أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - ديوان مهدي طه















المزيد.....



ديوان مهدي طه


حيدر الكعبي
الحوار المتمدن-العدد: 3138 - 2010 / 9 / 28 - 12:46
المحور: الادب والفن
    






أغنيـةُ حُـب
وقصائد أخرى




مـهـدي طـه



تحقيق وتقديم

حيدر الكعبي





أغنيـةُ حُـب

وقصائد أخرى

مـهـدي طـه


تحقيق وتقديم

حيدر الكعبي


مـهـدي طـه

(1953-1975)




أســطورة الغريـق

مقدمة


حيدر الكعبي



"إذا ابتكر النهر ثانيةً لعبةً للغرق
سيضمخ كفي دمي
وسأصرخ من غرقي: إبتعدْ."

مهدي طه 1975




"هنالك إحساسان يتناوبانني عند فقد صديق: الأوّل أن كل صديقٍ يموت يدنيني من القبر خطوة، كإصابةٍ جديدة، قد لا تكون مميتة، لكنها تسهم في التبكير بموتي. فالناس الذين يفهمونني بلا عناء يتناقصون، ويسحبون معهم البسـاط من تحتي. الموت يجردني من أصدقائي واحداً بعد واحد. أتـلـفـّت فأجد نفسـي اليوم أضعف مني أمس. وقد أجد نفسي غداً أضعف مني اليوم. ويوماً بعد يوم أجد شهوداً أقلّ على عذابي، وأناسـاً أقلّ تغفـر لي وتفسـّر أخطائي. وهذا ما يلجئني الى البحث عن أصدقائي القدامى المنبثـّين في الأرض، كتاباً وشعراء وفنانين وحالمين عظاماً، لأطمئن على أنهم، حين يموتون، سيموتون في منتصف الطريق الى مغامرة إبداعية جديدة. وهذا ما يلجئني أيضاً الى البحث عن أصدقاء جدد، قد يصغرونني سـناً، لكنهم أكفاء لي في العذاب، أطيل بهم عمر أصدقائي الموتى، وأتسـلح بهم ضد اليأس، وأحارب بهم النسـيان.
الإحساس الآخر هو الإحساس بدَيْن باهظٍ جديد يضاف الى ديوني الباهظة القديمة، كفريق العمل يتقاسم الحاضرون فيه عمل الغائبين. إلا أن الغائبين لا يعودون أبداً، ولا يحلّ محلهم أحد. وهكذا يشـتدّ العمل يوماً بعد يوم، ويسـتمر الغياب ويتكرر، فتـُـسْــتـنـزف القوى، ويُسْــتـَقـطر العرق، حتى يأتي يوم يتهاوى فيه العمال، وقد بقيتْ منهم قلة قليلة، صرعى الإرهاق واليأس، بين فوضى البضائع ونثار الأدوات. وهكذا تتراكم الديون يوماً بعد يوم، حتى يأتي يوم أعجز فيه عن السـداد، وأسلم نفسـي فيه لدائنيـن يتحينون الفرص لينهشوا لحمي حياً. عندها سـأقول لنفسي: ليكن. فقد اسـْـتـُـهلكَ لحمي في الطريق، فلن يجدوا ما يأكلون. لقد عشْـتُ حياتي كما أردتُ، لا كما أريدَ لي، قدر ما سـمح لي بذلك زمني البخيل. لقد كنتُ نافعاً لأصدقائي. لقد وفـّـيتـُهم حقهم. لقد احترمتـُهم وأحيَيْـتُ ذكراهم. لقد سـعدتُ بانتصاراتهم وأسـفتُ لهزائمهم. وفي الوقت نفسه، لقد استعصيتُ على أعدائي، وأذقتـُهم مرارة العجز عن احتوائي. ومع أنّ البحر قد ابتلع معظم الملاحين، فما زال هناك نفـرٌ قليلٌ يصارع الموج. ورغم الظلام والضباب والعصف، مازال هناك صارٍ في الأفق."*
حين رأيت مهدي أول مرة خيل إلي أنني كنت التقيت به من قبل. وربما كنت أعرفه منذ ولادتي، أو منذ ولادتنا. أدركت أننا كنا في طريقنا الى عقد صداقة حميمة ذلك اليوم نفسه. لقد رأيت فيه ذاتي الأخرى. أحسست ان ذلك الفتى الذي يحاول جاهداً التستر على مشاعره بقناع من التجهم، بشعره الذي لم يرتفع أعلى من سلامية الإصبع مثل رغوة سوداء، لم يكن بوسعه أن لا يكون صديقي. كنت أقرأ في تعابير وجهه التوزع بين الحاجة الى الإنتماء والعجز عنه. كان هناك سلام هش يطبع ملامحه، كغشاء رقيق يشف عن إحساس بالصلح المهشم مع الآخرين، وباستحالة الإنسجام معهم. يده الشبيهة برجل كرسي إسطوانية، تزداد نحافة وهي تتجه الى نهايتها السائبة، لتتفرع أصابع عصبية تجتمع لتعمل عمل الكمّامة للفم. تخيلته قد انتـُـزع من منطقة ظل كثيف ليجد نفسه فجأة تحت نورساطع.
كان ذلك عام 1972 في قاعة صغيرة بثانوية البصرة للبنات. كانت الطالبات يجلسن الى يمين الداخل والطلاب الى يساره. حين نهض مهدي من أحد المقاعد الخلفية ومر عن يميني متجهاً الى منصة الإلقاء لم أسمع وقع خطواته. كان لمشيته صوت كالحفيف. وربما كان يرتدي حذاء من الكتان او ما أشبه. وقد قطع المسافة بين كرسيه ومنصة الإلقاء بعينين نصف مغلقتين وبرأس مطرق. كان مستوى كتفيه مائلاً ميلاً طفيفاً. أما وجهه، الذي كنت أراه من الجانب، فبدا مصمماً على الإتجاه الى الأمام حتى اللحظة التي سيستدير فيها بجسمه كله ليواجهنا. خطر لي أنه، لولا الجدار المقابل، لاستمر في المضي أماماً مبتعداً عنا حتى يختفي في نقطة تلاش ما. لم تكن نحافته استثنائية، فلم يكن أنحف مني بكثير. لكن، لأمر ما، ارتبطت نحافته في ذهني بتوتره وشدة حساسيته. فكأن الأنظار المسلطة عليه تعمل فيه عمل الحك في الممحاة. وإذا نجح في إخفاء انفعالاته خلف ستار من التقطيب والذهول وزم الشفاه وغلق العينين والتبرم واللا إكتراث، فقد كنت أدرك بحدسي أن عواطفه سهلة الخدش، وأنه، إدراكاً منه لهذه الحقيقة، كان يحصن نفسه ضد مصادر الأذى المحتملة، بعدم لفت الأنظار الى شخصه، وبالحفاظ على مسافة أمان تفصله عن الآخرين.
كان عليه أن يلتفت أخيراً ويواجه العيون المحدقة فيه وهو مغمض العينين. وراح يقرأ القصيدة المسماة "صوتان على نافدة أنجيلا ديفز" وهو مغمض العينين. لم تعنني الرسالة المباشرة للقصيدة كثيراً. بدت الكلمات كثقوب في الصمت يرشح منها الحزن. لو كنت، بدلاً من سماع القصيدة، قد قرأتها قراءة لما بقي منها في ذاكرتي ما تجدر الأشارة اليه. وحتى القول بـ "سماع القصيدة" ليس دقيقاً. فالكلمات التي سمعتها كانت متداخلة وصدى بعضها يطغى على الآخر. ولم تكن مخارج الحروف واضحة. لكن عملية الإنشاد ذاتها كانت المناسبة التي تتنفس عبرها الروح. إن فـَرْجَ الشفتين هنا يعادل رفعَ الجفنة المعدنية عن فم التنور، وإطلاقَ الروح الملتهبة من حبسها بذريعة الكلام. الخطاب الحقيقي كان في الهالة التي يشعها الصوت أكثر منه في المحمول الدلالي للكلمات. فالوحدات الصوتية كانت أشبه بنفثات دخان تتدفق من الفم لتواصل تشكلها بحرية في فضاء الغرفة. لم أكن أصغي للكلمات، بل لوعد غامض حملتـْه في طياتها. ثمة شئ يطبخ هناك بصبر وتؤدة. ثورة تتجاوز الحقب، أطول عمراً من حاملها، وأشد تدميراً من أن يتسع لها جسد بتلك الهشاشة. لكنها ثورة عزلاء. كنت أرى يد النار تمتد فلا تطال الأشجار. وهمست لنفسي: "فعلاً، الشاعر يعرف الشاعر مثلما يعرف اللص اللص." فيما كنت أسمعه يردد في نهاية قصيدته "إفتحي كوة السجن أمي الحزينة / إفتحي/ إفتحي/ إفتحي،" ومازالت عيناه مغمضتين، حتى ظننته قد أغفى على تلك الهدهدة. وبدل الهمسات والدردرشات الخافتة التى سبقت القصيدة، ساد الأن صمت مكهرب، مربك، قطعه أحدهم بالتصفيق، وتبعه الآخرون.
واخترق هو الضجيج عائداً الى مقعده.
ذلك كان أول الرحلة المشتركة التي ابتدأت بداية هادئة عام 1972 لتنتهي نهايتها التراجيدية المدوية عام 1975. وانظم الى القافلة رفاق جدد: حميد كاظم (القاص سمير أنيس) و سعدون حاتم (الشاعر آدم حاتم)—كلاهما سيموت فيما بعد في لبنان—، قاسم حيدر (الشاعر قيس حيدر) الذي سيعدم بتهمة الإنتماء الى حزب محظور بعد بضعة أشهر من موت مهدي، الشاعر كاظم حسن سعيد، الذي سيسجن بتهمة القذف لأنه اتهم السلطة بقتل مهدي، الفنان التشكيلي عباس مكطوف (عباس بن فرناس) الذي سيغادر الى السويد ثم يعاد منها ليقتل في الحرب، وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم جميعاً، وكلهم جدير بالذكر. كان مهدي بمثابة ملتقى الطرق أو مركز الدائرة في شبكة العلاقات تلك. وفي جامعة البصرة، التي كان طالباً في كلية العلوم فيها، اجتذبت شخصيته عدداً كبيراً من الطلبة المتشوفين الى التغيير والناقمين على الوضع القائم. كان ذا حيوية مدهشة وذهن متقد. وكانت علاقته بالشعر وبالأسئلة الكونية الكبرى متصلة وحميمة.
آخر مرة رأيت فيها مهدي كانت عشية رحيله الأخير، في مقهى الموعد، في زقاق ضيق مواجه لسينما أطلس بالعشار. كنت أشاهد التلفزيون في الزاوية القريبة من المدخل، ولم أعلم بدخوله. لكنه حين غادر نبّهني الى وجوده. قال: "باي..حيدر." حين التفتّ رأيتـُه قرب مدخل المقهى، يهم بالإبتعاد. سألتـُه: "وين كنت؟" قال: "هنا ، بالداخل. وكنت أدرك أنه كان مازال مستاء من حوار سابق اختلفنا فيه حول أهمية الروائي الفرنسي مارسيل بروست. كان هو يستخفّ به وكنت أنا أدافع عنه. ولست أفهم الآن سر خلافنا حول أمر كهذا، فلم يكن أي منا قد قرأ لبروست أكثر من ثلاث أو أربع صفحات، على ذمة مترجمها، مجتزأة من رواية تزيد صفحاتها في أصلها الفرنسي على الألفين. سألته: "وين رايح؟" أجاب: "رايح أزت سعدون." (يقصد الشاعر آدم حاتم). وأظنه قال ثانيةً: "باي" ، قبل أن يختفي.
وُجـِدتْ جثته على جرف نهر الحكيمية، ولم يُعثرْ على مخطوطاته وأوراقه التي كان يواظب على حملها معه. وقال تقرير الطبيب إن موته كان نتيجة الغرق. ولم ُيقنع ذلك ذويه. قال لي أبوه إن مهدي يجيد السباحة، وليس من الممكن أن يغرق في ذلك النهر الصغير. وأعيدَ فحص الجثة. وبرزت شكوك بوجود كدمات أو آثار ضرب. وكان مهدي قد تعرض للضرب من قبل على أيدي عناصر من الأمن الطلابي في جامعة البصرة. والمعروف أن جسر الحكيمية كان يتوسط مؤسـستين إرهابيتين كبريين من مؤسسات السلطة حينذاك، هما الإستخبارات والمخابرات. وهكذا افترض أبواه أن ابنهما قد قُتل، وراحا يبحثان عن قاتله.
حين ذهبتُ لأعزي أهله، كانت قد مرت على وفاته ليلتان. كان الأب يبحث عمن يهديه الى حل لغز موت ابنه. وكان بعض أقاربه يظنني، بوصفي صديقه الأقرب، أعرف ملابسات موته وأتحاشى التصريح بها خشيةً من انتقام قتلة مهدي. وهكذا ارتفع جدار من الشك حال دون استئمانهم إياي على نتاجات الفقيد. قضّيت الليلة في خيمة العزاء المنصوبة قبالة بيت الشاعر فيما سمي بمحلة حسينية العبيد في منطقة الجمهورية. قلتُ "قضيت الليلة" ولم أقل "نمت." كنتُ وحيداً في الخيمة وأرقاً. "لقد كفًّ أنكيدو عن الوجود" قلت لنفسي وأنا أتأمل جدار الخيمة وأصغي لليل. ورحت أدمدم مع نفسي:

"مهدي،
يا من ترقد تحت ركام الطينْ،
لا تتقدمْ خطوة،
لا تتأخرْ خطوة،
أرضكَ ..رخوة،
والله هو القادر في هذي الساعة أن يأخذ غفوة
في عـِلـّيّـين
لا مثلك تحت ركام الطين."

فيما بعد، عند جسر المغايز بالعشار، إلتقيت بصديقنا المشترك حميد كاظم (القاص سمير أنيس) وقد بدا عليه السكر أو التعب أو كلاهما. وأدركت من ذبول وجهه وإطراقه أنه كان قد علم بالخبر. فلم أقل شيئاً، ولم يقل هو شيئاً، وسرنا صامتين. توقف هو لحظة ليقول بذهول كبير: "هلا." وكانت عبارة لصيقة به، يرددها حزيناً أو سعيداً، بمناسبة وبدونها. وكان مهدي هو من عرّفني بحميد. جاءا معاً ذات يوم الى محل عملي في شارع أبي الأسود، وفي يد مهدي مخطوطة رواية لحميد إسمها طيور سنونو بيضاء. ترك مهدي الرواية معي وذهب قائلاً: "إقراها." فركنتها جانباً وواصلتُ عملي. وعاد مهدي بعد ساعة أو نحوها، يتبعه حميد على مبعدة، فأخذ الرواية قبل أن يتسنى لي فتحها. وهكذا لم أتمكن من قراءة تلك الرواية حتى الآن. فقد شتـّتْ بنا السبل. وغادر حميد الى لبنان ملتحقاً بسعدون حاتم وانقطعت أخباره.
كذلك التقيت بسعدون لدى عودته من بغداد. كان آخر من علم بوفاة مهدي، وقد صعقه الخبر. جلسنا في بار الأخضر في شارع الوطن. وراح هو يبكي. وقد استغرب هدوئي فعلق ساخراً: "أنت طبعاً صلب." سعدون، الذي سيحمل إسم آدم حاتم بعد انتقاله الى لبنان، والذي سيموت ميتة بائسة هو الآخر، سيكتب من هناك قصيدة يسميها "رسائل الى الموتى" يضمّـنها الخطاب التالي الى مهدي طه:


"صديقي الغريق،
أناشدك كطفل،
لا تعدْ الى الحياة،
فقد أصبحتْ
مثلَ رجلٍ يضاجعُ شقيقته."

