أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم حجاج - الاغتيالات السياسية فى المسرح المصرى















المزيد.....



الاغتيالات السياسية فى المسرح المصرى


ابراهيم حجاج

الحوار المتمدن-العدد: 3112 - 2010 / 9 / 1 - 20:53
المحور: الادب والفن
    


بسم الله الرحمن الرحيم
ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق
صدق الله العظيم

تعتبر جرائم الاغتيال السياسى من أخطر الجرائم الإرهابية ، وهى حلقة من حلقات الصراع السياسى فى المجتمع المصرى ، " وقد عرفت الاغتيالات السياسية فى مصر منذ أواخر حكم المماليك .
وكانت أول جريمة ارتكبت فى تاريخ مصر الحديثة هى مقتل " كليبر " (الجنرال الفرنسى) ، الذى تولى قيادة الحملة الفرنسية بعد " نابليون " ، وقد اتهم فيها "سليمان الحلبى " ، وقبلها مذبحة المماليك فى القلعة على يد "محمد على " ، كما حملت الفترة قبل الثورة بالعديد من الاغتيالات السياسية التى ارتكبت كوسيلة للتخلص من أعداء الشعب ، أو أعداء الدولة ، والتى كانت أما بتدبير الدولة ، أو بعض الجماعات الإسلامية " (62)
وفى الفترة محل الدراسة ، ازدادت حوادث الاغتيال بشكل ملحوظ ، وكان ضحاياها من كبار الشخصيات السياسية ، والعسكرية ، والدبلوماسية ، والبرلمانية ، والأدبية . ولعل أخطر حوادث الاغتيال التى وقعت فى مصر فى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين حادث اغتيال الرئيس " محمد أنور السادات " رئيس الجمهورية يوم 6 أكتوبر سنة 1980 . كما شهد عام 1990 عدة جرائم اغتيال أهمها اغتيال الدكتور " رفعت المحجوب" رئيس مجلس الشعب على يد إحدى الجماعات الإسلامية . وفى عان 1995 تعرض الرئيس " محمد حسنى مبارك " لحادث إرهابى فى أديس أبابا كاد يودى بحياته .
وقد تعرض الكاتب " سمير سرحان " لواحدة من تلك الجرائم السياسية فى مسرحيته " امرأة العزيز " ، والتى لجأ فيها إلى أسلوب معالجة التراث الدينى للتعبير عن تجربة معاصرة فقد قدم لنا الكاتب رؤية عصرية لقصة سيدنا " يوسف" مع امرأة العزيز ، يعكس من خلالها صورة لواقع الحياة فى مصر فى أربيعنيات القرن العشرين ، بكل ما كان يعتمل فى هذا الواقع .
وتدور أحداث المسرحية حول "زبيدة" ابنة أحد شعراء الصالات فى" روض الفرج " ، ذلك الحى الذى كان مزدحماً بالملاهى والحانات خلال أربعينيات القرن العشرين ، وقد عاشت سنوات طوال تحلم بالانتقام لوالدها الذى قتل أمام عينيها ، وهو يدافع عنها ضد اعتداء أحد الجنود الإنجليز الذى حاول اغتصابها وفى صالة " كرياكو" تتعرف "زبيدة" على "يوسف الذى يتبناه "غزيز باشا" رئيس وزراء مصر وهو صغير ، وتنشأ بينهما قصة حب ، ويتبين لها انه أحد الذين يقاومون جنود الاحتلال الإنجليزى بالاغتيالات ، وتعلم أن الكولونيل الإنجليزى الذى جاء ليسهر فى الصالة برفقة "عزيز باشا" هو هدف المقاومة فى هذه الليلة . وتساند "زبيدة" حبيبها وأصدقاءه فى عملية الاغتيال ، وينجح "يوسف" ورفاقه فى تنفيذ العملية ، ويخر الكولونيل صريعاً ، ويأمر "عزيز باشا" بإلقاء القبض على يوسف وكل من كان فى الصالة ، وإيداعهم السجن ، ليثبت للجميع أن الواجب فى عرفه أهم من العاطفة . أما "زبيدة" فيأمر بإحضارها إلى القصر ، ويجبرها تحت الضغط على الزواج به ، وعلى الحياة معه فى القصر بعد أن استبدل اسمها باسم "دلال " ، وتقبل "زبيدة" الزواج من "عزيز باشا" بشرط الإفراج عن "يوسف" .

ويعود "يوسف" إلى بيته ، فيجد حبيبته وقد أصبحت زوجة الرجل الذى تبناه ، وتحاول "زبيدة" إقناع "يوسف" بأنها قد فعلت ذلك لإنقاذه ، لكن "يوسف" يرفض هذا الحب الملوث ، وتنتهى المسرحية بعد أن تكشف عن مدى الفساد السياسى فى ظل الاحتلال ، وحكم عملاء الاستعمار الملىء بالدسائس والمؤامرات.
وبالرغم من أن النص تدور أحداثه فى أربعينيات القرن العشرين إلا أنه يعكس أحداث سياسية معاصرة واكبت الانفتاح الاقتصادى " (63)
ويرى أمير سلامة (64) أن سمير سرحان قد وفق إلى حد بعيد عندما اتخذ من قصة سيدنا "يوسف" الدينية إطارا لمعالجة أحداث مسرحيته ، فقد قصد بذلك أن يدعونا أن نتأمل الجديد من خلال القديم ، وأن نمعن النظر فى أمر حياتنا المعاصرة من خلال عالم البراءة المتمثل والمرتبط بيوسف الذى احتفظ المؤلف باسمه لبطل مسرحيته ، والذى وجد نفسه فى بؤرة صراع فى زمن اختلط فيه الخير والشر ، أو كما عُبر عنه فى المسرحية عن حق بأنه زمن الانحطاط .
لقد طرح الكاتب موضوعاً استوحاه من التراث الدينى وعلينا أن نقارنه بواقعنا ، من خلال فكرة الصراع الذى أجاد "سمير سرحان " حبكها بين عالمين متصارعين أحدهما رمز للملكية والإقطاع ، ويضم الحكام والعمد وأصحاب رؤوس المال والسماسرة ، وكلهم يملكون ويبعثرون ولا تشغلهم سوى اللذة والمتعة والمصلحة الشخصية ، والآخر رمز للفقر والمعاناة ، ويضم أهل حى روض الفرج وفنانيه ، وهم لا يملكون سوى الحب والشعر والفن. ويمثل "يوسف " فى نص " سمير سرحان" همزة الوصل بين العالمين ، فهو كابن بالتبنى "لعزيز باشا" ينتسب إلى عالم الملكية والإقطاع ، وكرمز للقوى الجديدة التى تسعى للتغيير ، فهو ينتمى إلى عالم روض الفرج بكل معاناته وآلامه .

