكمة، فكل شيء في العالم العربي من إخراج الحكام، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالاجتماع أو بالثقافة أو بالسياسة. لأن الطبقات الحاكمة لا تقرر و لا تنفذ إلا ما يتناسب مع مصالحها الطبقية حتى تنسجم مع نفسها، و كل من تعارض معها فإنه لا يستطيع.
2) إقرار دستور ديمقراطي يكرس سيادة الشعب على نفسه عن طريق مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها تكون مهمته صياغة بنوده الدستور الديمقراطي و عرضها على الشعب في كل بلد عربي من اجل المصادقة عليها، حتى تصير الدساتير العربية من المحيط إلى الخليج مكرسة لسيادتها، و عاملة على جعلها تتمتع بجميع حقوقها.
3) تكوين حكومة انقاد في كل بلد عربي يهدف تنفيذ برنامج للإنقاذ الوطني من اجل إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و النظر في تدني الأجور، و في نسبة الأمية المرتفعة، وفي انتشار البطالة، و انتشار السكن العشوائي غير اللائق، و في الاقتصاد غير المهيكل الذي يعم شوارع المدن العربية من المحيط إلى الخليج، و العمل على إيجاد تعليم شعبي متحرر، و اقتصاد وطني متحرر، و غير ذلك مما يكرس إهانة الإنسان العربي حتى لا يقوى على مواجهة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.
4) إجراء انتخابات حرة و نزيهة في كل بلد عربي لإيجاد مجالس محلية و وطنية تعكس إرادة الشعوب العربية، و تنبثق عن أغلبية البرلمان في كل بلد عربي حكومة تكون مسؤولة أمام البرلمان، و تعمل على تطبيق القوانين التي يصادق عليها البرلمان بما فيها برنامج الحكومة و الخطة الوطنية و القوانين المالية. لأن الانتخابات الحرة و النزيهة هي وحدها الكفيلة بتكريس إرادة الشعوب في جميع المجالات العامة و الخاصة.
5) تقرير المصير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي كما يراه الشعب ويقتنع به، من خلال إخضاع النظام الاقتصادي السائد، و النظام الاجتماعي المتبع، و الثقافة السائدة، و السياسة القائمة إلى المناقشة الشعبية الواسعة و تحت إشراف الأحزاب السياسية و النقابات و الجمعيات حتى تتوضح الرؤى و التصورات لدى عامة الناس و خاصتهم. فيستطيعون بذلك الاختيار الحر و النزيه للنظام الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يجب أن تشرف الحكومة على تنفيذه بواسطة القوانين التنظيمية التي يوافق عليه البرلمان.
و حسب هذه الخطوات فإن الديمقراطية هي تمكين كل شعب من اختيار ما يناسبه على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتحقيق مقولة، حكم الشعب نفسه بنفسه الذي يجسد الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب.
و معلوم أن سبب تقدم الأمم و تطويرها يرجع بالأساس إلى اعتماد إرادة الشعوب، و احترام تلك الإرادة، و استثمارها في النهوض الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي لأنه بذلك الاعتماد، و ذلك الاحترام تقوم الشعوب بالمعجزات التي تبهر العالم. و لو اعتمدت الأنظمة العربية إرادة الشعوب و احترمت إرادتها رغما عن أمريكا و بريطانيا و إسرائيل و غيرها من الدول التي لا يناسبها اعتماد إرادة الشعوب و احترامها لكانت البلاد العربية الآن قائدة للعالم. و لكن بما أن هذه الأنظمة استبدادية لا تعترف للشعوب بحقها في استحضار إرادتها فإنها تبقى مختلفة و تحت رحمة المؤسسات المالية الدولة و الشركات العابرة للقارات و التحالف الأمريكي البريطاني تلك المؤسسات و الشركات و الدول التي تستنزف خيرات البلاد العربية بشروطها هي و بواسطة البورجوازيات المحلية الوسيطة التي تستغل الشعوب استغلالا همجيا. و نحن لا نستغرب ذلك، لأن النظام العربي عندما لا يكون ديمقراطيا يحتاج إلى دعم و مساندة جهات خارجية لتأبيد سيطرته، و إذا ظهر انه يقوم بديمقراطية معينة فإن تلك الديمقراطية لا تتجاوز أن تكون مجرد ديمقراطية الواجهة التي تتناقض جملة و تفصيلا مع الديمقراطية الحقيقية التي هي من الشعب والى الشعب.

مفهوم العلمانية :
و الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا علمانية، و العلمانية أيضا لا يمكن أن تكون إلا ممارسة ديمقراطية. ففي النظام الديمقراطي نعيش فصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، و فصل السلطتين المذكورتين عن السلطة القضائية. و إذا كان الأمر كذلك، فإن إقرار علمانية الدولة التي تعني فصل السلطة السياسية عن الدين ستكون من صلب الديمقراطية، و كارثة الأنظمة العربية أنها ليست ديمقراطية. لأنها إذا صارت كذلك ستضطر إلى فصل الدين عن الدولة، و هو أمر لا تقبله، و لا ترغب فيه. لأن هذه الأنظمة تعتبر أن سلطتها امتداد للسلطة الدينية، التي تعني الشرعية لاستبدادها بالعالم العربي فهي أنظمة قائمة على ادلجة الدين الإسلامي التي تعتبر مصدر إرهاب الشعب العربي من المحيط إلى الخليج. و هو ما يستلزم إذكاء النضال الديمقراطي الذي ليس إلا نضالا من اجل العلمانية، أي نضالا من اجل فصل الدين عن الدولة.
فماذا نعني بالعلمانية ؟
إن مفهوم العلمانية مأخوذ من مادة "علم" بمعنى أدرك القوانين التي تتحكم في المادة أو في المجتمع و إدراك هذه القوانين يزيل كافة العقبات التي تجعل ذلك الواقع نتيجة لتلك القوانين و ليس لشيء آخر. و إذا كان الأمر كذلك فإن المدرك لتلك القوانين يستطيع أن يوجه الواقع و أن يتحكم فيه كما يريد. و للوصول إلى ذلك لابد من إلغاء الاعتقاد بأن هناك قوى أخرى غير تلك القوانين الطبيعية و الاجتماعية هي التي تتحكم في الواقع. و ذلك الإلغاء هو الذي نسميه "العلمانية " التي لا تعني إلا شيئا واحدا و بسيطا جدا, و هو فصل الدين عن الدولة. حتى تبقى الدولة في الأرض و يصير الدين لله. و هذا الفصل الذي تعنيه العلمانية يحتاج إلى شروط اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و علمية، و معرفية و فلسفية متطورة. و هذا التطور يجب أن يصحبه تطور في البنية التحتية يتمظهر في تحويل المجتمع من مجتمع زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي متقدم. يؤدي إلى تحول إيجابي في البنيات الفوقية التي تفرز قيام دولة مستقلة عن الدين، تنشئ مؤسسات اقتصادية و اجتماعية و ثقافية لا تهتم إلا بأمور المجتمع، و تستبعد كل ما له علاقة بالدين الذي يبقى من اهتمام المؤسسة الدينية و حدها، و يبقى الاهتمام به عملا فرديا صرفا.
و النظام العربي، و باعتباره نظاما دينيا يعتبر أن الدولة تكتسب شرعيتها من الدين، سواء كان هذا الدين هو الإسلام، أو هو المسيحية، و بناء عليه، فكل حاكم في الأرض يكتسب شرعية حكمه من الله تعالى و من الكتاب و السنة، حسب التأويلات المختلفة باختلاف الحكام للنص الديني. أولئك الحكام الذين يتخذون لهم جيوشا من مؤدلجي الدين بصفة عامة، و من مؤدلجي الدين الإسلامي بصفة خاصة الذين يتلقون أموالا طائلة لا حدود لها. تستطيع أن تقيم مصانع لا تعد، و أن تشغل كل العاطلين الذين يتكدسون في الشوارع بدون حدود تذكر لا على مستوى العدد، و لا على مستوى النسب. و لكن الحكام و نظرا لاعتقادهم أن أولئك المؤدلجين الموظفين لغرض ادلجة الدين الإسلامي هم الذين يكسبونهم شرعية الحكم، و هم الذين يجعلون المحكومين قابلين بالحكام، و يعتبرونهم شرعيين، و أن مصدر تلك الشرعية هي الله. فكأنه هو الذي فوض الحكام أمر حكمهم في الدنيا حتى ينالوا جزاء من عند الله يوم القيامة.
و نفس الاعتقاد ينتقل إلى التنظيمات الحزبية، التي تعتبر أن برامجها ذات شرعية دينية، قبل أن تكون ذات شرعية ديمقراطية. و بالتالي فالقائد الحزبي يستمد قوته من العمالة للدولة باعتبارها دولة دينية حتى يكسب حزبه بعدا دينيا، و يجعل الناس يقبلون على حزبه، لا لأنه يملك برنامجا واقعيا قابلا للتحقيق. و يستجيب لحاجيات الجماهير الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بل لأنه ينوب عن الله في المنتمين إلى الحزب. و يستطيع أن يكون نائبا عن الله في المجتمع إذا تمكن من الوصول إلى السلطة و هذا هو الذي نفسر به لماذا التهافت من قيل جميع الأحزاب على اعتبار كل حزب على حدة نفسه منطلقا مما جاء به الدين الإسلامي بالخصوص، و هو في الواقع إنما يؤدلج الدين الإسلامي على هواه. و أن تلك الادلجة تكون بغرض منازعة الطبقة الحاكمة الشرعية الدينية. و أن تلك المنازعة لا تلغي العمالة الحزبية إلى الطبقة الحاكمة. و ما تقوم به الأحزاب الرسمية هو الذي شجع على ظهور أحزاب و توجهات تقوم على أساس ادلجة الدين الإسلامي بدون أن تكون عميلة للطبقة الحاكمة التي تصير غربية و كافرة و ملحدة، و حكمها مخالف للإسلام. و بالتالي فهي وحدها التي لها الحق في اكتساب شرعية الكلام باسم الدين. و الحكم باسم الله عن طريق إقامة "الدولة الإسلامية" التي "تطبق الشريعة الإسلامية". و هي شرعية تلغي الشرعية الدينية للطبقة الحاكمة، و الشرعية الدينية التي تكتسبها الأحزاب العميلة للطبقة الحاكمة. و ممارسة كهذه تقف وراء هذا الصراع بين الأحزاب الدينية و الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة. و هذا الصراع هو الذي يفسر تفسيرا غير علمي على انه صراع ديني ديني، و هو في الواقع ليس إلا صراعا بين طبقة تحكم، و بين طبقة يمينية متطرفة تريد الوصول إلى الحكم.
و لذلك سنجد أن الدولة الدينية ليست وحدها القائمة في الواقع من خلال رفض العلمانية، بل يوجد إلى جانبها الأحزاب الدينية و المجتمع الديني، و الأحزاب اليمينية المتطرفة. و الجميع "يجتهد" في ادلجة الدين الإسلامي حتى صار الدين محط نزاع، أو تنازع الادلجة لخدمة مصلحة مختلف المؤدلجين.
و واقع كهذا يدخل فيه الدين كل شيء في الحياة و تزدهر فيه ادلجة الدين الإسلامي إلى درجة التطرف، لا يمكن أن يقبل بفصل الدين عن الدولة باعتباره صيغة علمانية "تتناقض"، كما يدعي مؤدلجوا الدين الإسلامي، مع الدين الإسلامي، و هي في الواقع لا تتناقض إلا مع المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي.
و لذلك نرى من الضروري اعتبار أن تحقيق علمانية الدولة لا يتم إلا بتحقيق ديمقراطية الدولة و المجتمع و المؤسسات و الأحزاب. و المنظمات النقابية و الجمعوية. و هذه الديمقراطية لا تتم إلا بالنضال الديمقراطي المرير الذي يقوده اليسار الحقيقي في البلاد العربية، باعتباره وحده يقتنع بضرورة تحقيق الديمقراطية الحقيقية، التي تقتضي بدورها النضال من اجل تمتيع الشعوب العربية بالحريات العامة و النقابية و الجمعوية و منع أن تتأسس الأحزاب و النقابات و الجمعيات على أساس ديني. و نضال من هذا النوع لا يستقطب الجماهير الشعبية الكادحة إلا إذا صاحبه نضال من اجل تحسين أوضاعهم المادية و المعنوية، نظرا للترابط الجدلي القائم بين النضال من اجل الديمقراطية، و النضال من اجل الحرية، و النضال من اجل العدالة الاجتماعية، و بانتزاع مكاسب لصالح المجتمع العربي في هذا الاتجاه، نكون قد قطعنا أشواطا مهمة و أساسية في اتجاه علمانية الدولة و الأحزاب و النقابات و الجمعيات.
فالنضال من اجل العلمانية هكذا، و بالمعني المتداول للعلمانية، و في مجتمع يداخل فيه التدين كل شيء في الحياة و تسيطر على أفراده ادلجة الدين الإسلامي بشكل مخيف و مروع و مرعب، لا يمكن تجاوزه إلا بالعمل على تفكيك ادلجة الدين الإسلامي تفكيكا علميا دقيقا و هادفا، حتى يقف الناس على حقيقة أوهام ادلجة الدين الإسلامي و حقيقة مؤدلجيه، و بكامل الهدوء، و بالمنطق العلمي الدقيق و الكشف عن الخلفيات التي تحرك أولئك المؤدلجين حتى يتم التفريق بين حقيقة الدين و حقيقة الادلجة باعتباره مدخلا لتطهير الحياة الدينية و الخطاب الديني من الادلجة الذي يعتبر خطوة أساسية و ضرورية في اتجاه علمنة الحياة قبل علمنة المؤسسات و الأحزاب و النقابات و الجمعيات، و قبل علمنة الدولة، من اجل التخلص النهائي من الدولة الدينية التي تتناقص حتى مع الإسلام نفسه، حيث جاء في القرءان " لا إكراه في الدين ".

العلاقة بين اليسار، و الديمقراطية و العلمانية :
و من خلال ما أتينا على ذكره في الفقرات السابقة وجدنا أن الحزب الوحيد الذي لا يستغل الدين و ليس من مصلحته استغلاله لتناقض استغلال الدين مع التحليل العلمي الذي يتبناه هو حزب اليسار الحقيقي، لأنه لا يسعى لا من خلال أيديولوجيته، و لا بتصوره التنظيمي، و لا بمواقفه السياسية إلى تضليل الجماهير. فالجماهير تحتاج إلى امتلاك الوعي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لا إلى التضليل لأن الجماهير مضللة أصلا، وهي ليست في حاجة إلى من يضللها، بل إلى من ينقل إليها وعيها الحقيقي الذي لا يكون إلا طبقيا. و الوعي الطبقي هو وحده الذي يجعل الجماهير الشعبية، تنخرط في الأحزاب و النقابات و الجمعيات باعتبارها إطارات للنضال الديمقراطي العام، و للنضال الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي. و نظرا لكون حزب اليسار لا يتبنى إلا أيديولوجية الاشتراكية العلمية. فإنه يجد نفسه اكثر بعدا عن ادلجة الدين الإسلامي التي تضرر منها كثيرا منذ ظهوره إلى الوجود، و شجعت عليها الأنظمة العربية القائمة ، و تتمسك بها الآن الأحزاب السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي بما يخدم مصلحتها الطبقية. بالإضافة إلى اليمين المتطرف الذي يعتبر النص الديني بمثابة برنامج سياسي. و نظرة حزب اليسار إلى الدين نظرة علمية واقعية فهو يعتبر مكونا من المكونات الثقافية التي تمد المجتمع بالقيم النبيلة. و تشكل قوة مادية عظيمة يمكن اعتمادها في حشد همم الجماهير الشعبية الكادحة في محطات معينة، و في حركات اجتماعية محددة لا علاقة لها بالاستغلال الأيديولوجي للدين. و بناء على هذا التصور فحزب اليسار لا يمكن أن يكون إلا ديمقراطيا، و هو في نفس الوقت لا يمكن أن يكون إلا علمانيا. فالديمقراطية و العلمانية من مستلزمات حزب اليسار. سواء تعلق الأمر بالعلاقة بين أعضائه في التنظيم الواحد، أو في العلاقة بين التنظيمات الأفقية و العمودية، بين القيادة و القاعدة، لأنه إذا لم تكن الديمقراطية هي التي تربط بين أعضائه و تنظيماته يفقد مبرر وجوده.
فحزب اليسار يبني تنظيماته انطلاقا من احترام إرادة أعضائه، و حزب اليسار يتخذ قراراته بطريقة ديمقراطية، و من خلال الأجهزة التقريرية المحلية و الإقليمية و الوطنية بناء على ما يقتضيه نظامه الداخلي، و ينفذ تلك القرارات في إطار برنامج محدد.
و حزب اليسار عندما يبني برنامجه السياسي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني، لا يسعى إلى حماية أو خدمة المصالح الطبقية لأعضائه، بل يسعى إلى حماية و خدمة مصالح الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة، التي يعمل على تعبئتها و قيادة نضالاتها المطلبية في أفق تحسين أوضاعها المادية و المعنوية. و في أفق تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و في أفق ضمان توفير و حماية الحريات العامة السياسية و النقابية و الجمعوية، و في أفق تحقيق العدالة الاجتماعية التي لا تتحقق إلا بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. لأن النضال الديمقراطي هو نظام شامل لكل مناحي و مجالات الحياة. و لذلك ففي إطاره لا نفصل بين النضال من أجل :
1) دستور ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب.
2) انتخابات حرة و نزيهة.
3) تحقيق الحريات العامة.
4) تحقيق العدالة الاجتماعي.
و هذا التنوع في مناحي النضال الديمقراطي هو الذي يكسبه دينامية لا حدود لها. و تلك الدينامية هي التي تجعل الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي تلجأ إلى قمع حزب اليسار، و قمع الجماهير المنخرطة في النضال الديمقراطي في نفس الوقت. و هو الذي دفع الطبقات الحاكمة في البلاد العربية إلى تمويل و دعم ادلجة الدين الإسلامي، و رصد أموال طائلة لنشر و دعم تلك الادلجة حتى يتم التضييق على اليسار الذي كان يقود النضال الديمقراطي العارم, ليضاف القمع الأيديولوجي إلى القمع العام الممارس على الجماهير الشعبية و على اليسار في نفس الوقت نظرا للوضوح الأيديولوجي لليسار كما تقر بذلك الاشتراكية العلمية كمنهج و كهدف في نفس الوقت، لأنه بواسطة قوانين الاشتراكية العلمية يتم التحليل الملموس للواقع الملموس. و الطبقة الحاكمة تمارس قمعا آخر هو القمع السياسي عن طريق تشويه مواقف اليسار السياسية للجماهير الشعبية الكادحة، حتى تنبذ اليسار و تبتعد عنه.
و هذه المستويات المختلفة من القمع الذي مورس و لازال يمارس على اليسار في العديد من البلدان العربية لا يمكن أن نستنتج منها إلا خلاصة واحدة و هي أن الحزب اليساري هو الوحيد الذي يقتنع بالديمقراطية و يناضل من اجلها. و هو الحزب الوحيد الذي يستطيع تأطير الجماهير الكادحة على أسس متينة و ديمقراطية و نضالية. و هو الوحيد الذي لا يناضل إلا من اجل خدمة و حماية المصالح الطبقية للجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.
و حزب اليسار عندما يكون كذلك لا يمكن أن نعتبره إلا حزبا ديمقراطيا يحارب كافة أشكال الاستبداد التي من بينها استبداد الدولة الدينية. و هو لذلك لا يكون إلا علمانيا، إلا انه لا يفصح عن رفضه للعلمانية بقدر ما يجعلها من ضمن النضال الديمقراطي العام، لأنه كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة، بدون تحقيق الديمقراطية لا يمكن طرح العلمانية للنقاش. و إذا تحققت الديمقراطية الحقيقية التي تكون من الشعب و إلى الشعب، فإن الدولة الديمقراطية لا تكون إلا علمانية. و هكذا فإننا نجد أيضا أن الدولة العلمانية لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية.
و بناء على هذا الاستنتاج، فالحزب اليساري هو بالضرورة حزب علماني، و نضاله من اجل الديمقراطية هو في نفس الوقت نضال من اجل العلمانية. لتكون بذلك العلاقة بين اليسار و الديمقراطية و العلمانية علاقة عضوية لا تتحقق إلا في حزب اليسار نفسه، لا في حزب آخر غير حزب اليسار.

معاناة اليسار من مؤدلجي الدين الإسلامي :
و اليسار الذي أثبتنا أنه هو وحده الذي يكون ديمقراطيا، و يناضل من اجل الديمقراطية، و أنه هو وحده الذي يكون علمانيا و يناضل وحده من اجل العلمانية. يعاني من الحصار المتنوع، و من العديد من الجهات التي ليست لها مصلحة في أن تكون الدولة ديمقراطية، كما ليست لها مصلحة في أن تكون علمانية :
1) فهو يعاني من حصار الدولة نفسها التي تعتبر أداة للسيطرة الطبقية، لأن الطبقات الحاكمة في البلاد العربية تسخر الدولة لقمع اليسار، فتخضع مناضليه للمراقبة و المتابعة و الاعتقال و المحاكمة. و هو ما يفسر لماذا هذه المحاكمات التي تعرض لها مناضلوا اليسار على مدى عقود بأكملها في مجموع البلاد العربية. و لماذا هذه الاعتقالات التي لازالت تطال رموزه في كل بلد على حدة. و لماذا هذا التضييق على أحزاب اليسار التي تحرم من الدعم المادي و المعنوي الذي تقدمه الدول و الأحزاب الموالية لها، و تحرم منه اليسار؟ و لماذا هذا الحرمان من استغلال وسائل الإعلام الرسمية من اجل الاتصال بالمواطنين كباقي الأحزاب الأخرى التي تستفيد من ذلك ؟ لماذا هذه الحملات الإعلامية التي تبث ضد اليسار و بواسطة وسائل الإعلام الرسمية التي هي ملك الشعب ضد اليسار.
2) و هو يعاني من الطبقة الحاكمة التي تسخر كل وسائلها المادية و المعنوية لاستئصال اليسار من الواقع، تعمل على التضييق على العاملين في مختلف القطاعات العامة و الخاصة المنتمية إلى اليسار، و مساومتهم و تحويلهم إلى جواسيس داخل اليسار و لصالحها، أو توقيفهم، أو طردهم، و تنظيم حملات إعلامية بواسطة جرائدها ضد اليسار الذي يوصف بالكافر و الملحد، و المتفسخ, و غير ذلك مما يخدش الكرامة الإنسانية للمنتمين إلى اليسار، و استعداء المتدينين على اليساريين باعتبارهم ضد الدين، و ضد المتدينين بالإضافة إلى استئجار اتباعها لشن هجمات ضد اليسار و خاصة إذا كان هؤلاء الاتباع من مؤدلجي الدين الإسلامي و خاصة إذا كان هؤلاء المستأجرون أئمة في المساجد، و في أيام الجمعة، و على مدار السنة حيث تحول صلاة الجمعة في كل مسجد إلى تجمع سياسي تطلق فيه الخطب النارية ضد اليسار، و ضد رموزه في كل بلد على حدة، و ما يشكله اليسار من خطورة على الدين، و أن على المسلمين أن يهبوا جميعا لحماية الإسلام من خطر اليسار الذي يسمونه " الخطر الشيوعي" لتحول المساجد التي بنيت من أموال الشعب و المخصصة للصلاة و العبادة، إلى أماكن لعقد تجمعات عامة لاستعداء الجماهير العربية ضد اليسار. بالإضافة إلى تشجيع و دعم المؤلفين لانتاج الكتب التي تستعدي القراء على اليسار التي تملأ أرصفة الشوارع و بأثمنة بخسة، قبل أن تملأ رفوف المكتبات، من اجل توفير الشروط القمينة بتأبيد سيطرة الطبقة الحاكمة على أجهزة الدولة.
3) و يعاني كذلك من الأحزاب الإقطاعية و البورجوازية التابعة و البورجوازية العميلة للطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة. هذه الأحزاب التي تؤدلج الدين بنسبة أو بأخرى، و حتى تستفيد من نعم الطبقات الحاكمة في البلاد العربية، و تحظى بالتواجد في المؤسسات المحلية و الوطنية، فإنها تضع في برامجها العمل على استئصال اليسار من الواقع عن طريق العمل على تشريح أيديولوجية اليسار الفاقد للعلمية و الموضوعية، و تشريح برنامجه السياسي، و التقليل من أهمية مواقفه السياسية، و استعداء المنتمين إلى تلك الأحزاب ضد اليسار، و تنفير الجماهير الشعبية في التجمعات العامة و عبر الصحف و وسائل الإعلام الرسمية من اليسار و من رموزه حتى لا يجد اليسار متنفسا جماهيريا، يمكن أن يلجأ إليه. و بسبب تلك الحرب التي لا هوادة فيها و التي تشنها مختلف الأحزاب ضد اليسار. نجد أن هذه الأحزاب تزداد ارتباطا بالطبقة الحاكمة، لأنه تجمعه معها نفس المصالح الطبقية التي تقتضي الانطلاق من نفس البرنامج الذي تخططه الطبقة الحاكمة الذي نجد على رأس بنوده محاربة "الخطر الشيوعي" الذي لا يعني إلا حقيقة واحدة. و هذه الحقيقة هي محاربة اليسار الذي يقتنع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية، لأنه هو اليسار الحقيقي، و ما سواه إنما يتقمص اسم اليسار.
4) و يعاني بالخصوص من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يتخذون عدة مستويات :
أ- مستوى التصدي الفردي للكلام باسم الدين الذي تترتب عنه مصالح فردية تدعو إلى التأويل الأيديولوجي الفردي لحماية تلك الصالح، و هؤلاء يعتقدون، و دون دراية منهم بأن مسؤوليتهم تقتضي محاربة اليسار. و أن تلك المحاربة مسؤولية دينية. ونظرا لارتباط هؤلاء بالمتدينين. فإن تأثيرهم في هذا الاتجاه سيكون واسعا، لا حدود له. و خطورة مثل هؤلاء، تأتي من كونهم لا يرتبطون بهيأة سياسية معينة و ليسوا من تنظيمات مؤدلجي الدين الإسلامي المعروفة حتى يخضعوا للمقاومة و التشريع من قبل مناضلي اليسار. و لذلك فهم يستمرون في دورهم الذي يخدم مصالحهم من جهة، و يخدم مصالح الأحزاب و الطبقة الحاكمة من جهة أخرى، و يمهد الطريق أمام تنظيمات مؤدلجي الدين الإسلامي من جهة ثالثة.
ب- كل من توظفه الطبقة الحاكمة للقيام بأدلجة الدين الإسلامي من اجل ممارسة التضليل على الجماهير الشعبية الكادحة لصالح الطبقة الحاكمة، و هؤلاء الموظفين يعتبرون أن إخلاصهم للطبقة الحاكمة يستلزم أن يضعوا في اعتبارهم الهجوم المستمر و الدائم، و بكلام عشوائي لا علاقة له حتى بالمنطق الصوري عن اليسار و عن رموزه، و عبر وسائل الإعلام الرسمية، وفي صحف الطبقة الحاكمة، و من خلال المحاضرات و الندوات و الدروس الدينية التي تلقى في المساجد، و في المآتم و في مختلف المناسبات. إخلاصا و توددا لسيدة نعمة هذه الشريحة من مؤدلجي الدين الإسلامي للطبقة الحاكمة. و سعيا إلى منازعة اليمين المتطرف لاستثمار الكلام باسم الدين الإسلامي. فإن هذه الشريحة تزداد إغراقا في ادلجة الدين الإسلامي، و اكثر هجوما على اليسار لارضاء الطبقة الحاكمة. و عمل كهذا يمهد الطريق و يفرش الأرض و يزيل العقبات التي تعترض طريق اليمين المتطرف القائم أصلا على الإغراق في ادلجة الدين الإسلامي إلى درجة الظلام.
ج- اليمين المتطرف الساعي إما إلى استغلال الدين الإسلامي من اجل الوصول إلى مراكز القرار في ظل حكم الطبقة الحاكمة حتى يتم توجيه السياسة العامة للدولة لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي. و في هذه الحالة فإن اليمين المتطرف يغرق في معاداة اليسار. و في استعداء الجماهير الشعبية الكادحة ضد اليسار و إصدار الفتاوى تلو الفتاوى باغتيال رموز اليسار، من خلال خطاب إرهابي متميز و متمكن من صفوف الكادحين و خاصة في الأحياء المهمشة التي أصبحت مرتعا لليمين المتطرف و للخطاب الإرهابي، و منتجة للإرهابيين الذين ينطلقون منها للانتشار في الأرض، و بتمويل جهات غير معروفة، و بكميات هائلة، و أمام أنظار الطبقة الحاكمة التي لا تحرك سكانا، و لا تعمل على مساءلة المنتمين إلى اليمين المتطرف عن الأموال الطائلة التي يتصرفون فيها. و عن الفتاوى التي يصدرونها في حق رموز اليسار، لا لشيء إلا لأن الطبقة الحاكمة نفسها تمول تنظيمات اليمين المتطرف، و تستفيد من تغيير رموز اليسار حتى لا يقوى على النهوض بالجماهير لمواجهة مخططات الطبقة الحاكمة، و مخططات الأحزاب الرجعية المتخلفة، و مخططات أحزاب البورجوازية الصغرى، و مخططات اليمين المتطرف نفسه، حتى ينشغل اليسار بمشاكله الناجمة عن الاغتيالات التي تستهدف رموزه لتبقى الساحة خالية لليمين المتطرف و للطبقة الحاكمة و للأحزاب الرجعية المتخلفة، و لأحزاب البورجوازية الصغرى العميلة للطبقة الحاكمة. و إما إلى اعتماد النص الديني برنامجا سياسيا يجب تطبيقه بحذافيره على أرض الواقع و في جميع مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في هذه الحالة نجد أن مؤدلجي الدين الإسلامي يكفرون كل من لم يستجب للدعوة إلى تطبيق ما جاء في النص الديني، بما في ذلك الدولة ، و الطبقة الحاكمة و الأحزاب، و المجتمع. فكل شيء في الواقع كافر حتى الأشياء و الحيوانات و الأرض و الهواء. و لذلك فهم حسب هذا التصور سيكونون على حق عندما يسعون إلى تنفيذ العمليات الإرهابية التي يسمونها عمليات "جهادية" و الغاية التي يسعى هذا التوجه من اليمين المتطرف هي فرض استبداد بديل بالمجتمع على جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باسم إقامة "الدولة الإسلامية" أو "الخلافة الإسلامية" التي تقوم بتطبيق "الشريعة الإسلامية" و القضاء على كل الكفرة و الملحدين و الديمقراطيين و الغربيين، و هذا التوجه من اليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي يعتبر أكثر عداوة لليسار، و اكثر استعداء للجماهير الشعبية ضد اليسار و اكثر سعيا إلى تصفية اليساريين لاعتبارات نذكر منها :
1) كون أحزاب اليسار هي الوحيدة التي تمارس الديمقراطية و تناضل من أجلها.
2) كون أحزاب اليسار هي الأحزاب العلمانية الحقيقية.
3) كون أحزاب اليسار تملك أدوات التحليل العلمي التي تمكن من الوقوف على حقيقة ادلجة الدين الإسلامي، و مدى توظيف أدلجة الدين لخدمة المصالح الطبقية. و انطلاقا من ذلك، فإن هذا التوجه من اليمين المتطرف يعتبر التخلص من اليسار ككل واجبا دينيا فيشرعون في كل مكان إلى تنظيم الاغتيالات المتوالية التي لا حدود لها، و على مستوى الوطن العربي. و الغريب في الأمر أن الطبقات الحاكمة لا تتخذ الإجراءات الضرورية اللازمة لحماية اليسار من استهداف هذا التوجه اليميني المتطرف، و لا تخضعه للمساءلة عندما يتعلق الامر باستهداف اليسار، و لا تسائله عن الأموال الطائلة التي يتصرف فيها و التي تجعله قادرا على تجييش جميع المهمشين من المجتمع الذين يتحولون إلى مجرد جنود مستعدين لتنفيذ الأوامر في أية لحظة. و لكن عندما يتحول هذا التوجه إلى استهداف مصالح الطبقة الحاكمة، فإن الدولة تتحرك لمتابعة هؤلاء ، و تقوم بحملات على مستوى كل دولة على حدة بدعوى أنهم صاروا يشكلون خطورة على الدولة و على المواطنين و على المؤسسات، و على المصالح الأجنبية. و لكن عندما تتحرك الدولة في هذا الاتجاه تكتشف أن كل المهمشين و العاطلين و المقهورين و العمال و الموظفين الصغار و التجار الصغار مجيشين وراء رموز التطرف اليميني المتشدد فتدخل في مداراتهم، و تعمل على تهدئتهم بالاستمرار في قمع الحركات الجماهيرية النضالية، و الحركات السياسية اليسارية و محاصرة جميع التنظيمات المناضلة، ليبقى اليسار و في جميع الحالات مستهدفا من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي على جميع مستوياتهم بما في ذلك الدولة القائمة في كل بلد، لأنها هي نفسها تمارس ادلجة الدين الإسلامي و يتحمل المسؤوليات المختلفة فيها مؤدلجوا الدين الإسلامي.
و هنا يردنا سؤال : إلى أي حد نستمر في معاداة اليسار و محاربته، و باسم ادلجة الدين الإسلامي و من قبل الدولة و الطبقة الحاكمة و الأحزاب و اليمين المتطرف العاملين جميعا على ادلجة الدين الإسلامي كل حسب ما تقتضيه مصلحته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ؟
أليس من حق اليسار التواجد إلى جانب بقية الأحزاب ؟
ألا يكفي ما مورس في حق اليسار من قمع و منذ عقود طويلة ؟
ألا يكفي قمع الدولة لليسار ؟
ألا يكفي قمع الطبقة الحاكمة لرموزه ؟
ألا يكفي ذلك العداء الأبدي لليسار من قبل اليمين المتطرف ؟
إننا عندما نطرح هذه الأسئلة و غيرها إنما نريد أن نصل إلى خلاصة أن اليسار هو كباقي التوجهات، من حقه أن يشعر بالحرية في تأطير الجماهير التي يستهدفها الجميع مع فارق أن اليسار يعدها للنضال من اجل التمتع بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و لعل العالم كله الآن يجمع على ضرورة احترام حقوق الإنسان.

