أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الدكتور جمال الجزيري يكتب عن ديوان متى يأتي الجيش العربي للسماح عبد الله














المزيد.....



الدكتور جمال الجزيري يكتب عن ديوان متى يأتي الجيش العربي للسماح عبد الله


السمّاح عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 3172 - 2010 / 11 / 1 - 20:33
المحور: الادب والفن
    


تداخل الأصوات وتفكيك الأيديولوجية في قصيدة " متى يأتي الجيش العربي ؟ " للشاعر السمّاح عبد الله بقلم د. جمال الجزيري

عندما نمعن النظر في قصيدة " متى يأتي الجيش العربي ؟ " للشاعر السمّاح عبد الله ( دار التلاقي للكتاب القاهرة 2009 ) ، تشدنا بنية الاستفهام في العنوان، وهي بنية تلقي بظلال الشك والتساؤل والارتياب على المحتوى الدلالي لهذه البنية نفسها، وكأنها تنفي نفسها أو تقول بطريقة انعكاسية "لا تأخذوا دلالتي على محمل الجد، فأنا محملة بالسخرية، بالنفي، وإن أردتم أن تتيقنوا فطالعوا النص بترو، وساعتها لن تجدوا جيشا عربيا "ولا يحزنون". وعندما ننتقل إلى الإهداء الذي يورده الشاعر في صورة "اسم المرة" "إهداءة" نجد أنها توحي بأن هذا النوع من الإهداء لن يتكرر مرة أخرى إذا لم يكن هذا "الجيش العربي" قادرا على قراءة ما بين السطور، وكأن هذه الإهداءة تهديد مستتر. وإذا تذكرنا دلالات العنوان، قد ندرك في هذه الإهداءة تشكيكا في قدرة هذا الجيش على القراءة أصلا، ودعك مما بين السطور! وإذا تمعنا في التأمل نجد أن هذه الإهداءة مشروطة بكلمة "عندما"، أي أنه إذا لم يستطع الجيش العربي أن يقرأ ما بين السطور، فلن يكون الإهداء موجها له؛ وهنا يمكننا أن نتبين شقا افتراضيا في الإهداء ذاته، وقد يدل الافتراض هنا عن غياب المهدى إليه أصلا؛ وإذا ربطنا بين هذا الغياب والجيش، يمكننا أن نلمح فيه تصريحا بالغياب من ساحات القتال إلى أجل غير معلوم!!

بعد هذه الدلالات الأولية التي ترسبها في ذاكرة القارئ أو في خلفية هذه الذاكرة بحيث تكون إطارا مرجعيا ضمنيا يقرأ القارئ القصيدة على ضوئه، ننتقل إلى جانب آخر من جوانب النص المحيط paratext بالقصيدة، ويتمثل هذه المرة في "مفتتح القول" الذي يتخذ شكل الاقتباس من قصيدة لعمرو بن كلثوم. وهذا التناص intertextuality مع بنية الشعر العربي الكلاسيكي وأحد موضوعاته موفق إلى حد كبير، فهذا الاقتباس يجسد في الأصل طابع التفاخر والحمية والغيرة والاندفاع وما إلى ذلك من طباع العربي البدوي القديم الذي كان لا يقبل أن تمس كرامته أو يعتدي عليه أحد ولو اعتداء ظاهريا بأي حال من الأحوال، فإذا حدث يهب ليدمر الأخضر واليابس في سبيل الثأر للكرامة مهما كانت طبيعة الاعتداء. وهذا الاقتباس يبرز أوجه العلاقة بين الأنا والآخر، فالأنا هنا معتدة وزاهية بنفسها ترى أن موضعها في الكون موضع سيادة يدعو للفخر، وترى الآخر على أنه لابد أن يكون تابعا أو خاضعا لرؤيتها للعالم. قد يقول قائل: "ما علاقة هذا التفاخر والاعتداد بالنفس بما سبق من عنوان وإهداءة؟" وله الحق تماما في طرح سؤال من هذا القبيل، فإيحاءات "مفتتح القول" تتناقض تماما مع إيحاءات العنوان والإهداءة، وهذا ينقلنا بدوره إلى التعمق في قراءة هذا المفتتح قراءة تناصية، وهنا يمكننا أن نقرأه على عدة محامل: أولا، إذا كان هذا المفتتح واردا في شكل قصيدة عمودية ذهبت بنيتها الشعرية إلى أدراج التاريخ أو التراث أو بالأحرى صارت أثرا محنطا في متحف التاريخ نظرا لأفول رؤية العالم التي كانت تؤازرها أو تقوم عليها، فقد يوحي لنا ذلك بأن المضمون الذي تحويه هذه البنية ذهب أيضا إلى متحف التاريخ. ثانيا، قد يوحي لنا المفتتح أيضا بأن الشاعر أورده هنا لمجرد مقارنة شريحتين زمنيتين: شريحة الحاضر التي لا ندري عنها شيئا حتى الآن سوى لماما من العنوان والإهداءة وشريحة زمنية تنتمي إلى زمن ولى وهو زمن كتابة قصيدة عمرو بن كلثوم. وهذه المقارنة لا تهدف إلى إيجاد أوجه الشبه بين رؤية العالم في هاتين الشريحتين الزمنيتين، بل إلى إبراز التباين بينهما، وهو تباين تنفي فيه كلتاهما أيديولوجية الآخر، وكأن صوت الشاعر في قصيدة عمرو بن كلثوم بما يحمله من أيديولوجية تستند إلى القوة يعتبر ما يمثله حاضرنا الآخر بالنسبة له ومن هنا قد تنسحب الدلالات المرتبطة برؤيته للآخر على ما نمثله نحن في نظرته الافتراضية لنا، أي نحن "الطحين" و"نشرب كدرا وطينا" ويمتهننا الآخر كما يشاء. ثالثا، إذا نظرنا إلى المفتتح من منظور البنية، نجد أن بنيته تقوم على مبدأ الحوارية أو على الأقل ثنائية الأصوات: صوت الشاعر والصوت الضمني للمروي عليه narratee المتمثل في أبي هند. وعلى ضوء ذلك يوحي لنا المفتتح بالبنية الحوارية والسردية لمتن القصيدة.