"يوسف : ناس بتكسب من غير حساب وجاية تبعتر فلوسها وفلوس البلد فى
الصالات والكباريهات .. وناس جعانة مش لاقية تأكل لازم يكون فيه
حل"(65)

وقد حاول الكاتب استنطاق القصة الدينية القديمة لكى تعبر عن الواقع المصرى فترة السبعينات من خلال إسقاط دلالات معاصرة عليها ، وتفريغها من مضمونها الدلالى القديم ، فى محاولة للمواءمة بين أحداثها ، وشخصياتها ، وشخصيات الواقع المصرى فى تلك الفترة .
فأحداث المسرحية التى أختارها المؤلف من تاريخ مصر فى الأربعينيات " لم تقف عند جانب واحد ، وإنما اجتهدت فى أن تتعرض لمختلف الجوانب ، بحيث تشعر . وإنك تشاهد تلك المرحلة فناً ومجتمعاً وسياسة وشعراً ونضالاً فهى بانوراما شاملة تضطرع بالحركة والصراعات والتوترات " (66) التى تلقى ظلالاً واضحة على مفاسد ومساوئ تلك المرحلة الحافلة بالمقاومة الوطنية ، وسيادة طبقة أصحاب رؤوس الأموال من عمد وإقطاعيين من أغنياء الحرب والباشوات والبكاوات ـ وهى أشبه ما تكون بالطبقة الطفيلية الانفتاحية ـ وما صاحب ذلك من انتشار للفن الهابط المتمثل فى المونولوجات ، والأغانى المبتذلة والرقصات الرخيصة التى انتشرت عبر صالات روض الفرج الشهيرة فى هذه الفترة التاريخية ، والتى تهدف إلى تسلية وإمتاع هذه الطبقة الصاعدة ، مع كل ما يحمله ذلك من إسقاط على الواقع المطروح فترة السبعينيات ، التى شاهدت تغيرات جوهرية فى النسق الاقتصادى والاجتماعى والسياسى فإذا كانت الحياة الاقتصادية فترة الانفتاح أصابها التمزق وسيطرت عليها عناصر داخلية وخارجية لا هم لها غير الكسب من اقصر الطرق ، أياً كانت طبيعة هذه الطرق ، فلا عجب أن تتشوه الحياة الثقافية والفنية فى المجتمع بفن هابط ردىء يخدم أهواء ورغبات الطبقة الطفيلية فى ظل غياب الرقابة عن سوق هذا النوع من الإنتاج الفنى .

"العمدة : (بأعلى صوته بتبرم شديد) فين الرجاصة ؟ حتنكدوا علينا ولا أيه ؟
(يجرى إليه الخواجة ) .

كرياكو : مافيش رقاصة النهاردة خضرة العمدة ..النهاردة تشخيص وبس .

العمدة : أنا بايع القطن وجاى على هنا طوالى بالسانت كروفت عشان الرجاصة"(67)

وقد ساهمت هذه الطبقات بدور كبير فى انهيار منظومة القيم الأخلاقية فى المجتمع المصرى، بما اكتسبته من أخلاقيات الأنا والاستعداد الفطرى للاستغناء عن كل القيم والمعايير نظير الحصول على المادة .

كرياكو : من فضلك يا بيه .. الليلة مش عاوزين مسخرة .

الأفندى : (محتجاً) يعنى إيه ؟

كرياكو : يعنى تروخ الست وتتفضل خضرتك أخلاً وسخلاً .

الأفندى : (محتجاً) أروحها ؟ لأ بقه أنا قاعد هنا بفلوسى ( يخرج محفظته يقذف
على الترابيزة بعض العشرات ) مش مكفيك دول ؟ (يخرج من جيبه
رزمة ) خد كمان ..أنت فاكرنى أفندى ولا موظف ؟ أنا أكبر تاجر فى
المغربلين ! .

يوسف : (عند منضدته) عفن .... كله عفن " ( 68)

كما تعرض الكاتب فى نصه لواحدة من قضايا الفساد السياسى ، وهى انتهاج السياسيين نهجاً أيديولوجيا يحاولون به التقرب إلى الغرب الرأسمالى ، مقابل تقديم العديد من التنازلات التى غالباً ما تكون ضد مصلحة البلاد فكراً وعملاً ، مما يعد خيانة للشعب والوطن . فيقدم لنا الكاتب شخصية "عزيز باشا" رئيس وزراء مصر الذى اختار أن يضع يده فى يد أعداء بلده الإنجليز لضمان البقاء والسيطرة على الحكم .
" الباشا : أنا ما خنتش .

زبيدة : لا يا باشا خنت .. أنت حطيت إيديك فى إيد الإنجليز أعداء بلدك .. كان
لازم لحظة فظيعة زى دى تحصل عشان تعرف الحقيقة .

