أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي بن العربي - ماهية الحوار المسرحي






















المزيد.....

ماهية الحوار المسرحي



حمودي بن العربي
الحوار المتمدن-العدد: 3106 - 2010 / 8 / 26 - 20:59
المحور: الادب والفن
    


ماهية الحوار المسرحي

مقدمة
العمل الادبي كيان متكامل الجوانب لا يمكن فصل عناصره بعضها عن بعض، والشكل والمضمون في العمل الادبي متداخلان تداخلا تاما بحيث يصعب الفصل بينهما او الحديث عن احدهما بمعزل عن الاخر. ومع ذلك نستطيع- لضرورة الدراسة –ان نتحدث عن تلك العناصر واحدا واحدا على ان نتذكر دائما ان ما نتحدث عنه يتصل اتصالا دائما بمقومات اخرى من العمل الادبي ويتفاعل معها مؤثرا فيها ومتأثر بها .
ولعل اول ما نلاحظه على المسرحية - بإعتبارها احد الاجناس الادبية – كـ"شكل" ادبي انها تقوم على الحوار . فليس هناك مؤلف او راو يقص علينا الاحداث ويعرفنا بالشخصيات وطبائعها وعلاقات بعضهم ببعض كما نشاهد في الرواية مثلا، وانما تكشف الشخصيات بنفسها عن نفسها وتتحاور فيما بينها لينمو الحدث من خلال ذلك الحوار والمواقف التي يجري فيها .على انه مهما تكن وجوه الاختلاف بين المسرحية وغيرها من الفنون "القصصية " فإنها تبقى كغيرها من تلك الفنون – تعتمد في المقام الاول على قصة او "حدث" يعرض علينا من خلال الحوار . وعلى ذلك يمكن ان نعد القصة او الحدث او الموضوع الاول من عناصر العمل المسرحي، والحوار هو شكله النهائي الذي يميزه عن غيره من الاعمال الادبية.
كلما ذكرت المسرحية ذكرت معها كلمة الحوار .. ذلك ان الحوار هو اداة المسرحية فهو الذي يعرض الحوادث ، ويخلق الشخصيات، ويقيم المسرحية من مبدئها الى ختامها.(1)
وعلى هذا الاساس نجد ان الحوار هو اداة التخاطب في المسرحية، وهو السمة التي تشيع الحياة و الجاذبية في المسرحية . ويعتبر الحوار هو الخصيصة التي تميز المسرحية عن سائر الصور الادبية الاخرى من حيث ان المسرحية لا تأخذ الشكل النهائي الا عن طريق الحوار وخشبة المسرح(2)
فـ (التأليف المسرحي) يعتمد اعتمادا كليا على الحوار .. في حين يمكن لأنواع ادبية اخرى ، شعرية ونثرية ، كالقصيدة ،والقصة ، والرواية ان تستغني عنه؛ كما ان هناك فنونا تمثيلة، اذاعية ،وتليفزيونية، وسينمائية، اعتمادها عليه متفاوت(3) حسب الحاجة اليه في العمل الفني .
ونظرا لأهمية الحوار في العمل المسرحي، ولما قدم عنه–كونه اسلوب من اساليب التعبير- يحاول هذا البحث ان يطرح مجموعة من القضايا المتعلقة بالحوار المسرحي منها :
ماهية الحوار المسرحي؟وما هي خصائصه ومميزاته؟ ما الفرق بينه وبين المحادثة العادية؟وما هي وظائفه؟..
تمهيــــد
مهما اختلف النقاد في تعريف أركان المسرحية وفي تحديد عناصر كل ركن منها، فإنهم مجمعون على أن الشخصيات المسرحية في جميع العصور ومختلف المذاهب كانت فصيحة اللسان ناصعة البيان. فلا يعتور عباراتِها اعوجاجٌ أو خللٌ وهي تتكلم. وكلها تمتلك قدراً عالياً من القدرة على استبطان ذاتها أو استكناه نفوس غيرها. وكلها تتدفق في الكلام دون أن يصيبها حصر أو ضيق. حتى العييُّ منها يمتلك قسطاً من الفصاحة نتمنى أن نمتلك بعضه في حياتنا. وهذا دليل حاسم على أن المسرحية ليست الحياة وليست تقليداً لها، بل هي إيحاء بها وتمثيل لها. وهو ما وصفه القدماء - وما يزال وصفهم صحيحاً- بأنه محاكاة الواقع.
