أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد حسين يونس - يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر ( 4 )















المزيد.....

يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر ( 4 )


محمد حسين يونس

الحوار المتمدن-العدد: 3104 - 2010 / 8 / 24 - 20:00
المحور: المجتمع المدني
    


ممارسة المهنة
مع مطلع القرن العشرين كان النشاط الأساسى لسكان الوادى (بمصر) هو الزراعة ، وكانت المحاصيل مخطط لها ان تمد مصانع يوركشير ولانكشير بالقطن المصرى الفاخر وتغطى إحتياجات البشر من الحبوب والخضراوات والفاكهة ، واحتياجات تربية المواشى من برسيم واعلاف من اجل اللبن واللحم وما يتبعها من خير .
وكان محمد على ( وأسرته ) قد وضعوا أساسات مصر الحديثة التى اختاروها زراعية ، بتطوير أساليب الرى والصرف وشق الترع والرياحات ، وإقامة القناطر والسدود والطرق ، كذلك بتحسين الملاحة النهرية والبحرية ( خاصة قناة السويس ) ووسائل النقل الأخرى بما فى ذلك السكك الحديدية . وكانت المدارس والمعاهد العليا التى انشأها محمد على والبعثات التى ارسلها لأوروبا هو ومن بعده اسماعيل باشا ، قد نجحت فى إقامة نظام تعليمى مدنى ( عكس دينى ) لتخريج فنيين ومساحين وقياسين وكتبة ، فضلا عمن تعلموا بالخارج من مهندسين للرى والميكانيكا والسكك الحديدية والتليفونات وعادوا ليعملوا تحت رئاسة مهندسين أجانب ، أجذل لهم ليديروا نظام رى صارم ومواصلات ومرافق منضبطة ،بالاضافة الى قناة السويس .
الحرب العالمية الأولى نشبت مع بدايات العقد الثانى من القرن ، وكان نتيجتها أن أغمض الانجليز أعينهم عندما بدأت صناعات مثل الغزل والنسيج والسكر والكحول تزدهر وتتطور لتلبى احتياجات جيوش الاحتلال المحصورة بعيدا عن مصادر إمدادها.
مع ثورة 1919 وانبثاق الحس الوطنى قويا ، بدأت الصناعات الوليدة تتطور وتكتمل بما أسسه طلعت حرب من شركات ومصانع ممولة بواسطة بنك مصر ، جنبا الى جنب مع استثمارات الأجانب فى مجال الطاقة والخدمات .
أثناء الحرب العالمية الثانية ، إستطاعت الصناعات والخدمات المصرية أن تصمد فى مواجهة الحصار الألمانى وتولت تزويد جيوش الاحتلال بمؤنهم المعيشية ، وكان مطلب الاستقلال السياسى وإقامة مجتمعا صناعيا عصريا قد أصبح هدفا لكل المصريين .
قى منتصف القرن العشرين ، كان الأجانب يتحكمون فى البنوك وشرايين التجارة ، ويمتلكون المرافق الرئيسية مثل شركات توليد وتوزيع الكهرباء والغاز ويديرون السكك الحديدية والتليفونات وغيرها من الخدمات الحكومية الهامة .. لذلك عندما أعلن ضباط الانقلاب العسكرى ، تمصير المؤسسات وطرد الأجانب ، قوبل هذا الاجراء باستحسان .. وعندما أممت قناة السويس ، إنفجر الشارع سعادة ، وعندما اعلنوا ان مصر سوف تصنع من الابرة للصاروخ كان هذا تعبيرا عن حلم طالما سعى اليه المصريون .
ولأول مرة منذ نهضة محمد على يصبح المهندس المصرى فى المواجهة دون عون الأجنبى .. كان عليه إدارة المرافق وقناة السويس والسكك الحديدية وانشاء المصانع وتشغيلها والتحكم فى نظام الرى والصرف والخروج بمصر من سرداب الدولة المستعمرة الى الأمة المكتملة السيادة المتطلعة لان تجد لنفسها موقع قدم فى النظام الليبرالى العالمى التالى للحرب العالمية الثانية .