الديمقراطية و ادلجة الدين الإسلامي :
و نحن عندما اعتبرنا اليسار هو الإطار الديمقراطي الوحيد من بين كل الإطارات الحزبية القائمة. و هو الذي يناضل و يقود الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة من أجل تحقيق ديمقراطية من الشعب و إلي الشعب في كل بلد عربي على حدة.
و انطلاقا من هذا المعطى الذي يفرض نفسه كواقع، فإن سعي مؤدلجي الدين الإسلامي إلى محاربة اليسار و استئصال رموزه من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و من المجتمع و عن طريق التصفية الجسدية في كثير من الأحيان و في كل البلاد العربية، هو في نفس الوقت سعي إلى محاربة الديمقراطية. لأن محاربة اليسار هي نفسها محاربة للديمقراطية.
فالديمقراطية في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي هي بدعة غربية كافرة تجب محاربتها، و هي في نظرهم تدخل في إطار الغزو الثقافي الذي عرفته البلاد العربية إلى جانب أشكال الغزو الأخرى. و لذلك فكل من يأخذ بالديمقراطية باعتبارها حكم الشعب نفسه بنفسه فهو كافر، لأن حكما من هذا النوع يتعارض مع حكم الله حسب ما يذهبون إليه من منطلق أن الحاكمية لله، ومن منطلق أن الفقهاء و العلماء و رجال الدين الذين يتشكل منهم "أهل الحل و العقد" هم وحدهم الذين يحكمون باسم الله، و هم وحدهم الذين يؤولون النص الديني، و يطبقون ذلك الدين على عامة الناس، أما الخاصة فهم المعنيون بالحكم و بتطبيقه. و هم الذين سميناهم بمؤدلجي الدين الإسلامي، لأن تأويلاتهم تكون من أجل خدمة المصالح، و حماية تلك المصالح في نفس الوقت. ومؤدلجوا الدين عندما يأخذون بمبدأ الحاكمية لله انطلاقا مما ورد في القرءان "إن الحكم إلا لله" فلأنهم يصرون على القطع مع الديمقراطية جملة وتفصيلا.
1) فهم يرفضون الدستور لتعارضه مع دستور الله تعالى الصالح لكل زمان و مكان. ففيه في نظرهم حلول لجميع المشاكل التي يعاني منها الإنسان في جميع الأزمنة و جميع الأمكنة. بينما الدستور الذي لا يهم إلا بلدا واحدا لا يمكن أن يحل جميع مشاكل الناس في جميع الأزمنة، فهو يتغير و يتبدل من زمن إلى آخر، و من البشر الذين لا يرقى علمهم إلى مستوى علم الله. و لذلك فمهما كان الدستور الذي يضعه البشر. فهو لا يترقى إلى دستور الله الثابت الذي لا يتغير الذي هو القرءان.
و إذا كان الدستور مصدرا لجميع القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فإن القرءان هو القانون نفسه، لأنه ينص على العديد من القوانين التي طبقت و تطبق في جميع الازمنة، و جميع الأمكنة. و يمكن أن يستنبط الفقهاء و العلماء و رجال الدين أحكاما أخرى عن طريق القياس و الاجتهاد دون أن تتعارض مع ما ورد في القرءان و في الحديث الصحيح و الحسن و المقبول.
لذلك فرفضهم للدستور آت من هذه الحيثيات التي تجعل القرءان دستورا لا يرقى إليه دستور بشري. و مع ذلك فإن القرءان نفسه يرشد الناس إلى التشاور في أمورهم للوصول إلى ما ينظم حياتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية فقد جاء فيه "و أمرهم شورى بينهم". و في الحديث " و إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم". و قد استورد عمر بن الخطاب نظام الدواوين من الفرس، و الفرس حينذاك لم يدخلوا إلى الإسلام بعد، و حتى إذا دخلوا فإن نظام الدواوين كان قبل الإسلام. و مع ذلك لم يقل أحد في ذلك الوقت إن عمر قام بعمل مخالف لدستور القرءان. فلماذا إذن يحرمون على العرب وضع دستور يصادق عليه الشعب و يكون مصدر القوانين التي تهم تنظيم الحياة العامة ؟ لما يكفرون الدساتير المعمول بها في البلاد العربية ؟ لماذا يعتبرون الأنظمة الدستورية أنظمة كافرة ؟
و الواقع أن مؤدلجي الدين الإسلامي عندما يكفرون الدساتير الموضوعة، و يعتمدون القرءان دستورا دائما صالحا لكل زمان إنما يسعون إلى حماية مصالحهم الطبقية، و يعملون على تأبيد تلك بإشاعة ادلجة الدين الإسلامي التي تجعل الناس يعتقدون بأوهام ادلجة الدين الإسلامي التي تجعلهم قابلين للتجييش و تنفيذ الأوامر التي يتلقونها من المؤدلجين. و العمل على السيطرة على أجهزة الدولة التي توظف لتسخير المجتمع ككل لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي. و بذلك يكون التمسك بالقرءان كدستور و الكفر بالدساتير الموضوعة لغاية حماية المصالح الطبقية المادية و المعنوية لليمين المتطرف.
2) و هم يرفضون الانتخابات المختلفة، لكونها تنقل الأمر من يد أهل الحل و العقد، و تجعله بين يدي المنتخبين من قبل الشعب في كل بلد عربي على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية، و يعتبرونها بدعة غربية تصرف الناس عن الامتثال لما جاء به الدين الإسلامي كما يقدمه لهم أهل الحل و العقد من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين نصبوا أنفسهم كأفراد، أو نصبتهم الطبقة الحاكمة، أو يسعون إلى أن يصبحوا حكاما باسم الدين الإسلامي في جميع البلاد العربية، ويعتبرون كل القرارات و القوانين التي تتم المصادقة عليها جملة و تفصيلا غير شرعية و كافرة لصدورها عن مؤسسات كافرة، و يرون أن الحاجة إلى تطبيق تلك القرارات عليهم و في حياتهم غير واردة. و لذلك فهم يعبئون الكادحين و المحرومين و المهمشين من سكان الأحياء العشوائية في المدن، و من سكان البوادي الذين لا يجدون ما يأكلون و ضد القرارات و القوانين الكافرة و الصادرة عن المؤسسات المنتخبة عبر انتخابات حرة ونزيهة مخالفة ل"الشريعة الإسلامية".
و عندما يتعلق الأمر ب"الشريعة الإسلامية"، فإن هؤلاء المؤدلجين يصوغونها وفق ما تقتضيه مصلحتهم الطبقية، و يعتبرونها هي البديل الأيديولوجي و الطبيعي لما هو متبع من قبل المسؤولين الذين يلتزمون بتطبيق القرارات و القوانين الصادرة عن المؤسسات المنتخبة. و يدعون الناس إلى تطبيق الشريعة الإسلامية التي تتناقض مع القوانين الكافرة في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و الغاية هي إقامة مجتمع المسلمين إلى جانب مجتمع الكفار، و دولة المسلمين أو "الدولة الإسلامية" كما يرونها إلى جانب دولة الكفار، و في كل بلد من البلدان العربية، حتى يحدث الشرخ العميق في المجتمع العربي الذي يصير مهددا بالتمزق و بالصراع بين "المومنين و الكفار".
و انطلاقا من هذه الوضعية التي يسعى إلى تحقيقها مؤدلجو الدين الإسلامي، الذين ثبتت عداوتهم التاريخية للديمقراطية، فإن المجتمع العربي سيعرف صراعا بين "المومنين" بالدين الإسلامي و بين"الكفار" و "الملحدين" يستحيل معه أن يعرف هذا المجتمع ممارسة ديمقراطية حقيقية ليتكرس الاستبداد القائم على أيدي الطبقات الحاكمة في البلاد العربية. و في مقابله سيسعى مؤدلجوا الدين الإسلامي إلى فرض استبداد بديل بكافة الوسائل التي تتاح لهم بما فيها القيام بالعمليات الإرهابية التي تأتي على الأخضر و اليابس كما يحصل يوميا في المغرب، و في الجزائر، وفي مصر، و في السودان، و في اليمن، و في الادرن، و في سورية، و في لبنان، و التي ذهبت بأرواح الكثير من الأبرياء و من الرموز النضالية لليسار العربي.
و لكن عندما تكون الانتخابات مجرد اجراءات شكلية لتضليل الجماهير الشعبية الكادحة، و لتضليل الرأي العام الوطني، فإن مؤدلجي الدين الإسلامي يهرولون للمشاركة فيها موظفين خطبهم النارية في المساجد، و في وسائل الإعلام الرسمية ضد التنوير و المتنورين و ضد اليسار "الكافر" و "الملحد" و ضد "الخطر الشيوعي" الذي يهدد مستقبل البلاد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و مبشرين بالجنة التي تأتي على أيديهم في حالة وصولهم إلى مراكز القرار الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من اجل العمل على إصدار القرارات "الإسلامية" في أفق تحويل الدولة إلى "دولة إسلامية" تصير ملتزمة ب "تطبيق الشريعة الإسلامية".
و ممارسة كهذه عندما يقوم بها مؤدلجوا الدين الإسلامي في المغرب و في الجزائر و في مصر و في الأردن و في الكويت و في السودان و في فلسطين و غيرها من باقي البلاد العربية لا تعني أبدا القبول بالممارسة الديمقراطية بقدر ما تعني استغلال الممارسة الانتخابية، و في إطار ديمقراطية الواجهة التي تلجأ إليها الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة من اجل الظهور بالمظهر "الديمقراطي" أمام العالم حتى يتغلغل مؤدلجوا الدين الإسلامي في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة من اجل استغلالها فيما بعد الانتخابات لتحقق أهداف أخرى غير تلك التي يعلنون عنها في برامجهم الانتخابية، و تتمثل بالخصوص في السعي إلى فرض استبداد بديل لاستبداد الطبقة الحاكمة.
3) و هم يرفضون تمتيع الناس بحقوق الإنسان كما هي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ، لأنها تعتبر في نظرهم غربية و كافرة و لأن كل من يناضل من اجل تحقيقها غربي و كافر لأنها تدعو إلى :
أ- التمتع بالحقوق الاقتصادية التي تعطي لكل واحد الحق في التمتع بدخل اقتصادي كاف لمواجهة متطلبات الحياة الاجتماعية كمتطلبات الأسرة و السكن، و التطبيب و الحماية الصحية و الحماية الاجتماعية، و ذلك لا يتم إلا برفع الأجور، و الزيادة في الفوائد التي يحصل عليها التجار الصغار و الفلاحون و الحرفيون حتى لا تبقى الفوائد متكدسة في حسابات و في جيوب قلة قليلة من المستغلين الرأسماليين. و مؤدلجو الدين الإسلامي يعتبرون العمل على تمتيع الناس بالحقوق الاقتصادية كما هي في المواثيق الدولية، تدخلا فيما هو خاص بالله تعالى، اعتمادا على ما جاء في القرءان " و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق". و لذلك فالمساواة في الحقوق الاقتصادية تقود إلى الكفر بالله باعتباره مصدر رزق الإنسان. و للمحافظة على الإيمان بالإسلام كما يؤول نصوصه مؤدلجو الدين الإسلامي يقتضي الكفر بضرورة التمتع بالحقوق الاقتصادية.
ب- التمتع بالحقوق الاجتماعية التي تكسب كل واحد حقه في التعليم و الصحة و السكن و غيرها مما يجعل الإنسان يندمج في المجتمع. و يضمن احترام كرامته و إنسانيته. ومؤدلجو الدين الإسلامي لا يرون ضرورة للتمتع بالحقوق الاجتماعية، لكونها غربية و لأنها تدفع الناس إلى تجاوز ما ورد في القرءان كما يؤولونه. و هو ما يعني أن التمتع بالحقوق الاجتماعية يجعل أمر الناس ينفلت من بين أيديهم فلا يجدون ما يستغلونه لدعوة الناس إلى القول بأن "الإسلام دين و دولة" و بأن "الدولة الإسلامية" هي التي تستطيع إيجاد الحلول لجميع المشاكل، لأن التمتع بالحقوق الاجتماعية كباقي الحقوق الأخرى، يكسب الناس وعيا معينا يحقق كرامتهم و يحفظ تلك الكرامة مما يقف عقبة أمام تأثير مؤدلجي الدين الإسلامي في الناس، ويشكل عائقا دون قدرتهم على تجييشهم.
ج- التمتع بالحقوق الثقافية التي تضمن تفاعل الناس مع مختلف المكونات الثقافية و بكامل الحرية سواء كانت محلية أو وافدة، و سواء كانت شرقية أو غربية ما دامت تمد المجتمع بالقيم الضرورية لحياة الناس من أجل ضمان بلورة الشخصية العامة للمجتمع و الشخصية الفردية لكل إنسان. و الحقوق الثقافية في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي غير واردة لأنهم لا يومنون إلا بثقافة واحدة هي ثقافة ادلجة الدين الإسلامي التي يسمونها "الثقافة الإسلامية" و لأنهم يعتبرونها غزوا ثقافيا للبلاد العربية التي تعاني من هذا "الغزو" الذي يجعل العرب ينساقون وراء الأفكار و الممارسات الغربية، فيصيرون كفارا و ملحدين. و الواقع أن مؤدلجي الدين الإسلامي إنما يسعون إلى سد الطريق أمام ثقافة اليسار التي تنبثق من صفوف كادحي الشعب العربي في تفاعلهم مع الثقافة التقدمية على المستوى القومي و على المستوى العالمي، كما يتبين ذلك من خلال معاداتهم لليسار، و لأيديولوجيته، و لممارسة مناضليه.
ه- الحقوق المدنية التي تجعل عنصر المساواة في الحياة المدنية بين الناس جميعا سواء تعلق الأمر بالذكور أو بالإناث لأنه لا فرق بين الناس "لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و أسود"و بين الرجال و النساء، لأنهم سواء في الحقوق و الواجبات، و أمام القانون مهما كان جنسهم، و مهما كانت الطبقة التي ينتمون إليها، و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذه الحقوق تتم اجرأتها على مستوى القوانين المعمول بها، و هو أمر يرفضه مؤدلجو الدين الإسلامي، لأنه في نظرهم يعتبر مخالفا لما جاء في القرءان الذي ينص على أن "الرجال قوامون على النساء" و يعتبر أن "الله فضل بعضكم على بعض في الرزق" و يدعو إلى العمل بقوله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" و هي نصوص تقود إلى أن التفاضل بين الناس واجب و أن قوامة الرجال على النساء واجبة، و أن كل من يدعو إلى المساواة كافر و ملحد، تجب محاربته لمخالفة الإسلام، و لما ورد في الكتاب و السنة. و الواقع أنه جاء مخالفا لأدلجة الدين الإسلامي التي تؤول نصوص الدين الإسلامي حسب ما تقتضيه المصلحة الطبقية للمؤدلجين ليس إلا. و ما تقتضيه تلك المصلحة يفرض عدم المساواة بين الناس، و بين الرجال و النساء، حتى تبقى الأفضلية لمؤدلجي الدين الإسلامي باعتبارهم "أهل الحل و العقد".
ه- تمتيع الناس بالحقوق السياسية التي تفرض التمتع بحق التعبير، و حق الانتماء الحزبي و النقابي و الجمعوي، و حق المشاركة السياسية، و حق تحمل المسؤوليات السياسية العامة، و حق إنشاء أحزاب سياسية معينة ... و هكذا. و مؤدلجوا الدين الإسلامي يرون أن التمتع بهذه الحقوق مخالف لما جاء به الإسلام، فالذين يمتلكون هذا الحق هم "أهل الحل و العقد" من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يحق لهم وحدهم الكلام باسم الله الذي "اختارهم" لهذه المهمة العظيمة. و لذلك فكل من مارس حقوقه السياسية من خارج "أهل الحل و العقد" فهو كافر".
و مع ذلك فإن مؤدلجي الدين الإسلامي يلجأون إلى احترام بنود المواثيق الدولية عندما يتعرضون لقمع معين، و عندما يصير احترام حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في صالحهم حتى يتمكنوا من التغلغل في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة التي توصلهم إلى مراكز القرار التي يستغلونها لفرض عدم احترام حقوق الإنسان لتناقضها مع ما جاء به "الإسلام" كما يؤوله مؤدلجوا الدين الإسلامي.
و نحن عندما أدرجنا حقوق الإنسان من ضمن الممارسة الديمقراطية فلأنها هي التنظيم الإجرائي لمضامين الديمقراطية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، التي بدونها لا يكون الحديث عن الديمقراطية أبدا. و لأنها هي المجال الذي يبرز فيه عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للديمقراطية. كما أنها هي المجال الذي يسعى إلى تحقيقه اليسار من خلال برامجه النضالية المرحلية و الاستراتيجية.
فهل تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية استجابة لرغبة اليسار . أم أنها ستبقى رهينة لأدلجة الدين الإسلامي ؟ و هل يمكن، و في ظل الشروط القائمة أن يقوم اليسار بدوره في هذا الاتجاه، و على المدى القريب و المتوسط و البعيد ؟
و انطلاقا من تحليلنا للعلاقة بين الديمقراطية و ادلجة الدين الإسلامي، فإننا نكون قد وصلنا إلى خلاصة أن الديمقراطية تتناقض جملة و تفصيلا مع ادلجة الدين الإسلامي، و أنه من المستحيل أن يكون مؤدلجو الدين الإسلامي ديمقراطيين، إلا إذا تعلق الأمر بحسابات سياسية ضيقة.

العلمانية و سد ادلجة الدين الإسلامي :
و ما رأيناه في علاقة الديمقراطية بادلجة الدين الإسلامي من تناقض يجعل الجمع بينهما مستحيلا. و هذه الاستحالة تكون اكثر ورودا و أكثر حدة في العلاقة بين العلمانية، و بين أدلجة الدين الإسلامي. فإذا كان مؤدلجو الدين الإسلامي ينتهزون فرصة الانخراط في ديمقراطية الواجهة، من اجل الوصول إلى مراكز القرار لفرض اخذ المؤسسات المختلفة بأدلجة الدين الإسلامي بطريقة "ديمقراطية" كما حصل في المغرب، و في الجزائر ، و في مصر، و في الأردن ، و في الكويت، فإنهم لا يقبلون أبدا، و بأي شكل من الأشكال أن يتعاملوا مع العلمانية "الكافرة" و "الملحدة" و الوافدة من الغرب، و غيرها من الصفات التي يلحقها مؤدلجو الدين الإسلامي بالعلمانية و العلمانيين، و بالدولة العلمانية.
فلماذا هذا العداء الذين يكنه مؤدلجو الدين الإسلامي على اختلاف مستوياتهم للعلمانية و العلمانيين ؟
ألم يرد في القرءان "لا إكراه في الدين" ؟
ألم يرد فيه " و أمرهم شورى بينهم " ؟
ألم يرد فيه "و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا " ؟
هل ورد في القرءان نص صريح يحدد طبيعة نظام الحكم ؟
هل ورد فيه نص يحدد طبيعة النظام الاقتصادي ؟ هل هو نظام عبودي ؟ هل هو نظام إقطاعي ؟ هل هو نظام رأسمالي ؟ هل هو نظام رأسمالي تبعي ؟ وهل هو نظام متعدد التشكيلات الاقتصادية –الاجتماعية؟ و هل هو نظام اشتراكي ؟
ألم يقل الرسول " الناس شركاء في ثلاث الماء و الهواء و الكلأ " ؟
أم يدع القرءان إلى إعمال العقل في كل شيء بما في ذلك النفس "و في أنفسكم أفلا تبصرون ؟" وفي القرءان "أفلا يتدبرون القرءان"
ألم يذهب أبو حنيفة و هو صاحب مذهب ، إلى انه إذا تعارض العقل مع النقل قدم العقل ؟
ألم تسيء التأويلات المختلفة التي تلغي عمل العقل إلى القرءان و إلى الدين الإسلامي نفسه ؟
ألم يكن النص القرءاني علمانيا ؟
فلماذا كان الرسول، و هو من هو، يستشير صحابته ؟ أليست تلك الاستشارة تعبيرا عن علمانية الدين الإسلامي ؟
فلماذا كان الصحابة يسألون الرسول، و هو في عز المعركة أهو الرأي أم الوحي يا رسول الله ؟ أليس إدراكا منهم لعلمانية الرسول ؟
فلماذا نزل قوله تعالى " و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبل الرسل" أليس أفضل تعبير عن علمانية الإسلام ؟
فلماذا قال عمر في عهده "إن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة" ؟
إننا عندما نتتبع ما ورد في القرءان و في الحديث الصحيح، و عندما ندقق فيه سنجد انه قائم على التفريق بين الدين و الدولة. و لعل افضل ما يمكن أن نقف عليه في القرءان و في سورة الجمعة "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون".
فهل يمكن أن تقوم علاقة بين مؤدلجي الدين الإسلامي و العلمانية ؟ و هل يمكن أن تصير ادلجة الدين الإسلامي علمانية ؟
إن مؤدلجي الدين الإسلامي، و منذ موت الرسول، ثم مقتل عثمان بن عفان و مقتل علي ابن أبى طالب، و هم يغرقون في ربط الدين بالسياسة و جعله مصدرا لكل المواقف السياسية، و يستنبطون الأحكام الفقهية بناء على هذا الأساس، و يسعون إلى جعل جميع مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ذات مصدر ديني، و يحاربون كل فكر ينحو إلى جعل الواقع مصدر تلك الأحكام. و المجتمع مصدر القرارات التي تهم جميع مناحي الحياة. و يعتبرون ذلك كفرا بالله تعالى، و مسا بشريعته في الأرض، و إساءة للدين.
و جميع الدول التي عرفها العرب في تاريخهم، و التي ارتكبت الكثير من الويلات في حق العرب هي دول قائمة على ادلجة الدين الإسلامي، و في الدول العربية الحديثة نجد نفس المنحى و كل دولة حاولت ان تكون علمانية بنسبة أو بأخرى فإنها تتلقى الويلات من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يستعدون عليها الشعوب من فرض تراجعها عن العلمانية، أو الإطاحة بها لاقامة دولة دينية مكانها.
و ما يجري الآن في العالم العربي ليس هو الصراع بين الدولة العلمانية و بين الساعين إلى إقامة الدولة الدينية. فما يجري ليس إلا تسابقا بين الدولة الدينية، و مؤدلجي الدين الاسلامي من أجل الانفراد بالشرعية الدينية. لأن كل مؤدلج للدين له مصالح معينة من تلك الادلجة. و ادلجة الدين صارت بمثابة الماء و الهواء بالنسبة للمستفيدين من السيطرة على أجهزة الدولة، و من الساعين إلى السيطرة على تلك الأجهزة على حد سواء.
و لذلك نجد سدا منيعا قائما على مدار القرون الخمسة عشر بين العلمانية من جهة، و ادلجة الدين الإسلامي من جهة أخرى. بحيث لا يمكن القبول بالدولة الدينية في ظل وجود العلمانية كما لا يمكن القبول بالدولة العلمانية في ظل سيطرة ادلجة الدين الإسلامي على سلوك المسلمين و عقولهم و ممارساتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، نظرا للتناقض المطلق الذي صار قائما بإرادة مؤدلجي الدين الإسلامي، بين الدين و العلمانية.
و نظرا للعلاقة العضوية القائمة بين العلمانية و الديمقراطية فإن من حقنا أن نطرح السؤال :
ألا يتناقض مؤدلجو الدين الاسلامي مع أنفسهم عندما ينخرطون في ديمقراطية الواجهة ليصيروا بذلك من ضمن علمانيي الواجهة ؟
إن مؤدلجي الدين الإسلامي الذين لا يمكن اعتبار ادلجتهم للدين الإسلامي إلا ممارسة أيديولوجية صرفة تكون مطبوعة بالممارسة الانتهازية المتناسبة مع صيغة البورجوازية الصغرى، لا تتورع أن تقبل بديمقراطية الواجهة، و بالعلمانية إذا كان ذلك يحقق تطلعاتها الطبقية لتتراجع بعد ذلك عن الديمقراطية و عن العلمانية، لاعادة إقامة السد المنيع بين العلمانية و بين ادلجة الدين الإسلامي.
أما الدين الإسلامي، و كما توحي بذلك الكثير من نصوصه، فهو دين يقبل بعلمانية الدولة لارتباطها بحياة الناس، ما داموا يمارسون طقوسهم الدينية بكامل الحرية و دون إكراه من أحد في مناخ من الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
ونحن في هذا الموضوع : موضوع علاقة العلمانية بادلجة الدين الإسلامي نرى أن من واجبنا أن نفرق بين أدلجة الدين الاسلامي التي لا تخدم إلا المصلحة الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي، و بين الدين الإسلامي الذي هو دين معظم أفراد المجتمع العربي، و الذي لا علاقة له أصلا بالمصالح الطبقية المتناقضة، و الذي لا تتناقض مضامينه مع العلمانية، لأنه في الأصل يدعو إلى العلم، و لأن العلم هو المدخل إلى العلمانية التي تفيد معنى بناء الدولة التي لا تستند في وجودها إلا إلى البشر الذين قد تختلف أديانهم و مذاهبهم الدينية في إطار الدين الواحد. مما يفرض تحييد الدين في أمور الدولة حتى نتجنب الصراعات الدينية الدينية و المذهبية المذهبية مما لا يعود إلا بالكوارث على الشعب العربي من المحيط إلى الخليج.