كان الحوار في كتابات النقاد يوصف بأنه (أسلوب التعبير الدرامي المتميز). وكانت لـه هذه المكانة لأن التأليف المسرحي نوع رفيع من أنواع الأدب. وظلت البشرية قروناً طويلة تتغنى بحوار المسرحيات ما بين تشدق الممثلين بتكلف واصطناع، وبين تأديته بواقعية لطيفة. ولأن الكتاب المسرحيين كانوا عماد الحركات المسرحية المهمة، فقد احتلت النصوصُ المكانةَ الأولى في العرض المسرحي. وكان ذلك دافعاً إلى بذل الاهتمام في إيصال الحوار بأبهى صورة إلى أذن المتلقي. ولأن النص المسرحي أدب يصدر في كتاب، ولأن اللغة مادة الأدب، فقد حرص الكتّاب على تجويد حوارهم وصقله حتى يبدو قريناً لبقية فنون الأدب.
لكن ولادة المخرج في بدايات القرن العشرين أزاحت الكاتب عن المكانة الأولى في العرض المسرحي وأحلتَّ المخرجَ مكانه، وعملت في الوقت نفسه على إعطاء النص المكانةَ الثانية في العرض المسرحي. وأخذ الحوار يفقد أهميته رغم امتلاء المسرح به. وأتى فقدانُه لأهميته من أنه لم يعد التعبير الأقوى أو الوحيد عن التواصل الفعلي بين الشخصيات في صراعها أو في توافقها. وعندما ازدادت براعة المخرجين والممثلين، صار الفعل يحلُّ محل الحوار في التعبير عن الدلالة النفسية والعاطفية. فصار الحوار مكملاً للفعل وليس بديلاً عنه. ولكي يستعيد الحوار مكانته في العرض المسرحي أخذ يتخلى عن بلاغته وفصاحته. وقد بدأت هذه العملية مع نشأة الواقعية التي تحاول أن تكون أفعالها وإيماءاتُها مستمدة من حركة الناس اليومية، خاصة وأن موضوعات المسرحيات كانت معاصرة وليست تاريخية. فدفعه ذلك إلى أن تصبح لغةُ الحياة اليومية مادة الحوار..
وكائناً ما كان شأن العرض المسرحي فإنه لن يقوم - رغم أنف المخرج - إلا بتجويد الحوار. فهو كلام يتصدى لـه الممثل بالإلقاء المتقن في نبرات الصوت ووضوح الأحرف وجلاء الكلمات والتعابير. ويحسب الممثل حساب قوة الصوت لإيصال كامل الكلمات حتى لا ينـزعج المتفرج من القوة الزائدة للصوت وحتى لا يسمع الممثلُ تلك الكلمة اللئيمة من المتفرجين: (صوت). والحوار هو الذي يقيم التواصل بين الشخصيات وبينها وبين المتلقين. والأخطر من هذا أن الحوار المسرحي يبدو لا معنى لـه إذا لم يحمل شحنته العاطفية المتولدة عن العلاقات بين الشخصيات. ومهما بلغت قوة الفعل من الدلالة بديلاً عن الكلام، فإن موضوع المسرحية وصراعها وشخصياتها لن تقوم لها قائمة إلا بالحوار. وبهذا الشكل كان المخرجون مضطرين إلى الاهتمام بالحوار لأنه حامل المسرحية كلها وجامعٌ لشمل جميع عناصرها.(4)
تعريف الحوار المسرحي:
ليس هناك تعريف محدد للحوار ، يمكننا ايراده كتعريف متفق عليه ، غير ان الكتاب والنقاد في مجال المسرح يؤكدون على الميزات التي يتخصص بها الحوار عن بقية الوان الادب الاخرى،فيحقق بذلك المطلوب منه – سناتي على ذكره - لذلك اختلفت صياغة تعريفهم الحوار، لكنهم يعتبرون الحوار هو اوضح جزء في العمل الدرامي . واقرب الى افئدة الجماهير واسماعهم، ويعبر به الكاتب عن فكرته، ويكشف به عن الاحداث المقبلة والجارية في مسرحيته، وعن الشخصيات ومراحل تطورها، والحوار الجيد هو الذي تدل عليه كلمة فيه على معنى يكشف عن حقيقة معينة، ويعبر عن تلك الحقيقة تعبيرا دقيقا لا مبالغة افتعال فيه، لأنه يسلط الذي يحمل العمل الدرامي الى اسماع المتلقين.(5) فهوالذي يوضح الفكرة الاساسية ويقيم برهانها، ويجلو الشخصيات ويفصح عنها ويحمل عبء الصراع الصاعد حتى النهاية ، وهذه المهمة يجب ان يضطلع بها الحوار وحده..(6)