الباشا : أنا ما حطتش أيدى فى أيدهم .. بالعكس .. هما اللى محتاجين لى ..
واشتغلنا مع بعض مرحلة .. دى سياسة .. فى مرحلة ممكن نبقى أصدقاء
.. وفى مرحلة تانية أعداء .. سياسة .. بقولك .. المسألة مش بالبساطة
دى .. مش واحد زائد واحد يساوى أتنين .

زبيدة : لا .. المسألة بالبساطة دى .. الإنجليز أعداءنا وأنت تعاونت معاهم وأنت
نفسك ضميرك بيعذبك أحياناً لما تفتكر الحقيقة وأنت قاعد لوحدك " ( 69)

ولا شك فى أن مثل هذه القضايا كانت محض جدلية واسعة النطاق فترة حكم السادات "الذى تعرض هو نفسه إلى حملة دعائية رحبت بها كل الصحف العربية تشكك فى سلامة الطريق الذى أختاره ، خاصة عندما اتجه إلى الاتصالات المباشرة مع أمريكا ، ومع إسرائيل، وتشكك فى أنه قدم تنازلات لم يأخذ عنها عوضاً إلى أخر هذه الاسطوانات التى أصبحت تدار فى كل الصحف العربية ، وعلى مستوى كثير من المسؤولين فيها " (70)
لقد أختار "سمير سرحان " واقعاً تاريخياً مطعماً بالأحداث ، مرصعاً بالصراع ، مشحوناً بالتوتر ، ولكنه صالح فى الوقت نفسه ـ قصد الكاتب ذلك أو لم يقصد ـ للتطابق مع كل عصر تتشابه فيه الظروف والملابسات (71)
وأمام كل هذه المفاسد على مستوى الصعد المختلفة ، لم يكن هناك بديل عن تواجد قوى مضادة تقاوم ذلك الفساد السياسى والتردى الأخلاقى ، ومن هنا جاء "يوسف " فى نص "سمير سرحان " ليكون رمزاً لأى فرد يبحث عن العدالة ، أو أى مجاهد يناضل ضد الفساد فى أى زمان ومكان . فشخصية " يوسف" فى هذا النص لم تكن تعبر عن ذاتها بقدر ما كانت تفسر عصراً بأكمله ، وتلقى الضوء على هموم هذا العصر، بل كل عصر يعانى.
وباغتيال "يوسف" للكولونيل الإنجليزى ووصول "زبيدة " قصر " عزيز باشا" تأخذ الأحداث بعداً دراميا جديدا تتصاعد خلاله حدة الصراع بين مثلثين متناقضين أولهما فاسد ، يمثله "عزيز باشا" العقيم جسديا وسياسياً والذى يبرر زواجه من "زبيدة" بأنه وجد فيها ما يفتقده من شباب وحيوية وفترة طبيعية بعيدة عن قيد العادات والتقاليد وسجن البروتوكولات ، إلا أنه يستغل هذا الزواج كأداة يخدع بها الشعب ، ويخدره بدعاواه الزائفة عن الديمقراطية بالتظاهر بأنه تزوج امرأة من طبقات الشعب البسيطة .

"فهمى : الجوازة دى ضربة معلم يا باشا .. أعتقد أن صراعك مع جلالته أتحسم
لصالحنا !
عارف : يعنى إيه ؟ مش فاهم !
فهمى : جلالته كان ناوى يصدر أمر بإقالة الحكومة .. وكان بيتحدى بذلك الإنجليز
.. حجته أن الحكومة مش ديمقراطية بما فيه الكفاية ! .

عارف : فهمت . ودلوقت فيه ديمقراطية أجدع من كده بقى ؟ الباشا بحالة أتجوز
واحدة من عامة الشعب " (72)

أما الضلع الثانى من أضلاع المثلث الفاسد فيمثله "فهمى بك " سكرتير "عزيز باشا" ومدير مكتبه ، ذلك الرجل الذى يدافع عن مصلحة الباشا المرتبطة بشكل مباشر بمصلحته الشخصية بغير قيم ولا معايير

" عزيز : أنت شيطان يا فهمى .. عشان كده بتعجبنى .

فهمى : أنا خدام يا باشا .

عزيز : عارف يا فهمى .. أنا لو الملك قدر يشيلنى ويحط مطرحى زعيم
المعارضة .. برضه حتروح تشتغل معاه .

فهمى : معقول يا فندم أنا كده ؟

عزيز : عارف يا فهمى .. أنت إنسان تال على كل الموائد .. اللى بتغلبه بتلعبه

فهمى : اللى تؤمر بيه يا باشا .

عزيز : ما عندكش أى أخلاق أو مثل
فهمى : أمرك يا فندم

عزيز : أنت جزمه يا فهمى .

فهمى : تمام يا فندم .

عزيز : بس بقى نوعك مفيد للى زيى .. أخلص بيه كل شغلى القذر "(73)

وتكتمل أضلاع المثلث الفاسد بشخصية "عارف" شقيق زوجة الباشا المتوفاة . والصاعد من أسفل السلم الاجتماعى إلى قمته تسلقاً وتشبثاً بالحيلة والرذيلة ، والذى تحول من كاتب بسيط فى البلدية إلى مقاول كبير من أصحاب الشركات ، وذلك كله من خلال علاقته بالباشا، وعلاقاته برجال السرايا ، وبالرغم من استنكار "عارف" لأفعال "عزيز باشا " الدنيئة إلا أنه لا يرى غضاضة فى الارتباط به والتقرب منه حفاظاً على مكاسبه التى أحرزها فى ظل هذا الارتباط .

"وديع : (لعارف) أنا شوفتك فين قبل كده ؟
(عارف يقف محرجاً )

وديع : الله .. مش أنت كنت كاتب حسابات فى البلدية ، وبتسرح بعد الظهر بكبده
مقلية ، وبعدين اشتغلت فى المقاولات .

