أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - أفكار أولية: عن طبيعة ومهام المؤسسة العسكرية في عراق المستقبل- 1















المزيد.....


أفكار أولية: عن طبيعة ومهام المؤسسة العسكرية في عراق المستقبل- 1


عقيل الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 938 - 2004 / 8 / 27 - 12:58
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في البدء لابد من الإقرار من الناحية التاريخية , التي تدلل عليها قرائن عديدة وكما دللت عليه الكثير من الشواهد التاريخية , من أن مؤسسات العنف المنظم وبالأخص المؤسسة العسكرية كانت دائماً في النقطة المركزية من عملية نشوء التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية ونشء المجتمعات وتكونها في الدول الوطنية. وهناك شواهد كثير تؤيد هذه الفرضية المنهجية.. بدءً من الجيوش حضارات مدن وادي الرافدين، وكذلك الحال في مصر الفرعونية ودولة فارس القديمة مرورا بالدول الإسلامية وكذلك الدول الاوربية في العصور الوسطى والحديثة. وتجربة العالم الثالث ( رغم اختلاف مساراتها الشكلية) توضح مدى صوابية هذه الموضوعة الرئيسية.
كل طموح لاجل تكوين الكيان الوطني لشعب أو أمة تبغي التوحيد وتعطي لنفسها وجودا متميزاً كان لابد من التمركز حول مركز السلطة، بغض النظر عن السائس الأرأس لها, فقد كان " الجيش يمثل النقطة المركزية من العملية بأسرها ورأس الحربة التي شقت الطريق وأمَّنت السلطة الوطنية وحمت الحدود, ووحدت –كلما كانت الظروف تطرح مشكلة الوحدة- مختلف المقومات التي تؤلف الكيان الوطني حول القطب المهيمن. كل ذلك كان يتم بالحديد والنار , وبالطبع لكنه كان يتم دائما عبر مشروع سياسي وطني ترافقه أحيانا نظرة معينة للعالم ... هذه الاطروحة لا يكذبها أي استثناء في أية مرحلة من مراحل التاريخ العالمي على الاطلاق  [2] ".
بمعنى أخر أن المؤسسة العسكرية تقع في أعمق نواة سلطة الدولة. وهذا الموقع مستنبط  بالاساس من المهمة الموكلة إليها، أي في نقطة إلتقاء مشروع الدولة السياسي والجهاز الذي يؤمن مسار تحقيق هذا المشروع.
 وقد أوضحت تاريخية النظام السياسي في عراق القرن العشرين، هذه الموضوعة الاساسية والتي تمثلت في أهمية الدور الذي قام به العسكريون في إدارة النظام السياسي الملكي منه والجمهوري. إذ أناطت بهم جملة من الظروف الموضوعية والذاتية ، الداخلية والخارجية لعراق ما بعد الحرب العالمية الأولى، لأن يلعبوا دوراً فاق مكانتهم العددية وأهميتهم النسبية في التركيبة الاجتماعية آنذاك.
وقد أخذ هذا الدور بالنمو المتزايد مع توطيد السلطة المركزية لذاتها وتأمين سريان مفعول قرارها المركزي الذي تم بالعنف المادي وبواسطة قوى العنف المنظم ( الجيش والشرطة) التي كانت تؤطر نشاطها بوسائل العنف اللا مادي ( القوانين والمراسيم ) ضمن مشروع سياسي وطني.
وقد نشط هذا الدور( كأنه استمرارية تاريخية ) بعد أن ظهرت خلال المرحلة الملكية قوى اجتماعية جديدة كانت تجد نفسها مهمشة في المجتمع والحياة الاقتصادية وأمامها عقبات متراكمة  تحول دون وصولها إلى أن تلعب دوراً في الحياة السياسية.. وقد رافق هذه القوى نمو سعة التفاوت الطبقي وعمق الاستغلال سواءً في المدينة أو في الريف الأكثر تأثراً.
 هذه الوضعية فسحت المجال لبعض العسكريين، أو لبعض السياسيين بلباس عسكري، من أن يؤسسوا على ضوء هذه المعانات طرح مدى مشروعية النظام الملكي من الناحيتين الاقتصادية والأيديولوجية، بل وحتى الأخلاقية[3].. فأسسوا لظاهرة جديدة ألا وهي : ظاهرة حركة الضباط الأحرار، والتي على أساس هذه المعانات الاجتماعية وآلية الدولة الملكية التي أغلقت منافذ التغيير السلمي وتحقيق التنمية، أحدثوا التغيير الكبير في 14 تموز.
 لذا يمكننا التأكيد على أن التغييرات الجذرية التي حدثت بالعراق على مدى القرن الماضي كانت على يد المؤسسة العسكرية.. وما الانتفاضات الجماهير إلا أداة لإنضاج ظروف هذا التغيير الجذري، وهذا ما ينطبق على تأسيس وتثبيت الدولة المركزية الحديثة، وكذلك بالنسبة لثورة 14 تموز 1958.
لقد سيطر العسكريون في الحقبة الملكية ( التي شكلها برلماني وجوهرها عسكري) على القرار المركزي للسلطة بما كانت تسمح به الظروف من خلال نخبة الحكم التي كانت نواتها المركزية تمثل ذوي الأصول العسكرية، الذين بسطوا نفوذهم على السلطة التنفيذية وخاصةً على رئاسة الوزارة وزارات القوة ، مما ضمن لهم السيطرة على السلطة التشريعية.
ومن مظاهر سيطرة المؤسسة العسكرية, يمكن رصد ذلك الكم الهائل من واردات الدولة المخصص لميزانية الدفاع والأمن لداخلي والتي كانت تتزايد بصورة مطردة وفقاً لتثبت السلطة من جهة وحدة الصراع الاجتماعي من جهة ثانية وزيادة الموارد الريعية للدولة ( النفط على وجه التحديد ) من جهة ثالثة، وبنسبة تفوق نسب الزيادة بالنسبة للقطاعات المنتجة وغير المنتجة( القطاعات الخدمية).
 كما أن نسبة العاملين في مؤسسات العنف المنظم كانت تنمو هي الأخرى بنسب عالية جداً مقارنةً بنسبة الزيادة لمجموع السكان، وتبدو أكثر وضوحاً بالنسبة لمجموع القوى العاملة القادرة على العمل. وقد بلغت أرقاماً تفوق النسب المتعارف عليه دولياً زمن السلم والتي لا تتجاوز 3-4 أشخاص لكل ألف من السكان، والتي أصبحت زمن الحرب العالمية الثانية في حدود 7- 12حسب الكثافة السكانية للدول المتحاربة[4]. لكن في العراق  بلغت هذه النسبة في زمن السلم 11 شخص لكل ألف في نهاية العهد الملكي، وحافظت الجمهورية الأولى ( تموز1958- شباط 1963) على هذه النسبة، إن لم تكن قد انخفضت بدرجة ضئيلة.
لقد ازداد أهمية العسكريين في العهد الجمهوري وخاصة منذ نهاية الجمهورية الأولى، بأغلب المقاييس المعتمدة. التي تزامنت وترافقت ب :
التكرار المزمن للمحاولات الانقلابات العسكرية؛ والنمو الهائل لحجم العاملين في الجيش والتي بلغت نسبته العددية أكثر من عشرين شخصاً بقليل لكل ألف من السكان عام 1968 ليقفز الرقم إلى أكثر من 100 شخص لكل ألف من السكان عام 1980 ولتقفز النسبة إلى أكثر 278 لكل ألف من السكان الذكور عام 19988[5]؛
 كذلك الحال بالنسبة لنمو ميزانية الدفاع التي ازدادت بأرقام مطلقة ونسب متصاعدة منذ تكون الدولة العراقية الحديثة ، وقد بدأت بالوضوح منذ منتصف الثلاثينيات عندما بلغت الميزانية المخصصة لوزارة الدفاع في حكومة ياسين الهاشمي عام 1935، 55% من الميزانية السنوية العامة [6]، وأخذت بالنمو منذ تلك الفترة، واتضحت كارثية أرقامها منذ المجيء الثاني للبعث 1968، وخاصةً بعد حربه الأولى حيث امتص الأنفاق العسكري سنة 1980 أكثر من 75% من إيرادات النفط العامة. وبلغت أرقام مأساوية أثناء حربي الخليج الأولى والثانية، بحيث فاقت ليس إيرادات النفط السنوية فحسب بل حتى الفائض الاقتصادي
المدخر مما أحدثت عجزاً كبيرا غطته الحكومة بالقروض التي سيدفعها الشعب العراقي لاحقاً. 
