أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن السعد - الخطاب الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة






















المزيد.....

الخطاب الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة



أيمن السعد
الحوار المتمدن-العدد: 3175 - 2010 / 11 / 4 - 18:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الحداثة وما بعد الحداثة في الخطاب السياسي الغربي

لقد استقطب مفهوم الحداثة Modernity اهتمام الأدباء والفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة، منذ عصر النهضة الأوربي حتى عصر العولمة الذي نعيشه اليوم. واحتل مكانه المميز في الأنساق الفكرية الكلاسيكية عند كارل ماركس K.Marx، وإميل دوركهايم E.Durkheim، وماكس فيبر M.Weber، واستطاع لاحقاً أن يأخذ مركز الأهمية في أعمال المحدثين، ولا سيما يورغن هابرماس J.Habermas، وأنطوني جيدنز A.Giddens، وجان ليوتار J.F.Lyotard، وآلان تورين A.Touraine.
يطلق مصطلح الحداثة بوجه عام على مسيرة المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة إلى عصر العولمة اليوم، ويغطي مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية( )، ولقد أصبح مفهوم الحداثة وما بعدها شائعاً ومتداولاً، بل وفرض نفسه كإشكالية على الساحة الفكرية في العالم كله، كما أنه ليس هناك تحديد واضح لدى المفكرين لمعنى الحداثة فهو مصطلح يتخذ دائماً معنىً مغايراً بحسب المجال الفكري الذي نتناوله فيه، وأياً يكن فقد تم طرح سؤال الحداثة بالأساس داخل تاريخ الأفكار الغربية، وكثيراً من المفكرين جعلوا الحداثة مرادفة لفكر الغرب، وتعبيراً عن قيمه وتصوراته وموقفه من الزمان والمكان والإنسان.
والحقيقة أن الفكر الغربي منذ عصر النهضة إلى عصر العولمة الذي نعيشه اليوم، أي منذ بدايات ما يسمى بالحداثة الفكرية وهذه الحداثة لا تكف عن محاسبة نتائجها بأساليب تسترشد بمقاييس العقل والعلم، فالفكر الفلسفي الغربي منذ ديكارت إلى الستينات من القرن الماضي استبدل كل الملكات الإنسانية الأخرى من أهواء وخيال واعتبرها مصدراً للخطأ وعنصراً مشوشاً للمعرفة الحقة( ).
نستطيع أن نتلمس بداية الحداثة مع رينيه ديكارت Descartes R. الذي استخدم أسلوب الشك المنهجي، حيث يقول ديكارت"يجب النظر إلى كل ما يمكن أن يوضع موضع الشك على أنه زائف"( ). ولا يقصد ديكارت بذلك الحكم بزيف كل شيء بل يقصد أنه لن يقبل بأي شيء على أنه حقيقي، ما لم يخضع لامتحان الشك، الذي يستطيع به الوصول إلى شيء يقيني عن طريق برهان عقلي. فديكارت يبدأ تأسيسه للمعرفة الحقة بشك منهجي يستطيع به فحص الأفكار المسبقة، والوقوف بداية أولى واضحة بذاتها ويقينية عقلية تكون ثابتة للمعرفة( ). وبعد الشك يتوصل ديكارت إلى الذات المفكرة أو الأنا أفكر، وذلك انطلاقاً من الشك نفسه، إذ يذهب إلى أنه ما دام يشك فهو يفكر وطالما يفكر فهو موجود ( أنا أفكر إذاً أنا موجود Je pense,donc je suis).
وعند النظر في مسألة الحداثة لابد من الرجوع إلى فريدريك هيجل F.Hegel، وذلك لفهم الدلالة التي كانت تمتلكها العلاقة الداخلية بين الحداثة والعقلنة. حيث يقول هابر ماس "إن هيجل أول فيلسوف طور بكل وضوح مفهوماً محدداً للحداثة"( )، وحسب هيجل فإن الحداثة بدأت مع عصر الأنوار بفعل هؤلاء الذين أظهروا وعياً وبصيرة، باعتبار أن هذا العصر هو حد فاصل ومرحلة نهائية من التاريخ( ).