انه الوسيلة الادبية للتفاهم، والتخاطب، بين الممثلين، وبالتالي نقل الافكار، وسرد الحوادث للجمهور والـذي يظل الناظـم لمضامين الصيغة المسرحية، بشتـى اجزائـها، العرض، والتـأزم، والموقـف، والحل ..(7) فـالحوار بهذا المعنى يأخذ منحى آخر في التعريف إذ هو وسيلة التخاطب، والتفاهم بين الممثلين على خشبة المسرح..وسواء وجه الحوار الى المتفرج، والمسرحية تعرض، وتمثل، او وجه الى القارئ بين دفتي كتاب، فهو الذي يطور موضوع المسرحية ، ويكشف سرائر شخصياتها، ويجذب الانتباه الى فنيتها..(8) ان الحوار في نهاية الامر عبارة عن لغة مسبوكة في قالب تخاطب بين الممثلين والجمهور او بين شخصيات المسرحية فيما بينها، ولايمكن لهذا التخاطب الا ان يكون كلاما لأن الحوار يتموضع في لغة مكتوبة تتكون من كلمات، تحمل داخلها مواقفا وافكار ، تأتي على لسان شخوص المسرحية،لتحقق التواصل فيما بينها في عالم الخيال "الركح " ومن ثم تتواصل مع عالم الواقع" الصالة" عالم المتفرج.
يقول اريك بانتلي: "هذه هي الحياة.الفنون تعويضية.لقاء الكتابة الرديئة التي نقرأها كل يوم، يهيئ لنا الادب الكتابة الجيدة التي تدهش وتسر.ولقاء الكلام الرديء الذي نسمعه كل يوم، تهيء لنا الدرامة الكلام الجيد الذي يدهش ويسر. ان الدراما حلم المتكلم وانتقام الرجل السكوت ذلك انها (كلها كلام). فالمسرحية يكتبها انسان لا يريد الا الكلام لجمهور لايريد سوى الاصغاء الى الكلام".(9)
ويمكن مما تقدم ذكره ان نقول باختصار شديد مركز ومكثف عن تعريف الحوار هوأن (الحوار هو الحديث الذي تتبادله الشخصيات. فيكشف جوهرها ويدفع الفعل إلى الأمام).(10)
وهذا التعريف يجعلنا ننتقل الى الحديث عن الفرق الجوهري بين الحوار في المسرح والحوار في الحياة.
الفرق بين الحوارالمسرحي و المحادثة العادية* :
لابد ان يدرك المؤلف ان هناك فروقا واضحة بين الحوار في العمل الدرامي والحوار في الحياة، فكل منهما حوار، ولكن في الحياة الافضل ان نسميه محادثة، حيث ان كلمة "حوار" اكثر اختصارا وافصاحا عن كلمة "محادثة".(11)
الحوار المسرحي – كغيره من عناصر المسرحية- حوار نموذجي برغم ما يبدو في الظاهر من انه "طبيعي" يمثل طبيعة الحوار في واقع الحياة. فلو درسنا حوارا في موقف من المواقف المسرحية لاكتشفنا ان المتحدث يعبر عن عواطف وافكاره بلا تلعثم او تردد او خروج على الموضوع.. على حين يستغرق المتكلم في الحياة العامة وقتا قد يطول او يقصر قبل ان يتحدث في موضوع ما، وقد يتشعب به الحديث فينسى بعض ما كان يريد ان يقول او يتجاوز ما كان قد بدأ فيه فيتحدث عن شيء آخر، وغير ذلك من مظاهر الحوار "العادي" بين الناس في واقع الحياة.(12)
واهم الخصائص التي تميز الحوار المسرحي عن الحوار العادي نوردها كالاتي اختصارا:
*الحوار ليس الحديثَ العادي الذي يجري بين الناس في الحياة. فالحديث العادي لا هدف لـه. ويمتلئ بالزيادات والبذاءات والسخف. أما الحوار المسرحي فمركَّزٌ منتقى مهذب. وله غاية محددة. أي أنه درامي. ولا شك أن الكتاب المسرحيين جميعاً يعرفون ذلك ويفرقون تفريقاً دقيقاً بين الحوار المسرحي وبين الحديث العادي. لكنهم وقعوا - عبر العصور - في هوة الثرثرة. وأبرز وجوه الثرثرة التي يقع فيها الكاتب هو (تكراره للفكرة الواحدة أو المعنى الواحد مرة بعد مرة).