عارف : (مشمئزاً خائفاً من انكشاف أمره ) ولد .. ولد

وديع : أيه اللى جرى يا عارف .. وأيه اللى فتح عليك وقلبك القلبه دى .. آه
سلكت مع الباشا .. أيام ما كان لسه بيه .. لا .. عرفت تسلك أمورك
كويس " (74)

وإن كان رأس هذا المثلث يمثل الفساد السياسى للدولة ، فضلعية يمثلان الطبقة الطفيلية التى طفت على سطح المجتمع المصرى فى ظل هذا الفساد .
وقد عمد الكاتب لخلق أضداد لهذا المثلث الفاسد معتمداً فى تقديم شخصياته على تكنيك المقابلة بين الشخصية السلبية المرفوضة ، والشخصية الإيجابية فيقدم لنا شخصية "زبيدة" التى تحتل أضعف أضلاع المثلث الإيجابى ، " " فزبيدة " التى تكبر "يوسف" سناً ربيبة صالة "كرياكو" بروض الفرج ، والتى ساعدت يوسف فى تنفيذ مخططه لاغتيال الكولونيل الإنجليزى تنطلق دوافعها الوطنية من منطلق ذاتى صرف ، " (75) فقد لقى والدها مصرعه فى ذات الصالة بسونكى أحد جنود الاحتلال ، وهو يدافع عنها ضد محاولة اغتصابها ، وقد شكلت هذه الذكرى الدافع المباشر لمساعدتها يوسف ورفاقه كى يثأر لها .. دون أن يتبلور لديها الوعى الكافى بأبعاد القضية الوطنية التى يمكن أن يموت الإنسان من أجلها .

" يوسف : أنت ساعدتينا ليه ؟!

زبيدة : (تتنهد ) كنت حاسة أنه حييجى يوم حد ينتقم لى من العسكرى الإنجليزى
.. ينتقم لدم الشاعر ولعمرى اللى بيتسرب من أيدى شوية شوية .. حكاية
طويلة .
يوسف : أسمعها .

زبيدة : فى يوم من الأيام .. هنا فى الصالة .. كان أبويا قاعد على نفس الترابيزة
بيكتب شعر .. قصيدة فى حب مصر .. وأنا كنت قاعدة جنبه تمام زى أنا
وأنت دلوقت .. أيامها كنت عيله بتاعت 15سنة .. دخل عسكرى إنجليزى
سكران .. عينيه حمرا .. وعضم خدوده بارز زى الشيطان .. كان باين
أن الشهوة اتحولت فى عينية لنيران .. شافنى .. جه علية والسونكى فى
أيديه .. خفت .. صرخت .. أبويا الشاعر أتحول لوحش جريح بيدافع عن
شرفه قدام الصياد .. أيديه اتخشبت على رقبة الإنجليزى .. الإنجليزى
شهق .. غرز السونكى فى صدر الشاعر دمه سال على أرض مصر"(76) .

وهنا تجدر الإشارة إلى استخدام الكاتب لجريمتى الاغتصاب والقتل ، واللتان تمتا قبل بداية أحداث المسرحية كدافع من دوافع الشخصية المسرحية للإتيان بفعل من شأنه دفع حركة التطور الدرامى للأحداث .
وزبيدة فى نص "امرأة العزيز" تجسد الشخصية الإنسانية بكل تناقضاتها ، ويتجلى هذا التناقض فى زواجها من عزيز باشا رغم قصة الحب التى تربطها بابنه بالتبنى يوسف ، وليس هذا فحسب ، بل فى تبريرها لهذا الزواج برغبتها فى معاونة المناضلين من أبناء وطنها من حيث أنها أصبحت تتواجد فى قلب " المطبخ السياسى " ، على أمل أن تمد المقاومة بأسرار القصر ، وأن تنقذ يوسف حبيبها من السجن .

"وديع : إجوزتى عزيز ليه ؟

زبيدة : كان لازم أنتقم لأبويا

وديع : بأنك تتجوزى عزيز ؟

زبيدة : بأنى أنقل الكفاح ضده لجوه بيته . " (77)

ولكنها سرعان ما تكشف لنا عن سريرتها ، وتعترف تحت ضغط عم وديع (شاعر الحانة) ، ووطأة أسئلته التى لا ترحم بالدافع الحقيقى وراء هذا الزواج فهى تبحث عن الحب والأمان فى قصر الباشا واللذان لم يستطع يوسف توفيرهما لها بعد أن وضع رقبته على كفه ؟ ووضع إصبعه على الزناد .

"وديع : (بإصرار ) إجوزتيه ليه ؟!

زبيدة : (صارخة ) زهقت .. زهقت .. الخوف .. والوحدة والأودة الضلمه ورى
المحل .. وبكرة اللى مش عارفة حيجرى فيه أية .. أنا كبرت .. كان لازم
أتجوز بقى .. أخلف .. من حقى أن يبقى لى أبن .. ويطلع غنى
..وميبقاش نفسه فى ربع كيلو كباب ويشحت شلن علشان يأكله وما
يلقاش حد يديله الشلن .. مش كده ." (78)

وتكتشف زبيدة عقم زوجها ، وعدم قدرته على الإنجاب ، فتدرك أنها قد فقدت كل شيء بعد أن افلت حبل الأمان من بين أناملها ، فتحاول أن تتشبث بآخر الطرف لعله الأمل الأخير، فتسرع إلى يوسف فى محاولة لاسترداد حبها القديم ، وعبثاً تحاول إقناعه بسلامة موقفها واضطرارها إلى الزواج من عزيز باشا أملا فى إنقاذه والإفراج عنه إلا أن يوسف (الطاهر ) لا يقبل أن يدنس ، ويرفض هذا الحب الملوث ، خاصة بعد علمه بان عملية الإفراج ما هى إلا مؤامرة وضيعة دبرها "عزيز باشا" بمعاونة سكرتيره "فهمى بيه" ، الذى اشر عليه بأن يجعل من يوسف (شاهد ملك ) أى جاسوس على زملائه وبذلك يتمكن من الإفراج عنه بعد القضاء على شرفه وكيانه للأبد وتلويث دوره أمام رفاق المقامة .
وهنا نجد أن المؤلف كان محقاً فى أن يعدل منه القصة الدينية بما يتلاءم مع طبيعة العصر ومنطقة فبينما سعت زليخه لان تضيع يوسف بإدخاله السجن عقابا له على رفضه الاستجابة لها .. فإن زبيدة فى امرأة العزيز ضعيفة من حيث أرادت أن تنقذه من السجن والموت ـ الذين كانا يمثلان قمة الانتصار الحقيقى له ـ لتقوده إلى الحرية التى هى أشر من السجن ، والى الحياة التى أصبحت أشد فظاعة من الموت ." (79)

وقد سعى الكاتب من وراء هذا التحوير والتعديل إلى التأكيد على قيم الحرية والعدالة ، ونزعها من مفهومها البسيط المرتبط بالتقييد أو التسريح ، ليغلفها بمفهوم أشمل وأعمق يتعلق بمصير شعب وأمل أمه فى الخلاص ، والقضاء على الفساد بنبذ الأنا والتسامى فوق كل خوف ولو كان مواجهة الموت .

أما "زبيدة" و "زليخة " فكلتا المرأتان تمثلان الطبيعة فى قمة بدائيتها وتأججها .. الطبيعة التى لا تعترف بالعرف والتقاليد ، وإنما فقط بالخصوبة والنماء ، وفى مشهد من أروع مشاهد المسرحية ، وهو الذى يعطيها بعدها الميتافيزيقى ـ من حيث أنه يفكرنا بلحظة الغواية التى زينتها حواء لأدم لحضه على ارتكاب المعصية ـ تسعى زبيدة أن تزين ليوسف لحظة الخيانة باعتبارها لحظة للنبل والطهر والجمال ." (80)

"زبيدة : (تدور حوله لاهثة) أنا بالنسبة لك لحظة الشهوة الجامحة .. لحظة النبل
والطهر والجمال .. لحظة الميلاد .. لحظة الموت .. لحظة ارتعاشه
الجسد .. لحظة خفقان الروح .. أنا بالنسبة لك جنة الفردوس .. إذا
دخلتها أصبح كل شيء فى متناول ايديك .. الخمرة .. واللبن والعسل ..
أجمل وأروع الثمار .. أنا الثمرة قدامك اقطفها .

يوسف : (لاهثاً) الثمرة المحرمة . " (81)

ويكاد يوسف أن يهيم بها فى لحظة من لحظات الضعف الإنسانى ، إلا أنه يبتعد عنها صارخاً (أنت شيطانه) ، فتنقض عليه من الخلف ، وتمزق له قميصه فى محاولة من الكاتب لاستنساخ المشهد المذكور فى القصة الدينية القديمة . وعندما يعلم الباشا بما حدث يعمد إلى التواطؤ والتعتيم ، حيث أن إدانة أى من الزوجة أو الابن قد يضر بهيبته أمام شعبة ، وبموقفه السياسى أمام خصومة ، والملك ليستكمل النص سلسلة اكتشافات عن مدى التدنى الأخلاقى والانعدام القيمى والفساد السياسى الذى سيطر على المجتمع المصرى فى تلك الفترة .

"عزيز : الكلام ده كله ما حصلش .. صاحبة العصمة بقلبها الحنون وأمومتها
الجافة كانت بتحنو على الولد العاق يوسف .. صور له خياله المراهق إن
عطفها عليه رغبة دنيئة .. لكن الحقيقة غير كده .. وكل اللى انتم قلتوه
ده ما حصلش .. ولا سمعت بيه .. الحقيقة بقى لا هو هم بها ولا هى
همت بيه ! "(82)

وتكمن السقطة التراجيدية لزبيدة فى رغبتها لامتلاك كل شيء فى الوقت ذاته ، فهى تريد "عزيز باشا " كمصدر للأمان النفسى والمادى ، وترى فى يوسف الحب الذى سيعوضها عن قسوة الحياة ، ومرارة الأيام التى عاشتها فى صالة كرياكو بعد مقتل والدها فتتخذ بزواجها من عزيز وسيلة لنيل المأربين ولكن سرعان ما تكتشف جدب الحياة التى تعيشها ، فتصل إلى لحظة من لحظات الاستضاقة ، واستعادة الوعى تبدأ على أثرها فى مواجهة عنيفة ومباشرة ضد عزيز باشا ، وما يمثله من فساد وظلم وطغيان .

"زبيدة : أنا قلت أنا المسئولة عن كل شيء .. أنا اللى أغويت يوسف ورفضنى ..
يا عزيز باشا إذا كنت عاوز تحكم على حد أحكم على أنا وخلصنى .. أنا
راضية باللى تحكم بيه .. بس يوسف سيبوه .. سيبوه يحقق كل اللى بيحلم
بيه سيبوه يزره الطهر والبراءة والشرف فى كل مكان .. بلاش تخنقوه ..
بلاش تقضوا على أعظم قيمة فى الوجود . " (83)

وإن كانت زبيدة هى أضعف أضلاع المثلث الإيجابى على مستوى الوعى بأبعاد القضية الوطنية ، فهى أيضاً أضعف شخصيات المسرحية من حيث الكتابة الدرامية ، حيث يأخذ الباحث على الكاتب عدم وعيه الكافى بأبعاد هذه الشخصية التى أثقلت بكم من التناقضات يبعث على الحيرة والارتباك حول دوافعها الحقيقية للزواج من "عزيز" والتى اختلفت وتناقضت فى أكثر من موضع ، وعلى لسان ذات الشخصية خاصة فى نهاية المسرحية ، فبعد أن أقنعتنا زبيدة تحت ضغط "عم وديع" بأن الدافع الحقيقى من وراء زواجها بعزيز باشا هو كسب الأمان النفسى والمادى أولاً وأخيرا ، فنجدها وقد تناست هذه الدوافع فى مواجهتها الأخيرة لعزيز ، بل وتنكرها فى ثبات وثقة نادرين .