الديمقراطية و العلمانية، و خيار التلازم :
لقد أشرنا في معرض حديثنا عن العلاقة بين العلمانية و ادلجة الدين الإسلامي، و حسب ما اقتضاه السياق أن العلاقة بين العلمانية و الديمقراطية هي علاقة عضوية.
فما مصدر هذه العلاقة العضوية ؟ و لماذا كانت الديمقراطية ملازمة للعلمانية ؟ و لماذا كانت العلمانية ملازمة للديمقراطية ؟ إننا عندما نتحدث عن الديمقراطية، و عن نسيج المجتمع الديمقراطي، فإننا نجد أن الديمقراطية هي نتيجة لنظام سياسي معين يأخذ باختيارات ديمقراطية شعبية معينة نجدها في الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السياسة، ينشأ الناس على التربية عليها، يمارسونها في شؤونهم اليومية. تنشأ التنظيمات على احترامها، والنضال من أجل تحقيقها، و إذا تحققت تعمل على حمايتها حتى تصير متخللة لنسيج المجتمع عموديا و أفقيا. فإنها تكون شرطا لتحقق الحرية التي تقف وراء الانعتاق من اسر ادلجة الدين الإسلامي، لأنه بدون الحرية لا يتحرر المجتمع من اسر القيم المتخلفة التي تمنعنا من الرؤية إلى الأمام، و تشدنا إلى الخلف و تجعل الماضي المنقرض بكل قيمه و بقوة السلاح مثالا للحاضر.فالحرية هي البلسم لكل التوترات التي عاشتها البشرية وهي بلسم استعباد البشر للبشر ، و استعبادهم بواسطة الأرض في المجتمع الزراعي، و استعبادهم بواسطة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الصناعية. و هي لا تتم إلا بطرد الخوف و ممارسة الحقوق السياسية و النقابية، و العمل على تحسين الأوضاع المادية و المعنوية لعموم الجماهير الشعبية الكادحة. مما يعتبر مساهمة فعالة في النضال الديمقراطي الذي هو الطريق الأنجع إلى البناء الديمقراطي الذي ينفي من نسيج المجتمع ادلجة الدين الإسلامي التي تعطل الطاقات البشرية وتوقف الابداعات التي تنقل الواقع إلى الأحسن وبتحرر المجتمع من أدلجة الدين الاسلامي يصير علمانيا بدون عقد و بدون خوف من الإقدام على اتخاذ القرارات بعيدا عن اللاهوت المؤدلج.
و نحن عندما نصل إلى هذا المستوى من التحرر من ادلجة الدين الإسلامي، نستطيع حين ذلك أن نتحرر من الدولة المؤدلجة للدين الإسلامي، و نشرع مباشرة في بناء دولة الحق و القانون التي لا تنطلق من الغيب بقدر ما تنطلق من إرادة الإنسان المتمثلة في سعيه إلى تقرير مصيره الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و تقرير المصير يستهدف الدولة و نظامها و مؤسساتها و برامجها التي لا علاقة لها لا بالدين و لا هم يحزنون. فالدين لله، و الدولة للبشر حتى يصير ما لله لله و ما لقيصر لقيصر، كما يقولون.
وبهذه الصيغة التي توقفنا عليها كاستنتاج نكون قد بنينا الدولة العلمانية التي هي عينها الدولة الديمقراطية، و دولة الحق و القانون، و دولة المساواة بين الناس جميعا، لا فرق بين الرجل و المرأة، و لا بين الطبقات، و لا بين الأعراق، و لا بين الأديان و اللغات، و أمام القانون.
و في هذه الدولة ينفصل التعليم الديني عن التعليم العام ؟ و تصير ادلجة الدين غير واردة، لأنه يستحيل أن تعتمد تلك الادلجة التجييش في مجتمع تربى فيه الناس على الممارسة الديمقراطية في حياتهم اليومية، كما تربوا على الاعتماد على نضالهم، و من خلال إطاراتهم الحزبية و النقابية و الجمعوية، لتحقيق مكاسب مادية و معنوية و ديمقراطية على أن تكون أجهزة المؤسسات التي تحكمهم من اختيارهم هم، لا وجود هناك لممارسة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية لا ينتجها الإنسان، و لا يقررها بواسطة المؤسسات التشريعية، و التقريرية و لا ينفذها تحت إشراف أجهزة الدولة التنفيذية، كما لا يمكن أن تعتمد ادلجة الدين الإسلامي في بناء الدولة. لأن الدولة العلمانية تصير قائمة لتقطع الطريق أمام الدولة الدينية.
و انطلاقا من هذا التحليل المعمق و المركز نستطيع أن نقول إن العلاقة القائمة بين الديمقراطية و العلمانية تكون محكومة بخيار التلازم بحيث تكون الديمقراطية هي العلمانية، و العلمانية هي الديمقراطية لأن كلا منهما سيصير متخللا لنسيج المجتمع في نفس اللحظة، و في نفس الزمان و نفس المكان. و هذا التلازم هو ثمرة لاستنهاض جميع أفراد المجتمع اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و مدنيا و سياسيا بما يتناسب مع تطور التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و تطور الصناعة و التجارة و وسائل الإعلام و العمل على أن تعكس الدولة ذلك التطور الذي يستلزم أن تكون الدولة علمانية، و أن تكون ديمقراطية قبل أن تطور أداءها كأداة للسيطرة الطبقية التي تكون بدورها سيطرة ديمقراطية.
فهل تتاح لنا فرصة النضال من اجل الديمقراطية ؟ و هل تتحقق الديمقراطية فعلا في المجتمع العربي؟
هل يمكن أن تتحقق الدولة الديمقراطية في الوطن العربي و هل تصير الدولة الديمقراطية علمانية إن تحققت ؟
و هل يتشبع الناس بالممارسة العلمانية في المجتمع العربي ؟
و هل ينبذ الناس ادلجة الدين الإسلامي لإيقاف نزيف الدم الذي تقف وراءه ادلجة الدين الإسلامي ؟
أما عندما نحلم بطرح هذه الأسئلة، فإننا ندرك أن ادلجة الدين الإسلامي تخالط الماء و الهواء، و تجعل كل شيء يخالط كل شيء حتى تصير الجامعة مؤسسة دينية، و المعمل مؤسسة دينية، و و النقابة مؤسسة دينية، و الحزب مؤسسة دينية. و أن الدولة نفسها صارت مؤسسة دينية. و لذلك فنحن ندرك إلى أي حد يستحيل قيام الدولة العلمانية في الوطن العربي لأن الإسلام ينبذ العلمانية، بل لأن أدلجة الدين الإسلامي هي التي تنبذ العلمانية. و نذكر كذلك أهمية الديمقراطية كمطلب جماهيري عربي، و أهمية النضال من اجل الديمقراطية في استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة، و دور الديمقراطية في جعل العلمانية تتسرب إلى نسيج المجتمع، و هو ما يجعلنا نستمر في الحلم.
ديمقراطية الواجهة و أدلجة الدين :
و مؤدلجو الدين الإسلامي صاروا مهووسين بديمقراطية الواجهة باعتبارها ديمقراطية مزيفة و متخلفة، و ديمقراطية الرأسمال التبعي، الذي أدى إلى استقطاب الرأي العام الدولي، من أجل جلب الاستثمارات الأجنبية الدولية، و من اجل تسهيل أمر القروض المسلمة من صندوق النقد الدولي. و هذه الديمقراطية التي سميناها في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في المغرب بديمقراطية الواجهة . تسمح بعمالة الأحزاب و النقابات و أحزاب مؤدلجي الدين الإسلامي للطبقة الحاكمة و للنظام القائم في كل بلد عربي على حدة، و المشاركة في تلك الديمقراطية مقابل ما يتلقاه من دعم و تأييد من قبل الطبقة الحاكمة في كل بلد كما حصل في المغرب، و في الجزائر، و في مصر، و في اليمن، و في الكويت، وفي الأردن حيث تعود مؤدلجو الدين الإسلامي على استغلال ديمقراطية الواجهة.
فلماذا يستغل مؤدلجوا الدين الإسلامي ديمقراطية الواجهة ؟
و هل صاروا مقتنعين بالممارسة الديمقراطية فعلا ؟
و ما هي الأهداف التي يحققونها من وراء ذلك ؟
إن استغلال مؤدلجي الدين الإسلامي لديمقراطية الواجهة يرجع إلى طبيعة الممارسة الانتهازية التي تحكم مؤدلجي الدين الإسلامي ذوي الطبيعة البورجوازية الصغرى الذين يستغلون التزوير و ديمقراطية الواجهة لإلغاء الديمقراطية الحقيقية التي لا تكون إلا من الشعب و إلى الشعب.
فمؤدلجو الدين الإسلامي في البلاد العربية يقبلون بالدساتير اللاديمقراطية و اللاشعبية، و يعتبرونها دساتير شرعية لا لشيء إلا لكونها في معظم الأحيان تكون قائمة على ادلجة الدين الإسلامي، مما يجعلها دساتير إسلامية.
و مؤدلجو الدين يقبلون بالقوائم الانتخابية المزورة و بالقوانين الانتخابية الخالية من الضمانات الكافية ضد التزوير، و بشروط إجراء الانتخابات، و بالجهات التي تشرف عليها من بدايتها إلى نهايتها. و يقومون بشراء الضمائر كما تفعل الأحزاب الإقطاعية، و البورجوازية التابعة و البورجوازية لعلمها مسبقا أن الطبقة الحاكمة تتحكم في النتائج و في توزيعها على الأحزاب المشاركة.
و مؤدلجو الدين الإسلامي يقبلون بالتواجد في المؤسسات المنتخبة لإيهام الناس انهم يجاهدون من اجل تسخير تلك المؤسسات لفرض تطبيق الشريعة الإسلامية.
و بذلك يتبين أن مشاركة مؤدلجي الدين الإسلامي ينخرطون في ديمقراطية الواجهة، و دون أي شرط يذكر ، و بشروط الطبقة الحاكمة، و نزولا عند رغبتها حتى تنال نصيبها من العطاء الطعم الذي يقدم لجميع الأحزاب من اجل استغلاله في ترويج ادلجة الدين الإسلامي في المجتمع العربي لرفع قيمة اسهم مؤدلجي الدين الإسلامي في الانتخابات المقبلة.
فهل تستيقظ الجماهير العربية و تدرك اللعبة الحقيرة لليمين المتطرف ؟
أما كون مؤدلجي الدين الإسلامي يقبلون بالديمقراطية فأمر غير وارد إطلاقا، لكون ادلجة الدين الإسلامي تسحب من الإنسان كل إمكانية الاختيار، وترهن ما يخصه بإرادة مؤدلجي الدين الإسلامي الذين ينوبون عن الله في الأرض، و يوجهون مصير الإنسان بدعوى إعداده ليوم القيامة. و من كان هذا مذهبه، و هذا توجهه، لا يمكن إن يكون قابلا بالديمقراطية حتى و إن انخرط فيها بشكل من الأشكال.
أما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها مؤدلجوا الدين الإسلامي فتتمثل في :
1) الوصول إلى المؤسسات التمثيلية لاستغلالها في تصريف ادلجة الدين الإسلامي، و فرض القرارات المتناسبة مع تلك الادلجة و بطريقة قانونية على جميع أفراد المجتمع.
2) الوصول إلى وجدان الناس و التمكن من قلوبهم و الزيادة في تجييشهم عن طريق تلك المؤسسات، و إكساب الشرعية الجماهيرية لممارسة مؤدلجي الدين الإسلامي.
3) استغلال المؤسسات التمثيلية لتحقيق التطلعات الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي، كما يفعل جميع من يقبل المشاركة في ديمقراطية الواجهة. لأن المؤسسات التمثيلية في البلدان العربية تعتبر سلما لتحقيق المصالح الطبقية، و لخدمة تلك المصالح وحمايتها طيلة التواجد في تلك المؤسسات التي تمكن مسؤوليها بالدرجة الأولى من التصرف المطلق في أمور المجتمع كامتداد للسلطة المطلقة القائمة في كل بلد على حدة.
و الذي يعرفه الدارس للواقع العربي أن ديمقراطية الواجهة، هي مجرد ديمقراطية شكلية، لا تهدف إلى تمكين الشعب العربي في كل بلد عربي من تقرير مصيره الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. لأن هذا المصير مقرر سلفا من قبل الطبقات الحاكمة وفق ما تقتضيه تبعيتها للمؤسسات الدولية. فلا يوجد نظام واحد ناتج عن الاختيار الحر و النزيه في إطار انتخابات حرة و نزيهة و لا يوجد اقتصاد متبع في بلد معين للمواطنين فيه رأي، و لا يوجد تعليم يستجيب لحاجيات الشعب في كل بلد عربي، فكل شيء مفروض من الأعلى. لتصير ديمقراطية الواجهة مجرد وسيلة لاعطاء الشرعية الوطنية و الدولية لكل الممارسات التي تقوم بها الطبقة الحاكمة، و سائر عملائها من الأحزاب و باقي التنظيمات التي لا علاقة لها بالديمقراطية التي لا تكون إلا من الشعب وإلى الشعب، و انخراط مؤدلجي الدين الإسلامي في ديمقراطية الواجهة هو اكبر دليل على أنهم غير ديمقراطيين.

الدولة الأصولية و استحالة العلمانية :
و هنا نصل إلى أن استحالة تحقيق الديمقراطية في البلاد العربية لابد أن يكون محكوما بخلفية معينة، و هذه الخلفية قد تكون :
1) طبيعة الطبقة الحاكمة في كل بلد على حدة، فالطبقة الحاكمة التي لا تكون إلا مستبدة لا يمكن أن تكون ديمقراطية مهما كانت التلوينات "الديمقراطية"التي تدعيها.
2) كون معظم الأحزاب المنخرطة في الانتخابات في كل بلد عربي على حدة مؤدلجة للدين الإسلامي بنسبة أو بأخرى. و نحن نعرف أنه كلما حضرت ادلجة الدين الإسلامي يحضر الاستبداد و نهاية الديمقراطية.
3) كون المجتمع العربي يعاني من الجوع و الفقر و المرض و الأمية و كل مظاهر التخلف الأخرى التي تجعل حاجيات الشعوب كثيرة و مكلفة للطبقة الحاكمة في حالة السماح بتحقيق الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب.
4) كون الطبقات الحاكمة في كل البلدان العربية اغتنت بطرق غير طبيعية. فهي إما صنيعة السلطة القائمة في كل بلد على حدة عن طريق تقديم الامتيازات تلو الامتيازات. و إما ناتجة عن استغلال النفوذ للإثراء السريع. و إما ناتجة عن الاشتغال في الأمور المحرمة كالاتجار في السلاح، أو في المخدرات، أو بسبب الانتماء إلي إحدى العائلات الحاكمة. و لذلك فالبورجوازيات الحاكمة هي بورجوازيات غير شرعية. و لذلك فهي لا تكون ديمقراطية. لأن الديمقراطية الحقيقية تتناقض مع مصالحها.
و هذه العوامل مجتمعة لا تنتج لنا إلا عقلية متخلفة، و غير ديمقراطية. و كنتيجة لهذه العقلية فإن اللجوء إلى ادلجة الدين الإسلامي من قبل الطبقات الحاكمة، و من قبل معظم الأحزاب العميلة لها بغرض تضليل الكادحين يصبح هو السمة المميزة للممارسة السياسة في البلاد العربية. و من الطبيعي جدا أن يفرض مؤدلجوا الدين الإسلامي قيام الدولة الأصولية أو تحويل الدولة القائمة إلى دولة أصولية.
و نحن عندما نرتبط بالدولة الأصولية في البلاد العربية، فإننا نجد الأبواب موصدة أمام إمكانية قيام الدولة الديمقراطية، لأن الديمقراطية و الأصولية لا يلتقيان. و إذا كانت الممارسة الديمقراطية هي المدخل الطبيعي لعلمانية المجتمع، و الأحزاب والنقابات و الجمعيات والدولة. فإن الدولة الأصولية لا تسمح بقيام ديمقراطية حقيقية. و إذا قبلت بالديمقراطية و تحت ضغط الأحزاب الديمقراطية، و المنظمات الحقوقية في البلاد العربية، فإنها لا تتجاوز أن تكون ديمقراطية الواجهة الموجهة للاستهلاك الخارجي بالدرجة الأولى لأنه في ديمقراطية الواجهة لا يتم الحسم مع أصولية الدولة التي تصير جزءا من أصولية الأحزاب و المنظمات الجماهيرية و المجتمع ككل. و هذه الأصولية التي تتخذ من الماضي مثالا يتم فرض اتباعه، وبقوة القانون في جميع البلاد العربية تصير مصدرا ل :
1) سيادة كل أشكال الاستبداد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي التي تغرق المجتمع في التخلف المادي و المعنوي و العلمي و الفكري و الأيديولوجي الذي يحول دون الانطلاق في عملية التحول الشاملة لكل مظاهر الواقع.
2) النبش في الماضي لايجاد مبرر لممارسة تخلف الحاضر باعتبار ذلك الماضي هو الأصل، و الحاضر هو الفرع. فالماضي متقدم و متطور، و الحاضر متخلف، و لا عبرة لما يحصل فيه من تطور اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي. لأن أي تطور هو نتاج مثال الماضي، أو هو بدعة عندما يتعلق بالأفكار و الأيديولوجيات التي تتناقض مع سيادة الأصولية.
3) الاشتغال على ادلجة الدين الإسلامي دولة و أحزابا و توجهات مؤدلجة للدين الإسلامي من اجل إكساب الشرعية الدينية لممارسة الأحزاب، و ممارسات التوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، و تضليل الكادحين.
وانطلاقا مما رأيناه، فإن الدولة الأصولية اللاديمقراطية المؤدلجة للدين الإسلامي تقود حربا إعلامية ضد العلمانية التي تصير كفرا و إلحادا، و تعمل على محاصرة العلمانيين في كل البلاد العربية، وبكافة الوسائل. و يلجأ مؤدلجوا الدين الإسلامي المتطرفون إلى إهدار دم العلمانيين حتى لا تقوم لهم قائمة كما يحصل في المغرب، و في الجزائر، و في مصر، وفي الأردن و في غيرها من البلاد العربية.
و على هذا الأساس، فالدولة الأصولية هي دولة غير ديمقراطية و بالتالي فهي دولة غير علمانية، و بما أنها تحارب الديمقراطية فهي أيضا تحارب العلمانية . و بما أنها ضد الأفكار المتنورة التي قد تقود إلى الأخذ بالعلمانية، فإنها تفرض قيام المجتمع المغلق على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و إذا وجدنا مظاهر الحداثة في البلاد العربية المحكومة من قبل الدول الأصولية من المحيط إلى الخليج. فإن تلك الحداثة ناتجة عن تحويل المجتمعات العربية إلى مجتمعات استهلاكية بحكم تبعية الدول الأصولية في البلاد العربية إلى الدول الرأسمالية المستبدة بالعالم.
و الخلاصة التي نصل إليها هي استحالة قيام العلمانية في ظل الدولة الأصولية لأنها تشكل مسا بمصالح الطبقات الحاكمة في البلاد العربية مهما كانت أصولية الدولة معتدلة.
و هنا نصل إلى طرح السؤال :
لماذا لا تسمح الأنظمة العربية بعلمانية الدولة ؟
إننا بتتبعنا لتطور المجتمع العربي منذ ظهور الإسلام و إلى الآن سنجد أن النظام العربي اللاديمقراطي و اللاشعبي يراوح مكانه، فهو نظام لا يحكم بإرادة الشعب. بقدر ما يحكم اعتمادا على قوة السلاح التي تصير إليه، و كل من يخالفه يكون مآله القتل، لأنه يصير نظاما مقدسا، فوق المعارضة و فوق النقد، و فوق التقويم فهو مصدر كل شيء يعمل على أن يستمد قداسته من ادلجة الدين الإسلامي التي تصير دينا، و يوظف لأجل ذلك جيشا من المؤدلجين الذين يستميتون من اجل إرضاء الطبقات الحاكمة المتحكمة في أجهزة الدولة العربية. و تلك القداسة التي تكرس استعباد الدولة للسكان أنى كان جنسهم أو لونهم أو عقيدتهم في البلاد العربية.
و الأنظمة العربية التي تؤدلج الدين الإسلامي، و تصبغ على نفسها القداسة، و لا تسمح بالديمقراطية، لا يمكن أن تسمح أبدا بعلمانية الدولة لاعتبارات نذكر منها :
1) أن ادلجة الدين الإسلامي تتناقض مع العلمانية.
2) أن الدولة المؤدلجة للدين الإسلامي تتحول إلى دولة دينية، و الدولة الدينية لا يمكن أن تصير علمانية.
3) أن الدولة العلمانية تصير ديمقراطية تتناقض مع مصالح الطبقات الحاكمة في البلاد العربية. و لذلك فتلك الطبقات لا تسمح بعلمانية الدولة.
4) تخلف المجتمع العربي على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو ما يقتضي عدم السماح بعلمانية الدولة حتى لا تصير وسيلة لاستنهاض المقهورين و المظلومين ضد الطبقات الحاكمة.
5) التسابق بين الدولة و الأحزاب، و اليمين المتطرف حول اكتساب الشرعية الدينية عن طريق الإغراق في ادلجة الدين الإسلامي.
و لذلك نجد أن الأنظمة العربية لا تسمح بعلمانية الدولة حتى تضمن تأبيد سيطرة الطبقة الحاكمة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و حتى تبقى أجهزة الدولة الأصولية متحكمة في كل شيء.
و هذا الاستنتاج الذي وصلنا إليه هو الذي يدعونا إلى طرح السؤال :
لماذا لا تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية ؟
إن المجتمع العربي، و كباقي المجتمعات البشرية، وفي كل مكان من العالم، لا يتوقف عن التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، كما لا يتوقف عن التفاعل مع مختلف القيم المحلية و القومية و العلمية و الدينية التي تساهم بشكل كبير في بلورة الشخصية الاجتماعية و الفردية المتحولة باستمرار، بفعل القيم المتحولة بدورها باستمرار. و هو ما يعني أن البنيات التحتية بقيمها في المجتمع العربي تغيرت و تتغير باستمرار. فهل يوازي هذا التغير في البنيات التحتية تغير في البنيات الفوقية ؟ هل تغيرت عقلية الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي ؟ و هل تغيرت أيديولوجيتها و نظام حكمها ؟ و هل تغيرت الأحزاب القائمة و العميلة للطبقة الحاكمة، و المنخرطة في تكريس ديمقراطية الواجهة ؟
إن الذي نعرفه أن أي تحول في البنيات التحتية ينتج بالضرورة تحولا في البنيات الفوقية. و نظرا لأن التحول الذي عرفه المجتمع العربي هو تطور غير طبيعي بفعل التدخل الاستعماري التقليدي، و التدخل الاستعماري الجديد، و بفعل املاءات صندوق النقد الدولي ، و البنك الدولي ، و المؤسسات المالية الدولية. فإن البنيات الفوقية لا تكون متناسبة أبدا مع طبيعة البنيات التحتية. لكون البنيات صنيعة استعمارية تقليدية من جهة، و صنيعة استعمارية جديدة من جهة ثانية، و صنيعة إملاءات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و الشركات العابرة للقارات من جهة ثالثة. و صنيعة الإقطاع المتخلف و البورجوازية المتخلفة من جهة رابعة. و لذلك فالأنظمة العربية باعتبارها بنيات فوقية ترعى مصلحة الطبقات الحاكمة و مصلحة المؤسسات المالية الدولية، و الشركات العابرة للقارات، و مصلحة الدول الكبرى التي تستنزف خيرات البشرية، لا يمكن أن تكون إلا في تكريس استبداد الدولة، و إقبار كل الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي يمكن أن تنحو بالمجتمع إلى المطالبة بالممارسة الديمقراطية حتى يبقى المجتمع و مؤسساته، و الدولة في خدمة الطبقة الحاكمة في كل بلد من البلدان العربية، لأن الديمقراطية إن تحققت فعلا فإنها قد تضر، أو تأتي على مصالح الطبقة الحاكمة لتحل محلها خدمة مصالح الكادحين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هو ما لا تريده الأنظمة العربية ذات الطبيعة الاستبدادية المؤدلجة للدين الإسلامي.
و بناء على ذلك : فهل يمكن أن تتحقق الديمقراطية بدون علمانية ؟ و هل يمكن أن تتحقق دولة علمانية غير ديمقراطية ؟
إن ما رأيناه من خلال تعاطينا مع الموضوع في الفقرات السابقة يقودنا إلى القول بأن النظام العربي المتمثل في الأنظمة العربية القائمة هو نظام استبدادي لا ديمقراطي، و لا شعبي حتى و إن كان يدعي الديمقراطية التي رأينا أنها لا تتجاوز أن تكون ديمقراطية الواجهة الموجهة للاستهلاك الخارجي و التي لا تلغي الدولة الدينية، و لا تنتج الممارسة العلمانية في مسلكيات الأفراد و المجتمعات و الأحزاب و المنظمات النقابية و الجمعوية. و مادام الأمر كذلك فالنظام الاستبدادي يستحيل أن يكون علمانيا. و بما أن الديمقراطية الحقيقية و العلمانية مستلزمتان في التحقق، فهما مستلزمتان كذلك في الاستحالة. لأنه إذا استحال تحقيق الديمقراطية، يستحيل كذلك تحقيق الدولة الديمقراطية. لأن استبداد النظام العربي يستمد قوته من ثلاث مستويات :
المستوى الأول : ادلجة الدين الإسلامي التي تعم نسيج المجتمع و تتسابق من اجلها مختلف التنظيمات النقابية و الجمعوية، و توظف الدولة لأجلها في كل بلد عربي جيشا من المؤدلجين الذين لا يتورعون عن إعلان توظيف الدين لخدمة مصالحهم و مصالح الطبقة الحاكمة.
و المستوى الثاني : التخلف الذي يعم معظم الشرائح الاجتماعية من المحيط إلى الخليج، و هو ما يجعل هذه الجماهير مرشحة للقيام بأي شيء غير محسوب. خاصة و أن هذه الجماهير غير مؤطرة حزبيا، أو نقابيا، أو جمعويا، و هو أمر مخيف بالنسبة للنظام العربي. و لذلك فالاستبداد بواقع الجماهير الكادحة في الوطن العربي يبقى قائما.
و المستوى الثالث : هو الامتثال لتعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و الشركات العابرة للقارات. و تلك التعليمات يؤدي الالتزام بها إلى إلحاق الكثير من المآسي بالكادحين، و ينتج في صفوفهم كافة أشكال الحرمان المادي و المعنوي، و لذلك كان لابد للنظام العربي أن يكون ضد أية حركة احتجاجية جماهيرية كنتيجة لعمق معاناة الجماهير من تنفيذ تلك التعليمات.