*ان الحوار غير النقاش. فالنقاش خلاف في الرأي. وغايتُه إقناع أحد الطرفين بحجة الآخر لتصفية الخلاف بينهما. وقد تتم تصفية الخلاف وقد لا تتم. أما الحوار المسرحي فهو صراع بين قوتين إنسانيتين. وغايتُه غلبةُ قوة اجتماعية وإنسانية على أخرى. ولا شك أيضاً أن الكتاب المسرحيين عرفوا ويعرفون هذه القاعدة. لكن المذهب الواقعي هو الذي أوقع المسرح في فخ (النقاش) وصولاً إلى تمثيل الواقع بتفاصيله.. وما دفعهم إلى ذلك إلا محاولة استيفاء الفكرة بعد الفكرة.
* والحوار لا يجوز فيه التوقفات والمقاطعات كما في الحديث العادي. وهو يجري على نسق متواتر من التنظيم. فالشخصيات لا يقاطعُ بعضُها بعضاً. وكل واحد منهم ينتظر انتهاء كلام شريكه حتى يبدأ كلامَه. والنقطة أو الفكرة التي تم الكلام فيها لا يُعاد إليها إلا لسبب يتعلق ببناء الحبكة. وبذلك تبدو المسرحية في نهاية الأمر قطعة مسبوكة يهدر فيها الكلام من أولها إلى آخرها. فإذا تخلل الحوارَ فترات صمت - ولا بد أن يقع فيها فترات صمت- كانت هذه الفترات جزءا من الكلام لأن الصمت في المسرحية كلام. فهو يمهد لجملة أو يترك لها زمناً حتى تترك أثرها عند المتلقي. وكثيراً ما أورد الكتاب في ملاحظاتهم الإخراجية (لحظة صمت قصيرة) أو (لحظة صمت طويلة).(13)
مميزات الحوار المسرحي:
يعد الحوار الدرامي من ابرز ادوات التعبير عن الافعال في النص المسرحي والانفعالات الداخلية والتفاعلات بين الشخصيات في العمل المسرحي، وهو الذي يدفع الاحداث الجارية نحو هدفها فالشخصية المسرحية المتحاورة هب في الحقيقة في وضع فاعل يؤدي فعلا فان الحوار يعتبر النص العنصر الذي يحمل الدراما، وامكانية تحقيق الدراما مرتبطة بإمكانية تحقيقه.. ان الحوار الدرامي وجد ليقال أي يقوم على فعل وليس الروى، لهذا كان له مواصفات معينة لابد من توافرها ليصبح دراميا وليس سرديا.(14)
من اهم الميزات الخاصة بالحوار المسرحي الدرامي هي:
• توالديةالحوار:الحوار ينمو ويتوالد. ففي الحياة قد يتوقف الحديث عند نقطة معينة لا يتجاوزها إلى غيرها. أما الحوار فينتقل - بمنطقية وتسلسل - من نقطة إلى نقطة. وهذا النمو والتوالد هو السلاح الرئيسي في يد الكاتب لنمو الحكاية. فقد يطلب الابن من والده مالاً. فيرد الأب عليه بأنه أخذ البارحة مالاً كافياً لمصروفه. فيرد الابن بأنه يقلل لـه مخصصاته المالية لأنه يحب ابن الزوجة الثانية أكثر مما يحبه. فيرد الأب بأن زوجته الأولى هي التي أجبـرته على الزواج لأنها كانت تهمله. وهنا قد تدخل الزوجة الأولى وتعيِّـره بأنها تزوجته غصباً عنها وإنها تطلب الطلاق. وبهذا الشكل يحتدم الصراع بينهما . وهو صراع ولَّده الحوار المتنامي بمنطق السببية الذي يبني الحكاية.وهذا النمـو والتوالـد يجب أن يتـم بسرعة ودون توقف حتى يستوفي الكاتب كل ما تقدم من أركان التأليف المسرحي في المـدة الزمنية القصيرة المتاحة لـه. (15)
• الاقتصاد: اذا ترك المؤلف شخصياته تتحدث بإسهاب وتندمج في حديث لا هدف منشود منه ولا فائدة، فإنها تخرج عن الموضوع وتتعدى الحدود المرسومة لها، وتقضي على البناء الدرامي للمسرحية.. أي لابد من الاقتصاد في الحوار، بحيث تكون لكل كلمة وظيفة درامية معينة، وليس معنى الاقتصاد في الحوار هو الايجاز لدرجة تؤدي الى عدم الفهم.(16)