"زبيدة : الحقيقة أنى أجوزتك مش عشان جاهك ولا مالك ولا سلطانك .. عمرى ما
طمعت فى ده ولا بصيت ليه ولا كان بالنسبة لى يعنى أى شيء (هازئة)
ولا أجوزتك طبعاً عشان رجولتك ." (84)

ومع ذلك تظل زبيدة وسط هذه الأحداث ضحية لظروف اجتماعية جائرة أعمت عينيها عن أهداف أسمى من تلك التى سعت وراءها أملاً فى تحقيق مكاسب شخصية .

ويشكل "خميس" (جرسون الصالة ) الضلع الثالث من أضلاع المثلث الإيجابى ، حيث يرفض أن يقف دوره على خدمة رواد الصالة من طبقة الإقطاعيين والملاك ، ونزع الضحكات من أفواههم بتقديمه للاسكتشات الفكاهية، ويبحث لنفسه عن دور أخر من أجل مقاومة العفن والزيف والفساد ، فنراه وقد أقتحم قصر العزيز لإنقاذ زبيدة من براثن الباشا.

"وديع : خميس بلاش تتهور .. أنت مش أد الناس دول .

خميس : قدهم وقدود .. وكلمة الحق لازم تبان .. هو صحيح يوسف أفندى
وجماعته ما خدونيش معاهم .. لكن أنا لو كانوا خدونى كانوا شافوا أنا
حعمل إيه ياللا يا زبيدة .. أنت ما كنش ليكى فى الهوا المعفن ده ."(85)

وتكتمل أضلاع المثلث الإيجابى بعم وديع الشاعر الشعبى الذى يكتب المونولوجات التى تغنى فى الصالة ، والذى تكفل بتربية "زبيدة " بعد مصرع والدها الذى كان صديقاً حميماً له، وهو يرفض أن يمدح بشعره الباشا والإنجليز ويفضل أن يموت جوعاً على أن يذل قلمه لخائن أو محتل ، وهو يلعب دوراً هاماً فى نهاية المسرحية كرمز للاستنارة وإيقاظ الوعى المجتمعى لتثويره ضد رموز الفساد .

"وديع : مين النهاردة يا أخوانا بيحاكم مين ، وألا هو الزمن يا أخوانا بقى
بالمقلوب .. مين اللى لازم يقف ورا القضبان الباشا .. عارف .. فهمى ..
الباشا اللى داس على ابنه ومراته والبلد بحالها .. ولا بتاع الكبدة اللى
أصبح فى غفلة من الزمان بيه بيتحكم فى العباد ، ولا فهمى الخدام اللى
أدوله فرصة يدوس على رقاب الناس ؟! ويتحكم فى مصير أطهر خلق الله
.. عايزنى أقول ؟ ما هو أنا مش قادر أقول .. ما هو أنا لو كنت قلت من
زمان كنت غيرت نظام الكون .. كان طلع مليون يوسف يطهروا الحياة
من كل الأثام .. ما هو أنا لو كنت أقدر أقول ماكنش يوسف وزبيدة
النهاردة بيتحاكموا واللى بيحكم عليهم حر طليق قاعد على كرسيه
مجعوص كأنه ملك الزمان ! لكن أنا مش قادر أقول .

خميس : لا يا عم وديع أنت قلت .. قلت كل حاجة .. والحق دلوقتى بان ." (86)

أما شخصية "يوسف " فتشكل نقطة التماس بين المثلثين المتناقضين ، فقد حاول يوسف تخطى واقع الحياة المفروض الملىء بشتى ألوان الفساد " ففى هذه المسرحية جعل "سرحان" " يوسف هو المنقذ لمصر من مستغليها ( الملك ـ الباشا ـ الإنجليز وأعوانهم ) كما كان سيدنا يوسف عليه السلام هو المنقذ لها قديماً من خطر المجاعة ، ولكنه فى هذا النص يخرج أيضا من الإطار التاريخى بصورة تجعله أكثر تعانقاً مع الواقع " (87) الذى يسعى إلى تغييره استناداً إلى مفاهيم الحرية والعدالة الاجتماعية ، وتحقيق المساواة بين البشر .

"عزيز : وكل الدوشة دى عشان إيه ؟

يوسف : عشان فى يوم من الأيام يتحقق الحلم .. تتحقق المعجزة على الأرض .

عزيز : (يصيح فيه ) المعجزة الوحيدة على الأرض أن الإنسان يصحى كل يوم
الصبح يلاقى نفسه لسه عايش لسه بيتنفس بيتحرك بيسمع بيشوف .

يوسف : الإنسان أتخلق لغاية أسمى بكتير من مجرد البقاء على قيد الحياة ..
أتخلق علشان يكون له رسالة .

عزيز : وآيه بقى الرسالة دى أقدر أعرف ؟

يوسف : إنه يحقق حلم البشرية فى العدل والحرية ." (88)

فقد آثر يوسف أن يدفع نفسه دفعاً للتخلص من تعنت طبقته المنتسب إليها بالتبنى ، للعودة إلى أصله والدفاع عن طبقته ، من خلال الدفاع عن وطنه ، حتى ولو تحقق ذلك على حساب من تبناه ورعاة ، فى صالح من تعاطف معهم . وبهذا يكون قد وصل إلى درجة من المثالية التى تصنع الوطن فوق كل اعتبار ، ولو كان قتل الأب ولا تخصى فى مواجهة الظلم شيء ولو كان الموت نفسه .

عزيز : أقعد بس .. أهدى .. (يشعل سيجارة ) عايز تموت ليه ؟ أفهم الأول .