منذ رحيل مهدي عام 1975، سوّدتُ الكثير من الأوراق محاولاً الكتابة عنه. لم أنشر شيئاً ولا احتفظت بشئ مما كتبته. فليس أمراً مألوفاً ان تتحدث للقراء عن شاعر ٍ في غياب شعره. كنتُ آمل أن أستنقذ بعض كتاباته. وها قد انطوت عقود من الزمن دون جدوى. مهدي، المولود عام 1953 والذي كان يكبرني بعام، هو الآن أصغر مني بإحدى و ثلاثين سنة. فالموتى لايحقّ لهم أن يشيخوا. وحيلتهم الوحيدة لمواصلة الحياة هي أن يقيموا في ذاكرتنا. وقد خشيت أن يكتمل فناؤه بموت الذاكرة الأخيرة التى مازالت تحمله. وها أنا أخرجه من سجن ذاكرتي ليتنزّه على الورق، وليفنـّد مزاعمي حول مارسيل بروست. وحين يتعب مني سأدعه يتأبط حافظة أوراقه، ويدير ظهره لي ويقول: "باي ..حيدر."

حيدر الكعبي
30 أيار 2007

* من رسالة لكاتب السـطور الى مجيد الكعبي تعزيةً بفقد الشـاعر محمد طالب محمد.








بضع ملاحظات ضرورية


ولد مهدي طه في البصرة عام 1953، وتوفي فيها في 30 أيّار 1975.

أحاطت الشبهات بملابسات موته الغامض، حيث عُثر على جثته على جرف نهر الحكيمية غير بعيد عن مديريتي الإستخبارات والمخابرات، وفي الجثة كدمات وآثار تشي بتعرض الشاعر للضرب قبيل موته. وقد تجاهل تقرير الطبيب الشرعي في حينه تلك الآثار والكدمات وأفاد بأن الموت كان نتيجة الغرق، مع أن الشاعر كان يجيد السباحة.

لم يُعثر على حافظة الورق الجلدية التي كان الشاعر يحرص على حملها معه، والتي احتوت على مخطوطاته الأكثر اكتمالاً والجاهزة للنشر، ولذا لم ينجُ من كتاباته سوى المسوّدات التي تركها في البيت.

لم يكن الشاعر يبدي اهتماماً بنشر نتاجاته، ولا أظنه نشر شيئاً. لكنه ساهم في أمسيات ومهرجانات شعرية عديدة في جامعة البصرة وغيرها. وكانت قصيدته "إعادة رتيبة لسـيرة الملك الضلِّيل" معروفة لمجايليه من شعراء البصرة.

النسخة المنشورة هنا من "أغنية حب" مأخوذة عن مسوّدة بخط الشاعر قام بتصويرها وإرسالها بالبريد الألكتروني الصديق محمد نوري قادر الذي يعود له الفضل في إطلاق سراح قصائد مهدي طه بعد خمسة وثلاثين عاماً من الحبس. ورغم الفجوات التي اكتظَّتْ بها المخطوطة، وبخاصة في بدايات الأبيات، بسبب التلف الذي حل بالأوراق نتيجة القِدَم، فالنسخة المنشورة هنا شبه كاملة. وقد سهّل قراءتي للنص وضوح خط الشاعر وحرصه على تشكيل الكلمات. أما الكلمات والعبارات الضائعة فقد تركتُ في محلها ثلاث نقاط محصورة بين قوسين معقوفين هكذا [. . .]. وقد استعملت تلك الأقواس المعقوفة أيضاً للإشارة الى الكلمات والعبارات التي أشك في دقة قراءتي لها، أو التي أشك في صحتها.

سبق أن قمت بنشر قصائد الشاعر بخطه، وبالشكل الذي استلمتها به، على الموقع التالي، ليتسنى لمن يهمه الأمر أن يطلع عليها:
http://www.4shared.com/document/vBW1VDPw/____.htm


السبب الأساسي لصعوبة تخمين المفردات المفقودة أو غير المقروءة في القصيدة هو غرابة الزيجات التي يعقدها الشاعر بين المفردات، زيجات تتمرد على العلاقات "المنطقية" بين مكونات الجملة الشعرية، ولهذا فهي تكذِّب كل حدس وتخيِّب كل توقع. فما الذي لا تنتظره من شاعرٍ يقمّط الصراخ ويحيل الدويّ الي سجادة، والجدار الى قارورة، والدفوف الى ينابيع، والبروق الى باروكة، ولؤلؤته محشوة بالدم، ونساؤه يخرجن من لا أنهار، وأزهاره راعدة، وأفواهه معدنية، وروائحه تعبى، وحنّاؤه نزقة، ومستنقعاته حشرية، وطقوسه ضاجة، ولصخره دمامل، ومساؤه مصنوع من الشهقات؟