ومما لاشك فيه أن بداية الحداثة باعتبارها نظرية فلسفية كانت مع ايمنويل كانط I.Kant ، حيث يحاول كانط أن يحدد طبيعة وماهية عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ويؤكد على أن شرط التنوير والحداثة هو الحرية، ومن بين الحريات يؤكد على هذه التي تتصل بحرية العقل وحرية التفكير. إن الجوهري في مقولات كانط أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل، كي يستطيع الإنسان أن يبني نهضته نحو الحضارة والحرية والمدنية والحداثة. ويعرف كانط الحداثة في سياق إجابته عن سؤال "ما الأنوار؟" في مقولته المشهورة: "الأنوار خروج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في عجزه عن استخدام فكره دون توجيه من غيره". ولذا كان شعار الأنوار عبارة تقول: "أقدم على استخدام فكرك"( ).
ويشير هابرماس في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة" أن الحداثة باعتبارها نظرية فلسفية بدأت مع كانط( )، واعتبر أن فلسفة كانط تقوم على أفكار إيجابية، تتمثل في تحديد الاستخدام الصحيح للعقل، الذي يقوم على عدم تدخل العقل في مجالات ميتافيزيقيا مستعصية عليه( ).
ويرى البعض أن مفهوم الحداثة بدأ بالتداول حوالي 1850م على يد كل من جيرار دي نيرفال G.De Nerval وشارل بودلير C.Beaudelaire حيث نظرا للحداثة باعتبارها تكثيفاً لمجموعة من الدلالات العائمة سواء كانت فلسفية أو جمالية أو سياسية، وأصبحت تعني تلك الإرادة الاستفزازية المتمثلة في حب العصر والاحتفال به( ).
فمنذ القرن السابع عشر والثامن عشر تم وضع الأسس الفلسفية والسياسية للحداثة والتي تمثلت في الفكر الفرداني والنقدي والعقلاني، الذي كان ديكارت وفلاسفة التنوير أهم من دعى إليه وبشر به، كما ظهرت الدولة المركزية المعتمدة على التقنيات الإدارية بدل الأساليب القديمة، إضافة إلى بدايات وضع القواعد الأولية للعلوم الفيزيائية والطبيعية، والتي أدت إلى النتائج الأولى للتكنولوجيا التطبيقية، وعلى الصعيد الثقافي تميزت هذه الفترة بفصل ما هو ديني عما هو دنيوي وبالتالي استبعاد تدخل الكنيسة في شؤون الإبداع الفني والعلمي، وبالرغم من ذلك فإن الحداثة لم تكن تعبيراً عن نمط حياة، بقدر ما كانت تعبر عن بدايات تنفيذ المشروع الحضاري الليبرالي الذي لم يكف منذ ذلك الوقت إلى الآن عن التحول والتبلور في أشكال أكثر حداثة( ).
ولقد بنيت الحداثة الغربية على أركان ثلاثة( ): فكرة التنوير الأوربي، فكرة السيادة الكونية. فكرة التصنيع.
الفكرة الأولى قائمة على عداء الميتافيزيقا بوصفها غياباً، والتعامل مع الواقع بوصفه حضوراً، وبالتالي سيادة عقل الإنسان واحتكار العقل للحقيقة. والفكرة الثانية قائمة على استغلال موجودات الآخر وصهرها بما يناسب مصالح (الأنا) وتقديم النموذج الأمثل للإنسان الأوربي بوصفه النموذج الذي يمتلك أسباب القوة والتطور. ومن هنا انبثقت الفكرة الثالثة التي تقتضي تعزيز الفكرتين السابقتين من خلال امتلاك محاولات الابتكار والآلة الحديثة.