 هذا الوضع ، بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى التي لا مجال للخوض فيها  في هذه الورقة، سمح للعسكريين منذ تأسيس الدولة التأثير على القرار المركزي الذي تحكموا فيه نتيجة سيطرتهم المباشرة على السلطة لغاية منتصف السبعينيات وغير المباشرة بعدها، وعسكرة المجتمع بكل أبعاده وخاصةً منذ عام 1979….الخ
 إن هذه المظاهر هي بالضرورة الحتمية، تعبر عن حالات غير طبيعة أثرت بشكل مدمر على واقع المجتمع العراقي وتركيبة قوته العاملة وتوزيعها بين القطاعات الاقتصادية، وصيرورة تطور المجتمع المدني الذي وجدت فرصتها الأرحب في مرحلة الجمهورية الأولى (تموز 1958- شباط 1963)، وعلى الأبعاد التنموية للاقتصاد الوطني وتحقيق الرفاهية الاجتماعية المقترنة بإعادة توزيع الثروة الوطنية.. ناهيك عن الثروات التي هدرت والتي بلغت أرقاماً فلكية خسرها المجتمع العراقي ورهن كينونة تطوره، لعقود قادمة.
وأستطيع القول استخلاصاً، إن لم أقل بالجزم النسبي، أن تجربة القرن المنصرم أوضحت أن أغلب حكومات ذلك القرن، إن لم تكن جميعها، لم تأت دون موافقة المؤسسة العسكرية. رغم أنه في الخمسة والعشرين سنة الأخيرة جرى فيها تحول شكلي حين أوكل نظام صدام حسين من خلال حزب البعث، كافة المناصب الحساسة في الدولة، بضمنها المؤسسة العسكرية والأمنية، إلى أفراد من عائلته أغلبهم ليس له تخصصاً مهنيا عسكرياً بل منحت لهم ( بقرار  رئاسي). هذا التغير يمثل تغييراً شكلياً للظاهرة وليس لجوهرها.. بمعنى أن المدنيين قد استولوا على المؤسسة العسكرية.. لكنهم مع ذلك لبسوا اللباس العسكري، بما فيهم صدام نفسه ، حتى يعطوا لقرارهم قوة التنفيذ بما يتماشى شكلياً مع القواعد العسكرية.
لكن في الواقع بقى للمؤسسة العسكرية وخاصةً الأمنية وفروعها, الدور الأهم في منظومة قرار سلطة صدام حسين، بدليل تعدد مؤسساتها ومركزة قرارها في الوقت نفسه، و تغلغل مجاسها في مسامات المجتمع العراقي برمته حتى أصغر خلية فيه – العائلة.
 السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا بعد سقوط النظام وحتى في أثناءه هو:
 هل نحن بحاجة إلى مؤسسة عسكرية متخصصة؟ وما هو دورها اللاحق في عراق المستقبل؟ ومن هذين التساؤلين المركزيين يمكننا أن نطرح عدة تساؤلات مشتقة منهما تنصب جميعها في ضرورة فهم الظاهرة العسكرياتية التي جثمت على الواقع العراقي، منها:
-       تعين حجم المؤسسة الكمي والنوعي للمنتسبين ؛
-       طبيعة التسليح والكفاءة النوعية له ومقداره؛
-       ماهية الخدمة إلزامية أم تطوعية أم حالة مشتقة من بين هذين المبدأين ؛
-       موقف المؤسسة من الفعل السياسي والممارسة الحزبية لمنتسبيها؛
-       ما مدى تدخل الجيش في إدارة النظام السياسي ومدى التزامه بالحفاظ على النظام؛
-       ما هي ضرورات عسكرة المجتمع وما تأثيراتها السلبية على الذات الفردية الجمعية ؛
-       ما هي شروط الانتساب لهذه المؤسسة ومدى عكسها لواقع التركيبة الاجتماعية؛
-        طبيعة العلاقات الأفقية والعمودية ووحدة أنساق إدارتها وفقاً للمنطق العسكري؛
 
وغيرها من الأسئلة الجزئية التي تشتق من واقع تاريخية العراق نفسه والمؤسسة العسكرية ذاتها، وكذلك ما تفرضه الجغرافية السياسية للبلد وللمنطقة ارتباطاً بالمسائل العقدية التي تعيشها، ومن أهمها المسألة الفلسطينية.
تصوري للمؤسسة العسكرية في عراق المستقبل يمكن إجمالها بصورة مكثفة في عدة نقاط، لا ادعي فيها الكمال بل أصر على عدم كمالها، قدر كونها تمثل رؤية بحثية مستنبطة من التاريخ السياسي، وليس التقني البحت، للمؤسسة العسكرية العراقية، والتي ستتعمق بالضرورة وتتغير جوانبها مما يضيفه المحترفون العسكريون ذاتهم ، لأنهم أدرى بشعابها. من هذه المؤشرات :
  1- إن فكرة إلغاء الجيوش هو مطمح إنساني جميل وهدف أجمل إذا سعينا نحو تحقيقه في المستقبل البعيد سواءً للعراق أو المنطقة بل وللعالم أجمع.. لكن هذا الحلم سيصطدم عملياً بالواقع المادي للعالم وما يعيشه من صراعات، بحيث لم يصل بعد إلى تحقيق مثل هذه الأمنية، كما يصطدم بآليات تحريك الاقتصاد العالمي من جهة ثانية وبرغبات الهيمنة لدى الدول الكبرى وصراعاتها من أجل توسيع مصالحها ورؤيتها للعالم من جهة ثالثة؛ ناهيك عن واقع الصراعات في المنطقة وتاريخية العلاقات السياسية المتبادلة وصيرورتها التي تنفي إمكانية تحقيق فعل الإلغاء الجميل.
2-أرى ضرورة تحديد مهمة الجيش بالأمن الخارجي فقط، بمعنى الدفاع عن الوطن والمحافظة على سيادته وحماية الدستور والوقوف بوجه القوى التي تحاول تغيره بالوسائل العنفية[7].  كما تتوجب المرحلة الانتقالية الحالية لعراق ما بعد صدام عدم زج الجيش في الصراعات الاجتماعية والسياسية مهما كانت هذه المبررات.. إذ ساهم الجيش طيلة القرن الماضي في كثير من الحروب الداخلية فاقت حروبه الخارجية مرات عديدة، ناهيك عن أكلافها البشرية والمادية وما وفرته له من موقع لاحتلال السلطة عبر بندقيته أو التلويح بها. هذه المهمة تعني ضرورة بقاءه في مكانه الطبيعي داخل ثكناته.
3-وعلى ضوء ذلك من الضروري تقليص حجم هذه  المؤسسة وتكيفه بما يتلاءم وهذه المهمة المركزية والتي تخضع لقرار السلطة التنفيذية بالتشاور مع المؤسسة العسكرية، طالما أن حجم الجيش، حسب اعتقادي، يخضع لعلاقة جدلية لعاملين أرأسين هما:
 جغرافية البلد وتاريخية علاقاته مع دول الجوار، وبالتالي التهديد المحتمل من قوى خارجية، من جهة، ومن جهة ثانية يتوقف على الموارد البشرية والمادية للبلد. أن طبيعة سياسة البلد والجنوح السلمي لها سيؤدي بالضرورة إلى تقليص حجم الجيش. وكل هذا مرتبط بطبيعة النظام السياسي وعلاقاته الخارجية، وتعمق الآلية الديمقراطية فيه ؛
4- وللمساهمة في تحقيق ذلك عمليا، وبما يخص الجيش نفسه، أرى ضرورة الجمع بين مبدئي التجنيد الإجباري والإلزامي.. وذلك بتقليص الخدمة الإلزامية إلى مدة التدريب الأساسي فقط، على أي يكون في خدمة الاحتياط لحين نشوء ضرورة التعبئة التي يجب أن تقترن بموافقة السلطة التشريعية؛
5- من الضروري أن يعتمد الجيش بصورة أساسية على الخدمة التطوعية، بغية جعله جيشاً مهنياً تخصصياً. وهذا يعني في الوقت ذاته[8]؛
6-إقامة علاقة ذات طبيعة إنسانية بين مختلف مستويات التراتيبية العسكرية، وخاصةً بين الضباط وضباط الصف والجنود، تقوم على احترام الذات الإنسانية والانطلاق منها في التعامل مع المراتب الأدنى، دون تعسف وبسبل ديمقراطية متكيفة مع القوانين والقواعد العسكرية ذات الطبيعة الخاصة، بحيث تمنح الفرد العسكري إمكانية استخدام قدراته الإبداعية في التنفيذ، وفي الطاعة المتبصرة وفي الانضباط الواعي. كما يصب في هذا الاتجاه ضرورة بذل الجهود لإزالة الترسبات الفكرية ذات اللون الواحد والنظرات العنصرية والشوفينية التي غرسها النظام القديم لدى منتسبي القوات المسلحة؛
7- ضرورة تقليص الفوارق في الرواتب والحوافز المادية والمعنوية بين الضباط والمراتب  بحيث تؤمن للآخرين مستوى معيشي لائق  يحترم ذاتهم الإنسانية من جهة؛
8- ومن جهة ثانية ضرورة الاعتماد بالأساس على المعدات التكنولوجية الحديثة وليس على  القوة البشرية – المشاة، وطبقاً لما يحتاج إليه الجيش لتطبيق مهامه الأساسية. بمعنى  ضرورة اقتناء التكنولوجيا العسكرية وفقاً لتحقيق هدف الأمن الخارجي بالتوائم مع ضرورات التنمية الاقتصادية للبلد وعدم إهدار ثرواته الوطنية، وعتق القوى البشرية الكبيرة للمساهمة في العمل الانتاجي.
 9-  وفي الوقت نفسه من الضروري أن تساهم المؤسسة العسكرية في إعادة تعمير البلد وتنظيف البيئية من مخلفات الدمار للحروب السابقة والتدمير الغبي والمتعمد من قبل النظام السابق، مثل تجفيف الأهواز و إتلاف منابع المياه في كردستان ورمي فضلات التجارب الكيميائية في الأنهر وغيرها من الممارسات اللا عقلاني. نظراً لوجود علاقة جدلية ترابطية بين مهام المؤسسة العسكري وطبيعة السياسية الاجتصادية التي تهدف إلى تنمية المجتمع وحلقته الأساسية الإنسان وتطوير رحاب حريته. كما من الضروري تكييف واقع التصنيع العسكري بما يتلاءم وتطوير الاقتصاد الوطني من جهة، وتعزيز القدرة الدفاعية المبنية على السياسة السلمية من جهة أخرى؛
10-أوضحت تجارب العراق السابقة ضرورة أن تكون المؤسسة العسكرية بعيدةٌ عن الميول الحزبية والاتجاهات السياسية، وقد زكت الحياة والتجارب السابقة هذا المطلب وبرهنت على صوابه الذي سيصب أولاً في إبعاد ما أمكن من الفعل الانقلابي، وثانياً في تعزيز منظومة الأفكار الداعية إلى تبني المجتمع المدني. وهذا يتطلب منع العمل الحزبي داخل المؤسسة العسكرية والأمنية [9].
 11- وبالنظر إلى دور المؤسسة العسكرية تاريخياً وما قامت به سابقاً لابد من إشراكها في إدارة النظام السياسي من خلال عدة أشكال أو محاور منها:
- مساهمتها بكل ما يتعلق في سياسة الدولة الخاصة بالمؤسسة العسكرية وتطويرها ومعالجة إشكالياتها، إذ يجب أن لا تنفرد السلطتين التنفيذية والتشريعية في معالجة ذلك دون إشراك الضباط، وبشرط عدم تدخلهم في النظام السياسي؛
-   والمحور الآخر يكمن في إمكانية تخصيص مقاعد خاصة للمؤسسة العسكرية في السلطة التشريعية، وذلك من خلال ترشيح الضباط لأنفسهم للمجالس النيابية (على مستوى القطر أو المناطق الجغرافية) بعد تقديم استقالاتهم من المؤسسة العسكرية؛
-   وأخيراً يمكن أن تقوم المؤسسة العسكرية نفسها بانتخاب نسبة معينة من الضباط في المجلس التشريعي أو عدد من الضباط حسب حجم منتسبي المؤسسة ذاتها.
   لكن يبقى القرار الأساسي بيد السلطة التشريعية عبر أعضاءها المنتخبين .
12- أرى ضرورة اعتماد مبدأ الكفاءة والتخصص في القبول في المؤسسة العسكرية، دون الاعتماد على ضباط من فئة معينة أو طائفة محددة أو منطقة ما، وبعيداً عن الولاءات الدنيا من (مناطقية وطائفية وحزبية وغيرها)، بغية أن تعكس واقع التركيبة الاجتماعية للمجتمع العراقي.. مما تساهم في إبعاد ،إلى حدٍ ما، من شبح الانقلابية العسكرية أو من التفرد في التأثير على القرار العسكري أو في جعل الجيش مسيطر عليه لون واحد أو فئة واحدة من الضباط ومراتبه من فئة أخرى.. كما كان في السابق.
13- ضرورة تغيير خطط الجيش واستراتيجية عمله والطبيعة السيسيولجية لعلاقاته الداخلية الأفقية والعمودية وأنظمة القبول والدراسة في مؤسساته التعليمي، والتوجيه المعنوي والثقافي ، على أن تكون جميعها مستنبط من واقع تركيبة العراق وصلاته السياسية وبما يخدم مصالحه بالأساس ، ولا يخضع لمتطلبات القوى الكبرى واستراتيجيتها الخاصة بالمنطقة، وتحرم التحالفات والتكتلات التي تضر بمصلحة الوطن وتلك التي تعرضه للمخاطر الدولية.
14- إن السياسة المدمرة التي اتبعها النظام السابق في مجالات الحياة، كان من إحدى نتائجها التخلف في الأبعاد التعليمية وعودة الأمية كظاهرة اجتماعية بعد أن تقلصت في المراحل السابقة. لذا على المؤسسة العسكرية أن تقوم بحملة لمحو الأمية بين منتسبيها من المراتب. وربط الترقية المهنية ليس بمعرفة القراءة والكتابة فحسب ، بل بالحصول على الشهادة المدرسية، ولتكن الابتدائية في المرحلة الأولى. إن النظم العسكرية المعاصرة تتطلب معرفة علمية لذا فيجب الارتقاء بهذه الجوانب.
إن هذه التصورات مستنبطة من تجارب العراق ودول المنطقة، وتمثل الخط العام ، الذي لابد من تعديله على ضوء الظروف الحسية التي يعشها العراق وبعيداً عن تأثيرات قوى الاحتلال ، حتى لا نعيد الكرة ثانية لذات الأخطاء التي ارتكبت عند تأسيس الجيش ونلغي تلك النتائج التي أثرت على البلد والمؤسسة العسكرية نتيجة الممارسات الخاطئة . في الوقت نفسه على ضباط المؤسسة العسكرية أن يعوا ذاتهم المهنية بالأساس ويكبوا جماح مغامرات بعضهم وأن ينسوا ما نسبوا لأنفسهم من (دور تاريخي) وكونهم ( حملة رسالة) كما ساد عند أغلب قياداتهم في القرن الماضي.
 
       
                                                              
 


[1] ورقة مشروع بحث مكثف قدم إلى الندوة  الأولى التي عقدتها رابطة الأكاديميين العراقيين في السويد ، باشتراك مع د. ثائر كريم ، د. عبد الوهاب رشيد،.
[2] الجيش والحركة الوطنية، بإشراف د. أنور عبد الملك ، ترجمة حسن القبيسي، ص.44، دار ابنخلدون 1971 بيروت
[3] الفكرة مستوحاة من مقالة عصام الخفاجي، من الدولة الريعية إلى الدولة الديمقراطية، مجلة الثقافة الجديدة، العدد  303، كانون أول 2001.