حيدر الكعبي
الثامن عشر من آب 2010






أغنيـةُ حُـب


مـهـدي طـه



لأَجْلِكِ نفسيَ هاويةٌ هادرة
بصَليلِ انسكابِ الضياءْ
لأجلكِ تَرْحَلُ هذي الليالي
بعينينِ خُفُّهما المَرْمَرِيُّ
يُلامِسُ، في قفزةٍ واحدةْ،
ذكرياتِ زجاجِ بُحيرة
لأجلكِ أيتها الحُلُمُ-الوعدُ كابوسُ غابة
رعشةُ الإفتقادِ لنبرةِ صوت
بين بئرينِ مختنقةْ
جَسَـدٌ تتناهبُـهُ في التعلُّـق مِقْصلتان
لأجلكِ مَنْ ذا يؤلِّـهُ أو يُسْـقِطُ الآلهة
لتباريحَ تَعْبُرُ مثلَ السَّحابِ المندَّفِ عبْرَ الزجاجْ
[رقصةٌ] تتثاءبُ أدمُعُها
في التنقُّلِ بين النَّغَمْ
تتثنّى، ودفقُ الألمْ
يتثنّى، وتفترقُ الشَّـفَتان
[مسافةَ] هذا الزمانِ عن الأزمنة
يدٌ جائعة
تَقْطَعُ الأرغفة
[سَهْمُها] يتهرَّبُ منها وتَلْحَقُهُ
[في مطاردةٍ] ضائعة
[في] الأزقةِ والطُّرُقاتْ
وردةٌ—وردةٌ واحدة
سوف تكفي لنقفزْ
إقذفيها فإنَّ السماء
تتجمّع تحت الجدارْ
الجدارِ الذي هو قارورةٌ
[عَبْرَ تهويمةٍ] متوحشةٍ عَبَرَتْ
ذاتَ ليلٍ على موجةٍ
[...] وانتهتْ
وهي تَلْهَثُ فوق احتراقِ الرمال
الصراخُ الوحيدُ
الذي تصنعينهُ والمنطفي
في غيابِكِ بين الأصابعِ، هل تحلمين؟
وردةٌ—وردةٌ واحدةْ
سوفَ تكفي لنبكي
اقذفيها فإنَّ السَّـماء
تَتَجَمَّعُ فوق الجدار
إرتعاشةَ قوسٍ يهيِّءُ سهماً
رذاذُ المياه يسابقُ [ماخرةً]
يتقافزُ مثلَ ملائكةٍ يحتفون
بمن يتقدَّمُ يُثْقِلُهُ الحُزْنُ نحوَ الجِنان
وتشيِّـعُهُ دمعةٌ من أصيل
عَبْرَ [نَبْلةِ] سهمْ
أتهادى إليكِ،
[أَرَقُّ] الأكاذيبِ أنتِ
[. . .] في الماءِ حين [يمسـُّـ. . .]
سَـلْسَـبيلُهُ منعطفاً يتهادى
وقفزةُ قُبْلَةِ طفلٍ تحيَّرَ من شفتيها
يُطِلُّ تجهُّمُ جوعِ وحوش
زهرةٌ لم تكن بَعْدُ وهي هنا
أُسَمِّيكِ مالستُ أعرفُ عنكِ
وما لستُ أعرفُ عني
[وردةٌ] ليس تَعْرِفُ كُنْهَ المياهِ التي غَمَرَتْها
وكُنْهَ الظِّلالِ التي [خَدَّرَتْها]
كُنْهَ بئرٍ عميقٍ يداها تغوصُ إليهِ
أنا . . .
وحينَ أسمِّيكِ عطراً أُسَمِّي
قَفْزَتي فيكِ هذا الغطاءُ الرقيقُ المموَّجْ
على جَسَـدي لاصقٌ
زَمَنُ القبلاتِ التي تتعثرُ في بعضِها
فجائيةً تُقْبلينَ وفي حُلُمِ العاقرةْ
جنينٌ يشبِّبُ صحراءَ قلبي
وأبقيهِ صحراءَ يا أزَلاً لستَ موصِلني
في مِحَفَّةِ نومي على سُلَّمٍ للنهاياتِ تَمْخُرُ حُّرا
بينَ أعمدةٍ ضخمةٍ وَسَطَ الليلِ من لامكان
أزرقَ اللونِ يَنْبَعُ إيَّاكِ محتوياً تركضين
بين أعمدةٍ ضخمةٍ شبحاً بذراعينِ مُتْعَبَتَيْن
هو الظلُّ يَصْرَخُ فيكِ وتَنْهَمِرِيْنَ ويَتْبَعُكِ
في [ملاحقةٍ لا تُقمَّطْ]
بين أعمدةٍ صخمةٍ كطريقٍ طويلٍ مدبَّبْ
بين أعمدةٍ ضخمةٍ وهضاب
وعلى شفتيكِ الصُّراخُ المقمَّطْ
مبقعّةََ الوجهِ بين الهضاب
يا حبيبةَ قلبيَ لؤلؤةٌ حَشْـوُها دَمْ
ولكنني فوق تلٍّ جلستُ
تحت حرِّ الظهيرةِ نخَّسْتُ أنفي
خرجَتْ روحُ أمّي حليباً ودَمْ
يا إلهي المحبةُ سمٌّ جميلْ
فضَعْ في خموري قليلاً ودَعْني أهيم
ومبلولةً تخرجين
دونَ أن يوجَدَ النهرُ مبلولةً تخرجين
تصنعين لرأسي ازرقاقَ بحيرة
ومنحدراً صاعداً نحو عيني
وسهوباً متوَّجةً بالورود
مرجَّفةً وهي تمتدُّ عبر البراري
وفماً معدنيّاً رهيف
بِعُرْيِ الزَّبَد
ذهبٌ وورود
[وتَثَنِّي] التلثُّمِ في صالةٍ ساطعة
صالةٍ بالشجيراتِ خارجةٍ مثمرةْ
كالعيونِ مطالعةً بهجةً غامرة
في الدويِّ الذي هو سجادةٌ تعبرين
بها من طفولةِ رأسي الى حُزْنِ قلبي
فوق هذا السوادِ المُنََفِّثِ حُزْنَ اصطلاءْ
مرمرٌ واخضرارْ
ورمادٌ وبدرٌ وحيدْ
وحفيفٌ يغامرُ دونَ رياحْ
تَخْرِقين
نقاوتَهُ دون حُلْمْ
نحلةٌ وأزيزٌ يدورانِ في الأمكنة
كمانٌ ومعزوفةٌ في انتظارِ الأنامل
سأُحَدِّثُ روحَكِ عن زهرتين
[بَضَّتينِ] وراعدتين
بينما يتهادى النسيجُ اللَدِنْ
من فمِ الرَّعْدِ نحوَ كهوفِ العواصفْ
معلناً عن تزاوجِ جائعتين
بزَغْرَدَةِ البرقِ يا من ستنأَيْنَ عني
غادري كلَّ تلكَ الجلود
فأنا أتحدثُ في السرِّ عن زهرتين
العيونُ وجوقةُ حُزْنْ
تترنمُ ثانيةً لتشيَّدَ غُصْنْ
يخلِّفُ فوق الهواءِ روائحَهُ المُتْعَبَةْ
سلاسلُ تشتدُّ في الإبتعاد
لا العيونُ ولا الأمكنةْ
خِمارُكِ هذا وهذي خطاكِ وهذه حِنَّاؤُكِ النزِقَةْ
[بَسْمَةُ] الطفلِ تمنحُ قلبي
[...] وظَهْرْ
[على] المائدة
[لسانُ] طيورٍ وهيئةُ نَمْرْ
[وملحُ] البحارِ التي أُجْهِضَتْ
[وقفتِ] كمشرفةٍ
على حُلُمي
[إندفاقاً] ورعشة
[وبي] تَلْصَقين
[انتثاراً] ودهشة
ترحلين
[وقفتِ] على جسدي
[...] واجماً
[...] [تتصبّب] من جوفها عَرَقاً
[أتقلَّبُ] فوق الصخورِ على جَهْشَةِ البحرِ في الشجرات
على وَجَعي المتسلِّقِ وَهْمَ العرائشْ
موسمٌ للحجيجِ ولي
ولكِ الآن طعمُ الرياحِ وصفرةُ وَرْقَةْ
أخذتْ يدَ طفلْ
في ترابِ الأزقةِ دونَ ثيابْ
موسمٌ للإيابْ
للأسى، للتوحُّد، للإنتحابْ
للمحبةِ، لي
ولكِ الآن طَعْمُ التدلّي
وجهُ أفعى مرقَّشةٍ، وجْهُ عرْسِ الغياب
يتخبّطُ في نجمةٍ تتخبّطُ في جوفِ مستنقعٍ حَشَريّ
تَقَلُّبُ أيدٍ تُوَرَّدُ مملوءةً بالصَخَبْ
تَوَهُّجُ كَهْفٍ يُنَفِّشُ ريشَ احتراق
بإيقاعِ طبلٍ وضجّةِ طقْس
وهي تَهْبِطُ هامسةً ضِحْكَها
صَخَباً، وردةً، وندى
فوق ما في القِمَمْ
فورةُ النارِ تكفي تَدَمُّـلَ صَخْرْ
ولن يَجْهَشَ النهرُ، مبلولةً تخرجين
على خُضْرةٍ تَتَنَدَّى
وتَعْمُـقُ بيضاءَ في الإنتظار
فَرَسي، والى شـجرة
تُشَـدُّ، وتحتَ السماء
فِضَّةُ الماءِ لَحْمُ المسافةِ ناي
تمرُّ عليه خطاي
عازفاً ثملاً بالنَغَمْ
بعينين أنقى من الآلهة
برِعْشَتِها الوالهةْ
تغتذي وتحمحم بيضاءَ في الإنتظارِ
يا مزاميريَ المنشدة
إنَّ معزوفةً واعدة
تتفجَّرُ، فلتنفجرْ يا جسدْ
رقصةً، ولتغذِّ عيونَ الأبَدْ
هاهنا في ندى الخُضْرةِ الغامقة
الى شجرة . .
فرسي الصاعقة
وملائكتي والبراري
أَثَرٌ حَزَّهُ دمُها
فوق مائدةٍ من هياكلِها
بَجَعٌ يتخرّمُ في القَصَبِ المُغْلَقِ
بَجَعٌ يتوهّجٌ أو يَنْغَمِرْ
بالظلال التي تنتظرْ
نعيقاً وحيداً مليء
مدوِّمةً في الأعالي
أنتِ يا إرثَ قارورةٍ وخروجاً يهشِّمُ أضلاعَ أرضْ
بمساءٍ كبيرٍ من الشهَقات
هيكلٌ يتعرّى، يدفُّ مع الليل في المملكات
سِحْرُ هذا البساطِ تميمةُ حبٍّ بلا كلمات
صحوةٌ تتفجّرُ زرقاءَ كالمُنْتَحِرْ
[المويجاتُ] مُسْتحية
[رذاذاً] تجيءْ
[...] بالقدمينِ وتُسْـحَـقْ
وتنجرُّ وهوهةً وَهْيَ تَغْرَقْ
الحقيبةُ فوق طريق
الحقيبةُ فوق رصيف
الحقيبةُ فوق شَجَرْ
ومن يَدِها المرسلة
يتهاوى دمٌ خَثِرٌ
وهي تعوي، وفوق البراري
حيوانٌ يخرِّقُهُ الليلُ، حَمْلٌ صغير
ينادي العَرَاء
إضاءاتُ عشبِ قرارِ البحارِ
وعشبِ السواحلِ فوق البراري
ودوّامةُ الماء مَحْضُ يَدَيْنِ تحطَّمتا
والطحالبُ وَجْهُ المراكبِ مقلوبةً
وجُثَّةُ فاتنةٍ تتعرَّجُ زرقاءَ حتى
شَعْرِها الذهبيِّ المضيَّعِ بينَ الرمال
في وميضِ الليالي [سأَجْهَشُ] وحدي
سأعرفُ ماذا يخبِّيءُ ذاك الوميض
حضورُ الأفاعي
و[حرائقُ] تُوْلَدْ
ووجهكِ أزرقَ يغرقْ
برفَّةِ كفٍّ وحيدة
تحتَ عُرْيِ السَّماءِ المُواجِهِ عُرْيِي
يَمُرُّ الصُّراخُ على وجهِكِ اللهبيّْ
وأُقادُ إليكِ
المذابحُ بَلَّلَتِ الرُّكَبَ الغارقة
الدخانُ المحرِّقُ هيكلُهُ عُمْقُ روحي
حيث تمتزجُ العَيْنُ منكِ بنجمِ الليالي البعيدة
ستنفصلين
مبللةً تخرجين
دون أن يوجدَ النهرُ تنتشرين
يا لَذِكرى ارتحالي المُسَـمَّرْ
كلُّ عِيْدٍ خَفِيٌّ وتَوْقُ الأصابعِ يَلْمُسُ مَكْرَ الحرير
وَرَقٌ أَخْضَرٌ يتندَّى ووَجْهُ صغيرٍ على الراحتين
أغانٍ بلا عددٍ في صقيع
وميضٌ، جبالُ حدائقَ، همسُ الصحارى، ورقصُ الخيول
ومتابعةٌ للأجنّةِ تُزْهِرُ بين الرُّعودِ وبينَ الأيادي
قدمانِ، ذراعانِ، أو موجتان
ثمِلٌ يتداخلُ في نفسِهِ
ضَحِكاتٌ تشيِّدُ كوخاً، نزيفٌ مليء
طيورٌ ملوّنةٌ من مياهٍ وغِبْطة
حينما تَرْسُمُ الرَّغَبات
منزلاً في العَراءِ يُقِضُّ ابتهاجَ العواصفْ
ستُعْلِنُ عاصفةُ العاصفاتْ
نَزَواتِ العظامِ [المُنَخَّرَةِ] الهاربة
وكالشَّجَرات المُحَوِّلةِ الورقات
نجوماً مُنَفَّشَةً، تُحْجَبُ الزهرةُ المتطلعةُ الرعشات
تُضَبِّبُ سيقانَها، تستقيمُ على رملِها
تتدحرجُ من قِمَّةٍ زورقاً وشِراعْ
ومركبتينِ على بابِ عُشّْ
في الصباح البريديِّ ينشر عطرا
ترحلان خلال الشتاءات ثلجيّتين
الحدائقُ تَسْحَقُ أَزْهارَها قدماي
والينابيعُ والقَطَراتُ الأخيرةُ تَنْصَبُّ مَحْمومةً في فمي
والأصابعُ وَهْيَ تدفُّ لتقرعَ أجراسَها
لا أقولُ ملائكةٌ وُلِدوا قَبْلَ أَنْ تُوْلَدي
الذي كانَ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يَكون
ولادتُك الواحدة
وأغانيكِ حينَ تُقال
كُوِّمَتْ زهرةً ليلةً في تفجُّرِ بَرْقْ
غنائي
يتفجَّرُ. قلبي يكركرُ. أنتِ
تقومينَ بالرقْصَةِ الساهرةْ
من مشارفكِ النائيةْ
إنهماراتُ أمطارِكِ
دغدغاتْ
تتأمَّلُني بانقضاضاتِها الناعسـةْ
إرتعادي وصوتُ دخاني الملاشَى
يا عَذولي الصديقْ
دَعْ لسانَكَ في فمِكَ المُخْتَرِقْ
عمارةَ أحلاميَ البائسةْ
لا تُنَثِّرْ زهوراً ودَعْ عنكَ حصباءَ هذا الطريقْ