هذه المقدمة التاريخية ، جاءت كتذكرة لما كان عليه المجتمع فى زمن سابق بنصف قرن ، وقد تكون كرد فعل نفسى لما تطالعنا به الصحف كل صباح من إهانات مهنية بسبب إنقطاع التيار الكهربائى أو غرق أحياء وقرى كاملة فى المجارى ،أو عطش مدن لنقطة مياه نظيفة خالية من مسببات الأمراض ،أو تلوث النهر بالمخلفات الصناعية والبشرية ، أو حجم حوادث طرق غير مسبوق ، وكأن نصف القرن الذى مر لم يكن كافيا لأن ينتقل مجتمعنا من دولة مستعمرة خارجة من ظلام التخلف المملوكى ، الى ما تمناه أبنا ؤهايوما أن تصبح درة التاج بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط الزاهية بحضارتها .
المهندس المصرى الذى أبلى بلاء حسنا فى أعقاب التمصير والتأميم ، اصطدم بالارادة الفاشيستية للعسكر التى هدفت الى إزاحة جميع الطبقات المتقدمة عليها عن طريقها ليحتلها الضباط ، وسادت مقولة " الولاء قبل الخبرة " فانتشر الانقلابيون يغزون كل المصالح الحكومية والمديريات ( المحافظات) والوزارات والصحافة والإذاعة وكل مناحى الحياة ..و وجد المهندس أن عليه تلقى تعليماته من ضابط غير متفهم لطبيعة عمله حتى لو كان هذا الضابط مهندسا، ثم تم تكليف جميع الخريجين للعمل طبقا لإرادة عسكرية عليا مع التوسع فى عدد الطلاب والخريجين حتى لو كان هذا على حساب الكيف ، ودان حكم مصر للعسكر، لتبدأ الأهوال.. ميزانية الدولة المحدودة وجه أغلبها للقوات المسلحة وأهمل ما عداها بما فى ذلك المرافق والطرق، وليت هذه التضحية أتت بنتيجة ، فلقد انهزمت القوات المسلحة فى ثلاث حروب متتالية بورسعيد اليمن سيناء ، ومع الهزيمة تلاشى الحلم ، واكتشف المصرى عموما والمهندس خصوصا أنه قد حصد الوهم فالمصانع التى أقيمت لخدمة المجهود الحربى توقفت ثم انتجت ماكينات خياطة وأوانى طبخ بدلا من الطائرات ، والصواريخ قاهر وظافر رقدت بسلام دون انياب والمصانع المدنية التى تم تاميمها او إنشاؤها تعطلت بسبب عدم وجود قطع غيار أو خامات وغرقت المدينة فى مياه المجارى وتعطل التيار الكهربائى بسبب فأر السبتية ، وتحول الاسمنت والحديد الى دشم وتحصينات ، وأزيح المهندس درجة اخرى لأسفل السلم .
الخبرة التى اكتسبها المصرى من الأجانب منذ زمن محمد على قضى عليها ملوك الفهلوة والمسكنات الفنية ولم تعد هناك خطة ى شئ ، ولقد ظلت منذ زمن الأصوات التي لا تعلو على صوت المعركة حتي يوم أن سكنت فيه أصوات المدافع باتفاقية كامب ديفيد ، العشوائية تحكم ممارسة المهنة .
الجامعات تنتج مهندسين غير متعلمين ، وحاصلين على درجة الدكتوراة غير مؤهلين ( الدراسات العليا لم تعد إبتكارا وإنما نقل عن السلف ) والاقتصاد يتراوح بين رأسمالية الدولة والرأسمالية الطفيلية ، والقروض والاعانات تختفى فور وصولها، والمهندسون متفرقون كل يجاهد فى المكان الذى قذفت به اليه الصدفة بعد أن اندمجوا فى شرائح المجتمع من أسفلها الى أعلاها ، فقد تجد المهندس المليونير ، جنبا الى جنب مع ذلك الذى يطلب إعانة زواج او مرض من النقابة .