تحقيق الديمقراطية و فرض العلمانية مهمة يسارية :
و بوصولنا إلى هذا المستوى من التحليل نجد أنفسنا أمام مجموعة من التساؤلات التي تفرض نفسها علينا، و إلا فإننا سنجد أنفسنا أمام تقرير واقع لا يتغير. و نحن نسعى إلى تفكيكه من اجل تغييره. و من هذه التساؤلات نجد :
هل يمكن أن تتحقق الديمقراطية في البلاد العربية ؟
هل يمكن أن تتحقق الدولة العلمانية ؟
و من هي الجهة التي تناضل في هذا الاتجاه ؟ هل هو حزب الإقطاع ؟ هل هو حزب البورجوازية التابعة ؟ هل هو حزب البورجوازية الصغرى ؟ هل هو حزب اليسار ؟ هل هو حزب اليمين المتطرف ؟ هل هو حزب اليسار المغامر ؟
إننا عندما نمعن النظر في التعبيرات الطبقية للأحزاب المختلفة سنجد أن كل حزب و انطلاقا من أيديولوجيته المعبرة عن مصالح الطبقة التي يتكلم باسمها، يحاول أن يوهم جميع أفراد المجتمع بأن المصلحة الطبقية لتلك الطبقة هي مصلحة جميع أفراد المجتمع. و الواقع أن أي حزب لا يناضل، و لا يتحرك إلا من اجل تحقيق المصالح الطبقية لطبقة معينة. أما الطبقات الأخرى فإنها تصاب بالتضليل الأيديولوجي الذي يعمي بصيرتها. فلا ترى ما يمارس عليها من استغلال اقتصادي و أيديولوجي وسياسي تحت غطاء المصلحة العامة و النضال من أجل الحرية و الديمقراطية و أشياء أخرى. و الحزب الوحيد الذي يسعى إلى تحقيق الدولة الديمقراطية، ودولة الحق و القانون و الدولة العلمانية هو حزب اليسار الذي هو حزب الطبقة العاملة الذي يقتنع بأيديولوجية الاشتراكية العلمية كمنهج و كهدف.
و لذلك، فنحن عندما نتتبع عمل هذا الحزب سنجد أنه يسعى إلى تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي انطلاقا من برنامج نضالي مرحلي محدد. كما يسعى إلى وجود دستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة تمكن من إيجاد مؤسسات تعكس إرادة المواطنين في كل بلد عربي على حدة، كما يسعى إلى ملاءمة القوانين مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. و تكوين حكومة من أغلبية البرلمان تكون مسؤولة أمامه، وصولا إلى قيام دولة الحق و القانون التي تجسد التطبيق الفعلي و العملي للديمقراطية من الشعب و إلى الشعب، و دولة كهذه لا يمكن أن تكون إلا علمانية.
إلا أن حزب اليسار في مثل وضعنا العربي لا يمكن أن يتحمل هذه المسؤولية، و لا يدعي أنه يستطيع تحمل مثل هذه المسؤولية وحده. و لذلك فهو يدعو جميع الأحزاب و التنظيمات النقابية و الجمعوية إلى إقامة جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية الحقيقية التي لا تكون إلا من الشعب و إلى الشعب. فالجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية هي الإطار الذي يكون صالحا للنضال المشترك من اجل التحقيق الفعلي و العملي للبرنامج النضالي المشترك.
و المشكلة الكبيرة التي نعاني منها كثيرا في مجتمعنا العربي هي أن الحصار الذي تضربه الطبقات الحاكمة في بلداننا العربية من المحيط إلى الخليج ، تساهم فيه كل الأحزاب و المنظمات المنخرطة فيما أسميناه في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي المغربي ب"ديمقراطية الواجهة" التي لا تعني الشعوب العربية بقدر ما تعني الجهات الخارجية. بالإضافة إلى الحصار الجماهيري الذي يقوده مؤدلجو الدين الإسلامي المنتجون للأيديولوجية الظلامية التي تقيم سدا منيعا أمام الفكر التنويري، و أمام انبعاث الوعي الطبقي الحقيقي في مستوياته الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية. و هي مشكلة يجب على اليسار ايلاؤها الأولوية اللازمة من اجل تفكيكها تفكيكا علميا دقيقا، و وضع برنامج للنضال في أفق تجاوز الحصار المضروب و جعل مختلف التنظيمات الديمقراطية و التقدمية و الجماهيرية تنخرط في العمل الجبهوي الذي بدونه لا يمكن تعديل أو قلب ميزان القوى لصالح الجماهير الشعبية الكادحة.
ونحن عندما نذهب إلى أن اليسار وحده هو المرشح لقيادة النضال من اجل تحقيق الدولة الديمقراطية. و الدولة العلمانية التي هي في نفس الوقت دولة الحق و القانون، فلأننا ندرك عدم تصنيع المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج بما فيه الكفاية، و بما تقتضيه الحاجة إلى التخفيف من حدة البطالة المتفشية في المجتمع العربي بشكل مهول، سيجعل الشرائح البورجوازية الصغرى المريضة بالتطلعات الطبقية لتحقيق مصالحها، و حماية تلك المصالح لا يمكن أن تنتج إلا أحزابا بورجوازية صغرى انتهازية تمارس العمالة الطبقية من بابها الواسع و توظفها الطبقات الحاكمة لمحاصرة اليسار. لذلك نجد أن اليسار يعاني من حصار واسع و شامل قد ينتقل إلى الطبقة العاملة المعنية بالدرجة الأولى بنضال حزب اليسار من المحيط إلى الخليج. و نحن لا نستغرب هذا الحصار، كما لا نستغرب أن تمارسه الجماهير الشعبية الكادحة نظرا لعدم تجذر الوعي الطبقي جملة و تفصيلا حتى تبقى الجماهير الشعبية الكادحة مجالا لاشاعة ادلجة الدين الإسلامي التي تشرعن استغلالها من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي. و من قبل الإقطاعيين و البورجوازيين على مختلف المستويات البورجوازية و في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و هكذا...

أزمة اليسار – أزمة الواقع :
و إذا كان الحزب اليساري الحقيقي الذي هو حزب الطبقة العاملة هو المؤهل تاريخيا لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي تتجسد مجتمعة في دولة الحق و القانون. فهل هذا الحزب اليساري مستعد لإنجاز هذه المهمة التاريخية و المرحلية في نفس الوقت ؟
هل هو مستعد لاقامة تحالف سياسي كتعبير عن التحالف الطبقي القائم في المجتمع ؟
هل يستطيع بناء تنظيم ينسجم مع أيديولوجية الاشتراكية العلمية الواضحة ؟
هل يعلن عن مواقف سياسية واضحة و معبرة عن طموحات الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة ؟
هل يعتمد في صياغة تلك المواقف على القواعد العربية ؟
هل يرتبط مناضلوه بالكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة ؟
و الواقع أن أزمة المجتمع العربي هي أزمة بنيات تحتية، فلا شيء يعرف تطورا طبيعيا. فالاقتصاد العربي عرف تحولا سريعا بفعل الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية ثم بفعل الاستعمار الجديد، و قيام أنظمة تابعة، و ظهور تشكيلة اقتصادية تسود فيها طبقات اجتماعية هي نتيجة للتدخل الأجنبي، و للاستعمار بنوعيه القديم و الجديد، و بتبعية الأنظمة التي تطبق تعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي التي ترهن البلاد العربية لخدمة الدين الخارجي و كل المؤسسات المالية الدولة. و بتمكين الشركات العابرة للقارات من نهب الخيرات المادية و المعنوية للبلاد العربية الغنية بالبترول و بالفوسفاط، و بالثروات الزراعية و بالبشر في نفس الوقت.
فأزمة التطور غير الطبيعي في المجتمع العربي أنتجت لنا بورجوازية تابعة بعقلية زراعية، و بتفكير زراعي، و بانشداد على مستوى العادات و التقاليد و الأعراف إلى الماضي. و لكن في نفس الوقت تتقمص عادات و تقاليد و أعراف الغرب. و كذلك لا نستغرب لجوء البورجوازية العربية إلى استهلاك آخر ما أنتجه الغرب، و لكن في نفس الوقت تصرف أموالا طائلة للنبش في الماضي الذي يسمونه "التراث" من اجل إيجاد مبرر لاصالة البورجوازية التابعة المهووسة بمعرفة اصلها، و التي صارت بورجوازية بدون خوض للصراع الطبقي الذي يؤهلها للسيادة. أما السيطرة على أجهزة الدولة فهي صنيعة للاستعمار و لصندوق النقد الدولي و البنك الدولي، وللشركات العابرة للقارات، و التبعية للاستعمار. و لذلك فوفاؤها لأولياء نعمتها كان منذ البداية رهينا باستغلالها الهمجي للخيرات المادية والمعنوية لصالحها من جهة، ولصالح أولياء نعمتها من جهة أخرى. و لتأبيد ذلك الاستغلال توظف أجهزة الدولة لممارسة القمع الهمجي على المجتمع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى لا يكون هناك وعي بممارساتها، و إدراك مخططاتها و حتى يسود القبول المطلق بكل ما تفعله هذه البورجوازية المستند في شرعيته إلى العقلية الزراعية التي تسميها هذه البورجوازية ب"الدين الإسلامي" الذي ليس إلا ادلجة لهذا الدين بما يتناسب مع ما تريده هذه البورجوازية، و ما تريده الجهات الخارجية التي وقفت وراء وجود هذه البورجوازية نفسها.
و أزمة التطور غير الطبيعي في المجتمع العربي أنتجت لنا طبقة عاملة بعقلية زراعية تغرق في النبش في دفاتر الظلام من اجل الخلاص من الاستغلال الهمجي الذي تعاني منه، و هي طبقة عاملة وافدة من المحيط القروي الغارق في ظلام القرون الوسطى على المدن، و إقامة أحياء عشوائية على الهوامش، و تقبل العمل بأي أجر مهما كان متدنيا، و تقبل القيام بأي عمل لافتقادها التأهيل. و نظرا لأصولها الزراعية، فالطبقة العاملة العربية لم تحسم مع تطلعات الفلاحين في تنمية الموارد الزراعية، التي تحولت إلى أجور تستثمر من اجل تحقيق تطلعات الفلاحين التي تحولت إلى تطلعات بورجوازية صغرى. وهي تطلعات تقود إلى ممارسة العمالة إلى البورجوازية التابعة، و القبول بشروط العمل معها مهما كانت قاسية، و إن اقتضى الحال بحرمانها من حقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و تتجند لوصول البورجوازية التابعة إلى مراكز القرار التي تعتبر معبرا للسيطرة على أجهزة الدولة أو التأثير على سياستها في الحدود الدنيا. تنبذ وعيها الطبقي الحقيقي باعتباره يؤدي إلى فقدانها لعملها، و تنبذ أيديولوجيتها الاشتراكية العلمية باعتبارها كفرا و إلحادا وتساهم في التضييق على الاشتراكيين العلميين باعتبارهم كفرة و ملحدين، يقبلون بادلجة الدين الإسلامي و بإشاعتها فيما بينهم من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي، يرفضون الانتظام في النقابات و في الأحزاب، وفي الجمعيات خوفا من مخالفة البورجوازية التابعة، و لإرضاء مؤدلجي الدين الإسلامي تبقى الطبقة العاملة في المجتمع العربي غير قادرة على الانعتاق من اسر الاستغلال الهمجي الذي تتعرض له كما أنها غير قادرة على الانعتاق الأيديولوجي، و غير قادرة على امتلاك وعيها الطبقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يقودها إلى امتلاك وعيها الأيديولوجي الذي يربطها بحزب الطبقة العاملة و يدفعها إلى الانتظام في النقابات و الجمعيات و غيرها من التنظيمات التي تقودها إلى تحسين أوضاعها المادية و المعنوية، و تجعلها تدرك أهمية التنظيم في حزب الطبقة العاملة الذي هو حزب اليسار.
و أزمة التطور غير الطبيعي التي عرفها المجتمع العربي قادت إلى وجود طبقة وسطى متضخمة و بالنسبة إلى الطبقة البورجوازية ذات العقلية الإقطاعية الزراعية المتخلفة. فهذه الطبقة الوسطى التي يندرج في إطارها المختصون في مختلف الوظائف، و التجار الصغار، و الحرفيون و الفلاحون تجعل المجتمع و بحكم تأثيرها فيه، حاملا لمختلف الأمراض التي تحملها بحكم طبيعتها الطبقة الوسطى. فمعظم أفراد المجتمع مرضى بالتطلع البورجوازي، و معظمهم يفضلون التضليل الأيديولوجي، و يرفضون الانتظام في الأحزاب السياسية المختلفة بما فيها أحزاب البورجوازية الصغرى و معظمهم يمارس الارشاء و الارتشاء لتحقيق التطلعات الآنية، و لخدمة المصالح الفردية و حماية تلك المصالح، و معظمهم يفضلون ممارسة العمالة للطبقة الحاكمة و للسلطة القائمة، و معظمهم يمارس العمالة لأجهزة الدولة، و معظمهم يمارس الانتظارية، و التوفيقية و التلفيقية في الفكر و الممارسة حتى يتحقق في شخصه " لا إلى هؤلاء، و لا إلى هؤلاء". يعتبر ادلجة الدين الإسلامي هي الإسلام الحقيقي. و عندما يصير الواقع عنيدا أمام تحقيق تطلعاتها الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية تمارس كل أشكال التطرف في اتجاه اليمين، أو في اتجاه اليسار. فتلعب دور التشويش على الأحزاب اليمينية بالانحسار وراء مؤدلجي الدين الإسلامي المتطرفين الذين يشيعون الوهم بين أفراد الطبقة الوسطى بأن الإسلام هو الحل، و بالتالي على هذه الطبقة أن "تجاهد" من أجل تحقيق "الدولة الإسلامية" التي تعمل على "تطبيق الشريعة الإسلامية" و أن تحارب "الملحدين" و "الكفرة" و "الشيوعيين" و كل من يخرج عن "الدين الإسلامي" و يرفض "تطبيق الشريعة الإسلامية"..الخ. كما تلعب دور التشويش على اليسار برفع شعارات التطرف اليساري، و باعتماد التجارب اليسارية الخاصة كالتجربة اللينينية أو الماوية التي لا علاقة لها بالواقع العربي، أو يعتمدون التيارات المذهبية التي عرفتها التجارب الاشتراكية في العالم من اجل جعل اليسار الحقيقي غير قادر على لعب دور معين، و محدد يمكنه من تنظيم الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة، و قيادة نضالاتها المطلبية و السياسية.
و هذه الطبقة الوسطى، و بحكم استغلالها لكل المناسبات لتحقيق تطلعاتها الطبقية، و لكونها تملك الإمكانيات الفكرية و الأيديولوجية و السياسية. فإنها تستطيع التسرب إلى جميع الأحزاب، و قيادتها. و لذلك نجد أن المنتمين إلى الطبقة الوسطى يصلون إلى قيادة اليسار، و أن هذه القيادة تتعدد فصائلها. و أن أيديولوجية كل فصيل تختلف عن أيديولوجية فصيل آخر. و هذا الاختلاف هو الذي يشيع الوهم بأنه توجد أزمة في صفوف اليسار العربي و هذه الأزمة هي في الواقع أزمة المجتمع العربي الذي لم يعرف تطورا طبيعيا. فافرز بسبب غياب التطور الطبيعي نخبة مأزومة، تنقل أزمتها إلى جميع الأحزاب التي تصل فيها إلى القيادة سواء تعلق الأمر بالأحزاب اليمينية المتطرفة، أو الأحزاب اليمينية أو أحزاب الوسط، أو أحزاب اليسار، أو أحزاب اليسار المتطرف. و لذلك فأزمة اليسار هي جزء من الأزمة العامة التي عرفها المجتمع العربي في تطوره غير الطبيعي لتتحول تلك الأزمة إلى أزمة أيديولوجية، و أزمة تنظيمية، و أزمة سياسية. و نحن عندما نركز على أزمة اليسار، فلأنه هو وحده المعني بالنضال الديمقراطي من جهة، و قيادة الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة في ذلك النضال، و تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و إقامة دولة الحق القانون التي لا يمكن أن تكون ديمقراطية و علمانية في نفس الوقت من جهة أخرى. أما اليمين المتطرف، و اليمين و الوسط و اليسار المتطرف فلا يعرف إلا كيف يعرقل عمل اليسار، حتى لا يقوم بدوره كاملا لصالح الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.
و طبيعة أزمة المجتمع العربي و من ضمنها أزمة اليسار العربي تختلف من بلد عربي إلى بلد عربي آخر، بسبب الاختلاف في طبيعة التطور و الشروط الموضوعية التي تحكم ذلك التطور في كل بلد على حدة.
و لذلك فنحن عندما نتكلم عن أزمة اليسار لابد أن نستحضر الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المتأزمة على المستوى العربي، ولابد أن نعتبر ازمة اليسار و تنوعها و عمقها نتيجة طبيعية لتلك الازمة العامة و امتدادا لها، و لابد كذلك أن نعتبر أن تجاوز أزمة اليسار العربي يأتي و يتم ضمن خطة عامة تستهدف تجاوز الأزمة الحادة للأوضاع العامة، و في ظل تفعيل البرامج الحزبية المختلفة و من ضمنها برنامج حزب اليسار الذي يجب أن يكون اكثر تأثيرا.
فما هي حقيقة أزمة اليسار ؟ و ما مظاهر هذه الأزمة ؟ و ما هي تجلياتها في علاقتها بالواقع ؟
إن حقيقة أزمة اليسار، تكمن في اليسار نفسه، الذي لا يحرص على الوضوح الأيديولوجي و السياسي و التنظيمي لأن ذلك الوضوح هو الذي يكسبه صفة اليسار، و إلا فإنه سيكون غائبا عن الواقع، و عاجزا عن الفعل فيه بسبب الضبابية التي تحيط به أيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا. و تتمظهر أزمة اليسار في عدة مستويات نذكر منها :
1) الطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين لتنظيمات اليسار العربي، و هذه الطبيعة تقتضي أن المنتمين إلى اليسار العربي يتميزون بالتذبذب الأيديولوجي الذي جعل المناضل اليساري المقتنع بأيديولوجية اليسار الاشتراكية العلمية لا يحسم مع الأيديولوجيات الأخرى، كأيديولوجية الإقطاع و الأيديولوجية البورجوازية الصغرى، و أيديولوجية اليمين المتطرف و اليسار المتطرف. و لذلك فهو يعاني من الازدواجية في فكره، و في ممارسته، و في نضاله، و في علاقاته الاجتماعية. و هذه الازدواجية تجعله راغبا في التنظيم و لكنه لا يلتزم به، يريد التغيير و لكنه لا يسعى إليه، فهو تقدمي على مستوى الانتماء رجعي على مستوى الممارسة ، مادي في منطلقاته الأيديولوجية، مثالي في ممارسته الدينية، يسعى إلى جعل ملكية وسائل الإنتاج اجتماعية، و لكنه يساهم في تكريس الملكية الفردية لتلك الوسائل. و هذا التذبذب لا يتوقف عند حدود الممارسة الفردية، بل ينتقل إلى الممارسة الحزبية.
فهو يسعى إلى جعل الاقتناع بالاشتراكية العلمية قائما إلى جانب الاقتناع بادلجة الدين الإسلامي، و بجعل النموذج الخارجي للتنظيم الحزبي اليساري مثالا يقتدي به الحزب اليساري في البلاد العربية و هكذا.
و هو يسعى إلى تجاوز الصيغة التنظيمية اليسارية التي تصير في نظره منغلقة، و استبدالها بصيغة منفتحة. و ساعية إلى ربط الحزب بأوسع الجماهير، و هو في الواقع لا يسعى إلا إلى جعل التنظيم الحزبي يحقق تطلعاته البورجوازية التي تقتضي تجاوز الصيغة التنظيمية التي تستلزم المحاسبة الفردية و الجماعية، و ممارسة النقد و النقد الذاتي، و الالتزام بما تقتضيه المركزية الديمقراطية، و هي أمور غير موجودة في التنظيمات الحزبية الأخرى.
و هو يسعى إلى أن يكون الموقف السياسي دون اتجاه مختلف القضايا المطروحة على الساحة الوطنية و القومية و الدولية حتى لا تثير المواقف الصحيحة حفيظة الأطراف الأخرى التي لا يحسم معها البورجوازي الصغير. و لذلك فعلى اليسار أن يكون صارما في قبول الانتماء إليه حتى لا يتواجد في صفوفه من يسيء إلى التنظيم الحزبي اليساري. فالبورجوازيون الصغار الذين لا يحسمون مع تذبذب البورجوازية الصغرى، أي لا يتخلون عن كونهم بورجوازيين صغار، يجب أن لا يقبلوا في التنظيم حتى لا يسيؤوا إليه مستقبلا.
2) الأزمة الأيديولوجية لليسار الناتجة عن التشرذم الذي يعاني منه بسبب الطبيعة البورجوازية الصغرى التي تقف وراء الانقسامات الحادة في صفوف اليسار بسبب الاختلاف القائم في التصور الأيديولوجي الذي لم يعد قادرا على أن يكون اشتراكيا علميا انطلاقا من القوانين العلمية للمادية التاريخية و المادية الجدلية بقدرما صار منطلقا من التجربة اللينينية، أو التجربة الماوية، او التجربة الهوشيمنية، أو الكوبية، كونها اعتمدت على الاشتراكية العلمية في تحليل واقع روسيا أو الصين أو الفيتنام او كوبا لامتلاك نظرية علمية عن ذلك الواقع و اعتمادها في وضع البرامج النضالية التي قادت إلى تحقيق أنظمة اشتراكية في روسيا، و في الصين، و في الفيتنام، و في كوبا، و حتى في كوريا الشمالية، و لكن الذي نريد الوصول إليه هو أن نقل التجارب من اجل تطبيقها على البلاد العربية يتناقض مع التحليل الاشتراكي العلمي الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل بلد على حدة. و بالتالي فالتحليل الاشتراكي العلمي يقود إلى بناء نظرية معينة في بلد معين. أما نقل التجربة فيجعل اليسار عاجزا تمام العجز عن امتلاك تلك النظرية. فيراوح نفسه حتى يتلاشى كما حصل في العديد من التنظيمات التي لا تمتلك شرعية الانتماء إلى الاشتراكية العلمية بإعراضها عن الاكتفاء باعتماد القوانين العلمية للاشتراكية، و لا تمتلك شرعية الواقع لاستيرادها تجارب طبقت في مناطق مختلفة، و في أزمنة مختلفة من اجل تطبيقها في البلاد العربية. و من الطبيعي جدا أن يكون ذلك التطبيق مرفوضا.
ولتجاوز الأزمة الأيديولوجية لليسار يجب الحرص على الوحدة الأيديولوجية بين فصائل اليسار العربية المتمثلة في الاقتناع بالاشتراكية العلمية كمنهج و كهدف، و ما سوى ذلك يجب اعتباره كتجارب يستفيد اليسار العربي من دروسها حتى يستثمر الإيجابيات و يتجنب السلبيات و يقف على عناصر التطور الاشتراكي العلمي في كل تجربة على حدة.
فهل يقوم اليسار العربي بدراسة هذه النقطة بالخصوص باعتبارها عنصرا من عناصر أزمة اليسار ؟ أم أنه سيعتبر التعدد الأيديولوجي مسألة مشروعة في البلاد العربية ؟
إن أملنا أن يستعيد اليسار العربي عافيته الأيديولوجية حتى يستعيد وحدته التنظيمية، و السياسية، و البرنامجية و النضالية التي هي الشرط الأساسي و الضروري لمواجهة المخططات الرجعية المتخلفة التي تستهدف تأبيد استغلال الجماهير الشعبية الكادحة كما تستهدف محاصرة اليسار في الوطن العربي.
3) الأزمة التنظيمية لتنظيمات اليسار التي تتميز تبعا لتعدد الأيديولوجيات.
و إذا كانت الأيديولوجية الاشتراكية العلمية تقتضي وجود تنظيم يساري منسجم معها في كل بلد عربي على حدة، فإن الأيديولوجيات القائمة على التجارب الاشتراكية المنجزة في البلدان التي تحققت فيها الاشتراكية بشكل أو بآخر، استلزمت قيام تنظيمات قائمة على تصورات منجزة في تلك البلدان يتم استنساخها لتطبيقه على التنظيمات الحزبية اليسارية العربية.
و هذا التعدد في التصورات التنظيمية قاد إلى قيام تنظيمات يسارية مختلفة بسبب الاختلاف في الأيديولوجية الذي قد يكون اشتراكيا علميا، و قد يكون قائما على أساس استنساخ تجربة من التجارب.
و التعدد الحزبي اليساري في كل بلد من البلاد العربية يترتب عنه اختلاف البرامج المرحلية، و الاختلاف في الأولويات و الاختلاف كذلك في الأهداف الاستراتيجية.
وهذا الاختلاف لابد أن يقود إلى قيام أزمة يسارية عربية كامتداد للازمة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية القائمة في المجتمع. و التي تنتج بالضرورة الاستمرار في الانقسامات المتوالية في صفوف اليسار الذي يفتقد بوصلة توجيه اليسار في الاتجاه الصحيح، فتشرع في ممارسة الصراع على بعضها البعض أيديولوجيا، و تنظيميا و سياسيا. و صراع من هذا النوع يعتبر صراعا غير مشروع، وغير طبيعي، و غير علمي لأن تنظيمات اليسار قد ينتمي أعضاؤها إلى نفس الطبقة. و بما أن الصراع لا يكون إلا طبقيا، فإن الصراع الطبقي وحده يكون مشروعا، أما الصراع بين الأحزاب اليسارية على مستوى كل بلد عربي على حدة، أو على مستوى الوطن العربي ككل فلا يزيد إلا من تعميق أزمة اليسار.
و حتى يتجاوز اليسار أزمته التنظيمية فإن على الأحزاب اليسارية أن تفتح حوارا فيما بينها من اجل إيجاد تصور مشترك قائم على وحدة الأيديولوجية التي تؤدي إلى ذوبان الأحزاب اليسارية في تنظيم واحد قوي يستطيع إنجاز المهام المرحلية بامتياز. و يستمر في نضاله إلى أن تتحقق الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية في كل بلد عربي على حدة و على مستوى البلاد العربية.
فهل ترقى الأحزاب اليسارية إلى مستوى فتح الحوار فيما بينها من اجل تجاوز الأزمة التنظيمية ؟
و هل تتوحد أحزاب اليسار في تنظيم واحد و قوي ؟
إن الواقع العربي الذي يزداد ترديا، يفرض وجود مبادرات في هذا الاتجاه على مستوى كل بلد على حدة، من اجل يسار واحد بأيديولوجية واحدة، و بتنظيم حزبي واحد.
4) الأزمة السياسية لتنظيمات اليسار، و التي تتجسد في اختلاف مواقف الأحزاب اليسارية في البلاد العربية من مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و من الطبقات الحاكمة و من بعضها البعض. و اختلاف هذه المواقف مسألة طبيعية بالنسبة إلينا نظرا للاختلاف القائم على المستوى الأيديولوجي و التنظيمي. و إذا كان الاختلاف الأيديولوجي و التنظيمي لا يخص إلا اليسار، و لا يهم إلا العلاقة بين أحزابه، فإن الاختلاف في المواقف السياسية ينقل الأزمة إلى العلاقة مع الجماهير الشعبية الكادحة المستهدفة ببرامج اليسار و بمواقفه السياسية. لأن اختلاف هذه المواقف حول نفس القضية يجعل الجماهير الشعبية الكادحة مشوشة و فاقدة للثقة في الأحزاب اليسارية و مرتمية في أحضان الرجعية، لوضوح رجعيتها، و لوحدة مواقفها السياسية تجاه قضايا بعينها.
و هذا التناقض الذي يدخل فيه اليسار على المستوى السياسي بسبب التناقض التنظيمي الناتج عن التناقض الأيديولوجي ينقل الأزمة إلى العلاقة مع الجماهير الشعبية التي تعتمد الخلاف السياسي بين أحزاب اليسار لتتبنى كل ما تروجه الطبقات الحاكمة و الأحزاب الرجعية المتخلفة بما فيها أحزاب البورجوازية الصغرى، و أحزاب اليمين المتطرف و تعتبر أن اليسار "ملحدا" و "كافرا" تجب محاربته، و التصدي له حتى لا يجلب للبلاد العربية "الخطر الشيوعي" الذي يهدد المصير العربي بالكثير من "الأخطار". و الجماهير الشعبية الكادحة في الوطن العربي عندما تعتنق المواقف المعادية لليسار تدخل معه في تناقض سافر، و تمارس ضده صراعا غير مشروع. لأن أي صراع تقوم به الجماهير الشعبية الكادحة ضد اليسار، إنما هو صراع ضد نفسها، لأن المفروض أن تصارع الجماهير الشعبية الكادحة بقيادة اليسار، و إلى جانبه ضد الطبقات التي تمارس الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي على الجماهير الشعبية الكادحة، من اجل الوصول إلى التخفيف من حدة ذلك الاستغلال، و من اجل القضاء عليه.
فما العمل من اجل تجاوز أزمة العلاقة مع الجماهير الشعبية الكادحة بسبب الاختلاف في المواقف السياسية من مختلف القضايا التي تهم تلك الجماهير ؟
إن أزمة اليسار في الواقع العربي هي أزمة شاملة لا يمكن تجاوزها إلا باللجوء إلى فتح حوار واسع بين الأحزاب اليسارية في البلد العربي الواحد، و على مستوى جميع البلاد العربية من اجل اعتماد الآليات المختلفة المساعدة على تجاوز الأزمة الأيديولوجية و الأزمة التنظيمية ثم الأزمة السياسية. و من هذه الآليات التي أصبحت شرطا لاستمرار اليسار في الوجود.
1) التنسيق بين الأحزاب اليسارية على مستوى البلد العربي الواحد و على مستوى البلاد العربية لتوحيد المواقف السياسية تجاه مختلف القضايا الوطنية و القومية،و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل مد الجسور في العلاقة مع الجماهير.
2) إنشاء هيئة إعلامية يسارية تكون مفتوحة أمام مختلف الرؤى و التصورات من إخضاعها للنقاش الجماهيري الواسع و من اجل الخروج بخلاصات مشتركة حول مختلف التصورات الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية تساعد على إمكانية إقامة تحالف معين بين أحزاب اليسار في البلاد العربية.
3) إنشاء قيادة مشتركة بين الأحزاب اليسارية تقوم بوضع برنامج للعمل، و نظام داخلي بين الأحزاب اليسارية، و قيادة العمل المشترك، و التنسيق في مختلف القضايا. و هذه القيادة تكون مقدمة لاقامة جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية الحقيقية، و إقامة مؤسسات تمثيلية حقيقية انطلاقا من وضع دستور ديمقراطي.
4) إنشاء هيئات تنسيقية موازية لتنسيق جهود اليسار في الإطارات الجماهيرية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى لا تقوم أحزاب اليسار بمواقف متناقضة تنعكس على الإطارات الجماهيرية من جهة وعلى العلاقة مع الجماهير الشعبية الكادحة من جهة أخرى.
و هذه الخطوات التنسيقية أصبحت ضرورية في هذه المرحلة نظرا للتحول العميق الذي تعرفه المجتمعات العربية في ظل سيادة عولمة اقتصاد السوق التي تنعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للجماهير الشعبية الكادحة في البلاد العربية. و ضرورتها تأتي من حاجة الجماهير إلى يسار موحد، و قادر على قيادة الصراع ضد اليمين و اليمين المتطرف، و ضد البورجوازية الصغرى الحربائية و المتلونة التي فقدت قيمتها بسبب ذلك، و بسبب اختياراتها المتمثلة في التحاقها بكتلة الطبقات المستغلة ، و مساهمتها في تعميق الاستغلال الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و بذلك يستطيع اليسار استعادة عافيته التي تعتبر شرطا لتجاوز أزمته التي تصير ضرورية لقيام وحدة أيديولوجية عن طريق إعادة الاعتبار للاشتراكية العلمية. و اعتبار التجارب الاشتراكية مجرد تجارب أنجزت في خصوصيات مختلفة ومع أمكنة مختلفة وفي أزمنة مختلفة. يمكن الاستفادة من إيجابياتها و سلبياتها. وصولا إلى ضرورة إقامة وحدة تنظيمية منسجمة مع الوحدة الأيديولوجية تذوب في إطارها التنظيمات اليسارية المختلفة التي تتوحد مواقفها السياسية في موقف واحد يصدر عن الحزب اليساري الجديد الواحد.
فهل يرقى اليسار إلى مستوى الوحدة الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية باعتبارها الوسيلة التي تمكن من تجاوز أزمة اليسار العربي القائمة على مستوى كل بلد عربي، و على مستوى جميع البلدان العربية ؟
إن على كل حزب يساري يحرص على ببناء اليسار العربي و على استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة أن يعمل في هذا الاتجاه حتى يتم تجاوز الأزمة على مستوى النظرية، و على مستوى الممارسة.
5) علاقة اليسار بالواقع التي تأخذ مستويات مختلف نظرا لاختلاف العناصر الفاعلة في الواقع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و نحن سنقتصر هنا على علاقة اليسار بالأحزاب السياسية ، و بالنقابات، و بالجمعيات الحقوقية و الثقافية و التربوية و الترفيهية و بالمنظمات الحقوقية باعتبارها فاعلة و متفاعلة مع الواقع بكل تجلياته :
أ- فعلاقة اليسار مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي على اختلاف مستويات تلك الادلجة، و الغاية منها هي علاقة تناقض تفرض صراعا تناحريا، لا وجود فيه لشيء اسمه الديمقراطية. لأن التيارات المؤدلجة للدين الإسلامي لا تومن بالديمقراطية بقدرما تستغلها لتحقيق أهدافها المتمثلة في إشاعة ادلجة الدين الإسلامي في المجتمع التي تخدم مصالحها الطبقية، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و صراع اليسار ضد التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي يقتضي التمييز بين الدين الإسلامي كدين يومن به الناس في المجتمع العربي كما يومنون بأديان أخرى، و بين ادلجة الدين الإسلامي. كما يقتضي التمييز بين مستويات ادلجة الدين الإسلامي، حتى لا يسقط اليسار في محاربة الدين الإسلامي الذي يدخله مباشرة في مواجهة الجماهير الشعبية الكادحة التي نشأت على الإيمان بالدين الإسلامي.
و صراع اليسار ضد التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي التي تجعل هذا الدين و مقاصده وسيلة لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي الطبقية ، كل من موقعه، و درجة ادلجته للدين يقتضي إخضاع تلك الادلجة و التفكيك، و تعرية الخلفيات التي تحكمها، و الغاية منها. و ما يترتب عنها من تحريف للدين الإسلامي الذي هو دين الجماهير الشعبية الكادحة. لأن ذلك التشريح الذي لا يلجأ إليه اليسار هو المدخل لتحرير الدين من الأيديولوجية الذي يعتبر مدخلا لفصل الدين عن الدولة. و لذلك فتشريح أدلجة الدين الإسلامي و بالتحليل العلمي الدقيق الذي هو الوسيلة للكشف عن خطورة أدلجة الدين الإسلامي على المسلمين أنفسهم و على البلاد العربية. و العمل على توعية الناس بخطورة تلك الادلجة التي تغرق المجتمع العربي في متاهات الظلام. تعتبر مهمة يسارية بامتياز، و بالتحليل العلمي الهادف للواقع المستهدف بأدلجة الدين الإسلامي، و معرفة الآليات التي يجب اتباعها للوصول إلى اكتساب اليسار لثقة الجماهير الشعبية الكادحة في نبذ تلك الادلجة، و تمييزها عن الدين الإسلامي.
و على اليسار أن يراعي في تشريحه للدين الإسلامي أن معظم الأحزاب ترتزق من تلك الادلجة، و تساهم فيها إلى جانب الدولة في كل بلد عربي حتى ينازعوا مؤدلجي الدين الإسلامي في الكلام باسم الدين حتى لا يغفل هذه المسألة. بمعنى أن عليه أن يصارع كل من يلجأ إلى تلك الادلجة لاستغلال الجماهير لخدمة المصالح الطبقية.
و قيام اليسار بتشريح تلك الادلجة لا يعني أبدا ممارسته لادلجة الدين الإسلامي، أو لحمايته. لأن الدين الإسلامي ليس في حاجة إلى تلك الحماية، بل لأن التشريح يستهدف الادلجة في حد ذاتها نظرا للدور التضليلي الذي تلعبه تلك الادلجة. و هو ما لا يستطيع اليسار إغفاله من حساباته الأيديولوجية و السياسية.
ب- أما علاقة اليسار بأحزاب البورجوازية الصغرى فتقتضي التعامل مع هذه الأحزاب على أنها توفيقية و تلفيقية تأخذ من أيديولوجية الإقطاع،و أيديولوجية البورجوازية، و من ادلجة الدين الإسلامي، و من أيديولوجية اليسار ما يناسبها و تضع تصورات تنظيمية هلامية تجعل كل توجه حزبي يعتقد أنه يتناسب معه، كما تجعل كل الطبقات الاجتماعية تتوهم أن الاحزاب البوجوزية الصغرى هي المناسبة للانخراط فيها ، وتتخذ مواقف سياسية تحاول أن تكون وسطية حتى ترضي الطبقة الحاكمة جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى. و تتجنب أن تكون في مواجهة مع مباشرة مع الطبقة الحاكمة حتى تعتقد الطبقة الحاكمة أنها هي الأصلح على جميع المستويات سواء تعلق الأمر بالتواجد في المؤسسات التمثيلية، أو بالحكومة.
و اليسار عندما يربط علاقة مع هذه الأحزاب فإن عليه أن يستحضر أنها ذات طبيعة انتهازية، و أن هذه الانتهازية تقودها إلى ادعاء أن تتبني الاشتراكية العلمية حتى تجعل اليسار يتوهم أنها فعلا أحزاب يسارية. و أنه يمكن التحالف في إطار الجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية، و هي في الواقع إنما تفعل ذلك لجعل اليساريين يلتحقون بها، و من اجل الوصول إلى تنظيم الكادحين بصفوفها، و إيهام الطبقة العاملة بأنها هي التي ستحقق الاشتراكية المتمثلة في الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. و الواقع أنها تسعى إلى تحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى و المتوسطة التي تنتظم في صفوفها و المتمثلة بالخصوص في قياداتها. أما الكادحون و طليعتهم الطبقة العاملة فليسوا إلا معبرا لتحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى حتى تصعد البورجوازية الصغرى و المتوسطة إلى جانب الإقطاع و البورجوازية التابعة و البورجوازية.
و لذلك فاليسار العربي يجد نفسه محرجا في علاقته مع أحزاب البورجوازية الصغرى التي تتحرك وسط قطاع عريض يتضخم باستمرار، و من واجبه أن يعيد النظر في تلك العلاقة، و في اختيار أحزاب البورجوازية الصغرى أحزابا يسارية ، لأن تجارب أحزاب البوجوازية الصغرى في البلاد العربية اثبت بامتياز أنها يمينية، و يمينيتها هي التي تختار في اللحظات النضالية الحرجة الانحياز إلى جانب الطبقات الحاكمة في الوطن العربي. فتفرز من بين صفوفها من يرفض ذلك الانحياز، و من يستمر في تبني الاشتراكية العلمية فعلا. و من يناضل إلى جانب الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة و يسعى إلى تحقيق الديمقراطية و بضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، ديمقراطية من الشعب و إلى الشعب. و هذه الأحزاب اليسارية المنبثقة عن أحزاب البورجوازية الصغرى هي التي يمكن أن تصنف إلى جانب اليسار لوضوحها الأيديولوجي، و التنظيمي، و السياسي. و هي التي تصير جزءا منه، و هي التي يتم التنسيق معها في إطار جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية، و هي التي يمكن أن يتحقق معها الاندماج الأيديولوجي و التنظيمي و السياسي لبناء حزب يساري كبير فعلا أيديولوجيا و تنظيميا، و مواقف سياسية في كل بلد عربي على حدة، و على مستوى البلاد العربية ككل.
و بذلك يتبين أن العلاقة مع الأحزاب البورجوازية الصغرى يجب أن تكون على أساس الوضوح الأيديولوجي و السياسي و التنظيمي. حتى يعمل ذلك الوضوح على التسريع بالإفراز الأيديولوجي، و التنظيمي و السياسي في اتجاه اليسار.
ج- و بالنسبة للعلاقة مع أحزاب البورجوازية، فإن علينا أن نميز بين نوعين من هذه الأحزاب : أحزاب البورجوازية التابعة، و الأحزاب البورجوازية.
فأحزاب البورجوازية التابعة ذات الأصول الإقطاعية و الوسيطة بين الرأسمالية المحلية و الرأسمالية العالمية. تستقي أيديولوجيتها من أيديولوجية الإقطاع و من أيديولوجيات البورجوازية العالمية، و من ادلجة الدين الإسلامي لاكساب الشرعية لممارستها الهمجية في استغلال الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.
و علاقة اليسار مع هذا الشكل من البورجوازية هي علاقة تناقض. و قيادة الصراع ضد هذه البورجوازية يعتبر مهمة يسارية بامتياز، لأن هذه البورجوازية. و نظرا لشراسة استغلالها لا يمكن ابدا أن تعتبر ديمقراطية، لأن الديمقراطية بالنسبة إليها غير واردة. و إذا مارستها، فإنها لا تتجاوز أن تكون ديمقراطية الواجهة الموجهة للاستهلاك الخارجي و التي لا علاقة لها بالديمقراطية الحقيقية التي تتحقق في إطار النضال الذي تخوضه الشعوب في البلاد العربية من المحيط إلى الخليج، و بجميع الإمكانيات المتوفرة الحزبية و النقابية و الجمعوية.
و لوضع حد لممارسة هذه البورجوازية لابد من سعي اليسار إلى إيجاد دستور ديمقراطي من الشعب و إلى الشعب، ، و لابد من إيجاد مؤسسات تمثيلية تعبر فعلا عن احترام إرادة الشعوب، و إيجاد حكومة من أغلبية البرلمان تقوم بتطبيق القوانين التي يسعى اليسار إلى ملاءمتها مع المواثيق الدولية لأن مكتسبات مثل هذه تتناقض جملة و تفصيلا مع المصالح الطبقية البورجوازية التابعة التي تسعى أحزابها إلى حمايتها و تأبيد خدمتها، و قطع الطريق أمام إمكانية قيام ديمقراطية حقيقية.
أما أحزاب البورجوازية فتسعى إلى تكريس الليبرالية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و هي بالتالي تشيع الحرية و الديمقراطية بمفهومها البورجوازي الليبرالي و هي حرية و ديمقراطية يمكن أن يوظفها اليسار و أن يعمل على تحويلها إلى ديمقراطية حقيقية. لكن بورجوازية من هذا النوع لا تستطيع المحافظة على مصالحها الليبرالية و لا على أيديولوجيتها بسبب همجية البورجوازية التابعة التي تلتهم حتى البورجوازية الليبرالية . و لذلك فهي تفضل الاندماج معها، و تعمل على تحويل أحزابها إلى أحزاب للبورجوازية التابعة حتى تتقي شرها. و تسمح لها بالاستفادة من الواقع بما يخدم مصالحها حفاظا على استمرارها في التواجد في الواقع العربي، و تبعا للتحول الذي عرفته البورجوازية الليبرالية، فإن اليسار بدوره يغير موقفه منها و يتعامل معها على أنها غير ديمقراطية فيشملها ما يشمل البورجوازية التابعة.
د- و بالنسبة للعلاقة مع الأحزاب الإقطاعية، فإن حزب اليسار يتعامل معها على أنها مؤدلجة للدين الإسلامي و موظفة للفكر الخرافي، الذي يعمي أبصار الناس عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يسود فيه الإقطاع أو شبه الإقطاع. و تعمل على حماية مصالح الإقطاعيين و أشباه الإقطاعيين، و تسعى إلى إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية-الزراعية- التي تسمح بخدمة مصالح الإقطاع و حمايتها حتى يستمر الإقطاعيون في استغلالهم للفلاحين المعدمين المتواجدين على ارض الواقع العربي من المحيط إلى الخليج.
و اليسار عندما يتعامل مع الأحزاب الإقطاعية فإنه يخضع أيديولوجيتها، و تصورها التنظيمي إلى المناقشة و التحليل من اجل جعل الناس يدركون خطورة استمرار الإقطاعيين، و الفكر الإقطاعي و الممارسة الإقطاعية الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية على تطور المجتمع العربي.
و اليسار عندما يتصدى للإقطاع، فلأنه يسعى إلى تحديث المجتمع و تحويل بنياته الاقتصادية القائمة على سيادة الزراعة إلى بنيات اقتصادية قائمة على الصناعة الحديثة و المتطورة حتى في الزراعة نفسها التي تتحول إلى زراعة صناعية متطورة تعتمد على توظيف الآليات الحديثة. و العمل على تغيير عقلية المجتمع الزراعية التي تحل محلها عقلية متقدمة و متطورة تعكس التحول القائم في المجتمع.
و عمل من هذا النوع يعمل اليسار على إنجازه، لابد أن ينتج طبقة عاملة، و مجتمعا صناعيا قد تكون ملكية وسائل الإنتاج فيه جماعية، و سيعمل على منافسة الدول الأخرى في الإنتاج الصناعي الذي ستكون جودته عالية مما يجعل الإقبال على استهلاكه في جميع أنحاء العالم واردا.
و إذا تم تحديث المجتمع الزراعي و تحويله إلى مجتمع صناعي فإن الإقطاع سيتراجع إلى الوراء وسيندثر على المستوى الأيديولوجي، و التنظيمي، و سيصبح حزب الإقطاع مجرد حزب صوري.
فهل تقوم أحزاب اليسار بدورها كاملا تجاه الأحزاب الإقطاعية ؟
و هل تعمل على زوالها بزوال البنيات التي تقوم عليها ؟
إن الأحزاب اليسارية في البلاد العربية مطالبة الآن بإعادة النظر في مجمل ممارستها الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية حتى تدخل في اعتبار مجمل مكونات المجتمع العربي و تدرك ما يجب عمله لاحداث تغيير شامل في الواقع العربي في اتجاه التحديث الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حتي ينضج اليسار العربي شروط وجوده أولا و شروط استمراره ثانيا، و شروط سيادته ثالثا. و هي مراحل ضرورية و أساسية في نضال اليسار ضد الإقطاع و ضد الأحزاب الإقطاعية.
فهل ينتبه اليسار إلى ضرورة العمل على إنضاج الشروط الذاتية و الموضوعية لوجوده، و استمراره و سيادته ؟
ه- علاقة اليسار بالنقابة، أو بالتنظيمات النقابية القائمة في كل بلد عربي على حدة ، أو في مجموع البلاد العربية. تلك العلاقة التي يحرص اليسار على أن تكون مبدئية محكومة بالمبادئ الأربعة الديمقراطية و التقدمية و الجماهيرية و الاستقلالية التي تجعل النقابة مستقلة عن الحزب، و تجعل الحزب لا يحشر انفه في أمور النقابة حتى لا يتسبب في عرقلة العمل النقابي كما تفعل الأحزاب الإقطاعية و البورجوازية و البورجوازية الصغرى، و المؤدلجة للدين الإسلامي التي تنشئ نقابات تابعة لها أو تعمل على إلحاق النقابات القائمة بها حتى توظفها في استقطاب النقابيين إلى الحزب، و في جعل الأجراء يعطون أصواتهم للحزب في الانتخابات المختلفة التي تعرفها البلاد العربية بين فترة و أخرى.
و نظرا لأن معظم أحزاب اليسار العربي من المحيط إلى الخليج تعاني معظم قياداتها من أمراض البورجوازية الصغرى فإنها هي أيضا تسيء إما إلى جعل المنظمات النقابة تابعة لها، أو جعلها مجرد تنظيمات حزبية. و إذا لم تستطع ذلك، فإنها تعمل على إنشاء منظمات نقابية حزبية، أو تابعة للحزب.
و أحزاب اليسار عندما تلجأ إلى ممارسة توجيه النقابة أو تحزيبها تسقط في الممارسة الانتهازية التي تتناقض مع المبدئية التي تميز اليسار الحقيقي الذي يسعى إلى تثوير المجتمع و دمقرطته.
فالحزب اليساري الحقيقي هو الذي يسعى إلى إشاعة تربية نقابية صحيحة في صفوف المنتمين إليه، و غيرهم في صفوف الأجراء حتى تبقى النقابة فعلا منظمة ديمقراطية، تقدمية جماهيرية مستقلة، و حتى تبقى كل القرارات النقابية صادرة عن الأجهزة التقريرية المحلية، و الإقليمية، و الوطنية، والقومية.
و من مبدئية تعامل الأحزاب اليسارية مع التنظيمات النقابية تقديم الدعم المطلق و المساندة المطلقة و اللامشروطة للإطارات النقابية المناضلة، و التنسيق معها للقيام بعمل مشترك في المجال الاجتماعي و جعل الإعلام الحزبي رهن إشارة النقابة حتى يؤدي دوره في دعم النقابة، و جعلها مرتبطة بالأجراء عبر الإعلام الحزبي المقروء.
و النقابة بدورها تعلن عن دعمها المطلق و اللامشروط لأحزاب اليسار العربي من المحيط إلى الخليج. لأن ما يجمع بينهما هو المبدئية التي تقتضي ذلك الدعم المتبادل بين اليسار و بين النقابات.
فهل تحافظ الأحزاب اليسارية على العلاقات المبدئية مع التنظيمات النقابية ؟
وهل تسعى إلى أن يكون الدعم بين التنظيمات النقابية و بين الأحزاب اليسارية قائما على أساس مبدئي؟
إننا في الواقع أمام ممارسة قد تكون مبدئية، و قد لا تكون كذلك، و الفرق واضح.
و- و فيما يخص علاقة اليسار مع الجمعيات الثقافية و التربوية و الترفيهية، فإننا نجد كذلك أن اليسار الحقيقي يحرص على أن تكون تلك العلاقة مبدئية.
فاليسار الحقيقي يحرص على أن تكون الجمعية ديمقراطية تقدمية جماهيرية مستقلة، حتى تستطيع القيام بعملها بعيدا عن تدخل الأحزاب في شؤونها الخاصة، و في اهتماماتها.
فكل جمعية من حقها أن يلجأ أعضاؤها إلى انتخاب الأجهزة المسؤولة انتخابا حرا و نزيها، و تتخذ قراراتها اعتمادا على المناقشة الحرة بين أعضائها حول مواضيع اتخاذ القرارات و من خلال أجهزتها التقريرية المحلية و الإقليمية و الوطنية و القومية، أما الأجهزة فلا تقوم إلا بتنفيذ القرارات.
و الحزب الديمقراطي و التقدمي الحقيقي يدعم الممارسة الديمقراطية داخل الجمعيات و يعمل على المحافظة عليها.
و الجمعيات عندما تسعى إلى إنجاز مهام ثقافية أو تربوية أو ترفيهية تؤدي إلى تقدم المجتمع و تطوره، فإنها لا تكون إلا تقدمية. و على الحزب اليساري أن يدعم الممارسة التقدمية لأنها تساهم في التغيير الإيجابي الذي يسعى الحزب اليساري إلى إحداثه في الواقع بطريقته الخاصة.
و الجمعيات عندما تنجز برامج في مصلحة الجماهير و من اجل الجماهير، و بالجماهير، فإنها لا تكون إلا جماهيرية، لأنها تعمل على تنظيم الجماهير، و تربيتها على التنظيم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. لأن الجمعيات هي الإطارات المناسبة لتلقي الشباب مبادئ التنظيم التي يستفيد منها في جميع مجالات الحياة. و على الحزب اليساري أن يدعم جماهيرية الجمعيات و أن يعمل على المحافظة عليها، و أن يمتنع عن جعلها جمعيات تابعة للحزب، أو حزبية لأن ذلك يؤدي إلى الحد من جماهيريتها و من تأثيرها في أوسع الجماهير، و أن يقوم ضد كل حزب يسعى إلى جعل الجمعيات تابعة له، أو جمعيات حزبية.
و الجمعيات عندما تمارس عملها بعيدا عن تحكم الأحزاب أو تحكم الدولة في نفس الوقت، فإنها تكون مستقلة في تنظيمها و في برامجها، و في قراراتها، وفي علاقتها بالجماهير، و في تنظيمها لتلك الجماهير، و في تربيتها، و في نشر القيم بينها، و استقلاليتها تقتضي دعم أحزاب اليسار في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
و الأحزاب اليسارية عندما تدعم ديمقراطية الجمعيات و تقدميتها و جماهيريتها و استقلاليتها. إنما تكون منسجمة مع نفسها. و إلا فإنها ليست يسارية، و ستصير انتهازية مكرسة لنفس القيم التي تكرسها الأحزاب التي لا تعتبر من اليسار أبدا، و لا تنجز عملا تقدميا كما يفعل اليسار، و لا تعرف معنى دعم اليسار للجمعيات المبدئية و تسعى إلى جعله يتخلى عنها.
فهل تصير الجمعيات الثقافية و التربوية و الترفيهية ديمقراطية تقدمية جماهيرية مستقلة ؟
و هل تعمل الأحزاب اليسارية على دعمها من المحيط إلى الخليج ؟
إننا أمام واقع عربي يسود فيه الاستبداد المتخلف. لا يكاد الناس يفكرون فيه في القيام بتأسيس الجمعيات الثقافية و التربوية و الترفيهية ، نظرا لدورها في تربية الناس على محاربة الاستبداد العربي بالتربية على الديمقراطية و احترامها في الإطارات الجماهيرية المختلفة التي تجعل الجماهير المعنية تحلم بها.
ز- وعن علاقة اليسار في الجمعيات الحقوقية فإننا نجد أن العلاقة قامت في الأصل على النضال المشترك، لأنه إذا كانت الجمعيات الحقوقية تناضل من اجل تمتيع الناس بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فإن اليسار يناضل من أجل الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ، و إذا حاولنا أن نقوم بتحليل البرنامجين معا. فإننا سنجد أن اوجه التقارب و التداخل بينهما قائمة. و لذلك نجد أن نضال الجمعيات الحقوقية مفيد لنضال اليسار، و أن نضال اليسار مفيد للنضال الحقوقي لأنه بقدر ما يتمتع الناس بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بقدر ما تتحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و بقدر ما تتحقق الحرية و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بقدر ما يتمتع الناس بحقوقهم المختلفة و هكذا.
و هذا التلازم بين نضال الجمعيات الحقوقية، و نضال اليسار في البلاد العربية هو الذي يجعل الطبقات الحاكمة و الأحزاب الرجعية المتخلفة و أحزاب البورجوازية الصغرى تحاصر الجمعيات الحقوقية كما تحاصر اليسار، و هو الذي يجعل مؤدلجي الدين الإسلامي على اختلاف مستوياتهم التنظيمية، و مستويات ادلجة الدين الإسلامي ، يعتبرون أن حقوق الإنسان "دخيلة" و "حزبية" و "كافرة". و لذلك فهي محرمة على المجتمع العربي و الإسلامي. و اليسار كذلك "يهودي" و "كافر" و "ملحد" يجب التخلص من المنتمين إليه حتى لا يجعلوا المجتمع "كافرا" و "ملحدا".
و موقف الطبقات الحاكمة في البلاد العربية من الجمعيات الحقوقية، و كذلك موقف مؤدلجي الدين الإسلامي يبين إلى أي حد يجب تثبيت النضال الحقوقي في المجتمع العربي لأنه سيكون من بين العوامل التي تساعد على استنهاض الأحزاب اليسارية في البلاد العربية التي ستستجمع أنفاسها و تعمل على تحقيق وحدتها الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية التي ستستفيد منها الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.
و لذلك فدعم اليسار للجمعيات الحقوقية، و انخراط اليساريين في النضال الحقوقي يعتبر مسألة ضرورية و مصيرية بالنسبة لليسار نفسه، الذي لا يستطيع أن يتحرك إلا بإعادة النظر في ممارساته التي دأب عليها خلال العقود الأخيرة و التي وقفت وراء مختلف الأزمات الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية التي جعلته محاصرا جماهيريا و أيديولوجيا و سياسيا، و عاجزا عن بناء تنظيم يساري منسجم.
و بالإضافة إلى ما ذكرنا نجد أن على اليسار أن يحرص على مبادئ العمل الجماهيري مضاف إليها، مبدأ الكونية، و مبدأ الشمولية، لأنه بدون المحافظة على المبادئ تتحول الجمعيات الحقوقية إلى منظمات حزبية، أو تابعة لأحزاب معينة توظفها لأغراض حزبية ضيقة. و هو ما يتنافى مع العمل الحقوقي نفسه، و مع حقوق الإنسان التي هي لجميع الناس.
و أي ممارسة يسارية تسعى إلى الحد من إشاعة النضال الحقوقي سوف لا يتضرر منها إلا اليسار نفسه، و هو ما يجب تجنبه من اجل الاستمرار في إشاعة حقوق الإنسان ، و من اجل بناء اليسار في نفس الوقت.
ج- أما علاقة اليسار بالدولة فتتوقف على طبيعة الدولة الطبقية ؟ و هل هي دولة الإقطاع، أو دولة البورجوازية، أو دولة البورجوازية الصغرى، أو دولة الطبقة العاملة, فهذه الطبيعة هي التي تحدد هل علاقة اليسار معها علاقة صراعية، أو علاقة ديمقراطية ؟
فاليسار العربي عندما يجد نفسه في إطار دولة إقطاعية استبدادية فإن عليه أن يضع في اعتباره العمل على تفكيك أيديولوجية الدولة. و أن يعمل على نفي تلك الأيديولوجية التي تستمد قوتها من ادلجة الدين الإسلامي، و من سيادة الفكر الخرافي في الواقع العربي و أن يعمل على تفكيك بنيات الدولة الإقطاعية بما في ذلك البنيات التعليمية و الثقافية و السياسية، و أن يفضح الأساليب الاستبدادية المتعددة التي تعتمدها من اجل تأبيد سيطرة الطبقة التي تسيطر على اجهزتها للمناقشة و التحليل و النقد حتى تضطر إلى التخلي عن استبدادها، و أن تتحول إلى دولة ديمقراطية من الشعب و إلى الشعب. و نضال اليسار العربي الهادف إلى القضاء على الدولة الإقطاعية الاستبدادية اللاديمقراطية و اللاشعبية. يعتبر مسألة أساسية ضرورية بالنسبة إلى تاريخ البشرية الذي عانت فيه المجتمعات المختلفة من ويلات الاستبداد.
أما عندما يجد نفسه في إطار دولة بورجوازية تابعة، فإن عليه أن يكون حذرا من الانخراط فيما صار يعرف عند بعض فصائل اليسار العربي بديمقراطية الواجهة الموجهة للاستهلاك الخارجي. لأن الانخراط في هذا الشكل من الديمقراطية يعتبر سقوطا في المستنقع الذي يفقد اليسار مصداقيته. و بالتالي فإن الدولة البورجوازية التابعة هي دولة مستبدة مؤدلجة للدين الإسلامي تسعى باستمرار إلى إضفاء مساحيق الديمقراطية على استبدادها، و على ادلجتها للدين الإسلامي، غير أنها تنسى أن الجمع بين الاستبداد و ادلجة الدين الإسلامي، و بين الديمقراطية و لو في صيغتها السياسية "ديمقراطية الواجهة". و لذلك فالدولة البورجوازية بتلك الديمقراطية إنما تريد تضليل الجماهير الشعبية الكادحة حتى لا تسعى و بقيادة اليسار العربي الحقيقي، و في كل بلد عربي على حدة، و في جميع البلاد العربية إلى تحرك من اجل قيام ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب.
و عندما يجد نفسه في ظل دولة بورجوازية تحتم الديمقراطية بمفهومها الليبرالي. فإن اليسار يستطيع أن يساهم مادامت هناك حرية معينة، و مادامت هناك ديمقراطية معينة، و مادامت هناك إمكانية للحركة في بناء تلك الديمقراطية و أن يناضل من اجل جعلها مفتوحة على التحول إلى ديمقراطية حقيقية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي رغم الصعوبات التي تعترض هذا النوع من النضال تصطدم ببورجوازية تعي ما تفعل، و تحرص على تمتيع العمال و الأجراء بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما هي في المواثيق الدولية، لا لأنها تستحق أن تتمتع بتلك الحقوق، بل لارشائها، و لإيهامها أنها ستتحول في يوم ما إلى بورجوازية حتى لا تستمر في النضال من اجل تطوير الديمقراطية الليبرالية إلى ديمقراطية شعبية. و بذلك يكون اليسار قد وظف ما هو مرحلي توظيفا إيجابيا لتحقيق ما هو استراتيجي.
و في إطار دولة البورجوازية الصغرى التي نعرف جيدا توفيقيتها، و تلفيقيتها على جميع المستويات إلى درجة الحربائية، فإن اليسار سيجد نفسه أمام عسر الممارسة الواضحة لهذه الدولة التي تدعي أنها ستحقق الاشتراكية في الوقت الذي لا تحسم مع البورجوازية التابعة، و لا مع البورجوازية، و لا مع الإقطاع باعتبارهم وسيلة من الوسائل التي تساعد على تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى. و على اليسار أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الطبيعة في صياغة الخطة النضالية المرحلية المتناسبة مع دولة البورجوازية الصغرى.
و قد تكون دولة البورجوازية الصغرى حاسمة فعلا مع البورجوازية، و تسعى فعلا إلى تحقيق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، و تسعى فعلا إلى تحقيق الديمقراطية الشعبية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و في هذه الحالة فإن على اليسار أن يقف إلى جانب دولة البورجوازية الصغرى التي تتحول بفعل التحول الإيجابي في اتجاه الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة إلى دولة اشتراكية فعلا، و دعم اليسار و وقوفه إلى جانب دولة من هذا النوع سيقطع الطريق أمام طفيليي البورجوازية الصغرى الذين يضغطون على الدولة لتحقيق تطلعاتهم البورجوازية التي تتناقض مع الدولة الاشتراكية. و دور اليسار في مثل هذه الحالة يكمن في تشريح مسلكيات البورجوازية الصغرى الطفيلية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و فضحها و تعريتها أمام الجماهير الشعبية الكادحة حتى تدخل الجماهير الشعبية الكادحة في مواجهتها، و منعها من تحقيق تطلعاتها، و حماية الدولة التي تسعى إلى تحقيق الاشتراكية.
و مع دولة الطبقة العاملة التي هي دولة الاشتراكية كمنهج و كهدف، فإن اليسار العربي يجد نفسه منسجما مع هذه الدولة. لأنها دولة اليسار بامتياز، و نتيجة نضالات اليسار. و هي الدولة الوحيدة التي تكون ديمقراطية، و ديمقراطيتها لابد أن تكون من الشعب و إلى الشعب. و هي الوحيدة التي تتحول إلى دولة الحق و القانون، و هي الوحيدة التي تكون علمانية. و دور اليسار في ظل هذه الدولة التي تستحق أن تكون محفوفة بالاهتمام الكبير أن يعمل على حمايتها من خلال حماية التشكيلة الاشتراكية القائمة على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، و الحرص على إنتاج الممارسة الديمقراطية الحقيقية التي تحضر من خلالها إرادة الشعب في كل بلد عربي على حدة حتى تساهم الشعوب في حماية الديمقراطية، و حماية الدولة الاشتراكية التي هي دولة الطبقة العاملة في نفس الوقت. فلا أحد يستطيع إنتاج ممارسة ديمقراطية غير الجماهير الشعبية الكادحة التي هي الأمل، و هي المستقبل في نفس الوقت. و اليسار عندما ينجز مهامه الديمقراطية في ظل دولة الطبقة العاملة إنما يتيح الفرصة أمام استنفاذ المهام الاشتراكية المرحلية في اتجاه تحقيق المرحلة الأعلى. و إلا فإن اليسار في ظل دولة الطبقة العاملة إذا لم يكن ديمقراطيا فإنه يكون تحريفيا، و سيوظف الدولة لتحقيق أهداف أخرى غير الأهداف التي جاءت الاشتراكية لتحقيقها كما حصل في العديد من الدول الاشتراكية التي تراجعت لتتحول إلى دول رأسمالية تابعة.
و قد يقول قائل إن دولة الطبقة العاملة لا يمكن أن تكون ديمقراطية مستشهدين في ذلك بما جرى للدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي السابق. و نحن نرد على ذلك بأن الدولة السوفياتية لم تكن ديمقراطية إلا في عهد لينين، و بعده تسلطت البيروقراطية الحزبية على الدولة، و وظفتها لتحقيق أهداف القياديين الحزبيين كأفراد بل لتحقيق أهداف القائد المستبد الذي يسعى لتغيير الواقع حتى يجعله يتناسب مع تطلعاته الفردية. و تبعا لذلك فكل من يساهم في تنفيذ أوامر القائد و بإخلاص من إ أعضاء الحزب أو من أجهزة الدولة يصبح من حاشيته، و من مقربيه، و يصير مستفيدا أيضا من خدمات الدولة. و هو ما أدى إلى إسقاط الدولة الاشتراكية أو دولة الطبقة العاملة، و تحويلها إلى دولة رأسمالية.
و لذلك نجد أنه صار من الضروري تطوير الأيديولوجية، و تطوير تنظيمات اليسار، و تطوير المواقف السياسية حتى تعبر فعلا عن طموحات الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة، و تساهم في النضال المرير و الدؤوب لإنجاز المهام المرحلية لليسار، وصولا إلى تحقيق دولة الطبقة العاملة في البلاد العربية التي هي الدولة الاشتراكية التي لا تكون إلا ديمقراطية، و دولة الحق و القانون و دولة علمانية، و هو ما يقتضيه التحول الذي يعرفه التصور الاشتراكي العلمي بعد الهزات العنيفة التي أطاحت بالدولة الاشتراكية في العديد من البلدان.
فهل ترقى أحزاب اليسار العربي إلى هذا المستوى في تطوير أيديولوجيتها الاشتراكية العلمية، و بناء تنظيماتها. و جعل مواقفها السياسية في مستوى طموحات الجماهير العربية في كل البلاد العربية ؟ أم أنها ستنشغل عن هذه المهام الكبرى بالخلافات الهامشية بين فصائل اليسار التي ترجع النضال اليساري إلى الوراء، و تشكل عرقلة في سبيله ؟
ط- و فيما يخص علاقة اليسار بالجماهير الشعبية الكادحة في البلاد العربية، فإن هذه العلاقة تقتضي من اليسار الاهتمام بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المتردية و المنعكسة سلبا على مصيرها على جميع المستويات في جميع البلاد العربية، و البطالة تزداد تفاقما، و مستوى المعيشة يزداد ارتفاعا، و الأجور تزداد تدنيا، وتسريح العمال يزداد اطرادا ، و هجرة العقول تزداد تفاقما، و المشاكل المستعصية تزداد عمقا، واليسار العربي عندما يكون قويا أيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا فإنه يستطيع أن يرتبط بالجماهير الشعبية الكادحة وطليعتها الطبقة العاملة ارتباطا عضويا. كما أن توعيتها بضرورة التنظيم في النقابات المناضلة من اجل تحسين أوضاعها المادية و المعنوية، و بضرورة التنظيم في الجمعيات الثقافية و التربوية و الترفيهية من اجل التشبع بالقيم الثقافية الجادة و العمل على إشاعتها في المجتمع العربي، و من اجل التمتع بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تصير الحقوق مشاعة في المجتمع. و تصير القوانين المحلية في كل بلد عربي و على مستوى البلاد العربية متلائمة مع المواثيق الدولية، و تقوم دولة الحق و القانون في كل بلد عربي على حدة.
و لذلك فحزب اليسار عندما يرتبط ارتباطا عضويا بالجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة. و بالإضافة إلى ما أتينا على ذكره أعلاه، فلأنه يسعى إلى :
- جعل هذه الجماهير الشعبية الكادحة تمتلك وعيها الطبقي الذي يجعلها تدرك موقعها من علاقات الإنتاج القائمة في المجتمع، و هل هي علاقات عبودية، أو إقطاعية، أو رأسمالية أو اشتراكية حتى يتحدد ما يجب عمله للنضال من اجل تغيير تلك العلاقات بعلاقات أخرى اكثر تقدما و تطورا و خدمة للجماهير الشعبية الكادحة.
- تنظيم أوعى الكادحين في صفوف اليسار و جعلهم يمتلكون أيديولوجية الطبقة العاملة، الاشتراكية العلمية من اجل توظيف قوانينها في تحليل الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي السائد من اجل معرفة القوانين المتحكمة فيه و التي يمكن توظيفها للتسريع بالتحول نحو الأرقى.
- جعل المنتمين إلى حزب اليسار يعملون على تعبئة الجماهير الكادحة في أفق خوض الصراع اللازم لتغيير الأوضاع الاستغلالية السائدة بأوضاع استغلالية اقل حدة في أفق القضاء النهائي على نظام الاستغلال القائم في الواقع الاجتماعي العربي، و تعويضه بنظام تتحقق فيه الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية.
وبناء على هذه الخطوات يتبين أن اليسار لا يمكن أن يراهن إلا على الجماهير الشعبية الكادحة، فهي المجال الذي يتحرك فيه، و هي المستهدفة بأيديولوجية الطبقة العاملة. و هي التي تتحرك على أساس تنفيذ برنامج اليسار لتحقيق الأهداف المرحلية و الاستراتيجية على السواء.
فهل تستجيب الجماهير إلى تنفيذ برنامج اليسار ؟
و هل يرقى اليسار إلى الارتباط العضوي بالجماهير الشعبية الكادحة ؟
ي- و بالنسبة لعلاقة اليسار بالشباب و المرأة فتأتي من كون الشباب و المرأة من الفئات التي تعاني اكثر من القهر الاجتماعي. فالقهر المزدوج يمارس من قبل الطبقة الحاكمة من جهة و من قبل الكبار من جهة أخرى على الشباب الذين يعانون من الأمية و الفقر و من انعدام حرية التفكير و التعبير و ضعف المشاركة السياسية في صفوف الشباب، و القهر المزدوج يمارس أيضا على المرأة من قبل الطبقة الحاكمة التي تقهر المجتمع ككل، و من قبل الرجل في نفس الوقت. و هو ما يقتضي من اليسار استحضار خصوصية القهر الممارس على الشباب و على المرأة من اجل الاهتمام بهما في برامجه، و في نضالاته التي تستهدف انعتاق المجتمع ككل.
و اهتمام اليسار بالشباب يقتضي استحضار الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي يعيشها الشباب من اجل العمل على تغييرها حتى تكون في مصلحة الشباب الذي يسعى باستمرار إلى تحسين أوضاعه المادية و المعنوية، و إلى الانتقال بالمجتمع إلى ما هو افضل خاصة و أن معظم الشباب ليست لديهم مصالح اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية يخافون عليها. و لذلك فالاعتماد على الشباب في أجرأة برامج اليسار تعتبر مسألة أساسية، لأنه بتلك البرامج العامة و الخاصة تتحقق طموحات الشباب في الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و في إقامة دولة الحق و القانون، و في ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، و في محاربة كافة الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تنخر كيان المجتمع بصفة عامة، و كيان الشباب في البلاد العربية بصفة خاصة، من أجل واقع خال من تلك الأمراض، و في خدمة الكادحين بمن فيهم الشباب الذي يشكل غالبية المجتمع.
أما اهتمام اليسار بالمرأة فيدخل في إطار الاهتمام بنصف المجتمع الذي يعاني من القهر الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي سواء تعلق الأمر بممارسة الطبقة الحاكمة، أو بممارسة الرجل.
فالمرأة تعاني من الحيف الاقتصادي لكونها تعتبر موردا اقتصاديا في المجتمع. كما أنها تعاني من كون عملها في البيت بدون اجر، و لا تلعب أي دور على المستوى الوطني أو على المستوى القومي، و مساهمتها في إقامة المشاريع الاقتصادية تعتبر مساهمة شاذة. و إذا كان لابد من اعتبار لما تقوم به المرأة في المجال الاقتصادي فمن باب ديمقراطية الواجهة على المستوى الاقتصادي.
و المرأة تعاني من الحيف الاجتماعي الذي يكرس دونيتها في التعليم و في الصحة و في الشغل و في إطار الأسرة ، و في مختلف العلاقات الاجتماعية، الأمر الذي يكرس دونية المرأة على جميع المستويات الاجتماعية، و إذا سمح لها بممارسة حرياتها الاجتماعية فلكي تظهر الطبقة الحاكمة في كل بلد عربي على حدة على أنها تمتع المرأة بحقوقها الاجتماعية مما يعتبر مكونا من مكونات ديمقراطية الواجهة.
و المرأة تعاني مما هو سائد على المستوى الثقافي الذي يكرس قيما تحط من قيمتها، فتدفعها إلى اعتبار نفسها مجرد بضاعة يمكن بيعها في السوق على جميع المستويات و في جميع البلاد العربية. و بتلك العقلية الإقطاعية المتخلفة، أو بالعقلية البورجوازية المائعة، أو تدفع بها في اتجاه اعتبار نفسها عورة كما يدعو إلى ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي، فتحكم هي على نفسها بالقهر تبعا لقهر الرجل، و قهر الطبقة الحاكمة ليصير القهر الممارس على المرأة بأبعاد ثلاثة، بعد قهر المرأة لنفسها، و بعد قهر الرجل لها، و بعد قهر الطبقة الحاكمة للمجتمع ككل. ليتبين دور الثقافة في ممارسة القهر على المرأة باعتبار الثقافة مصدرا للقيم السائدة و المتفاعلة في الواقع.
و المرأة تعاني من القهر المدني الذي يجعلها دون مستوى الرجل، فهي لا تساويه في الواقع. و لا تساويه أمام القانون بدعوى أن "الرجال قوامون على النساء" و بدعوى أن النساء "قليلات عقل ودين" و لا عبرة للقول بأن "النساء شقائق الرجال" في كل شيء، و لا لما ورد في القرءان "و المومنون و المومنات بعضهم أولياء بعض " و "الناس كأسنان المشط" و " لا فرق بين عربي و عجمي، و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى" و هي أمور تفرض قيام المساواة بين الرجال و النساء في المجتمع إلا أن الطبقة الحاكمة من جهة، و الرجل من جهة أخرى يعملون جميعا على تكريس دونية المرأة كواقع قائم لا يمكن التخلص منه أبدا، بينما نجد أن الأمر يقتضي تخلص المجتمع من هذا الحيف و إلى الأبد.
و المرأة في المجتمع العربي تعاني من الحيف السياسي، فهي لا تدلي بصوتها، و لا تترشح للمناصب التمثيلية في العديد من البلاد العربية ، و إذا سمح لها بذلك، فمن باب ديمقراطية الواجهة، لأن ما يسود في الواقع يفرض دونية المرأة في كل شيء. و نظرا لتخلف عقلية المجتمع فقد لجأت بعض البلاد العربية إلى تخصيص جزء من المقاعد التمثيلية في البرلمانات العربية للمرأة، حتى و إن لم يصوت لصالحها أحد، و دون إنضاج الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للمشاركة السياسية للمرأة، و دون تمكينها من تفعيل الأحزاب و النقابات و الجمعيات الثقافية و الحقوقية وغيرها من المنظمات الجماهيرية. لتبقى مجرد احتياط انتخابي يستحضر الاهتمام به كل خمس سنوات أو ست سنوات أو لا يستحضر الاهتمام به أبدا كما هو الشأن بالنسبة لبلدان الخليج العربي.
و لذلك كان و لازال على اليسار أن يستحضر في اهتمامه الوضعية المتردية للمرأة العربية في بناء تنظيماته في كل بلد عربي على حد. و في برامجه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل إزالة كافة أشكال الحيف التي تلحق المرأة حتى تصير قوة فاعلة في الواقع، و مساهمة بالدرجة الأولى في عملية التغيير الشاملة التي يقودها اليسار العربي، و على اليسار أن يعمل على إنضاج الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تساعد على مساهمة المرأة في عملية التغيير.
فهل يقوى اليسار العربي على جعل المرأة تفرض احترامها في الواقع ؟ هل يجعلها تتمتع بحقوقها المختلفة ؟
و هل يتجاوز اليسار أزمته لإنجاز هذه المهمة العظيمة ؟
إننا في وقوفنا على أزمة اليسار- أزمة الواقع نكون قد تناولنا الطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين إلى تنظيمات اليسار ، و الأزمة الأيديولوجية لليسار، و الأزمة التنظيمية لتنظيمات اليسار و الأزمة التي تتخبط فيها هذه التنظيمات و علاقة اليسار بالواقع الذي تناولنا فيه اليسار و التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، و اليسار و أحزاب البورجوازية الصغرى، و اليسار و أحزاب البورجوازية التابعة، و الوطنية و اليسار و الأحزاب الإقطاعية. و علاقة اليسار بالنقابات و بالجمعيات الثقافية و التربوية، و الترفيهية، و علاقته بالمنظمات الحقوقية، و بالدولة، و بالجماهير الشعبية الكادحة، و علاقته بالشباب و بالمرأة.
و نستخلص من كل ذلك أن أزمة اليسار هي أزمة واقع أيديولوجي و تنظيمي و سياسي، و أزمة برامج، و أزمة علاقات.
فهل يعمل اليسار العربي في كل بلد عربي على حدة، و في جميع البلاد العربية على تجاوز هذه الأزمة التي تشكل العنصر الأساس في ضعفه ؟
هل يسعى إلى بناء وحدته الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية باعتبار تلك الوحدة وسيلة لتجاوز حالة الضعف التي يعاني منها ؟

آفاق تجاوز أزمة اليسار في العالم العربي :
إننا عندما عملنا على تفكيك أزمة اليسار العربي كما تراءت لنا، و كما قادنا إليها التحليل و المنهجية التي اعتمدناها، فلأننا نريد أن نصل إلى بناء تصور نراه مناسبا لتجاوز الأزمات التي تقتضي إخضاعها للتقويم و الوقوف على الخصائص المميزة لكل أزمة على حدة. هل هي أزمة أيديولوجية فقط ؟ هل هي أزمة تنظيمية فقط ؟ هل هي أزمة سياسية فقط ؟ أم أن هذه الأزمات قائمة كلها على ارض واقع اليسار العربي ؟ لأن تحديد طبيعة الأزمة و مستواها و محدوديتها يساهم إلى حد كبير في تحديد ما يجب عمله لتجاوز تلك الأزمة في محدوديتها أو في شموليتها.
و قبل الوصول إلى استعراض آفاق تجاوز أزمة اليسار العربي لابد من الإشارة السريعة إلى أن أزمة اليسار العربي ليست منفصلة عن أزمة المجتمع العربي، فأزمة اليسار العربي هي نتيجة للازمة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية الناتجة عن التطور غير الطبيعي الذي يعرفه المجتمع العربي بفعل الاستعمار بشكله القديم و الجديد من جهة، و بفعل تبعية الأنظمة العربية للرأسمالية للعالمية، و بفعل رهن مصير البلاد العربية من المحيط إلى الخليج بالمؤسسات المالية الدولية التي تفرض املاءاتها على الدول العربية التي تقوم بتطبيق تلك الاملاءات في البلاد العربية، و بسبب قيام بورجوازية بعقلية زراعية متخلفة.
و لتجاوز وضعية تأثر اليسار بالأزمة العامة للمجتمع العربي نرى ضرورة تحرك اليسار في اتجاه تحريك الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الفعل فيه، و جعله يخدم مصالح الجماهير الشعبية الكادحة كشرط لتحرك اليسار في اتجاه البحث من اجل إيجاد حل للأزمات الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية.
و نحن في معالجتنا لأزمة اليسار العربي من وجهة نظرنا، نرى أن آفاق تجاوز هذه الأزمة يقتضي منا :
1) العمل على تجاوز أزمة الطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين إلى أحزاب اليسار العربي الذين لم يحسموا مع الأيديولوجيات و المسلكيات المتناقضة مع طبيعة الانتماء إلى اليسار العربي. فهم لازالوا يحملون معهم الرؤى الأيديولوجية الإقطاعية، أو البورجوازية، أو البورجوازية الصغرى، أو اليمينية المتطرفة القائمة على أدلجة الدين الإسلامي، لصياغة رؤى أيديولوجية توفيقية و تلفيقية لا يمكن وصفها إلا بالأيديولوجية البورجوازية الصغرى. و هذا هو التفسير الذي نرى أنه من الضروري العمل على تجاوزه، لأنه يقف وراء كل أشكال التحريف الأيديولوجي التي تعرفها الكثير من فصائل اليسار العربي التي تحولت بذلك التحريف الأيديولوجي إلى تنظيمات بورجوازية صغرى. و لذلك نرى ضرورة اشتراط الحسم النظري مع كل الأيديولوجيات المتناقضة مع أيديولوجية اليسار من اجل الانخراط في صفوف اليسار. و هذا الشرط رهين بقدرة اليسار العربي نفسه على إعداد الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة للحسم مع تلك الأيديولوجيات، و جعل أيديولوجية الطبقة العاملة هي السائدة بينهم حتى يفرزوا من بينهم، و من خلال حركة نضالية شاملة من يعتنق أيديولوجية الطبقة العاملة و يحسم مع الأيديولوجيات النقيضة لقطع الطريق أمام تسرب أيديولوجية البورجوازية الصغرى إلى صفوف تنظيمات اليسار العربي.
و تبعا لتجاوز الأزمة الأيديولوجية لليسار العربي، فإن على اليسار أن يتجاوز الأزمة التنظيمية عن طريق الحسم مع الممارسات التنظيمية البورجوازية الصغرى الملتصقة بمسلكيات المنتمين للتنظيمات اليسارية العربية. فالاشتراكية العلمية تقتضي الحسم مع التصورات التنظيمية الإقطاعية و البورجوازية التابعة و البورجوازية و البورجوازية الصغرى، و مع التصورات التنظيمية القائمة على أدلجة الدين الإسلامي، التي غالبا ما تكون مفتوحة على المجتمع و لا يتم التدقيق في الانتماء إليها مما يجعلها تظيمات ملغومة بالمخبرين و بغيرهم، ممن لا علاقة لهم بالتنظيم إلا بالمصلحة الآنية، أو لكونه يقوم بوظيفة معينة لحساب جهات معينة. كما تقتضي بناء تنظيم يساري منسجم مع تلك الأيديولوجية. و هذا التنظيم لا يكون إلا ثوريا، أي قائما على بناء يمكنه من إنجاز المهام المرحلية و الاستراتيجية في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية عن طريق العمل على تحويل الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلى ملكية جماعية. و في هذا الأفق فالتنظيم الثوري لا يكون مفتوحا بقدر ما يكون خلويا، و عمله لا يتم الإفصاح عنه إلا من خلال إعلان المواقف السياسية، و اتخاذ القرارات النضالية التي تتناسب معها، و يخضع كل فرد في التنظيم إلى المحاسبة الفردية و الجماعية و النقد و النقد الذاتي، و يتخذ القرارات و ينفذها في إطار الالتزام بمبدأ المركزية الديمقراطية التي تعطي لكل مناضل يساري الحق في التقرير و التنفيذ. و تتخذ القرارات في إطار خضوع الأقلية لإرادة الأغلبية، و بالإجماع. و إذا ثبتت خيانة في حق أي يساري فإنه يصير خارج التنظيم. و إلا فإن التنظيم اليساري سيصير كباقي التنظيمات الأخرى مفتوحا على السلطة و على المجتمع، و على المخابرات و إذا صار كذلك فإنه يفقد قيمته كتنظيم يساري.
و اليسار العربي كذلك في حاجة إلى تجاوز الأزمة السياسية التي تتجسد في عدم تحصين المنتمين إليه من التأثر بالمواقف السياسية للأحزاب اليسارية المتطرفة و اليمينية المتطرفة و الأحزاب البورجوازية الصغرى، و البورجوازية و البورجوازية التابعة، و الإقطاعية بسبب استهلاك إعلام مختلف الأحزاب و التأثر بمواقفها السياسية. و هو أمر يقتضي إخضاع مختلف المواقف السياسية الحزبية إلى التشريح و المناقشة و النقد في مختلف المواقع التنظيمية القيادية و القاعدية حتى يكون المنتمون إلى اليسار على بينة من عدم صلاحية تلك المواقف السياسية الحزبية، و عدم مناسبتها للتعبير عن رأي الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة. و كونها لا تتناسب مع التحليل العلمي و الموضوعي للواقع من قبل اليسار. بالإضافة إلى ضرورة قيام اليسار باتخاذ المواقف السياسية الآنية التي تتناسب مع طبيعة اليسار من أجل قطع الطريق أمام إمكانية تسرب المواقف السياسية للأحزاب الأخرى التي تتناسب مع طبيعة اليسار الذين لم يتحصنوا بالتكوين الإيديولوجي و السياسي اللازم لإخضاع المواقف السياسية المخالفة للتمحيص و النقد في أفق اتخاذ الموقف اللازم منها.
و نحن لا نشك أن حزب اليسار مفتوح على كل من أعلن عن اعتناقه لأيديولوجية الطبقة العاملة و اقتنع بالتنظيم اليساري و عمل على إشاعة مواقفه السياسية، إلا أن عليه أن يعمل على إعادة تربية المنتمين بما تقتضيه أيديولوجية الطبقة العاملة و اقتنع بالتنظيم اليساري و عمل على إشاعة مواقفه السياسية. إلا أن عليه أن يعمل على إعادة تربية المنتمين بما تقتضيه أيديولوجية الطبقة العاملة. و بما يقضيه تنظيم اليسار، و بما تقتضيه مواقفه السياسية حتى يخلص مناضلوا اليسار من الممارسات الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية للبورجوازية الصغرى، و إعدادهم للقيام بالمهام التاريخية التي تنتظرهم من اجل بناء الحزب اليساري الكبير أيديولوجيا و تنظيميا و سياسيا الذي تنتظر منه الجماهير الشعبية الكادحة تخليصها من الاستغلال الهمجي الذي تتعرض له على أيدي الإقطاع و البورجوازية التابعة و البورجوازية، و حتى البورجوازية الصغرى و في جميع المجالات.
2) العمل على تجاوز الأزمة الأيديولوجية لأحزاب اليسار في البلد العربي الواحد و في مجموع البلاد العربية. ذلك أن لكل حزب أيديولوجيته. فبالإضافة إلى أحزاب اليسار المقتنعة بالاشتراكية العلمية، هناك أحزاب قائمة على اعتناق الشعارات الأيديولوجية للتجربة السوفياتية المنهارة، و هناك أحزاب تعتنق التجربة الماوية، و هناك أحزاب تروتسكية. فكأن الاشتراكية العلمية ليست منهجا، و ليست هدفا في نفس الوقت. و هي إذا لم تكن كذلك لا يمكن أن تكون اشتراكية علمية بالمعنى الصحيح، بل تبقى مجرد مثاليات يقتدى بها في هذا البلد العربي أو ذاك، و انطلاقا من هذه التجربة أو تلك. و هذا التحالف بين الأحزاب اليسارية على المستوى الأيديولوجي أدى بالضرورة إلى قيام تحالف على المستوى التنظيمي و يؤدي إلى قيام تحالف على المستوى السياسي و في كل بلد من البلاد العربية، و على المستوى القومي.
فما العمل من اجل تجاوز الأزمة الأيديولوجية لأحزاب اليسار ؟
إن الذي نعرفه أن لليسار أيديولوجية واحدة هي الاشتراكية العلمية، و أن ما نراه من تعدد للأيديولوجيات ليس إلا شكلا من أشكال التحريف البورجوازي الصغير للاشتراكية العلمية مما حولها إلى اشتراكيات بدل اشتراكية واحدة، و بدل أن تبقى أيديولوجية للطبقة العاملة صارت أيديولوجيات الفئات البورجوازية الصغرى التي تدعي النضال من اجل تحقيق الاشتراكية، و هي في الواقع لا تسعى إلا إلى تحقيق تطلعاتها الطبقية على حساب بؤس الطبقة العاملة و حلفائها الحقيقيين على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و قد انتبه لينين إلى هذه التطلعات البورجوازية الصغرى منذ بداية القرن العشرين عندما كتب كتابه "اليسارية مرض الشيوعية الطفولي" و لقطع الطريق على كل أشكال التحريف التي قد تظهر هنا أو هناك. كانت الاشتراكية العلمية قابلة للتطور المستمر تبعا للتطور الذي يحصل في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العلمية، و التكنولوجية و غيرها من مظاهر التطور التي يعرفها المجتمع البشري، و على المستوى العالمي و لابد أن تتناسب قوانين الاشتراكية العلمية مع مستجدات الواقع، و أن تعمل على تفكيكها تفكيكا علميا من أجل اكتشاف قوانينه الجديدة التي يمكن اعتمادها من اجل العمل على تغييره على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بما يتناسب مع طموحات الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة في الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
و مع ذلك فنحن لا ننكر وجود أحزاب يسارية بدل حزب يساري واحد في كل بلد عربي على حدة و في جميع البلاد العربية للأسباب التي أتينا على ذكرها أعلاه، و ليس من مصلحة أحزاب اليسار العربي أن تلغي بعضها البعض حتى تزداد قدرة على الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة. و الواقع أن أحزاب اليسار عندما تلغي بعضها البعض إنما تفرض الحصار على نفسها، و الحصار لا يزيدها إلا ضعفا، و الضعف قد يقود إلى الاندثار. و لذلك فالطريق هو الإقرار بتعدد فصائل اليسار. و العمل على توحيد تلك الفصائل حسب الخطوات التي سبق أن ذكرناها و التي تتلخص في :
أ- التنسيق في المواقف السياسية التي لها علاقة بالجماهير الشعبية الكادحة من خلال هيأة تنسيقية ذات أبعاد محلية و إقليمية و جهوية و وطنية تنكب على تتبع ما يجري في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و على جميع المستويات حتى يمكنها إعلان المواقف السياسية المناسبة، و إعلانها للجماهير التي تجد أنها تعبر عن طموحاتها، ليبرز اليسار جماهيريا في إطار وحدة سياسية مهمة بالنسبة للجماهير الشعبية الكادحة.
ب- إنشاء هيأة وطنية مشتركة يقوم عملها على أساس أرضية مشتركة و تصور تنظيمي مشترك و برنامج حداثي مشترك، من اجل العمل المشترك لتحقيق بنود تلك البرنامج على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذا المستوى من العمل المشترك يرفع درجة احترام اليسار في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة.
ج- إنشاء هيآت مشتركة تقوم بتوجيه عمل مناضلي اليسار في إطار النقابات و الجمعيات، حتى لا تتناقض الممارسة اليسارية داخل المنظمات الجماهيرية مما يعتبر قوة لتلك المنظمات و إشعاعا لليسار في نفس الوقت. و يجسد العمل الوحدوي على الساحة الجماهيرية و يرفع مستوى الجماهير الشعبية الكادحة عن طريق تحسين أوضاعها المادية و المعنوية الذي يؤدي إلى رفع مستوى وعيها السياسي في أفق امتلاك وعيها الطبقي الذي يعتبر قوة لليسار نفسه.
د- إنشاء هيأة إعلامية واحدة بمساهمة جميع التنظيمات اليسارية القائمة، حتى تصير تلك الهيأة هي الموجه الوحيد للجماهير الشعبية الكادحة. و تصير الوسيلة الإعلامية التي تصدر عن تلك الهيأة مؤطرا جماهيريا يساريا. يجعل الجماهير الشعبية ترتبط باليسار عن طريق تلك الوسيلة التي تعالج القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تهم الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.
ه- إنشاء هيأة مشتركة تهتم بالقضايا الأيديولوجية في أفق الحسم في النقط الخلافية على المستوى الأيديولوجي سعيا إلى تحقيق الوحدة الأيديولوجية باعتبارها وحدة أساسية بالنسبة إلى مستويات الوحدة الأخرى. و إنشاء منبر إعلامي – تثقيفي تنشر عبره الاجتهادات و المساهمات التي ينجزها مناضلوا اليسار، و التي تصب في أفق سيادة الوحدة الأيديولوجية اليسارية في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة.
و- و عندما تصبح الوحدة التنظيمية ضرورية تعقد لهذه الغاية لجان تحضيرية وطنية، و جهوية و إقليمية و محلية من اجل إعداد مناضلي اليسار للمساهمة الجماعية تنظيميا و برنامجيا و سياسيا في بناء الحزب اليساري الكبير في كل بلد عربي على حدة، وعلى مستوى البلاد العربية من المحيط إلى الخليج. هذا الحزب اليساري الكبير سيعتبر ثورة أيديولوجية و تنظيمية و برنامجية و سياسية اقتضتها مرحلة التمزق التي تعرفها مختلف التنظيمات في ظل عولمة اقتصاد السوق. و هذه الثورة ستعتبر تمهيدا لإحداث تحول عميق في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة التي تزداد ارتباطا بالحزب اليساري الكبير.
3) العمل على تجاوز الأزمة التنظيمية لتنظيمات اليسار في البلاد العربية. و نقصد هنا التصورات التي تختلف من حزب يساري إلى حزب يساري آخر بسبب الاختلاف في طبيعة الأيديولوجية اليسارية، هل هي اشتراكية علمية أو اشتراكية ديمقراطية، أو ماركسية لينينية، أو ماركسية ماوية أو تروتسكية، أو شيوعية أوربية، و هكذا. لأن طبيعة الأيديولوجية تحدد إلى أي حد يكون التنظيم قائما على تصور أيديولوجي معين.
و لتجاوز الأزمة التنظيمية لابد أن يتأسس ذلك التجاور على تجاوز الأزمة الأيديولوجية كما أشرنا إلى ذلك سابقا. و إذا حصل اتفاق بين تنظيمات اليسار لابد من عقد هيأة تقوم بدراسة المسألة التنظيمية بكل دقة، و بإخضاع كل التصورات القائمة للدراسة و التحليل و النقد من أجل الخروج بخلاصات مركزة تهدف إلى إيجاد تصور مشترك لتنظيم اليسار على المستوى الوطني، و على المستوى المحلي و أن يكون ذلك التنظيم قائما على أساس خلوي و على المركزية الديمقراطية و النقد و النقد الذاتي و المحاسبة الفردية و الجماعية، و أن لا يكون فصائليا، بل اندماجيا من اجل ذوبان التنظيمات اليسارية في تنظيم واحد ينتظم فيه جميع اليساريين الذين يوجه عمله في الإطارات الجماهيرية المختلفة، و في تنفيذ البرنامج الحزبي اليساري الذي يهدف إلى تثوير المجتمع على جميع المستويات و في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، كما يقوم التنظيم الحزبي اليساري بدراسة الواقع دراسة موضوعية من اجل اكتشاف قوانين الواقع من أجل التحكم فيه، و العمل على تغييره تغييرا إيجابيا نحو الأحسن حتى يستطيع استقطاب الجماهير الشعبية الكادحة إلى صفوفه سعيا إلى توسيع قاعدة حزب اليسار حتى يستطيع التغلغل في صفوف المنظمات الجماهيرية، و في صفوف الجماهير في نفس الوقت.
فالحزب اليساري الكبير صار حلما في البلاد العربية، ومن حق الجماهير العربية الكادحة أن تحلم بهذا الحزب، و من واجب اليسار الصادق و المخلص للطبقة العاملة و لسائر الكادحين أن يعمل على بناء الحزب اليساري الكبير الذي يتجاوز الخلافات و الاختلافات القائمة بين فصائله المختلفة حتى يتحقق الحلم الجماهيري الذي ظهر مع سيادة عولمة اقتصاد السوق أنه صار من باب المستحيلات.
و بناء هذا الحزب اليساري الكبير يقتضي المراجعة الشاملة للأخطاء التنظيمية الكثيرة التي ارتكبها اليسار في تاريخة الطويل بفصائله المختلفة، من اجل إخضاعها للنقد و التحليل و التقويم حتى يستطيع اليسار تجاوزها، و الشروع في إعداد المناضلين الأكفاء في ضبط التنظيم و تسييره، و في العمل على توسيع قاعدته بناء على برنامج محدد و مدروس و هادف حتى يقوى الحزب على الوحدة التنظيمية و على استمرار تلك الوحدة التي تصير عامل جذب، لا عامل تفريق بين المناضلين.
إنه الأمل الكبير الذي يلازم كل يساري مخلص إلى الطبقة العاملة و سائر حلفائها.
فهل يتحقق هذا الأمل في الأمد القريب و المتوسط ؟
إن ما نسجله أن كل فصائل اليسار في الوطن العربي صارت تدرك إلى أي حد تعاني من الضعف بسبب التمزق الذي ساد لأمد طويل في صفوفها. كما تدرك إلى أي حد يعتبر تحقيق الوحدة التنظيمية لليسار قوة لها. و هذا الإدراك في حد ذاته يعتبر اكبر دافع إلى تحقيق الوحدة التنظيمية التي تعتبر قوة للجماهير، و تصير قوة بالجماهير.
4) العمل على تجاوز الأزمة السياسية لأحزاب اليسار و المتمثلة في الاختلاف إلى درجة التناقض بين البرامج السياسية، و بين المواقف السياسية المعلنة نظرا للخلاف و الاختلاف في الأيديولوجية و في التصور التنظيمي. و معلوم ما للاختلاف من البرامج و المواقف السياسية من اثر سيء على الجماهير الشعبية و طليعتها الطبقة العاملة التي تصير نابذة لليسار و غير مهتمة بمواقفه، و لا عابئة ببرامجه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى و إن كانت في مصلحة الجماهير. و لتجاوز هذه الوضعية، و كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فإن على التنظيمات اليسارية في كل بلد عربي على حدة، و في جميع البلاد العربية أن تعمل على :
أ-التنسيق فيما بينها من خلال هيئات مشتركة للإعلان عن مواقف سياسية مشتركة حتى يتجنب اليسار الظهور بمظهر التمزق و التفرقة، سعيا إلى جعل اليسار يؤثر في الجماهير من جهة، و إلى جعل الجماهير ترتبط باليسار، و تنخرط في النضال من أجل تغيير الواقع.
ب- إنشاء هيئات مشتركة للتتبع السياسي ترصد ما يمارس في حق الجماهير الشعبية الكادحة من قبل الطبقة الحاكمة أو من قبل أجهزة الدولة التي تسعى إلى إلحاق الحيف بالحقوق المختلفة لتلك الجماهير حتى تتخذ التنظيمات اليسارية مواقف مشتركة من مختلف الممارسات محليا، و إقليميا، و جهويا، و وطنيا، و قوميا لجعل الجماهير تنهض للتمسك بحقوقها المختلفة و النضال من اجل المحافظة عليها، استجابة لمواقف اليسار من جهة، و سعيا إلى الارتباط به من جهة أخرى.
ج- العمل على إنشاء هيئات مشتركة للانكباب على دراسة برامج اليسار السياسية المختلفة، وصولا إلى إيجاد برنامج سياسي مشترك تنخرط جميع التنظيمات اليسارية في الالتزام به تحقيقا لوحدة اليسار السياسية في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية و القومية. حتى تشكل تلك البرامح وسيلة لتحقيق الوحدة على ارض الواقع من مختلف التنظيمات اليسارية التي تتحرك و كأنها تنظيم يساري واحد.
د- العمل على تعبئة الجماهير الشعبية الكادحة وفق برنامج مشترك موحد. يهدف إلى توعية الجماهير الشعبية بأوضاعها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و بالأسباب التي تقف وراء تلك الأوضاع. و دور الطبقة الحاكمة في قيام تلك الأسباب، و دور أجهزة الدولة في جعل الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة غير قادرة على مواجهة مخططات الطبقة الحاكمة عن طريق الإرهاب المستمر و القمع المتواصل الذي يبث الخوف و الرعب في كيان كل فرد من أفراد المجتمع. و بالإضافة إلى ذلك، فإن على اليسار أن يجعل الجماهير الشعبية الكادحة تدرك مواقعها الطبقية في إطار التشكيلة الاجتماعية القائمة و طبيعة علاقات الإنتاج، و طبيعة الطبقة المستفيدة من نمط الإنتاج السائد، حتى تمتلك الجماهير الشعبية الكادحة وعيها الطبقي الحقيقي الذي يعتبر الوعي السياسي مظهرا من مظاهره.
و بهذه الخطوات المحسوبة و المضمونة من قبل تنظيمات اليسار يصير اليسار على المستوى السياسي و كأنه حزب واحد، و تصير الجماهير مستجيبة و منضبطة و منفذة للقرارات السياسية التي تصدر عن تنظيمات اليسار، و يحصل بفعل ذلك الارتباط العضوي بين تنظيمات اليسار و بين الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة. و هو ارتباط يجب الحرص عليه و تنميته و تقويته لقطع الطريق أمام مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يسعون باستمرار إلى استغلال فضاء اليسار الذي انسحب من الساحة السياسية بسبب حالة التمزق و التفرقة التي كان و لا يزال يعاني منها.
5) العمل على تجاوز أزمة العلاقة مع الواقع التي جاءت نتيجة لعدم قدرة اليسار بسبب انشغاله بالأمور الخلافية بين فصائل اليسار على القيام بامتلاك نظرية علمية عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي في كل بلد عربي على حدة، و في مجموع البلاد العربية، و نشر تلك الدراسات لجعل الرأي العام يمتلك تصورا كاملا و متكاملا و علميا عن الواقع كما يراه اليسار، و كما يتصوره من خلال تحليله العلمي.
و ترجع أزمة العلاقة مع الواقع إلى وضعية التمزق و التشرذم التي يعاني منها اليسار كجزء من الواقع نفسه، و على كون فصائل اليسار القائمة تمتلك المنهج العلمي الصحيح في التعامل مع الواقع، و لكونه يفتقد في معظم الأحيان الأطر المتخصصة التي تجعله قادرا على إدراك، و فهم ما يجري في مختلف جزئيات الحياة، و عدم امتلاكه للوسائل الإعلامية الرائدة التي تمكنه من الارتباط بالجماهير، و من خدمة تلك الجماهير بما يفيدها في تعاملها مع الواقع الذي تعيشه. و نظرا لوضعية اليسار المأزومة أصلا، فإن أزمته تلك تؤثر على رؤيته للواقع، و تجعله منسحبا إلى الخلف تاركا الواقع لمؤدلجي الدين الإسلامي الذين أعادوا صياغته على جميع مستوياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في وجدان الناس و في فكرهم على الأقل، الأمر الذي يزيد من تعميق أزمة علاقة اليسار بالواقع، و التي كادت تصير مستحيلة لولا إرادة اليسار الصامدة و الساعية لاستمرار تلك العلاقة.
و لتجاوز أزمة العلاقة مع الواقع لابد من تركيز التنظيمات اليسارية على :
أ- العلاقة مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي حتى يتحدد ما يجب عمله تجاه هذه التنظيمات: هل يتم الاعتراف بها كتنظيمات سياسية لها رأيها، و لها ممارستها الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية. و إذا تم الاعتراف بها هل هي ديمقراطية . و هل يمكن أن تناضل من أجل الديمقراطية ؟ هل تسعى إلى جعل الجماهير الشعبية تملك وعيها الطبقي ؟ إن هذه الأسئلة و غيرها تقود اليسار إلى استنتاج واحد و وحيد هو أن التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي ليست ديمقراطية. و لا يمكن أن تكون ديمقراطية لأنها مستبدة أو تسعى إلى فرض استبداد بديل بالواقع عن طريق استغلالها للدين الذي هو للناس جميعا من اجل تدجين الناس و تدجيلهم و تجييشهم من أجل توظيفهم لتحقيق الأهداف الحزبية الضيقة. و بالتالي فإن هذه التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي لا يمكن أن تكون إلا مؤدلجة للدين الإسلامي، فالادلجة هي رأيها، و هي ممارستها، و هي تنظيمها، لأنها في عمق الأشياء محكومة بالادلجة و الاستبداد بالرأي المترتب عن تلك الادلجة و لا شيء آخر يمكن أن يجعلها تقبل بالحوار الديمقراطي حول مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هل هي إلا إسلامية ؟ و ما هو إسلامي في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي لا يقبل الحوار الديمقراطي، و لا حتى المشاورة لأنها معدة سلفا للتنفيذ و التطبيق في إطار "تطبيق الشريعة الإسلامية" التي تشرف عليها "الدولة الإسلامية" التي تعتقد أن "الإسلام هو الحل"، و أنه " دين و دنيا". و لذلك فلا مجال للديمقراطية لأنها "بدعة غربية" و "كافرة" و لأن الديمقراطيين "كفرة" و "ملحدين" يجب قتلهم و التخلص من الديمقراطية بصفة نهائية. و لأن الديمقراطية قد تقود إلى تخلي الناس عن دينهم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما يراها مؤدلجو الدين الإسلامي. و لذلك يجب "الجهاد" ضد الديمقراطية، و ضد الديمقراطيين لحماية الإسلام من البدع التي تخرج الناس عن دينهم.
و مادامت التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي هكذا، فهي تنظيمات غير شرعية، و غير ديمقراطية، و لا يمكن لليسار أن يتورط معها في أي تنسيق، مهما كان هذا التنسيق، و كيفما كان مستواه. و مهما كانت القضايا المطروحة للتنسيق. لأن التنظيمات اليسارية، و التنظيمات المؤدلجة للدن الإسلامي لا يلتقيان أبدا، و لا يجمع بينهما إلا التناقض المطلق و السافر و الصراع بينهما يتخذ طابعا تناحريا.
و لذلك، فالتنظيمات اليسارية لا تعترف بشرعية التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، لأنه إذا تم ذلك الاعتراف، فسنجد إما أن اليسار تخلى عن يساريته، و صار مؤدلجا للدين الإسلامي، أو أن التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي قد تخلت عن ادلجتها للدين الإسلامي. أما اليسار القائم الذي لا يتزحزح عن مواقفه فإنه لا يعترف بالتنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، بل يقوم بتشريح أدلجتها للدين الإسلامي، و فضح و تعرية خلفية تلك الادلجة التي تعتبر من العوائق الأساسية التي تقف وراء محاصرة اليسار الأيديولوجية و السياسية حتى يتخلص المجتمع من ادلجة الدين الإسلامي، و من مؤدلجيه مهما كانت درجة ادلجتهم للدين الإسلامي. ليجد اليسار نفسه في طريقه إلى الجماهير الشعبية الكادحة دون عوائق تذكر.
فهل تحسم التنظيمات اليسارية مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي ؟
فهل تقوم بدورها التاريخي في تشريح أدلجة الدين الإسلامي، و التفريق بينها و بين الدين الإسلامي ؟
ب- العلاقة مع أحزاب البورجوازية الصغرى تقتضي المعرفة الدقيقة بطبيعة هذه الأحزاب، و هل هي صالحة لإنجاز علاقة معها؟ و هل هي ديمقراطية أم لا ؟ و ما طبيعة أيديولوجيتها، و هل هي أيديولوجية توفيقية تلفيقية تضليلية أم أنها أيديولوجية الكادحين؟ و هل تنسجم تنظيماتها مع طبيعة أيديولوجيتها ؟ و ما مواقفها السياسية ؟ هل تنسجم مع أيديولوجيتها و تنظيماتها ؟ أم أنها مجرد مواقف لقيطة ؟ هل تتفق مع مواقف اليسار أم لا ؟
إن طرح هذه الأسئلة و غيرها مما يمكن طرحه في هذا الاتجاه من اجل معرفة ما يجب عمله لتجاوز أزمة العلاقة مع أحزاب البورجوازية الصغرى، لأن هذه الأحزاب إما معتنقة لأيديولوجية توفيقية تلفيقية. و بالتالي فإن العلاقة معها يجب أن تكون محسوبة بدقة لأن أحزاب البورجوازية الصغرى في مثل هذه الحالة يمكن أن تتخذ أي موقف من مختلف القضايا يتناقض مع علاقة اليسار بها. أما إذا كانت هذه الأحزاب تعتنق الاشتراكية العلمية، و تنظيماتها منسجمة مع تلك الأيديولوجية فإن العلاقة معها تكون مرحلية و استراتيجية في نفس الوقت، لأنها تصير بذلك جزءا من أحزاب اليسار.
و ما قلناه عن الأيديولوجية نقوله عن التصور التنظيمي لكل حزب من أحزاب البورجوازية الصغرى، و نقوله عن المواقف السياسية التي قد تكون منسجمة مع المواقف السياسية لليسار و قد تكون متناقضة معها.
و إذا تبتت عمالة الأحزاب البورجوازية للطبقة الحاكمة أو لأجهزة الدولة، أو لمؤدلجي الدين الإسلامي، فإن من واجب اليسار أن يخضع العمالة للتشريح ليكشف عن الطبيعة الحقيقية للبورجوازية الصغرى المريضة بالتطلعات البورجوازية التي تدفع بها إلى ممارسة العمالة الطبقية. و فضح تلك العمالة و ما يترتب عنها من أضرار حتى تصير واضحة أمام أعين الكادحين في كل البلاد العربية لجعلهم يتخذون موقفا منها مما يجعل قيادتها الخالصة سائغة لأحزاب اليسار.
فالتضليل الذي تمارسه البورجوازية الصغرى على الجماهير الشعبية و على الطبقة العاملة بالخصوص لا يمكن إغفاله من قبل اليسار، و لا يمكن السكوت عنه في نفس الوقت. و إلا فإن أحزاب اليسار ستنخرط في مؤامرة الصمت، و ستكون خائنة للجماهير العربية الكادحة. و حتى لا تسقط في مؤامرة الصمت و في الخيانة فإن على التنظيمات اليسارية المخلصة أن تستحضر كل الدسائس و المؤامرات و أصناف العمالة التي تقوم بها أحزاب البورجوازية الصغرى و أن تجعل الجماهير على بينة منها حتى تنبذها. و تعمل على محاربتها حرصا على سلامتها من تسرب تلك الممارسات إلى صفوفها، حتى لا يتحمل اليسار العربي أية مسؤولية في التردي الذي تقف الأحزاب البورجوازية وراءه. و حتى يستطيع اليسار العربي الإمساك بقيادة الجماهير الشعبية الكادحة التي كانت تستغلها البورجوازية و البورجوازية الصغرى.
ج- العلاقة مع الأحزاب البورجوازية الليبرالية التي تحدد على أساس أيديولوجيتها التي تسمح بالممارسة الديمقراطية الليبرالية التي تسمح بحركة اليسار في وسط الجماهير الشعبية الكادحة، و خوض النضالات المطلبية التي تؤدي إلى تحسين أوضاعها المادية و المعنوية و قيادة نضالات الكادحين من اجل تطوير الديمقراطية الليبرالية حتى تخدم مصالح الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة التي تسعى إلى رفع حيف الاستغلال عنها، و تسعى بقيادة اليسار إلى تحويل ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية جماعية.
كما تتحدد على أساس أيديولوجيتها التي تسمح بالممارسة الديمقراطية الليبرالية على أساس احترام الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. و لأن احترام تلك الحقوق يدخل ضمن الأيديولوجية الليبرالية التي تعطي لكل واحد الحق في أن يعمل ما يشاء و أن يتمتع بما يشاء، و اليسار يحق له أن يعمل من اجل تمتيع الجماهير الشعبية الكادحة بجميع الحقوق التي تضمن للإنسان دخلا اقتصاديا مناسبا، و خدمات اجتماعية مناسبة، و التمتع بالقيم الثقافية المناسبة، و أن يعيش في مجتمع على أساس المساواة بين أفراده، و أن تعمل الدولة على فرض احترام إرادة المواطنين في مختلف الانتخابات التي يعرفها كل بلد عربي على حدة و في جميع البلاد العربية، و أن تحكمهم حكومة من اختيارهم تشرف على تنفيذ القوانين التي تخدم مصالحهم على جميع المستويات.
كما تتحدد على أساس بناء اقتصاد وطني متحرر، و نام، و قادر على التحديث الصناعي، و استيعاب اليد العاملة المؤهلة تأهيلا عاليا، و متوسطا، و بسيطا حتى يستطيع المنافسة على المستوى العالمي، و حتى تستطيع البضائع الوطنية عبور القارات المختلفة و جعل التعليم يساهم في تطورها و في خدمتها حتى تتطور تطورا إيجابيا في اتجاه إيجاد جودة عالية تستطيع التفوق على الإنتاج في الدول الرأسمالية الكبرى لإعطاء الاقتصاد العربي بعدا عالميا من اجل المساهمة في خلق قاعدة عمالية عريضة.
و البورجوازية الليبرالية لا تكون كذلك إلا إذا أنتجت عقلية ليبرالية متطورة تقطع مع الأيديولوجية الإقطاعية و مع الفكر الإقطاعي المتخلف، و مع ادلجة الدين الإسلامي في مختلف مستوياتها باعتبارها امتداد للأيديولوجية الإقطاعية، و للفكر الإقطاعي حتى تساهم في بناء مجتمع علماني متطور، و دولة علمانية متطورة ضرورية و تاريخية لإنقاذ المجتمع العربي من الانغماس في مستنقع الخرافة و ادلجة الدين الإسلامي الذي أغرقته فيه الطبقات الحاكمة في البلاد العربية التي تصرف أموالا طائلة لأجل إبقاء المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج متخلفا.
و عندما لا تقوم البورجوازية بالمهام الموكولة إليها و تسعى بواسطة أحزابها الليبرالية إلى التحول إلى اعتماد أيديولوجية الإقطاع، و ادلجة الدين الإسلامي، أو بالارتماء في أحضان الطبقات الحاكمة، و تقف إلى جانب البورجوازيات التابعة. فإن على اليسار العربي أن يعمل على تشريح عمالة البورجوازية و خيانتها لنفسها، و للبلاد العربية. و العمل على تعبئة الطبقة العاملة و سائر الكادحين لخوض الصراع ضد هذه البورجوازية من اجل المحافظة على استقلال الاقتصاد الوطني و الحيلولة دون تحوله إلى اقتصاد تابع، حتى يبقى في خدمة التنمية الاقتصادية الوطنية بدل أن يصير رهينا بخدمة الدين الخارجي، و حتى يبقى مستمرا في النمو بدل أن يصير مهددا بالإفلاس. و اليسار العربي عندما لا ينجز هذه المهمة في الوقت المناسب، فإن الجماهير الشعبية الكادحة ستبقى مضللة، و ستبقى الأحزاب البورجوازية الليبرالية في نظرها أحزابا مناضلة فعلا. و هو أمر يجعل أحزاب اليسار محرجة مع الجماهير الشعبية الكادحة و مع الطبقة العاملة.
فهل ترقى أحزاب اليسار إلى نسج علاقة موضوعية مع الأحزاب الليبرالية حتى لا تنخدع بليبراليتها ؟
و هل يستطيع أن يؤثر في المجتمع الليبرالي حتى يصير في خدمة الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة و لصالحهم.
د- العلاقة مع الأحزاب البورجوازية التابعة التي تفرض و منذ البداية، الحسم مع هذه الأحزاب لأنها أحزاب رجعية متخلفة و غير قادرة على أن تكون متحررة لكونها تنظم طبقة رجعية متخلفة طبقة بورجوازية الامتيازات التي قدمت لها بدون أدنى تضحية تذكر. فهي البورجوازية اللقيطة التي لم تمارس الصراع قط، و لم تعرفه في حياتها، و هي سليلة الإقطاع، و عميلة الاستعمار بشكليه القديم و الجديد و الوسيطة بين "الرأسمال" الوطني و الرأسمال الأجنبي، و قناة عبور الشركات العابرة للقارات، لا يهمها من المشاريع غير المنتجة التي تقيمها إلا الربح السريع، و لا تسعى إلا إلى المزيد من إلا الاستهلاك. و إذا كان الرأسمال الأجنبي الذي يغزو البلاد العربية فهي اكثر همجية من الرأسمال الأجنبي للجوئها إلى القيام بالعمل على الاستغلال المزدوج للكادحين، استغلالهم لحسابها، و استغلالهم لصالح الرأسمال الأجنبي الذي يأتي على شكل قروض، أو على شكل شركات عابرة للقارات.
و أحزاب اليسار عندما ترتبط بمثل هذه الأحزاب و من هذا النوع عليها أن تضع برنامجا مكثفا لمحاربتها باعتبارها أحزاب الطبقة الحاكمة، أو داعمة لها و ساعية إلى تضليل الكادحين و بكافة الوسائل المتوفرة لديها بما فيها توظيف مؤدلجي الدين الإسلامي لإنجاز هذه المهمة، و محاربتها تقتضي إخضاع أيديولوجيتها للتحليل و المناقشة و النقض من اجل الكشف عن طبيعتها التبعية و المؤدلجة للدين الإسلامي و الإقطاعية وصولا إلى أن هذه الطبقة تملك أيديولوجية محددة نابعة من شخصيتها، لأنها في الأصل لا شخصية لها. و العمل على تفكيك برنامج هذه الأحزاب من اجل تعرية خلفياتها الطبقية و السياسية حتى تكون الجماهير الشعبية الكادحة، وفي مقدمتها الطبقة العاملة على بينة من تلك الخلفيات حتى يساهم ذلك في تعميق وعيها الطبقي، فتنخرط في مواجهة هذه البورجوازية عن طريق النضال النقابي، و الثقافي، و السياسي في أفق تقويض الهياكل الرأسمالية التبعية التي تفرز البورجوازية التابعة.
و لمواجهة البورجوازية التابعة كأحزاب و كطبقة، فإن على أحزاب اليسار أن تمتلك نظرية عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يفرز الطبقة البورجوازية التابعة التي تتمتع بامتيازات لا حدود لها، حتى يكون واضحا في برنامج عمله، و محددا لأهدافه القريبة و المتوسطة و البعيدة، و واضعا الآليات التي تساعده على تحقيق تلك الأهداف التي تنتهي بالتغيير اللازم لصالح الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة. و بذلك نصل إلى خلاصة أن أحزاب اليسار هي أحزاب رهينة بنضالها المرير، و بإخلاصها للكادحين، و بسعيها إلى تقويض البنيات الرأسمالية التبعية، و إعداد المجتمع إلى القيام بإعداد بنيات نقيضة تناسب التحولات التي تتحقق في إطارها طموحات الكادحين.
فهل يقوى اليسار على تقويض البنيات الرأسمالية التبعية في البلاد العربية ؟
و هل يقوى على اعداد بنيات تحتية نقيضة تستطيع إفراز بنيات فوقية تتناسب معها.
إن الأمر رهين بمدى قوة اليسار، و مدى صلابة تنظيمه و مدى تحقق وحدة فصائله، و نجاعة برنامجه، و وضوح أهدافه.
ه- العلاقة مع الأحزاب الإقطاعية التي ينطلق اليسار في التعامل معها على أنها أحزاب رجعية متخلفة. تقوم أيديولوجيتها على الخرافة و على ادلجة الدين الإسلامي، و إحياء المظاهر المتخلفة و الظلامية من تلك الادلجة لتوظيف كل ذلك في تضليل الكادحين و جعلهم يعتقدون أن النظام الإقطاعي هو الاصلح لاستفادتهم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، حتى يتم توظيفهم في إحياء الإقطاع أو العمل على تأبيد سيطرته أو استمرار سيادته إن كان قائما.
و اليسار العربي عندما يتعامل مع الأحزاب الإقطاعية ينطلق من كونها تتحمل جانبا كبيرا في تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في جعل البلاد العربية مباحة أمام الاستعمار بشكليه القديم و الجديد، و بإغراق البلاد العربية في الديون الخارجية و بالوقوف وراء البورجوازية التابعة المتأصلة من الإقطاع و التي تفوقت على الإقطاع نفسه في العمالة إلى الخارج، و إلى المؤسسات المالية الدولية بالخصوص.
وتعمل الأحزاب الإقطاعية باستمرار على تكريس مظاهر التخلف الاستهلاكية التي تسعى إلى تعميمها على المجتمع، و إلى إحياء و تأبيد نمط الإنتاج الإقطاعي. و العمل على إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الإقطاعية حتى يستمر امتلاك الإقطاعيين للأراضي الواسعة التي يعمل فيها الفلاحون المعدمون لصالح الطبقة الإقطاعية.
و هذا المنهج في العمل الذي تتبعه الأحزاب الإقطاعية أو شبه الإقطاعية في البلاد العربية له قاعدته المادية المتمثلة في سيادة العقلية الإقطاعية الزراعية بين السكان في مجموع البلاد العربية و خاصة سكان الأرياف، و سكان هوامش المدن و غيرها مما يعتبر مجالا لسيادة و استمرار العقلية الإقطاعية.
و الأحزاب اليسارية هي المسؤولة عن إنجاز مهمة تشريع ممارسة الأحزاب الإقطاعية، و إخضاع برامجها للتحليل و النقد و النقض، و فضح الخلفيات التي تحكم برامج الأحزاب الإقطاعية، و تعرية الأهداف التي تسعى الأحزاب الإقطاعية إلى تحقيقها حتى تكون الجماهير الشعبية الكادحة على بينة من ممارسة الأحزاب الإقطاعية، و من ممارسة الإقطاعيين أنفسهم.
إن العمل على تطوير التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية الإقطاعية من خلال تحويلها إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية رأسمالية، و من خلال برنامج استعجالي إنقاذي، و في جميع البلاد العربية، هو مهمة يسارية. لأن الأحزاب البورجوازية عندنا، و نظرا لأصولها الإقطاعية، فإنها لا تملك برنامجا محددا، خاصة و أنها تستمر حاملة لأيديولوجية الإقطاع.
و لذلك فالربط بين البورجوازية التابعة و الإقطاع المتخلف في التحليل الذي يقوم به اليسار نظرا لعلاقة التكامل بين البورجوازية التابعة و بين الإقطاع، خاصة و أنهما معا مسؤولان عن ما وصلت إليه البلاد العربية من ترد لشراهة استغلالهما للفلاحين و الفقراء و العمال و المعدمين و باقي الكادحين، و لارتباط وجودهما بالمؤسسات المالية الدولية.
و عدم الربط بين الإقطاع و البورجوازية في التحليل سيجعل التحليل غير علمي، و النتائج أيضا غير علمية مما يجعل الرؤيا التي تتكون عند اليسار غير موضوعية و غير دقيقة لعدم علميتها و بالتالي فإن رؤيا من هذا النوع لابد أن تكون مأزومة و لابد أن تنعكس تلك الأزمة على مسار اليسار.
و- و بالنسبة لعلاقة اليسار بالمنظمات الجماهيرية، فإن علينا أن نميزها عن العلاقة بالأحزاب التي رأيناها في الفقرات السابقة. لأن المنظمات الجماهيرية هي إطارات يمكن لمناضلي اليسار أن ينخرطوا فيها، و يمكن لليسار أن يعمل على توجيه عمل مناضليه من خلالها، و يمكن لبرامجها أن تتفق مع برامج اليسار المرحلية في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و يمكن أن يقوم تنسيق معين بين المنظمات الجماهيرية و بين اليسار من اجل القيام بنضال مشترك لتحقيق مطالب محددة.
و اليسار عندما يربط علاقة معينة بمنظمة جماهيرية معينة فإن عليه أن يميز بين مستويات تلك العلاقة، هل هي علاقة مبدئية ؟ هل هي تبعية ؟ هل هي علاقة بتنظيم مواز معين ؟
و نحن في هذا الإطار نرى أن اليسار الحقيقي لا يمكن أن تكون علاقته مع المنظمات الجماهيرية إلا مبدئية، أي علاقة تحترم ديمقراطية المنظمات الجماهيرية، و تقدميتها، و جماهيريتها و استقلاليتها، و لا شيء آخر غير المبدئية. و إلا فإن اليسار ليس يسارا حقيقيا، و علاقته بالمنظمات الجماهيرية سوف لن تكون مبدئية، و سيعمل على السيطرة على أجهزة تلك المنظمات. و التمكن من توجيه عملها بما يساهم في خدمة تحقيق أهداف اليسار غير الحقيقي، أو تحويلها إلى مجرد منظمات موازية تقوم بتنفيذ القرارات الحزبية اليسارية.
و اليسار الحقيقي عندما يكون مبدئيا، فلأنه يحرص أن يكون المجتمع الذي يتحرك فيه ديمقراطيا، و هو ما يتناقض مع الحرص على التحكم في المنظمات الجماهيرية، و توجيه عملها، أو جعلها مجرد منفذ للقرارات الحزبية التي تتخذ في إطارات حزبية خارج الإطارات الجماهيرية المقررة.
و حرص اليسار الحقيقي على احترام مبدئية العمل الجماهيري هو حرص مبدئي لا يفرق فيه بين مبدئية العمل الجماهيري، و هو حرص مبدئي لا يفرق بين جمعية ثقافية و جمعية تربوية أو ترفيهية، أو حقوقية. كما أنه لا يفرق فيه بين نقابة مركزية و أخرى قطاعية، لأنه باحترام مبدئية العمل الجماهيري يكون اليسار الحقيقي في البلاد العربية منسجما و متجاوزا لأزمة العلاقة مع المنظمات الجماهيرية الجمعوية و النقابية و الحقوقية.
و بهذه الرؤيا، و بهذا التصور الذي بنيناه يتجاوز اليسار أزمة العلاقة مع الواقع من خلال تحديد ما يجب عمله تجاه التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، و كيف يجب التعامل مع أحزاب البورجوازية الصغرى، و ما طبيعة التعامل مع الأحزاب البورجوازية، و ما هو الموقف الذي يجب اتخاذه من أحزاب البورجوازية التابعة، و الأحزاب الإقطاعية و كيف يجب التعامل مع المنظمات الجماهيرية الجمعوية و الحقوقية و النقابية.
و على هذا الأساس نجد تجاوز اليسار لأزمة الطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين إلى أحزاب اليسار. و تجاوز الأزمة الأيديولوجية، و تجاوز الأزمة التنظيمية و الأزمة السياسية لنفس الأحزاب حتى يصير قويا أيديولوجيا و تنظيميا، و سياسيا، و قادرا على خوض كافة أشكال الصراع الطبقي من اجل تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، بل يتجاوزه إلى المرحلة الأعلى التي تتطلب تطورا من نوع خاص على جميع المستويات على المدى البعيد.
فهل يحرص اليسار على إعداد المجتمع لتحقيق المرحلة الاشتراكية في البلاد العربية كمرحلة ضرورية للانتقال إلى المرحلة الأعلى ؟

خـاتمة :
و بعد فهل أوفينا اليسار حقه ؟ هل أوفينا الديمقراطية حقها ؟ هل أوفينا العلمانية حقها ؟
هل يعرف اليسار العربي، و في بلد عربي، تجاوز أزمة تشرذمه و تمزقه و ضعفه ؟
هل تعرف الديمقراطية الحقيقية طريقها إلى التحقيق على يد اليسار ؟
هل يتلازم تحقق الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية في نفس الوقت على يد اليسار العربي، و في كل بلد عربي، و في جميع البلاد العربية ؟
هل يعمل اليسار وفق برنامج محدد على تحقيق الحرية ثم الديمقراطية، ثم الاشتراكية ؟
هل يرقى اليسار العربي إلى تحقيق وحدته الأيديولوجية و التنظيمية و البرنامجية و السياسية ؟
هل يرقى إلى القدرة على إقامة جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية ؟
هل يستطيع اليسار العربي نقض ادلجة الدين الإسلامي و تعرية ممارسات مؤدلجيه أنى كانوا، و مهما كان مستوى تلك الادلجة ؟
هل يقود الصراع ضد التنظيمات اليمينية المتطرفة المؤدلجة للدين الإسلامي و الممارسة لكل أشكال الإرهاب المادي و المعنوي ضد أفراد المجتمع بصفة عامة، و ضد مناضلي اليسار بصفة خاصة و على مستوى الدول العربية من المحيط إلى الخليج ؟
هل يمتلك القدرة على تعرية الممارسات البورجوازية الصغرى الأيديولوجية و السياسية و التنظيمية المضللة للجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة ؟
هل يستطيع استقطاب أحزاب البورجوازية الصغرى إلى الانخراط في الجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية ؟
هل يكشف عن حقيقة ادعاءات الطبقة البورجوازية الليبرالية و عن ممارسة أحزابها ؟ و هل يفرض عليها قيادة النضال الديمقراطي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي ؟
هل يخوض الصراع المرير و الطويل ضد البورجوازية التابعة و على مستوى الوطن العربي ؟ و هل يستطيع فضح لجوء الأحزاب البورجوازية التابعة إلى ممارسة ديمقراطية الواجهة للاستهلاك الخارجي ؟
و هل يعمل على فضح ممارسات الأحزاب الإقطاعية الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية ؟
هل يقوم بفضح و تعرية لجوء الإقطاع إلى ادلجة الدين الإسلامي لتضليل الكادحين ؟
هل يسعى اليسار العربي إلى الكشف عن العلاقة الوثيقة القائمة بين الإقطاع و البورجوازية التابعة ؟
هل يقوى اليسار العربي على فرض تحييد الدين الإسلامي في الصراع الأيديولوجي و السياسي في البلاد العربية ؟
هل يقوى اليسار العربي على إرغام الطبقات الحاكمة في البلاد العربية على العمل على إقامة دولة الحق و القانون ؟
هل يستطيع فرض احترام الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ؟
هل يفرض ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية ؟
هل يقيم علاقة مبدئية مع المنظمات الجماهيرية النقابية و الجمعوية و الحقوقية ؟
هل يرتبط ارتباطا عضويا مع الجماهير الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة ؟
إن الشروط الموضوعية التي تعيشها الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة تفرض المراهنة على دور اليسار، كما تفرض عمل اليسار على تجاوز أزماته المختلفة و المتعددة و المزمنة في نفس الوقت. و تفرض أيضا قيام اليسار بإعادة النظر في مقولاته و شعاراته التاريخية التي لم تعد تتناسب مع التطور العلمي و التقني الذي صارت تعرفه البشرية كما لا تتناسب مع التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في اتجاه عولمة اقتصاد السوق التي صارت واقعا قائما من اجل تطوير الأيديولوجية الاشتراكية العلمية و تطوير الفكر الاشتراكي العلمي حتى يستطيع استيعاب التحولات و اكتشاف القوانين و الآليات المتحكمة فيها. و العمل على مقاومة تلك القوانين من اجل إضعاف التأثير الذي تخلفه عولمة اقتصاد السوق على مصير الشعوب لصالح الرأسمالية الإمبريالية العالمية التي صارت تنهب كل شيء بواسطة الشركات العابرة للقارات، و بواسطة صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و باقي المؤسسات المالية الدولية، و المساهمة في بناء آليات للمقاومة العالمية للآثار السلبية لعولمة اقتصاد السوق.
و لمقاربة الأجوبة على الأسئلة التي طرحنا أعلاه في موضوع "اليسار-الديمقراطية-العلمانية، أو التلازم المستحيل في العالم العربي"، فقد تناولنا بالتحليل مفهوم اليسار، و مفهوم الديمقراطية، و مفهوم العلمانية، و العلاقة بين المفاهيم الثلاثة، و معاناة اليسار من مؤدلجي الدين الإسلامي. و علاقة الديمقراطية بادلجة الدين الإسلامي. ثم العلمانية و سد ادلجة الدين الإسلامي، ثم الديمقراطية و العلمانية و خيار التلازم، و الديمقراطية و علاقتها بادلجة الدين الإسلامي. و الدولة الأصولية و استحالة العلمانية و حاولنا الإجابة على سؤال : لماذا لا تسمح الأنظمة العربية بعلمانية الدولة ؟ كما حاولنا الإجابة على السؤال : لماذا لا تتحول الأنظمة العربية إلى أنظمة ديمقراطية ؟ و تناولنا الديمقراطية و العلمانية و الاستحالة المستلزمة. و اعتبرنا أن تحقيق الديمقراطية و فرض العلمانية مهمة يسارية صرفة. ثم انتقلنا إلى معالجة أزمة اليسار في علاقتها بأزمة الواقع، من خلال تناولنا للطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين إلى اليسار. ثم الأزمة الأيديولوجية لليسار. بالإضافة إلى أزمته التنظيمية، و أزمته السياسية. ثم علاقة اليسار بالواقع من خلال علاقته بالتنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي و علاقته بالأحزاب البورجوازية الصغرى، و أحزاب البورجوازية، و أحزاب البورجوازية التابعة، و الأحزاب الإقطاعية، و النقابات و الجمعيات و المنظمات الحقوقية. ثم العلاقة مع الدولة و الجماهير الشعبية الكادحة، و من بينها الشباب و المرأة. لنصل إلى آفاق تجاوز أزمة اليسار في العالم العربي، حيث تناولنا آفاق تجاوز أزمة الطبيعة البورجوازية الصغرى للمنتمين إلى أحزاب اليسار، و آفاق تجاوز الأزمات الأيديولوجية و التنظيمية و السياسية لأحزاب اليسار، ثم آفاق تجاوز أزمة العلاقة مع الواقع من خلال تجاوز أزمة العلاقة مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي. و أزمة العلاقة مع أحزاب البورجوازية الصغرى، و البورجوازية و البورجوازية التابعة و الإقطاع. و أزمة العلاقة مع المنظمات الجماهيرية النقابية و الجمعوية و الحقوقية، لنكون بذلك قدمنا صورة عن واقع اليسار العربي، و عن الديمقراطية، و عن العلمانية، و يبقى السؤال :
هل يتحقق يسار قوي ؟ هل تتحقق الديمقراطية ؟ هل تتحقق العلمانية في العالم العربي ؟
نعتقد أن ما تناولناه من خلال معالجتنا لموضوع "اليسار-الديمقراطية-العلمانية أو التلازم المستحيل في العالم العربي". يقودنا إلى القول بأن تحقق هذه الشعارات مجتمعة في ظل الأوضاع العربية القائمة يعتبر مسألة مستحيلة، نظرا لعمق الاستبداد و تجذره في المسلكية العربية القائمة و في الجماهير العربية نفسها قبل الأنظمة، و قبل التنظيم و هو ما يحتاج من اليسار إلى مضاعفة النضال على جميع المستويات لخلخلة مسلكية الاستبداد على المستوى الأيديولوجي، و التنظيمي و السياسي، و خلق تيار واسع و عريض من الوعي الحقيقي في البلاد العربية، و في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، حتى يكون الواقع مهيأ لتقبل وجود اليسار أولا ، كيسار معبر عن معاناة الجماهير، و معاناة الطبقة العاملة، و تقبل النضال من اجل الديمقراطية ثانيا، باعتبارها الوسيلة الناجعة لانعتاق الإنسان العربي من الانغماس في التخلف الذي يطاله و تقبل علمنة المجتمع، و الأفكار و الممارسات و الأحزاب قبل علمنة الدولة.
إنها الاستحالة التي يحتاج اليسار إلى اختراقها أملا في انعتاق الجماهير الشعبية الكادحة.
إنها الاستحالة التي تحتاج إلى إرادة صلبة و قوية، و يسار صلب و قوي، و حركة يسارية صلبة و قوية، لأجل مستقبل نوعي للإنسان العربي، مستقبل الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية باعتباره مدخلا لتحقيق التطور الذي يصير من مستلزمات عولمة اقتصاد السوق حتى لا تدوس أقدام الأقوياء ما تبقى من أمل في حياة الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج.
فهل تنتصر إرادة حياة الشعب العربي-اليسار العربي، بتحقيق الديمقراطية، و بسيادة العلمانية ؟

المغرب : ابن جرير في 07/8/2004





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في أفق تجاوز التعدد النقابي :
- عندما يتحول الظلام إلى وسيلة لتعبئة العمال نحو المجهول ...! ...
- حول الإسلام والسياسة .....وأشياء أخرى ......
- الإسلام / النقابة ... و تكريس المغالطة
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟
- الإسلام و دموية المسلمين
- الهوية و العولمة
- النقابة الوطنية للتعليم أي واقع … ؟ و أية آفاق … ؟
- نقطة نظام: العمل النقابي المبدئي الممارسة الانتهازية ...أية ...
- التربية النقابية والتربية الحزبية أو التناقض الذي يولد الضعف ...
- تخريب النقابة … تخريب السياسة … أية علاقة
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة
- حول شعارات مؤدلجي الدين الإسلامي وأشياء أخرى…. من أجل ك.د.ش ...
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟
- الدين / السياسة أو العلاقة التي تتحول إلى متفجرات
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ...
- الأوراش الكونفيدرالية و ضرورة تقديم النقد الذاتي إلى الشغيلة ...
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان…
- هـل انتهى حق الشعوب في تقرير مصيرها بمجرد خروج الاستعمار ؟


المزيد.....




- المشاهد الأولى بعد انفجار في نيويورك قرب سلطة الموانئ بمانها ...
- مصادر: انفجار نيويورك ناجم عما يشبه قنبلة أنبوبية
- شاهد.. شرطة نيويورك تخلي محطات القطار بعد الانفجار
- مصادر: قنبلة نيويورك انفجرت لخلل أو قبل الموعد المحدد للخطة ...
- الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور قاعدة حميميم الجوية في سور ...
- الصين تستعرض رشاقة دباباتها!
- السيسي: اتفقنا مع الرئيس بوتين على ضرورة التسوية السلمية في ...
- الجنائية الدولية تحيل الأردن إلى مجلس الأمن
- حفيد غاندي يتوّج رئيسا لحزب المؤتمر الهندي المعارض
- المغنيسيوم وأهميته لجسم الإنسان


المزيد.....

- القصور والعجز الذاتي في أحزاب وفصائل اليسار العربي ... دعوة ... / غازي الصوراني
- اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العا ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار والقوى العلمانية و الديمقراطية في العالم العربي - اسباب الضعف و التشتت - محمد الحنفي - اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العالم العربي