ويمكن أن نحدد أربعة أبعاد أساسية ‏للحداثة( ):
*- البعد التكنولوجي: والذي بدأ مع اختراع الطباعة والتي كان لها أكبر الأثر في تغيير متابعة الإنسان لأحداث العالم ونقل المعارف والاتصال بالآخرين‏.‏ ثم ارتبطت الحداثة بعصر انتشار الآلة والتي تختلف اختلافاً جذرياً مع الأداة‏.‏ هذه الأداة كان ينظر إليها دائماً باعتبارها وسيلة‏، حيث يبقى البشر دائماً في وضع خارجي بالنسبة لوسيلة تعمل علي توفير الجهد المبذول في السيطرة على الأشياء وتسهيل العمليات التي تهدف لإشباع الحاجات‏.‏ وهذا على عكس الآلة التي‏ نظراً لتعقد تركيبها وأدائها الوظيفي‏‏ تعيد صياغة العلاقات بين البشر‏.‏
*- البعد الاقتصادي: الذي يتجسد في نمط الإنتاج الرأسمالي وما في هذا النمط من ميل بنيوي إلي التوسع عالمياً وإدماج الأشكال الحضارية الأخرى فيه عبر آلية السوق‏،‏ وعبر التحديات التي يطرحها على الشعوب التي تتلكأ في تبنيه‏.‏
*- البعد السياسي: الذي تجسد في بزوغ الدولة القومية والتي عرفت أشكالاً مختلفة للحكم، وإن كان يسود اتجاه عام‏‏ منطلق من نظريات العقد الاجتماعي‏ إلى تعميم الحكم الديمقراطي الذي يعمل‏‏ كما يرى ماكس فيبر‏، على إزاحة الأشكال القديمة لشرعية السلطة مثل الشرعية الدينية والزعامية، ويعطي السيادة للشرعية الديمقراطية‏.‏
*- البعد الفكري: الذي يرتبط بسيادة العقلانية في تفسير العالم وإدارة المجتمع‏، كما يرتبط بمركزية الذات الإنسانية كأساس للمعارف والقيم‏، وهو الاتجاه الذي وجد أقصى تجلياته في فكر عصر التنوير‏.‏
وترتبط بالحداثة أيضاً تجليات أخرى أخلاقية وجمالية ولكنها أقرب إلى أن تكون نتائج أكثر منها أبعاداً مكونة لظاهرة الحداثة‏.‏
ويتضح مما سبق ارتباط مفهوم الحداثة بشكل عام بالعقلانية، والتخلص من الأسطورة، والإعلاء من شأن الذات الإنسانية وقدراتها العقلية، ولذلك لا يمكن استبعاد الخلفية الإيديولوجية عن كل تصور للحداثة، فالتقدم التقني المستمر في العلوم والتقنيات والتقسيم العام للعمل، أدخلا إلى الحياة الاجتماعية أبعاداً دائمة للتغيير وخلخلا العادات والثقافات التقليدية.
ويعد الفصل بين مفهوم الحداثة والتحديث مدخلاً منهجياً لمعرفة الحداثة وأبعادها بصورة علمية، وغالباً ما يرسم الباحثون في ميدان العلوم الإنسانية حدوداً فاصلة بين مفهومي الحداثة والتحديث، فالتحديث Modernization يعبر-عامةً- عن سياق التطور التاريخي والمجتمعي والسياسي والاقتصادي الشامل والجذري الذي انخرطت فيه أوروبا، انطلاقاً مما يسمى بعصر النهضة ووقوع الإصلاح الديني( ). أما الحداثة Modernity فهي النموذج الذهني والفكري والفلسفي المعبر عن واقع و مغزى أو دلالة هذا السياق أو هذه الصيرورة. إن الحداثة ليست "مفهوماً سيسيولوجياً أو مفهوماً سياسياً أو مفهوما تاريخياً بحصر المعنى، وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد، أي إنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية"( ).
ويعتبر هابر ماس من أبرز فلاسفة الجيل الثاني في مدرسة فرانكفورت، ويلخص أحد الدارسين نظرة هابرماس للحداثة في جملة واحدة : "الحداثة مشروع لم يكتمل بعد( )" . تلخص هذه الجملة بشكل دقيق نظرية هابرماس في الحداثة. لأنها تكشف عن الشقين المكونين لفكره: أولاً العودة إلى أصول الحداثة بقصد تجديدها، وثانياً الانكباب على نقد المسلك التاريخي الذي اختارته.
نستخلص مما سبق أن العقل النقدي نشأ أساساً مع المشروع الذي قامت على أساسه النهضة الأوربية والذي تم في ظله تأسيس المجتمع الصناعي، كما تم في إطاره تحديث المجتمعات الأوربية ونقلها من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة. وإن الأسس أو المكونات الأساسية للحداثة تتلخص في الفردية والعقلانية والنظرية النمطية للتقدم الإنساني. وأن شعار الحداثة الأساس أن العقل هو محك الحكم على الأشياء، وليس النص الديني في كل أمور الاقتصاد والسياسة والثقافة...الخ.
