أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - الامبريالية والعنف















المزيد.....



الامبريالية والعنف


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 3176 - 2010 / 11 / 5 - 22:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمتلك الامبريالية العالمية، وعلى رأسها الاميركية ـ الصهيونية، كل المقدرات الاقتصادية، السياسية، الاعلامية و"الثقافية"، للتأثير على الرأي العام العالمي، وفي كل بلد على حدة، لتوجيه ما يسمى "الدمقراطية" و"الحريات" و"الحقوق"، وقولبتها في الاطر التي تخدم مصالحها الطبقية، الضيقة والانانية. ومع ذلك فإن الامبريالية هي اعجز من ان تلجأ الى الوسائل "الدمقراطية" وحسب لتأمين مصالحها؛ ويبقى استخدام العنف، من ابسط الى اشد اشكاله واكثرها وحشية، هو "الوظيفة الحضارية" الرئيسية لجميع الدول الامبريالية قاطبة، ولا سيما اكبرها واغناها واقواها، سواء تجاه الشعوب والدول الاخرى، او تجاه مواطنيها بالذات. وربما لن نخطئ اذا قلنا انه يمكن تلخيص تعريف الدولة المعاصرة، اي جميع دول العالم بالاطلاق، والدول الامبريالية بالخصوص، بأنها: اللص وقاطع الطريق والمبتز والسجان والجزار والقاتل الجماعي والارهابي والمحارب... بالقانون وخارج القانون.
وانطلاقا من هذا التعريف الاولي البسيط يمكن الاستنتاج ان الدولة ليست "طرفا محايدا" في المجتمع، بل هي الاداة الرئيسية للظلم والاستغلال والقهر والاضطهاد بجميع اشكاله. اي انها ـ اي الدولة ـ هي العنف مجسدا في مؤسسة (سياسية، عسكرية، شرطوية، "حقوقية"، مالية الخ).
وهذا ما يوجب علينا مناقشة موضوعة العنف والدولة، ردا على الاتجاهات والتيارات الانهزامية والانتهازية، اليسارية وغيرها، التي ـ وباسم مكافحة ما يسمى "الارهاب" ـ التحقت او تحاول الالتحاق بالمشروع الامبريالي الاميركي ـ الصهيوني القائم على العدوان والاحتلال من اجل اعادة رسم خريطة "الشرق الاوسط الجديد" في دول "دمقراطية" مزيفة .

التأنسن المتناقض
إن العنف، بكل اشكاله "العدوانية" و"الدفاعية"، "المشروعة" و"غير المشروعة"، اي العنف الذي يمارس من قبل طرف ظالم، او من قبل طرف مظلوم، او العنف المتبادل "المتساوي العدوانية"، بكل ما يرافقه في أغلب الاحيان من وجوه القسوة والوحشية، في جانب، والبطولة والتضحية، في جانب آخر، هو تعبير عن التناقض الوجودي للانسان، تعبير بـ"منطق القوة" الحيواني، لا بـ"منطق العقل"، الذي هو الميزة الاولى للانسان. وهذا "التعبير بالقوة"، او "منطق القوة"، لا يزال الى اليوم يضطلع بدور "قاطرة التاريخ"، أو "المولدة" التاريخية الرئيسية للظاهرات المجتمعية، إما ضد "منطق العقل" الانساني، وإما كأداة له. وفي هذا برهان وجودي، على ان الانسان لم يتأنسن بعد الى درجة التسامي الروحي الكافي، على الحيوان الذي نشأ عنه.
وإن ظاهرة "الارهاب" برمتها، هي مظهر من مظاهر العنف في المجتمع الانساني الشامل، ولا يمكن التصدي لها، ومعالجتها، الا في هذا السياق العام.

المنابع "الحضارية" للعنف
ولا شك أن الاديان، والمدارس والتيارات الايديولوجية العامة، كانت، على الدوام، بمثابة المعبـّر عن، والموجه، والناظم، للسلوك الانساني، الفردي والجماعي، وللصراعات المجتمعية. واذا تجردنا عن جانبها اللاهوتي والفكري ـ المثالي البحت، وأخذنا الانعكاسات والتأويلات والتطبيقات الواقعية والعملية لها، فيمكن القول إنها كانت، بشكل عام، وبصرف النظر عن اصولها ومدى عدالة وإنسانية منطلقاتها، تمثل حالة ملتبسة: فهي، من جانب، تدعو للتحرر والعدالة والخير والسلام بين الناس. ولكنها، من جانب آخر، تبرر"بحق" أو"بغير حق"، ممارسة العنف ضد "الأغيار" و"الكفار" و"المشركين" وشتى أنواع "الاعداء"، وذلك أيضا باسم الخير والسلام. وإن القوانين والاعراف والمفاهيم الاخلاقية والسياسية، مثل "العين بالعين والسن بالسن"، و"الشر بالشر والبادئ أظلم"، و"دفع شر أكبر بشرّ أصغر"، و"انصر اخاك ظالما او مظلوما"، و"التمدين"، و"التقدم"، و"التحرر"، و"الحقوق"، و"النظام" وغيرها، اما أنها، وعلى مر التاريخ، استخدمت ولا تزال عن حق، وفي خدمة الحق، أو أسيء استخدامها، باسم "الحق" ضد الحق، تبعا للطرف والظرف والهدف. وفي كلتا الحالين فهي قد استخدمت في "التبرير العقلي" للعنف.
والتاريخ مليء بالعبر: في "العهد القديم"، الكتاب "التوحيدي!" الاول، الذي ـ في بعض تعاليمه ـ قدس الحياة الانسانية وأوصى "لا تقتل..."، توجد دعوات صريحة لإبادة الفلسطينيين(1) وغير اليهود، وبطريقة يبدو معها كتاب هتلر "كفاحي"، ودعوته النازية ضد اليهود، رجع صدى باهت عن تلك الدعوات "التوراتية".
ولقد كانت الفئات المعينة تنتقل، بين مرحلة تاريخية واخرى، واحيانا كثيرة خلال حياة انسانية واحدة، من النقيض الى النقيض، اي من مواجهة الظلم والعدوان، الى ممارستهما، باسم الايديولوجية الدينية والفكرية ذاتها. فاليهود القدامى، مثلا، الذين (حسبما تقول توراتهم) هربوا من بطش فرعون، "إلـه" الارض، وجاؤوا الى فلسطين بـ"وعد يهوه"، "إلـه" السماء، قاموا هم أنفسهم بالبطش بشعب فلسطين القديم الاصيل، وأغرقوه، باسم "الرب"، في بحر من الدماء والدموع، تماما كما فعل ويفعل بعض احفادهم اليوم، الذين فروا من "البوغرومات"(2) و"الهولوكوست"(3)، وجاؤوا مع الاستعمار "التمديني" الى فلسطين، حاملين "وعد بلفور"(4). والمسيحيون الذين كان الصليب بالنسبة لهم رمزا للتضحية بالذات في سبيل الغير، جعله "الصليبيون" ومن بعدهم المستعمرون الاوروبيون رمزا للغزو والوحشية وإبادة واستعباد الغير؛ ولا تزال الكثير من الدول الاستعمارية الاوروبية، كبريطانيا وغيرها، تستخدم رمز الصليب في اعلامها الوطنية. والمسلمون الذين بدأوا اصحاب رسالة مضطهدين ومهاجرين ومجاهدين ضد ارباب الاصنام، والاكاسرة والقياصرة، اصطـُنعت لهم ومن بينهم أصنام جديدة، كالمماليك والسلاطين وجميع اصحاب الطغيان والفتن والعمالة والدكتاتورية، الذين ولغوا ويـَلـِغون حتى اليوم في دماء الشعوب العربية والاسلامية ذاتها، مثلما فعل ويفعل الاعداء وأكثر. والشيء ذاته يقال عن الدمقراطية والاشتراكية والقومية، وعن تاريخ فرنسا وبريطانيا وروسيا واميركا الخ. فـ"لا جديد تحت الشمس" على صعيد التاريخ "الحضاري"، الذي لا تزال تسوده قسوة ووحشية "القاعدة التاريخية" للعنف، بكل اشكاله "المبررة" و"غير المبررة"، "الانسانية" و"اللاانسانية".
وليس في ما تقدم اي تبرير لهذه "القاعدة"، بل هو مجرد اعتراف بالحقيقة المرة، وتقرير للامر الواقع، الذي علينا ان نواجهه بعين العقل، بعيدا عن الانفعالات وردود الفعل، التي تبعدنا عن فهم حقائق الواقع، ولا تقـرّبنا منه.

