أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - سلام ابراهيم عطوف كبة - ابراهيم كبة والفكر القومي















المزيد.....



ابراهيم كبة والفكر القومي


سلام ابراهيم عطوف كبة

الحوار المتمدن-العدد: 3143 - 2010 / 10 / 3 - 09:27
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


في ذكرى رحيل الدكتور ابراهيم كبة
ابراهيم كبة والفكر القومي


تغطي الثقافتان القومانية البائسة والدينية الطائفية اليائسة التي تنخر بمجتمعاتنا سرطانا وكابوسا وارهابا دمويا المسيرة الوطنية التحررية للشعوب،وحاضر ومستقبل العراق بدخانها الاسود المقيت لتترنح الموضوعية تحت السياط وتئن من ضربات اللاموضوعية وليجر تمزيق النسيج المنطقي للأحداث كي لا تمسك الاسباب والمبررات فتهوي وتضيع في لجة غموض الصدفة والوعي.وهاتان الثقافتان العدوانيتان تذكرنا بدرجة الوحشية والعنف التي يمكن ان يصلها عقل الانسان متى كان معبأ بالأحقاد والجهل والتعصب والأطماع!لأنهما النقيض لثقافة السلام والثقافات المسالمة التي تحمل قيم التسامح والعدل والسلام لا العنصرية والعداء.وقد عودنا الاعلام الاصفر على اشاعة ثقافة الفكر الواحد والرأي الواحد والجمود والتهميش واحتقار المثقف!ثقافة الفساد وآليات انتاجه،ثقافة سيادة عبادة الفرد وتأليه الطغاة،ثقافة وديمقراطية القطيع والرعاع،ثقافة وديمقراطية الولاءات دون الوطنية،ثقافة وديمقراطية"حاضر سيدي ومولاي"،ثقافة الامة الواحدة والرسالة الخالدة،الثقافة التوتاليتارية الشمولية،الهجينية الانتقائية النفعية والممهدة للثقافة الفاشية!
ان اصل الازمات السياسية في بلادنا هي محاولات تحويل الدولة العراقية الى مركز عصبوي استبدادي بدل ان تكون وسيلة استخراج وبلورة الارادة والاجماع الوطني!التطور الانترنيتي والتطور الرياضي والاقمار الصناعية،الموسيقى والباليه والسينما والمسرح والفن التشكيلي والمهرجانات الشعرية،كلها لا تعجب بالطبع الانظمة الشمولية واعداء التقدم الاجتماعي لأنها تشعرهم بالضعف والعجز عن التحكم بالناس ومراقبتهم!الفكر الرجعي جوهر المنظومة الفكرية والثقافية للدكتاتورية البائدة والطائفية السياسية لوث الشارع العراقي وسمم اجواءه الثقافية معتمدا على ثقافة العنف والتصفية والتهميش والتجهيل والتنسيق مع الحلفاء من الظلاميين والمجرمين الذين يعتبرون النور والثقافة المتنورة كفر وضلالة ويعملون على عودة الناس الى الكهوف والظلام.هم يريدون اشاعة ثقافة اليأس والخنوع،ونحن نريد اشاعة ثقافة الأمل والاحتجاج والنزاهة والثقافة المطلبية.ذلك البصيص من الضوء في آخر النفق سيتحول يوما الى نور يضيء روح الاحتجاج على الباطل والمطالبة بالحق والسعي الى خير الانسان.وتلك الرايات التي تبدو اليوم متفرقة ستخفق في ايادي ملايين المنشدين السائرين نحو عراق جديد حقا وستملأ في الغد فضاء الرافدين.
لقد غادرنا ابراهيم كبة الساعة التاسعة صباحا الثلاثاء 26/10/2004،وكانت فترة(1977- 2004)من اكثر الفترات ظلامية في تاريخه،حيث بقي في شيخوخته حبيس الضغوطات الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان،لكنه خلف لنا خزين من التجربة السياسية والاكاديمية والفكرية والمؤلفات والترجمات عن الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية،والتي نشرت بعضها بأسماء مستعارة.
في بغداد ولد ابراهيم كبة من عائلة عراقية معروفة عام 1919،واكتسب التوجهات القومية مع تأثره بأفكار خاله الشيخ محمد مهدي كبة زعيم حزب الاستقلال!ويؤكد كبة في كتابه"هذا هو طريق 14 تموز"ان توجهاته القومية في المرحلة المبكرة من حياته الدراسية،وبالمعنى البدائي السطحي للافكار القومية عندما كانت هذه الافكار سلعة تتاجر بها الطبقات المستغلة والحاكمة في العراق والعالم العربي ومع الانفصال التام بينها وبين مبادئ التحرر والتقدم الاجتماعي،اهلته لقيادة اكثر جمعيات الطلبة آنذاك ممثلا للفكر القومي اليميني،وحينها نشر دراسته "وجهة القومية الحديثة"،وكان لايزال طالبا في كلية الحقوق!الا ان فشل حركة مايس 1941،والتي شارك فيها ابراهيم كبة كطالب في صفوف"كتائب الشباب"وثيقة الصلة ببواكير حزب الاستقلال،اصابته بصدمة عنيفة وآثار فكرية تراكمية عنيفة،جعلته يشرع بالتهام مؤلفات الفكر الاوربي الليبرالي والعقلاني والمادي.ومع بداية 1943 بدأ يطالع مؤلفات المدرسة الاشتراكية الفابية في انكلترة،وبالاخص انتاج لاسكي،ليتحول ابراهيم كبة من اليمين الى الفكر اليساري ومدافع صلب عن مبادئ الاشتراكية الديمقراطية،ومؤمنا بأن الاشتراكية وحدها هي الجديرة بتحقيق حرية الشعوب والانسانية جمعاء!وتجذر هذا الايمان بعيد الحرب العالمية الثانية بالاسلوب الاشتراكي العلمي في البحث وبالتحليلات الماركسية في الاقتصاد!ومنذ ذلك الحين تموضع الفكر القومي اليميني في عرف ابراهيم كبة مكانته المتميزة في الفكر الرجعي في بلادنا.
ومنذ عام 1947 بات ابراهيم كبة من المع المدافعين عن الفكر الاشتراكي العلمي،ومن اشد انصار المنهج المادي الجدلي في الموقف من الحياة وتقييم المدارس الفكرية جمعاء بما في ذلك انتاج الفكر العربي الاسلامي وخاصة انتاج ابن خلدون!كما تطورت مفاهيمه القومية،فالفكر القومي السليم لابد ان يكون في نفس الوقت اممي وانساني،وازدهار الفكر القومي كل على حدة رهين ومشروط بازدهار الفكر القومي للاقوام الاخرى المجاورة وبتحرر الانسانية جمعاء!وتفرغ ابراهيم كبة للعمل كاستاذ في جامعة بغداد في مادة تاريخ المذاهب الاقتصادية والفكر الاقتصادي منذ عام 1953،وعمل في تحرير مجلة الثقافة الجديدة التي تحولت الى لسان حال المثقفين في العراق قبل ان تجهز عليها حكومة فاضل الجمالي بعد صدور ثلاثة اعداد منها فقط !وفي 1954 كان ابراهيم كبة على رأس قائمة المفصولين من الاساتذة و المعلمين والطلاب اثناء فترة التمهيد لحلف بغداد الاستعماري!وابراهيم كبة من رواد حركة انصارالسلم في العراق التي تأسست مطلع خمسينيات القرن العشرين،وكان من نشطاء جبهة الاتحاد الوطني 1957 وانيطت به شرف تحرير البيان الاول للجبهة!وفي الخمسينيات،وقبل ثورة 14 تموز 1958 المجيدة،بلغت النتاجات الفكرية للدكتور كبة اوجها:
• تطور النظام الاقتصادي – 1953 .
• المفاهيم الاساسية للاقتصاد العلمي – 1953 .
• نظرية التجارة الدولية - 1953 .
• أزمة الفكر الأقتصادي - 1953 .
• أزمة الفلسفة البورجوازية - 1953 .
• معنى الحرية – 1954 .
• تشريح المكارثية – 1954 .
• المذهب السوفياتي في القانون الدولي – 1956 .
• أضواء على القضية الجزائرية – 1956 .
• أزمة الاستعمار الفرنسي – 1956 .
• النفط والازمة العالمية – 1956 .
• الاقطاع في العراق – 1957 .
بعد ثورة 14 تموز 1958 سجل تاريخ العراق الحديث له عشرات الخطب الارتجالية وهو يتولى حقيبتي وزارة التجارة(الاقتصاد لاحقا)ووزارة الاصلاح الزراعي،كما تولى وكالة حقيبة وزارة النفط .وكان لابراهيم كبة عشرات الدراسات في المجلات العراقية والعربية.
في الكلمة التي القاها في الجلسة الافتتاحية للمجلس الاقتصادي للجامعة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ 5 كانون الاول 1959 يؤكد كبة"من المعلوم ان الاجزاء المختلفة من العالم العربي لا تعيش في ظروف متماثلة،فلكل منها ظروف خاصة نشأت من التجزئة المصطنعة التي فرضها الاستعمار على الامة العربية.ولهذا السبب تطورت البلدان العربية تطورا غير متناظر سواء في اوضاعها السياسية والاجتماعية او في اوضاعها الاقتصادية والثقافية.وليس ثمة من حاجة للتدليل على هذه الحقائق المعروفة للجميع"ويضيف"من اجل معالجة قضية توحيد الامة العربية معالجة صائبة،ينبغي عدم اللجوء الى تبسيط هذه القضية الى حد تجاهل الظروف الخاصة للبلدان العربية"و"ان هذه الضوضاء المسعورة حول"مروق العراق"او"خروجه عن جادة القومية العربية"ليست في جوهرها ومغزاها الا مكيدة استعمارية هدفها دق اسفين في جبهة التضامن العربي وحل عرى وحدة الكفاح العربي ضد الاستعمار والصهيونية".وفي نفس الكلمة يقول ابراهيم كبة:"ان العراق اذ ينتهج سياسة الحياد الايجابي ويأخذ بمبادئ باندونغ والتعاون الدولي المتكافئ ينطلق في ذلك من المبدأ القائل:نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا – آخذا بنظر الاعتبار مصلحته القومية والوطنية،ساعيا جهده لكي يوفر لثورته ولحركة التحرر العربي مستلزمات الانتصار في الكفاح ضد الاستعمار والمساهمة في اعداد شروط التقدم والازدهار للامة العربية"و"وما لم يدخل الشعب الى معركة البناء طليق اليدين من الاغلال .. حر العقل والارادة لا تستطيع الثورة ان تفلح في تحقيق اهدافها".