ولقد شكلت الانتقادات المنهجية التي وجهت إلى مفهوم الحداثة الأرضية العلمية لظهور مفهوم ما بعد الحداثة ليأخذ صورته النقدية التي تغذيها روح فكرية نقدية نشطة ومتطورة، كما أن الانتقادات التي وجهت إلى الحداثة دفعت بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن الإنسانية خرجت تحت تأثير هذه الاختناقات الحضارية من مرحلة الحداثة، وبدأت مرحلة جديدة أطلق عليها ما بعد الحداثة. ويقدر فريق من هؤلاء الباحثين أن هذه المرحلة قد بدأت تاريخياً منذ عام 1968م وهي المرحلة التي عرفت بثورة الطلاب في مختلف عواصم العالم.
وابتداءً من الستينات برز في تاريخ الأفكار الغربية تيارات فلسفية وعملية تمثلت بالبنيوية( )، والتفكيكية( )، وما بعد البنيوية( )، وقد دعت هذه التيارات إلى نقد الحداثة وتفكيك عقلانيتها، وعمدت إلى تقديم نقد جذري للعقل والحرية، واتهمت الحداثة الغربية بالفشل حيث وصف العقل مع هذه التحولات بأنه أقل معقولية مما كان يظن الكثيرون الذين اعتبروه ضامناً نزيهاً للمبادئ الإنسانية التي قام على أساسها المشروع الحضاري الغربي، كما تميزت هذه التيارات بالعزوف عن النماذج الكبرى والتعميمات الواسعة، ولم يعد هدفها تقديم تركيبات أو مذاهب فلسفية كبرى، وإنما اتسمت هذه التيارات بنزعات تحليلية( ) .
وقد نعتت هذه التيارات بأنها تمثل "ما بعد الحداثة" post - Modernityوعندئذ دشنت نظرية ما بعد الحداثة مشروعها النقدي ضد الحداثة( )، وقد لخص أحد دعاتها تصوره المركزي في اعتبار أن المعرفة تغير موقعها في نفس الوقت الذي تدخل فيه المجتمعات إلى العصر الما بعد الصناعي، والثقافات إلى مرحلة ما بعد الحداثة، وهذا الانتقال قد بدأ على الأقل منذ نهاية الخمسينات( ). ومن هنا أصبح كل شيء قابلاً للتأويل والنقد والتفكيك، وأصبحت المعرفة العلمية نفسها عبارة عن خطاب يتعين استنطاق مكوناته وطبيعة علاقاته مع السلطة، وتفكيك الأطر المرجعية التي تمنح للسلطة مشروعيتها وتوفر لها شروط خلق التوازن وضبط النظام.
ويمكن القول أن مفهوم ما بعد الحداثة قد بدأ استخدامه بالشكل المنهجي في حقل الدراسات النقدية ما بين عامي (1963- 1967م) وأن المفكر المصري إيهاب حسن Ihab Hssan هو من عمّد مفهوم ما بعد الحداثة وأوجد له نسباً، كما أن جان ليوتار قال من جهته أن إيهاب حسن نبهه إلى وجود هذا المفهوم وصلاحيته( )، ولكن مصطلح ما بعد الحداثة ظهر لأول مرة لدى ناقد أمريكي يدعى تشارلز جينكس Ch. Jencks عام 1975م وقد طبقه على فن العمارة قبل أن ينتقل إلى الفلسفة والعلوم الأخرى( ).
لقد اختلف دارسي ما بعد الحداثة وتباينوا فيما بينهم حول تحديد ما يتصل بعلاقتها بالحداثة:
فريق: يعاينها كامتداد لما توصلت إليه الحداثة، بمثل ما يذهب إليه تشارلز جينكس الذي رآها مزاوجة مع الحداثة( )، والباحث الجزائري محمد اركون الذي وجد في افتراض ما بعد الحداثه لتجاوز الحداثه مجرد ادعاء( ). وعبر هذا التوجه يقترح جيدنز مفهوم "الحداثة الراديكالية " Redicalized modernity بدل الحداثة، اعتباراً من أن ما تم إعلانه بوصفه ما بعد حداثة لا يشكل بالضرورة قطيعة مع الحداثة، بل هو نسخة راديكالية أو متنامية منها تساعد على ظهور مجتمع تعددي حقيقي، يقوم على الديمقراطية متعددة المستويات، وعلى إلغاء العسكرة، وأنسنة التكنولوجيا( ).