تقومُ بتقبيلِ عُرْيٍ بريءْ
لدُوْنَتُها أينما كُنْتُ جَهْشةُ رَبٍّ يتيمْ
تتحرِّكُ في جَسَدي مُلْصَقَةْ
حدَّ خوفِهِ من كُلِّ عشقٍ تولَّهَ فيك
كائنٌ يتهجّى حروفَ تواجدك
يتعثّرُ كالموجِ في الإصطخاب
أهْيَ ثورةُ قلبٍ تُكلِّسُـهُ في الزوايا
مليئاً بأقذارِهِ وصَفَاه
إنَّ بعضَ الزمانِ الذي خَفَّ بكْ
تَسَلَّلَ بين أصابِعِه
كائنٌ ليسَ أعرفَ بي منه يَجْهَلُني
ويُصَغِّرُني حَدَّ أن لا أراني
حَلَمْتُ طويلاً فأَوْصَدْتُ كُلَّ سبيلٍ الى حُلُمي
يا جنونَ المرايا
تتخبَّطُ قافزةً نحوَ من يتسللُ في الأَرْوِقَةْ
لو [تُنَحِّفُني] الآن أكثر ممَّا أرى
لو علائِمُها المفضياتُ عَمَى
طويلاً تَوَزَّعْتُ بينهما
الطبولُ التي خَشْخَشَتْ عند بابي
في الصباحِ المُنَهَّكِ حين سمعتُ
طائراً يتغنى وحين رأيتُ
طائراً يتسكَّعُ في فكرةِ الفجرِ أُسْـقِطْتُ محترِقاً
يداكِ تُرَمِّمُ هاويةً
تُصَعِّدُها
وأبراجُكِ الهادرة
تَتَوَزَّعُ فيَّاضَةً بعذاباتِها
مَكْرُنا المتهربُ منا اختلاء
واختلاءٌ تواجُدُنا في المسافاتِ والأزمنة
مليئاً بصحرائِهِ المتسفيَّةِ الرَّمل
مليئاً يثقِّلُ مانتنشَّقُهُ من عويل
وَسَطَ الرملِ أصرخُ تبتلعُ الريحُ توقَ الصدى
وقريباً ستُذْبِلُ حنجرتي
شهقاتُ النجومِ [المرقَّقَةِ] الوَمَضَات
خطوتانِ لقلبي وعشرون لكْ
لو تكفّينَ يوماً عن الإندهاش
رحيقُكِ ألا أكونَ أنا زهرةً منه فيه
في شحوبِكِ تحتَ الضياءِ الصباحي
محمَّلةً بالجنائزِ صفراءَ مُحْدِقَةً بكِ من
[جسدِ] الضوء، صفراءَ تُتْخِمُني
بالروائحِ، صفراءَ محلولةَ االشَّعْرِ، مَخْروقَةَ الصدرِ، مَثْنيَّةَ الرُّكْبتين
تَصِيْرينَ مَيْتَاً ورائي
أفتِّشُ عن زاويةْ
وعن ذلكَ التَلِّ أُشْرِفُ منهُ عليكِ
فنافورةٌ [طشَّشتْ] ضَمَأً لم يَكُنْ
آهِ كيفَ تكونينَ أنتِ
في حليبيَّةِ الصُّفْرَةِ الكَثَّةِ
والزجاجِ الصقيلِ
تَمُرِّينَ حاطِمَةً [نَحَلاتِ] [النداء]
من النهر نحو الطريق
من الدربِ نحو احتفاءِ
ونحو انفتاحِ الأيادي وعطرِ حديقة
أبداً أنتِ متبوعةٌ بي أنا المترسِّخِ في خضرةٍ ورماد
بي وتنتقلُ الأمكنة
الزوارقُ سائرةٌ بعضها فوق بعضْ
جَهْشَةُ الخَشَبِ المتنائي
ودوَّامةُ الماءِ تَصْعَدُ نحوَ الأعالي
حطام . . .
من الماءِ والخَشَبِ المتنائي
تُمَدَّدُ راعشةً في الزَّمَنْ
يوهوهُ جيشُ الظلام
ويَجِفُّ من الرقصِ فوق المياهْ
العصافيرُ والأمُّ قَشُّ المراسلةِ اللدِنَةْ
في الهواءِ الحميمِ التصاقْ
النبوءةُ قُبْـلةُ ريحٍ على شَفَةٍ مرمرية
وريحٌ تَمَلَّكَتِ الآن ما تقفزين اليه
تقومين مملوءةً بحفيفِ الثياب
بين مرمرِ عيني وسجّادِ قلبي
ومن موجةٍ في النهاياتِ آخرُ قطرةِِ حُزْنْ
تتطلّعُ منسيّةً حارقة
هديرٌ يمزّقُ رأسي، ويقْفِزُ قلبي
على ذَهَبِ الماءِ أخْضَرَ نحوَ التخومِ البعيدةْ
ولكنَّ لمسةَ عينيكِ في جسدي
تُوَقِّفُ شدوَ اندفاقِ دمي
آه لو تَفْرغين وتمتلئين
وفي لمستي تقفين هديراً
كباروكةٍ من بروق
حشودٌ لياليّةٌ مفلسة
على الجسرِ متَّكِئة
تشكِّل معزوفةً تترنّمُ بيضاءَ صخّابةً
باختراقِ الحمائمِ فلتبدئي
تَثَنَّي على كلِّ لحن
يدايَ كشيخٍ تَمارَحَ مصطدماً باحتجاج
بعينين مذهولتينِ تحدِّقُ فيكِ
غزالانِ منتحرانِ تَضِجُّ الينابيعُ بينهما
علامةُ ما أستطيعُ، طراوةُ حبي
كلُّ ميراثِنا لحظةٌ واحدةْ
تتسللُ من زمنٍ
كل ميراثنا لحظةٌ واحدة
حين ننحلُّ فيها
دعيها . . .
[. . . اك] على حُرْقةِ الإنتظار
[. . .] [اندفاقِ] [المصفّفْ]
[الحِجابُ الغِرائيُّ] يُلْصِقُ هيئتَهُ
فيكِ ثم يعودُ ليَفْقِدَكِ
ويقولَكِ، صمتُهُ لَغَّزَكِ
الحجابُ الغرائيُّ، يا من تفكّين أزرارَهُ
في العبورِ الطويلِ، التطاولُ سرِّي وعاري
لأنَّ الهياكلَ تطفو مجعَّـدةً صامتة
لأنَّ هديراً من الهاوية
ووجهينِ ليلٌ سكوني
تجيءُ وتقرعُ أبوابَ عشبي
لا يُجَنُّ التضاحكُ بل تَلْصَقُ الخُطُواتْ
في الحجابِ الغِرائيِّ حيثُ أراكِ
بعيداً تقومُ البحيراتُ والإخضرار
مكفَّنةً بمغازلةٍ مبهمة
ووجهُكِ بين الحدائقِ في بهجة العربات
وعلى الطرقاتِ يُغَرِّقُهُ حُلُمٌ آخرٌ
ألمُ الإبتهاجِ نداءْ
أكونُ طريداً خلالَ النداء
ووَمْضُ دمي في الهواءِ الحليبي
يريقُ استحالةَ كوني
وداعاً وتنطلقُ العَتَمَاتُ التي لا تَرَيْن
متغلِّفةً بانتشاءٍ كنصل
نَحْوَ ما يتراجعُ مني خفيّاً عليك
دعوةٌ للصراخِ الذي نامَ فيك
دعوةٌ لي، النهارُ افتقادُ النجوم
والمياهُ افتقادُ المياه . . .
نحن شيخانِ، ما بيننا
من [مصائدَ] دَقَّةُ رَعْدٍ على [رَبَوات]
نحدِّق في بعضِنا
غيمةٌ تتفجَّرُ بين التلالِ وصوتي
عمقُ صوتِ الملائكةِ المبهمين
في الليالي التي ستطولْ
لن تمزِّقَ قلبيَ أكثرَ مما فَعَلْتِ
سَلَبْتِ
عنفواني وصحوي
أَقَمْتِ
جداراً من المستحيل
وأنا راكضٌ في المروجِ الطويلةْ
وعيناي [مَيِّـتَتانِ] بتابوتِ أضويةٍ فاقعة
كلُّ شيء تشابَهَ، أين النهايةُ والإبتداء؟
سأناديكِ صوتاً عميقاً عَتِمْ
وأنا واقفٌ فوق صخرٍ عجينيّْ
يجرّرني بئرُ ليلٍ الى ضِفَّةٍ مُبْهَمَةْ
سأناديكِ في رجّةِ الإنتباه
ومن شُرْفةِ الليلِ حيثُ تعيدُ النجوم
ابتداءَ البحارِ من الغفوةِ الزَّبَدِيِّةْ
بسلاسةِ ضوءْ
سأناديكِ من جوفِ صخري المصيَّرِ برقاً
وستَجْهَشُ عيناكِ جَنْبي
تتشنّجُ فضّيّةُ الجسدِ السابحِ المتكوّرِ فوقَ الظلام
وفي البحرِ تهتزُّ راعدةً وتطوف
هذه قرعةٌ والوداعُ سؤال
سِرْتُ دهراً طويلاً وإيّاكِ في الغابةِ المترفة
آه شقشقةٌ وزئيرْ
وأسطورةٌ شَقَّقَتْ أرضَها
وفي صرخةٍ بَزغَتْ
[أَتَألََََّقُ] مُلْتَصِقَاً
وأرتدُّ منحسراً عنكِ محسورةً عن [غناي]
وَهَجٌ عَذِبٌ يترسَّبُ مندفقاً ويغورْ
أترينَ؟ يدايَ تجعَّدتا
فيهما أثرٌ أبيضٌ يتطايرُ مرتعباً
خيوطُ نسيج
أترين؟ يداي تشيِّدُ نافورةً
أَمامَ الحدائقِ تَسْقيكِ أنتِ
تزيحُ الغبارَ المعلََّقَ في الموجةِ المرمريّةِ،
تطردُ نوماً ثنائي
في صباحٍ جديدْ
ربّما سوف تستيقظ النظرات
كالحمائمِ ما أوجعَ الإنطلاقْ
الى غفوةِ الأرصفة
في صباحٍ جديد
تَجِدُ القبلةُ الضائعة
وجهَها في طريقْ
يا نسائمُ ميسي على جسدي
صُعِقْتُ ببرقٍ يخضِّبُهُ الإنتشاء
ومضاتٍ من الحُمْرة الراقصة
ودويِّ أكفٍّ وزحفِ طبول
بالقياماتِ فوق الطريق
بضحكةِ ما يتوهّجُ وحشاً أنيقَ الشفاه
صُعِقْتُ وها أنذا لاهثٌ في المداراتِ بالشُهُبِ [الشَهَديّة]
تغادرُ أمطارها
من يحلَّ على شجني يتناسَ أصولَ الضيافة
فندقٌ متوارٍ يجيءُ إذا ما المسافرُ أجهضهُ الإرتحال
إنَّ رَكْضي وأنتِ،
إذْ وُهِبْتُكِ، دَفَّقْتُما في عروقي دما
لم أَعُدْ أَتَعَرَّفُ من منكما
مُرْقِصُ القلبِ، حينَ وقفتُ
خَرَقَتْني العذوبة
وكانت دماءُ الأصيلِ أغاريدَ إشراقةٍ ذهبيّة
معاً كنتما تُتْخِمان
برقصةِ وادٍ بعيدٍ يديَّ،
معاً حين أَدْخُلُ أيديكما
أُهَدْهَدْ ...
تبادَلَتِ الأنجمُ الوَقَفات
تُهامِسُ بعضاً، مغامرةُ السفنِ المُثْقَلَةْ
أُنْسِـيَتْ، وأنا أتهادى الى الإختفاء
وعيناي تُطْفِيءُ أنوارَها
وترتدُّ صخّابةً في حقولِ جبيني
أذوبُ إذا ما انحنيتِ
أذوبُ بلا رعشةٍ تتمسَّحُ فيكِ
فَنائي إذا أَخْرَجَتْ هذه الجَنَّةُ المقبلين
فأًسْطُحُها ستُضيءُ
حديقةَ كرْمٍ بعيدة
على حافةٍ من ليالي النُحَاسِ المُضَرَّمَةِ الشَّذَرات
من رحيل الوجوهِ زفيرُ احمرار
يُضَرِّمُ صَمْتَ الجبال
أَتَقَرَّى بنارِ يدي
بِرْكةً قيلَ لي إنني واجدٌ ما أشاءْ
في تلاطُمِها، قيلَ لي
إنَّ بين البحيرةِ والشمسِ خَيْطَ رمادٍ بهيّْ
صقيلٌ تنهُّدُهُ المحترِقْ
وعميقٌ بكاءُ النخيل
انتُزِعْتُ برجَّةِ عنف
وكنتِ تنامين أبرأََ من أَيِّ طفل
وكانت يدايَ تُنَسِّـجُ دِفءَ غِطاء
وعينايَ من حُرْقَةٍ مُتْعَبَةْ
تتجوَّلُ فيكِ
في تموُّجِ ما يَتَشَـوَّشُ أَخْرُجُ منكِ
إنَّ ركضي
يراقبني في كثافتِهِ بوَجَلْ
وأنا أُوْصِدُ البابَ دونكِ خانقاً الأضوية
إنَّهُ النهرُ ملءُ فمي
ومِلْؤُكِ أنتِ ارتحالي
وفَقْأُ العيون
نحنُ من نتجاهلُ وقتاً طويلاً بأنّا وُلِدْنا
نِشَارةَ جُمْجُمَةٍ وكؤوساً مياهيَّةً وحضيضْ
وينابيعَ دَفٍّ يغنِّي
على قِمَّةٍ تَجْـنَحُ الآن نحوَ الغروبْ
صقيلٌ عبورُ الطيورِ الحزينْ
في التباساتِ عينِ الغصونْ
أَرَتْهُ المرايا الذي يَعْبُرُ الآن ملتفعاً سَفَرَه
لم تُرِهْ
وحدةُ الغابِ ألا يكونَ وحيداً
دَلْوُ هذي الزهورِ يُحَمَّلُ من بئرِها
غائصاً، خارجاً، صاعقاً، خافتاً
بينما كانتِ الذاكرة
تتأمَّلُ في وَجَلٍ نهرَها المتدفّقَ شلالَ حُزْنْ
فوق أروقة [الظُهْرِ] أيُّ وميضْ
تحت شلالِ هذا اللهيبْ
يَخْطِرُ العابرون بأسرارِهم مُطْرِقين ومبتسمين
أكادُ أُحِسُّ الهديرَ يداً سوفَ تجذبني،
فمُ الصَّخْرِ أَوْسَعُ من هُوَّةٍ،
في جحيمِكِ أغرقُ مِثْلَ صغير
ومثل صغيرٍ بكائي الخفي
يا وسائدَ وَهْميَ، يا تاجَ شوك
كلّما اختَصَرتْ روحُ حبي المسافةَ عمّقتِ الجرحَ في داخلي
أبتغيكِ، أعرّي خيانةَ أقنعتي
أتعرّى أمام الذي تجهلينه عني
أنا القابعُ الآن خلفَ مداراتِ هذا الزمن
في مكانٍ كئيب
زماناً طويلاً قلبتُ كؤوسي