• الواقعية: الحوار ينبثق عن مفهوم المحاكاة في المسرح. فهو مشابهٌ للواقع من ناحـية، ومخالف لـه من ناحية ثانية. إذ يشابهه في تعريفنا بنوازع الشخصيات وسلوكها الإنساني. ويخالفه في أنه مركَّب بطريقة فنية لها وظائفُ محددة. فهو ليس حواراً واقعياً. وإنما يوحي بالواقع،( ونريد ان ننبه الى المقصود بالحوار الواقعي فليس المراد ان يراعي الكاتب مقدرة الشخصية على التعبير عن ذات نفسها في واقع حياتها كما ذهب الى ذلك الكاتب "جالزورثي" والتزمه في مسرحياته.. وانما المراد بواقعية الحوار ان يلتزم الكاتب حدود الشخصية المرسومة فلا ينطقها الا بما يتلائم معها سواء اوتيت اولم تؤت القدرة على الافصاح عن ذاتها..(17)
والكتاب العرب يعرفون، أيضاًً معنى المحاكاة في المسرح معرفة دقيقة. ويسوقون حوارهم ببراعة في هذا الميدان. لكن خللاً ما في فهم محاكاة الحوار للواقع أوقعهم في متاهة انتقاء لغة الحوار أهي الفصحى أم العامية؟ دون التساؤل هل هذا الحوار يؤدي وظائفه الفنية والجمالية، المنوطة به؟ هل يحمل هذه الميزات؟ وغيرها ..
3-وظائف الحوار التي لا غَناء عنها:
قد اجمع النقاد، والدارسون على للحوار(وظائف) اساسية في المسرحية، هي على سبيل لتعداد لا الحصر: تطوير العمل المسرحي، مسروديته، وتطوير تصوير الشخصيات، او الكشف عن عقدهم، ثم المساعدة في ابتعاث المناخ الخاص للمسرحية.. ويقول(روجر الابن) :- للحوار ثلاث وظائف :
اولاها: السير بعقدة المسرحية، تسلسلها، وتدرجها.
ثانيتها: الكشف عن الشخصيات..
ثالثتها: مساعدة المسرحية كتمثيلية،أي مساعدتها اثناء الاخراج من الناحية الفنية..
ويقول(لايوس ايجري):-.. (الحوار) يجب ان يكشف عن ابعاد الشخصية، وعن اساس العمل المسرحي، او فكرته، كما يمكن له ان يكشف عن الاحداث المقبلة في المسرحية.(18)
يمكن للكاتب أن يبتكر للحوار مهمات أخرى كأن يُدخِل الغناء أو أن يقطع تسلسل الحكاية بمخاطبة الجمهور. لكنه لا يستطيع التخلي عن هذه الوظائف الثلاث. فهي القيد الذي لا بد أن يكبل يديه به حتى يكون نصه منتمياً إلى جنس المسرح.فهي تعطيه صفة الدرامية. وإذا لم يقم بها لا يفقد دراميته فحسب، بل يخرج عن كونه حواراً مسرحياً. ونذكرها بشيء من التفصيل :
1- تطوير الحبكةوالحدث :
فهو الذي ينقل المسرحية من التمهيد إلى العقدة إلى الحل. وهو الذي يكشف جوانب الصراع ويعمقه ويدفعه إلى التأزم. وهو الذي يعطي الفعل المسرحي قيمته إذ يرافقه شارحاً أو يسبقه ممهداً أو يتبعه مفسراً. و(به يزداد المدى النفسي عمقا، او الحدث تقدما الى الامام)(19)
فإذا طعن البطلُ خصمَه فقد يقول له: (خذها من أبي). أو (لن تقف اليوم في طريقي إلى العرش). أو (الآن آخذ أموالك وزوجتك). وهنا يقوم الحوار بمهمة التمهيد للحدث ويوجه سير الحكاية بوضوح وحيوية وتشويق. وإذا لم يقم الحوار بمهمة تطوير الحبكة فسوف يقع في السردية التي ميدانُها الرواية وليس المسرح. ويتوقف تطوير الحبكة على الحوار في الأفعال التي لا يمكن أن تجري على الخشبة حين لا تكون قادرة على استيعاب كل الأفعال أو استيعاب سرعة الزمن.