يوسف : (بحماس ) عشان ده قدرى .. وأنا اللى اخترته اخترت الاستشهاد من أجل
فكرة .. هدف عظيم عشت وصمدت من أجله .

عزيز : الرصاصة دى مش كان ممكن تيجى فى أنا .. يعنى هدفك العظيم أنك تقتل
أبوك ؟

يوسف : مش أنت نفسك .. النظام اللى بتمثله .. اللى أنت جزء منه " ( 89)

ومنذ اللحظة التى اغتال فيها يوسف الكولونيل الإنجليزى تحول ـ شئنا أم أبينا ـ إلى مجرم إرهابى ينتمى وفقاً لنظرية ميرتون إلى نمط الانحراف المتمرد ، حيث يسعى البطل إلى خلق بيئة مناسبة لتحقيق أهدافه ، ولهذا يرفض الأهداف العامة للنظام ، ويرفض الوسائل التى يرتضيها المجتمع لتحقيق هذه الأهداف ، ويقوم البطل بمحاولة لتغيير الأسس الفكرية لمجتمعه، ويطرح أهدافاً ثقافية جديدة ، ويطرح أيضا مجموعة من الوسائل والمعايير الجديدة لتحقيق هذه الأهداف ، "فالبطل المتمرد يثور على فرضيات تبدو له باعتبارها نوعاً من التجديف العقلى ، وتعكس الخلل فى المنظومات الاجتماعية داخل المجتمع الذى ينتمى إليه ، والتغيير هذا له حيثياته استناداً إلى قناعات البطل ، وتصوراته الفكرية التى تقوم على منطق عقلى ناقد فى مواجهة فساد الحاكم وضلالاته التى تسعى إلى تكبيل حرية الإنسان وسلب إرادته " (90)

"زبيدة : خسارة أن اللى زيك يموت !

يوسف : لأ مش خسارة .. الخسارة أننا نسمح لكل الفساد والعفن يعيش وسطنا ..
نسمح للسرطان بأن يستشرى فى جسم البلد شوية شوية وإحنا نايمين ..
وفجأة نصحى نلاقى فات الأوان .. نلاقى البلد جسد شائه غريب أكل
خلاياه السرطان .. وما فيش قدامه غير انتظار الموت .. أنا بموت عشان
من جسدى تنبت شجرة الحياة ." (91)

ومن هنا تنطلق دوافع يوسف البعيدة تماماً عن الذاتية ، والمرتكزة على وعى حقيقى بهموم الواقع المعاش وسط الهبوط المشين لمنظومة القيم والمعايير فى ظل الفساد السياسى القائم .
وفى إطار تحليلنا لشخصية المجرم فى هذا النص يجب التمييز بين الإرهاب الفردى والإرهاب السياسى ، إذ ينطلق الأول من دوافع فردية وشخصية ، ويستغل وسيلة العنف للكسب الشخصى ، أو لتحقيق ثروة ، أو الانتقام ، أو الاستيلاء على السلطة ، وهو عمل إجرامى محض ، وهو ما يمثله "برهام" فى نص " أمير الحشاشين " للكاتب "محمد أبو العلا السلامونى "، بينما يرتكز الثانى على معطيات اجتماعية وسياسية ، ويرمى إلى بلوغ هدف سياسى يتعلق بحياة الجماعة أو المجتمع ، كما هو الحال فى شخصية "يوسف" فى نص " سمير سرحان " .
فالمجرم هنا يختلف عن غيره من المجرمين الإرهابيين من حيث أن حافزه على ارتكاب الجريمة يتضمن الشعور بواجب ارتكابها ، وهو يسلك هذا النحو وفقاً لنظام معين من القيم التى يؤمن بها والتى يعتبرها أعلى من القيم التى يتضمنها القانون الوضعى المطبق." (92)
ويحذر النص من الخلط بين الإرهاب من جهة والمقاومة الشرعية من جهة أخرى ، حيث يتجاهل الكثيرون الواقع الذى يحتم عليهم مراعاة الفروق الجوهرية بين الأعمال التى تشكل إرهاباً ، وبين نضال الشعوب فى سبيل الحرية والاستقلال ، فالإرهاب يمارسه أشخاص خارجون على القانون والشرعية ، بينما تتولى المقاومة المشروعة جماعات ومنظمات تدافع عن أراضيها وحقها فى الحرية وتقرير مصيرها ، " وهو حق مشروع ومقبول فى كافة أحكام ومبادئ القانون الدولى ، باعتبار أن مبدأ حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال من أجل التحرر يشكل أحد الأهداف الرئيسية للأمم المتحدة ." (93)

"زبيدة : لكن أنت حتفضل .. زى العسكرى الإنجليزى بالضبط .

يوسف : أنا مش بقتل .. أنا بنفذ حكم الإعدام فى أعداء البلد .. الإنجليزى اللى قتل
أبوكى كانت قضيته إيه ؟ أنا بقتل عشان قضية ." (94)