"التحضـّر" الامبريالي
ومع كل ايجابيات "الليبرالية" و"الديمقراطية"، الاستنسابية والمجتزأة، التي أعطاها المجتمع الغربي، ومع كل الجوانب التقدمية لـ"الثورة الصناعية"، و"ثورة الاتصالات"، والفهم الانساني لـ"القرية الكونية" والعولمة الخ، فإن النظام الامبريالي المعاصر لم يمثل انقلابا نوعيا معاكسا على "القاعدة التاريخية" للعنف، بل هو كرسها، بأفضح ما يكون من العري و"الشفافية". ذلك أن هذا النظام قام على التمييز، الاجتماعي والإتني والديني والقومي والعنصري، الذي يولد حتما العنف.
وليس من شك أن الانسانية حققت انجازات كبرى على مستوى العلوم والثقافة، وفي النضال الطويل والدامي لأجل التحرر، الداخلي والخارجي، ولأجل دقرطة المجتمعات، وأنسنة العلاقات الاجتماعية والدولية، وتحقيق المساواة بين البشر، وإحقاق حقوق الانسان والامم، وعلى رأسها حق الحياة، الفردية والاجتماعية والوطنية، الحرة والكريمة.
ولكن على الرغم من البناء الشامخ لهيئة الامم المتحدة، المستظل بتمثال الحرية في نيويورك، وعلى الرغم من الدور "التقدمي"، من زاوية نظر الموضوعية التاريخية، للحركة "التوحيدية"، الوطنية والعالمية، للرأسمال، وصولا الى العولمة بمفهومها الانساني، فإن العنف، وانعكاسه العنف المضاد، وفي سياقهما الحروب والثورات والدكتاتوريات والقمع والمجازر والارهاب، لا يزال هو "اللغة الاولى السائدة"، والعلامة المميزة في العلاقات الوطنية والاقليمية والدولية، المركبّة والمتناقضة، الانتاجية – الاستغلالية، التعاونية – التناحرية. وهو الذي يبرز، بوصفه الاداة الرئيسية لـ"انتاج" و"اعادة انتاج" و"ضبط" و"تنظيم" تلك العلاقات.
والسبب الاولي، الاساسي، في ذلك، هو أن حياة المجتمع البشري أصبحت في عصرنا مرتهنة كليا لـ"الرأسمال"، الذي اصبح يضطلع بدور "الدم"، الذي يسري في عروق الجسم الاجتماعي الكوني برمته. وبالتالي فإن الرأسمالية اصبحت حكما هي النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي السائد عالميا في هذا العصر. وبالرغم من الصراع المرير الذي خاضته "الاشتراكية الواقعية" ضد الرأسمالية، فهي لم تستطع ان تتجاوز الرأسمالية، ولا أن ترتفع عن مستوى "رجع صدى" لها.
وقد حققت الرأسمالية انجازات كبرى على جميع الاصعدة، أهمها أنها اطلقت "مبادئ" الحرية والإخاء والمساواة، في الفكر والتعبير والعمل والمبادرة والحركة وانتقال الرساميل والسلع والناس الخ. وهذه المبادئ بحد ذاتها تتجاوز التمييز العرقي والقومي والعشائري والاقليمي، والديني والفكري والسياسي، بين الناس، وبالتالي ترسي الاساس المثالي، "المبدئي"، لتجاوز العنف، ولتحقيق "السلام الشامل" و"الانسجام" الانساني الاجتماعي، الوطني والكوني.
ولكن في الواقع، فإن الرأسمالية حملت في داخلها تناقضا ذاتيا هداما بين ضرورتين هما:
ـ الحرية الفردية الطبيعية، التي هي خاصة انسانية كينونية ، اي خاصة مطبوعة، ضرورية وغير مشروطة، لا يمكن ان تقوم وتتحقق الا على المساواة الجوهرية بين البشر؛
ـ الحرية الفردية الرأسمالية، التي هي خاصة رأسمالية "شيئية"، سلوكية، لاكينونية، للانسان، الذي هو هنا: الرأسمالي، اي خاصة مكتسبة، غير ضرورية ومشروطة، ولا يمكن واقعيا ان تقوم وتتحقق وتستمر و"تتطور"، الا على اللامساواة بين البشر.
والرأسمالية، بحكم طبيعتها الطبقية الضيقة لم تفشل فقط في ايجاد التوازن بين هاتين الضرورتين، بل انها ـ وعلى الضد تماما ـ عملت على تعميق الهوة بينهما، عن طريق "الأنسنة" المزيفة للحرية الرأسمالية "الشيئية"، على حساب "تشييء" الحرية الانسانية الطبيعية.
واذا كان اطلاق الحرية الفردية اعطى مفاهيم مجردة كـ "الدمقراطية" و"حق تقرير المصير للشعوب والامم" الخ، فإن هذا الاختلال في التوازن الوجودي للانسان، في المجتمع الرأسمالي، بين الجوهر الانساني و"الوظيفة" الرأسمالية، نتجت عنه الرأسمالية المتوحشة، التي قامت على الحرية الرأسمالية المنفلتة، وأفرزت بالضرورة التمييز الاجتماعي الجديد، القائم على اساس الملكية الرأسمالية.
وكان من المحتم، كي يتحقق ويستمر في الوجود هذا التمييز الجديد، المتمثل في الرأسمالية، ان "يتقمص" "الجوهر الاصلي" لكل أنماط التمييز الاجتماعي القديم، الذي يقوم ـ اي ذلك "الجوهر" ـ على استعباد واضطهاد الانسان لأخيه الانسان. وبذلك تحول التمييز الرأسمالي الى أكبر وعاء للتمييز بين الناس، الوعاء الذي اصبح "يحتوي"، و"يـُخضع"، و"يوظف"، جميع أشكال التمييز السابقة واللاحقة، العرقية والقومية والدينية الخ، العبودية والاقطاعية القديمة والفاشية والدكتاتورية المعاصرة. وبالتالي فإن هذا التمييز (الرأسمالي) بالضبط، اصبح هو المنبع الاساسي لكل اشكال العنف في العالم المعاصر. والعلاقة العضوية بين الرأسمال الاحتكاري، وبين التعبئة العنصرية والدينية، الصهيونية والغربية وخاصة الاميركية، ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين، هي معبرة جدا على هذا الصعيد، بحيث انه لم يعد بالامكان الفصل، مثلا، بين عنصرية التوراة وعنصرية الصهيونية المعاصرة، ولا الفصل بين اشد الدعوات العنصرية الدينية القديمة وبين أحدث النظريات والممارسات والبروباغندا العنصرية ـ الاستعمارية المعاصرة.

