أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مراد سليمان علو - نشيد الجوع / قصة قصيرة














المزيد.....

نشيد الجوع / قصة قصيرة


مراد سليمان علو

الحوار المتمدن-العدد: 3169 - 2010 / 10 / 29 - 09:44
المحور: الادب والفن
    


مرادا.قرية غافية في حضن الجبل ، وماء جدولها العذب ينساب وينسرح على الحجارة الصلدّة ويشطرها إلى نصفين ، ثم يصبّ في بئر طاحونة أبي الواقعة في طرف القرية الجنوبي ، وفي الحقيقة هي ليست ملكنا وإنما تعود للشيخ ولكن يحلو لي أن اسميها طاحونة أبي فهو الطحان فيها ، وكاد يوم القرية هذا يمر كبقية أيامها الرتيبــــــة لـو لا الهالة التي حاول العم (حمو) رسمها على المولود الجديد فيها وهو نفس اليوم الذي صحبني أبي فيه للطاحونة لأول مرّة حيث كنا قد عبرنا في هذه الأثناء ساحة القرية باتجاه الطاحونة والتي يقول عنها أبي دائما إنها بمثابــــــة أم للفقراء ، ووجدت الفرصة سانحة لأسئلتي التي لاتنتهي عن الطاحونة والجبل والحكايات المنسوجة حولهما .
ــ لماذا تسمّى بأم الفقراء ؟
ــ من ؟
ــ الطاحونة يا أبي .
ــ أوه ... لأنها تطحن وتنشد للفقراء .
ــ وماذا تنشــــد !؟
ــ طق جق رق ..... حنطة وشعير
رق جق طق ..... طحين وفيــر
والطاحونة تعمل بفعل قوة تساقط المياه للبئر العميقة حيث تدور مروحة خشبية صغيرة تعمل على تحريــك دولاب كبير فتدور الرحى العليا بواسطته ويتم سحق الحبوب أولا ثم طحنها بين الرحى ودفعها إلـى مكـــــــان مخصص ، وعلى كل حال عمل الطاحونة ليس مزدهرا فأغلب الأهالي لا يملكون ما يطحنوه ولهذا طلب أبـــي من الشيخ عملا إضافيا أكثر من مرة حتى كلفه أخيرا بسقي بستانه الواقع خلف الطاحونة .

في المساء وعند اجتماع الرجال في ديوان الشيخ وكلما سنحت الفرصة للعم (حمو) ردَد قائلا: (مبـــارك هذا المولود . لطالما توسمّت الخير والتقوى في هذه العائلة . يا جماعة هذا القادم سيكون له شــــــأن عظيم . لقـد حلمت بذلك . أجل ... أجل ، وقبل أن يفضّ المجلس سكت الرجل والى الأبد . مات وهو متكئ وشـــــــبه ابتسامـة لا تزال راسمة على شفتيه .
للقرى الصغيرة أحزانها فموت احدهم يلغي الفرح بولادة آخر ، ولكن رغم ذلك كانت هنالك مسحة من الســـرور ونوع من الفرح دخل إلى عائلتنا نتيجة حصول أبي على عمل إضافي وهو سقي بستان الشيخ الواقع بالقــرب من الطاحونة تلك الجَنة الصغيرة المليئة بالأعناب والتين ، فبالإضافة للطحين الذي نحصل عليه ســنجد التيـن المجفف وحبّ الرمان والزبيب على مائدتنا في أيام الشتاء وهو الموسم الذي يتفرغ فيه أبي لعمل الفحم . يحمل فأســـه ويذهب إلى الجبل للتحطيب كل يوم إلى أن يجمع ما يكفي لبناء محرقة ، والمحرقة عبارة عن حفــــرة واسعة نصفها العلوي فوق سطح