فالنص يشير إلى أحد المعايير الموضوعية واضحة المعالم للتمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ، باعتبار الدافع الوطنى الذى تعمل فى سياقه حركات التحرير الوطنية كمعيار للتمييز بينهما فأفراد المقاومة يحملون قضية مفادها تخليص أراضيهم من براثن الاحتلال ، بينما يمارس العدو العنف غير المبرر فيقتل الأبرياء ، ويقاتل فى أرض ليست له ويطمح فى السيطرة عليها واحتلالها ، ويختلف الأمر فى عمليات الاغتيال الداخلية للقيادات الحاكمة والمسئولة داخل الدولة ، والتى تعتبر من وجهة نظر بعض الجماعات ذات توجهات جائرة وفاسدة ، لذا تصدر الأوامر لتصفيتها ، والتخلص منها ، كما حدث فى عملية اغتيال السادات ، فلا شك فى أن مثل هذا النوع من الاغتيالات مُجرّم قانوناً وغير مشروع ، خاصة فى ظل وجود العديد من القنوات الشرعية التى تتيح المجال لإمكانية التغيير والإصلاح كما يحمل النص إشارة ضمنية إلى أن ظاهرة العنف والإرهاب قديمة فى المجتمع المصرى وهى ليست بالحديثة ، ولكن فى الماضى كانت معظم أعمال العنف موجهة قوات الاحتلال الخارجى، والمستعمر البغيض الذى كان يحاول جاهداً ممارسة كافة أنواع الفساد والهيمنة والتنكيل بالمواطنين ، ولهذا كانت ممارساته تواجه بالعنف كرد فعل طبيعى ، ومن أجل هدف وطنى قومى ، على العكس تماما عما يحدث على الساحة فى السنوات الأخيرة من خلط وتزييف لكافة الأمور والحقائق .
وتأتى النهاية مغايرة لتطور أحداث المسرحية ، وتصاعد درجات الوعى لدى أبطالها ، حيث أن الانتصار الزائف الذى حققه الباشا على حساب تسخيف وتهميش كل قيم البطولة والمثالية والبراءة وتحويلها إلى صالح ألاعيبه القذرة ، قد تسبب فى انسحاق يوسف ، وشعوره بأنه قد بلغ النهاية التى لا يستحقها ، والتى ساقه إليها فساد مجتمع لا يقيم وزناً للقيم والمعايير ، حيث أنكر الباشا عليه أن يموت فى سبيل قضية وطنية ، فلوث كيانه وشرفه أمام رفاق المقاومة ، وسلبه لحظة البطولة . وعندما رفض أن يخون الباشا فى عرضه ، وصمد أما إغواء زوجته سلبه لحظة الطهر والنقاء ، "ومن هنا شعر يوسف بأنه قد قضى علية معنوياً ، ولم يبقى له إلا أن ينتهى جسدياً ، ولكن يوسف أصبح أعجز من أن يقوم بهذا فيسلم مسدسه لعم وديع عساه يقوم بهذه المهمة ." (95)

"يوسف : ما بقاش فى غير حل واحد يا عم وديع .

وديع : (يطرق رأسه ) أنا عارف !

يوسف : تجرؤ يا عم وديع ؟ تجرؤ ! أنا مش جايالى الشجاعة .
(يوسف يخرج المسدس ـ يعطيه لوديع )

زبيدة : يا ربى .. دا شيء فظيع .. فظيع !

يوسف : يا للا يا عم وديع .. أنت جواك بطل ." (96)

وتنطلق رصاصة عم وديع ليتحول معها "يوسف " من بطل ثائر متمرد إلى شخصية انسحابية هروبية،" فهو قد فشل فى تحقيق أهدافه سواء بطرق مشروعه أو غير مشروعة، ومن ثم قد أشتبك فى صراع نفسى لا يفضى ـ من وجهة نظره ـ إلا بالتخلى عن الوسائل والأهداف معاً ، والانعزال عن المشاركة فى الواقع الاجتماعى لرفضه لقيم النسق السائدة."(97)
فقد عايش " يوسف " حالة من حالات الهروبية نتيجة إحساسه المتزايد بالإحباط ، دفعته إلى التفكير فى الانتحار .
وإذا كانت هذه النهاية لا تتفق مع الشريعة الإسلامية التى تحرم قتل النفس إلا بالحق، ولا تتفق مع قيم البطولة والوطنية التى كانت مسئولة عن تحفيز "يوسف" للفعل والمبادرة ، كما لا تتفق مع ملامح شخصيته التى تتسم بالصلابة والثبات والشجاعة إلا أنها كانت بمثابة طلقه تحذيرية للفت الانتباه إلى خطورة انسحاق قيم المثالية والوطنية أمام طغيان الفساد والانحلال الخلقى والسياسى . والدعوة إلى رفض واستنكار النظم الجائرة السائدة من خلال تعريتها وفضحها ، وإطلاق دعاوى التثوير ضدها، لذا فنحن نقبلها كفكرة درامية ولا نقبلها كحل واقعى.

ابراهيم حجاج
مدرس مساعد
كلية الآداب





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,329,923,388
- مسرح العبث المصرى بين البيروقراطية والديمقراطية.. دراسة نقدي ...
- الدراما المسرحية وجرائم شركات توظيف الأموال دراسة نقدية لمسر ...
- المسرح المصرى وظاهرة التطرف الدينى
- مسرحية-ع الرصيف- بين جرائم الصفوة وصغار الاتباع
- المسرح والمجتمع
- ظاهرة الجريمة فى المسرح المصرى -رسالة ماجستير-
- القرد كثيف الشعر بين حيوانية البدائية وفجاجة الحضارة
- القرد كثيف الشعر وقضية الانتماء
- قراءة جديدة لمسرحية-الحكيم- -يا طالع الشجرة-


المزيد.....




- رامي مالك يواجه -جيمس بوند- في أحدث أفلامه
- بالصور.. تشييع جثمان الشاعر الشعبي خضير هادي إلى مثواه الأخي ...
- تأكيد انضمام رامي مالك إلى سلسلة -جيمس بوند-!
- أمزازي: رقمنة التعليم والتكوين «أولوية» يرعاها الملك محمد ال ...
- بيت نيمه.. ملتقى قطري للثقافة والفنون
- -ليست البوكر-.. تسريبات وانتقادات على خلفية نتائج جائزة الرو ...
- البرلمان الأوكراني يقر قانون اللغة الأوكرانية
- ترقب تغيير الموقف الروسي من مسودة قرار حول الصحراء المغربية ...
- افتتاح المهرجان الدولي الـ 15 للسينما الإسلامية في قازان الر ...
- رفاق الهايج يحصلون على ترخيص تنظيم المؤتمر الثاني عشر بعد مع ...


المزيد.....

- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم حجاج - الاغتيالات السياسية فى المسرح المصرى