تَعَطَّنَ خَمْري
ضَمئي كلَّسَ الشفتين وهذا [العبور]
نفسُ إيقاعِها يتجددُ، كيف أنام؟
وعَبْرَ الزجاجِ المُصَقَّلِ ليلٌ يصقِّلُ ماءَ السواقي
وفضّيّةَ الفَجْرِ حيث بعيداً أرى
خُضرةً، شَجَراً، ساقية
وفضّيّةَ الأوجهِ المتبسمةِ الناظرة
في إطار الأصيلِ على الأُفُقِ المتدنّي
دمعتي من وراء الزجاجِ الى النهرِ تمضي
ويدايَ تكُفَّانِ عن شفتيَّ، وها أنذا في العراءْ
نفْس إيقاعِها المتجددِ، أين أنام؟
بعضُ ماء . . .
بعضُ ماء . . .
بعضُ ماء . . .
أهازيجُ خشخشةِ الحشراتِ على الأرفُفِ الورقيَّة
أغاريدُ في هيئةِ الطيرِ بين الغصون
تشقشقُ من أجلِنا، قمراً
غاقةٌ تتجوّلُ في دفءِ غيماتِهِ
نِخَالةُ ريحٍ على القَبْوِ أقْعَتْ وحيدة
عُمْقُ جَهْشَتِها ظِلُّ هذا الطريق
يا يَدَيْنِ بدونِ انتهاءْ
مرمريٌّ بخضرتِهِ والضياء
فاترٌ ذهبيّْ
وأنا الراكضُ المتأخّرُ في الطُّرُقاتِ الزجاجيّةِ الناعسة
غابةٌ وقرودٌ تَشُـدُّ حبالاً وأعْثَرْ
صراخٌ ومُنْحَدَرٌ موحِلٌ نحوَ نَهْر
رجالٌ وشعوذةٌ من نساء
وبقايا النهارِ كمعزوفةٍ قذرة
تتمدّدُ لاهثةً في التُراب
لم أكنْ ثَمِلاً، غِبْتُ، قلْ كيفَ جئتُ
تورُّدَ ضوءٍ تُخالِطُهُ خُضْرَةُ العُتْمَةِ الخافتةْ
وعَراءٌ يُحضِّرُ مَأْدُبَةً
ورأسي المليءُ صديداً ومنضدةٌ في انتطار
والحوانيتُ والعرباتُ احمرارٌ،
سوادُ مصابيحِ مقبرةٍ، ولوائحُ رُعْبْ
صقيعُ ضياءِ المدينةِ أَصْـفَرْ
رَكْضَةُ الذُّعْرِ جاهلةٌ أَصْلَ صرختِها
- امنحوني الوسادةَ هذا انتظاري الأخير
وأهوي، يدٌ في السرير وأخرى على حَجَرٍ رَطِبٍ باردٍ
الموائدُ إذ مَنَحَتْ قََدَمَيّْ
رحلةَ العاصفة
تمدّدْتِ فيها بثوبٍ شفيفْ
وَهَجٌ أشقرٌ مُعْتِمٌ في تَجَهُّمِ ليلٍ وراءَهُ ينظرُ لي
انتزعتُك من حيثُ لا تَشْـعُرين
ولِصْقي جَلَسْـتِ هنا في تهاويمِ هذا المكانْ
لدغدغةِ الريحِ والموجِ أَسْـلَمْتِ هَمْسَـاً تَرَقّى
أَظََلَّكِ، أَخْرَجَني غَيْرَ لمسةِ زهرةْ
تتأرجحُ فوق ذراعْ
جَهْـشَـةِ الموجِ، بين شتاءاتِ ليلٍ ثُقِبْ
تبطِّنُهُ السرطاناتُ، ليلٍ على الطرقاتْ
وليلين منشطرين بمنتصف النهر بين السفنْ
عميقين ينسحبان الى قاعِها
الزوارقُ وعدُ مغامرةٍ لوجومِ السفنْ
فيكِ لا شيءَ يَجْهَشُ أعْمَقَ من جَهْشَتِي
أنا كلُّ هذا الطريدْ
يُبَلِّلُهُ جَدَبُ الساعةِ الغارقةْ
تَرْتَقِيْنَ وأَغْرَقُ منغمراً فيكِ مبسوطةً تَحْمِلينْ
قَبَضاتي كعاصفةٍ جُرِحَتْ
فوق بابِك تعوي
بابِكِ المتحجرِ دوني وثَقْبُهُ يمزِجُ عطراً وروحا
وثَقْبُهُ رُمْحُ المرايا التي رَبَطَتْ ذكرياتي
الشجونُ التي اعتدتُها تتفقَّعُ مملوءةً بحريقْ
وأنتِ التي تَجْهَلِيْنَ بأنَّ التعرّي غيابْ
على قطرةٍ واحدةْ
توسَّدَ صحوُ ذراعيكِ ممدودةً يا رخامْ
يتطلَّعُ من مقبرة
وحولَهُ عاصفةُ الإنتحاب
بأصباغِكِ الحُمْرِ والبِيْضِ زَوْرَقُ عُرْسٍ بدائي
على نَهَرٍ من غيومْ
خُضْرَةٌ بالليالي تلوَّنَتِ، الذهبُ، الثوبُ، عينانِ خَلْفَ السياجْ
تُسَـلَّخُ، هَفَّتْ الى إثنتين
مُرَبِّيَةٍ وصغيرةْ
ورؤوسٌ رباعيّةٌ بجدارٍ من الكِلْسِ ملصوقةٌ كَسِلَة
ذهاباً إياباً تنوءُ الأيادي التي تتقافزُ نحو جدارْ
وبوّابةٍ دونَ أيِّ صريرٍ تهيِّءُ رحلةْ
وعينانِ خلفَ السياجِ تَشُدَّانِ أشباحَها
[تخرِّقها] [حفّةٌ] تترامى الى نافذة
حيث يَبْيَضُّ ليلٌ حزينٌ ومُغْلَقْ
وتَسْقُطُ صارخةً في مدار
البياضُ المُمَوَّجُ مَسَّـكِ جُنْحَ ندى
بارتعاشِ الخُرافةِ عَبْرَ القرونْ
صرخةٌ وحشودٌ من الجَهَشاتِ العميقةْ
تَشُـدُّ قناعَ انتشاء
قَرْعَةٌ في الزجاجِ ولا مِنْ يَدٍ خارِجَهْ
قرْعةٌ نشَّرَتْ حُلُماً، عُمْقُ نومٍ بريءْ
يَشُقُّ السويعاتِ أرضاً إليكِ
وتَقْبَعُ عند السرير وحيدةْ
في عذاب البراءة تحلمُ أن تنهضي
بياضيّةً تتقلّبُ أو تبتسمْ
فوق شوكٍ يُسَعِّرُهُ أنَّهُ روحُ شوكْ
بياضيّةٌ لا تُشَدُّ وتجري
ولكنني لستُ أملكُ أين
عبثاً أُغْلِقُ الطُّرُقاتِ أُمَدَّدُ فيك
يا مواتاً أمامي وعُرْساً لَهُمْ
التميمةُ بيضاءُ مسّـحَها مطرٌ عالقٌ بالنوافذْ
أتآكلُ وحديَ مائدةً لوحوشْ
تصغِّرُني وأنا واقفٌ . . . يا . . .
رِعْدَةٌ تتمدَّدُ مابيننا
رِعْدَةٌ وأصابعُ شفّافةٌ وهياجْ
يا نجيَّةَ نفسي ويا نَحْـلَةَ الروحِ كم تَعْصِرين
رحيقي وكم تَتْرُكين
في الوسائدِ نَوْحَ اللهيب
إنَّ لليلِ رائحةً
تُنَبِّئُني أنني لن أكونْ
وأنّي أَخُطُّ على الريحِ وَجْهَ الجنونْ
وأني . . .
توحَّدْتُ، فُرِّغْتُ حدَّ افتقادي
وأنّكِ أنتِ التي توجَدينْ
جناحُ العناكبِ عُلْبَةُ حَلْوى
تتجوَّلُ من أُذُنٍ نَحْوَ أُخْرى
خلايا التحجُّرِ والحشراتِ خليطٌ مُفَرَّمْ
يُسَكِّبُ أنَّى يُوَلِّي فمي
بعيداً، أنا الغابةُ الحجريّةُ، أسنانُ صخرْ
خيوطٌ، جليدٌ، وعُتْمَةُ كَهْفْ
ولكنِّ موجَ شعاعٍ يتوِّجُني
مَطَرَ الضَحِكات، سيوفَ الأصابعِ حين تبارزُ صمتي
نقاءَ الشموسِ التي حَلُمَتْ بالنَّقَاءْ
كُلُّ قلبٍ الى إلفِهِ عادَ لكنَّ قلبي وحيدْ
كالعجوزِ التي تتجولُ بين الحدائقِ ناشجةً بانكسارْ
أنتَ تبحثُ عن زهرةٍ بحثَتْ عنكَ في عُشْبِها
- لقدْ قَرَعَ الحبُّ بابَ سواكَ فعُدْ
قالها من تثاؤبِهِ موصداً بابَهُ
من الملْحِ نحو القفارِ انتهتْ بذرةٌ
أيها المتداخلُ لَحْنَ بكاءْ
شبحاً تتخطى الليالي وتَعْبُرُني
في الظلام وأسمع إجهاشةً منك تتبعني
إنَّ كأساً بعيداً كُسِـرْ
وعلى رأسِ رمحٍ يُرَقَّصُ خَمَّارُهُ . . .
يا لَعَيْنَيْنِ هائمتينِ وشَعْرٍ ينامُ على الأذرعةْ
ويا لَخُطَىً تَهْمِسُ الرغَباتْ
ويا لَعِواءٍ شفيفٍ يُحرَّكُ بين الحريرْ
يا سنىً يا زهورْ
توِّجيها فها هي تَرْعَشُ يا بركاتِ العطورْ
إغمُريها، بأيِّ التسابيحِ تَتَّعِظِين؟
الحمامةُ مولودةٌ من رياحٍ مولَّدةٍ من عيونْ
الحمامةُ تحملُ أوراقَ صفصافةٍ
- مَلأَتْ دنَّها فارتحلْ
وها هي تقفزُ نشوانةً مطراً وحمامْ
وفي شَجَرِ اللحْمِ تنبتُ غُصْنْ
إنّهُ النايُ وَحْدَهُ هذي الخِرافْ
وفيما وراء المدى لمسـةُ الدمِ قامتْ
تُرَنِّحُ شدْوَ الرؤوسِ المرنَّحْ
في الدهاليزِ أقبيةٌ وصديدْ
ترتقي بالصُّراخِ الذي يَحْمِلُ الرائحة
وهو يجهلُ أن يتعرّى
خطواتٌ ثلاثٌ تكون
وتبتديءُ الأرضُ من رقصةِ الموجةِ العابرةْ
إنَّ روحي لتجثو وأجثو أنا
في براءةِ ليل
على جبلٍ في الشجيراتِ يُقْرَعُ ناقوسُ سهْلْ
فتنبثقُ الموجةُ المُزْبِدَةْ
في ضراوةِ شمسٍ وحيدةْ
إنِّ روحي تصلّي
ضربةُ الفأسِ شَقَّتْ رياحاً
تَقَصَّمَتِ العارياتْ
نائماتْ
على فِضَّةً تتجلى وتخبو
ويزأرُ صوتٌ بعيدْ
فيوقظُ شَعْراً مُسَوَّدْ
ويَهْرَبُ ظِلّْ
إنِّ روحي تقومُ، أقومُ أنا
ومَعَاً نتدحرجُ بين الجليدْ
كلُّ تأريخِ ملحمتي
يَمَّحي، يُسْـتعادُ، وأُغْمَرُ فيهْ
يَمَّحي، تقفينَ على ضفةٍ
[يَمَّحي] وأنا أتمرَّغُ محتملاً ومُغَرَّقْ
[يَمَّحي] وأراكِ قناعينِ من ذكرياتْ
[. . . حرك] بين الرياحِ وعينيك مُثْملتين
[باكتئابٍ] يُحَدِّقُ تأريخُ ملحمتي
[فيكِ] ما إنْ تُطِلَّ الطبولْ
وهي تَقْرَعُ ذكرى انفتاحاتِها الشاطئيةْ
[ويهتزُّ] بين الترابِ اللهيبيِّ صمتُ قناعْ
[مُدَمّىً] يُطِلُّ بعينينِ مفرغتين
قَرْعَةً، قَرْعَةً وتَفِحُّ المياهْ
قَرْعَةً، قَرْعَةً وتَعُوْلُ الرياحْ
قَرْعَةً . . قَرْعَةً
[وينفجرُ] المعبدُ الشجريّْ
[. . .اءاً] ويخبو وترتفعُ القهقهاتْ
[. . .]
[. . .] [الشبحيّين] سادةُ غابي
[. . . ـؤرجحُ] أذرعتي كزمانٍ شُـنِـقْ
لهيبٌ يُدَوِّمُ فوق اللهيبِ أنا
[. . .] على النهر في العاصفة
التعرّي المخيفْ
إهتزاز الضياءْ
استداراتُ وجهْ
صاعداً هابطاً
على حُمْرَةٍ وازرقاقْ
سوادٌ ورَمْلْ
والرياحُ بأفخاذِ موجْ
وجدتُ المراكبَ خلفي محطَّمةً تختفي
تجهُّمُ مَعْدَنْ
تشقُّقُ جِلْدْ
وضحْكَتُكِ الآن تَرْجِعُ مَرْكَبَةً
في عمود التموُّجِ محمولةً
ويداً بالينابيعِ مثقلةً
بُتِرَتْ حين مُدَّتْ
لهيبٌ يُدَوِّمُ فوق اللهيبِ أنا
بالنباحِ وأشجارِهِ الدمويَّةِ مُدِّدْتُ فوق السنينْ
المراكبُ خلفي محطَّمةٌ
وعَرَاءٌ وظِلُّ يَدَيْنْ
ثروتي في الهبوطْ
وهي سوداءُ في نومِها المتجعِّـدْ
وهي سوداءُ في صمتِها
مُزَيَّتَةٌ عند ساقٍ على العشبِ تجهلُ كيف تُضيء
بذراعينِ مبتورتينِ وحِضْنٍ ممزَّقْ
فوق نهرٍ يُدَوِّرُ صرخَتَهُ
هي تغفو وظِلُّ الخطى فوقها صرخةٌ
وظلالُ الصغير
حابياً في المساءِ منشّـرةٌ
فوقها تنحني ببكاء
لجدارٍ من النار بينهما
بذراعينِ مبتورتينِ وحضنٍ ممزَّقْ
فوقَ نهرٍ ستأخذُها صرختُهْ
[أَنَوْمُكِ] سريَّةُ الكلماتِ أَمِ الكَفَنُ المتبسِّـمْ
صَمْغُ أجنحةٍ وبخارُ الجحيمْ
أنا حين تكونين قربي
أصوِّرُ أقنعةً وأُبَدِّلُها
يا لَنَصْـلٍ من الفمِ شَـقَّ المسافةَ منغرزاً مُبْكياً
يوصِّلكِ الأرضَ شيئاً فشيئاً بحجمِ انسحاقْ
بزركشتي ومسارحِ عُشْبي
أمثِّل ما أبتغيهِ وحيداً
أمثِّل فلتنهضِ الكلمات
ولتُبَدَّدْ هنا في يديك
أنتِ يا مَنْ تفتّقْتِ في لحظةٍ
وَلْتَجُنَّ الليالي
وَلْتُنَصِّبْ على عَرْشِ رأسي مخاوفَها
إنني لن أكونْ
بمقدرةِ الخَلْقِ هذي . .