ماهية "الهمجية"
وبالرغم من كل مظاهر وإنجازات "الدمقراطية"، التي حققتها الرأسمالية في عهدها الامبريالي "الأرقى" و"الاكثر تطورا"، فإنها لم تستطع ان تقضي على وجهها المتوحش. بل على العكس، فإن هذا الوجه بالتحديد، في هذا العصر بالذات، اصبح العلامة الأبرز للمجتمع الغربي المعاصر، بكل ما رافقها ويرافقها من العنف بمختلف اشكاله. ويكفي ان نذكر الحربين العالميتين الاولى والثانية، اللتين انتجتهما الرأسمالية في العهد الامبريالي.
وأبرز مثال صارخ على ذلك، في وقتنا الراهن، هو "صناعة الموت"، المتمثلة في سباق التسلح العبثي والمجنون. فالصناعة الحربية لا تزال هي الوظيفة "الاجتماعية!" و"الانتاجية!" الرئيسية، للدولة الغربية المعاصرة. ويأخذ هذا المثال صورته الأبشع في التسلح فائق التفوق، ولا سيما الفضائي الآحادي الجانب، من قبل الولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم بلا منازع، بعد انهيار المنظومة السوفياتية ونهاية الحرب الباردة. فالدولة الاميركية لا تحتاج "دفاعيا" لغالبية هذا التسلح الخرافي. ولكنها تتخذ من تفوقها العسكري الكاسح والمتزايد، مرتكزا لمحاولة فرض ارادتها على دول وشعوب العالم بأسره، وتفصيل المجتمع الدولي، بالقوة، على قياس المصالح الفئوية لطغمة مالية احتكارية ضيقة.
ولا يسعنا هنا الا ان نجري مقارنة بين "الهمجية" في ما قبل "العصور الوسطى"، وفي ما بعد "عصر التنوير":
فيما مضى، قامت بعض القبائل او الاقوام في عصرها "الهمجي"، الجرمان والهون والمغول والتتار، بمهاجمة وتدمير "مراكز الحضارة" في روما وبغداد وغيرها. وكان احد اهم "حوافز" تلك الاقوام للقيام بغزواتها، إن لم يكن اهمها، هو التفاوت الكبير في الثروة، وما ينتج عنه من عبثية سوريالية في العلاقات بين الجماعات البشرية. ففي الوقت الذي كانت فيه تلك الاقوام "الهمجية" تكابد شظف العيش، ومصارعة الطبيعة لمجرد البقاء الفيزيولوجي، في هذا الوقت بالذات كانت الطبقات السائدة في "المراكز الحضارية" تختنق بالتخمة والبذخ، الى الدرجة التي كان يتم فيها تحويل الانسان ـ العبد الى وسيلة تسلية، بصفة مصارعين لا قيمة لحياتهم كبشر، يدفعون الى قتل بعضهم بعضا أو يلقون للوحوش، أو تحويل هذا الانسان الى قطعان من العبيد والحريم والخصيان(5)، تباع وتشترى وتقتنى كالحيوان، في حدائق وقصور الملوك ـ الآلهة، وسيوف "الدين!" وأمراء "المؤمنين!". وليس من الصدفة ان الهدف الاول للتخريب الذي قام به الغزاة "الهمجيون" هو المكتبات والمعالم الثقافية والعلمية التي كانت تكرس تفوق المجتمعات "المتحضرة"، وأول ما قام به اولئك الغزاة بعد ذلك هو تبني العقائد الدينية و"الحضارية" الاخرى للمهزومين.
واليوم، تستحوذ الدولة الاميركية، "روما" الجديدة، على حصة الاسد من الاقتصاد العالمي، وتبــذر "جزءا يسيرا" مما تنهبه من هذا العالم المسود، مقدار مئات وحتى الاف مليارات الدولارات (فقط!) سنويا، على التسلح المجنون. وفي الوقت عينه، يعيش مليارات المخلوقات البشرية في مستوى ادنى مما كانت عليه الاقوام "الهمجية" قبل مئات السنين. ويهاجم التصحـُُّر والجفاف بلدانا وشعوبا بأسرها، بسبب عدم الاستخدام العادل والرشيد للثروات الانسانية والطبيعية. ويفتك مرض الايدز ـ الذي يشتبه الكثيرون عن حق بأن الذي اطلقه هو المختبرات العسكرية الاميركية ـ بعشرات الملايين من الفقراء.
وبدلا من استخلاص العبر اللازمة من هذا الاختلال في "الدورة الحيوية" للمجتمع البشري، عامة، ومن هذا التبذير التسليحي المجنون، خاصة، يسعى المنظـّرون الغربيون العنصريون، من جهة، لتبرير العنصرية الامبريالية تحت شعارات "صدام الحضارات" وما أشبه، ويفكرون، من جهة ثانية، في "أفضل" الطرق "العلمية" الكفيلة بإيجاد "الحلول النهائية" للسكان "الفائضين عن الحاجة" في البلدان الفقيرة. وتأتي على رأس هذه "الحلول" الحروب، والمجاعات، ونقص التغذية والادوية، وتدمير البيئة، وأخيرا لا آخر "النبذ" الاجتماعي والقومي والديني، بكل ما يحمله من عناصر القهر والتفجير.
ولقد وضع الكثير من القوانين والشرائع والاتفاقات، لتقنين العنف "الشرعي"، ومنع العنف "اللاشرعي"، بما فيه الارهاب، والحد منه ولجمه. ومع ذلك، فإن المجتمع في العهد الامبريالي المعاصر قد تقدم "تقنيا"، اكثر منه انسانيا، في تقنين العنف، والحد منه. أما في المؤشر العام، فهو قد تقدم في ذلك "تقنيا"، "قانونيا"، "سياسيا" الخ، إلا أنه تخلف انسانيا. حيث ان الامن والاستقرار، بالمعنى الواسع: الفيزيولوجي والاقتصادي والغذائي الخ، الفردي والجماعي، الوطني والاقليمي والعالمي، اصبحا اكثر فأكثر امتيازا للأغنياء والاقوياء، فالاغنى والاقوى، على حساب الفقراء والضعفاء، فالأفقر والأضعف.
ونظرة الى "خريطة العنف" في المجتمع الدولي ككل، وفي داخل كل مجتمع على حدة، ترينا بوضوح، أنه بمقدار ما تزداد الجماعات والشعوب والاقاليم الافقر والاضعف، اكتواء بنار العنف وآثاره المدمرة، بالمقدار ذاته تزداد الجماعات والبلدان والاقاليم الاغنى والاقوى، تمتعا نسبيا بالامن والاستقرار. وبالمقارنة مع المجتمعات البدائية والقديمة، القبلية مثلا، حينما كان يتم اللجوء الى العنف ضد الابرياء، كأخذ الثأر من اي فرد من افراد عشيرة الجاني، وبصرف النظر عن فظاعة هذه الجريمة التي يؤخذ فيها البريء بجريرة ذنب لم يرتكبه، فقد كان هناك نوع من التكافؤ و"التوازن"، في اللجوء الى العنف، وفي التسلح والمستوى القتالي والصراعات، بين مختلف الجماعات والاتنيات الخ. اما في المرحلة المتقدمة للرأسمالية المتوحشة والامبريالية، فقد اصبح العدوان على الشعوب الضعيفة يتخذ شكل مجازر رهيبة شبه مجانية.
وفي ايامنا الراهنة، وصل الامر الى حد التباهي بـ"الحرب النظيفة!" – على الطريقة الاميركية – التي لا يقتل فيها من المعتدين سوى قلة قليلة، بينما يقتل ويشوه ويشرد مئات والوف وملايين المدنيين الابرياء من "الاعداء" الاضعف والافقر. ويجري تدمير البنى التحتية وموارد الحياة لبلدان وشعوب بأسرها، واعادتها عشرات ومئات السنين الى الوراء، دون ان يرف جفن للقادة والطبقات السائدة في البلدان المعتدية الغنية والقوية. ولعل قولة الرئيس الاميركي المأفون رونالد ريغان "إننا سنعيد الفيتناميين الى العصر الحجري"، تمثل المـَعلـَم الاخلاقي الرئيسي للأولترا ـ امبريالية الاميركية المعاصرة، "المظفـّرة!".