وفريق ثاني: ينظر إلى ما بعد الحداثة كردة فعل لما آلت إليه الحداثة، وهو ما ذكره عالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز Wright Mills نهاية الستينات، حين أكد على تحول العالم إلى ما بعد الحداثة، أو ما أطلق عليه "الفترة الرابعة" بعد الفترة الحديثة، بما لا يعني لديه فشل مشروع الحداثة، بل فشل نوعها الذي أنتج ظاهرة الجمهرة والتلاعب بالديمقراطية في الغرب، والدوجماتية الستالينية في الشرق. وخلص إلى أن هذه الفترة الرابعة ستشهد: "انهيار تفسير العالم" القائم على الليبرالية والاشتراكية النابعتين من أفكار عصر التنوير، وستصبح فكرة الحرية والعقل مشكوكاً فيها. إذ لعل زيادة العقلانية لن تضمن ارتفاع مكانه العقل .
والفريق الثالث: يرفض إعلان فشل الحداثة، وهو ما نراه لدى سمير أمين، الذي رأى فيها مشروعاً تحررياً، نشأ عندما تخلى الفكر الفلسفي عن طابعه الميتافيزيقي، الذي كان يؤكد على أن هناك نظاماً يحكم الكون ويفرض نفسه على الطبيعة والتاريخ، كما كان الأمر سائداً في العصور القديمة، لتأتي الحداثة فتعمل على بلورة الوعي بالتقدم، وتحقق أعظم انجازات الإنسانية، إن على المستوى المادي أو الديمقراطي أو الأخلاقي برغم حدودها وانتكاساتها، وبما يترتب عليه من النظر إليها لا كمعطى نهائي بل كصيرورة متواصلة، وإن ارتدت أشكالاً لا متباينة طبقاً لإجاباتها على التحديات التي يواجهها المجتمع، أو بما كشفت عنه تطبيقاتها منذ السبعينات من ضعف شديد، وعجز عن تقديم بديل تنموي لبلدان الجنوب.
ويرى سمير أمين أن ما يلازم سيادة ما بعد الحداثة في المجال النظري، إنما هي حركات ردة تدعو إلى العودة لما قبل الحداثة، وهو ما يعني تنازلها في مجال صنع التاريخ، والهروب أمام التحديات الحقيقية، ومن ثم فهي لا تعدو أن تكون تجلياً طوباوياً سلبياً، خاصة حين تقبل في النهاية الخضوع لمقتضيات الاقتصاد السياسي للرأسمالية في المرحلة الراهنة، مكتفية بوهم إمكان إدارة هذا النظام بأسلوب إنساني( ).
أما الفريق الرابع: فيراوح في كشف العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة، بمثل ما ذهب إليه إيهاب حسن الذي يرى ضرورة إدراك هذه العلاقة على مستويي التواصل واللاتواصل، ويقدم إيهاب حسن تفصيلاً لهذا التمايز انطلاقاً من أنه إذا كانت الحداثة تتسم بالسرد، وإمكانية التحديد، والشكل والتراتبية، والتمركز، والنمط ، فإن ما بعد الحداثة تتلبسها مقولات نقيضة مثل رفض البنية السردية، والإفراط في التعدد والتفكك والفوضى والتحول، وإن لم يستبعد تعايش هذه النقائض في نزعة واحدة( ).
إن مصطلح ما بعد الحداثة لم يأخذ أبعاده الفلسفية إلا عندما أصدر المفكر الفرنسي جان ليوتار كتابه "شرط ما بعد الحداثة" La condition Postmoderne عام 1979م، حيث رأى أن الإيديولوجيات الكبرى التي سيطرت على عالمنا لم تستطع أن تحقق السعادة للبشر، ولذا فهو يدعوها بالحكايات الطوباوية أو بالأساطير الكبرى( ).
ومن القضايا التي يناقشها ليوتار في هذا الجانب إشكالية الحتمية التي يعلن سقوطها تأسيساً على تطور العلوم الطبيعية والتاريخ( ) . فالتاريخ الإنساني قد يأخذ خط التقدم، ولكنه قد يتراجع وقد ينهض من جديد أو يراوح في مكانه، فلا مكان لأقدار الحتمية وأفكار الغايات التي يسعى إليها التطور في منظور الأنساق الفكرية الكبرى.
أما فريدرك نيتشه F.Nietzsche فهو صاحب النظرة الراديكالية الذي يمثل نقطة التحول في الفكر الغربي حول الحداثة وما بعد الحداثة، حيث نستطيع أن نتلمس بداية حركة ما بعد الحداثة في فكره عندما أعلن موت الإله، والذي قصد به كل الأفكار والعالم المتسامي، وهو بهذا ألغى حتى ظلال الإله التي أبقت عليه الحداثة من خلال مركزية (العقل - الأنا)، فموت الإله عند نيتشه هو موت العالم المتسامي( )، فقد كان أول من أعلن القطيعة مع الحداثة برفضه للعقلانية، إذ لا يؤمن بمسارها التقدمي الذي وجه له النقد ولكنه تحدث بدلاً من ذلك عن عتمتها وإظلامها( ).