وأهم ما في تطوير الحوار للحبكة أنه يسوق المسرحية ضمن خطة معينة للوصول بها إلى نهاية القصة وإلى هدفها الأعلى. ولن يتحقق للحوار تأدية هذه الوظيفة إلا إذا كانت كل جملة في الحوار من أول المسرحية إلى آخرها، مربوطة سلفاً بالهدف الأعلى.(20)
2- تصوير الشخصيات:
بالحوار نتعرف على أفكار الشخصيات وعواطفها، وبه نعرف مدى ثقافتها وما تنويه من أفعال وما أنجزته من مهام. وبالحوار ايضا تصارع الشخصيةُ خصومَها وتصل بصراعها إلى نهايته المحتومة.يعاني الكتاب من مشكلة مقلقة في تصوير الشخصيات بالحوار. لأن الإنسان في العادة لا يكشف عن نفسه بالكلام. بل يخفي عواطفه ونواياه الشريرةَ والخيِّرة. فلا أحد يقول عن نفسه إنه جبان. وإذا قال إنه شجاع اتهمناه بالادعاء والتفاخر. ومع ذلك فإن على الكاتب أن يجعل الشخصية تُفصِح عن نفسها بشكل طبيعي. وهنا تتجلى مهارة الكاتب وطول باعه.. (21)
وهذا ما يؤكده الناقد المسرحي ايريك بانتلي فيهذا الصدد:" كثيرا ما تقوم جملة من جمل ابسن بأربع او خمس مهام في نفس الوقت، فهي تلقى الضوء على الشخصية التي يدور حولها الكلام وهي تطور الحدث الى الامام وتنقل في ذات الوقت الى المتفرج معنى المعنى الذي تفهمه الشخصيات".(22)
وهذا ما جعل الكتاب يلجؤون إلى حيلة (الحوار الجانبي) أو (النجوى)- وهي من صيغ الحوار المختلفة التي لتساعدهم في رسم ملامح شخصياتهم بصورة تسمح للمتلقي من فهم افعالهم و مواقفهم.
3- الوظيفة الجمالية:
إن المسرح فن من فنون القول وواحد من الأنواع الأدبية. ولذلك وجب أن يكون جميلاً بصياغته وحسن سبكه وقوة بيانه، وأن يستطيع أن يهز نفوسنا ويشبع رغبتنا في قراءة أو سماع الكلام الجميل. ولم يبدأ المسرح شعراً إلا لأنه كان يقدم متعة مركَّبة. فهو شعر جميل وهو قصة جميلة وهو مرويٌّ بتشويق. فكان يحمل خصائص الإبداع الشعري مضافاً إليها خصائصُ قوة البنيان المسرحي. فلما صار نثراً صارت مهمته في تحقيق الإمتاع أصعب. ثم لما صار واقعياً يحاول أن يحاكي اللغة اليومية في مشاكل القضايا اليومية صار تحقيق الإمتاع الجمالي أشد صعوبة. فالإنسان لا يختلف مع زوجته بكلام مشحون بالصور البلاغية. ولا يتقصَّد جمالَ السبك وفصاحةَ الكلام وهو يختلف على صفقة تجارية أو يدبر جريمة قتل. وإذا كان الشعر يتيح للشكسبير أن يملأ كلام حفار القبور بالفصاحة، فقد يكون من الصعب أو المضحك أن يكون كلام رجل أو امرأة من عامة الناس فصيحاً. والأشد مدعاة للصعوبة أو السخرية إذا كان المتكلم جاهلاً. ورغم ذلك يجب أن يكون جميع الكلام قادراً على أن يكون جميلاً. وتلك هي واحدة من صعوبات التأليف المسرحي ومن واجباته التي لا مندوحة عنها ولا يمكن التهرب منها. والأهم من ذلك كله أنها تحلُّ التناقضَ بين مقتضى الواقع والواقعية في المسرح وبين مقتضى الفن. ولكن ثمة قواعد يستهدي بها الكاتب في صياغة الحوار المسرحي نذكر منها قاعدة ناصعة تعد مفتاحاً لكل جماليات الحوار وهي (الإيصال المباشر للمعاني) لأن النص المسرحي يُسمَع ولا يُقرَأ. والقارئ يستطيع العودة إلى الجملة إن غاب عنه معناها أو صَعُبَ وصولُه إليه. أما المستمع فيجب أن يصل إليه المعنى كاملاً بكل ما يتضمنه من مواقف نفسية واجتماعية ومشاركة في سبك الحكاية. ولذلك لا بد من أن تكون الجملة قادرة على الوصول السريع إلى القارئ.(23)
ولا يمكن لهذه الوظيفة ان تؤتي اكلها الا اذا توفرت لها خصائص لغة الحوار المسرحي .