عندما ننتقل إلى متن القصيدة ذاتها، نجدها تتخذ شكل حوار بين جنديين [وتوظيف الشاعر لصوتي جنديين عاديين دون بقية الرتب العسكرية له دلالته، فهو يمثل رؤية "العامة" في الجيش، لا رؤية الصفوة أو القيادات العسكرية العليا، وما يستتبعه ذلك من تأثيرات أيديولوجية على الرؤيتين المتباينتين لهذين الجنديين، فأحدهما لم تتمكن الأجهزة الأيديولوجية للدولة ideological state apparatuses من تدجين رؤيته للعالم أو لم تستطع الأجهزة القمعية للدولة repressive state apparatuses من قمعه ومسح عقله، وسنطلق عليه من الآن فصاعدا اسم "الجندي الأول" فهو أيضا الذي يمثل الحافز لبدء السرد أصلا حيث أنه يطلب من زميله الجندي استفسارا عما سيحدث أو يمكن أن يتم فعله في مثل هذه الظروف؛ أما الجندي الآخر فقد نجحت تلك الإيديولوجية ربما عن طريق الإعلام المضلل في إيهامه بأمجاد تدعو للتفاخر لا وجود لها أصلا وسنطلق عليه الجندي الثاني لما تحمله كلمة الثاني من دلالات التبعية والخضوع وعدم الاستقلال].

أول ما يلاحظه الجندي الأول هو طيلة غياب الجيش العربي، ويوحي ذلك بأن ذلك الجيش العربي معتاد على الغياب، لا بأس (أهي عادته أم سيشتريها؟)، لكن غيابه طال هذه المرة عن المعتاد. وبعد إبراز فكرة الغياب، ينتقل الجندي الأول إلى تسليط الضوء على الأهوال التي حاقت بمن يفترض أن ذلك الجيش موجود أصلا للدفاع عنهم وحمايتهم: فحاقت بهم الأخطار من جميع الجبهات وتم التمثيل بالأطفال والحوامل وهتكت الأعراض وصلب الجميع على مشنقة العِرض بلا جدوى، فلا خلاص جاء بعد الصلب ولا تغبر الوضع القائم. بعد هذا الوصف الدموي المؤثر، بقد نتوقع من الجندي الثاني رد فعل يكافئ ذلك، بيد أننا يبدأ قوله بـ "لا تقلق / سيجيء الجيش العربي الباسل / في موعده". ويستوجب هذا الرد ملاحظتين نقديتين: أولا، نتبين في "مسكنات" الجندي الثاني خضوعه الأكيد لإعلام الجيش العربي وتقوقعه في الصورة الوردية التي يرسمها دوما. ثانيا، أورد الشاعر المركب الحرفي prepositional phrase "في موعده" في سطر شعري مستقل ومنفصل على مستوى الكتابة عن "الجيش العربي الباسل" وكأن هذا الموعد لا يمت لذلك الجيش بصلة، وهنا يكون الضمير المتصل بكلمة "موعده" لا معنى له سياقيا، وربما دل ذلك على أن هذا الموعد لا يخص "الجيش العربي الباسل" أصلا، أو أن عبارة "الجيش العربي الباسل" دال signifier لا تدل على المدلول signified المعتاد، وإنما تكمن دلالتها في شيء آخر لا تفيدنا في معرفته المعاجم أو الأعراف اللغوية العربية أو أي إطار مرجعي آخر. ولا يقنع الجندي الأول بهذه الإجابة غير الشافية، فيتساءل "متى موعده؟"، وترد إجابة الجندي الثاني دون أن تشفي غليلا: "إن هي إلا ساعات / أو أيام / أو سنوات". وإجابة مثل هذه في موقف لا تحتمل التأخير أو التسويف أو التسكين توحي بأنه قد لا يجيء أصلا، فإذا تتبعنا منطق البنية اللغوية لكلام الجندي الثاني يمكننا أن نقرأها: "إن هي إلا ساعات / أو أيام / أو سنوات / أو عقود / أو قرون / أو دهور / أو لاشيء…". ونجد هذه الظلال الدلالية كامنة وراء تكملة الجندي الثاني لكلامه، وعندما نقول كامنة نقصد بذلك من منظور المؤلف الضمني implied author الذي رتب أجزاء القصيدة بطريقة تجعلها تلقي الضوء على بعضها البعض وتتشابك في شبكة من العلاقات المتداخلة التي قد توحي بالتناغم أو التباين وما إلى ذلك. وإذا تذكرنا كل الإيحاءات السابقة نجد أن كلام الجندي ربما كان مجرد صياغة جديدة paraphrase لقصيدة عمرو بن كلثوم الواردة في المفتتح:

.....................
وتراه
كما عوّدنا في التاريخ المكتوبِ
وفي التاريخ المرويّ
وفي ساحات الحرب،
يصول كثيرا
ويجول كثيرا
يردم بحرًا
ويغبّر جوا
ويعبّد دربا
ويحدد
تاريخ بداية كونٍ
ويحدد
تاريخ نهاية كونٍ
ويعلم أجناد الدنيا كيف
تكون الحرب

فهنا نجد أن الإطار المرجعي للجندي الثاني إطار تاريخي يتقوقع في دائرة "التاريخ المكتوب" و"التاريخ المروي" و"ساحات القتال" المدفونة في بطون الكتب، وبالتالي تكون الصولات والجولات مجرد إعادة صياغة لأبيات عمر بن كلثوم التي تورد الرايات بيضا وتصدرهن حمرا قد روين وتطحن الآخر وتسحقه. وإذا تمعنا في باقي الاقتباس المأخوذ من كلام الجندي الثاني أعلاه، يمكننا أن نتبين فيه تناصا مع ما يطلق عليه "النظام العالمي الجديد" الذي تحدد فيه القوى العظمى "تاريخ بداية كون" و"تاريخ نهاية كون" وتفرض تشكيل ما تطلق عليه "الشرق الأوسط الجديد" الذي يفترض أنه كان "ساحات القتال" لما ورد في قصيدة عمرو بن كلثوم. ويمكننا أن ننظر إلى كلام الجندي الثاني هنا على أنه "انتحال" لرؤية العالم لدى القوى العظمى التي تسعى لإعادة تشكيل خارطة العالم، ويدل هذا الانتحال نفسيا على أن "الجيش العربي الباسل" ربما كان ابنا لجيش تلك القوى العظمى ويحب أن يقلد أباه في نوع من اللعب الصبياني الذي لا يمكن أن يؤخذ إلى على محمل نفسي لا محمل جدي. ويوحي ذلك من جهة أخرى بالعجز الذي بلغ بالجيش العربي مداه، وهو عجز عبارة عن نوع من الإسقاط projection إذا جاز لنا إن نستخدم هذا المصطلح النفسي، حيث "يسقط" يسقط الماضي على الحاضر أو يسقط الآخر على الأنا بحيث يوهم المرء بأنه له وجود وتحقق وقوة وبسالة، في حين أن هذا الوجود مجرد وجود وهمي أو اسمي، لكنه لا يصل إلى مرحلة الفعل؛ وإذا انتقلنا إلى مرحلة أخرى من التأويل يمكننا القول بأن كلام الجندي الثاني هنا يجسد الثقافة العربي أبلغ تجسيد، فهي ثقافة قولية لا فعليه، فعلى سبيل المثال وجود النص يغني عن تطبيقه، أداء الصلاة دون أية اعتبارات أخرى تدخل الجنة، الولاية توجب على الرعية الامتثال لها دون التطرق إلى واجبات هذه الولاية ذاتها نحو الرعية، وما إلى ذلك من تجليات الثقافة الاسمية العربية، وكأن كلام الجندي الثاني هنا فعل كلام speech act [أي كلام يتضمن في ثناياه الفعل مثل "أعدك بكذا"، فهذه العبارة عبرت عن الوعد وحققته في نفس الوقت] قام بأداء الواجب العسكري نحو الوطن بمجرد التعبير عن ذلك: يكفينا أن نتحدث عن تحرير الوطن أو تخليصه من المهانة، ولا يهم إن كنا قد اتخذنا خطوات عملية للقيام بهذا أم لا؛ بالمثل، يكفينا لكي نطور التعليم أن نعقد مؤتمرا عن تطوير التعليم، ولا يهم إن كنا قد وضعنا توصيات هذا المؤتمر موضع التنفيذ أم لا.

يلمح الجندي الأول كل تلك الظلال، ولذا نجده يطلب من الجندي الثاني طلبا فيه قدر من المكر والخبث والدهاء:

"فهلا أخبرت أخاك
بأنباء الجيش العربي
فإني والله مشوق
أن أستمع إلى أمجاد
الأجداد".

وينبع الدهاء هنا من أن الجندي الأول يعي تماما أن كل ما قاله الجندي الثاني يرتبط بالماضي التليد فحسب، وبذلك تكون "أنباء الجيش العربي" أنباء من زمن فات، وكأننا نشاهد ذلك على إحدى قنوات الجزيرة الذي تبث وثائق عن أحداث أزمنة ماضية Jazeera Documentary؛ كما أن دهاء الجندي الأول يكمن في ملمحين آخرين من ملامح الصياغة اللغوية لكلامه، فعندما يقول إنه مشوق إلى أن يستمع إلى أمجاد ويقرر المؤلف الضمني إنهاء السطر الشعري هنا وإيراد كلمة "الأجداد" في سطر مستقل، ندرك أولا أن هذا الجندي يشتاق فعلا إلى السماع عن "أمجاد" [وترد الأمجاد هنا في صيغة التنكير، حيث يمكن لملق القصيدة أن يوقف إلقاءه عندها، وبالتالي فهي أمجاد في حالة كمون لم تتحقق بعد، الأمر الذي يعكس التعطش الشديد إلى أمجاد قد تعدل ميزان القوى]، وإذا واصلنا القراءة إلى السطر التالي وجدنا أن هذه الأمجاد تقترن بالأجداد، وإذا أخذنا التقارب الصوتي بين كلمة "أمجاد" و"الأجداد" بعين الاعتبار قد نرى هذه الأمجاد محنطة في متحف التاريخ لا تحيا سوى حياة لفظية أو قولية.

ويلي ذلك رواية الجندي الثاني لبعض الأمجاد المذكورة، وتبدأ من بداية التاريخ العربي وتنتهي "بحرب العنزة" التي نفهم من السياق أنها ترجع إلى ألف سنة على الأقل. واستخدام الجندي الثاني لمفردات معجمية ما عادت تستخدم في السياق العسكري المعاصر archaic lexical items من قبيل "البطحاء" و"الحوافر" و"خيل الجند" واستخدام مفردات تدل على التحقق التام للحدث في الماضي من قبيل "لقد" واستخدام ألفاظ السخرية التي تحاول أن تنتصر على مستوى اللفظ على العدو من قبيل "علوج الأوغاد" و"الجبناء" والتناص اللفظي بين كلمة "العلوج" في القصيدة ونفس الكلمة التي كان يستخدمها الإعلام العراقي للنظام العراقي السابق – كل ذلك يبعدنا عن الواقع المعاصر ويدخلنا في متاهات حرب مكتوبة وكأنها سيناريو لفيلم غير قابل للتمثيل أو الإخراج أصلا ويحيلنا إلى فكرة بعض الفلاسفة المعاصرين عن الحرب بأنها مجرد حرب تليفزيونية لا نعرف عنها شيئا سوى عن طريق وسائل الإعلام التي تشكل مفهومنا عن هذه الحرب، الأمر الذي يؤكد في مجمله نظرتنا السابقة للجندي الثاني بأنه صناعة إعلامية شكلته الأجهزة الأيديولوجية للدولة أو الأمة المتمثلة في الإعلام سواء بالرجوع إلى الماضي من خلال تذويب الساتر الذي يحتمي به العدو أو برسم صورة هلامية غير متجسدة لمن يطلق عليهم ملوك الإنسانية.

ومن الجدير بالذكر هنا أن الجندي الثاني يستخدم نفس أسلوب التنويم الذي تستخدمه وسائل الإعلام، فهو يسعى هنا لتنويم (وعي) الجندي الأول، فعندما يدرك أنه لا يقنع بكلامه يلجأ إلى حيلة التشويق السردي narrative suspense التي تعد شهرزاد أشهر من استخدمها في التاريخ العربي [ولكن شهرزاد كانت تستخدمها بدافع غريزة الحياة life instinct لكي تحافظ على حياتها وحياة بنات جنسها في المقام الأول وربما تحاول من خلالها أن تغير بعض ملامح شخصية شهريار]. فحتى لا تعتمل الشكوك في ذهن الجندي الأول، يحيله الجندي الثاني إلى حرب العنزة، ونظرا لأن اسم هذه الحرب غير معروف، ينخدع الجندي الأول [ولو مؤقتا] بتلك الحيلة السردية ويسأل الجندي الثاني: "وما حرب العنزة؟" وإن دل ذلك على شيء فيدل على مدى تلاعب manipulation الراوي narrator أو المؤرخ historian بعقول المروي عليهم واستغلاله لإستراتيجيات في صياغة الخطاب الأدبي أو التاريخي تبرمج عقول المروي عليهم بالطريقة التي يبتغيها، وهو أسلوب يقوم على التنويم والتمويه والتمييع والاستخفاف المدروس جيدا.

وإطار قصة حرب العنزة يقوم ضمنيا على بنية "المماطلة" temporization [أي المراوغة التي يقوم بها الراوي إزاء مطالب المروي عليه والتلاعب برغبته في معرفة ما سيحدث] وبنية "التزمين" temporalization [أي تحنيط زمن ما وجعله ساريا على كل الأزمنة التالية، أي تجميد لحظة تاريخية ما واعتبارها تجسيدا لكل لحظات التاريخ] أو بنية "تحويز الزمن" spatializing time [أي اعتبار لحظة زمنية ما مكانا وتوسيع حدود هذا الحيز ليشمل كل اللحظات التالية (وربما السابقة) بحيث تصير تلك اللحظة الزمنية إطارا مرجعيا لكل اللحظات] إذا جاز لنا استخدام مثل هذه المصطلحات. فتكمن "المماطلة" هنا في التسويف الخفي من قبل الجندي الثاني أو الراوي لمقتضيات السرد المباشرة التي يحتاج إليها الجندي الأول أو المروي عليه، حتى يتلاعب بذهنه من خلال بعض الدوال النصية textual signifiers مثل "العزة" و"الشرف" و"المجد" و"السلف الصالح" مما قد تشكل صورة في ذهن المروي عليه تدعوه للزهو أو الفخر وبالتالي تناسي الواقع المعاصر أو غض النظر عنه ولو مؤقتا. أما بنية "التزمين" أو "تحييز الزمن" فتقترن بمقاصد الراوي السردية narrative intentions من وراء بنية المماطلة أو بالأحرى الدلالات الأيديولوجية الضمنية ideological implications لهذه المقاصد، فيمكن أنت تقرأ هذه الدوال النصية قراءة منطقية زائفة كالتالي: بما أننا نحن الخلف وهم السلف، وبما أنهم كانوا يصولون ويجولون ويدافعون عن العزة والكرامة والشرف وبما أن دفاعهم هذا قد حقق كل تلك الأمجاد، إذن نحن أهل العزة والكرامة ومجرد وجودنا مجد لنا، فعلينا أن نفخر بما أنجزوه وأن ننام قريري العين مرتاحي البال. أي أن ما يسري عليهم يسري علينا، فلقد أخرج الراوي حالتهم من حيزها الزماني ومدها لتصل إلى حاضرنا حتى "نتلبس" هذه الحالة، وكأننا صور كارتونية ثابتة جاء الراوي بذلك الصوت من الماضي لكي يبث فيها حياة لا وجود لها.

بعد أن يفرغ الراوي من مفتتح قصة حرب العنزة وهو مفتتح يتوازى إلى حد كبير مع "مفتتح القول" المأخوذ من قصيدة عمرو بن كلثوم حيث يقوم على بينية مماثلة في التفاخر والزهو، يعرج الراوي إلى متن القصة ذاتها التي ترد في إطار القصة داخل القصة metanarrative وتتخذ شكل مسرحية عبثية تصور حربا طاحنة تدور عقودا من الزمن لسبب تافه يتمثل في أن عنزة بني بكر أكلت من "زرعة حلزة"، فتدور الحرب بين بني بكر وبني حلزة ومن انضموا إليهم من "الحلفاء". طبعا تفاصيل هذه الحرب موجودة في القصيدة، وسنكتفي هنا بإبراز بعض الجوانب الخاصة بذلك العالم البائد.

وأول ما يلفت نظرنا تصوير شخصية شيخ قبيلة بني حلزة، فهو يتمسك "بالشريعة" ظاهريا بأن ينعم بنساء أربع (تزوجهن من أربع قبائل مختلفة – ورد والضرغام وشبل والليث - وما ملكت يمينه من نساء أخريات. والضرغام والشبل والليث من أسماء الأسد، أما الورد فهو الإبل الواردة الماء أو القطيع من الطير أو الجيش، ونأولها هنا على المحمل الأول لتجانسها مع مدلولات أسماء القبائل الأخرى؛ ومن هنا قد نستنبط حياة بهيمية يحياها زعيم القبيلة وما يستتبعه ذلك ما دلالات ترتبط بالهمجية أو الاعتداء على حقوق الغير أو عدم الرغبة في وضع الآخر في أفق النظر وما إلى ذلك، وكلها توحي برؤية قبلية للعالم تقوم على حق زعيم القبيلة المطلق في فعل أي شيء بالداخل أو بالخارج. كما أن ما ملكت يمينه ينقسمن إلى قسمين: قسم منهن امتلكه بالوراثة عن أبيه وقسم يأتيه نصيبا معلوما من الحروب والغزوات. ويؤكد الراوي على "امتلاء" أولئك النسوة جميعهن، الأمر الذي يعكس رؤية جمالية في النساء ترى معيار الجمال ماثلا في البدانة والامتلاء، وهي رؤية كانت شائعة عند العرب قديما، أي أنها تنتمي لتاريخ مضى. وقيام الراوي بسرد التفاصيل الدقيقة لحياة زعيم القبيلة النسائية يوحي بمدى انغماس الزعيم في ملذاته الشخصية. كما أن ثورته على حادثة العنزة التي أكلت من زرعتهم يمكن فهمها على أساس أنه لن يتضرر شيئا من وراء هذه الحرب التي ستقضي على معظم رجال القبيلة مادام نصيبه في المغانم والنساء سيصله إلى "خباء الشيخ / المترفع"، أي أنه يوافق عليها لمزيد من المكاسب الشخصية. ومن الجدير بالذكر هنا أيضا أن جواري كبير الحلزيين يشملن جواري تركيات وروميات وقسطنطينيات، الأمر الذي قد يوحي بالإمبريالية العربية في ذلك الوقت، أي أن العرب بلغوا الأرض طولا وعرضا في ذلك الزمن، وهو عكس ما نجده في الوقت الحاضر فغيرهم بلغ الأرض طولا وعرضا وهم تقوقعوا في البلاد طولا وعرضا. ويمكننا أن نفسر ذلك على محملين: إما أن المؤلف الضمني يورد ذلك كحالة موازية للحاضر وتتباين معه أو أن الراوي يريد أن يرسب في ذهن المروي عليه أن العرب فتحوا أو احتلوا تلك البلاد قديما ولا ضير الآن أن تأخذ هذه البلاد دورها فتسبي نسائنا وتنتهك أعراضنا، الخ. وهناك جانب آخر في شخصية زعيم الحلزيين ويجسد طابعا عاما عند الحلزين/العرب ككل وهو سمة التفاخر بالأنساب التي تصل حام بن نوح؛ وموضع السخرية هنا أن أنساب كل البشر تصل إلى نوح، فهي مجرد سلسلة نسب لا أكثر ولا أقل ولا تدعو إلى التفاخر في شيء، بيد أن الحلزيين يتوهمون صفات تمايز وتميز وفضل في هذا النسب.

كما يلفت نظرنا "الحدث الجسيم!" الذي يدعو "الأفواج الغاضبة" "الثوار / العطشانين إلى الثار / التوّاقين لمحو العار" للتنديد "بالعدوان الغاشم" والمطالبة "بالثأر الحاسم". ويستخدم الشاعر هنا أسلوب "التهويل" في وصف تفاصيل البواعث التي تستوجب شن حرب العنزة. ويقوم هذا الأسلوب على السخرية والتهكم، فيصور الشاعر تفاصيل تافهة على أنها أمور جسام تستلزم اتخاذ قرار فوري حاسم لإعادة توازن ميزان القوى وصد العدوان السافر على خصوصية قومية وهوية شعب تتعرض الانتهاك. ويمكننا أن نبصر هنا توازيا دلاليا semantic parallelism بين بواعث حرب العنزة والبواعث الحقيقية الواردة على لسان الجندي الأول في بداية القصيدة والتي تدعو إلى تحرك فوري للجيش العربي. وهذا التوازي الدلالي يلفت انتباهنا إلى موقف هذا الجيش الذي لا يتحرك إلا لكي يدمر بعضه بعضا أو يعتدي على أبناء عمومته، لا أن يتوجه إلى صد العدوان الفعلي الذي يوشك أن يمحي الهوية العربية أصلا.

وهناك نقطة أخرى في قصة حرب العنزة تسترعي الانتباه وتتمثل في الوعي اللغوي للمروي عليه أو الجندي الأول. فمثلا عندما يذكر الراوي العرب العاربة والعرب المستعربة على أنهم فئتين مختلفتين تماما، يتساءل المروي عليه: "وهل ثمة فرق / بين العرب العاربة وبين العرب / المستعربة؟" وهو سؤال يوحي بالتشكيك في التفرقة العنصرية أو التقسيمات القبلية أو الإدارية للعرب. ولا ندهش عندما نسمع رد الراوي أو الجندي الثاني: "ليس العرب العاربة كمثل العربة المستعربة / تماما كالفرق الواضح والبيّن / بين الرجل المدعو (عُمَر) / والرجل المدعو (عَمْرو)" وهو رد يعرّف الماء بالمادي، أي أنه لا يقدم أية معلومة مفيدة قد تروي تعطش المروي عليه إلى المعرفة. وبنية الاستفهام التي يستخدمها المروي عليه هنا تمد خيوط الاستفهام الموجودة في العنوان وفي السؤال التمهيدي في بداية القصيدة عن موعد مجيء الجيش العربي لتضفرها في ثنايا القصيدة ككل وتزود القارئ ببعض المؤشرات التي تجعله لا يأخذ رواية الراوي على مجمل الجد أو محمل التسليم المطلق بها.

ومن الأمثلة الأخرى على هذا الوعي اللغوي عدم تسليم المروي عليه بما يرويه له الراوي على مستوى التفريق بين دلالات الألفاظ أو التعبيرات؛ فعندما يذكر الراوي "بني مجشوش الرقبة" و"بني مشجوج الرأس"، يعلق المروي عليه مستفهما: "وهل ثمة فرق بين المجشوش وبين المشجوج"، فهو يدرك أن كلاهما يدل على إزالة أو كشط الجلد، ولا يهم إن كان هذه الجلد جلد الرقبة أم جلد الرأس. ولكن الراوي يلقي عليه خطبة عصماء فيها قدر من التوبيخ إجابة على هذا السؤال البسيط:

فقال الجنديُّ :
وهل ثمة فرقٌ بين المجشوش وبين المشجوج
فقال له :
ارجع للسان العربِ
ومختار الصحّاحِ
لتدركَ
أن لغتنا العربيةَ لم تترك شاردةً
أو واردةً
إلا وأحاطتها بالتأويل الشارحِ
والشرح التأويليّ
لكي لا تترك شأفةَ شكٍ
يتسلل منها أعداءُ اللغةِ
وأعداءُ الدينِ - أبادهمُ الله – إلى اللغة ِ
العربيةِ
ولكي تقفل كل الأبواب المفتوحة قدّام ذوي
الأغراضِ
المدسوسين حوالينا
النقَّارين على أشجار حضارتنا
كالفئرانِ السامّةِ
تبغي تقويضَ البيت العربيّ العامرِ
قال الجنديُّ :
وماذا فعل بنو بكرٍ ؟

إذا تأملنا هذه الإجابة جيدا، نجد أن الراوي يسرف أو يبذر في استخدام المفردات اللغوية التي تقع في مجملها خارج السياق، أي أنه يخالف مبدأ "الاقتصاد اللغوي" linguistic economy، كما أنه يخالف مبدأ الكم، فلا يوجد أي نوع من التناسب الكمي بين السؤال والإجابة المقدمة ردا عليه؛ أي أن الراوي يستطرد بإطناب لا يقدم إجابة من أي نوع على السؤال المطروح، وكأنه لا يفهم تلك الصيغة البسيطة للسؤال أصلا، أو أنه يفهمها ولكنه لا يدري الإجابة أو لا يريد الاعتراف بأنه ميز بين شيئين غير متميزين أصلا بدعوى التفاخر اللغوي الواهي الذي يحاول أن يثبت تميزا وشرفا للغته على سائر اللغات، في حين أن هذه اللغة تخضع لنفس المبادئ التي تخضع لها سائر اللغات من قبيل الترادف مثلا، وهو ما يخصنا هنا؛ ومجرد وجود كلمة الترادف في اللغة العربية دليل على أن بعض الكلمات لها نفس المدلول في هذه اللغة. ولكن الراوي هنا يلجأ لأسلوب "خذوهم بالصوت" لكي يشتت انتباه المروي عليه ويصرف ذهنه عن السؤال الأساسي الذي طرحه عليه، كما أن صيغة خطابه توحي بأنه يوجه الاتهام إلى الجندي الأول بأنه من "المدسوسين" و"أعداء اللغة"؛ ويمثل ذلك أحد مستويات التوازي الجزئية مع قصة حرب العنزة بأكملها، فكما اتخذ الحلزيون سببا تافها لشن الحرب على بني بكر ووضعهم موضع العدو يتخذ الراوي هذا السؤال سببا لشن هذه الحرب الكلامية على المروي عليه ووضعه موضع عدو اللغة. ويدرك المروي عليه خواء الراوي، ولذلك يصرف النظر تماما عن الإجابة المبتغاة ويرد الراوي عن استطراده بالرجوع إلى قصة حرب العنزة بسؤال آخر: "وماذا فعل بنو بكر؟"

وتتكرر نفس البنية اللغوية عند ذكر الراوي "بني مدقوق الأرجل" و"بني مدكوك الوركين"، فيبادر المروي عليه السؤال عن الفرق بين "المدقوق" و"المدكوك":

وهل ثمة فرقٌ بين المدقوقِ وبين المدكوكِ؟
فقال له :
للعلَّامةِ فخر الدين ابنِ الذئبةِ
من قوم بني حجروبٍ
فصلٌ
في بابٍ
في جزءٍ
لكتابٍ
يتألفُ من عدة أجزاءَ
تجاوزت المائتين
تحدث فيه
عن فضلِ القافِ على الكافِ
وعن لغة في قومٍ
تسمح بالخلط الواضح بين القاف وبين
الكافِ
وعن لغةٍ أخرى
في قومٍ غير القوم السابق ذكرهمُ
تسمح بالتقديم وبالتأخيرِ
كقولك – مثلا - :
( مِلْعقة ) أو ( مَعْلقة )،
والقولان صحيحانِ
وإنْ كان البحّاثةُ زينُ الدينِ
ابنُ العقربةِ
ربيب بني شاجزَ
وبني قعشورٍ
أثبت أن كلام ابن الذئبة
- في مجمله -
مشكوكٌ في نسبته لرواة الأخبارِ
وأثبت أن كثيرا ممن كان ابنُ
الذئبةِ يعتمد رواياتهمُ
بعضهمُ
كان يضاجع زوجته
من غير مداعبةٍ
والبعض الآخرُ
كان إذا ذهب إلى بيتِ الراحةِ يدخل
بالقدم اليمنى
قال الجنديُّ :
وماذا فعل بنو حلزةَ وبنو بكرٍ ؟

وهنا نجد الراوي يفكك خطابه ذاته، فكون أن واقعة التفريق واردة في فصل من باب من جزء من كتاب يتكون من أكثر من مائتين جزء يوحي بأنه يركز على تفاصيل تافهة أو على الأقل غير دالة سياقيا، كما أن التفاوت في المصادر الأولى التي بنيت عليها قواعد اللغة العربية ونحوها بالرجوع إلى مختلف القبائل وكيفية استخدامها لهذه القاعدة (في الاشتقاق) أو تلك يدل على وجود عدة أوجه للصواب. ولكن الراوي لا يريد الاعتراف بذلك؛ كما أن تطبيقه للقواعد اللغوية ذاتها يوحي بأنه يجهل أبسط مبادئ اللغة العربية أصلا بالرغم من تعالمه اللغوي: فمثلا يستخدم "الألف" قبل "بن" في "فخر الدين ابن الذئبة" و"زين الدين ابن العقربة"، بالرغم من أن القاعدة الشهيرة تقول بحذف الألف إذا سبقها اسم كما في "خالد بن الوليد"، عند عدم ذكر اسم قبلها نقول "ابن الوليد". ويلفت النظر هنا الحجج الواهية التي تستخدم لتسفيه رأي أحد العلماء أو تكفيرهم أو الحكم عليهم بالخروج على الملة (اللغوية أو غيرها). ومن أمثال هذه الحجج هنا الحكم بتخطئة من يطلق عليه "فخر الدين ابن الذئبة" بناء على قيام من روى عنهم بدخول الحمام بقدمه اليمنى أو أنه "كان يضاجع زوجته / من غير مداعبة" [وإن كان يحتج الراوي هنا بهذه الحجة التي تستند إلى حديث مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين رأيه في أسلوب التعامل الجنسي مع النساء: ["لا يقع أحدكم على زوجته كما يقع بهيمة على بهيمة ولكن يبدأ بالملاطفة والمداعبة"]، وتستند كذلك إلى آية في القرءان (نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ": البقرة 223)، نجده يذكر في موضع آخر احتجاب النساء عن الأعين كأنه حقيقة مقررة لا سبيل إلى الشك فيها: "زغردت النسوة / خلف الستر الحاجبة"]. وهي أعراف قد تسود في ثقافات دون أخرى ولا تفترض شذوذ أو انحراف أو خطأ من يقوم بها، لأن الأعراف أو العادات الثقافية ليست في حاجة إلى تعليل للآخرين الذين ينتمون لثقافات مغايرة. ولكن الراوي هنا يتبنى رأي من يطلق عليه "زين الدين ابن العقربة" ويدين "اجتهاد" عالم آخر ربما كان أقرب للواقع والصواب. ويقوم رد الراوي على سؤال المروي عليه هنا على نفس المبادئ المتضمنة في البنية السابقة، فيستطرد ويراوغ ويبالغ في التفاصيل التي لا توفي السؤال حقه. ونتبين هنا أيضا نفس البنية الثنائية التي تحكم القصيدة ككل: الجندي الأول/الجندي الثاني، مفتتح القول/خاتمة القول، بنو حلزة/بنو بكر، أبناء اللغة/أعداء اللغة، التعدد اللغوي/الأحادية اللغوية، أبناء الملة/الخارجون على الملة، الخ. فكما شن بنو حلزة الحرب على بني بكر لسبب تافه، يشن الراوي/زين الدين بن العقربة الحرب على المروي عليه/فخر الدين بن الذئبة لسبب لا يقل تفاهة ويتمثل في خلاف لغوي على قاعدة في اشتقاق الألفاظ. وكما في البنية السابقة، يدرك المروي عليه خروج الراوي على ما تقتضيه الإجابة على ذلك السؤال، ويوجه إليه سؤالا آخر كي يعيده إلى ما يسرده من تفاصيل حرب العنزة: "وماذا فعل بنو حلزة وبنو بكر؟"

وبعد أن يفرغ الراوي من رواية تفاصيل حرب العنزة التي دامت لعقود من الزمن وأهلكت الآلاف، يفطن المروي عليه إلى محاولات التهويم والتغييب والاستطراد والإطناب التي تحاول أن تخدر ذهن الجمهور وتصرفه عن القضايا الجوهرية في حياته والتساؤلات الخاصة بالوجود والهوية، فيسأله سؤالا آخر:

قال الجندي للجنديّ :
إذن
فلماذا
لم يأت الجيش العربيّ إلى الآن ؟
فقال له الجنديّ :
لقد تعب الجيش العربيُّ المغوارُ
من الحرب العنزيةِ
فاستسلم للراحةِ

ربما كانت إجابة الجندي الثاني "إجابة دبلوماسية" تضمر أكثر مما تظهر؛ فالقارئ والمروي عليه يستنبطان أن الجيش العربي لن يأتي أبدا لأنه أهلك نفسه في حروب وهمية قضت عليه وما عاد له وجود فعلي. ولتأكيد هذه الدلالة يلجأ الشاعر إلى أسلوب التناص ليختم به القصيدة كما افتتحها بهذا الأسلوب، فيورد في "خاتمة القول" أبياتا للشاعر حسن طلب تمثل اللبنة الدلالية التي تمنح الدلالة لكل الدوال النصية السابقة التي تأجلت دلالتها إلى هذه الخاتمة:

عندما كنت أنادم
قائد العسكر في كبرى العواصم.
راودتني زوجة الحاكم عن توتة آدم.
وأنا راودتها عن ماسة في تاجها الدري ..عن قرط وخاتم.
فأخذنا نتساوم.
وبحثنا في المعاجم.
عن أراض خصبة التربة .. عن شعب وحاكم.

بالطبع لن نعرج هنا إلى تحليل هذا المقتطف من قصيدة الشاعر حسن طلب، ولكننا نكتفي ببيان مغزاه في سياق القصيدة. إذا كانت هذه القصيدة السردية قد ابتدأت أصلا بحثا عن تفسير لعدم مجيء الجيش العربي ليردع العدوان الذي انتهك كل الحرمات الخاصة بمن يفترض أن هذا الجيش موجود أصلا للدفاع عنهم وحمايتهم، فإن هذه الخاتمة تؤكد عدم وجود جيش من هذا القبيل أصلا، بل تشكك في وجود مفهوم ما للشعب والحاكم، وكأن ما يوجد من كيان سياسي أو قومي أو عربي ليس له قوام أو ملامح أو لا تسري عليه التصورات الموجودة عن الشعب والحاكم أو الهوية السياسية أو حتى اللغوية.

ومن الجدير بالذكر هنا أن صوت المروي عليه الباحث عن الجيش العربي يختفي في نهاية القصيدة ولا يظهر معقبا أو متسائلا أو… وقد يفسر ذلك على محملين، إما أن صوت الراوي طغى عليه وبالتالي قضت الدعاية المتباهية المضللة عليه، أو أنه اقتنع بوجهة نظر الراوي، وهذا غير وارد من وجهة نظر المؤلف الضمني الإجمالية؛ وهذان الاحتمالان غير واردان في السياق الإجمالي للقصيدة. والاحتمال الوارد أن صوته انضم لصوت الشاعر في خاتمة القول بعد أن تبين عدم وجود أي ثوابت يمكن الارتكان إليها في تحديد مفهوم الهوية أصلا، ودعك من الهوية العسكرية أو السياسية.

سنحاول في خاتمة هذه الدراسة تلخيص بعض جماليات هذه القصيدة. أولا، على مستوى البناء الفني تتميز هذه القصيدة تجمع بين الشعر والسرد وتعدد الأصوات المتداخلة التي تلقي الضوء على بعضها البعض في شبكة من العلاقات النصية المتعارضة المتآلفة في آن. وربما كان توظيف السرد هنا على لسان الجندي الثاني أو الراوي يحقق هدفين فنيين: أولا، إبراز الفكرة الراسخة في الثقافة العربية من خلال ألف ليلة وليلة عن السرد بوصفه نجاة وهروبا ومراوغة حيث توظفه شهرزاد لكي تنجو بحياتها وتحافظ على حياة "الشعب" من بنات جنسها. ويوظف الشاعر هذه الدلالة بطريقة عكسية، فلا يستخدم الشعر هنا للهروب من خطر أو النجاة بشيء ثمين أو أي شيء من هذا القبيل، بل يبرز من خلاله فكرة التهويم والتنويم والأبواق الدعائية التي تزيف الوعي، فبدلا من أن يستخدمه الراوي للإجابة على سؤال محدد قد تشفي غليل المتعطشين للمعرفة الذي لا يجدون لأسئلتهم الحائرة جوابا، يستخدمه للهروب من هذه الأسئلة بالاستطراد إلى قضايا فرعية أو تفاصيل تافهة أو لتخليد لحظات تاريخية ما عادت صالحة للابتعاث في الحاضر ولا يمكنها أن تجيب على ما استجد من أسئلة وأزمات في الواقع العربي. أما الدلالة الثانية للسرد أو القصص في التراث العربي فهي الاعتبار بأخبار الأمم السابقة كما في الآية 111 من سورة يوسف: " قَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ". ولكن العبرة التي يرمي إليها الشاعر هنا عبر عكسية أو مقلوبة، فإذا كان الراوي يحاول من وراء سرده أن "يحوّز الزمان" بحيث يجعل الوعي الحالي يعود أدراجه إلى لحظة تاريخية كان للعرب فيها شأن عظيم ويسكنون إليها أو ينامون فيها أو يقنعون بها دون محاولة لمواجهة التحديات التي يفرضها عليهم الواقع المعاصر. والعبرة هنا أن المؤلف الضمني يدعو القارئ لعدم الركون إلى هذه الصورة القديمة المحنطة في ردهات متحف التاريخ، وإلى التشكيك في جدواها المعاصرة أصلا. وفي كل الحالات يقوم الشاعر بتفكيك أو تقويض تلك الجوانب الأيديولوجية من خلال السياق وتجاور أو توازي التراكيب الدلالية التي تشمل بنية القصيدة ككل.

وتتميز القصيدة أيضا بتوظيف التناص ببراعة خاصة في العلاقة بين "بدء القول" و"خاتمة القول" فأحدهما يتعمق في التراث العربي ليستخرج نصا يركز سمات التفاخر والتباهي عند العرب القدامى الذي ورثناه عنهم مفرغا من معناه هذا إن كان له معنى أصلا عندهم، فالقصة التي يوردها الشاعر في إطار القصيدة تبين مدى وهن الأساس الذي يقوم عليه هذا التفاخر الأجوف. والاقتباس الآخر يرد في "خاتمة القول" من قصيدة معاصرة لحسن طلب تسلط الضوء على فكرة البحث عن هوية سياسية والبحث عن الشعب والحاكم في آن، الأمر الذي يوحي بغياب هذين المفهومين أصلا من الواقع المعاصر، ويسلط الضوء على الإيحاءات التي تتخلل ثنايا القصيدة.