ومن هذا المنطلق يمكن الإشارة إلى موقف هابرماس من هذا المفهوم في مقالة له بعنوان "الحداثة مشروع لم يكتمل" في عام 1981م، حيث يرى بأن لفظ ما بعد الحداثة post - Modernity تمثل رغبة بعض المفكرين في الابتعاد عن ماضٍِ متشبع بتناقضات كبيرة، وتعبر في الوقت نفسه عن سعي حثيث إلى وصف العصر الجديد بمفهوم لم تتحدد ملامحه بعد، وذلك لأن الإنسانية لم تستطع أن تجد الحلول المناسبة للإشكاليات التي يطرحها العصر. ووفقاً لهذه الصيغة يرى هابرماس بأن ما بعد الحداثة هي صيغة جديدة لمفهوم قديم (الحداثة)، وأن ما بعد الحداثة محاولة لإثراء مرحلة الحداثة ذاتها وإتمام مشروعها حتى النهاية( ).
وبرأي هابر ماس أن نيتشه هو مفترق الطرق الذي تفرعت عنه نظرية ما بعد الحداثة إلى خطين: خط نظرية القوة كما هو الأمر عند ميشيل فوكو M.Foucault مروراً بـجورج باتيل G.Bataille ، وخط النقد الميتافيزيقي الذي تبناه كل من مارتن هيدجر M.Heidegger وجاك دريداJ.Derrida ( ) ، وقد تابعت هذه النزعة خطها الفلسفي متجلية في مدرسة فرانكفورت خاصة الجيل الأول المتمثل في كل من تيودور أدورنو TH.Adorno وماكس هور كايمر M.Horheimer وقد دفعت تشاؤمية الفيلسوفين إلى النظر للحداثة على أنها سيطرة سخرت لخدمة السلطة مستغلة الإنسان، وقد عبرا عن وجهة نظرهما عندما اعتبراها" هيمنة عقلانية ونفعية للطبيعة والحاجات، لدرجة أن العقل اندمج مع السلطة وأصبح طاغياً، ذلك أنها طوعت لنفسها عقلاً أداتياً، كما أن العلم الحديث وجد نفسه بهذه الكيفية في خدمة المردود التكنولوجي بصفة كلية، مما أدى إلى تحول أسطورة العقلانية النفعية إلى قوة مادية"( ).
ويرى إيهاب حسن أنه "ليس هناك ستار حديدي أو سور صيني يفصل بين الحداثة وما بعد الحداثة"( )، وهو لم يستخدم البادئة "بعد" للتعبير عن الانفصال بقدر ما قصد استمرار لها ( ).
وأخيراً يمكن القول أن الاختلافات بين الحداثة وما بعد الحداثة مجرد اختلافات في الدرجة وليس في النوع، حتى أن بعض أنصار الحداثة يذهبون إلى أن ما بعد الحداثة ليست سوى نوع من الألعاب اللغوية أو التلاعب باللغة الذي يحذقه مفكرو ما بعد البنيوية. ومهما يكن فإن الهدف من ذلك هو توجيه الانتباه إلى الأبعاد الحقيقية الإنسانية وإبراز الديناميات التي حاولت الحداثة طمسها أو إخفائها.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,645,544,406





- إسرائيل تعدل عن شراء طائرات أميركية -هجينة-
- واشنطن تؤيد مصر في إقامة منطقة عازلة مع غزة
- صحف العالم: 25 ألف دولار من داعش لصبي مقابل تفجيرات في فيينا ...
- إندونيسيا.. استبعاد فريقين -تنافسا- على الخسارة
- كيري يدعو الى ضبط النفس وإعادة فتح الحرم القدسي
- صحف: مجزرة لداعش في الموصل ولقاء قطري مع جبهة النصرة
- 14 قتيلا بهجوم جماعة مسلحة على قرية في الكونغو الديمقراطية ...
- في الإندبندنت: -إعلان الحرب- في القدس
- لبنان.. القضاء يتهم 18 شخصا بالإرهاب لارتباطهم بداعش
- صور... جانب من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ال ...


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن السعد - الخطاب الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة