أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - بوابة التمدن - حمود حمود - هل كان محمّد عبقرياً؟






















المزيد.....

هل كان محمّد عبقرياً؟



حمود حمود
الحوار المتمدن-العدد: 3099 - 2010 / 8 / 19 - 07:48
المحور: بوابة التمدن
    



نقد ظاهرة الوحي المحمّدي
«لا شيء من هذا الشعر من عملي. لقد ألّفته جميعاً ربّات الفنون. وهي وحدها تستطيع أن تنبئ عن سبب إثبات شيء وإهمال شيء آخر».
لوكيان (في محاورته مع هزيود) (1)

كتب الأستاذ "هاشم صالح" في مقاله الأخير بشأن ارتباط الجنون بالإبداع العبقري : «والواقع أنّ الطبيب النفساني الشهير جان ايتيان ايسكيرول قد برهن في دراسة مهمّة على اشتراك محمد ولوثر وكاتون وباسكال وجان جاك روسو بنفس التركيبة النفسية، أو بنفس الهمّ الداخلي الذي فجّر في أعماقهم نار العبقرية». (هذا المقال هو الثاني الذي قرأته له بخصوص هذه الظاهرة [نُشر المقال الأول بتاريخ 2002 (2)]). إنه من المثير للاهتمام أن يُعاد فتح هذه الملفات المغلقة، وخاصة في تناول شخصيات كبار أمثال محمد. والعجيب أنّ الغرب قد انتهى من درس محمد سيكولوجياً وتوصّل إلى نتائج مهمّة، كالتي أشار إليها هاشم صالح، في حين أنّ الإسلاميين ما زالوا إلى الآن يحتفظون بالمكانة المقدّسة له، ويحظرون على الفكر النقدي الاقتراب منها.


ما توصّل إليه الطبيب "ايتيان ايسكيرول" صحيح إلى حدٍّ ما، بوضع محمد إلى جانب روسو وباسكال..وبالضبط اشتراكهم في التركيبة النفسية. وكما أشير (الإشارة إلى هاشم صالح من المقالين) أنّ روسو كان يعاني من عقدة الاضطهاد، لذا ليس غريباً أن يقول : لو أردت أن أكون نبيّاً من كان سيمنعني؟!. محمد بالمقابل كما سيمرّ معنا، كان مضطهداً ونشأ يتيماً، إلا أنه خلافاً لروسو أطلق صرخته (على الأرجح أواخر أيامه المكية) بأنّه نبيّ! وشعر بالعظمة واعتبر نفسه خاتم الأنبياء…الخ. إضافة إلى اشتراك مثل هذه الشخصيات المبدعة بقوالب نفسية متشابهة، سواء عند روسو أو سقراط (كما أفرد لولوت له "شيطان سقراط") أو عند باسكال ("تعويذة باسكال") أو عند الكهنة (كما مرّ معنا سابقاً) أو عند محمد (لكن للأسف لم يفرد إلى الآن دراسة خاصة تتناول هذه الجوانب فيه!).


بداية ولكي لا يقع التباس في عنوان المقال بخصوص كلمة العبقرية بشأن محمد، أحب أنّ أشير إلى نقطتين، الأولى : ليس المقصود بها ما قدّمه -مثلاً- الإسلاموي "العقّاد" بخصوص عبقرياته (عبقرية محمد، عبقرية الصديق..الخ)؛ وإنما بمعنى العبقرية الجنونية التي تنتاب العباقرة والمبدعين والتي استفاض بذكرها هاشم صالح.


عبقرية محمد في هذا السياق هي ما كان يبدعه، عن طرق مخياله من فنتازيا قرآنية، وخاصة في مراحله المكية، وما كان يصاحب هذا الإبداع من حالات جنونية، ونوبات نفسية كانت تعتريه، كشأن العباقرة الآخرين الذين كانت تصيبهم هذه الحالات أثناء إبداعهم روائعهم الأدبية والفنية، والتي أصبحت بمثابة شواهد على عصر الحداثة والنهضة الأوربية (كما هي "أزهار الشرّ" لبودلير) وما كان يصيب الكهنة العرب الذين أتينا على ذكر بعضهم سابقاً. وسنأتي لاحقاً على طرف من تلك الحالات العصابية أو النوباتfits, Convulsion التي كانت تقع لمحمد، طبقاً لما يقدمه الموروث الإسلامي عنه.


أما النقطة الثانية فهي استكمال للأولى، وتتعلق بمعنى "جنون محمّد" أثناء الوحي. فكما أشار هاشم صالح، إن العبقري يشترك مع المجنون (أو مع المريض العقلي) بصفة أساسية واحدة : هي عيشه أزمات داخلية، ولكن الفرق بينهما هو أن أزمة العبقري تنحل عن طريق الإبداع، في حين أن أزمة المجنون تبدو مجانية ولا تؤدي إلا إلى الهذيان الفارغ. وهكذا أيضاً جنون محمد كما سيمرّ معنا، فليس المقصود به Madness بكل ما تعنيه الكلمة، وإن كانت بعض أعراضه تتقاطع مع نوبات محمد. هذه النقطة بالضبط قد أشكلت على المستشرقين في دراساتهم عن محمد، سواء في تفسير هذه النوبات بالمعنى السلبي (شبرنجر، فايل مثلاً)، أو بإنكارها بالأصل (كما فعل مونتغمري وات). نعم لقد بقيت حالة محمّد سليمة في أحواله العادية، بل وحتى أواخر حياته؛ لكن هذا لا يعني أن حالته كانت سليمة تماماً في عيون قومه، وخاصة أثناء نوباته حال إبداع ألفاظ القرآن. من هنا وكما مرّ معنا، عندما رأت قريش حالة محمد هذه، اقترحت الطبيب له لكي يداووه من تلك الأعراض التي كان يتعرّض لها كما رأينا سابقاً.


إذن إنّ الفانتازيا القرآنية ربما هي التي كانت تحلّ له إشكالات نوباته العصبية، ولولاها لربما عُدّ محمد في إطار المجانين أو المرضى العقليين. على كل، لربما تتوضح معنا هذه النقطة إلى الأمام أكثر. لكنني أحببت أن أفرق بين نوعي الجنون الذَين أتيت على ذكرهما بشأن محمد.


سيتناول هذا المقال ثلاثة محاور، الأول : قراءة سريعة لنمط من المثقفين، كانوا قد أفردوا لمحمد وقرآنه دراسات مخصصة، ومقارنتها من ثم مع دراسات إسلامية مشيخية. الثاني: سيتناول جذور العبقرية الجنونية لمحمد ودراستها. بينما سيخصص المحور الثالث : لمحاولة تفسير الوحي المحمدي بوصفه حدساً نفسياً، بعيداً قدر الإمكان عن أيادي التراث.


وحي محمد بين "البوطي" و"هشام جعيط":



رغم ما تمتع به مقالا هاشم صالح من توصيفات وتحليلات جيدة لجنون العباقرة والقائمة الطويلة التي قدمها عنهم، إلا أنه وصل إلى نتيجة في مقاله الأول بأنه تبقى هذه الحالات –العبقرية والجنون- سرّ الأسرار إنها تستعصي على كل تفسير. لا ندري بالضبط مدى دقة هذا الحكم حينما يدخل في إطار ميادين البسكيولوجيا وعلم النفس الديني (بخصوص عبقرية المتصوفة –ابن العربي في فتوحاته المكية مثلاً- والأنبياء…الخ). ذلك أنه ثمة محاولات عديدة قامت بها العلوم الحديثة لإعطاء تفسيرات -وإن كانت نتائجها متباينة- سواء بتفسير جنون المبدعين أو بأصل ومنشأ إبداعهم ودافعه النفسي والاجتماعي. وقد أقر هاشم صالح بحق أن العرب يخجلون إلى الآن من تناول هذه الظاهرات ودرسها بما يخصهم، رغم تجاوز الغرب بأميال لهذا، سواء في دراسة أنبيائهم (كنبي العصور الحديثة مثل جان جاك روسو) أو حتى في دراسة محمد، نبي المسلمين. إننا نقدّر وعورة هذه الأبحاث وصعوبة فهمها تماماً لهذه الظواهر، لكن لا يجب أبداً إغلاق باب البحث العلمي، ورميها من ثم إلى داخل أحضان الأسرار والغيب: كل شيء يحدث في هذا العالم. لربما يعجز العلم بعض الأحيان عن إعطاء نتائج واضحة يتفق عليها الجميع بخصوص بعض الظواهر، لكن هذا لا ينفي أبداً القيام بمحاولات درسها ونقدها.

يفرح الإسلاميون لمثل هذه الأحكام المتسرعة (سر من الأسرار!). أين نجد تفسير هذه الأسرار عندهم؟ سنجدها في أحضان الله والخرافة والغيب وطلاسم الأنبياء…الخ. لذا لا نعجب من التقاء بعض الأصوات المثقفة مع أصوات الإسلامويين بخصوص طلاسم وحي محمد، ورميها في مرمى الغيب.


نمط من بين تلك الأنماط المثقفة التي قرأت وحي محمد (يُفترض أن هذا النمط حداثي، ويُصنف عادة خارج دائرة الخطاب الديني الأرثوذكسي الإسلامي)، هو الأستاذ "هشام جعيط". ولنلاحظ كيف يرمي "جعيط" ظاهرة الوحي المحمدي إلى أحضان الغيب والأسرار: «وليس بالطبع للعلم الموضوعي ولا للفلسفة قول في هذا المجال. ولا معنى لأي فيزيائي أن يقرر أن الأنبياء لم يروا الإله، أو لم يحصل لهم تجل ما، وليس للفيلسوف أن يفسر عقلياً هذه الظواهر… وليس حتى للعالم النفساني قول حصيف في هذا الميدان، ولا يحق ذلك للمؤرخ طبعاً… (3)». الآن، ماذا بقي من أصناف العلوم؟ لم يبق أمامنا مع أحكام جعيط هذه، إلا أن نحني رؤوسنا بكل تواضع لخرافات الدينيين وطلاسم الإسلاميين في تفسير وحي محمد!


أظنّ أنّ غياب الفكر التاريخي والنقدي هو أحد الأسباب الذي انتهى بجعيط أن يقرأ وحي محمد بالشكل الغيبي الذي وصل إليه؛ لا بل أن يقف بنتائجه التي توصل إليها إلى جانب أحد الأبواق الإسلاموية، الشيخ السوري "محمد سعيد رمضان البوطي" (واحد من منظمي أمور التقديس والأسلمة وحراسها في سوريا والعالَم الإسلامي)، لنجدهما يلتقيان عند نفس النقطة ويتفقان عليها، بأن محمداً لم يكن عنده علم بالوحي وبأنّ الربّ فاجأه به. يعلن "هشام جعيط" في نهاية دراسته عن "الوحي والقرآن والنبوّة" بأن النبوّة تأتي بشكل مفاجئ وهي هدية من الله أو كما يقول: «إنما النبوة تأتي بغتة وتُفرض فرضاً ولا علاقة بينها وبين الرياضة الروحية. هي هبة من الله… (4)». طبعاً هذه الفجائية (أو البغتة الإلهية كما عند جعيط) لا يمكن تفريقها عما توصل البوطي أيضاً لها في مبحثه عن الوحي؛ حيث إن محمداً عند شيخنا السوري قد: «فوجئ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه وهو يقول له: إقرأ… (5)»، ذلك أن الوحي لم يكن إلا: «تلقيناً منه عليه الصلاة والسلام لحقيقة خارجة عن كيانه بعيدة عن إرادته، لم يكن مستشرفاً لها ولا متوقعاً شيئاً منها(6)».


في الواقع ليس ثمة فرق في هذا السياق بين البوطي (الشيخ) وجعيط (الناقد والحداثي). وإن كان هناك من اختلاف بينهما فهو في الدرجة، لا في النمط الثقافي الذي ينتمي إليه الاثنان في النظر إلى بدء حدوث وحي محمد. فمثلاً: البوطي يقرّ بقصة غار حراء، في حين أن جعيط ينكرها من أصلها، إلا أنه لا يخبرنا للأسف في أي الأمكنة نزل وحي محمد؟! والسبب في هذا كما تبين من الشاهد الذي نقلناه عنه أنه لا يعترف بشيء اسمه الرياضة الروحية التي تمارس في المغارات، فهذه من عمل النساك والمسيحيين كما يعبر هو.


يكمن الإشكال عند جعيط في الأساس (كما نجده في كتابه الثاني "ج2" عن محمد) أن هؤلاء الأنبياء والمبدعين يمتلكون تاريخاً خاصاً (أو بالأحرى فوق التاريخ)، ولا يجب أن يخضعوا للسياق السياسي أو الاقتصادي الذي ظهروا فيه، ذلك أن: «السياق الفكري والوجداني ليس كالسياق السياسي. ونابليون ليس كـ محمد(7)».


لماذا نابليون ليس كـ محمد؟ لأن نابليون عند جعيط يولد في التاريخ، بينما يولد محمد خارج التاريخ، أو في غفلة من التاريخ كما يعبّر جعيط بلغة غير تاريخية: «فكبار المصلحين والمبدعين في الدين والفكر يظهرون في غفلة من التاريخ، في أماكن نائية عن ضوضائه وهيجانه، ولكن باتصال ولو قليل بتأثيرات في ميدانهم(8)». لربما نتلمّس افتخار هشام جعيط بأن نابليون ليس كـ محمد. لماذا؟ لأن محمداً يولد، والتاريخ مغمض عينيه، كما أن التاريخ الديني لا يجوز درسه ونقده كما ننقد التاريخ السياسي. ولم يقف الأمر عند جعيط أن نابليون ليس كمحمد، بل إن الأنبياء كلهم صغار أمام محمد (ودائماً الكلام لجعيط): «وإذا ما صنفت زمرة الأنبياء إلى صغار وكبار، فإنهم يبدون كلهم صغاراً أمامه(9)». لن يستغرقنا الحديث عما عند جعيط من مفاجآت مكية وميتافيزيقية، إلا أنني أحببت أن أشير وأؤكد أن هذا نمط من بين أنماط إيديولوجية عديدة تناولت محمداً ووحيه، وقرأته بالتالي وفقاً لمنطق القطيعات المعرفية التي ظهرت مع فلسفات القرن العشرين. لكن هنا عند جعيط، فإننا لا نتكلم عن قطيعة معرفية أو إبستمولوجية، وإنما عن "قطيعة لاهوتية". هكذا تنزل الهدية (الوحي) فجأة من الله، وتقطع مع ما سبقها. ولا يمكن لهذه القطيعة أن تحدث إلا فوق التاريخ. لماذا؟ لأن المصلحين والأنبياء يولدون عند جعيط والتاريخ مغمض عينيه!


ولا يخفى أن ما سيُقدم الآن تالياً هو أيضاً مجرد قراءة أخرى ليس إلا، فيما يخص جنون محمد أثناء إلهامه أو وحيه. ذلك أننا كشفنا سابقاً عن بعض الشروط التي سمحت لمحمد أن يقول أنه تلقى وحياً من الرب، وخاصة بوضع هذه الشروط إلى جانب كهنة العرب، وقد خرجنا بنتيجة بأن وحي محمد ما هو إلا امتداد للكهانة العربية بشكل خاص، والكهانة والنبوءات الساميّة بشكل عام (انظر وحي محمد، ج1 نشر على الأوان في الأول من يوليو 2010)، إضافة إلى الظروف الموضوعية الأخرى والمساعدات التي كان يتلقاها من خديجة وورقة بن نوفل وعداس النينوي…الخ.


هل كان محمد عبقرياً؟



"أجمل الأشياء هي التي يوحي بها الجنون ويكتبها العقل" هكذا يقول أندريه جيد. ويصرح لامارتين (الشاعر الفرنسي 1790-1869) بأن العبقرية: "تحمل في ذاتها مبدأ الهدم والموت والجنون، كما تحمل الثمرة في باطنها الدود". ويقول ديدرو: «لقد عشت طوال حياتي أدافع عن الانفعالات القوية، فهي وحدها التي تحركني. وفنون العبقرية تولد مع الانفعالات وتموت معها(10)».


إذن، لا بدّ من الجنون! نعم لا بدّ منه في سبيل الإبداع والعبقرية كما عبر بعض عباقرة أوربا. وليس غريباً اعتبار العبقرية في القرن التاسع عشر بأنها صورة الجنون كما يرى "بنيلوبي مري".
لكن أين تقف حدود العبقرية والجنون في حالة محمد، النبي العربي؟


في الواقع لم تغب هذه الصور عن أهل الصحراء (البدو العرب) وهم يرون تلك الانفعالات العبقرية التي كانت تصيب محمداً، مؤسس الإسلام. وأحب أن أشير أولاً أنه لن تعنينا كثيراً الروايات الكثيرة المتناقضة مع بعضها بشأن كيفيات تسليم رسائل الوحي لمحمد(11)، بقدر ما يهمنا في سياقنا الحالي كيفية محمد ذاته والنوبات العصبية التي كانت تعتريه (وهذا ما سنأتي على تفسيره لاحقاً)، وما كان يستتبع ذلك على صعيد قدرته النفسية على الاحتفاظ بالقرآن. يرتدّ جذر كلمة عبقرية في الكتب التراثية العربية –كما أشرنا في موضع سابق- إلى وادي عبقر، هذا الوادي العربي الشهير الذي كانت الجن تقطنه. ولن نستطرد بالحديث ثانية بخصوص هذا، سوى الإشارة أنه لن يصبح الشخص عبقرياً ولن يبدع بأي كلام، مالم تسكنه أرواح أو جن وادي عبقر، أو على الأقل أن تزره في مسكنه لتلقي عليه مجوهراتها. وفي هذا السياق يقول: زهير عن جنّ وادي عبقر:
عليهن فتيان كَجِنّةِ عَبقرٍ … جديرون يوماً أن يُنيفوا فيَسْتعلوا

وإلى هذا المعنى يصف الجاحظ: "ولذلك قيل لكل شيء فائق، أو شديد: عبقري. وفي الحديث، في صفة عمر فلم أر عبقرياً يفري فريّه (12)". هكذا يتفاخر الشاعر بأن الشيطان الذي كان يسلمه الوحي الشعري هو ذكر وليس أنثى (ذلك أن الجن والملائكة كانت تعتبر في اللاهوت العربي القديم بأنهم إناث):

إني وكل شاعر من البشر … شيطانه أنثى وشيطاني ذكر(13)


من المحتمل أن محمداً كان يعاني من بعض الأعراض النفسية (العبقرية) الغريبة (لا نستطيع أن نحكم أنها عصابية بالمعنى الفرويدي) حتى قبل أن يبدأ بالإعلان عن ظهور الأرواح له. ينقل القاضي عياض (ت 544هـ) عن ابن اسحاق في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" أنّ محمداً: «كان يرقي من العين وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن، فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه قبل ذلك(14)». يعلق الإمام الحلبي في كتابه "إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (الحلبية) " على هذا الحديث، أن محمداً كان يُصاب قبل الوحي بحالات فقدان الوعي أو الإغماء وحصول الرعدة أو النوبة العصبية، فيتربّد وجهه ويغمض عينيه… يقول الحلبي: «هذا يدل على أنه كان يصيبه قبل نزول القرآن ما يشبه الإغماء بعد حصول الرعدة، وتغميض عينيه، وتربد وجهه، ويغط كغطيط البكر(15)». لذلك لن نستغرب من سؤال خديجة -زوجة محمد- له أن تأخذه لكي يرقى من هذه الأعراض عندما بدأ الوحي، إلا أن محمداً على ما يبدو كان واعياً لها، بأن مثل هذه النوبات العصبية لا بد أن تلازم الأنبياء (العباقرة) أثناء الإلهامات النفسية. تسأله خديجة حينما بدأ التلفظ بالقرآن: «أوجه إليك من يرقيك؟» فيرد عليها محمد: «أما الآن فلا(16)»!. طبعاً هذا يدل على أن محمداً كان يُعالج بتلك العلاجات التقليدية السائدة، الرقية وما شابه قبل الوحي. أما من هو الذي كان يقوم بعلاج محمد، فهذا لا تأتي عليه المصادر. ولهذا يقول الإمام الحلبي: «ولم أقف على من كان يرقيه ولا على ما كان يرقى به». لكن يحتمل أن محمداً إذا كان يعاني من تلك النوبات وهو طفل كما يفهم من الروايات التراثية، فإن الذي كان يقوم بذلك أمه "آمنة بنت وهب"، بغض النظر عما تحمله هذه الروايات من صيغ خرافية: «واشتهر على بعض الألسنة أن آمنة، يعني أمه رقت النبي من العين، ولعل مستند ذلك ما تقدم عن أمه أنها لما كانت حاملاً به جاءه الملك وقال لها: قولي إذا ولدتيه: أعيذه بالواحد … من شر كل حاسد(17)».


إذا دققنا قليلاً بخصوص كلمة "سجع" (سنفرد لاحقاً دراسة مخصصة بشأن سجع محمد في القرآن)، فإننا سنجدها بمعناها الأقدم –كما يذهب توفيق فهد-، كانت تعني حالة الوجد والانخطاف (=حالة التسجّع)، مثلما يظهر في الأكادية: "شيغو" (الجذر: ش غ ع) وفي العبرية: ش غ ع، أما في العربية: ش ج ع. وهذا الجذر يعني في الأكادية: الهيجان والغضب الشديد.. وفي العبرية يفيد في الدلالة على حالة الوعي والجنون كما هو الأمر في احتفاظ هذا المعنى في العربية بشأن المجنون والمعتوه(18). وفي الواقع يقدم ابن المنظور في لسان العرب معاني تفيد ما نحن بصدده. حيث إن كلمة "شَجَعَ" (= سَجَعَ) تفيد معنى الجنون والخروج عن السيطرة. يقول ابن المنظور (تحت مادة شجع): «والأشجع من الرجال الذي كأن به جنوناً… به شجع، أي جنون، والشجع من الإبل الذي يعتريه جنون». وهكذا فإن سجع كانت تعني في الأصل دخول الكاهن في رعدة (كما هو الحال مع محمد) ثم صارت تعني الوحي الصادر عن هذه الحالة، ثم الشكل الأسلوبي لهذا الوحي(19).


والملفت للنظر إضافة إلى ذلك بخصوص (سجع = شجع = جنون)، (في ملاحظة دقيقة) أنه أثناء تسجّع محمد بقرآنه، كان يسرع به خشية أن ينفلت القرآن من ذاكرته (كان محمد كثيراً ما ينسى القرآن، على عكس ما يوهم الإسلاميون). لذلك نقرأ في القرآن: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ» [القيامة: 16-17]. الشجع يعني أيضاً السرعة، كما هو سجع محمد في القرآن في إسراعه بتلاوته. وإلى هذا ينقل ابن المنظور أيضاً: «وقيل وهو السريع.. وناقة شجعة وقوائم شجعات، سريعة خفيفة» (مادة شجع). الآن لماذا هذا الاستطراد؟
كثيراً ما أؤكدُ على القراءة التاريخية للقرآن، لأنها ستثمر نتائج مهمة جداً على صعيد البحث في الإسلام المحمدي الباكر (رأينا ذلك مثلاً، في سر اختفاء كلمة الله من القرآن المكي في بداياته والتي كان يستعاض عنها بـ رب، وأيضاً اختفاء كلمة الجن من كل القرآن المدني..الخ).