حفنةٌ من كلام
ونركعُ مقتسمَيْن
إِرْثَهَا---
تجرِّرنا خلفَها
حفنةٌ من كلام
تُشَـقِّقُ أصلدَ أرضٍ فترتعشُ البذَراتْ
حفنةٌ من كلام
ونركعُ منحنيَيْن
وتَخْرِقُنا كتلةٌ
هذه الأنجمُ [الشاحِبات]
كأنَّ يداً ---
تفرِّطُها
حفنةٌ من كلام
ولاشيءَ غَيْرَ الدويِّ المفتِّشِ فينا
عن الصرخةِ المتبعثرةِ الخطوات
مثل قطرةِ غيثْ
في السحابةِ والبحرِ بين الفضاء
[مُشَـحِّـبَةً] ظِلَّها والسُّطوعْ
[. . .] ستولَدُ أُحْجِيَّةٌ، فُوَّهاتْ
وستنصبُّ كلُّ السيولِ ومثلي أنا
قطرةُ الغيثِ مَحْضُ طريقٍ ومِثْلَكِ أنتِ
قطرةُ الغيثِ تُوْقِفُ فوق المسافةِ دَفْقَتَها
قريبينِ، عُقْمُ المسافاتِ ما بيننا
صغيرٌ بوجهينِ في وجههِ
إئتلاقٌ ومُنْصَهَرٌ،
حَمَأٌ من لحومْ
إنحبي لدقائقَ من أَجْلِهِ
إنحبي لدقائقَ من أَجْلِنا
واغفري لي خطيئةَ قلبي
إرتعادَ أكفّي أمامَ الحدائقِ،
أخشى الحدائقْ
وخَطْوَ ذراعيكِ نحوي،
جدارٌ وأروقةٌ وجدارٌ وأروقةٌ وجدارْ . . .
أأنتِ التي سأسمّي [وتجهلُ] ناريَ أنتِ؟
إنحتِ الآن أشكالَها خُذْ جميعَ الذي تبتغيه
تتوهّجُ، يا لَلْفَنارِ العقيم
حاطماً أَلَقَ السُفُنِ المُثْقَلَةْ
تلكَ من نَسِـيَتْ همسـةَ القاعِ في
رقصةِ الأسْطحِ المُخْمَلِيَّةْ
أُحَدِّقُ عَبْرَكِ فيَّ
على طُرُقِ اللازَوَرْدِ عَبَرْتُ خفيفاً
مُثْقَلاً أتراكضُ حوّلْتِ ذاكَ الجَبَلْ
ضامئاً للرياحِ التي فـتَّـتَـتْهُ، الرياحِ التي فَتَنَتْهُ
هارباً من فمٍ لفمِ
يتطايرُ لا يتوقّفْ
بِدَوِيٍّ تَجَمَّعَ فيهِ انهيارُ القلاع
يخمِّـشُ موتاً حديديّةً قدماه
وتُعَـلَّـقُ مبتورةً ومشـحَّبةً تَتَغَرْغَرُ فيها اختلاجاتُها
الأكفُّ الأخيرةُ – وهْيَ فمٌ لسْتُ أعرفُهُ
أتراعشُ، يَسْـقُطُ في الليلِ شَيّْ
حَجَرٌ، قطعةٌ من دموعْ
رفّةٌ، غُصَّةٌ، بَحْرُ كِلْسْ
لا غِناءُ الروابي ولا صرخاتُ المدُنْ
عابراً، مُفْرَدَاً أتخبَّطُ جوقةَ أيدٍ على كلِّ بوّابةٍ موصَدَة
طائِراً سـيُشَـكِّلُهُ البحْرُ ذاتَ نهار
وتكونين ترنيمةً للشراعِ المُسَـدَّدْ
غريقةَ بعضِ الحبور
يداكِ نسيجٌ يَشُـدُّ القرار
باندلاعٍ ويهتزُّ مثل البذار
عُمْقُ هذا الترابِ الذي يحتويكِ
خيوطٌ رماديّةٌ كثَّةٌ تتدلّى
وفي القاعِ سوداءَ مغمورةً تتجلّى
وفي السوقِ أجملُ ذكرى الهزيمة
قهقهاتُك، لونُ عيونكِ، سِحْرُ يديكِ
مُفَتِّشَـةً عن هديرٍ يَدُقُّ عليكِ
آهِ، طاووسةٌ جَهِلَتْ أَنَّها عُرِّيَتْ
تتبخترُ في عَمَهِ الظلِّ وَهْيَ التي أَوْجَدَتْهُ
النجومُ بلا ليلةٍ والزمانُ بلا زمنٍ والقَمَرْ
راقصاً في بحيرةِ زُرْقَتِهِ كمَلِيْكٍ طعينٍ متوَّجْ
حيثُ ليلُ المياهِ أَشَدُّ من الليلِ عُتْمَةْ
يَصْمَتُ الشَجَرُ المتغنِّي على الضفتين
وبكلِّ التألّقِ ينهضُ عَرْشُ الخفايا
ونحن نُهُوْضٌ على الطرقات
ظلالي حمامةُ حِصْنٍ تَشُـقُّ القرونَ الترابيّةَ المُقْفَلَةْ
في الطريقِ الى القافلة
وهي تَنْبُعُ من مدنِ الرمْلِ في هودجِ المقبلة
غيرَ محفوفةٍ بسواها
الغيومُ بلا مطرٍ والجذورُ تَطَلُّعْ
تتجمَّعُ في أَنْجُمِيَّةِ أغصانِها
نظرةٌ أَسَـرَتْ عَرَباتٍ ضجيجيّةً مُتْخَمَةْ
يا لَعَيْنَيْكِ مورقتينِ بإشراقةٍ مُرْعِبَةْ
أَمامَ تهدُّجِ عينيكِ أَغْرَقُ في فرحي
وأُلَوِّحُ في نَزَقٍ وأنا أتهادى لقاءَهما
وبي تُقْتَلين . .
تَكْمُلُ الرَّعَشَاتُ الأخيرة
وبيضاءَ تَنْعُسُ تنهضُ فوق يدي
في السكونِ الجحيميِّ دونَ قرار
حزمةً من وجوم
لن يُغِيْثَ المطر
والبحارُ المفجَّرةُ الداوية
وسحيحُ العيون دماً
على جسدٍ مُلْكِ رمْلٍ عقيمْ
يتهاوى زَبَدْ
الثواني التي مَزَجَتْها المياه
ووجهُكُ والغيمةُ المقبلة
والليالي تجفِّفُ حمَّامَها
وفي شمسِها تَسْـتَحِمّْ
أيمنحني زمني وَلَعَاً لستُ فيه
لوجهي التطلُّعُ لكنَّ جَذْراً بعيدْ
يرنّحني
تجوّلْتُ في الوَرَقات التي تتجاهلُني
طويلاً أَضَعْتُ روائحَ أزهارِها
على كلِّ بابٍ قَرَعْتُ
وها أنذا ما أزال - برغم دخولي - على الطرقات
أطارِدُ حُلْماً يصيِّرني حُلْمَهُ ويطاردني
رِعْدةٌ، قشعريرةُ حُمَّى، صراخٌ، تحطُّمُ شيّْ
والليالي على بابها الزمني
طعمُ مقصلةٍ لم تكنْ
وطعامٌ لريحٍ عواءُ الكلاب
وبكاءُ الصغارِ وصوتُ السكارى وصفّارةٌ ناعسة
ورقٌ مهملٌ في الجبينِ وفي الطرقات
آهةٌ تتكوّرُ فوق الفراشِ،
حُلُمْ . . .
أموتُ وأَحْمِلُ رائحةً منكِ، أنتِ هي القبرُ والذاكرة
جحيمُكِ حمّامُ عرْسٍ وموجةُ دفء
جحيمُكِ ضِحْكَةُ يأسٍ على ساحلٍ منطفيء
كُلُّ فعْليَ حَثُّ خطاي
حيثُ يَنْشُـرُ بحرُ المساء
موجةَ الليل، يبتلعُ الجبلُ النجمةَ الهابطة
والصراخَ المنبِّيءَ عن جثةٍ ساقطة
حين يرسمُ خيطٌ من الفضّةِ
فوق جدراننا المتآكلةِ
بعضَ ما ترسمُ القطراتُ الأخيرة
من الزبَدِ المتصدّيءِ فوق الرمال
نحن بعضُ الزمانِ الذي يجتزيء
جُزْأَهُ المتردِّي المثقَّبَ ثمَّ يتابعُ نفسَ الطريقْ
في طريقٍ جديدْ
بعيداً عن الهاوية
العظامُ القديمةُ تضحكُ في بهجةِ الأضوية
إشاراتُ عينيكِ تَطْلُعُ وامضةً
للقطارِ على سككِ الليلِ يَمْرُقُ، يعوي وحيداً
في تناثرِ غابتِهِ
جريحاً يجرِّرُ أشلاءَهُ
داخلَ العرباتِ تُلَطِّخُهُ القُبُلُ الدمويَّـةْ
قُبُلُ الفمِ مُلْتَصِقاً بالحياةِ ومُنْتَزَعَاً مُلْصَقَاً بالجدارْ
القطارُ المُدَحْرَجُ في غابةٍ تتنهّدُ نارْ
حيثُ تختلطُ الفاصلاتْ
قِطَعُ اللحمِ مبتورةٌ متناثرةٌ داخلَ العرباتْ
الرؤوسُ مُهَصَّرةٌ تتقيّأُ أحشاءَها
في القطارِ المُدَحْرَجِ في غابةٍ تتنهّدُ نارْ
على النبْعِ [غزلانُ] ثلجٍ دفيئة
وفي داخلي قدماكِ بسريّةٍ ترقصُ
ذاكَ حُبّي
سوف أنشدُ فوق الجماجمْ
قَدَري أنْ أكون إذا كنتِ أنتِ،
أنْ أكونْ
حيثُ كنتِ
مَتَاعُ الرمادِ الذي أَحْمِلُهْ
عمودُ هبابٍ يُغَلْغِلُ وَسْطَ الغيومْ
شَـدَدْتُ مصيري وما عُدْتُ أقوى على الإنفلاتْ
كنَقْشٍ على بابِ حِصْنٍ قديمْ
ليْ على كُلِّ شيءٍ أثرْ
يمّحي . . .
عذوبةُ لحْنِ الرصاصِ المرقِّصِ إغماءَنا الأبدي
تَفَلُّتُ هذي الأسيرة
حيثُ تُجْنَى الرؤوسْ
بِظِلٍّ من الشَّـهَقات الصغيرةِ حمراءَ تمضي سِـراعاً
وثرثرةُ الشجراتِ وليلُ القمر
يدايَ تقاصرتا
وأبعدَ يمتدُّ ما كان مفتَرضاً أن يكون
كلُّ ما قَطَّرَ الزمنُ
من عُصارةِ نافذةٍ فَتَّحتْها الأيادي الخفيَّةُ،
وادٍ بلا أيِّ بُعْدْ
في عذاباتِ تلك الليالي البعيدةِ، ظِلِّي المؤرجَحُ ظِلِّي المُسجَّى
وظِلُّكِ في هذهِ اللحظةِ المتفتِّقةِ الآن عنا
[كَـنَـبْـتَـيْـنِ] نلقي أصابِعَـنا في الفراغِ العَتِمْ
إننا نتدحرجُ منفصلَيْنِ بعيداً
إننا نتدحرجُ نحوَ الفراغِ العَتِمْ
إمنحيني دموعاً بلا أيِّ ضَعْفْ
إمنحيني دموعاً وكوني الصدى المتردِّدَ فيما نُسِيْ
أيُّ ظلٍّ على عُمْقِ ذاكرتي؟
أيُّ مَيْتٍ مُسَـجَّىً هنا؟
إنّ كلَّ أغانيَّ تَذْكَرَةٌ
زهرةٌ من بلادٍ معابِدُها في عروقي،
بلادٍ معي، غادرتْني وما زلتُ أبحثُ عنها
يا نسيجاً مليئاً ويا غيمةً من جماجمِ رعبي تكون
في الليالي يُخَيَّلُ لي أنني أتنفّسُ ما كُنْتُهُ
من ثنايا ذراعٍ محمَّـلةٍ ناشِـبَة
في الليالي تَمُرِّينَ كالبرقِ، أنتِ هي الهوَّةُ الذاهبة
نحوَ عمقٍ جديدٍ، وأنتِ هو الإنشقاق،
التوحُّدُ فوق الفراديسِ، روحٌ مضيَّعةٌ في الصحارى
أنا في الحُلْمِ أصنعُ منكِ الذي لن تكونيهِ،
[أصنعُ منكِ] الذي لن أكونَهْ
معاً سوف نَدْخُلُ غابةَ يومٍ جديدْ
مع الشمسِ وهي تجيءْ
كلِصٍّ ظريفٍ يُطَهِّرُ موضعَنا من كنوزِ الظلام
معاً سوف نقفزُ من جُزُرِ الحُلْمِ والأمنيات
وسننظرُ نحو الصباح كطفلين منبهرين
بوحشٍ جميلٍ صقيلاً يميس
عجوزين يُسْتَرجَعانِ من القبر نقفزُ نحو الحياة
بأيِّ شَـفَافِيَّةٍ تمرقينَ على لحظاتِ احتراقي
مروِّضةً كلَّ هذي الوحوشِ التي تستفزُّ هدوئي
الجذورُ تَمُدُّ أصابعَها اللهبيّةَ نحوَ الزهورْ
بينما كنتُ أحلُمُ كانتْ طيوفٌ من الذاكرةْ
تستبيحُ براءةَ بعثي الجديدْ
إنّ رعبي يخيِّمُ فوق سماءِ ابتسامي
لستُ تلك المغارَةَ حيثُ السكونُ ضجيجْ
حيثُ لا شيءَ يُوْقِفُ دفقتَها—الإنحدارْ؟
إنها تتوَّحَدُ فيه لبعثٍ جديدْ
إنِّ برحاءَ حبي كطيرٍ هوائي
إنها الهوَّة المتفتِّقة الآن [من] تحت أقدامِنا
إنها تدفعُ الأرضَ نحوَ مكانٍ جديدْ
الولادةُ والموتُ حبي وهذا الشقاء
المخاوفُ تَزْرَعُ أنيابَها في عروقي
الظلامُ يولِّدُ أشباحَهُ ويقاطِرُها فجأةً في سكوني
كيف أقبلتُ للحانةِ الضائعة
وسكرْتُ طويلاً على خمْرِها
أين؟ كنتُ هنا دون أيِّ متاع
دونما ذاكرة
كنتُ ملقىً بجرحٍ كبيرٍ مُعَفَّرْ
كيف أقبلتُ للحانةِ الضائعة
وسَكَرْتُ طويلاً على خَمْرِها
إنّهُ الموجُ عَرَّسَ في الشاطيءِ، الشاطيءُ الآن موجةْ
تعرِّسُ فيها خُطى البحرِ، والشاطيءُ الآن ضوءُ وليمةِ عُرْسْ
واقفاً فوق مفترقِ الطرقاتْ
بذراعينِ محطومتينِ، أنا أنتِ مشتعلَيْن وما بيننا
صرَخاتٌ وميضيَّةٌ وحفيفْ
[بطيئاً] أُوَصَّدُ محترقاً أترجَّفُ، ها أنَّها تستقيمُ، ارحلي
وليكنْ لصلاتي بكاؤُكِ فِيَّ، ارحلي . . .
آهِ ما أَوْسَعَ الحقلَ!! ليتَ الحصادْ
يُقَدِّمُ أَرْجُلَهُ المُبْطِئَةْ
لا انقضاضُ الطيورِ ولا تَعَبُ العاصفةْ
يستريحُ عليهِ ولا غَضَبُ النجمةِ التالفةْ
لا أنينُ المياهِ سجينةِ أنهارِها
إنَّهُ الحقلُ أَيَّانَ أنقلُهُ فَهْوَ حقل
سأصْنَعُ ناريَ منكِ
وفوقكِ نافورةٌ من سعير
وبينكما أتواجدْ
على جسدي نَهْـشَـةٌ عذبةٌ
وفي شفتيكِ اضطرامي
يُبَقِّعُني، أَتَفَقَّأُ، أَخْرُجُ سـيلَ صديدْ
أتندَّى من القُبَلِ المخمليةْ
أتضاحكُ، ما أعمقَ الليلةَ التالية!
وما أحمقَ الزمنَ المسـتفِزّْ!
أُبْصِرُ الآنَ ظِلَّيْنِ فوق الخرائبِ يختفيان
ويعودانِ، كانا معاً في الخرائبِ يستنشقان
بين ضوء يُبَقِّرُ حوريّةً نَزِقَةْ
صارخاً يتهزَّزُ، كانا معاً يرقدان
إنقليني الى أيِّ شيءٍ سوايَ، اعْبُري حاجزي
يا حدائقَ هائجةً في التمزُّقِ تنتظرُ الكلمات
سأعلنُ حُبَّكِ، فلتُفْتَحِ الطُّرُقاتْ
أشيِّدُ، أَحْطِمُ، أعرفُ صمتيَ ليس لغة
وتذويب نفسيَ منفى، وفي فمكِ الزهرةُ المشرقة
الرياحُ تَمُدُّ الأكفَّ الرخاميّةَ المعتمةْ
وتَمْلأُ مأوى الثقوبِ المرعَّشَةِ الباكيةْ
الرياحُ التي لا تَمُدُّ الأكفَّ كؤوسَ زهورِ حديقة
خطيئةُ صمتي تُشَكَّلُ منفىً جديدْ
ومهمازُكِ الضِّحْكَةُ، الأرضُ حقلٌ، وقلبي جواد
وسأعلنُ حُبَّكِ فَلْتُفْقَدِ الطُّرُقاتْ . . .
كيف أقفزُ نحو حطامي العجوزِ المكوَّمِ في الزاويةْ
هذه الوحدةُ، النغمُ المتصاعدُ والمتلاشي . . .
نحو أصقاعِنا يا رياحْ
يا عجوزاً مرنحّةً تتقلّبُ في [حَـلْمَـتَيِّ] الصباح
أمطرتْ دهشتي ورقاً أخضرا
ويداً بيدٍ فوق كلِّ صقيعٍ عبرْنا
بافترارةِ فَجْرٍ على غَمْزَةٍ من ضياء
اكتسى الليلُ ثوباً قشيباً
فتاةٌ إلهيّةٌ من حقولِ الزمرّدِ في رقصةٍ ساحرةْ
من خلايا احتضارٍ تقوم
وردةً يتألِّقُ فيها الزَبَدْ
يتقطَّرُ نهراً من النار فوق الجسد
أَصْبِحِي كُلَّ شيءٍ، للاشيءَ صيري
في المقاهي انتظرتُ وكان الغناء
جليسي المثرثرَ عن هجرةِ العاشقاتِ
وعن غُصَّةِ العاشقين وليلِ الدموعِ الطويلْ
عَبْرَ خيطِ دمٍ يتسللُ عبري، وكان الصباح
[. . . ـوِّمُ] نفسَهُ مرتعشاً في الطريق
[. . .ـوِّمُ] نفسَهُ منسحقاً في الطريقْ
وحيداً تخلِّفُهُ شَمْسُهُ عندَ مبنى
تُظَلِّلُهُ الشَّـجَرات
عند مبنىً تَمَزَّقَ جِلْدُهُ، مبنىً عَتِمْ
[. . . نوافذِهِ] الصدئة
[. . . نوافذِهِ] المغلقة
[. . . نٌ] رماديّةٌ مدلهمّة
عندَ مبنىً وراءَ الضجيجِ يقفْ
ووراءَ الحدودْ
لافظاً خطواتٍ وحاضنَها
حيثُ بعضُ العيونِ المُسَـلَّكَةِ النَّظَرات
تُرَفْرِفُ عندَ الجدارِ الذي يتدلَّى
قِطْعَةً قِطْعَةً نحوَ أحلامِها
وَهْيَ تمضي، ومازالتِ الخطوات
في تناوبِها تَخْدِشُ الصَّمْتَ، كانَ الصَّباحْ
كالقتيلِ على السطحِ منتظراً قاتليه
وتهتزُّ صفصافةٌ في الضجيجِ وتحتدمُ العرباتْ
جاهلاً كيف يأتي، تَعَلَّقَ بالعَجَلاتْ
تتعلَّقُ في زمنٍ مُقبلٍ أجْهَلُهْ
انتظرتُكِ معنىً وحيدْ
حين تُبْصِرهُ مقلتاكِ سَـيَجْهَشُ سِـرَّا
أنتِ لن تعرفيه
من خلالِ الزجاجِ الوثيرِ الذي ترفعينهْ
خللَ الضَّجَّةِ، الثرثرة،
وقشورِ الكلامِ التي تَغْتَسِلْ
في بحيرةِ ضحْكْ
حينما ترفعينَ الزُّجاجَ الوثيرْ
في مسيرةِ هذا القطيعِ برأسٍ وحيدْ
في مسيرةِ هذا القطيعِ، وعيناكِ راعيتان
[. . . ـوَ] نهرِ الليالي وعُشْبِ القَمَرْ
الزجاجُ الوثيرُ ودغدغةٌ تبعثُ الحُلُمَ المُزْدَهِرْ
بينَ عينيكِ رقْصُ ضبابٍ وآهةْ
أيُّهذي البراءةُ، عشتارَ رُعْبْ
أيّهذي البراءةُ، عيناكِ حُكْمٌ رهيبْ
لَحَظَاتٌ من النارِ أهبطُ فيها
وتنفلتُ الأرضُ أبعدَ مني
وتنفلتُ الأرضُ قاذفةً بي الى عُتْمَةٍ مُكْفَهِرَّةْ
[تغورْ] . . .
يا انتهاشةَ كلِّ الطيورِ رفيقةِ نومي
في ضياعِ البراري ابتداءُ البحارِ
يا مناقيرَ من حَجَرٍ ساخنٍ تتنزَّلُ
في الخروجِ من الموجةِ المزبدةْ
عَبَقُ الإختلاءِ كذكرى أخيرةْ
[كسِـرٍّ] بهيجْ . . .
[. . .] عينيك تمرحُ عند حقول النجوم
[. . . ـدورُ] المصعِّدُ موجَتَهُ
[. . . ـادٌ] نقيٌّ ونارٌ تحاصِرُني
إنَّ هذا العناءَ الرهيبَ وهذي الدواليبَ نحنُ
لقد مرَّ فينا لأنَّهُ منّا
بينما كانتِ الذاكرةْ
تُرَتِّبُ أثوابَ ذكرى
كان يَعْبرُ فينا كخيطٍ شفيفْ
راسماً فوقَ مائِهِ ظِلَّيْنِ محترقَيْن
جُمْجُمَةْ
وبياضٌ تَعَفَّرَ، أَيُّ مداهنةٍ!
الزمانُ عصاً . . .
للأكفِّ التي بُتِرَتْ
عَبْرَ أيِّ الحواجز أمرقُ حاملاً النارَ دونَ انطفاءْ؟
عَبْرَ دهليزِ أغنيَّتي الأسودِ المتأرجحِ فوقَ الظِّلالْ؟
أنا أَتْقَنْتُ لُعْبَةَ مَوْتي ومازلتُ أَجْهَلُ حُبِّي
بَيْنَ ما أَشْعُرُ الآنَ أو بعدَ وقتٍ طويلْ
لن يكونَ سوى ما أكونْ
ذلك المشتهى الصعبُ حين أُحَطِّمُ جُنْحَ الليالي
وأمرقُ بينَ المخالبِ نحوَ دمِي
حيثُ أرتَعُ في عرشيَ الأخضرِ المتلأليءِ محتفظاً
ببقايا زمانٍ يقدِّمُ قربانَهُ بصَلاةٍ مُيَبَّسـَةٍ في الشفاهْ
ببقايا زمانٍ مغضَّنْ
بقليلٍ من الحُبِّ قبلَ السؤالْ
وتنعطفُ الذكرياتُ الى الذكريات
لقد شَنَقُوا في فمي كلماتي
[. . . ملائكةُ] [الهاربين]
[. . . ـادِ] المساءِ الرطيب
[. . . ـرّ] أجنحة الرمل
[. . .] هي الوُجْهَةُ الثالثة
بَعْدَ أن ينتهي البحرُ والأتربة
آه لكنَّ هذي الخطى المتستَّرةَ الآنَ عندَ الضفافْ
ستغسِـلُها موجةٌ غَسَـلَتْهَا قديماً
صورةً شائهة
يرسمُ الضوءُ فوق الجدارْ
ويحرِّكُ إصبعَهُ في هدوءٍ رهيفٍ على المائدةْ
ما أنا غيرَ صمْتٍ يفتِّشُ عن كلِمةْ
غيمةٍ هائمة
في سماءٍ يؤججها الإنتظار
ضِحْكةِ اللازَوَرْدِ على موجةٍ مُعْتِمَةْ
إنَّ طَبْلَ عروقي يَجِيْشُ بأنغامِهِ الصامتةْ
ومن بينِ هذا الزجاجِ الصقيلْ
موجةُ الحُلْمِ تَصْعَدُ نحو ازرقاقٍ يشبِّعُهُ العِطْرُ بالهمساتْ
كيف أَشْـحَـذُ حُبَّـكِ؟ إنّي نسيتُ اللغات
بأيِّ اللغاتِ أُصَـعِّـدُ هذا اللهيبَ؟ بأيِّ اللغات؟
الفراغُ هو الحَلْقةُ الذهبيةُ بيني وبينكِ، مأذونُ عرسٍ يزاوجنا
الفراغُ يَدُقُّ، الفراغُ يجيشُ، الفراغُ يقول
الفراغُ هو البحرُ، هل تبصرين اشتعالي؟
الفراغُ هو النارُ، نفسيَ عنقاؤُهُ
ومبلولةً تخرجين
دون أن يوجد النهر مبلولةً تخرجين
أيَّ جِسْرٍ من الوَهْمِ أبني إليكِ؟ وأيَّ طَوَافٍ على الكلمات؟
ما أنا غَيْرَ صَمْتٍ يُفَتِّشُ عن كَلِمة
كذبةٍ تتغذّى على اللهبِ المتورِّدِ،
شيءٍ بلا أيِّ شيءٍ،
وجودٍ يطوِّفُ محترقاً،
لعبةٍ،
ضِعْتُ، ضُيِّعْتُ، عِشْتُ،
نُقِشْتُ على حائطٍ،
لم يكن لي زمانٌ
أنا هو تأريخُ موتْ . .
ورمادٌ صديءٌ على عُـلْبـةٍ فاخرة.