حول التضامن العربي يؤكد ابراهيم كبة في خطبته الشهيرة امام المجلس الاقتصادي للجامعة العربية في القاهرة 5 كانون الاول 1959"وقبل ان تبدأ حكومة الثورة بالاقتصاص من طغاة العهد البائد الذين اذلوا الشعب العراقي وارهقوه بالاذى والمظالم،عمدت قبل كل شئ الى فضح السياسة المعادية للقومية العربية،التي كان ينتهجها العراق،ووضعت الاستعمار واحلافه وزبانيته في قفص الاتهام،وانزلت بهم الاحكام الرادعة جزاء تآمرهم الاجرامي ضد سورية ومصر ولبنان والاردن،وجزاء كيدهم الدنئ للجمهورية العربية المتحدة وسياستها وقادتها،ولم يقف العراق عند هذا الحد وانما بادر الى تقديم العون للجزائر البطلة المكافحة،فاعترف فورا بحكومتها الثورية وقطع جميع علائقه الاقتصادية والتجارية مع فرنسا المستعمرة،ومد يد العون الى شعب عمان الشقيق واحتج اشد الاحتجاج على المؤامرة الاستعمارية في البحرين،واكد مرة بعد اخرى على لسان قائده عبد الكريم قاسم على ان هذه الارتباطات ليست اشكالا مؤبدة،وانما هي وسيلة لتيسير بلوغ الهدف شأنها شأن الروافد المختلفة التي ينتهي مجراها آخر الامر لتصب في النهر الكبير".وفي كلمته اشار الى السوق العربية المشتركة التي لا يمكن ان تتحقق ما لم تنشأ الصناعة الوطنية الثقيلة والخفيفة حيثما وجدت الظروف الملائمة لانشائها،وما لم تحرر التجارة والاقتصاد والعملة من القيود الاجنبية،ويجري التخلص من تحكم الاحتكارات الاجنبية،وما لم يصف الاستثمار الاقطاعي تصفية نهائية،وتؤسس علائقنا التجارية والاقتصادية مع الدول الاجنبية على اساس النفع المتبادل.وفي هذه الفترة نشر كبة مؤلفات عدة اهمها:
• حول بعض المفاهيم الاساسية في الاشتراكية العلمية – 1960 .
• انهيار نظرية الرأسمالية المخططة – 1960 .
• الماركسية والحرب الامبريالية - 1960 .
• البراغماتية والفلسفة العلمية – 1960 .
• الجزائر وقضية الشعب الفرنسي – 1960 .
• الامبريالية – 1961 .
• تشريح الكوسموبوليتية – 1961 .
لقد حول الاستاذ ابراهيم كبة محاكمته الى محاكمة للبعث والقومجية والرجعية وبرامجها الاقتصادية الانتقائية النفعية،وعزا الانقلاب على ثورة 14 تموز الى استشراء القوى الرجعية ومحاولة تزييفها جميع احداث التاريخ القريب،وتركيزها خاصة على تزييف احداث ثورة تموز المجيدة في جميع معطياتها وجوانبها المختلفة،وانبعاث جميع حملات الكذب والمسخ والافتراء!ليسحب البساط من تحت جهل وغباء وحماقة المدعي العام وما وجهه من اتهامات اعتباطية،ودافع عن نفسه بنفسه في مرافعة كانت دراسة عن الاقتصاد العراقي في فترة ما بعد ثورة 14 تموز.حول محاكمته ودفاعه الى دراسة علمية اقتصادية ذات قيمة عالية،نشرت في كتاب اقتصادي وفكري ثمين بعنوان "هذا هو طريق 14 تموز" عام 1967.
ومما جاء في مطالعة المدعي العام العسكري راغب فخري امام المحكمة التي ترأسها عبد الرحمن التكريتي في محاكمة ابراهيم كبة يوم 4/2/1964 ان ابراهيم كبة كان من الفوضويين الخطرين المؤمنين بالنظرية الماركسية ونشر آرائه بصددها مهاجما جميع من نقد تلك النظرية واعداءها،وقد رد عليه الاستاذ معن العجلي باعداد متسلسلة في جريدة السجل!وكان كبة من الموقعين على المذكرة التي رفعت الى رئيس الوزراء في حينه حول سحب امتياز مجلة الثقافة الجديدة وفصل على اثرها من الخدمة لمدة خمسة اعوام،فقدم وجماعة معه من الاساتذة المفصولين بتاريخ 13/9/1954 مذكرة الى مجلس الوزراء حول فصلهم نظمت بالاسلوب المعروف عنهم،وقد طبع الف نسخة منها قام الفوضويون بتوزيعها في الطرقات.ورغم انه مما سبق له ممارسة مهنة المحاماة قبل انخراطه في اسرة التعليم فانه لم يعد الى تلك المهنة بعد فصله وانما فتح له مكتبة جوار كلية الآداب ليكون على اتصال بالوسط الطلابي.وكبة هو احد اعضاء جمعية مؤسسة في العراق(يقصد انصار السلم)رغم ان الجمعية المذكورة لم تمنح اجازة من السلطات الرسمية المسؤولة!!وفي نفس المحاكمة اورد الشاهد فائق السامرائي ان ابراهيم كبة اتصل مرارا في القاهرة اثناء ترؤسه الوفد الذي زار الجمهورية العربية المتحدة بصفته وزيرا للاقتصاد،بافراد ينتمون الى حزب غير مجاز يسمى حدتو(الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني والمرتبطة بالحزب الشيوعي المصري).
في برقية الاساتذة"مصطفى علي،عبد الوهاب محمود،ابراهيم كبة،محمد سلمان حسن"الى رئيس وزراء الجمهورية العربية السورية بتاريخ: 16/12/1966،حول تأييد الموقف السوري ضد احتكارات النفط الدولية،جاء ما يلي:"نؤكد بان انتصار الامة العربية في هذه المعركة رهين بالتقاء القوى التقدمية على النطاق العربي في جبهة معادية للاستعمار.كما ان مستلزمات المعركة في العراق تفرض اطلاق الحريات العامة لتوفير المناخ الديمقراطي الضروري لألتقاء جميع القوى التقدمية في جبهة موحدة قادرة على تعبئة الشعب وقيادته الى النصر في هذه المعركة القومية ضد احتكار النفط الاستعماري".
مع تصاعد نجم الفكر القومي البائس كتب ابراهيم كبة في"مقدمة حول التجارب الثورية – 1/4/1967"نأمل ان تسهم دراستنا في تصحيح كثير من الآراء الخاطئة التي تمتلئ بها الكتب والمطبوعات والمواثيق والمناهج السياسية في السنوات الاخيرة،والقائمة على الاضطراب والخلط في جميع قضايا الثورة تقريبا،خلط بين طبيعة الثورات التحررية والديمقراطية والاشتراكية بحجة وحدة العملية الثورية- خلط بين الحركة القومية(التي تستهدف الوحدة السياسية للامة المجزأة)والحركة الوطنية(التي تهدف الى تحرير الامة من الاستعمار)- خلط بين وحدة القوى الثورية(وحدة طبقات وفئات اجتماعية)والوحدة العربية(وحدة الدولة).هذا بالاضافة الى المنطلقات المثالية والتجريدية والاصلاحية لاغلب هذه الآراء والنظريات،كفكرة(الطبقة المجردة)او اللاطبقية لتفسير تخلف بعض المنظمات السياسية في البلاد العربية ومفهوم(وحدة الفكر والعقل)في الامة العربية لتحديد طابعها القومي،ومقولة(اولوية الخلق والابداع على مهام التدمير)واعتبار(الاصلاحات) القوة المحركة للتغير النوعي في بعض البلدان الافريقية،وفكرة الفصل المنهجي بين الاساس الموضوعي لوحدة العملية الثورية(الواقع المركب للاقتصاد)والاساس الذاتي المزعوم لتعدد وتطور مراحلها(الوعي والتنظيم والممارسة)،ومفهوم(الحقيقة القومية)-مقابل السمات القومية-والخلط بينه وبين مقولة النظام الاجتماعي،والتركيز على مفاهيم تكنولوجية(تنمية قوى الانتاج)او سلبية(مجرد رفض الطريق الرأسمالي الخاص)او اخلاقية(العدالة مثلا)او شوفينية(تطور العنصر العربي)او نفسية(ارادة التغيير)او غيبية(رسالة السماء)لتحديد سمات الاشتراكية العربية،مع اهمال متعمد لأهم المقولات العلمية،او تشويهها وافراغها من محتواها الطبقي(مقولات الجماهير،الطليعة،الشعب العامل،الرأسمالية غير المستغلة..الخ)،وفي اغلب الاحوال تجاوز المسألة الاساسية في الثورة،مسألة(السلطة)ومقوماتها المختلفة(الاحزاب،نظم الانتخاب،اجهزة الدولة،المنظمات الجماهيرية..)وكل ذلك لهدف واضح هو تبرير القيادة الانفرادية لبعض مراتب البورجوازية الصغيرة اعتمادا،على اجهزة بيروقراطية،معادية للثورة في الغالب.
كان الاستاذ ابراهيم كبة من الد اعداء السرطنة الرجعية بتلاوينها وخزعبلاتها دون الوطنية او العابرة لها،وساهم في فضح الآراء والحنقبازيات الفكرية السفسطائية النفعية القومية والطائفية والتي كانت فاعلة في اجهاض ثورة 14 تموز 1958 المجيدة،في وثيقة"الفكـر الرجعـي في العـراق"في 5/5/1967،ومما جاء فيها"ان انبعاث الفكر الرجعي في العراق الآن،لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة،بل هو يعود في الأساس إلى دوره القديم – الجديد كسلاح من أهم أسلحة الردة المستشرية في البلاد،والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة للحكم القاسمي،وبلغت ذروتها عبر انقلابي شباط وتشرين،وذلك لاسباب موضوعية كثيرة أهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز،قيادة البورجوازية وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة لحركة الردة،وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم(الإقطاع،البورجوازية العقارية الكبيرة،البورجوازية الكومبرادورية)والوسط الرجعي الجديد(البورجوازية الوسطى او الوطنية)وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية.إن الردة الفكرية،بقدر ما هي أداة من أدوات المعركة الاجتماعية،تعكس بنفس الوقت هذه المعركة وتنطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية."