الفترة التالية لذلك آى الثلاثون سنة الماضية تحتاج لنظرة متأملة، فلأول مرة منذ بدأ المصريون يعملون فى مهنة الهندسة ،تحكم المحاكم على مثل هذا العدد منهم بالسجن فى قضايا فساد ... المهندسون الذين سقطوا يمثلون مؤشرا لمدى استشراء هذه الظاهرة بين زملاء لهم ، كانوا اكثر حرصا فى ترتيب أوراقهم .
إن المدير او عضو مجلس الادارة لشركة او مؤسسة حكومية ، الذى يحج ويذهب للعمرة مرتين كل سنة، ويواظب على الصلاة ( الجماعة ) حتى لو كان فى زيارة ميدانية ، يصعب أن نتصوره يمارس الفساد باحتراف ،حتى تمر من أمام القصر الذى يعيش فيه وترى البذخ الذى ينفق به على الأبناء والبنات لتسأل من أين له هذا وهو تحت نظر ومباركة الأجهزة الرقابية والأمنية .
لقد طال الفساد الجميع لا يستثنى منه مكان ،تجده فى شركات المقاولات وشركات توريد المعدات وفى وزارات الكهرباء والاسكان والتعمير والبترول والرى والنقل ، وستكتشف أصحابه بسهولة رغم أن أى منهم قد تحصن إما بالعزوة والشلة أو بتستيف الأوراق والمبررات أو بتبادل المنفعة مع من بيدهم الحل والربط .
وزارة الاسكان والتعمير ( مثلها فى ذلك مثل باقى الوزارات وإن كانت حالات السجن لمسؤليها أكثر ) بدأت القصة مع الانفتاح الساداتى ، وإحتكاك شركاتها بالشركات الأجنبية ثم تراكم ما تفضل به الشريك الوافد على أعضاء ورؤساء مجالس الادارات من منح وهبات، البعض ( واسمحوا لى ألا أذكر أٍسماء أو وقائع فالأبناء الذين ينعمون اليوم بما ترك لهم الآباء أصبحوا من القوة بحيث يستطيع اى منهم هرسى هرسا بواسطة المحامين والاصدقاء المهمين والبلطجية المحيطين ) أقول البعض لم يكتف بهذا فكون شركة باسم السيدة حرمه والأنجال استخدمت شركته ( القطاع العام ) لتنمو وتتضخم ، حتى إذا ما أصبحت قادرة ، استقال من منصبه وأسفر عن وجهه الجديد ، هذا النموذج تكرر لثلاثة أو أربع مرات فى حدود معرفتى ، ونجاحه شجع الآخرين على خوض التجربة سواء فى مجالات الاستشارات الهندسية أو الوكالة للشركات الأجنبية أو فتح أسواق للمعدات والماكينات المستوردة أو دخول مجال الصناعة التى تخدم العملية الانشائية ( حديد اسمنت طوب مواسير بويات بلاط سيراميك ) عشرات الأسماء التى أصبحت نجوما فى سماء الاقتصاد المصرى ، ومثلها للأبناء الذين أكملوا المسيرة متخلصين من خطايا مورثيهم ، تراهم فى عرباتهم الرولزرويس والجاجوار وفى قصورهم المقامة فى مجتمعات مغلقة وفى جلسات الرقص والغناء وعلى ترابيزات القمار فيخيل لك أن الارستقراطية المصرية قد عادت من جديد .
الجيل التالى للرواد ( فى النهب والسرقة ) كون عصابات متكاملة من المكاتب الاستشارية فى تعاون مع المقاولين والموردين والموظفين العموميين الذين يمنحونهم العقود بأوامر تكليف ( أشهر هذه العصابات عصابة الأربعة المعروفة فى مجال المقاولات ) هذا الجيل رزق بما يسمى بالمجتمعات الجديدة ، فضارب على أسعار الأراضى لترتفع قيمة المتر من خمسين الى خمسمائة الى ألفين وخمسمائة الى خمسة آلاف جنيه وما صاحب هذا من تكوين ثروات غير مسبوقة ، ثم جاء انشاء المرافق التى أوكلت لشركات من الهواة لتنفيذها بأسعار فلكية تتجاوز المليارات وبمواد موردة من مصانع الشلة توافق عليها مكاتب استشارية صديقة.