[4] كانت هذه النسب مختلف، ففي بريطانيا كانت 9 في الألف وفرنس 11 والاتحاد السوفيتي السابق 7والويلت المتحدة7 واليابان 10والسويد 7وإيطاليا 8 وفي ألمانيا فقد كانت النسبة 13 في الألف.
[5] الأرقام مستقاة من مقالة مرتضى بن حسن بن علي، صدام أدخل العراق في مغامرات عسكرية شلت حركته الاقتصادية، المنشورة في جريدة الزمان، العدد 1495في 3/5/2003، لندن
[6]  الرقم مستقى من د. صادق البلادي، تحويل الجيش إلى مؤسسة لأعمار الوطن،الثقافة الجديدة، العدد266.
[7]  هذا الأمر لا يعني نفي للصراعات الاجتماعية التي تنشب من أجل تغيير مواقع كل فئة اجتماعية وطموحها نحو تحسين موقعها في الحياة الاقتصادية ووزنها السياسي المؤثر. سوه أن هذه العملية يجب أن لا تتم من خلال تبني الفكرة الانقلابية المسلحة. وهذا يمثل إحدى الضمانات لديمومة الدستور، خاصةً إذا ما اقترن بقناعة كل فئة باحترام الفئات الأخرى وضرورة وجودها والتي جميعها ترى في ذاتها استكمالاً إلى الأخر.
[8] نشرت صحيفة الأهالي التي تصدر في العراق نتائج استفتاء أتضح منه أن 83% من الذين أجري معهم الاستفتاء يرون أن تكون الخدمة في الجيش تقوم على أساس مبدأ التطوع وليس الخدمة الإلزامية.
[9] يجب عدم الخلط بين ممارسة الحقوق الانتخابية وبين الانتماءات الحزبية.. ومما يثير التساؤل أن الحزب الشيوعي العراقي قد ثبت في برنامجه للمؤتمرين السادس والسابع، حق العسكريين في الانتماء الحزبي. في الوقت الذي أرى ضرورة التوقف كثير عند هذه النقطة. نظراً لما نجم عن تفشي الولاءات من انقسام وتطاحن دموي في المؤسسة العسكرية، وكان أنصار الحزب نفسه من أكثر من تضرر من ذلك. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا أين سيقف العسكري من القرار الحزبي المتعارض مع القرار العسكري أو بالعكس عندما يتعارض  القرار العسكري مع القرار الحزبي ؟ إن دعوة الزعيم قاسم إلى إبعاد الجيش عن الصراعات الحزبية، الذي اُستهجن من قبل الكم الأغلب من الأحزاب السياسية آنذاك، كان أكثر حكمة من السياسيين من جهة وكان يصب في جوهرة في تعميق بناء أحد أسس المجتمع المدني الذي ندعو / كقوى يسار، إلى إقامته.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مدخل نظري: من ملامح المؤسسة العسكرية العراقية
- الإرهاصات الفكرية للمساواتية الحديثة في العراق الحديث
- دور الفـرد في التاريـخ - عبد الكريم قاسم نموذجاً


المزيد.....




- لماذا يتوجب عليك زيارة العاصمة البلغارية صوفيا؟
- نصرالله عن جلسة "وزراء العرب": تدعو للأسف وليس للت ...
- نصر الله: منفتحون على الحوار مع الحريري وهو غير مستقيل بالنس ...
- وزير خارجية السودان: لا نعادي إيران ولا ندخل في تحالفات المو ...
- استقالة رياض حجاب و6 مسؤولين آخرين من مناصبهم في الهيئة العل ...
- تحفة تقنية لتوثيق الذكريات المميزة
- بوتين: إذا أردنا النصر يجب أن يكون سلاحنا الأفضل!
- هل يقضي ملف الهجرة على مستقبل ميركل السياسي؟
- صحافية جزائرية توقف إضرابها عن الطعام
- واشنطن تعيد إدراج كوريا الشمالية -دولة راعية للإرهاب-


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عقيل الناصري - أفكار أولية: عن طبيعة ومهام المؤسسة العسكرية في عراق المستقبل- 1