ويوظف التناص أيضا داخل القصيدة ذاتها في الاستشهاد ببعض المواقف الفقهية أو اللغوية التي يستخدمها الراوي للسخرية من الآخر الذي ربما كان جزءا من الأنا ذاتها، ولكنه يصير آخرا في ظل التفكك أو التفتت العربي.

كما أن التناص يتم توظيفه على مستوى الصياغة اللغوية، فيورد الشاعر على لسان الراوي مفردات خارجة من بطون المعاجم ولا تسير على ألسنة الناس في الوقت الحاضر ليوحي بمدى عتاقة أو تقادم أو سلفية موقف الراوي من الوضع الحاضر إذا أنه يتكلم في الحاضر بلسان عفا عليه الزمن وكأن المؤلف الضمني يقول لنا إن ما يمثله ذلك الراوي ومن على شاكلته لا يصلح للتعامل مع مستجدات العصر على جميع المستويات. واستخدام الراوي لهذه الكلمات تراثية التي قد يحتاج القارئ إلى معجم لفهمها، بالإضافة إلى حث القارئ على الرجوع للسان العرب أو القواميس القديمة الأخرى، قد يوحي لنا بأن العرب غير مؤهلين للتحدث بلغة الحاضر، ألا وهي لغة السلاح والقوة على غرار البلطجة الأمريكية

ويظهر التناص أيضا في مواضع أخرى، فمثلا يمكننا أن نتبينه في "نموت نموت وتحيى حلزة" فيمكن للقارئ أن يربط بين هذا الشعار والشعارات التي كان المصريون يرددونها في عهد الاحتلال كما نراها في الأفلام المصرية على سبيل المثال.

وتتميز القصيدة أيضا بتوظيف مبدأ الثنائيات التي تلقي الضوء على بعضها البعض لما توحي به من تباين. فهناك مثلا التباين بين الصوتين الأساسيين في القصيدة: وهما صوت الجندي الراوي وصوت الجندي المروي عليه والذي يمثل السبب الأساسي للسرد، فهو من يستحث الجندي الراوي للبدء في السرد، كما أن مداخلاته من حين لآخر طلبا لاستفسار أو للتفريق بين معنى كلمتين تلقي بظلال الشك على رواية الجندي الراوي وتجعل القارئ لا يأخذ هذه الرواية على علاتها، بل يتعمد أن يقرأ ما بين السطور ليكتشف الدعاية المضللة التي يبثها الناطق بلسان الجيش العربي الحالي. وقس على ذلك ما هناك من تباين بين "مفتتح القول" و"خاتمة القول"، وما بين الاستطرادات التي يلجأ إليها الراوي والأسئلة التي يطرحها عليه المروي عليه، الخ.

وتتميز القصيدة أيضا بأنها تخلق عالمين متوازيين، حيث يلقي العالم التراثي بظلاله على الحاضر والعكس. كما أن الخلافات بين ممثلي القبيلتين في القصيدة تذكرنا بالخلافات الفقية التي يدخل فيها علماء المسلمين، خاصة في الجانب الشرقي من العالم العربي، وهي خلافات قد توصل رؤية سلبية للقارئ بأنه لا أمل في شيء ما دمنا كذلك.

. إن تضافر كل هذه العناصر ببعضها البعض يولد نصا شعريا متميزا يقوم على مبدأ الثنائية: الحاضر/الماضي، الجندي الراوي/الجندي المتسائل أو المغاير، اللغة القديمة/ اللغة المعاصرة، العنترية القديمة/الخصي المعاصر، وهلم جرا.

وأخيرا وليس آخرا تتميز القصيدة بتوظيف بنية الاستفهام، بدءا من العنوان ومرورا بالأسئلة المتكررة للمروي عليه التي لا يجد لها إجابة شافية. ويمكننا أن ننظر إلى القصيدة ككل على أنها علامة استفهام تمتد بعرض الصفحات وأن "خاتمة القول" إجابة على هذا السؤال الكبير، وتكمن هذه الإجابة في البحث عن معنى مفهوم الشعب والحاكم أصلا والسعي إلى إدراك جوانب هذا المفهوم.

د . جمال الجزيري





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,486,646
- الدكتور صلاح فضل يكتب عن ديوان أحوال الحاكي للسمّاح عبد الله
- عبد المنعم رمضان يكتب عن السمّاح عبد الله
- قراءة في ديوان - الواحدون - للشاعر السمّاح عبد الله
- ثلاثون عاما مع مجلة الشعر
- أَلاَ يَا سَقَى اللهُ تِلْكَ الْأيَّامْ
- السماح عبد الله ومحاورة المألوف ، د. علي عشري زايد
- أوراقٌ للنشرِ في هيئةِ الكِتابْ
- لويس عوض : صورة جانبية
- مديح العالية
- الطوافة
- سَرْدِيَّةٌ أُخْرَى لِلرَّائِيَةْ
- هواء طازج - 3
- انخطاف
- ورود يانعة لنا كلنا من رجل واحد
- سلفادور دالي
- انظر وراءك في فرح لتكتب شعرا حقيقيا
- من أين أقتطع خبزة القصيدة ؟
- خراب السقيفة
- فرلين
- عن مكاوي سعيد


المزيد.....




- منجيب يخترع حقا جديدا من حقوق الإنسان : الحق في -السليت- من ...
- فنانة? ?مصرية? ?تصدم? ?زوجها? ?بكلمة? ?حب? ?غير? ?متوقعة? ?ع ...
- قيادي في المعارضة السودانية لـ(الزمان): مسرحية هزلية لإعادة ...
- -بريد الليل- يوصل هدى بركات إلى البوكر
- المجلس الحكومي يتدارس السياسة الرياضية
- جائزة البوكر العربية تعلن اليوم الفائز بدورة 2019
- مهرجان موسكو السينمائي يعرض فيلما عن تمثال بطرس الأكبر في بط ...
- رسام روسي يجمع ذنوب الإنسانية في مكان واحد
- رغم الجدل.. جائزة -البوكر- تعلن هوية الرواية الفائزة هذا الع ...
- بنعبد القادر يدعو إلى الانتقال إلى تدبير مهني مبني على الكفا ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الدكتور جمال الجزيري يكتب عن ديوان متى يأتي الجيش العربي للسماح عبد الله