"كهان الهيكل"
ومما يسهل هذه الجرائم الكبرى بحق الانسانية، عملية التعتيم الاعلامي الواسع، وتشويه وتنصيص وإخفاء الحقائق عن الشعوب، بما فيها شعوب البلدان المعتدية التي تكون آخر من يعلم. ذلك أن المجرمين الكبار، الاغنى والاقوى، الذين يمسكون بالعصا الغليظة للعدوان المكشوف في خارج بلدانهم، والقمع المستور والمكشوف داخلها، هم أنفسهم الذين يمسكون، بواسطة مرتزقة الضمير، بالعصا السحرية للإعلام الماكر المنحاز، الموجه على طريقة غوبلز(6)، المحدَّثة صهيونيا ـ اميركيا. إذ يبدو ان "المدرسة" الاعلامية لهذا القائد الهتلري، المشهور بالتزييف الاعلامي، لم تمت بانتحاره في نهاية الحرب العالمية الثانية، بل تحولت الى "عقيدة" سائدة في الاعلام الامبريالي ـ الصهيوني، الهادف اولا الى تضليل شعوب الدول الظالمة، وتبرير ظلم الدول والشعوب "الاخرى".
وقد ظهر، للمثال، مدى انزعاج "الدمقراطية الاميركية" من الإعلام الموضوعي نسبيا، الخارج عن نطاق مواصفات "النظام العالمي الجديد"، في الموقف الاميركي السلبي من بعض وسائل الاعلام العربية المقاومة، لأنها تجرأت ونقلت بموضوعية مهنية (الى جانب جميع البيانات والتصريحات والمقابلات مع المسؤولين الاميركيين، كاملة غير منقوصة) وقائع العدوان الاميركي ـ الصهيوني على الشعب الفلسطيني والافغاني والعراقي واللبناني، وكذلك صورا للاطفال والمدنيين والقرى والاحياء الفقيرة، الذين ذهبوا ويذهبون ضحية "الاخطاء" الاميركية التي لا صلاح لها.

المسؤولية التاريخية
إن الاساس الاجتماعي لهذا الانحراف الانساني، الذي تقوده الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية في العصر الحديث، هو الافتراق والتناقض التناحري المتزايد، بين دينامية "حياة" الرأسمال الاحتكاري، الآيلة الى التمركز الرأسمالي الاحتكاري العالمي المكثف والضيق، الذي يبدو معه الهرم الكوني واقفا على رأسه، وبين دينامية الحياة الانسانية، الآيلة الى التنوع والتعدد والغنى والاتساع، ضمن وحدة انسانية مركبـّة ومتفاعلة ومنسجمة. وهو ما يشمل جميع الشعوب والجماعات الانسانية، بما فيها الجماهير الشعبية والشرائح المثقفة والمتنورة الشريفة، اليهودية والاميركية.
والقوى الاحتكارية المتسلطة في البلدان الامبريالية الغنية والقوية، ولا سيما في اميركا، هي التي تتحمل في عصرنا المسؤولية الاولى، من الجانب الاخلاقي والسياسي والاقتصادي والانساني، عن استمرار "تشريع" و"تكريس" العنف، والارهاب، وبأبشع الصور، على النطاق الدولي برمته. وهذا ما تؤكده الوقائع على هذا الصعيد. ويكفي ان نتوقف عند بعض منها:
1ـ إن الغرب الاستعماري والامبريالي هو المسؤول عن حقبة الاستعمار والعبودية. ففي هذه الحقبة أبيد عشرات ملايين الهنود الحمر، الذين كانوا، في البداية، هدفا غير مقصود لمخططات الغزو الاستعماري للشرق، استمرارا للحملات الصليبية، وهي المخططات التي أدت الى "اكتشاف" اميركا بالصدفة. والهنود الحمر هم "شرقيون" تماما بالمظلومية وبالسحنة في آن معا. وفي الحقبة ذاتها اصطيد وقتل واستـُرقّ عشرات ملايين "العبيد" الافارقة. وغزيت واستـُعبدت شعوب آسيا وافريقيا التي تعد بالمليارات. وفي حين ان الدول الغربية نهضت وتطورت واغتنت، على حساب النهب والاستغلال الفظيع للشرق، لمئات السنين، ولا تزال الى اليوم "تنعم" بـ"الخيرات" التي أفاض ولا يزال يفيض بها عليها الاستعمار القديم والحديث، فإن بلدان الشرق، الغارقة في ديون النصب الدولي، تقف على ابواب البنك الدولي او صندوق النقد الدولي، مستجدية بعض القروض الجديدة، التي هي سلاسل أصفاد عبودية معاصرة للملكية الامبريالية المعولمة.
وقامت اميركا، خلال الحرب العالمية الثانية، بضرب هيروشيما وناكازاكي بالقنبلة الذرية. كما قام الحلفاء الغربيون بتدمير مدينة درسدن الالمانية. فأبيد في هذه الجرائم ضد الانسانية مئات الألوف من السكان المدنيين، بدم بارد، بدون أي ضرورة عسكرية حقيقية. وكانت الحجة اجبار اليابان وهتلر على الاستسلام. اي ان "الدمقراطيات" الغربية استخدمت وسيلة القتل الجماعي للمدنيين اليابانيين والالمان، من اجل اهدافها الستراتيجية، تماما كما استخدم هتلر "المحرقة" ضد اليهود العزل.
وقد اعتذرت المانيا لليهود، ودفعت التعويضات لاسرائيل تحديدا. ولكن الدولة الصهيونية استخدمت هذه التعويضات من أجل تمويل الاحتلال والعدوان، ومن اجل تضليل اليهود البسطاء، وتسخيرهم (تماما كما كانت النازية تسخـّـر بعض المعتقلين اليهود في تنفيذ "الاعمال القذرة" ضد اخوانهم في معسكرات الموت) لمتابعة عمل هتلر في ارتكاب "هولوكوست" جديد، ولكن ضد الفلسطينيين والعرب.
اما اميركا والحلفاء فلا يريدون، حتى هذا التاريخ، أن يعتذروا عما ارتكبوه، ولا أن يعوضوا لشعوب الشرق المظلوم تاريخيا عن حقبة الاستعباد والاستعمار. علما ان اليهود كلهم هم حوالي عشرين مليون نسمة، في حين ان الشعوب التي وقعت وتقع ضحية للعنف الاستعماري والامبريالي تشكل اكثر من تسعة اعشار البشرية. وفي هذا تمييز عنصري لااخلاقي متماد، ضد الغالبية الساحقة من سكان المعمورة.
كما أن الادارة الاميركية ترفض حتى هذا التاريخ التقيد بالتحريم الكامل والشامل لاسلحة الدمار الشامل التي تريد احتكارها، وترفض توقيع اتفاقية كيوتو حول البيئة والمناخ، مما يهدد الكرة الارضية بأسرها، وتمتنع عن التصديق على اتفاقية تحريم الالغام المضادة للافراد، واخضاع مجرمي الحرب الاميركيين للمحكمة الدولية، وغيرها الكثير من الاتفاقات. وهي بذلك تكرس دوس المبادئ الاخلاقية الاولية، التي لا يمكن بدون صيانتها واحترامها المكافحة الفعالة للارهاب الحقيقي.
2ـ ان القوى الامبريالية ـ الصهيونية المتسلطة، لا تكتفي بعدم الوقوف ضد استخدام العنف بشكل عام وبدون تمييز، بما في ذلك ابشع اشكال الارهاب، اي الاحتلال وارهاب الدولة، بل هي عمليا "تديره شرعيا" بالطريقة التي تناسب مصالحها. فيتم اللجوء الى القوانين والاتفاقات والاعراف الدولية ضد "المشاغبين" و"المعارضين" في البلدان غير المرضي عنها، حتى لو كان الامر يتعلق بالدفاع عن شخص واحد معارض او "منشق"، قتيل او سجين او ملاحق. اما في ما عدا ذلك، فإن غالبية الانقلابات العسكرية الدموية، وأنظمة الحكم الاستبدادية، وامتلاك اسلحة الدمار الشامل، والحروب العدوانية، والمجازر التي ذهب ويذهب ضحيتها عشرات ومئات الملايين، من اميركا الجنوبية، الى اوروبا الشرقية، الى افريقيا، الى الشرق الاوسط، وصولا الى آسيا الوسطى والشرق الاقصى، فهي قد تمت وتتم بتدبير ومشاركة القوى الامبريالية والصهيونية، التي لا تستحي ان تعلن نفسها حارسة القيم "الدمقراطية" و"الليبيرالية". ويتم تنظيم حملات ابادة الجنس، التي تستخدم فيها الاسلحة المحرمة دوليا، وكافة اشكال الحصار والتجويع ومنع الادوية، تحت ستار الشرعية الدولية، لاجل السيطرة على منابع وممرات النفط والغاز، بحجة "محاربة الارهاب" ومواجهة "الدول الشريرة". ومن اكثر الامثلة التاريخية مأساوية، واحتقارا للعقل البشري، هو الوضع "القانوني" للشعب الفلسطيني، الذي لم "تشفع لـه" عشرات القرارات الدولية التي صدرت لصالحه، والتي بقيت حبرا على ورق منذ اكثر من خمسين سنة الى الآن، بفضل "سياسة المكيالين" التي تفرضها الامبريالية والصهيونية على العالم.
وإن "درس" بطرس غالي هو عبرة لمن يعتبر، على هذا الصعيد. فالامين العام السابق للامم المتحدة هو مسيحي قبطي مصري، زوجته يهودية، وثقافته فرنسية، وقد شغل في وقت من الاوقات منصب رئيس منظمة الفرانكوفونية. وأحد أنسبائه، وكان يدعى ايضا بطرس غالي، كان وزيرا في عهد الاحتلال البريطاني لمصر، وقد اغتاله الوطنيون المصريون، لاتهامهم اياه، بحق او بغير حق، بالعمالة للانكليز. فحينما انتخب بطرس غالي امينا عاما لهيئة الامم المتحدة، كان ذلك من ضمن الرضا الاميركي عنه خاصة، وعن السياسة المصرية عامة، الموالية لاميركا والغرب. وبمثل هذه السيرة الذاتية والسياسية، فإنه لا توجد "ثغرة" يمكن النفاذ منها "لاتهام" بطرس غالي بالتعاطف مع "التعصب الاسلامي" او "الارهاب"، بل على العكس تماما. ومع ذلك فقد جرى ابعاده من الامانة العامة للامم المتحدة، بشكل غير لائق، وذلك بإرادة اميركية آحادية. حيث ان 14 من اصل 15 عضوا في مجلس الامن الدولي كانوا ميالين للتمديد لـه في هذا المركز. فقط السيدة اليهودية اولبرايت، المندوبة الاميركية في الامم المتحدة حينذاك، رفضت. وخضع مجلس الامن لارادتها. و"جريمة" بطرس غالي حينذاك، التي سحبت منه الرضا الاميركي، انه "لم ينس" و"لم يخجل" انه عربي، فـ"تجرأ" وطلب اجراء تحقيق دولي في مجزرة قانا (قانا الجليل المكرسة في الانجيل)، التي ذهب ضحيتها اكثر من مائة قتيل، بينهم اكثر من ثلاثين طفلا، وأضعافهم من الجرحى من المدنيين اللبنانيين، بفعل القصف المتعمد من قبل الجيش الاسرائيلي لمقر الامم المتحدة في جوار البلدة، الذي سبق لهؤلاء المدنيين المساكين ان احتموا به، خوفا من القصف الاسرائيلي لبلدتهم. وكان تعليل الجيش الاسرائيلي لهذه المجزرة أنها كانت "خطأ"، تماما على شاكلة "الاخطاء" المستمرة التي اخذ يرتكبها الجيش الاميركي لاحقا في العراق وافغانستان. وطبعا لم يتم التحقيق في هذا "الخطأ"، مثلما لم يتم لاحقا التحقيق في مجزرة "جنين" في الارض الفلسطينية المحتلة. وبابعاد بطرس غالي عن منصب الامين العام للامم المتحدة عبرت الادارة الاميركية عن مدى "احترامها" لـ"شرعية" الامم المتحدة و"شرعة حقوق الانسان"، التي اسهم بشكل اساسي في صياغتها مندوب لبنان في حينه المفكر شارل مالك.
3ـ لـ"تعزيز" سياسة القوة والبطش والارهاب، تلجأ القوى الدولية المتسلطة الى تطبيق سياسة الارهاب الاقتصادي، لاجبار الدول الاخرى عامة، والدول الضعيفة والفقيرة خاصة، على الخضوع لمشيئتها ومصالحها، عن طريق كماشة تقديم او منع المساعدات والقروض، وفرض الحصار، وشتى اساليب الترهيب والترغيب. وعن هذا الطريق تحصل على "الصمت" حيال الكثير من الجرائم التي ترتكب، و"إغماض العين" حيال عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية، غير المرغوبة من قبل تلك القوى، وتأمين "الاصوات" لدعم القرارات والسياسات "المرغوبة" والمفروضة.
4ـ إذا صحت التهمة على تنظيم بن لادن، بأنه مشارك بالعمليات الارهابية في اميركا واوروبا، وبصرف النظر عن الامكانيات والحوافز الخاصة للقائمين بها، وعن المشاركين الآخرين و"اللاعبين" الكبار، مما يدخل ضمن معادلة "من يخدم من ولماذا"، وهو ما يجب التوقف عنده على حدة، فإن الاجهزة الخاصة الاميركية هي التي تتحمل حرفيا ومباشرة المسؤولية الرئيسية عن ذلك، ليس فقط من حيث "التقصير" المثير للريبة، بل اولا لان هذه الاجهزة على وجه التحديد هي التي اضطلعت بدور الحاضنة لتنظيم بن لادن، الذي نشأ وترعرع واشتد ساعده برعايتها وحمايتها، قبل ان تختلف معه، اذا كان هذا الاختلاف حقيقيا.

الارهاب الاصغر والارهاب الاكبر!
في هذا العرض للبعد الانساني، الذي ينبغي النظر من خلاله الى موضوعة العنف يتبين:
اولا ـ أن المنبع الاقتصادي و"الاخلاقي" والسياسي الاساسي لكل اشكال العنف، بما فيها الارهاب، بوصفه احد مظاهر العنف في المجتمع المعاصر، انما يكمن في صميم نظام الرأسمالية المتوحشة والهيمنة الامبريالية ـ الصهيونية.
ثانيا ـ ان جميع ظواهر العنف والعنف المضاد والارهاب وارهاب الدولة انما ترجع الى هذا المنبع مباشرة: إما كشكل من اشكال الصراع داخل المعسكر الامبريالي ذاته، تذهب ضحيته الجماهير البريئة. وإما كرد فعل على التسلط الامبريالي، بالطرق و"الاخلاق" ذاتها التي زرعتها الامبريالية طوال عشرات ومئات السنين، ولا تزال تتعهدها وترعاها، في العالم كله. ولا عجب ان تحصد اخيرا ما زرعته اولا.
ولا يبدو ابدا ان الامبريالية، الاميركية خاصة، التي تمثل هي نفسها "الروح الشريرة" للارهاب الاكبر، اي ارهاب الدولة، وهي التي اطلقت الارهاب الاصغر اي ما "الارهاب الاسلامي!"، وخاصة "القاعدة"، تريد حقا القضاء عليه و"تجفيف منابعه"، الموجودة في "حوزتها" اصلا. بل ان العكس تماما هو الصحيح. فهي تريد، بعد استنفاد أغراضها من بعض أشكال الارهاب، "تجديده" و"تطويره". وها نحن نرى بأم العين كيف يجري، بحجة "مكافحة الارهاب"، "تجفيف" الدمقراطية وعسكرة المجتمع، في داخل اميركا، وتبرير "ارهاب الدولة العظمى" على المسرح العالمي. وهو ما يراد بواسطته، اذا أمكن، خطف الكوكب الارضي بأسره، لصالح الطغمة الاحتكارية العليا، بكتلتيها المترابطتين ـ المتناقضتين: الانكلو ـ ساكسونية والصهيونية.
ثالثا ـ وهذا كله يدفع الى التساؤل عن الطبيعة الارهابية للنظام الامبريالي الاميركي، وارتباطه المعكوس بالمصالح الحقيقية للشعب الاميركي، الذي يراد له ان يكون لا اكثر من مطية وضحية لهذا النظام.
واخيرا نتوقف للحظة عند النقطة الاخيرة لنورد الملاحظة المفصلية التالية وهي: حتى الامس القريب كانت الامبريالية ترتبط ارتباطا وثيقا بالدورة الاقتصادية ـ المالية، المرتبطة بدورها بالدورة الاقتصادية ـ الانتاجية. ولهذا كانت الامبريالية مضطرة، من خلال مصالحها المالية بالذات ان تأخذ بالاعتبار توفير حد معين من الامن والاستقرار للمجتمعات والدول والبلدان، التي تضطلع بدور قاعدة رئيسية او ثانوية لها، كالدولة الاميركية وكندا ودول اوروبا الغربية واوستراليا واسرائيل وتركيا وتايوان وغيرها. اما الان، وبعد احتلال افغانستان، و"اكتشاف" الثروة الاسطورية التي تمثلها زراعة الخشخاش وانتاج الافيون والهيرويين وبقية عائلة المخدرات، فإن الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تتحول بسرعة مذهلة الى اقتصاد المخدرات، الذي يدر عليها ارباحا خرافية لا تضاهيها اي سلعة او نشاط مالي آخر. وهذا الاقتصاد (اي اقتصاد المخدرات) لا يرتبط بأي اقتصاد آخر، وبالتالي لا علاقة له بأي مجتمع كان، الا بوصفه "سوقا" لترويج المخدرات. وهذا يعني ان الامبريالية ستتحول كليا الى "مافيا" اجرامية تقف هي في جانب، وجميع المجتمعات الاخرى، بما فيها المجتمعات "الامبريالية" ذاتها، في جانب اخر. وبما ان المجتمعات "الامبريالية" هي المجتمعات الاغنى، فستصبح هدفا اكبر لتجارة المخدرات، وبالتالي هدفا اكبر لاسخدام العنف ضد هذه المجتمعات، لزرع الرعب والبلبلة و"الفوضى البناءة" فيها لتسهيل السيطرة المافياوية عليها وتحويلها فقط الى اسواق للمخدرات.

.........................................
(1) في اللغة العربية هناك تعبير واحد هو "فـِلـِسطين"، ويعني ـ منذ الاف السنين ـ الارض الفلسطينية، ومنه "الفـِلـِسطينيون"، اي الشعب العربي القديم، الذي كان يعيش في فلسطين، والذي غزاه "أبناء عمومته!" العبرانيون المتهودون حديثا، منذ ثلاثة آلاف سنة، وأصبح وأياهم في المحصلة جزءا من التكوين الحضاري التاريخي للقومية العربية، بكل ما فيها من اديان، ومنها الشعب الفلسطيني المعاصر.
اما في اللغات الغريقو ـ لاتينية فهناك تعبيران لـ"فلسطين" و"الفلسطينيين":
الاول ـ (ونأخذ الانجليزية كمثال) “philistine”، وهو مطابق تماما من حيث اللفظ للتسمية العربية لفلسطين، ولكن له ثلاثة معان مختلفة عنها وهي: 1) حسب الكتاب المقدس، ابناء فلسطين القدماء. 2) عدو ضعيف وعديم الحيلة. 3) ضيق الافق، ساذج، مادي محافظ على القديم.
الثاني ـ “Palestine” (بالستين)، وهو تسمية "ثانية!"، مستلحقة (يستبدل بها حرف الفاء العربي بحرف الباء المخففة اللاتيني) للشيء ذاته واشتقاقاته: فلسطين، فلسطيني الخ.
هذا "اللعب" على التعابير والالفاظ يكشف النظرة الغربية ـ العنصرية (اليهودية المنشأ) ضد العرب ـ الفلسطينيين القدماء والمعاصرين. ومثل هذا اللعب العنصري على "الكلمات" نجده ايضا ضد السلافيين: بالانكليزية مثلا كلمة “slave” تعني "سلافي"، وكلمة “slav” تعني "عبد". وهكذا فإن الانتماء الفلسطيني يتحول الى اهانة، والانتماء القومي السلافي لسبارتاكوس يصبح مرادفا لمفهوم العبودية. استنادا الى هذا "المنطق"، فإن هتلر حينما قال "ان السلافيين هم عبيدنا" لم يأت بشيء جديد، غير تأكيد القاموس الروماني (اللاتيني القديم) العنصري.
(2) "بوغروم"، تعبير روسي أطلق في الماضي على الهجمات العنصرية الهوجاء ضد المساكن والمحلات اليهودية، وقتل اليهود في غيتواتهم واحيائهم الشعبية في روسيا، اوكرانيا، بولونيا وبعض بلدان اوروبا الشرقية الاخرى. والملاحظ عدم انتقال عدوى "البوغرومات" ضد الاحياء اليهودية في المدن العربية. بل ان المجتمعات العربية، مع كل تخلفها الاجتماعي والسياسي، حمت الاحياء والجماهير اليهودية في الحرب العالمية الثانية. ولم تبدأ خطة تهجير اليهود العرب الا بعد نشوء اسرائيل، وعلى ايدي الانظمة العربية الموالية للغرب الامبريالي مدعي الدمقراطية وحماية اليهود.
(3) "الهولوكوست"، تعبير متداول، يعني المحرقة، ويقصد بها عمليات القتل الجماعي في معسكرات الموت التي تعرض لها اليهود العزل على ايدي النازية في الحرب العالمية الثانية. وفي رأينا المتواضع ان الهولوكوست كانت مؤامرة غربية ـ نازية ـ ستالينية، موجهة بالدرجة الاولى ضد الشيوعيين اليهود خاصة والجماهير الشعبية اليهودية عامة، في اوروبا الغربية وروسيا، التي لم تستجب لـ"وعد بلفور" وتتبع الصهيونية وتشرع في الهجرة الى فلسطين لاستعمارها، بل انحازت في غالبيتها الساحقة الى الخيار الاشتراكي ـ الاممي لحل المسألة اليهودية.
(4) آرثر جيمس بلفور (1848-1930)، وزير خارجية بريطانيا العظمى (1916-1919)، هو واضع ما يسمى "بيان بلفور" (1917)، الذي صاغ به "الاساس القانوني!" الذي تم بموجبه تكوين اسرائيل، على "مبدأ" ديني – عنصري. وكان ذلك سببا لإراقة أنهار من الدماء حتى يومنا هذا، كنتيجة لتمزيق النسيج الوطني التاريخي لفلسطين، الذي كان يضم منذ القدم العرب من مختلف الانتماءات، بما فيها لاحقا الديانات التوحيدية الثلاث: اليهودية، والمسيحية والاسلام. وقد كان هذا القرار ممكنا، فقط "بفضل" احتلال فلسطين من قبل المستعمرين الانكليز، "الحلفاء" و"الاصدقاء الاوفياء!" للعرب، الذين كانوا حينذاك يثورون، ويقوضون مرة والى الابد الامبراطورية العثمانية، التي كانت وبالا تاريخيا على العروبة والاسلام.
(5) العبيد ـ الخصيان، استخدموا في قصور "العظماء"، وحراس "أبواب السماء"، لخدمة قطعان لا تحصى من الحريم.
(6) جوزف غوبلز (1897ـ1945)، وزير الدعاية لدى هتلر. كان شعاره: "اكذب، اكذب... فإذا علقت كذبة واحدة في اذهان الناس، فهذا انتصار للرايخ". انتحر مع هتلر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني مستقل