4-خصائص لغة الحوار المسرحي:
لكي يتحقق للحوار جميع وظائفه كان لا بد لـه أن يمتاز بما يلي:
آ - مناسبة اللغة لموضوع المسرحية. فالمسرحية ذات الموضوع التاريخي يختلف أسلوبُ لغتها عن أسلوب الموضوع الواقعي. ولغة المأساة تختلف عن المسرحية الكوميدية. وأسلوب المسرحية التاريخية التي تدور أحداثها في العصر الجاهلي يختلف عن مسرحية تاريخية من العصر العباسي أو العثماني.
ب - أن يتلاءم الحوار مع الشخصية. فلغة المثقف غير لغة الجاهل. ولغة الفلاح غير لغة ابن المدينة. وكلاهما يختلف عن الجندي أو الطبيب. ولغة المثقف المتبجح بثقافته غير لغة المثقف المتواضع.
ج - أن يكون رشيقاً وذا إيقاع جميل. فطول الجملة أو المقطع يؤدي إلى ضياع المعنى. والجمل التي ليس فيها إيقاع موسيقي جميل لا تفتن المتفرج أو القارئ. ونحب أن ننبه إلى أنه إذا كان الإيقاع الموسيقي في الشعر مفروضاً على الشاعر، فإنه في المسرح أكثر فرضاً ووجوباً. فهو كلام يمتد على مدى ساعة أو أكثر. وإذا لم يحفل بالموسيقى الداخلية الخفية، فإن المتفرج يضيق به مهما برع الممثل في أدائه.
د - أن يكون الحوار مساعداً للممثل على الإلقاء. وذلك بالابتعاد عن الحروف التي لا تتلاءم إذا تجاورت كالقاف والكاف أو الشين والسين، وبالابتعاد عن الكلمات التي ترهق حنجرة الممثل. (24)

خـاتمـة
كانت هذه النقاط الأبرز والأهم في الحوار المسرحي كائناً ما كانت لغة الكاتب. وقد وقفنا عندها في محاولةٍ لتكثيفها لأن الحوار هو الركن الوحيد الذي ليس فيه اجتهادٌ بالتغيير والتعديل. فقد طور الكتّاب أسلوب بناء الحبكة أو طريقة رسم الشخصيات أو نهج إدارة الصراع. وكان من حق الكتاب أن يختاروا الموضوعات وأن يحرِّمَ النقاد بعضها. لكن عنصر الحوار بصفاته وخصائصه التي جاءت في البحث – وان لم يستوفيها حقها- لا يمكن التلاعب بها أو تغييرها لأنها نابعة من خصوصية المسرح بين الفنون. فهو أدب وفن. وهو واقعي التصوير للحياة دون أن يكون واقعياً بشكل مباشر حتى لا يقع في الفهم الساذج للواقعية. او حتى يحصروا دوره في المسرحية كما هو حال بعض المخرجين الذي يريدون ان يقللوا من شأن النص ومن ثم الحوار ، وما على الكاتب إلا أن يحاول تجويد أدواته لأداء خصائص الحوار المسرحي.إن الوصول بالحوار إلى هذه المرتبة الرفيعة هو الذي ينهض بالتأليف المسرحي لأن الحوار جامعُ شملِ جميع أركان البناء المسرحي. و ما لجوء بعض الكتاب إلى العامية قد يكون نابعاً من عجزٍ عن تحقيق الحوار بهذا الشكل.