بغداد
2/10/2010

الملاحق:
الوثيقة رقم (1) - فصل من" تاريخ الحياة الحزبية في العراق".وجدت هذه المخطوطة في مكتبة ابراهيم كبة/مخطوطة غير منشورة وغير مؤرخة/لكنها بخط يده،ويشير مضمونها انها كتبت اواسط اربعينيات القرن المنصرم.وفيما يلي احد فصولها(علما ان القسم الاول نشرناه في دراسة سابقة http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=109494 ،والقسم الثاني نشرناه في دراسة سابقة ايضا http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=146997 ، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=147020).
الوثيقة رقم (2) - خطاب السيد ابراهيم كبة وزير الاقتصاد في الجمهورية العراقية"القاه في الجلسة الافتتاحية للمجلس الاقتصادي للجامعة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ 5 كانون الاول 1959".
الوثيقة رقم (3) - تأييد الموقف السوري ضد احتكارات النفط الدولية/برقية الى رئيس الوزراء السوري.
الوثيقة رقم (4) - مقدمة حول التجارب الثورية/دراسة مخطوطة غير منشورة سابقا.



(1)

"تاريخ الحركة الحزبية في العراق"


يمتد تاريخ الحركة الحزبية الحديثة في العراق بجذوره الى تاريخ الدولة العثمانية في عهدها المتأخر.وبالنظر لسعة الموضوع وتشعبه نكتفي بذكر هذا التاريخ اعتبارا من الحرب العالمية الأولى،مع الاقتصار على الأتجاهات العامة في هذه الحياة.ويمكن تقسيم تاريخ الحياة الحزبية في العراق الى ثلاثة أدوار :
1. دور الثورة العراقية
لم تتأسس خلال القيام بالثورة العراقية أحزاب سياسية بالمعنى الصحيح بل حدثت تكتلات متفرقة في المدن الكبرى تتصف خاصة بالسمات التالية:أ - الطابع الديني / اذ كان العامل الديني اهم المحركات لنشاط الجماعات المذكورة،يظهر ذلك من قيادتها العامة التي لم تخل من اشتراك وقيادة وتوجيه كبار رجال الدين (الخالصي في الكاظمية ،والأزدي في كربلاء ،والصدر في بغداد)..كما يظهر ذلك أيضا من اختيار المحلات والمراكز الكبرى للعمل الحزبي،اذ كان اغلبها متركزا في المدن المقدسة كالنجف وكربلاء وفي المحلات الدينية في المدن الأخرى وخاصة في مسجد الحيدرخانة في بغداد.ويظهر أخيرا الطابع الديني في النضال بالوسائل الدينية للقيام بالثورة العراقية،كاستغلال الاجتماعات الدينية والتعازي والمراسيم الدينية من أعياد وغيرها.والمهم في هذا الطابع الديني أهميته الخاصة من وجهة التكتيك الحزبي،اذ كان الدين بدون ريب من العوامل الأساسية الملائمة في تحريك الجماهير ودفعها للثورة ضد الأنكليز،بالتأكيد على الطابع الديني للثورة وشحذ روح الجهاد في الشعب. ب - ضيق الأهداف وسلبية العمل / اذ لم يكن لتلك التكتلات الحزبية من غاية ابعد من غاية القيام بالثورة وطرد الأنكليز بالقوة.ولهذا كانت التكتلات المذكورة تجمع جميع العناصر الوطنية على اختلاف مصالحها الاجتماعية واتجاهاتها الفكرية،وقد كانت بقيادة وجهاء المدن ورجال الدين،ورجال الإقطاع.
2. الأحزاب في عهد الحكم الوطني حتى اعلان الغائها
تأسست بعد تشكيل الدولة العراقية عدة أحزاب سياسية استمرت في نشاطها الحزبي بصورة متعثرة غير منتظمة(عدا فترة قليلة هي فترة تصديق معاهدة 1930)حتى اعلان الغائها في سنة 1934 .ولا يهمنا من تأريخ هذه الفترة الا الإشارة الى الخصائص العامة لهذه الأحزاب والاستفادة من تجاربها الحزبية في دور العمل.واهم مميزات هذه الأحزاب مايلي: أ - إنها كانت أحزاب أفراد لا أحزاب مناهج ومبادئ عامة،وان نظرة واحدة لمناهج الأحزاب المذكورة يوضح بشكل قاطع عدم اختلافها من حيث الأهداف او الوسائل.فقد كانت جميعا تستهدف تحقيق استقلال العراق السياسي واستكمال مستلزمات كيانه الدولي وانشاء وتدعيم النظام الدستوري في البلد والتعاون مع بريطانيا والدول المجاورة.كما إن نظرة واحدة الى عناصر الأحزاب المذكورة وتكوينها العضوي يوضح بجلاء أنها كانت أحزاب الساسة الطامعين في الحكم والمتوسلين اليه بكل الوسائل الممكنة.فحزب الشعب كان حزب نوري السعيد،وحزب التقدم حزب عبد المحسن السعدون،وحزب الإخاء حزب ياسين الهاشمي الخ. ب - ضيق الأهداف /لم تكن للأحزاب المذكورة برامج شاملة مستمدة من دراسة اجتماعية عامة.ولم تكن لقادتها ومؤسسيها بحكم ثقافتهم الرجعية وبيئاتهم الاجتماعية الضيقة ادراك واعي لأهمية الحلول الاجتماعية الداخلية في العمل السياسي .وقد سبق ان ذكرت انها كانت سلبية الاهداف بعيدة عن الحلول الإيجابية في المشاكل الاجتماعية. ج - انها كانت بعيدة كل البعد عن الشعبية.فلم تكن لتعتمد على الجمهور أو لتثق به،أو لتقصد الاعتماد في وسائلها الفعلية عليه،بل كانت قياداتها بحكم التربية العسكرية الدكتاتورية لأكثر قادتها من جهة(الهاشمي و نوري السعيد)،وبحكم التربية الدينية والأرستقراطية لقادتها الآخرين من جهة ثانية(آل السويدي والسعدون والجرجفجي)،بعيدة كل البعد عن الروح الشعبية وعن الأهتمام بمصالح الجمهور أو التعبير عن حاجاتهم الاجتماعية.ويستثنى من ذلك (الحزب الوطني)الذي كان برئاسة جعفر أبو التمن اذ كان الى حد كبير حزب البورجوازية الصغيرة من أبناء المدن الكبرى وخاصة في بغداد.وكان اكثر اهتمامه من الوجهة الداخلية منصرفة لتحسين أحوال الطبقة المذكورة كما انه كان مدينا في نجاحه في تحريك الجماهير وخاصة في بغداد ضد الحكومات القائمة آنذاك وضد الإنكليز لهذه الطبقة ممثلة في النقابات المهنية المختلفة التي كان الحزب يتبناها رسميا ويرعى مصالحها المختلفة.وقد كان لهذا التمثيل الاجتماعي في الحزب الوطني اثر كبير في قوته الشعبية ونجاحه في الضغط على الحكومات القائمة آنذاك وقيادته لواء المعارضة الى جانب عوامل أخرى تتصل خاصة بتضامنه مع حزب الإخاء الوطني وتوحيد سياستهما في المعارضة.
على ان الحزب الوطني لا يختلف عن الأحزاب الأخرى من حيث الخصائص العامة التي سبق ذكرها،من حيث ضيق الاهداف وعدم الاهتمام بالمشاكل الداخلية،وعدم اتباع الوسائل العلمية في العمل الحزبي،واستبعاده للأساليب الثورية من حيث الأساس،وعدم اهتمامه بالتعاون مع الأحزاب والهيئات المماثلة في البلاد الأخرى،فضلا عن انه كان يجمع شتى التناقضات الفكرية في قيادته:من القومية المتطرفة الممثلة ب(احمد عزت الاعظمي و محمد مهدي كبة)والروح الخيرية العامة الغامضة التي كان يمثلها زعيم الحزب،الى الاتجاه القومي الاسلامي الضيق المعادي للاتجاهات القومية الديمقراطية الحديثة( فهمي المدرس وعبد الغفور البدري وامثالهم).وكان هذا التناقض اهم عوامل انحلال الحزب في النتيجة والغائه رسميا بعد تصديق المعاهدة العراقية – البريطانية سنة 1930.
وقد أدى اختفاء الحياة الحزبية في العراق الى ظهور أسوء مراحل تاريخ العراق السياسي التي سبقت اعلان الحرب العالمية الثانية من سيطرة الروح الدكتاتورية التي كانت مرتبطة في الحقيقة بسيادة المبادئ الفاشية في العالم الى تردي الحياة الديمقراطية الممثلة في ثورات العشائر،واشغال الجيش بالسياسة الفردية وتفشي مظاهر الفساد في جميع أجهزة الدولة،وسيادة الروح القومية الضيقة الشوفينية في سياسة التعليم والثقافة العامة،والاهتمام بالمظاهر دون اللباب في التربية القومية،وتشريع القوانين المعادية للديمقراطية والاتجاهات الشعبية والمثبتة للإقطاع والقوى الرجعية الأخرى( تعديلات قانون العقوبات المتصلة بجرائم الأمن العام،واصدار القوانين المتصلة بالصحافة،وتشريع وتطبيق الأحكام العرفية المختلفة،واصدار قوانين التسوية والقوانين الأخرى المتصلة بمشكلة الأرض الخ).
وقد خلف الاستعمار طبقة جديدة من أبناء المدن من كبار رجال السياسة وابناء العائلات الكبرى فيها،ترتبط مصالحها الاقتصادية مباشرة بمصالحه عن طريق تكوين الشركات المالية الكبرى المرتبطة بروؤس الأموال الأجنبية،والمعتمدة في نشاطها المالي على الأسواق وروؤس الأموال الاستعمارية(عبد الهادي الجلبي وشركة أندووير،السويدي وعلي ممتاز،وتجارة العطاريات مع الشركات الإنكليزية في الهند،المدفعي وعلي كمال وعبد الهادي الدامرجي،وبتجارة الاراضي،صباح نوري السعيد وطارق العسكري وبتجارة الحبوب والمواد الغذائية الأخرى)الخ من مظاهر تردي الحياة العامة في العراق الى اختفاء الحياة الحزبية وعدم تطبيق شروط النظام الديمقراطي.
3. الأحزاب في الفترة الأخيرة
ظهرت الحياة الحزبية من جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نتيجة الظروف الاجتماعية والسياسية الجديدة التي خلفتها الحرب المذكورة في العراق وسائر انحاء العالم .وكان من اثر هذه الحرب ان اشتد الوعي العام في العراق بسبب الضائقة الاقتصادية التي أصابت سائر طبقات الشعب العراقي عدا الفئة القليلة التي استفادت ماديا منها،وبسبب اهتمام الكثير من الطبقات المذكورة بتطور الحرب وتتبع أحداثها المختلفة.كما كان لانتصار الديمقراطيات وخاصة الاتحاد السوفييتي أثره البالغ في نمو الاتجاهات التقدمية في صفوف الطبقة المثقفة وتزايد الشعور العام بضرورة إعادة الحياة الحزبية تمهيدا لتطبيق مستلزمات النظام الدستوري في العراق .وفي وسط هذه الظروف الداخلية والخارجية المؤاتية اضطرت الطبقة الحاكمة في العراق على إعادة الحياة الحزبية.
واتسمت الأحزاب الجديدة الناشئة في العراق،والتي لا حاجة لذكرها أو ذكر مناهجها تفصيلا،بخصائص جديدة ظهرت لأول مرة في تاريخ العراق السياسي.من هذه الخصائص:أ- ظهور الطابع الطبقي لحد ما في الأحزاب الجديدة،فهناك الأحزاب التقدمية وهي تمثل بمجموعها من الوجهة النظرية"الفلسفة الاشتراكية"على اختلاف درجاتها وصورها(الحزب الوطني الديمقراطي تبنى الاشتراكية الإصلاحية)،وحزب الشعب والاتحاد الوطني تبنيا الماركسية مع محاولة تكييفها لظروف العراق الاجتماعية.وتبنى حزب الاستقلال القومية البورجوازية مع محاولة فاشلة لمسايرة التيار التقدمي السائد بعد الحرب بوجه عام.ولم يتبلور هذا الطابع في حزب ما،بشكل محدد،نظرا لعدم ظهور الطبقات الاجتماعية المستقلة في العراق ونظرا لتداخل المصالح الاجتماعية في تلك الفترة. ب - ظهور الشمول والسعة والتفصيل في مناهج الأحزاب الجديدة،والاهتمام النظري على الاقل بمعالجة المشاكل الاجتماعية،وادراك واضح(خاصة في الأحزاب اليسارية) لوحدة الجوانب المختلفة في الكفاح الحزبي،والربط بشكل آلي بين الاصلاح الداخلي والعمل في سبيل الاستقلال الوطني.على ان هذه الاحزاب الجديدة لم تخلو من نواقص جوهرية سواء أكان ذلك في مبادئها أو في تشكيلها أو في وسائلها في العمل،مما كان ولا يزال من أهم أسباب فشلها الى جانب الأسباب الأخرى التي تتصل بحداثة الحياة الحزبية من جهة وبضعف الإمكانيات الاجتماعية الحزبية في العراق من جهة أخرى.ولا يمكن بطبيعة الحال استعراض مناهج الاحزاب الجديدة جميعا واستعراض سياساتها العملية منذ نشوءها حتى الآن،ولذلك سنأخذ على سبيل التمثيل حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي لإظهار بعض النواقص المذكورة.
حزب الاستقلال

اول ما يلاحظ فيما يتصل بمنهاج هذا الحزب انه منهاج غير علمي،أي انه لا يستند الى نظرية علمية صحيحة في المسائل الاجتماعية والمشاكل المختلفة القائمة في العراق،والتي يتوقف على حلها وحسن علاجها مصير الحياة الحزبية جميعا.فهو من جهة يبين وجهة النظر القومية بالمعنى التقليدي،أي انه يتعامى بشكل ساذج عن حقيقة التناقض الاجتماعي القائم في العراق ويفترض وحدة الشعب العراقي ويبني مبادئه وحلوله على هذا الأساس الزائف،ويقع بسبب ذلك في أخطاء فيما يتصل ببعض المشاكل الأساسية في البلد.مثال ذلك الموقف من مسألة العمل؛فهو يحلم بحل مسألة العمل في العراق على أساس (التعاون)بين العمال وأرباب العمل،ويضع أمر حل النزاعات المتصلة بذلك بيد لجنة مؤلفة من الجانبين مع اشتراك الدولة في ذلك بدون ملاحظة طبيعة الدولة في النظام الاجتماعي القائم.وبالجملة فهو يتبنى وجهة النظر الفاشية في المسألة المذكورة،وهي وجهة نظر طبقية صرفة كما نعلم،بعيدة كل البعد عن المصلحة القومية ولا تخدم إلا مصلحة أرباب العمل ولا تعمل قيد شعرة على حل مشكلة العمل،بل تؤجلها الى حين.
ويلاحظ ثانيا في المنهاج المذكور انه منهاج سلبي في اكثر دوافعه وأهدافه،وقد وضع الشيوعية خاصة والتقدمية عامة الى جانب الاستعمار.واعتبر الأولى عنصرا من عناصر تفكيك وحدة الأمة،كما اعتبر الأخير عاملا من عوامل القضاء عليها.وهو في ذلك يمثل مصالح الطبقة الوسطى الناشئة التي تخشى الشعب وحركاته ووعيه بقدر ما تخشى الاستعمار.وكلنا نعرف المغالطة السياسية في منهاج هذا الحزب في هذا الصدد،وهي الخلط عمدا أو جهلا بين واقع التناقض الاجتماعي القائم بسبب العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤدية حتما الى طبقية المجتمع،(وخاصة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج) وبين هدف الشيوعية في القضاء على التناقض المذكور بالوسيلة الوحيدة العلمية التي أثبتها التاريخ وهي الكفاح الاجتماعي الطبقي،اي ان المغالطة قائمة على الخلط بين (وسيلة) الشيوعية في العمل وهي الكفاح الطبقي وبين (هدفها)النيل في القضاء على الكفاح المذكور.وسنرى فيما بعد الأسباب الثقافية والنفسية التي تساعد على انتشار هذه المغالطة بين صفوف الطبقة المتعلمة في العراق.
ويلاحظ ثالثا التناقض البارز في منهاج هذا الحزب بين المقدمات النظرية الفلسفية التي يتبناها الحزب وبين بعض الحلول التفضيلية التي يقترحها.مثال ذلك،انه يؤكد في الكثير من حلول الحزب المتصلة بالنظام الاقطاعي ومشكلة الأراضي في العراق على استغلال الطبقة الإقطاعية القليلة العدد القوية النفوذ للأكثرية الساحقة من الفلاحين.ويستنكر هذا الاستغلال نظريا،ويقترح توزيع بعض أراضى رجال الاقطاع على الفلاحين مما يستلزم مقدما التسليم بالتناقض الاجتماعي بين الفئتين،وبذل المحاولات المختلفة للتخفيف من حدته أو للقضاء عليه.وهناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل لا أتذكرها تفصيلا.وتعليل هذا التناقض واضح،فهو يعود من جهة الى عدم الانسجام في قيادة الحزب وفي الاتجاهات الفكرية لمؤسسيه،إذ انهم وان كانوا جميعا ينتمون الى الطبقة الوسطى ويمثلون مصالحها الأساسية الا انهم يختلفون في وسائل تبني هذه المصالح،وبالتالي في الاتجاهات الفكربة التي تمثلها.وقد سبق ان ذكرت ان بعضهم يتبنى القومية الضيقة متأثرا تأثرا واضحا بالمبادئ الفاشية ( صديق شنشل – السامرائي)،وبعضهم يميل الى مسايرة الاتجاه الاصلاحي مما يقرب الى حد كبير من الاشتراكية الاصلاحية المعروفة في اوربا الغربية (محمد مهدي كبة،عبد الرزاق الظاهر)،وبعضهم لا يفرق بين الدين والقومية ويحاول حشر الدين الاسلامي في السياسة الوطنية باعتبار الدين المذكور من المقومات الرئيسية للقومية العربية ،متأثرا في ذلك بالفاشية اليابانية (محسن الدوري،عزيز الدوري،ناجي معروف،عبد الرحمن الجليلي).ويتجلى التناقض من جهة ثانية بالشعور الواضح بلزوم مسايرة الاتجاه اليساري السائد في العالم بسبب الظروف الجديدة التي خلفتها الحرب والى عدم امكانية الوقوف في وجه هذا التيار بشكل محدد صريح ومحاولة مسايرته في بعض الحلول التفصيلية التي جاءت لا تتلائم بحال من الاحوال مع المقدمات والافتراضات الفلسفية التي تبناها الحزب.
وقد كان لهذا (الاضطراب في المنهاج) ما يقابله من الاضطراب في (تكوين القيادة).ان قيادة حزب الاستقلال لا تجمعها جامعة فكرية إيجابية بل كل ما تجمعها الى جانب الصلات الشخصية الخاصة والاشتراك المؤقت الطارئ في المعتقلات والسجون أثناء الحرب الأخيرة،الأهداف السلبية المذكورة وهي: كراهيتها للانكليز من جهة وعدائها للتقدمية من جهة أخرى،ويستطيع الانسان ان يلاحظ بضعة اتجاهات واضحة في القيادة المذكورة وفي عناصر الحزب بوجه عام،منها القومية بالمعنى الضيق مع سائر مستلزماتها الاجتماعية والاقتصادية (الوحدة العربية ، سياسة الحماية الكمركية ، اعتبار العمل واجبا مقدسا ، تحديد حرية النقابات ، تدخل الدولة الاقتصادي على الأساليب الفاشية المعروفة ،تفسير التأريخ العام والعربي تفسيرا قوميا محضا ، تشجيع الروح العسكرية،الخ).ومنها الروح الطائفية التي تسود الجانبين والجماعتين في القيادة.ومنها الروح الاسلامية التي اتضحت في بعض مبادئ الحزب وفي منهاجه،كتشجيع الدراسات الاسلامية ، وتقوية الروح الدينية في التعليم ، ووضع التشريع المدني على أساس الفقه الاسلامي ، الى غير ذلك من ظواهر هذه الروح. واخيرا ، الاتجاه الاشتراكي الاصلاحي الذي ظهر أثره- كما ذكرنا- في بعض مبادئ الحزب أيضا كموقفه من مشكلة الاقطاع وبعض الحلول التفصيلية المتصلة بالمسألة المالية كالضرائب التصاعدية وتشجيع التعاونيات الزراعية،الخ.
واذا انتقلنا الى التكوين الاجتماعي لحزب الاستقلال والعناصر المختلفة المنتمية اليه،لوجدنا ( بشكل واضح ) انه حزب مثقفين ولم يعتمد على العناصر الاجتماعية الأخرى ولم يحاول كسبها أو التوسل في أساليبه في العمل معها.وقد استطاع ان يكسب في الواقع عددا كبيرا جدا من الطبقة المتعلمة وخاصة في أوساط المحامين والطلبة لأسباب اجتماعية سيأتي ذكرها بعد ذلك !
والخلاصة في هذا الحزب انه حزب لن يكتب له النجاح في ميدان العمل ، النجاح بالمعنى الواسع ، أي قيادة الجماهير من جهة ومحاولة التأثير على موقف الطبقات الحاكمة وارغامها على التنازل عن بعض الحقوق الشعبية..وذلك لسبين أساسيين : الأول / السبب العام المتصل بطبيعة القومية البورجوازية في عالم اليوم واحتضارها باحتضار النظام البورجوازي نفسه بعد أن أدت الطبقة ومن عبر عن مصالحها الدور الاجتماعي المطلوب في التأريخ أي القضاء على النظام الاقطاعي وعلى جميع مستلزماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية ، ثانيا / أسباب خاصة تتصل بطبيعة الحزب المذكور .وهي الأسباب التي أجملناها قبل قليل.

الحزب الوطني الديمقراطي

لاشك ان منهاج الحزب الوطني الديمقراطي هو احسن منهاج موضوع لحالة العراق الاجتماعية والسياسية في المرحلة الحاضرة في تاريخ العراق حتى الآن.منهاج علمي متناسق منسجم لا يتعارض والنظرية العلمية الماركسية في تطبيقاتها على العراق،وان كان من مآخذه الهينة التأكيد على بعض النقاط الفرعية والتهوين من بعض النقاط الأساسية ،كمسألة النقابات وغيرها.على ان ذلك لا يعني بأن الحزب المذكور يمثل ويتبنى النظرية الماركسية لسببين :
1. لأنه يعتبر المنهاج المذكور منهاجا نهائيا وهدفا أخيرا بجهوده الحزبية،أي انه لا يؤمن بقابلية المنهاج المذكور وبضرورة تطوره حسب تطور العراق الاجتماعي،أي انه لا ينظر الى المرحلة الاجتماعية الحاضرة،النظرة النسبية اللازمة،وقد ثبت ذلك من خطاب رئيسه في الحملة على الجناح التقدمي للحزب.
2. الأهم من ذلك في عدم ماركسية الحزب،و انه لا يتبنى التكتيك العلمي اللازم في النشاط الحزبي،أي الوسائل القائمة على التطور والنسبية والثورية والدولية،بل سار في عمله الحزبي على أساليب الاقناع فقط،واستنكر وندد بجميع وسائل الضغط في داخل الحزب وفي الهيئات والجماعات الخارجة عنه.على ان نقاط الضعف البارزة في هذا الحزب تتصل بناحيتين،الناحية الأولى ناحية عدم الانسجام في القيادة:لقد ولد هذا الحزب وهو لا ينطوي على عناصر الحياة الدائمة أو البناء،ذلك لأن قيادته تجمع عناصر مختلفة في الاتجاهات الفكرية الأساسية،ولا تجمعها الا جامعة الميول التقدمية العامة،والا بعض الاتصالات والتعارفات الشخصية أحيانا.ان بعض عناصر القيادة شيوعية خالصة تؤمن بالشيوعية نظريا وعمليا،وقد انضمت الى الحزب وثبتت منهاجه باعتبار انه خير ما يناسب الامكانيات الحزبية القائمة في المرحلة الاجتماعية الحالية للعراق ولم يدر بخلدها ان الحزب سيشجب الوسائل الماركسية في العمل ويقتصر على طرق الاقناع وعلى النشاط الثقافي فقط .ولكن هذه العناصر(الجناح التقدمي أولا : وطلعت الشيباني وزكي عبد الوهاب ..ثانيا) سرعان ما اصطدمت بالحقيقة،ففصلت أو حملت على الاستقالة .كما ان بعض هذه العناصر تتجه اتجاها اشتراكيا ديمقراطيا،أي تتبنى الاتجاه الاشتراكي الغربي،وهو اتجاه معارض كل المعارضة للاتجاه الماركسي،مخالف له من حيث الأساس سواء أكان ذلك في نظريته الاجتماعية العلمية أو في وسائله لتحقيقها.والاشتراكية الاصلاحية كما نعلم صورة من صور الفلسفة اليمينية ووسيلة من وسائلها لمحاربة الماركسية في بعض المراحل الاجتماعية،ولا يمكن الجمع بينها وبين نقيضها،أي الماركسية،الا على سبيل التكتيك في بعض الظروف الخاصة.والأغرب من كل ذلك ان قيادة هذا الحزب ضمت لها بعض العناصر التي لم يعرف عنها أنها تقدمية الاتجاه( مثلا - البجاري) بل بعض العناصر التي لا تتفق مصالحها وجبرية العمل بهذا الاتجاه(الازري)وبعض العناصر الأخرى التي تقف من التقدمية موقف العطف النظري،وهي بعيدة كل البعد بحكم مصالحها وأحيانا مزاجها الخلقي الخاص عن الكفاح الحزبي بكل ما يستلزمه من خصومات ومضايقات وتضحيات(كمونة و مرجان)والخلاصة ان قيادة الحزب لم يكن يمكنها ان تستمر على الشكل الذي ولدت فيه بل كان مصيرها حتما الانحلال والتصفية.وهكذا كان،حتى أصبحت اليوم خاضعة خضوعا تاما لأتجاه رئيسها في السير على مبادئ وأساليب الأشتراكية الأصلاحية.
على ان قوة الحزب وأساس نجاحه في كسب احترام الطبقة المتعلمة في العراق ترجع في الحقيقة الى عامل أساسي مهم في العمل الحزبي هو ثقافة القيادة وتقسيم العمل بينها واتباعها الأساليب العلمية الشكلية في الميدان الصحفي والخطابي والثقافي بوجه عام.هذه الوسائل العلمية الهادئة في مناقشة المشاكل الوطنية والدولية،ومعالجتها معالجة رصينة بعيدة عن الحماسة والتقليد لازمة كل اللزوم في إقناع وكسب الطبقة المتعلمة،وهي الزم لبلد كبلدنا حيث تتصف الطبقة المتعلمة بصفات خاصة.ولكن الأسلوب المذكور لم يجد نفعا في استمالة الجمهور والطبقات الشعبية والعمال بل بقي الحزب بعيدا عن عطف الجماهير وقاصرا على الطبقة المتعلمة فقط.كما انه لم يستطع أيضا التأثير على سياسة الحكومات القائمة بالرغم من شدة الانتقادات وقسوة الحملات الصحفية التي شنت عليها،بل كان الفضل في حمل تلك الحكومات على تغيير موقفها وحتى الاستقالة أحيانا استجابة للحملات الشعبية التي كانت توجهها الجماعات الحزبية غير المجازة.ولا يخفى أيضا ان الحزب المذكور شجع الحكومات الرجعية على محاربة الشيوعية وتعقب أنصارها بموقفه الخاص من الجناح التقدمي داخل الحزب ومن الشيوعيين عامة خارج الحزب أيضا.والخلاصة ان الحزب الوطني الديمقراطي لا يمكنه بطبيعته ووسائله ان يحقق حاجات العراق الحزبية أو ان يغير جديا من مواقف الحكومات القائمة.



(2)

خطاب السيد ابراهيم كبة
وزير الاقتصاد في الجمهورية العراقية

"القاه في الجلسة الافتتاحية للمجلس الاقتصادي للجامعة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ 5 كانون الاول 1959"


سيدي سيادة الرئيس المحترم
حضرات الاخوان الافاضل

بأسم الجمهورية العراقية الفتية،بأسم حكومتها الوطنية الثورية،وبأسم شعبها البطل الجبار،بأسم المثل القومية والديمقراطية التي تشرب بها،وبأسم الدماء الزكية التي اراقها،بأسم الانتفاضات التي قادها والمعارك التحررية التي خاضها،بأسم ثورة 14 تموز الخالدة،ارحب بوفودكم وابارك جهودكم ومساعيكم واتمنى للجميع النجاح التام والفوز المبين.
تتعرض بلادنا العربية اليوم الى مؤامرات استعمارية مشتدة مصوبة بالدرجة الرئيسية نحو طليعة الكفاح العربي التحرري،المتمثل بالجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة.والاستعمار يدرك انه اذا استطاع ضرب هذه الطليعة هان عليه بعد ذلك ان يبسط طغيانه على الامة العربية كلها.وخطة الاستعمار في الظرف الراهن تقوم على زرع بذور الجفوة والخصام بين الجمهوريتين العربيتين المتحررتين،بأمل احداث صدع كبير يستطيع من خلاله اختراق الجبهة العربية وضربة اخرى للعربية المتحدة وبالتالي اعادة سيطرته الاستعمارية على العالم العربي برمته.
ان الاستعمار يدرك ان التضامن العربي قد كان الضمانة الاساسية في الانتصارات التي حققتها مصر في سياستها القومية التحررية واخصها رد العدوان الثلاثي الآثم.كما كان الضمانة في وقاية سورية من العدوان والمؤامرات،وكان بالتالي عاملا جوهريا في احباط خطط الاستعمار العدوانية التي اتخذت في اعقاب انتصار الثورة العراقية.وواضح ايضا ان هذا التضامن قد لعب دوره في اجلاء جيوش الغزو عن لبنان والاردن وبلوغ ثورة لبنان الشقيق نتيجتها المنطقية.كما لعب دوره في احباط مفعول مبدأ آيزنهاور وتقويض اركان حلف بغداد وتأمين الفاعلية الكفاحية لثورة الجزائر وعمان.
والاستعمار الذي ادرك ويدرك خطر التضامن العربي على مصالحه ومشاريعه العدوانية والدور الذي يلعبه هذا التضامن في الانتصارات التي تحرزها القومية العربية- يعمل الآن بكل ما يملك من اسااليب ووسائل لحل عرى هذا التضامن وتقويضه.وهو لهذا الغرض يستهدف – كما بينا – طليعة الكفاح العربي، المتمثلة بالجمهورية العراقية المتحررة وتسديد ضربة للجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة.

ايها السادة

ان القومية العربية مثل سائر القوميات لابد ان تسلك سبيل تطورها التاريخي المعتاد.وكما توحدت امم كثيرة ستتوحد حتما امة العرب.تلك مسألة هي في اعداد الحقائق الموضوعية التي تشق طريقها الى الامام بفعل القوى الاقتصادية والاجتماعية وبمعزل عن الاهواء والنزوات.وهي بهذا الوصف لا يمكن ان تكون موضوعا للجدال او النقاش او النظرة الضيقة.
ان الحركة القومية العربية هي حركة العرب اجمعين.ولذلك فهي تهم كل عربي يقطن العالم العربي الوسيع الممتد بين الخليج والمحيط.وهذه الحركة مثل اية حركة تاريخية مماثلة محكومة بشروطها الموضوعية التي ينبغي ان تؤخذ بنظر الاعتبار اثناء العمل على حث السير لهذه الحركة وبلوغها اهدافها الاساسية.
من المعلوم ان الاجزاء المختلفة من العالم العربي لا تعيش في ظروف متماثلة،فلكل منها ظروف خاصة نشأت من التجزئة المصطنعة التي فرضها الاستعمار على الامة العربية.ولهذا السبب تطورت البلدان العربية تطورا غير متناظر سواء في اوضاعها السياسية والاجتماعية او في اوضاعها الاقتصادية والثقافية.وليس ثمة من حاجة للتدليل على هذه الحقائق المعروفة للجميع.ان هذا التباين ليس من صنع العرب انفسهم الذين ظلوا دوما يطمحون الى الحرية والوحدة،وانما هو حصيلة للتجزئة الاستعمارية التي فرضت على الامة العربية.لكن هذا التباين في ظروف البلدان العربية المختلفة ليس شيئا متأصلا وطبيعيا وانما هو شئ عارض ومؤقت.اما الشئ الاصيل الذي يحتفظ بشروط البقاء والتطور،فهو الخصائص القومية للامة العربية،وهي التي اخفقت كل جهود الاستعمار ومساعيه لطمسها او عرقلة نموها.
فمن اجل معالجة قضية توحيد الامة العربية معالجة صائبة،ينبغي عدم اللجوء الى تبسيط هذه القضية الى حد تجاهل الظروف الخاصة للبلدان العربية.ان عملية توحيد الامة العربية هي عملية مركبة تعيش في ظروفها الموضوعية الخاصة.ولذلك فان حل هذه المسألة ينبغي ان يستند الى هذه الظروف بالذات.والواقع الذي تعيش فيه امتنا العربية المجزأة يدل على ان سير البلدان العربية نحو الوحدة لن يكون متناظرا من حيث الزمن كما يدل على ان الشعوب العربية ستسلك في طريقها نحو الهدف سبلا متباينة لا سبيلا واحدا.فقد تنضج بين بين بلدين او اكثر من البلدان العربية ظروف تستدعي قيام نوع معين من الارتباط ، كما تنضج بين بلدين آخرين او اكثر ظروف تستدعي قيام نوع آخر من الارتباط .ان تأسيس هذه الارتباطات التي تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بهذه البلدان هو رصيد ايجابي في حركة الوحة العربية.وفضلا عن ذلك فان العراق جزء لا يتجزأ من الامة العربية،وان العراق مرتبط بأمتن عرى التضامن والتآخي مع البلدان العربية الشقيقة وانه سيقدم دون مقابل كل ما بوسعه من عون لأشقاءه العرب.وهذا ايضا مااكده الدستور المؤقت واعرب عنه المسؤولون من قادة الثورة ورجال الحكم،واكدته بالقول والعمل كل القوى الوطنية والشعبية في العراق.
ان راية القومية العربية المتحررة ترتفع خفاقة في العراق،والعراق الثائر يندفع قدما في طريق التحرر العربي ويشغل بجدارة موقعه التاريخي في صفوف الطليعة المقدامة للحركة العربية المتحررة.
رغم كل ذلك ورغم قصر المدة التي ينصرف فيها الجهد لترميم الوضع الداخلي الذي افسده الحكم البائد نجد الاستعمار يجند ابواقه وصحفه واذاعاته واعوانه للنيل من السياسة القومية التحررية التي ينتهجها العراق والتشكيك بجوهرها الوطني الديمقراطي،وهو الذي كان بالامس يركز الجهد ذاته على سياسة مصر وسورية وبالتالي على سياسة الجمهورية العربية المتحدة وقائدها الرئيس جمال عبد الناصر.
ان هذه الضوضاء المسعورة حول"مروق العراق"او"خروجه عن جادة القومية العربية"ليست في جوهرها ومغزاها الا مكيدة استعمارية هدفها دق اسفين في جبهة التضامن العربي وحل عرى وحدة الكفاح العربي ضد الاستعمار والصهيونية.ان هذه المكيدة ينبغي ان تبعث في نفوس العرب حيثما كانوا الحذر واليقظة وتدفعهم الى المزيد من التضامن ورص الصفوف.
وعراق الثورة التي اعلن منذ البداية تمسكه بسياسة الحياد الايجابي وانتهاج سياسة التعاون الدولي المتكافئ،قد سلك في الواقع ذات الطريق الذي سارت فيه مصر وسورية من قبل،وبالتالي الجمهورية العربية المتحدة.وان الدعاية التي تثار حول سياسة العراق الخارجية تستهدف زرع بذور الشك بين العرب وتمزيق جبهة الكفاح العربي.
ان العراق اذ ينتهج سياسة الحياد الايجابي ويأخذ بمبادئ باندونغ والتعاون الدولي المتكافئ ينطلق في ذلك من المبدأ القائل:نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا – آخذا بنظر الاعتبار مصلحته القومية والوطنية،ساعيا جهده لكي يوفر لثورته ولحركة التحرر العربي مستلزمات الانتصار في الكفاح ضد الاستعمار والمساهمة في اعداد شروط التقدم والازدهار للامة العربية.
ان حكومة الثورة اذ تعمل بمثابرة ودأب على تصفية التركة المثقلة بالشجون والمآسي التي خلفها العهد البائد المندثر تجد من اولى واجباتها ان تحرر ارادة الشعب وان ترد له حقوقه.وما لم يدخل الشعب الى معركة البناء طليق اليدين من الاغلال .. حر العقل والارادة لا تستطيع الثورة ان تفلح في تحقيق اهدافها.هذا هو ما تفعله حكومة الثورة في العراق في عهد الانتقال.فهي تتخذ كل الاجراءات المناسبة لتحرير ارادة الشعب،مستهدفة من ذلك التعرف على ارادته الحرة في اصطفاء نوع الحكم الذي يريده،والسياسة التي يرتضيها،وهي في الوقت نفسه تسلك سياسة الحزم ازاء الاستعمار واعوانه،وازاء المتآمرين واعداء الثورة.اننا على يقين من ان هذه السياسة منسجمة مع روح وجوهر السياسة العربية التحررية،التي ولدت وترعرعت في معمعان النضال ضد الاستعمار ومظالمه.
ان قوميتنا في العراق بخير- كما يراها ويلمسها ويعمل في سبيلها الشعب العراقي وحكومته الوطنية.ونحن في الظرف الراهن الذي يشن فيه الاستعمار هجومه علينا ويتفاقم فيه خطر المؤامرات على كياننا وقوميتنا العربية،نرفع عاليا شعار التضامن العربي ضد الاستعمار،ونتخذ كل التدابير لتعزيز وحدة الكفاح العربي.فالخطر لا يتهدد العراق فحسب،وانما يتهدد العالم العربي برمته- ولا سيما الجمهورية العربية المتحدة.اننا في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به امتنا ندعو الى مزيد من اليقظة ازاء دعايات الاستعمار وتهويشاته،التي تستهدف النيل من سياسة العراق وحكومته الوطنية،وندعو الى تعزيز الكفاح ضد الاستعمار ورص الصفوف العربية.
ويبدو الآن واضحا ان المرحلة الاولى من خطة الاستعمار ترمي مبدئيا الى عزل العراق عن حضيرة التضامن العربي،وذلك عن طريق تأليب الرأي العام العربي عليه،والتشكيك بسياسته القومية التحررية،وبالتالي اعداد الذرائع للتآمر على نظامه الوطني الديمقراطي.والاستعمار في مسعاه هذا يعمل بمثابرة عجيبة على تحويل انظار الشعوب العربية عن عدوها الرئيسي المتمثل بالاستعمار والصهيونية،ومن يلوذ بهما من اعوان واذناب،وتوجيهها صوب العراق – باعتباره قد اصبح مبعث "الخطر" على الحركة القومية العربية.ومن اجل بلوغ هذا الهدف تبذل المساعي الآثمة للتقليل من اثر النتائج الايجابية الحاسمة للثورة العراقية على الحركة القومية التحررية- رغم ان ثورة العراق المجيدة كما هو واضح قد دكت بضربة ماهرة امنع حصن من حصون الاستعمار والرجعية في الشرق العربي،وقوضت اخطر مركز من مراكز الكيد والتآمر والعدوان ضد القومية العربية والبلدان العربية المتحررة.وثورة العراق كما يراها كل منصف ردت العراق عمليا وبقوة عظيمة الى الطريق العربي المتحرر،وقد تمثل ذلك بجلاء في مبادرة حكومة الثورة الى سحب القوات العراقية من لبنان والاردن،والاعلان عن وقوف العراق الى جانب الحركة التحررية في هذين البلدين الشقيقين،وكل بلد عربي مكافح،وكذلك مبادرة العراق الى عقد اتفاق عسكري مع الجمهورية العربية المتحدة- اعقبه بعقد اتفاقية الوحدة الثقافية،واتفاقيات التجارة والتعاون الفني والتكامل الاقتصادي.ولم يقف العراق عند هذا الحد وانما سارع عمليا الى ازالة كل العقبات التي كانت تحول دون تحقيق امتن عرى التضامن العربي- ولاسيما بين العراق والجمهورية العربية المتحدة.وقبل ان تبدأ حكومة الثورة بالاقتصاص من طغاة العهد البائد الذين اذلوا الشعب العراقي وارهقوه بالاذى والمظالم،عمدت قبل كل شئ الى فضح السياسة المعادية للقومية العربية،التي كان ينتهجها العراق،ووضعت الاستعمار واحلافه وزبانيته في قفص الاتهام،وانزلت بهم الاحكام الرادعة جزاء تآمرهم الاجرامي ضد سورية ومصر ولبنان والاردن،وجزاء كيدهم الدنئ للجمهورية العربية المتحدة وسياستها وقادتها،ولم يقف العراق عند هذا الحد وانما بادر الى تقديم العون للجزائر البطلة المكافحة،فاعترف فورا بحكومتها الثورية وقطع جميع علائقه الاقتصادية والتجارية مع فرنسا المستعمرة،ومد يد العون الى شعب عمان الشقيق واحتج اشد الاحتجاج على المؤامرة الاستعمارية في البحرين،واكد مرة بعد اخرى على لسان قائده عبد الكريم قاسم على ان هذه الارتباطات ليست اشكالا مؤبدة،وانما هي وسيلة لتيسير بلوغ الهدف شأنها شأن الروافد المختلفة التي ينتهي مجراها آخر الامر لتصب في النهر الكبير.
ان تناولنا لهذه المسألة على هذه الصورة من الادراك الواقعي سيجنبنا الكثير من المزالق والوقوع في الخطأ،كما سيوجه نهجنا في السياسة القومية توجيها مثمرا صائبا يخدم قضية تضامننا الكفاحي،ويجلب معه كل الخير للقومية العربية.وبالعكس فان تناول المسألة على غير هذه الصورة لن يؤدي الا الى اثارة المتاعب وتأجيج الخلاف في معسكر الشعوب العربية،وبالتالي زعزعة وحدة الكفاح العربي والسير في منهج لا يعود بالخير على الامة العربية.
ان معركتنا مع الاستعمار لم تنته بعد،فالى جانب البلدان العربية الشقيقة التي تكافح ضد الاستعمار من اجل تحررها لا تزال ثمة بلدان عربية اخرى ترزح في اسر العبودية الاستعمارية.انها معركة واحدة..معركة الامة العربية ضد الاستعمار.وفي الخط الاول من هذه المعركة تقف البلدان العربية المتحررة- الجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة.والى هذه الطليعة العربية المقدامة يصوب الاستعمار رأس حربته كما بينا.فالحفاظ على استقلال العراق والعربية المتحدة لا يزال في الظرف الراهن مهمة الساعة وضمانة الانتصار للقومية العربية المكافحة في شتى ارجاء العالم العربي.ولذلك يكون التفريط باستقلال اي منهما طعنة موجهة الى قلب القومية العربية وخسرانا فادحا لقلعة حصينة من قلاع الكفاح العربي ضد الاستعمار.
ان طريق العرب الى وحدتهم القومية هو طريق وحدتهم في الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية،هو طريق تضامنهم في الحفاظ على قلاع الكفاح التي انتزعوها من يد العدو والتي يستطيعون منها تصويب النار ضد هذا العدو.ذلك هو الطريق الوحيد،وتلك هي المهمة الاساسية التي تواجع العرب في كل مكان.اما الارتباطات العربية فينبغي ان يشار اليها وان تحدد- على ضوء الظروف-افضل واجدى اشكالها بالاساليب الديمقراطية المألوفة،وان تقرر في نهاية الامر على ضوء المصلحة القومية وبالاستناد على ارادة الشعب الحرة.على هذا النحو يعمل العراق حكومة وشعبا،وفي هذا الاتجاه تسير الجمهورية العراقية باتزان واقدام.
على ضوء ما تقدم من تبيان لظروف التطور غير المتناظر لمختلف البلدان العربية نستطيع ان نحدد الموقف الصائب من جميع المسائل المطروحة على هذا المؤتمر،وفي مقدمتها الدعوة الى السوق العربية المشتركة.ان تحقيق هذه السوق المشتركة بأكمل اشكالها مرتبط ببلوغ ارتباط سياسي ديمقراطي للبلدان العربية المتحررة يأخذ بنظر الاعتبار ظروف هذه البلدان ومصالح مختلف فئات المجتمع العربي ولاسيما الجماهير العربية الغفيرة.وبدون مسعى اولي لرفع مستوى البلدان العربية المتخلفة اقتصاديا وتقليص التفاوت بينها وتحقيق حد ادنى من الكفاءة والاكتفاء الذاتي لهذه السوق لا يمكن التعويل على بلوغ نتائج ايجابية ملموسة من تكوين هذه السوق.وطبيعي ان هذا لا يمكن ان يتحقق ما لم تنشأ الصناعة الوطنية الثقيلة والخفيفة حيثما وجدت الظروف الملائمة لانشائها،وما لم تحرر التجارة والاقتصاد والعملة من القيود الاجنبية،ويجري التخلص من تحكم الاحتكارات الاجنبية،وما لم يصف الاستثمار الاقطاعي تصفية نهائية،وتؤسس علائقنا التجارية والاقتصادية مع الدول الاجنبية على اساس النفع المتبادل.
اما السبيل الى تحقيق الحد اللازم من التناظر الاقتصادي فهو اقامة اوسع العلائق التجارية والاقتصادية وتبادل العون المالي وتقديم القروض والخبرة الفنية لكي يستطيع البلد الاقل تقدما بلوغ مستوى معين يؤهله للمشاركة في هذه السوق وفق ظروف عادلة.وعند ذلك يمكن ان تقام هذه السوق على اسس نامية وطيدة تضمن مصالح الاقطار العربية المشتركة فيها وتؤمن النفع لمختلف ابناء الشعب.
وطبيعي ان هذه الاتفاقات التي ندعو اليها ليست الا خطوات في الطريق الى السوق العربية المشتركة الموحدة المتكاملة مأخوذة على ضوء الواقع الذي تمر به امتنا.وهي لذلك عرضة للتطور ولمسايرة الخطوات التي تتخذ على صعيد الارتباطات السياسية التي تحدد افضل واجدى اشكالها على ضوء الظروف- طبقا لمقتضيات المصلحة الوطنية والقومية وبالاساليب الديمقراطية المألوفة.
تلك هي تقديراتنا الواقعية للوضع وعلى ضوئها نرسم سياستنا القومية التحررية وندعو لها ونعمل من اجلها.واننا لواثقون ثقة اكيدة من اننا نسير بثبات في طريق القومية العربية.ونحن مفعمون عزما على المضي في هذه السياسة وعلى السير قدما في الموكب العربي التحرري الظافر- علما باننا نخدم بذلك وعلى الاوجه الافضل شعبنا وامتنا العربية.ونعمل على اعلاء راية القومية العربية فوق ربوع الوطن العربي الكبير.

(3)

تأييد الموقف السوري ضد احتكارات النفط الدولية
ملاحظة من الكاتب:كتبت هذه البرقية في عهد اتسم بصعود نجم الفكر القومي البائس!
السيد رئيس وزراء الجمهورية العربية السورية المحترم
دمشق

نؤيد موقفكم الوطني الحازم ضد احتكارات النفط الدولية،ونؤكد ضرورة اتخاذ الخطوات التالية:-
1. مع تقديرنا لتصريحات رئيس وزراء العراق في دعم الشعب السوري الشقيق،نعتقد بضرورة مبادرة الحكومة العراقية الى شق طريق الاستقلال الاقتصادي بعيدا عن التبعية للاحتكار النفطي بانذار شركات النفط بتشغيل العراق المنشآت النفطية واستئناف الضخ ومباشرة الاتصال بالدول الصديقة والاسواق النفطية الاخرى لضمان التسويق في حالة عدم الاتفاق مع سوريا خلال مدة معينة.
2. دعوة الجامعة العربية لأتخاذ قرار بالزام الدول العربية المعنية بانذار الشركات لوقف انتاج النفط العربي ونقله عير بلدانها بما في ذلك قناة السويس في حالة اصرارها على موقفها المتعسف وبطلب من العراق وسوريا.
3. دعوة منظمة الاقطار المصدرة للنفط لأتخاذ قرار بانذار الشركات بوقف انتاج النفط في حالة اصرارها وبطلب من العراق.
هذا ونؤكد بان انتصار الامة العربية في هذه المعركة رهين بالتقاء القوى التقدمية على النطاق العربي في جبهة معادية للاستعمار.كما ان مستلزمات المعركة في العراق تفرض اطلاق الحريات العامة لتوفير المناخ الديمقراطي الضروري لألتقاء جميع القوى التقدمية في جبهة موحدة قادرة على تعبئة الشعب وقيادته الى النصر في هذه المعركة القومية ضد احتكار النفط الاستعماري.

مصطفى علي
عبد الوهاب محمود
ابراهيم كبة
محمد سلمان حسن

ابرقت بتاريخ: 16/12/1966

(4)

مقدمة حول التجارب الثورية

ملاحظة:الدراسة المخطوطة غير منشورة سابقا وكتبت في عهد تصاعد نجم الفكر القومي البائس.
في الوقت الذي يحاول فيه البعض صياغة مايسمونه(نظرية الثورة العربية)انطلاقا من منطلقات مثالية او طبقية ضيقة او تبريرية واضحة،متجاهلين غالبا أو مشوهين احيانا معطيات و دروس التجارب الثورية الكبرى في التاريخ القريب،يتحتم على جميع الثوريين الحقيقيين ان يدرسوا مجموع التراث الثوري الحديث بعمق وانفتاح وبروح علمية نقدية،ليستوعبوا دروسه ويستفيدوا منها في عملهم الثوري.ان وضع نظرية خاصة بثورة ما يتطلب دراسة شاملة لتطور المجتمع المعين،بهياكله المختلفة ونمطه الاقتصادي السائد و مؤسساته الفوقية،وتقاليده الفكرية وسماته القومية،واكتشاف تناقضاته الرئيسية والثانوية وطبقاته التقدمية والرجعية،فضلا عن علاقاته المتفاعلة مع الوضع العالمي ككل،وكل ذلك،لا انطلاقا من الفراغ،بل استنادا الى معطيات الاشتراكية العلمية،وتطبيقها المحدد الخلاق.
ان أي نقل آلي او محاكاة حرفية لتجربة الثورة الروسية مثلا،في ظروف تاريخية جدا مختلفة،هو تشويه بالغ وانحراف عن اولويات المنهجية العلمية.الدراسات الجادة اليوم تلقي بعض الضوء على كثير من القضايا التي تبحث الآن في بعض البلاد العربية،كقضية العلاقة بين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية،ونظرية وحدة ومراحل العملية الثورية،ومسألة القوى الثورية والقوى المناهضة للثورة،وقضية القيادة والقاعدة والجبهة في العمل الثوري،ومسألة اشكال النضال الثوري المتعددة والمتحولة،وطرق الانتقال الى الاشتراكية،وعلى الاخص مسألة(السلطة)باعتبارها المسألة المركزية في الثورة..الخ.وبالرغم من ان لنا بعض التحفظات حول جوانب معينة من هذه الدراسات وخاصة قيما يتعلق بطبيعة وقوى(الجبهة الموحدة)في مرحلة الثورة الديمقراطية في العصر الامبريالي واعتقادنا بانتهاء الدور الثوري اساسا للبورجوازية الوطنية والقيادي للبورجوازية الصغيرة،في مرحلتنا الثورية الحالية وفي ظروف سيادة الاستعمار الجديد،وكذلك في مسألة العلاقة بين الاحزاب الثورية واعتقادنا بان استقلال هذه الاحزاب في وضع استراتيجياتها وتكتيكاتها الخاصة يكون الشرط الاول للممارسة الثورية الناجحة ويمثل الجوهر الحي للاممية،واخيرا في طبيعة ومعنى وابعاد مفهوم(التعايش السلمي)،نقول بالرغم من تحفظاتنا هذه،فنحن نعتقد ان تجربة الثورة الروسية،هي من اغنى التجارب الثورية واولاها بالدراسة المعمقة واحفلها بالعبر المفيدة.
اننا اذ ننشر هذه الدراسة الموجزة نأمل ان تسهم في تصحيح كثير من الآراء الخاطئة التي تمتلئ بها الكتب والمطبوعات والمواثيق والمناهج السياسية في السنوات الاخيرة،والقائمة على الاضطراب والخلط في جميع قضايا الثورة تقريبا،خلط بين طبيعة الثورات التحررية والديمقراطية والاشتراكية بحجة وحدة العملية الثورية- خلط بين الحركة القومية(التي تستهدف الوحدة السياسية للامة المجزأة)والحركة الوطنية(التي تهدف الى تحرير الامة من الاستعمار)- خلط بين وحدة القوى الثورية(وحدة طبقات وفئات اجتماعية)والوحدة العربية(وحدة الدولة).هذا بالاضافة الى المنطلقات المثالية والتجريدية والاصلاحية لاغلب هذه الآراء والنظريات،كفكرة(الطبقة المجردة)او اللاطبقية لتفسير تخلف بعض المنظمات السياسية في البلاد العربية ومفهوم(وحدة الفكر والعقل)في الامة العربية لتحديد طابعها القومي،ومقولة(اولوية الخلق والابداع على مهام التدمير)واعتبار(الاصلاحات) القوة المحركة للتغير النوعي في بعض البلدان الافريقية،وفكرة الفصل المنهجي بين الاساس الموضوعي لوحدة العملية الثورية(الواقع المركب للاقتصاد)والاساس الذاتي المزعوم لتعدد وتطور مراحلها(الوعي والتنظيم والممارسة)،ومفهوم(الحقيقة القومية)-مقابل السمات القومية-والخلط بينه وبين مقولة النظام الاجتماعي،والتركيز على مفاهيم تكنولوجية(تنمية قوى الانتاج)او سلبية(مجرد رفض الطريق الرأسمالي الخاص)او اخلاقية(العدالة مثلا)او شوفينية(تطور العنصر العربي)او نفسية(ارادة التغيير)او غيبية(رسالة السماء)لتحديد سمات الاشتراكية العربية،مع اهمال متعمد لأهم المقولات العلمية،او تشويهها وافراغها من محتواها الطبقي(مقولات الجماهير،الطليعة،الشعب العامل،الرأسمالية غير المستغلة..الخ)،وفي اغلب الاحوال تجاوز المسألة الاساسية في الثورة،مسألة(السلطة)ومقوماتها المختلفة(الاحزاب،نظم الانتخاب،اجهزة الدولة،المنظمات الجماهيرية..)وكل ذلك لهدف واضح هو تبرير القيادة الانفرادية لبعض مراتب البورجوازية الصغيرة اعتمادا،على اجهزة بيروقراطية،معادية للثورة في الغالب.
ومن الطبيعي ان مثل هذه المنطلقات غير العلمية لابد ان تؤدي في الممارسة الى اخطر النتائج في اعاقة العمل الثوري وتحقيق وحدة القوى التقدمية.ونظرة عجلى الى الآراء والمقترحات الغريبة والمتناقضة التي تطرحها الفئات المختلفة التي تسمى(بالقومية)في هذا الصدد سواء اكان ذلك فيما يتعلق بمعاييرها للقوى الثورية او الشروط التعجيزية الضيقة التي تشترطها لوحدة القوى(الانصهار،وحدة الفكر،وحدة التنظيم،وحدة الاداة الثورية،تقديم حساب عن الاخطاء...الخ)او فرض آيديولوجيا او قيادة معينة،او طرح اهداف خيالية للقاء القوى..الخ تكفي لأدراك خطورة مثل هذه الآراء.
من الطبيعي ان الموقف السليم من مثل هذه النظريات لا يمكن ان يكون التجريح السلبي المطلق جملة وتفصيلا،فنحن مثلا نؤيد انظمة الحكم القائمة في بعض البلدان العربية(سورية،المتحدة،الجزائر)في كل ما يتعلق باجراءآتها لتنمية(قوى الانتاج)كأساس مادي لكل التبدلات الجذرية الحتمية في المستقبل،وفي كل ما يتعلق بتصفية(نظم الانتاج)او الهياكل الاجتماعية المتخلفة كعقبة لابد من ازاحتها من طريق التغير الثوري،ومن كل ما يتعلق بتأميم او تصفية(مؤسسات الانتاج)الاستغلالية الاجنبية او المحلية..الخ.ولكننا- بنفس الوقت- لا نعتقد ان الموقف السليم من هذه النظم وما يقدم لتبريرها من نظريات،هو اضفاء صفة القدسية عليها،واعتبارها(النموذج )الوحيد او الرائد للتجارب الثورية في البلاد العربية،بل على العكس لابد من نقدها ومقاومتها في كل ما يتعلق بالاجراءات المعرقلة لمسيرة المجتمع نحو الاشتراكية بمفهومها العلمي،اي تحرير الطبقات المنتجة لنفسها من الاستغلال وسيطرتها على السلطة،وخاصة في اجراءآتها السلبية في الميدانين الرئيسيين:ميدان اساليب الحكم(اي مقومات الديمقراطية)،والميدان الآيديولوجي.
وبالرغم من يقيننا بان الكثير من هذه النظريات والآراء ذات طابع تبريري واضح،وتهدف مباشرة لأسناد نظم الاحتكار السياسي وعزل القوى الاجتماعية الرئيسية للثورة،الا ان من اسباب انتشارها،بدون شك،هو جهل الكثير من الفئات التقدمية المخلصة لأغلب التجارب الثورية الكبرى في عالمنا الحديث،وذلك بسبب الطابع غير العلمي السائد في الفكر العربي المعاصر.

1/4/1967
راجع للكاتب:
1. ابراهيم كبة غني عن التعريف.
2. السيرة الذاتية للدكتور ابراهيم كبة.
3. عام كامل على رحيل ابراهيم كبة.
4. عامان على رحيل ابراهيم كبة.
5. في الذكرى الثالثة لرحيل د. ابراهيم كبة.
6. اربعة اعوام كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة
7. ابراهيم كبة وتحديات الكفاح في سبيل المستقبل الافضل للانسانية
8. ثورة تموز والاتفاقية الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي
1. http://www.ahewar.org/m.asp?i=570
2. http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKuba/index.htm



#سلام_ابراهيم_عطوف_كبة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معوقات الاصلاح الزراعي في العراق (3)
- معوقات الاصلاح الزراعي في العراق 2
- معوقات الاصلاح الزراعي في العراق
- الثقافة العراقية لا زالت محاصرة!
- الاندفاع الامريكي واستخدام الكيمتريل كسلاح للدمار الشامل
- الملاحقة القانونية لمن يتجاوز على حقوق الانسان في بلادنا ويد ...
- استعصاء ام عبث سياسي في العراق
- الشبيبة الديمقراطية العراقية ومهرجان الشبيبة والطلبة العالمي ...
- النقل والمرور في العراق..اختناق ام كارثة؟!*
- بارادوكس معادلات القضاء العراقي الديمقراطي الجديد
- من يتصدى لموضوعة اتساق نظام البطاقة التموينية؟
- تركيا تستخدم الكيمياوي ضد الكرد
- خرافة النموذج العراقي في الديمقراطية
- حول تحريم العمل النقابي في وزارة الكهرباء-حسين الشهرستاني وا ...
- ثورة تموز والاتفاقية الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي!
- كردستان المنجزات والمخاطر
- كهرباء الازمة والانتفاضة..والمفاهيم الخاطئة
- سردشت عثمان وحيدر البصري ورصاص الغدر/ما العمل من اجل اعادة ا ...
- حول خيار الكتلة التاريخية/الى الاستاذ فارس كمال نظمي
- حول انتخابات نقابة المهندسين العراقية مرة اخرى!


المزيد.....




- الجبهة الديمقراطية: تثمن الثورة الطلابية في الجامعات الاميرك ...
- شاهد.. الشرطة تعتقل متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين في جامعة إيم ...
- الشرطة الإسرائيلية تعتقل متظاهرين خلال احتجاج في القدس للمطا ...
- الفصائل الفلسطينية بغزة تحذر من انفجار المنطقة إذا ما اجتاح ...
- تحت حراسة مشددة.. بن غفير يغادر الكنيس الكبير فى القدس وسط ه ...
- الذكرى الخمسون لثورة القرنفل في البرتغال
- حلم الديمقراطية وحلم الاشتراكية!
- استطلاع: صعود اليمين المتطرف والشعبوية يهددان مستقبل أوروبا ...
- الديمقراطية تختتم أعمال مؤتمرها الوطني العام الثامن وتعلن رؤ ...
- بيان هام صادر عن الفصائل الفلسطينية


المزيد.....

- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - سلام ابراهيم عطوف كبة - ابراهيم كبة والفكر القومي