يتفق معظم الإسلاميين التراثيين على ارتباط السجع بـ "الكاهن"، في حين ينفونه عن محمد. وإن كان هذا السياق لا يسمح لنا بالتحدث عن هذا الموضوع بشكل مفصل، إلا أننا أكدنا سابقاً على انطلاقة محمد الكهانية في مكة. سأبادر الآن إلى طرح أسئلة مهمة (ولا بد أن نضع بعين الاعتبار ارتباط الكاهن بالجن والجنون في التراث العربي):
إلى متى بقي محمد يشك في نفسه أنه مرسل من قبل الرب؟ وبالتالي يظن في نفسه أنه كاهن؟ وبالتالي يحاذر في إطلاق صفة النبوة على نفسه؟ لا نستطيع بالضبط إعطاء أجوبة دقيقة على هذه التساؤلات. وكل ما بوسعنا فعله هو درس لغة القرآن ذاتها ومقارنتها فيلولوجياً مع أنماط الشعر والسجع الكهاني الذي كان سائداً حينها من جهة، وإعادة خلخلة القرآن طبقاً للمنهج الكرونولوجي التزامني والتعاقبي الدقيق Synchronic and Diachronic من جهة أخرى. بالنسبة لكلمة "نبي prophet " (لاتعنينا كلمة رسول الآن لالتباسها في القرآن رغم ورودها أكثر من كلمة نبي. والمسلمون لم يتفقوا فيما بينهم إلى الآن على صيغة محددة للفرق بين الكلمتين، سوى هرطقات كلامية)، فإننا نلاحظ أنّ محمداً لم يكن يطلق صفة "النبوة" على نفسه في أغلب المراحل المكية (ما يقارب 13 سنة من أصل 22 سنة، تاريخ تشكيله آيات القرآن)، ويشير إلى نفسه فقط بالمفردات المشهورة التي نعرفها: «يا أيها المدثر..» «يا أيها المزمل..» (كما هي حالة الكهان حينما يتزملون ويغطون أجسامهم ورؤوسهم). أما الإشارة إلى محمد "بصيغ واضحة" أنه نبي فإنه لم يبدأ إلا في الفترات اليثربية (المدنية): «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين» [التوبة: 73]. يا أيها النبي قل لأزواجك» [الأحزاب: 28] (وردت صيغة يا أيها النبي في يثرب ما يقارب 13 مرة في ستة سور مدنية: الأنفال والتوبة والأحزاب والممتحنة والطلاق والتحريم).


ويشير مونتغمري وات في كتابه "Bell s Introduction To Quran" إلى أن نولدكه يقر بأن كلمة نبي (بشكل عام) لم ترد في المرحلة الأولى المكية أبداً! وهذا مما له دلالة خطيرة جداً بأن محمداً لم يكن يعرف بعد معنى النبوة. وإذا كان يدركها كما توحي بعض أحاديث السنة مثل تعليم خديجة له وترشيحه لمنصب النبوة (لا ننسى أن هذه المسيحيّة هي ابنة عمّ القس ورقة بن نوفل الذي زوجها هو من محمد): فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجوا أن تكون نبيّ هذه الأمة(20)، فإنه رغم ذلك لم يستخدمها في القرآن في الفترة الأولى المكية، والتي هي بحسب ترتيب نولدكه التاريخي للقرآن: 48 سورة(21)، أو على الأقل في المرحلتين أو الثلاث الأولى المكية طبقاً للترتيب التقريبي لـ وليم موير Approximate Chronological Order Of The Suras (Chapters) (22). "ريتشارد بل" في ترجمته للقرآن يذهب أبعد من ذلك كما يشير وات: إلى أن هذه الكلمة لم ترد إلا عندما اختلط وتعلم من ثقافات اليهود، أي في يثرب!! (لكن هذا مبالغ فيه كثيراً، إلا أن له دلالته) باستثناء ما ورد في سورة الإسراء المكية (آية 55) بحسب رأي "بل".


إذا كان محمد يحاذر في إطلاق صفة النبي على نفسه في القرآن في المراحل المكية الأولى، فماذا كان إذن؟ هل كان مصلحاً Reformer (كما يذهب وات) أم ثائراً على الوضع المكي القائم كما تذهب إلى ذلك بعض الأدبيات الماركسية؟ لا يهمنا الآن الخوض في مثل هذه المجادلات، سوى التأكيد بما نحن بصدده في نقد ظاهرة الوحي، على أن انطلاقته في أغلب المراحل المكية كانت انطلاقة كاهن ليس أكثر (ومن هنا الحذر أن نسمي محمد "نبياً" على الأقل في المراحل المكية المبكرة)، يعتريه من نوبات عصبية ما كان يصيب أي كاهن آخر في تسلمهم رسائل الوحي.


لكن ومن جهة أخرى، إذا استخدمنا مصطلحات "هاشم صالح" بشأن ارتباط العبقرية بالجنون، وما نقله في مقاله عن الطبيب النفساني "جان ايتيان ايسكيرول" بوضع محمد إلى جانب جان جاك روسو وباسكال في اشتراكهم بنفس التركيبة النفسية، يكون التساؤل مشروعاً عن عبقرية محمد. فإذا كان روسو يعاني من عقدة الاضطهاد (من كان سيمنعه أن يكون نبياً كما يقول هو؟)، فإن محمداً عانى شعور الاضطهاد هذا ونوبات الجنون العبقرية، مضافاً إليها شعوره الدائم بأنه يتيم. لذلك من الطبيعي أن يتخيل محمد أصدقاء خياليين يقفون إلى جانبه: من رب وملائكة وجن…الخ. فهل غريباً أن نقرأ له في قرآنه كردٍّ على اليتم الذي كان يعيشه: «ما ودعك ربك وما قلى» [الضحى: 3]، أو أن يتخيل أنّ نفراً من الجن استمعوا لقرآنه، وذلك بعد أن مُني بالفشل جراء رحلته إلى الطائف. فعزاءً لهذا الموقف العصيب، تخيّل محمد أن جناً ظهرت له: «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً» [الجن: 1]. تطول القائمة في وحي القرآن عن هذه الحالات التي كان القرآن بمثابة وعاء يستجيب لما كان يعيشه محمد على أرض الواقع المكي. وهكذا قابل محمد هذا الواقع بلغة نارية مفعمة بالقوة الشعرية والكهانية بالإنذار والتهديد والتبشير…


إذا كانت كتابة "أزهار الشر" لبودلير علامة وحيدة على عبقريته الجنونية التي كانت تصيبه (وهو أيضاً كان يعاني من عقدة الحرمان واليتم، حيث مات أبوه وهو طفل)، فإن القرآن بالمقابل -وإن كان هو نص على نص - (خاصة القرآن المكي) علامة على إبداع اليتيم محمد، أي الإبداع العبقري- الجنوني.


قائمة الروايات الإسلامية طويلة جداً بخصوص هيئة محمد أثناء الوحي (وقد أتينا على ذكر بعضها في موضع سابق): الرجفان، وغيابه عن الوعي، وسماعه أصوات مثل صوت الجرس، وتصبب جبينه عرقاً حتى في اليوم البارد أو ظهور الأرواح له أمامه بهيئة رجل(23)، وثقل جسمه (حتى ولو كان فوق الناقة، فإنها لن تستطيع تحمل جسم محمد، مما سيؤدي بها أن تبرك على الأرض)، ومنها أيضاً كما ذكرنا سابقاً أن هيئة محمد تصبح كهيئة السكران(24)، ومحاولته الانتحار من على شواهق الجبال (فرجينيا وولف حاولت الانتحار جراء العصاب العبقري أيضاً مرتين، ولم تنجح إلا في المرة الثالثة 1941 حينما ألقت نفسها بالنهر. ويقال أنها كانت تصاب بنوبات الذهان) [ولنتذكر أيضاً الشاعر خليل حاوي]، ومنها أنه إذا أصيب بسكرة الوحي يصدع ويغلف رأسه بالحناء(25)….الخ.


لقد أدت دراسة هذه الأعراض والنوبات التي كانت تصيب محمداً إلى نتائج توصل جمع من المستشرقين من خلالها، أن محمداً كان يعاني من حالات "باثولوجية" مرضيّة، وإلى أنه كان يعاني من "الصرع" Epilepsy. هذا ما ذهب إليه مارغليوث –وإن كان بنحو غير مباشر- في كتابه "Mohammed". وكذا أيضاً اعتبر "شبرنغر" (كان أيضاً طبيباً عاماً) إلى أن هذه الشواهد للصرع بوصفها مفتاحاً لشخصية محمد (انظر آرثر جفري: The Quest Of The Historical Muhammad). طبعاً الشواهد كثيرة لكبار المستشرقين من ذهب إلى هذا. لكن تبقى هذه النتائج التي توصلوا إليها غير أكيدة لكون أن الصرع الباثولوجي يؤدي إلى التدهور التدريجي للدماغ أو العقل، وهذا لم يكن ينطبق على محمد في أحواله العادية وأثناء قيادته الحروب التي كان يشنها على قريش والقبائل العربية، وفي تحكّمه بزمام القيادة لجماعته. وبكلمات أخرى، لا يمكن لرجل مصاب بتدهور في دماغه، وهو بنفس الوقت قد وصل حكمه أواخر حياته إلى معظم جزيرة العرب، وبنى أيضاً نواة الإمبراطورية الإسلامية التي توسعت بعد وفاته.


لذا ومرة أخرى، لا بد من التفرقة بين النوبات الصرعية (بالمعنى الفرويدي) وبين النوبات الجنونية (=العبقرية) التي كانت تغشى محمداً. فلولا هذه لربما عُدّ محمد في إطار المرضى العقليين، كما كتب هاشم صالح بما يخص حديثه عن العباقرة وجنونهم.

وحي محمد بمثابته حدْس نفسي:



لم يكتب "ريلكه"، الشاعر سطراً واحداً دون وحي أو ضرورة داخلية، لدرجة أنه كان يرفض أن تُطبع أشعاره باسمه (لماذا؟) لأنها كانت مملاة عليه… لقد كان هناك شخص يجلس أمامه ويمليها عليه(26). في الحقيقة إن اعتقاد محمد بأنه مرسل من الرب، وبأنه ثمة أرواح أو أشخاص غير مرئيين كانوا يأتونه ليسلموه رسائل السماء، هو اعتقاد قديم جداً كما نعلم. هكذا يصف أفلاطون في محاورة "إيون" بأن الشاعر لا يمكن أن يصيبه النجاح بدون وحي الآلهة أو ربات الشعر. يتصف الشاعر بالخفة والقدسية، لكنه «غير قادر على التأليف دون أن يكون التحمس قد سيطر عليه، ودفع به إلى خارج نفسه، وأفقده عقله. ويظل أي إنسان عاجزاً عن قرض الشعر إلى اللحظة التي يدخل فيها هذه الحالة….لا يمكن أن يصيبه النجاح إلا بفضل وحي إلهي يوحي بالنوع الذي تدفعهم إليه ربات الشعر(27)». ويعبر أيضاً: «من يطرق أبواب الشعر دون أن يكون قد مسه الهوس الصادر عن ربات الشعر ظناً منه أن مهارته الإنسانية لأن تجعل منه في آخر الأمر شاعراً، فلا شك أن مصيره الفشل. ذلك لأن شعر المهرة من الناس سرعان ما يخفت إزاء شعر الملهمين الذين مسّهم الهوس(28)». سنختم الآن هذا المقال بمقاربة تفسيرية مختصرة جداً لضيق السياق، لظاهرة الوحي (المحمدي خاصة) من الناحية الحدسية.

كثيراً ما وصف عقل محمد بأنه "عقل حدسي". وكان يفتقر إلى التفكير المنطقي والتحليل في رؤية الأشياء (وات)، وبالتالي انعكاسات هذه الرؤية على ما يتلفظ به من أقوال، من ضمنها أقواله القرآنية.
وفي الواقع إذا دققنا النظر قليلاً في قرآن محمد وخاصة المكي منه، نستطيع أن نمسك قليلاً خيطاً من خيوط البنية غير المنطقية لتفكير محمد: ليس ثمة في القرآن تسلسل منطقي في الموضوعات والأفكار، وإنما القفز من موضوع إلى آخر (لا أقصد ترتيبه الحالي الذي لم يكن محمد مسئولاً عنه، بقدر ما شوّهه أصحابه أنفسهم بعده. الذي أقصده بالضبط بنية الموضوعات ذاتها حتى بعض الأحيان داخل الآية الواحدة). ونتيجة لذلك لا نستطيع أن نربط بين الآية والأخرى منطقياً، ليس هناك إلا القفز إلى موضوع آخر؛ إلا أذا أردنا أن نلوي عنق النص على الطريقة الإسلاموية (السيوطي مثلاً في كتابه أسرار ترتيب القرآن)، فهذا شأن آخر لا يعنينا هنا.

إذن، بإمكان القارئ مع هذا التبعثر، أن يبدأ القراءة من منتصف القرآن أو من نهايته (لا فرق)، أو حتى إذا شاء أن يحذف منه، فإن كل ذلك لن يضر المعنى في شيء. تُشكل الآية (= الوحدة النصية) بنية بذاتها -ولكن ليس في كل الأحيان- ولا تربطها بالآية الأخرى سوى رابط وهمي يمكن التخلي عنه في أية لحظة، من دون أن تتضرر بنية المعنى المبثوثة في القرآن.
هذا وجه من أوجه التفكير اللامنطقي الذي كان يتمتع به محمد. وهذا قائم على عدم الانضباط في بث الفكرة، مما وجد انعكاسه من ثم على القرآن.

طبعاً وضمن هذا المنظور يمكن أن يُصنف محمد بفكره إلى جانب المبدعين والفنانين والرسامين (كما يعبر وات)، وحتى إلى جانب الكهان الذين خرج محمد من جبتهم ومن عباءتهم في مكة. يوصف هؤلاء كلهم نقدياً كما نعلم أنهم يحملون تفكيراً حدسياً Intuitive Thinking، (أو إن شئت قل حدس إبداعي أو حدس فني) وليس تفكيراً تحليلياً أو عقلياً Rational Thinking.

لكن لا بد من الحذر مع هذا الكلام من القول أن حدس محمد هو معطى ثابت لا يخضع للتطور إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف، وخاصة إذا اعتبرنا أن الشكل اللفظي للقرآن يعبر بشكل شديد عن طاقة محمد النفسية في بنيته اللاوعية التي اكتسبها عبر التاريخ من واقعه ومن شعبه الذين عاشهما. وكما يعبر المفكر الكبير "حسن مروة" إن الطاقة الإبداعية "خاضعة للتطور باطراد تبعاً لحركة التطور البشري التاريخية. بمعنى أن الحدس نوع من الاكتشاف والرؤية، رغم كونه يتخذ شكل الرؤيا اللاواعية. فهو يتطور استكشافاً ورؤية، بقدر ما يتطور الوعي معرفة وتجربة. أي بقدر ما يكتسب العقل الواعي من معارف وتجارب في سياق التطور المادي والروحي للمجتمع(29)".

سيفضي بنا هذا الكلام أن نستفيد مما قدمه يونغ 1961-1875 في حديثه عن الإبداع بكونه تعبيرا جمعيا، عما تختزنه الجماعة في بنيتها العميقة، أي في اللاوعي الجمعي Collective Unconscious، وهذا خلافاً لفرويد الذي اعتبره لاوعياً فردياً (يشترك الاثنان في اعتباره فعلاً لا إرادياً غير واع). فحينما يقول محمد أنه نزل عليه الوحي، فإنه في الواقع يعبر عن المخزون الثقافي في اللاوعي الجمعي الذي يحمله. هو لا ينطق بلسانه وإنما بلسان المعتقدات والأساطير المتراكمة في لاوعيه. وهذا ما حدا بيونغ من خلال نتائج اللاوعي الجمعي، أن ينكب على دراسة الأساطير القديمة وتراكمها داخل لاوعي الشعوب (ولـ يونغ وقفة أيضاً ضمن هذا الإطار عند سورة الكهف. وتعتبر سورة الكهف مثالاً قوياً في هذا المجال). لا يقتصر هذا الكلام على محمد فقط وإنما على أي مؤلف آخر. وكم ذكر محمود درويش بهذه الحالة في شعره حينما يختلط بدون إرادته مع أناشيد العهد القديم، ومع أشعار قديمة قد قرأها في الماضي. وقد عبر مرة في قصيدة الجدارية أنه حتى ذاته تذوب في الحشد والآخرين من الناس:
وكلما فتشت عن نفسي وجدت‏
الآخرين. وكلما فتشت عنهم لم‏
أجد فيهم سوى نفسي القريبة‏
هل أنا الفرد الحشود؟‏

يتبين مما سبق أنّ لسان محمد القرآني هو لسان الأساطير ومعتقدات الجماعة التي تسكن في الاوعي الذي يحمله، ليخرجها من ثم قرآناً. هذا الموضوع لا يمكن اكتشافه إلا في الدراسات الفيلولوجية المقارنة والدراسات والنقدية والتاريخية وعلوم النقد والألسنيات…الخ.

لكن -وأخيراً- لو عدنا إلى ما كتبه هاشم صالح في مقاله الأول الذي أشرنا إليه في بداية المقال، من أن هناك نوعين من العبقرية : العبقرية الصاعقة التي تنفجر انفجاراً (كحالة نيتشه)، وهناك العبقرية الهادئة عن طريق الصبر والمثابرة والعمل المتواصل (وهذه هي حالة فلوبير)، أقول إذا أخذنا هذا الكلام إلى سياقنا الحالي، فأي عبقرية كان يتمتع بها محمد؟ لا يمكن المجازفة بإعطاء إجابة نهائية حول هذه النقطة. لكن من خلال قراءة دقيقة للقرآن وخاصة الكرونولوجية والتزامنية، يتضح أن عبقرية محمد في القرآن كانت تتطور رويداً رويداً، مع صبر مشهود له، وكان يتخلى عن مواقف كثيرة يعلنها في القرآن، إلى مواقف أخرى مغايرة تماماً لها (وهذا ما دعي لاحقاً بالنسخ ABORTION). لذلك يمكن القول أن عبقرية محمد تنتمي إلى المستوى الثاني، وإن كان بثّ أفكارها يتم بشكل حدسي غير منطقي. ومن جهة أخرى، لا بد من "التمييز" دائماً -حينما نتناول وحي محمد- بين إلهامات محمد النفسية في مكة، وبين الذي تعلمه جراء اختلاطه باليهود في يثرب (سواء اليهود، أو غيرهم أثناء غزواته)، فانعكس تالياً على القرآن. حيث هناك في يثرب قد ألحد وحي مكة إلى الأبد بكل ما كان يرتبط به من جماليات سواء على المستوى الأخلاقي والنبوي أو على مستوى أسلوب وحي القرآن ذاته.


الهوامش:


1- "العبقرية: تاريخ الفكرة": مجموعة مؤلفين: تحرير بنيلوبي مري، ترجمة محمد عبد الواحد، مراجعة عبد الغفار مكاوي. ضمن سلسلة عالم المعرفة أبريل 2000 عدد 208 ص46.
2- يعتبر المقال الذي نشر على موقع الأوان بمثابة تلخيص لمقاله الأول، وقد أشار أيضاً فيه إلى دراسة فيليب برينو. الفرق أنه أفرد لهذا الكتاب في مقاله الثاني دراسة خاصة. وقد صدرت الطبعة الأولى للكتاب سنة 1997 بباريس. ويمكن الاطلاع على المقال الأول لهاشم صالح على هذا الرابط: http://www.alimbaratur.com/All_Page
3- هشام جعيط: في السيرة النبوية ج1 "الوحي والقرآن والنبوة" دار الطليعة- بيروت ط2 سنة 2000 ص92
4- هشام جعيط: مرجع سابق، وقد ورد هذا الكلام في الحاشية رقم 83 ص138.
5- محمد سعيد رمضان البوطي: "كبرى اليقينيات الكونية" دار الفكر- دمشق ط8سنة 2001 ص190 .
6- البوطي: المرجع نفسه ص195 وانظر أيضاً كتابه "فقه السيرة النبوية" دار الفكر- دمشق ط10 سنة 1991 ص98.
7- هشام جعيط: في السيرة النبوية ج2 "تاريخية الدعوة المحمدية في مكة" دار الطليعة- بيروت ط1 يناير 2007. ص164.
8- هشام جعيط: نفس المصدر ص164.
9- هشام جعيط: في السيرة النبوية ج2 " الوحي والقرآن والنبوة". ص78.
10- وردت هذه الأقوال في مقالة "نبل كسل" التي ترجمت في كتاب العبقرية: مرجع سابق، ص281-284.
11- يذكر السيوطي (ت 911هـ) وغيره ما يزيد على خمس كيفيات لوحي محمد. انظر: السيوطي: "الإتقان في علوم القرآن" دار الفكر- دمشق ج1 ص 45-46.
12- الجاحظ (150-255هـ): "كتاب الحيوان" تحقيق عبد السلام محمد هارون. مطبعة مصطفى الحلبي بمصر، ط2 سنة 1967. ج6 ص189-190.
13- الألوسي، محمد شكري: "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" دار الكتب العلمية- بيروت ط1، 2009 ج2 ص356.
14- القاضي عياض: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" دار الفكر للطباعة والنشر، ج2 ص103.
15- برهان الدين الحلبي: "إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون" (السيرة الحلبية). ج1 ص337.
16- القاضي عياض: مرجع سابق ج2 ص103.
17- برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية. ج1 ص337.
18- توفيق فهد: "الكهانة العربية قبل الإسلام" ترجمة حسن عودة، رندة بعث. تقديم الترجمة العربية رضوان السيد 2007. التوزيع في العالم شركة قدمس للنشر والتوزيع ص 120-121 .
19- مرجع سابق: ص 121 .
20- ابن هشام: ج1 ص238..
21- انظر ترتيب "ثيودور نولدكه" في كتابه "تاريخ القرآن" (تعديل فريدريك شفالي .نقله للعربية جورج تامر بالتعاون مع مؤسسة كونراد – أدناور ط1 2004) xxxvi.
22- Muir, William, The Quran, Its Composition And Teaching, And The Testimony It Bears To The Holy Scriptures. London, Society For Promoting Christian Knowledge. 1878, P. 43-44.
23- صحيح البخاري: رقم 2.
24- ابن سعد الزهري: كتاب الطبقات الكبير. تحقيق محمد علي عمر، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ج1 ص165.
25- برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية. ج1 ص344.
26- جان برتليمي: "بحث في علم الجمال". ترجمة أنور عبد العزيز، مراجعة نظمي لوقا. نشر هذا الكتاب بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، القاهرة-نيويورك، يوليو 1970.ص607-608 .
27- جان برتليمي: مصدر سابق، ص120-121.
28- "محاورة فايدروس لأفلاطون، أو عن الجمال": ترجمة وتقديم د. أميرة حلمي مطر. دار غريب- القاهرة، سنة 2000 ص60-61.
29- حسين مروة: "النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية" دار الفارابي، ط2، 1979، ج1 ص287.
الاوان






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,623,563,424


المزيد.....




- صحف: انحياز زوكربيرغ لإسرائيل والمغرب يتهم الجزائر باستهداف ...
- الاتحاد الأوروبي يراجع عقوباته ضد روسيا نهاية الشهر الجاري
- تركيا تسمح لمقاتلي البيشمركة بدخول عين العرب عبر أراضيها
- بالفيديو.. كاميرا خفية تكشف -عنصرية - الشرطة الأمريكية
- لاعبو سندرلاند يدفعون لجماهيرهم بعد الخسارة المذلة 8-0 أمام ...
- انا والحائط والسجان
- طيارو لوفتهانزا الألمانية يدخلون في إضراب
- الطفل الملكي: وليام وكيت ينتظران طفلا ثانيا في ابريل المقبل ...
- دعوات للتظاهر في اصفهان اعتراضا على هجمات بالاحماض على فتيات ...
- مقتل 17 واصابة العشرات في هجمات ببغداد وصلاح الدين


المزيد.....

- الكلمات الاساس في الانجليزية / ادريس طه حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - بوابة التمدن - حمود حمود - هل كان محمّد عبقرياً؟