إن أمام الكاتب مجموعة من المهام الصعبة التي يجب أن تتحقق كلها دفعة واحدة حتى ترتقي مسرحيته إلى مرتبة الأدب أولاً، وأن توحي بالواقع ثانياً، وأن تنسلَّ إلى قلب وعقل المتلقي بصفاء وسلاسة بحيث تردم الهوة المخيفة بين لغة الحياة اليومية التي يتعامل معها المتلقي في حياته العادية، وبين لغة المسرح التي يجب أن توحي بلغة الحياة اليومية ثالثاً. وتلك هي المرتبة الرفيعة التي، إن تحققت للنصوص المسرحية، استطاعت أن تحتل مكانتها على المسرح من جديد.

هوامش البحث
1- توفيق الحكيم، فن الادب، دارمصر للطباعة، 1952،دون.ط،ص140.
2- عادل النادي، مدخل الى فن كتابة الدراما، مؤسسات عبد الكريم بن عبدالله، تونس، الطبعة الاولى، 1987، ص 28.
3- عدنان بن ذريل، فن كتابة المسرحية، مطبعة اتحاد الكتاب العرب دمشق،1996،ص 59.
4- فرحان بلبل، النص المسرحي الكلمة والفعل-دراسة-مطبعة اتحاد الكتاب العرب دمشق،2003 ، ينظر، ص 105،106،107.
5- عادل النادي، المرجع نفسه، ص 28.
6- علي احمد باكثير، فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، مكتبة مصر، ص 81
7- عدنـان بن ذريل، المرجع نفسه، ص59.
8- المرجع نفسه، ص 72
9- ايريك بانتلي، الحياة في الدرامة، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا، المكتبة العصرية صيدا- بيروت، 1968، ص83.
10- فرحان بلبل، المرجع نفسه، ص107.
11- عادل النادي، المرجع نفسه، ص29.
12- عبد القادر القط، من فنون الادب المسرحية، دار لنهضةالعربية، ،1978،ص 33.
13- فرحان بلبل، المرجع نفسه، انظر ص(107-108-109).
14- فؤاد الصالحي، علم المسرحية وفن كتابتها، تالة للطباعة والنشر، الطبعة 1،2001، ص 55،56.
15- فرحان بلبل، أصول الالقاء والالقاء المسرحي، مطابع وزارة الثقافة-دمشق، الطبعة الثانية،2001، ص122.
16- عادل النادي، المرجع نفسه، ص 30.
17- علي احمد باكثير، المرجع نفسه، ص 88.
18- عدنان بن ذريل، المرجع نفسه، ص 73،74.
19- محمد غنيمي هلال، النقد الادبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1973، ص659.
20- فرحان بلبل، النص المسرحي الكلمة والفعل، انظر ص 109.
21- رشاد رشدي، فن كتابة المسرحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1998، ص50.
22- فرحان بلبل، النص المسرحي، انظر ص110.
23- فرحان بلبل، أصول الالقاء والالقاء المسرحي، انظر ص،122.
24- فرحان بلبل، المرجع نفسه، ينظر، ص 121-127.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,647,237,361
- سيميائيةالعنوان في مسرحيةمسافرليل لصلاح عبد الصبور
- سيميائية العنوان في مسرحية -مسافر ليل- ل صلاح عبد الصبور


المزيد.....




- فيلم جدزر وصخب في مقر البرلمان البريطاني
- هذا الفنان يرسم بـ -النار- حرفياً
- تحضيرات لاقامة الملتقى المسرحي العراقي المصري الثاني -
- وفد صحراوي يشارك في إجتماعات وزراء الشباب والرياضة والثقافة ...
- فيلم -هيفن نوز وات- يفوز بالجائزة الكبرى في مهرجان طوكيو الس ...
- مشاهير -الفنون الإلكترونية- يستعرضون تجاربهم ورؤاهم بجامعة ز ...
- الفنان الشاب ماهر عصام يدخل في غيبوبة
- محكمة تلزم احمد عز باجراء تحليل الحمض النووي والفنان يرد: دو ...
- تألق -صفية العمرى- بمهرجان أبو ظبى السينمائى
- التعليم: 6 حصص إسبوعية لتعليم اللغة الإنجليزية للمرحلة الإعد ...


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي بن العربي - ماهية الحوار المسرحي