الأرض تشّيد كقبّة بالطين أولا ثم تغطى بالتراب وتترك فتحة صغيرة فــــي الأسفل بمستوى الأرض مما يسمح بدخول شيء من الأوكسجين ليساعد على إشعال الحطب ، وبعد التأكد من إضرام النار في كل الكومة تســـدّ الفتحة وتبدأ عملية الاحتراق . يأخذ الحطب لونا رماديا أول الأمر ثم يتحــول للسواد ، وفي اليوم التالي يزاح التراب ومن ثم الطين المتصلب بفعل الحرارة ويتم نقل الفحم وقد تعرّق بسبب الماء الناضح من الحطب وما أن يلامسه الهواء حتى يأخذ لونه الطبيعي وتبدأ عملية التســـــــــــــويق والبيــع آخر الأمــر .
كبر المولود ، وبات يلعب مع الآخرين لعبتهم المفضلة وهي إشعال النيران في الشتاء وبطريقة ما أحترق نصف ما على الفتى من أسمال دون أن يصاب بأذى ، فعقدت الدهشة ألسنة الأطفال وهرعوا مســـرعين لنقل الخبر لذويهم ، ويصبح الفتى حديث الرجال في الديوان ثانية حيث ردّد البعض قائلين انـه مـجـرد حـظ طيـب ليس ألا ، وجعل البعض الآخر الأمر وكأنه عناية إلهيه مقصودة .
مرّت الأيام وتوالت أحداث أخرى لا تقل غرابة ودهشة عن حادث الحريق فأصبح الحديث عن الفتـــى (ســـــينو) هو الشغل الشاغل لأهل القرية . ثرثرة ، وأقاويل صحيحة ومغالية فقد قيل انه أنقذ حياة حطــــاب بعد أن لدغته أفعى سامة في طريق عودته من الجبل ، وانه تسبّب في شفاء ســــّيدة بعد أن أقعدها المــــرض شهورا طوال ، ويقسم جاره بأغلظ الأيمان بأنه لو وضع بعضا من ريقه في قدر حليب فسيتحول إلى لــــــبن رائب في الصباح وأشياء أخرى كثيرة مما حدا بالشـــــيخ وبعض وجهاء القرية أن يختبـــروه في يوم معلوم وبمرأى من الجميع .
أنه يوم الاختبار الكبير كل الأهالي سيجتمعون في الساحة ولكن أبي يقول إن عملنا أهم حيث سأساعده في سقي البستان وهو ألان مليء بالعناقيد الذهبية والتي ما أن تدخل الفم حتى تذوب أما الأسود ذو الحبات الصغيرة فينزلق في الحلق مثلما تبتلع حجري الرحى الحنطة ومع هذا أتمنى من كل قلبي رؤية سينو وهو يمشي حافيا على الجمر وسط الهلاهل بدلا من سقي البستان واكل العنب لان اليوم ســـيتأكد الجميع من قدراته وفيما إذا كان يستحق الإرسال إلى الوادي المقدس ليتعلم ويخضع رغبات جسده لأرادته ويكبح جماحها ويمارس التأمل والصوّم ويبقى هناك إلى أن يجيز له إزالة آلام الآخرين والطواف في كردستان لذلك ولا بأس أن يبدأ من مرادا التي تبدو في هذه الأثناء وكأن الشمس تحضنها مع الجبل .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,340,927
- يوميات مهاجر
- قصة قصيرة


المزيد.....




- مصادر حزبية.. العثماني لم يفاتح أحدا في موضوع التعديل الحكوم ...
- شاهد كيف سرقت مترجمة لغة الإشارة الأضواء من مغني الراب
- جلالة الملك يتسلم كتابا حول الجهود الملكية لتحديث القوات الم ...
- 42 حفلا فنيا في مهرجان القلعة الـ 28 بالقاهرة
- محمد يعقوب يفوز ببردة شاعر عكاظ لهذا العام
- الإمارات تنعي كاتبها وشاعرها
- منشور ماكرون باللغة الروسية يثير غضب السياسيين
- ندوة لمناقشة ديوان -سيعود من بلد بعيد-
- فيل نيفيل يدعو لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعرض بوغب ...
- بين الدراما الملحمية والكوميديا السوداء.. أربعة أفلام روائي ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مراد سليمان علو - نشيد الجوع / قصة قصيرة