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,685,197
- الهيمنة العالمية لاميركا: بداية النهاية..
- التقسيم الامبريالي الرأسمالي لاوروبا
- تقرير معهد SIPRI يؤشر الى مرحلة تفكك الامبريالية
- بداية انحسار موجة العداء للشيوعية في المانيا
- بعد 20 سنة: الشيوعيون القدامى يطالبون بتجديد الدعوى حول احرا ...
- لبنان الوطني المقاوم حجر الاساس لنهضة عربية حقيقية
- الثلاثة الاقمار اللبنانيون الكبار في سماء الشرق
- إزالة المسيحية الشرقية: هدف اكبر للامبريالية الغربية
- -الحلقة الاضعف-
- قبل استخراج النفط والغاز: ضرورة تحرير المياه الاقليمية اللبن ...
- قرار مجلس الامن -الاميركي- ضد الشعب الايراني
- -الحرب السرية- القادمة لاميركا واسرائيل
- عشية الموجة الثانية من تسونامي الازمة: اوروبا لا تدار بالدول ...
- محام اصغر للشيطان الاكبر!!
- قيرغيزستان: -ثورة الزنبق- الموالية لاميركا تسقط ايضا
- -حرب الافيون- الاميركية ضد روسيا
- الجيش الاميركي -حرس وطني- خاص لمزارع الخشخاش ومستودعات الافي ...
- اميركا تكشف تماما عن وجهها كدولة مافيا وتضاعف انتاج الخشخاش ...
- عشية الانهيار التام للنظام الاقتصادي العالمي
- الامبريالية الاميركية تخطئ الحساب!


المزيد.....




- بو علي المباركي: -الاتحاد العام التونسي للشغل- معني بكل الا ...
- إدارة ترامب تتجاوز الكونغرس وتقر مبيعات أسلحة للرياض وأبو ظب ...
- الخارجية الكويتية: مستعدون لبذل أي جهود لتجنب الصدام في المن ...
- غوتيريش يؤكد للرئيس اليمني ثقته في مارتن غريفيث
- انفجار في ليون شرق فرنسا لجسم مشبوه واصابة عدد من الأشخاص
- مشرعون أميركيون: ترامب يتجاوز الكونغرس لبيع أسلحة للرياض وأب ...
- أردوغان: تركيا قد تمدد تخفيضات لضريبة الاستهلاك الخاصة على ا ...
- بومبيو: صفقة سلاح بأكثر من ثمانية مليارات دولار للسعودية وال ...
- الأميرة البريطانية الصغيرة شارلوت تنضم لشقيقها جورج في مدرسة ...
- قطر تعلق على -ورشة البحرين-: تتطلب صدق النوايا


المزيد.....

- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله
- رسائل مجاهدة / نورة طاع الله
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج حداد - الامبريالية والعنف