أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد علي الشبيبي - 1- معلم في القرية/ 15















المزيد.....


1- معلم في القرية/ 15


محمد علي الشبيبي
الحوار المتمدن-العدد: 3138 - 2010 / 9 / 28 - 19:16
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1996)


من آراء الراحل في المناهج التعليمية: (أين وكيف يستطيع صبي في سن الحادية عشرة والثانية عشرة أن يهضم موضوعاً بقلم المنفلوطي، بأسلوبه المسجوع، وألفاظه المزوقة. وأية روح تنمو في الطفل وهو يقرأ الحلاق الثرثار وذمّ السياسة والسياسيين ويلعن الناس أجمعين؟!)
الانتقال من المشخاب إلى الكوفة
كان الآباء قديما يعتقدون إن تزويج أبنائهم من واجباتهم، هم يتحملون كل نفقاتهم –إن كانوا من الموسرين- والاهتمام بها حتى وإن كانوا غير ذلك. لأن الأبناء بحكم طراز المعيشة إذ ذاك لم يكونوا منفصلين عنهم، فالكدح من أجل العيش واحد، وإعالة الأسرة مسؤولية في عاتق الأبناء كما هي مسؤولية الآباء. الأبناء في حياة آبائهم يشاركونهم في الكدّ والعمل من أجل العيال. يضمهم بيت واحد، حتى لو كان ضيقاً وصغيراً. حتى ذوو اليسار يندر أن يستقل أبناؤهم في بيوت خاصة بهم. وربما -وهذا يحدث- كان بيت ذي اليسر كبيراً يتسع لعدد كبير من أبنائه المتزوجين، أو يكون عدة بيوت من مدخل واحد. بينما تضم بيوت متوسطي الحال، ولو كانت ضيقة، جميع العيال مهما كان عددهم. ويعيش الجميع تحت سلطة الأب، رئيس العائلة، بطاعة والتزام، ولذا كان كثيراً ما يحدث عندهم الطلاق، والأمراض النفسية والعصبية.
حين عدت من عربستان، وسلمت أبي ما حصلت عليه من مالٍ، من العوائد التي يخصه بها رجال عشيرته، والتابعون له في أمور دينهم. دعاني بجلسة خاصة، وبعد مقدمة ذكر فيها، كيف خيبت آماله، في دخولي الوظيفة، وإن هذا كان دليل عدم ثقتي بالله، فالله هو الرازق، خلق العباد وتكفل أرزاقهم، وأرزاقهم على قدر ما يرى من مصلحة العبد. تحدث كثيراً، بموجب فلسفتهم عن الله والعباد والأرزاق. ثم خلص بعد هذا إلى قراره الذي دبر أمره، منذ أن ذهبت أنا وإياه إلى بغداد لإنجاز معاملة جواز السفر. قال، أسمع ابني: "هذا الذي جئت به، وما يحتاجه الأمر من زيادة، أنا مستعد أن أدبر كل شيء، من أجل أمر زواجك!"
كانت مفاجأة، ولست أدري كيف أجبته بسرعة، وبترسل خال من الخجل والخوف. فقلت: "أرجو أن لا تكلف نفسك شيئا. الزواج أمر يخصني. وحين أريد، سأكفي نفسي عند ذاك مالا يصح أن تتكلف متاعبه". ردّ عليّ: "لقد كلمت ابن عمي في خطوبة شقيقته الصغرى. فعارض رغبتي هذه! وحدث بيني وبينه جدل، كاد يسبب الخراب بيني وبينه. لكنه رضخ أخيراً لمطلبي. لم يكن رفضه أول الأمر ترفعاً وكبرياء، وإنما هو يراك الآن ذا دخل لا يقوى على حمل مسؤولية عيلة وزوجة، ومستقبلها أيضاً؟".
قلت : "إنه محق. ثم إن الزواج يا سيدي مسألة شخصية تهم بالدرجة الأولى طرفي القضية، الرجل ومن يختارها. ولا يصح للطرف الثالث -أنت مثلاً- رأيه. إنها تهمني أكثر ما تهمك. لي وحدي فقط حرية الاختيار!. ما يعقب الزواج من أفراح أو أتراح، يعود عليّ لا على سواي، إن لم أوفق لحياة زوجية سعيدة. وأنت والآخرون، تظلون وسط قضية الخلاف، الذي ربما لا ينتهي إلى خير. دعني أتحمل تبعة اختياري، إن خيرا فخير وإن شراً فشر. الدنيا تغيرت فدع لي حق الاختيار!"
الواقع إن ما كان يهدف إليه ، هو أن يوثق علاقته ببني عمه. سافرت بعد هذا إلى بغداد، ومن الصدف، إني وجدت مدير المعارف العام "فاضل الجمالي" في ديوان الشيخ محمد رضا الشبيبي، فانتهزت الفرصة، وكلفته بأمر نقلي إلى الكوفة، فطمنني. وفعلاً تم لي هذا.
خلال الأيام الأولى بحثت عن بيت، وتم لي هذا بيسر، كان بيتاً مريحاً بالنسبة لي، وأهم منه أن مالكه إنسان طيب. وتم كل شيء، وأقمت فيه وحدي، أهيئ كأيامي السالفة طعامي، مستفيداً من بقية الوقت بالمطالعة، وانجاز مهام التدريس.
كثير من المعلمين هم من لواء الحلة، أو كربلاء عملوا على انتقالهم حيث إن ما أشيع، انه سيتم استقلال الحلة بمديرية معارف تشمل كربلاء. وبالمناسبة زرت الدكتور الجمالي في بيته وشكرته. وجدت عنده زائراً، قدمني له بهذه العبارة "كان راهباً مثلي ومثلك فتمرد على الرهبنة مثلي ومثلك"، وذهب إلى داخل البيت، وعاد بالقهوة. وكان قد دخل علينا قبل أن يعود شيخ ذو جسم ضخم، ربعة في الطول، أحمر الوجه، ذو لحية بيضاء يخالطها سواد قليل. وقد لف كف يده بضمادة. وما أن رآه الدكتور حتى بدا عليه انفعال. وبلهجة صارمة وانفعال، سأله:
- هل راجعت الدكتور؟
- لا.
- لا!؟ لماذا؟ ولماذا جئت؟ ألا تعرف أن هذا مرض معد؟ تكبرون بالسن! ولا تكبرون بالعقل! أتفضل، أخرج. أذهب إلى الطبيب حالاً.
خرج الشيخ دون أن يردّ بحرف. لقد كان الشيخ والد الدكتور!؟ لكنه أنبه كما يؤنب جاهلاً!.
عدت أهيئ طعامي، وإذا ما كان لدي ما أطالعه انصرفت إليه، وكأني مع سمير يلذ لي حديثه، ولكني أيضاً لم أنس أن أزور النجف، لأقضي سويعات في النادي ثم أتوجه إلى البيت، وتكون السهرة مع الأب العطوف. إنه ينبسط مع بنيه انبساطا ملذاً، تعليقاته، نكاته، وإصغاؤه، توحي لمن لا يعرفنا إنه أخ أو إننا ضيوف.
أقرأ له أهم ما في الجريدة –إن كانت لدي- وأنقل له ما سمعته من أنباء عالمية وداخلية، عن الجرائد والإذاعات، وطالما تجري بيننا عنها مناقشات. تغيبت في الأسبوع الذي استأجرت فيه البيت فلما حضرت ليلة الجمعة أنبني قائلاً: "يبدو أن قرب مدرستك إلينا وبعدها سواء؟!". قلت: يعني!
- لماذا أقمت هناك وأنا بحاجة إلى أنيس؟!
وبحسرة قال:
- ثلاثة أولاد، نعم عندي ثلاثة أولاد، ولكني أعيش كدرويش، لا جليس ولا أنيس! [حين انتقلت إلى الكوفة، كان أخي الشهيد حسين معلماً في بغداد]
- لا تتألم يا أبي، سأقسم الأيام بصورة أجمع فيها بين خدمتكم وحق نفسي عليّ. إني لا أحب أن أستهلك عمري بالرواح والمجيء بين الكوفة والنجف، متى أذن أقرأ واستفيد؟ أنت جربت إن الأيام تثقل كاهل الإنسان كلما كثر عددها في عمره، حتى لكأنها تأكل منه وتشرب، فتبدأ كثير من قابلياته تنهد، وذاكرته تضعف. فانا كما تعلم كنت سريع القراءة، قوي الاستيعاب، قوي الحافظ، ذكورا لما شاهدت وسمعت منذ سن الرابعة من عمري، الآن أحس بعض الاختلاف، ترى ماذا سأكون عليه إن خطوت الأربعين؟! إذا كان هذا ما أحسه وأنا في الرابعة والعشرين!.
كان يدور في ذهنه حدس، لم يتسرع في مكاشفتي عنه. ما عرضه علي من استعداده لنفقات الزواج، ورفضي ذلك، هو ما يحز في نفسه. ما حيلتي؟ أعتقدُ إن على الولد أن يكون عند رغبة الوالد في كثير من الأمور، إلا في أمرين، مسألة الزواج، ومسألة الرأي والفكر!. كلاهما مهمان في حياته، يجب أن يكونا تبعاً لرغبته وخبرته وفهمه، وإن فرط بهما وحاد عن النهج الصحيح، فإن متاعبه تزيد، وآماله قد تخيب، وشخصيته قد تظل قميئة وعلى مستواها قبل النضوج.
* * * *
عليّ أن أسرع في تطبيق الخطة المرسومة، بعد ظهيرة كل خميس أكون في بيت أبي. لم تعد –كالعادة- تستطيع مواجهتي من نافذة الغرفة المواجهة لنافذة غرفة الاستقبال من بيتنا. إن نظرات أهلها تلاحقها لا حنقاً عليها، إنما ذلك خوفاً من أبيها، إنه صارم في ضبط عائلته، قاس لا يرحم. ولماذا لا يكون كذلك!؟ هو الآن في الأربعين من عمره، لكنه لا يعرف غير بيته، ومحله الصغير الذي يأخذ فيه مكاناً يجعل التماس بينه وبين زملائه الحدادين غير ميسور، وكلهم يعرف إن الرجل لا يحب مجاملة ولا التعرف على أحد، وكل الذين يشترون منه حاجة أو يصلحون حاجة عنده، يعرفون إنه لا يزيد في محاورتهم عنها بأكثر من جملة –تعال في الساعة الرابعة مثلاً، والأجر كذا- ولكنهم أيضاً يعرفون إنه دقيق في عمله، أمين ومخلص وغير جشع.
منذ أستقل بالعمل وحتى يومه هذا، لم يزر جاراً، ولم يعد مريضاً، ولم يمشي في تشييع جنازة، ولم يدخل مجلس فاتحة، ولا حتى مجالس عزاء الحسين. وهو في بيته لا ينبس ببنت شفه، وعلى هذا فإن أفراد الأسرة جميعاً يلفهم صمت عميق، فإذا ما أنطلق يوماً من صمته، وكآبته، انطلقوا كعصافير فرت من أقفاصها إلى الجو الرحيب، يضاف إلى ذلك إن البيت الذي يسكنه وهو ملكه، لا يزيد على الستين متراً. يتألف من غرفتين، واحدة فوق الأخرى، وسرداب تحتهما، بينما يتكون عددهم من عشر أنسام، وأحياناً تقيم معهم أمه العجوز.
أخبرتها: "إني مصمم على أن انهي كل شيء. فقد هيأت من يفاتح أباك بأمر الخطوبة، لا تخبري أحداً بذلك. دعيها مفاجأة".
قابلت الخبر بوجوم، ما الذي أوحى لها؟ هل تعرف إن النجاح مستحيل. غداً سأعرف كل شيء. سيذهب الذين اخترتهم لمفاتحته. بعد أن يخبره صديقي "مرتضى" بذلك، ويطلب منه تحديد الموعد.

ما حك جلدك غير ظفرك
لابد إنها أباحت بالسر إلى أمها، ولابد إن أمها فاتحت أباها، فقد علم صديقي إن الرجل قد سافر بالعيال جميعا حيث يقطن أهل زوجته. لقد فرَّ، هو إذن يرفض!؟
لهذا صممت أن لا أتماهل أبداً، إن أي تماهل سيزيد من متاعبي. وإذا علم المعارضون من أهلي، فإنهم سيخلقون العراقيل في طريقي. سيثيرون القلاقل. الناس في بلدي مولعون بترديد الإشاعات، الكلمة من فم إلى فم تتضاعف، فتبلغ المئات، بل إلى قصص عجيبة وغريبة، ولا يفكر أحد في عاقبة ما يرددون من إشاعات، ويخترعون من اتهامات. هكذا إذن يمكن أن يقع أي مكروه، قد يخلق فيّ عقداً نفسية تعذبني مدى الحياة.
الوالد، بطبيعة نشأته على تقاليد وتربية، لا تبيح للولد أن يستقل برأيه في أمور كهذه. ورغم ما تؤكده فلسفتهم الموروثة في المرأة، وبقدر ما هم يرون الخير في مخالفة مشورتهن فإنهم كثيراُ ما يتأثرون بأقاويل زوجاتهم، ولو أدى ذلك إلى خسارتهم لأبنائهم [هم يذكرون حديثاً يقول: "شاوروهن وخالفوهن"]. والأم، ورثت طبيعة من تحكموا فيها بإذلال، زادها أسلوب زوجها في حياته معها ومع زوجته الثانية. إنه يقضي نهاره، أما لقضاء بعض شؤونه، أو قابعاً في غرفته الخاصة بين كتبه. هو لا يرى زوجاته إلا عند تقديم الطعام، أو حين يأوي إلى الفراش.
كان ينصح أبناءه إذا وجد أحدهم منسجماً في جلسته مع أمه وأخواته: "مجالسة النساء تميت القلوب!". هذا لا يمنع أن يرووا لك حديثاً آخر، عن الأم "الجنة تحت أقدام الأمهات" مثلاً. وكثير من الأحاديث وآيات القرآن. لديهم من الأحاديث المنسوبة للنبي أو الأئمة الكثير الكثير، منه لتكريم الأم واحترامها، ومنه ما يحط من كرامة المرأة ومنزلتها. فالمرأة ناقصة عقل ودين، وحظها، بنص القرآن [يشيرون إلى الآيات التي تخص الإرث ونصيب المرأة في قوله "للذكر مثل حظ الأنثيين" وإعفائها من أداء الصلاة أيام العادة الشهرية، وما يخص شهادتها –امرأتان مقابل رجل واحد-].
لا يا سادة، لا يا وعاظ، إنكم تجترون معلوماتكم، دون طبخ. أنصفوا أنفسكم واعترفوا أمامها مرة، إن الذي أسمعكم أول نغم أول ساعة فُتحتْ فيها عيونكم على نور الحياة، هو صوت –الأم- بنبرة العطف والحنان، هدهدتكم في المهد بلحون تغمركم فيها السكينة، والطمأنينة. أحضانها أدفأت أجسادكم الضعيفة الطرية، غذتكم بالحليب الذي يشد عظامكم، ويرسخ بنيان أبدانكم، هي أول مدرسة، تضع حجر الأساس في حياتنا للنجاح والفشل. "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" [سورة البقرة الآية 187]. لا بأس إن كنتم قوامين [الآية 34 سورة النساء "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض"] ولكن ألا يجب أن يكون ذلك بالعدل ولخيركم جميعاً!؟
أصبح الآن دافعي لتحقيق أمر الزواج أقوى من ذي قبل. حرصاً مني على سمعة ذويها وأسرتها. وهكذا اعتمدت على نفسي وتوجهت إلى حيث يقيمون.
زرتهم من حيث لا يتوقعون. دخلت في حوار مع ذلك الرجل العنود. وبدون تزويق أو تنميق، أو لف وبلف، كشفت قلبي، وطوايا نفسي، وآمالي ومطمحي، فاستطعت أن أفوز بتأييد الجميع. وفي صباح اليوم التالي 12/11/1937 تم عقد القران، وعلت زغاريد الخالات والقريبات، وباركني من حضر من الأصدقاء، ومن تعرف عليّ، أقربوها والجيران. ولكن زفرة عاتية في صدري، ماجت، ودارت كعاصفة. ماذا لو تم هذا برعاية أبي وتبريكاته، وزغرودة أمي، وأفراح أسرتي أيضاً؟!

بين المدرسة والهدف
بيت جميل، قريب من شارع النهر، مؤلف من أربع غرف في الطابق السفلي، تحتها "سردابان"، وفي الطابق الثاني غرفة واحدة. مطبخ يكفي لعائلة صغيرة، هيأت فيه بعض ما يلزم للمستقبل الذي سأعيشه مع زوجتي. وألزمت نفسي في الإقامة فيه، فلم أذهب إلى بيت أبي إلا في الأسبوع مرتين، وعلى الأكثر ليلة الجمعة فقط.
رأيي في الإقامة منذ زاولت الوظيفة، هو هذا، أنا لا أؤيد بعضهم في الرواح والمجيء. وإضاعة الوقت بين الموطن الذي يقيم فيه الأهل، ومحل الوظيفة، إنه استهلاك لقواي، وإضاعة لوقتي. وهكذا اعتذرت لأبي حين أحتج عليّ "أتبقى بعيداً عني في قرب المكان وبعده؟"
مديرية أموال القاصرين تسلف الموظفين، ولكن بقواعد وأسس، إنها تشترط أن تكون خدمة الموظف ست سنين أو أكثر ليستحق سلفة ستة رواتب. ولأن خدمتي أقل من أربع سنين، فإن ما يمنح لي ثلاثة رواتب فقط. راتبي ثمانية دنانير. ما سأحصل عليه بسبب استقطاع أرباح السلفة سلفاً سيكون أقل من أربعة وعشرين ديناراً. وما ادخرته لا يتجاوز العشرين ديناراً، صرفت معظمها في مسألة عقد القِران.
وعدني أستاذي وصديقي "عبد الرزاق محي الدين" أن يتابع المعاملة، فهو في بغداد، ومدير أموال القاصرين معه صلة صداقة. صرفت نفسي لأمور التعليم، وحرصت كثيراً على كتمان قضية الزواج، لقد أبقيتها سراً بين الصديقين مرتضى وعبد الرزاق.
المدرسة ابتدائية، تقع في مدخل سوق كبير، ينتهي إلى شارع النهر. ولكن السوق مهجور، إلا عدداً قليلاً من دكاكينه. وبنايتها واسعة، وعدد صفوفها ستة، وصفوفها الثلاثة الأولى متشعبة كل منها إلى شعبتين.
مديرها نجفي ، ومن أبناء رجال الدين، خريج مدرسة –تشبه دار المعلمين العثمانية- أغلب معلميها هذا العام جدد. واحد آخر من عائلة نجفية أيضاً ولكنهم يسكنون الكوفة، عين هذا العام، وقد تخرج من دار المعلمين الريفية. وثالث من أصل تركماني، ولكنه ينكر هذا. وتوثقت بيننا نحن الثلاثة علاقة وثقى. بينما علاقتي مع مدير المدرسة أوثق، إلا إني حددتها، تجنباً للظنون، أريد أن تكون جهودي هي التي تحدد قيمتي ومكانتي. [المدير كان محمد رضا المانع، ومن المعلمين محمد رضا شربه، والتركماني الأصل ناجي شوكت، والشيخ محمد رضا ذهب، ومعلم من فلسطين محمد أحمد، والحلي عبد الجليل الأعرجي، ومعلم من الأعظمية]
أعتمد عليّ مدير المدرسة في تحرير بعض الكتب والتقارير الشهرية، ونورني عن كثير من الأمور، عن بعض الشخصيات الكوفية التي تعرفت عليها، وعلى بعض التلاميذ المسائيين، والذين هم من أسر نجفية، تقيم في الكوفة للتجارة، وبعضهم كوفيون من أمد بعيد.
ومن المعلمين شيخنا الذي كان سابقا في المشخاب. وقد عهد إليه، قبل انتقالي لهذه المدرسة، بتدريس اللغة العربية للصفين الخامس والسادس. إن تدريس هذين الصفين يكلفه مشقة وعناء، فهو ضعيف البصر، وأسلوبه في التدريس، لم يختلف عن أيام تدريسه الأجرومية، وقطر الندى، وألفية ابن مالك، وإن كان، في الحق، على جانب عظيم من الإحاطة في علمي النحو واللغة. ولكنه بعيد جداً عن أصول التدريس، والتربية الحديثة، لهذا هو يعاني رهقاً في مسألة تعليم الإنشاء!
عند توزيع الدروس في بداية العام، أعفاه المدير من تدريس هذين الصفين، وعهد بهما إليّ. بدا عليه انفعال من هذا الإعفاء، ولم تفت مدير المدرسة أن يوضح وجهة نظره في سبب إعفائه، وانه لمصلحته وإراحته من متاعب التصليح التي لا يطيقها إلا شاب مثل "علي".
تجربتي خلال هذه السنين الأربع، في ممارسة تدريس العربية في صفي الخامس والسادس، أقنعتني أن تدريس العربية ليس سهلاً أبداً. وإن اعتباره بفروعه المتشعبة، إملاء، قراءة، إنشاء، محفوظات وقواعد النحو، درساً واحداً خطأ فاحش. يجب في رأيي أن لا يكلف معلم العربية بدروس أخرى، ليبذل الجهد اللازم في الإحاطة بالمعلومات اللازمة، لتثبيتها في أذهان الصغار الذين يجدون صعوبة تامة في تفهم قواعدها نتيجة انعدامه في بيوتهم، بسبب تفشي الأمية في صفوف ناسنا أولاً، ولتعقد المناهج، وعدم انعدام التبسيط والسهولة في الكتب المقررة من قبل مؤلفي تلك الكتب ثانياً. حتى كتاب القراءة مضحك أمره، في طول الموضوع، وأسلوبه العالي في الفصاحة والبلاغة، وبعده أيضاً عن نوعيّة المواضيع التي تستهوي هؤلاء الصغار أولاً، وتهذب طباعهم ثانياً.
أين وكيف يستطيع صبي في سن الحادية عشرة والثانية عشرة أن يهضم موضوعاً بقلم المنفلوطي، بأسلوبه المسجوع، وألفاظه المزوقة. وأية روح تنمو في الطفل وهو يقرأ الحلاق الثرثار وذمّ السياسة والسياسيين ويلعن الناس أجمعين؟!
مهما يكن من أمر فقد مشيت على عادتي في تدريس العربية، وأنا لم أبق على نهج منذ أن عينت وتعهدت تدريسها. دائما أغير وأبدل أسلوبي تبعاً لتجاربي خلال التدريس، وتبعاً للمعلومات التي أحصل عليها من مطالعاتي. وأعترف: إني كأي متعلم على الطريقة القديمة، لم أستطيع التخلص تماماً من التعقيد، وصعوبة التفهيم في كثير من الأحيان.
كما جربت كثيراً التخلص من بعض المواضيع في علم النحو لهذين الصفين، نائب الفاعل مثلاً والممنوع من الصرف! وحصلت لدي قناعة تامة بإمكان جعل تدريس العربية بفروعها التي أشرت إليها في كتاب واحدٍ، ولا يسند تدريس العربية لأي معلم بحجة عدم التخصص في التعليم الابتدائي. ولا بأس برفع مستوى المعلمين أجمع في دورات في العطل الصيفية [أطلعت على كتاب أسمه "البسيط" لا أتذكر أسم مؤلفه، على ما أتذكر لبناني. وفي عام 1959 وضعت على منواله كراساً لتدريس إحدى بناتي، وقد استفادت فائدة كبرى تجلت في تفوقها في النحو والإنشاء، وبسبب ما نالني في تلك الظروف لم أستمر في إكمال الموضوع].
اختيار المعلم الكفوء لتدريس العربية ضرورة، كما إني أرى من الضرورة أن يلتزم جميع المعلمين، أو يُلزموا بتجنب اللهجة العامية، وليس معنى قولي هذا أن يلتزموا الفصحى في تدريسهم. لا أريد هذا، وإنما يجب تجنب لهجة الشارع والبيت. أما حين يقرأ لهم في كتاب، فمن العيب الفاضح أن لا يجيد القراءة، ويلحن في الأعراب. إذا سمع التلميذ من المعلم خطأ صعب بعد هذا تقويمه.
كنت أتحدث عن المعلمين، وانحدرت إلى الحديث عن مشكلة تعليم العربية، التي مازالت مستعصية الحل. والواقع إن المسألة ليست خاصة بالعربية فقط. مناهج التعليم في الابتدائية، وهذا ما يعنني باعتباري معلم ابتدائية، كلها معقدة في نوعيتها ومستواها وأسلوبها. والأغرب المضحك، أن بعض الكتب تُلغى، ويحل محلها جديد، لا لاعتبار إن هذا الجديد خير من الملغى، إنما لأن مؤلف الجديد وجد من يسنده من المسؤولين؟!
أتذكر إني درست في الدورة عام 1935 الطريقة الجملية لتدريس الصف الأول، في كتاب قراءة لمؤلفه "وداد سكاكيني" وفعلاً عُمّمَ قرار تدريسه، على المدارس وعهد إليّ أمر تدريسه إذ ذاك [كان هذا عام 1935/1936 في مدرسة سوق شعلان]. ولكن بعد مرور شهر واحد، الغي القرار، وعدنا إلى تدريس "الخلدونية"، ولا عجب في الأمر، إن ساطع الحصري ثابت الأساس في معارف العراق!؟ ولا ينكر أحد خدمته للتعليم، كما لا ينكر إن القراءة الخلدونية أصلح من غيرها. والطريقة الصوتية التي بنيت عليها الخلدونية يميل إليها معظم المعلمين. ستكون أجدى وأنفع وأبسط لو أعيد النظر ببعض ألفاظها وجملها بما يتفق واستعداد صغارنا، وبمصطلحات غير بعيدة عن استعمالاتنا في بيوتنا ومحادثاتنا.
لا بأس أن أعترف إني بهذا البيت الصغير، حين أنتهي من أعداد غذائي ليلاً وأتعشى، تنتابني وحشة شديدة، إذ لم يكن لدي شاغل من تصحيح دفاتر، أو مطالعة في كتاب ملذ. فيستبد بي أرق يحرمني من نومة مريحة. ويأخذ التفكير مني مأخذا، إني أشرق وأغرب، خصوصاً وأن معاملة سلفتي من مديرية أموال القاصرين لم تنجز لحد الآن.


يتبـــــــــــــــع

ألناشر
محمد علي الشبيبي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- روسيا تشارك في بناء طائرة قد تغير مفاهيم الطيران المدني!
- تساقط كثيف للثلوج في عدة مناطق بالمغرب
- واشنطن تدعو دمشق للتفاوض -بجدية- مع المعارضة
- لبنان يحدد موعد أول انتخابات منذ نحو 10 أعوام
- تساقط كثيف للثلوج في عدة مناطق بالمغرب
- موناكو ينتزع المركز الثاني بالدوري الفرنسي
- رونالدو يحث الملكي على التعاقد مع -خليفته-
- إشبيلية يفشل في إهداء مدربه ثلاث نقاط
- واشنطن وباريس تنددان بعرقلة دمشق محادثات جنيف
- غرينبلات يزور المنطقة لإجراء محادثات تتعلق بالتسوية


المزيد.....

- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد علي الشبيبي - 1- معلم في القرية/ 15