التصميم المعد باهمال والمواد المخالفة للمواصفات ، والتنفيذ الذى جاء كارثة فى كل تفاصيله ، والاشراف الصورى الا فيما يخص اعتماد المستخلصات ، كتب على سكان المجتمعات الجديدة المعاناة من الكهرباء والمياه والصرف الصحى والتليفونات والاضاءة والمظهر العام .
المشكلة انه بعد ان انتهى دور المسئول الهندسى الأعظم وعين آخر مكانه ، استخدم الجديد نفس الأدوات المضروبة للقديم لتستمر الكارثة ، قصة متكررة فى كل المجالات الهندسية والغير هندسية ، لقد أتلف الفساد جيل كامل من المهندسين ، فأصحاب الخبرة يشغلهم السعى خلف اصطياد أعمال خاصة تزيد من رصيدهم ، والشباب تائه لا يجد من يعلمه أو يقوده ، والنقابة تخلت عند دورها فى توجيه النشاط الهندسى للمجتمع ، والجامعات اصبح لأساتذتها مشاريعهم التى آخرها تطوير المهنة ،وعائد العمل الشريف دون إضافات لا يشبع ، ويجعل من المهندسين طبقة أقرب الى الفقراء منها الى المتوسطين ، فلماذا لا تنفجر مواسير المياه ولماذا لا تسقط العمارات !! ولماذا لا تنهار الكبارى وتتدمر الطرق وتنقطع الكهرباء وتتصادم القطارات ، ويتحول نهر النيل الى مستنقع ملئ بالنفايات ! بعد قرنين من دخول محمد على بمصر الى عصر التنوير ، وبعد تاهل اول مصرى كمهندس لا نزال دولة تعانى من التخلف الحضارى ، ويا حزن قلبى عليكى يا مصر .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,382,677
- يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر ( 3 )
- يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر ( 2 )
- يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر
- اشنقوا - جدو- أمام البوابة الرئيسية لنادى الزمالك
- حوار إنتظر نصف قرن ليتم
- هز القحوف فى مرثية لأبى شادوف
- مليون جنية لكل لاعب !! إنها قسمة ضيظى
- لا تصدقوا هذه الجماهير
- يا أهل مصر اهربوا منها
- أبناء الديانة الرابعة ...هذا قدركم
- أحلام القرن الحادي والعشرين وإشكالية التنوير
- أنا مع الفرعون .. طبعا 3/3 ..الحلقة الأخيرة
- أنا مع الفرعون .. طبعا (3/2)
- أنا مع الفرعون .. طبعا (1/3)
- مصر مستعمرة وهابيه3 الجزء الأخير
- مصر مستعمرة وهابية 2
- مصر مستعمرة وهابية
- القلعة الفولاذية السوداء تتحرك
- لوحات الجد حسن و غضب الله
- الكورال الحكومي و الدكتور البرادعي


المزيد.....




- الحريري يبحث مع منسق الأمم المتحدة كيفية دعم عملية الإصلاح ف ...
- محكمة عراقية: الإعدام لبلجيكي أدين بالانتماء لداعش
- بوتين يقر قانونين يحظران إهانة رموز الدولة والأخبار الكاذبة ...
- محكمة عراقية تقضي بإعدام بلجيكي -متشدد-
- اعتقال إيرانيين دخلا الأرجنتين بجوازي سفر إسرائيليين مزورين ...
- العراق.. الإعدام لبلجيكي بسبب انتمائه لداعش
- الرئيس السوداني يفتتح مدينة الخرطوم الاجتماعية ويؤكد الاهتما ...
- الصين تدافع عن إجراءاتها المثيرة للجدل ضد المسلمين وتعلن اعت ...
- الصين تدافع عن إجراءاتها المثيرة للجدل ضد المسلمين وتعلن اعت ...
- لا بأس، غداً تُشرق الشمس


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد حسين يونس - يا حزن قلبى على مهندسينك يا مصر ( 4 )