مهدي طه
البصرة 1975
























مـهـدي طـه


قصائد أخرى


















1

حلم قاهر في مرور المدن


حلم قاهر في مرور المدن
على الطرقات ذراعان عاطلتان
وتصفيرة ٌ تنثني في اضطراب
تموّج مثل الزمن
يتفلّت من ذاكرة
بقليل من الإندهاش
غافياً قرب جدرانيَ الصدئة
دونما عاطفة
شرهاً سأحدّق في كلّ شيء
سأخرجُ حراً الى الطرقات ودون مخاوف
سأحدّق في كلّ شيء
ربما سبقتْتي وخلّفت الطرقات بعتمتها الكهلة






2

سوف يبكي طويلاً

سوف يبكي طويلاً
بادئاً غصة الإنشداه
دون لحن يجيش، يجيش
موجة متألقة لا تعود لبحر
ترتقي، ترتقي
إنها تدخل الآن فيه
واقفٌ في مداخله، زاهياً
باسماً مثل مليون فجر
ذراعاه إغفاءة لا تقاوم
قبلةٌ دون فم
ترفُّ ولا تستكين
أيُّ حقدٍ دخيلٍ أتى
فجَّرَ الآن آه
يا محبتنا
آه يا للجفاف
عمَّ هذي الحديقة
والبقايا تخاف
فلكلًّ طريقه
يا سقوط الإله
يا محبتنا
3

أغنية الى الحزن


أيّهذا الغِراء الجميلُ العكِرْ
ويا أنتَ ---تفاحةٌ تتنزى
بعيداً تضمُّ من الشهقات
هيكلاً لا يدنَّس
أيُّها الأسود الخطوات
ضُمَّني بانتشاء
أحبُّكْ












4

وتتعب


. . . وتتعبْ
هكذا أنتَ تتعبْ
لا لشيءٍ . . . لأنَّ سواكْ
توَّجَتْهُ يداكْ
ويُرْمِضُكَ الآن هذا الوَجَعْ
أجَلْ، إنّما موضعُ الجرح دون يدين
ضاعتا منكَ أو منهما أنتَ ضعتَ
ويبقى الجبينْ
ساحةً للخيول التي تخرقُ النافذة
والجدارَ ومصباحَ ليلكَ في شارعٍ مكفهرٍّ
. . . وتتعبْ








5

ذلك الهيكل المتخشب أعمدة وحرير


ذلك الهيكل المتخشب أعمدة وحرير
في الفضاء المحوَّل رقصاً وزغردةً
تتسلل حيث الضياء الذي لا ينير سوى بقعةٍ
يقف الهيكلُ الأبيض المتجسد في كل تلك الشموع
المباركةُ الهمجيةُ في الدف والصرخات
هكذا هي تغرقُ، تغرقُ وسط الضباب المفح
كالغريق الذي اخترقتْهُ المخاوف في ذروةٍ
كانت الكف صاعدةً هابطة
مرنّحةً تتضاءلُ حتى تموت الى جانبٍ
بنوحِ العذارى على بقع الدم فوق الفراش الحريري
من الكف وهي ترتّب أحلامها
كأسرى الغناء الى كلّ نعش
كانت الكف تلتف حول الجسد
مهدهدة في رحيل العواطف
بشطآنها البيض تحتجب الآن خلف السواد الكثيف
اللهيب الذي يكتسح
وجهها الشاحب المتستر بالقدمين
ويقفز فوق الوجود، لهيب كما البحر ينبع وسط الظلام
شعاع يشدُّ العروقَ اليه
وفيما النواح يصعَّدُ ممتلكاً كل شيء
تتسلل غيبوبةٌ في انتباه العروق
بكاءاً من الفرح العاصفيّ





















6

منكِ تعلمتُ هواياتي


منكِ تعلمتُ هواياتي
أن أجمع فرشاة الأسنان وأسنانَ الموتى
[. . .ـهما] في نفس التكشيرة
[. . .] للنافذةِ الزرقاء ونحو الشارع
[. . .] أعطيها أسماء جميع السحرة
[. . .] أني أركل إغراء الفجر وأسحب شَعْرَ الليل
[بحواشي] الشجر المثقل بالشيخوخة ذات الثوب الأسودْ
[آلاف] الشيخوخاتِ كآلاف الأجراس وآلاف الحرّاسِ المنتثرين
[فوقَ] قلاعٍ لا تحصى، بيضاء تئنُّ بشعر الليل ومَحْنِيَّةْ
[تعبق] فيها الأمطار الشبحية
في كل نوافذها المطفأة الصدئة
حمراء الحدقات [. . .] قُدْرَةِ هذا البحر
طبقات غبار كلحى إسفنجية
خطواتٌ، خطوات، خطوات
آلاف الأجراس، وآلاف الحراس المصلوبين
أوّاه، ومنكِ تعلمتُ هواياتي
[أن] أجمعَ أجسادَ الموتى جنبَ الريح الكلسية


7

الإنقضاض


[في الرمال] التي هي كل ّ المطرْ
رقعةُ البعث والإحتضار
ودويُّ الجحيمْ
في الرمال التي هي كلّ المجاعة والإرتواء
والحدودِ التي لا تطالْ
وضفافِ نهيراتِ دمْ
مبقَّرةً، في الرمال التي هي نارْ
بين ألسنة اللهب البشري
ما الحقيقة؟ ما الوهم؟ بين سواد الدخان
ووميض الرصاص وتعريشة الطائراتْ
تقشّرَ جلدُ الزمانْ
ومعاً نتقاسمُ هذا السؤال الرهيب
بين صرخة رعبي وصمتِكَ، بين الجفافْ
الجفاف المفتِّح باباً خلالك يدعوك منهُ
لا أجيدُ الظلال حواليك، [تَعْرى] من الظلِّ، مني
تشقّ السكون، تلفُّ ذراعيك حولي، وبين الرصاص وبقِّ البِرَكْ
والطيورِ التي نسيتْ موسمَ الإرتحالْ
يصمُّ صراخي الأفقْ
أَوَ تعرفُ؟ كنّا نسير معاً
يدي حول خِصْرٍ. أليسَ غريباً نسيرُ معاً؟
يدي حول خصرٍ وحول الضفة
تحلَّقَ بعضُ الزَّبَدْ
أمسياتُ المذاق الغريبِ، وطعمُ مفاجئة الموت بعد رجوعٍ حميمْ!
يدي حول خصر وحول الضفة
الصخور وجذر الشجر
متخماً بالترابِ واغصانه في النهر
وَجْهُ موتى تشرَّخَ وامتدَّ ليلَ قصب
حافلاً بحياة من النار صارخةً تنتثر
يدي حول خصر—أتعرف—يا للغياب!
يدي حول رأسٍ، وأُجْهِِضَ رَحْمُ النظرْ
في انزلاقٍ الى بِرَكِ الصمت في آهة تنحدر
لا تنمْ، فهي ترقبنا
المرايا التي [في] الدهاليز [. . .] تجهل عمق الدهاليز تلك
أيُّ نهرٍ تكشّفَ عنه الصباح الكثيف؟
أيها العابر الآن بين الظهيرة والجذوة المطفأة
أيها المتعلق بين العيون وبين نوافذها الصدئة
أتمنحني السرَّ قبل الغياب؟
يا لَعُقْمِ النهايةِ إذ يستجيب الذباب
وكأنَّ الجسد
حين مرّر كفيه فوق تراب الخنادق مغتلماً
حين عانق عينين مخضرّتين وراء ستار اللهبْ
ما تشهّى يواصلُ نَحْوَ الأبدْ
لا تَنَمْ . . .(كفَّ عن أن تردد هذا الأنين
يجرّ خطاك الى الصمت فيكَ
كما أن صوتي يميت صداي ستفنى
اليد المتصاعدة المطبقة
ليس لي أن أريها، أعدها الى الجرح فيك
فهو يصرخُ، لا أنتَ، كفَّ عن الإرتعاش
عن ضبابيّة النظرات)
عَبَرْنا، صديقي الجريح،
عَبْرَ هذا التشابك بين الصلادة والموت،
بين الجحيم الذي يحترق
بعيداً، عَبَرْنا إذن بين ذوبِ الحديدِ يُقَطَّرُ كالنَّفَسِ المنسرق
وانحناء المدافعِ، ترقبنا، لا تنمْ!
كلُّ شيءٍ صَمَتْ
والرياحُ حَنَتْ قسوةَ الظَّهْر فوق الجسد
أنتَ متَّ، وعادلتَ توقك بالمدِّ في الرمل،
عادلتَ وجهك والسرَّ بين اصفرار الصحارى وبين الدخان
نمْ إذن، هكذا كالسقوط البطيء، بأعنف ما يملك الإرتجاج اختنقْ
كلُّ شيءٍ تعلقَ بي
متْ إذن
فالمجنزرة القادمة
إنما هي لي.




8

وَقَفَتْ تتزيَّن


وقفتْ تتزينْ
وأمام المرآة
وقفتْ أشباحٌ خمسة
ترقبها في صمت
حدقاتٌ فضيّة
وخطوطٌ عشوائيّة
فوق المقعد في الظل
حيث النور الشاحب
في الطرف الأقصى
يتدلّى في [قعْرٍ]
وقفتْ تتزيّن
جسدٌ شفّافٌ في عتمة ليلْ
آخرُ لمسة
وانفرجت شفتاها
حيث النار
من نافذةٍ
تتدلّى في وجهٍ وحشيًّ
صرخة
جسدٌ شفّافٌ في بِرْكَةِ دمْ
رعب الأموات تطلّعَ منه
حيثُ رقدتْ [مبتسمة]!






















9

الرؤوس الصغيرة في قلبها المخملي

الرؤوسُ الصغيرةُ في قلبها المخمليّ
وحدتي ورياح الخريف
التي سوف تقرع بابي وتخطو الى دفئها في الظلال
وستنضو الغبارَ وعطرَ المطر
وستنبتُ كالشوكة المستحيلة
هكذا ستجيء الطيور
الشجيرةُ قامتْ على باب بيتي بوحدتها
مثل ظلك يخطو على جبهتي والجدار
متخماً بالزهور وخبث الدماء
ويد الصحوة النائمة
يا افترارة ثغرٍ بلا أمكنة
صوّحتْ خطوتي، للحديقة إزهارها،
الشجيرة قامت على باب بيتي بوحدتها
كالوجوه التي تتحلق حولي
حينما توصَدُ المدن المغلقة
في العشيات، بعضُ النسائم منها
تتألق موجعةً . . . ليس للظل غير البكاء
لليالي الجديبة حرقة ريحٍ وحيدة
إنه البحر، دهليزه الزبديُّ على المقبرة
راعشاً أسوداً يتحرّكُ في رفةٍ واحدة
10

الجوع


عَلَّكَ الآن قربي
وأجهلُ هذا،
لقد غسلوني الى آخر الدم فيّ
ولكنّهم واصلوا شجني
يا صديقي الحزينَ كما أنتَ
أغلقَ أبوابَهُ كلُّ شيّْ
لأسمِّرَ في واجهات المداخل نفسي،
وأصرخَ حين تعودْ
وإذا ابتكر النهر ثانية لعبةً للغرق
سأضمِّخُ كفّي بدمّي
وأصرخُ من غرقي . .
إبتعدْ
أنتَ ألقيتَ تلك العصا
لتشقَّ لك القبرَ،
فالتحفِ الآن تربتَهُ
نَمْ كما تشتهي
لا تُواصِلْ، لأنَّ أنينَ الرحيلْ
هو أكبرُ من أنْ يُضَمَّ هنا
هل أقول وداعاً
وفي شاحنات البريدِ افتعلْ خبراً
[. . .]
كلُّ شيءٍ حزين
ومريرٌ كطَعْم الجسد
نزَّ في عريه الدمُ في غرفة مقفلة
في جدارٍ بعينينِ شاخصتين
باصفرارِ الشموعِ ترعِّشُها الليلةُ المثقلة
ترجُّ لزوجةَ تخمتِها، [وتثورُ]
لكي تتمرّغَ في وهدة القتلة
كلُّ شيءٍ حزين
شاخصٌ كدمي نحو لائحةٍ لا تُرى
حيث لاشيءَ يمكنُ أنْ يُلْتَقى كي يُحَدِّدَ شيّْ
الزوارقُ لا تنتظرْ
أن تكفّ المرافيءُ عن أن تكونَ المرافيءَ
لا أنتَ هاجرتَ في زَغَبٍ للشواطي
في بقاياك تَعْلَقُ تلويحةُ الشالِ فوق الرياح
ويعلقُ خوفُ الدموع التي تشتهي الإنهمارْ
مثلما أنتَ أُرْعِشَ قلبي
أقلتُ بأنك قلبي
أقلتُ بأنك قد لا تعود
وأنّ اللوائحَ تنشرُ صورتكَ الشائهة
ما الذي في قرارة كأسي أعادك لي؟
أنتَ لستَ الفصولَ ولا عابداتِ الفصولِ
وكأسيَ؟
أخشى مطاردةَ الأخيلة
مثلما انتَ تخشى صهيلَ الخيول ورائحةَ المطر المثقلة
ما الذي بين كأسي وبينك، من ذا يواصلُ بينكما،
جوعُ جرحي أم المقلةُ المطفأة؟
أم مخاوفُ أن تنتهي وأحسَّ فَناءكَ
قبلَ إيابِكَ من هجرة الموج [. . .]
يسرعُ القاتل الأزلي
[أرى] أننا يا صديقي
[ستفرقنا مقصلة]
فكما يولد الشجن الأزلي
نبتْنا مع القتلة
ما الذي في قرارة كأسي أعادك لي؟
أقلتُ ستورثني شجني؟
أنت يا من معي كنتَ تنبتُ بين النوافذ في رهبة الأسئلة
كنت مثلي تغادرها في ضما
لتقذف أضوية الطرقات بسيل سباب
أنت لست الفصول ولا عابدات الفصولِ
وكأسيَ . .
أخشى مطاردةَ الأخيلة

أنت تخشى صهيل الخيول ورائحة المطر المثقلة
ما الذي بين كأسي وبينك؟ من ذا يواصل بينكما
لتجوعَ الجراح،
لتزدهر المقلةُ المطفأة؟
لكي تنتهي، وأحسَّ مخاوف موتك
قبل إيابك من هجرة الموج [. . .]
يا صديقي الحزينَ كما أنتَ
أغلقَ أبوابَهُ كلُّ شيّْ
لأسمِّرَ في واجهات المداخل نفسي،
وأصرخَ حين تعودْ
وإذا ابتكر النهرُ ثانية لعبة للغرق
[هنا] في البلل العطن الأخضرِ
مع السمكِ المتيبّس قُشِّـرَ حتى نهاية انفاسِهِ
سأضمِّخُ كفّي بدمّي وأصرخ من غرقي . . إبْتَعِدْ
وإذا اُبْتَ بعد فنائي سيصرخُ ملحي الذي جفَّ، هل تجتهدْ؟
أن ترى الواجهاتِ أو الشاطيءَ المتخثِّرَ تحت الظهيرة
أن ترى عطشي يحترق
ورمادي يدبُّ بعينين ذائبتين خليطاً من الرمل والخضرة الفاقعة
أيها الكَهْلُ يا وجعي
أنت أشقرُ كالروح، أشقرُ مثل المراثي التي لن تكونْ
مثل أوبة أيِّ زَبَدْ
تَلَبَّسْـتَ في زغبٍ للشواطي
بين حُلْمي المرمَّل دون حداد
كنتُ أبعثُ نحوكَ طيري الجميل
وحصانَ النحاس الذي صنعتْهُ يداك
بين برٍّ عريضٍ وفي العُشْـبِ بين التلال
لتجمُّعِ جِلْدٍ أذيبَ "لقد كنتَ تصنعُ أشياء أجدى""
بعينين ميِّتتين حصان النحاس
لا يريدُ الصهيلَ بأحشائه الخشبيِّة تحتَ الضياءْ
في أمرِّ الظلالِ التي تتقاتل حيث السحب
تدوِّي مبقَّرة باحمرار كثيف "لقد كنتَ تصرخُ هذا هديرُ البحارِ
البعيدةِ"، لكنْ لَكَمْ أنتَ تنسى!
فبين طراوة سقفي الحديديِّ أَنْبَتَّ كفَّيك "أذكرُ عينين جائعتين
لمَيْتٍ تهاوى مفاجأةً تحت مقصلةِ العاصفة
لَكَمْ رُجَّ حتى تفتَّتَ مثل الورقْ
وكنا معاً عابرين وحطَّ اسوداد الجسدْ
فوق ضحكتنا الميِّتة
ورفيف الصراخ
وعلائمُ أخرى كمِثْلِ التمائم في رهبةِ الخُضْرةِ المعتمة"
يا رفيق المجاعة، ما كانَ لي أن أَهَبْ
جنونَكَ غيرَ الوصايا التي أسْـقَطَتْني إليك
أن أحطَّ تطلُّعَ عينينِ فيكَ،
وأن أنتهي حيث تبدأُ أنت









11
َ
إمرأةٌ - غراب


خطى على السلالم المهدومة المدورة
إمرأةٌ – غراب
تنعق في أطلالها الشوكية الصفراء
بهالة النحاس . .
تغيب في الممرات التي تشبه أفواه الجثث
وتشبه الخوف الذي يطفح كالزبد
والرنّة الأخيرة المسكوبة
لمطرٍ بليد
من ضجر الكأس ومن تعانق الساعة والجدارِ
(ما أبطأَ) هذا السمَّ ياروحي!
هنا على البحر الذي يعزل لي كوخي
هنا على البحر الذي تسرجه الرياح
لأجل لاشيء أرى وسوسة الأمواج
وجوه صبية تصفُّ في النهار حيث الشمس والبنادق
يشكلان كوة النمو والعوالم الجديدة
فوهة البحر وموج الإحتراق
طراوة الثلج ونار الدم
تنام في يبوس شعر الجلد
يهوي على المائدة المجذومة العينين
يسيح، يمتد، يفيض، يخلق التبقع الرهيب
يزاوج الخضرة بالرماد والروائح المنتنة
خطى على السلالم المهدومة المدورة
[. . . ـتملُ] النافورة
[الدنسَ] الخشنَ، طراوةَ اليد المعقوفةِ الأطراف كالجوهرة المخبوءة
في معطف الغائب في الزحام
أريد أن [أُحِسَّـني] منتميياً [إليك]
أريد أن لا أحجب الوجه الذي نمتص
يا فاتحاً مروحة الشقاء كالمقصلة المرشوشة [. . .]
عَمِّقْ وجودَ الظلِّ مرسوماً مع التعمق الرهيب
عُمِّقَ كلُّ ما هنا حتى حفيف الريح صار حائطاً من نار
أنا الذي يركض تحت إبط الأضوية الثقيلة البيضاء
بمعطفي القديم كالتربة في تكهن الأمطار
[سملت] عينيَّ لكي تمتد من جديد
لكي يعود النبع يرسم الممر لي لكي أعود
في غير هذا الماء
أبحث عن وجهي الذي لم يكن
وكانت اللعنة
[ستمرق] الرياحُ، إنني أرى يداً بلا منديل
في شاطيءٍ بعيد
في [وقدة] الحب [التي] تشتد
نقرأ فصل الموت من جديد
أوّاه يا من كنت فيه [النهر يحسن الغرق]
لأننا لن نملك الأرض سنملك العدم
12

مرةً زُرْتَني عند كهفي الوضيع


مرةً زرتني عند كهفي الوضيع
طراوة كفين بحرُ حُلِي
وعلى العشبِ كوَّرْتَ أعضاءكَ الهرمة
وانتأيتَ وعدتَ بأقدامك الباسمة
لجةٌ من صخب
لدْنة وشهية
كالظهيرة من كرةٍ معتمة
في الأعالي التورّدُ وسْطَ خفوت الذهب
أيها الفخّ، يا خفق عصفورةٍ في يدي
عبر قلبي، ألن تنتئي مرة جسدي
غَضِنٌ يتثنّى خلال الغصون الطرية
غضنٌ كالأماسي الندية
تكوَّرْ هنالك منتئياً فيَّ حدِّقْ
أيها الفخّ، شيءٌ يمسُّ جبيني





13

مرةً — ربما أنت لا تذكرين— تواصلتِ الكلمات


مرةً — ربما أنتِ لا تذكرين— تواصلتِ الكلمات
من رصيفٍ توَحَّل حتى الزجاج الوثير
بين عينين كلتاهما عمه وصيام
مرة فاز هذا الطريد المشاغب ظله
بالذي كل هذي الحشود اشتهته
نظرةً . . قدراً . . خنجرين وعشقاً صموتْ
تمطّي لياليه حتى تصير صلاة
ترتجي وهي تخشى انتباه الإله
فلْنبِعْ ثوبنا وَلْنَسِـرْ
مثل أبهى غريبين نحو احتفاء
إنَّ للنبذ طعمَ سماء تموت
أنتِ يا من خلالك ترتحل الكلمات
ويا من تُعَرَّيْنَ كي تكتسي لسواك
تجلسين وراء الزجاج العتم
أنت يادميةً أجمل النظرات لها
[. . .] سماءِ العدَمْ
[. . .] كان قبلاً فماذا امتلكنا
[نشوةً] خََدِرة
[من] خلال السماوات صفراءَ، أم دمعةً حَذِرة؟
14

أتخيل زرقة دحرجة العربات


أتخيلُ زرقةَ دحرجة العربات
والمخاوف صفراء ترتجُّ [. . .]
بإصرارها المستحمِّ الذي قبعت
فيه أكواخهم، إنهم هاهناك [. . .]
راعشين ككلِّ المرايا التي أخفتِ [. . .]
زغبٌ يتمدد بين مسافات جلدي
زغب يتقطر كالدم من بين أعراضها
المرايا—المرايا التي لا تجيدُ الصُوَرْ
أشعلوا شمعةً، قطرةً، عَدَماً، جَبَلاً، أملاً
إقرعوا طبلةَ ألأرض، دقّوا على جسدي
إنّها الومضات تؤكد لي
أنني مقبل من جديد وهم هاهناك
بإعصار ما لستُ أدريه منطرحين
أشعلوها فقد بلغَ الزمنُ الآن [لازمنَهْ]
نشيجٌ، صخَبْ
[. . .]



15

تمرُّ الجنازة بيضاء في خشب ٍ أسود


تمرّ الجنازة بيضاءفي خشب ٍ أسود [زلقة]
تمدُّ ذراعين طيِّعتين
تمرُّ الجنازة في عتمة مكفهرّة
[. . .] وتلقي الزبد
[. . .]
سوداء، صفراء، محترقة
تمرُّ الجنازة ظهراً حنيّاً وعينين مغمضتين
[تمرّ] الجنازة، يمتدُّ تشييعهم
[. . .] وسِرْبَ عجائزَ درداء منهمرة
[. . .] الجنازة متبوعةٌ بدويًّ جحيمي
[. . .]








16

الأبديَّـة


أنتِ وراء الشمس
عينان بلا شفَّافية
تجرين وراء الساعات
وجهُ وحشي
يلهث مغتلماً بالماء
فوق الصخرة في يتم اليم
وعلى المطر المذعور
تغضين، وفي كل الساعات
ومض الوجه القاتل
وشهيق الأرض العاتي
ما عدنا بشراً
روح أخرى حلت فينا
لا قوتٌ، لا وعدْ
يتحلّبُ بين غبار الصدأ الخارج من أنف
بعض دخانٍ ورديًّ ذاوٍ
مستنقعُ مهد
يتقطّرُ . . ومض السهدْ
وعبور النار
بعض دخانٍ ورديٍّ ذاوٍ فوق الكفّْ
في الفجر جناز
يتهفهف كالدمعة فوق الريح
عنق مسود محمرّْ
بين عمودين يجوس
حانوت الموتى المفترّْ
[. . .]
قوتي والنظرة والوعد
لا تتركْني في يمِّ الدمع
لا تتركْني للإحصائيات
خفقُ الأجنحة الهائل
خفق المطر المذعور
بشهيق الأرض
خفقي لمذبوح
أقسم أنّا ما عدنا بشراً
روحٌ أخرى حلّتْ فينا
ماذا يجعلُ هذا اوضح؟
أن لا تصغي لي، أن لا تعرف
ياحبي، أَتَعَلَّقُ بين الريح
لكنْ لا شيءَ سيعتقني
مثلكَ أنتَ وهذا الرأس
إذ يغفو بالحلم على مائدة ما
لا يملك إلا أن يحتجّ [. . .]


71

كن جرساً يا نهر


[. . .]
كن جرساً يا نهرٌ، يا مملوك
الجسد الغائص فيك استجدى النجدة
حتى الطفل على الرمل
يعشق أن يرحل
لم تسمعْ أيَّ هدير
والزورق فيك
نُسِـيَ، ابتعدتْ خطواتُهْ
هو بين عروقكَ يسري
تدفعه الأمواجُ، الجسدُ الخجِلُ










18

أصغِ يا أيها النبع لي


[أصغِ يا] أيها النبع لي
وانتفضْ فيَّ مغتسلاً بدمي
أنا في الليل دون دثار
[ويومض] وهْجي، فهل يلتقي
[حفنةً] من حنين الرماد التي لا تزار
[في] محجّة كأسي أفيق
وأمازجُ خمري ووهْجَكِ، ألحظُ في شفتيك،
[في] الرياحِ العميقةِ، جمهرةً من غناءْ
تتوسّدُ كفّاً من الليل ممتدةً
ووميضُكِ يجترُّ [شحمَ] العراءْ
ثقلها يتطلع نحوي
قمراً يتسلق موجاتك الشاحبة
وهي في خفّة النصل تحتزُّ خافتةً عنقاً
[وعلى مغزل] الطرقات [ينسّجُ] أهواءه العادلة
من غياب بريق العيون الى المقبلة
ليلةً كُحّلتْ بالظلامات مختزلة
رجل شاحب وامرأة
طعمها الليل ينجب في الطرقات
ظلماتٍ تقاتلها ظلمات
ظلمات تفتّتها ظلمات
وظلالاً وما ليس يحصى عبوراً
وانعتاقاً لما سيظل
وهجاً رمَّدَ الليل مستدعياً خطوات



















19

كيف لي أن اصدِّق أنّيَ آمنْتُ بي؟


كيف لي أن اصدِّق أنّيَ آمنْتُ بي؟
وأنّي لمسْـتُ الجذورْ
وأنَّ الليالي التي حملتْني على متْنها غَسَـلَتْني
في الدموع البريئة منها مع العري قدام موتي
في تطلع عينيّ نحو المضي الذي يتبقّى
[. . .]
أنا بَدْؤُكِ، أنتِ انتهائي












20

مقتطفات


نار معرفتي
أحرقتْ
قشَّ معتقدي

أعشق الإمتداد على البحرِ
حين يكون بلا ساحلين

كلُّ ما أملكُ من دنيايَ ما قلتُ،
إذنْ صِفْريَ قبري










21

إعادة رتيبة لسـيرة الملك الضِّـلِّيـل


خذ كلابك للصيد يا سيدي
فالقطيع الذي صدْتـَه جالباً لقطيعْ
دعْه يرقدْ هناك بأمنْ
دعْ عصايَ ، خطايَ ، تجدْ نبعها
فماذا أقول لهذي الليالي
وهي تجري أمامي بعري ٍ شهيّ
سوى أنّ لي سيـّداً ولديّ قطيعْ؟
تمرّغنَ باللحم ِ يا نزواتْ ،
تلفـّعْـنَ بالضحـِكاتْ ،
تثنـّيْـنَ ... كـُـوْرٌ محَـمَّـلْ ،
تراقصْـنَ كالصَـبَـواتْ.
آه ِ ما أبعدَ الإشتهاءَ وما أوحشَ الطرُقاتْ!
خذ كلابَك للصيد يا سيدي
تحفّ مهللةً بكَ ،
منذا يلـفــّعـني ،
إذا جُـنـّتِ الريحُ ، هذا الرداء؟
وماذا يطاردني ،
وقوسي يفتـّـش عن صيده ِ ، وسَـط َ الغابةِ المُـسْـتكنـّةِ ،
يجعل من جنحِ عصفورةٍ كفناً للضياء؟
صرخاتي التي لستَ تعرفها ،
ذبالة خيلي وصيدي ،
ومائدتي في العراء مرقـّصةً برنين الكؤوس.

يا نجيّـة َ نفسي من الصعب أن توقظي فـَرَسَ الروح كلّ مساءْ ،
وعبْرَ تثنـّيك ِ تنفلتينْ ،
يا نجيّـة َ نفسي ، فكأس الهمومْ
مرةً علـّـمتْني بأنّ النجومْ
تخومُ الليالي التي تتناسل شاطرة ً عـِقْـدها.
وأنّ النجومْ
تتبادل في حمأ وجدها.
إستديري إليّ كأفعى ضياءْ
وخذيني طريقاً الى حيث ترتحلينَ ،
أنا المتدثـّر بالنار خوفَ اصطلاءْ.

إرثهم بي يحدق من كل باب
عيون ، جلود ، أيادٍ مغمسةٌ
بمستنقع الدم والشعر في الطرقات

إن هذا العمى
يتشهى دما
آه فاندفقي ياجموعاً مقربةً
إذا قارب العمهُ النصلَ بينهما

طريقان بين ارتوائي وموتي
طريقان ، آه ، ولا تحفل الريح إن عبرتْ ،
أن تقلب رائحةً ،
آه ، حتى الرياح اشتهت ،
حين مرت على بدني ،
عبيراً ،
وتعبرني خوف أن تتعثر في عفني

إقلب الكأس ، هذا أوان الأمور
أمطرت دمها
أيها المرعد المتخبط في دمه
قد أنيخ لديك الرحيلَ
لو اني وجدت بقاياك فيَّ.
دمي يتوثب حزناً ،
ومثل الرماد
أقلـَّبُ فوق الرمال فألقى اكتوائي.
ياملايين أكذوبةٍ تتقمص رأسي
عراؤك والإستباحة والضربات


يا أباً لادماؤه كنز ولاشفتاه
بقصاص الجروح تحاور هذا المدى عن مداه
قصاص ارتحالك عني الى حيث ما عدتُ أقوى على أن أقول سواه
أو أكون سواه
رحيلي الذي لستَ تعرف بدأه من منتهاه
انتهاء الى نعشيَ الدمويّ.

أيا جارتي إننا في العراء غريبان
وحـّـدَ مابيننا ، في السيول التي تلتطمْ ،
أن فينا اتحاد الرغائب يسري ،
وأنا معاً نتقرى ،
وفي همسة نلتحمْ.

فأرتدّ لكنّ ساقين مصعوقتين
تقفان أمامي
إشارةَ موتي ، وأبعد ريح انهزامي.



مهدي طه
البصرة 1974 - 1975



حيدر الكعبي شاعر عراقي مقيم في الولايات المتحدة
kabial@memphis.edu





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ثُنائيِّةُ أَسَد بابل
- عَلَى عَتَبَةِ التَدْوين
- تعال نحلق فوق عش الوقواق
- عبد الحسن الشذر
- الخَلْق
- صور عائمة
- محمود البريكان ومسألة النَّشْر*
- أسطورة الغريق
- الكل لا يساوي مجموع الأجزاء
- أتَحَدَّثُ عنِ المدينة
- إلى من ينشرون باسم حيدر الكعبي


المزيد.....




- هل يلجأ راخوي إلى سلاح المال ضد انفصاليي كاتالونيا؟
- 26 دولة مشاركة في مهرجان الأفرو-صيني بمصر!
- أشهر من لعب ادوار الشر في “الوجه والقناع.. أشرار السينما الم ...
- الشارقة: 25 اكتوبر حفل افتتاح معرض جائزة -نون للفنون-
- ًصدور الطبعة العربية من (موسوعة تاريخ الأدب العربى: الأدب ال ...
- ورشة عمل مخصصة للمكتبات في معرض الشارقة للكتاب
- صدر حديثا لابراهيم الكوني كتاب -موسم تقاسم الأرض: سِيرةٌ في ...
- رحيل الأديبة والفنانة التشكيلية المغربية زهرة زيراوي
- فنانة أردنية تحتفل على الهواء بعيد ميلادها قبل أوانه
- سرقة الشاعر الفلسطيني محمود درويش


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - ديوان مهدي طه