أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يحيى محمد - المثقف الديني والنزعات العلمانية















المزيد.....


المثقف الديني والنزعات العلمانية


يحيى محمد

الحوار المتمدن-العدد: 3079 - 2010 / 7 / 30 - 08:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مفهوم المثقف من المفاهيم الحديثة التي شهدت الكثير من اختلاف الآراء وتباينها. فتارة يُقصد به من له العمل الفكري في قبال الاعمال اليدوية، وهو بهذا يشمل اهل الاختصاص وغيرهم من ذوي الاهتمام بالقضايا العلمية والمعرفية. كما قد يُقصد به من له معارف وعلوم ذات علاقة واهتمام بقضايا المجتمع العامة. فالطبيب والمهندس والفيزيائي وغيرهم من ذوي الشهادات العلمية الطبيعية لا يعدون من المثقفين، بينما يعد الفقهاء ومنتجو الاراء والافكار السياسية ومن على شاكلتهم ضمن هذه القائمة، اذ لهم معارف عامة ذات علاقة بقضايا المجتمع. والبعض يرى انه لا بد للمثقف من عنصرين تكوينيين: احدهما الدرجة العلمية العالية كشهادة الدراسات العليا التي تجعل من الدارس يمتاز بمعرفة مميزة. والثاني المعرفة الحديثة التي ميزتها الاعتماد على العلوم والاداب الحديثة، وأُشرط لذلك ان يكون المثقف حاملاً للغات الاجنبية لاهميتها البالغة من حيث كونها لصيقة بتلك المعارف ومدخلاً لها، او على الاقل (التعلق بقراءة المترجمات). وهذا يعني ان الفقيه والعالم الديني لا يعدان من ذوي الثقافة؛ لافتقارهما للعنصر التكويني الثاني عادة.
والواقع نحن ازاء (كائن) يتصف بمواصفات موضوعية نطلق عليه (المثقف). وما ذُكر سلفاً لا يعد شرطاً ضرورياً في تكوين ما يُفهم من هذا الكائن. نعم لا بد ان يكون المثقف حاملاً لمعارف متعددة مختلفة، وان هذه المعارف ليست بمعزل عن قضايا المجتمع العامة، وتمتاز بانها تعتمد بدرجة كبيرة على الواقع وكذا العقل بما لهما من دور تكويني، وقد يضاف اليهما مصادر معرفية اخرى كتلك المستمدة من الوحي او النص. فالثقافة بهذا المعنى ظاهرة واسعة التحقق في عالمنا اليوم، سواء نتج ذلك عن الدراسات الاكاديمية مباشرة او بفعل الجهود الذاتية للافراد. لكن المهم هو ان لا تنحصر المعرفة بحدود التخصص، بل تمتد الى ضروب مختلفة من المعرفة مع القدرة على التفكير والتمييز بكل ما له علاقة بالافكار ذات الصلة بالمجتمع.
على هذا فان في تركيبة المثقف عدة عناصر ضرورية يمكن اجمالها على الشكل التالي:
1ـ يتصف المثقف بأنه ذو قدر واسع من الاطلاع والمعارف الفكرية المتنوعة. وبالتالي فان مفهوم المثقف يقف في قبال مفهوم المختص نسبياً. فالمختص صاحب علم ذي موضوع محدد، وله منهجية دقيقة وصارمة بفعل الصنعة العلمية، أما المثقف فصاحب معارف لا تتحدد بموضوع معين بالذات، ولا تحمل منهجية دقيقة كتلك التي تفرضها الصنعة العلمية والتخصص. مما يعني انه بقدر ما يضيق الموضوع لدى المختص؛ بقدر ما يتسع في القبال لدى المثقف ليشكل موضوعات متنوعة عديدة. وبعبارة اخرى، ان معارف المثقف تعبر عن مبادرات فردية لم تتحدد ضمن أُفق علمي تخصصي ذي مناهج وقواعد معرفية معينة. فهي بالتالي ليست كالمعارف التخصصية الناتجة عن الهيئات العلمية العامة. 2ـ ان اطلاع المثقف الواسع يؤهله لأن يمتلك القدرة على الادراك النظري فهماً وتأسيساً. اي انه يمتلك المقدرة على فهم ما يُطرح من النظريات الفكرية العامة، كما له القابلية على الابداع النظري من تأسيس المفاهيم والمناهج والمذاهب المعرفية العامة. 3ـ ان معارف المثقف مستمدة في الاساس من النظر والاطلاع على شؤون الواقع وممارسة التحليل العقلي. وبالتالي فان المثقف ذو مقدرة عالية على النقد والتفكير والتمييز بين الاراء التي لها علاقة بالواقع ومجرى الاحداث العامة. 4ـ ينصب اهتمام المثقف على قضايا المجتمع، باعتباره كائناً معرفياً فاعلاً يمكنه ان يؤثر على حركة الوسط الذي يتفاعل معه بما يبتكره من افكار وما يقدمه من معارف، ومن ثم بما يساهم به في صنع الرأي العام باعتباره يوجه خطابه الى الجمهور. فهو من هذه الناحية لا يقع ضمن طبقة سياسية او اجتماعية او اقتصادية محددة في قبال نظيراتها في المجتمع، بل يمكن لبعض من اعضاء تلك الطبقات ان يشكلوا فئة ثقافية، كما ويمكن ان ينتموا الى نفس الرؤى الثقافية رغم وجود الاختلاف الطبقي بينهم. وواقع الامر ان الشرط المشار اليه حول اهتمام المثقف بالمجتمع انما يعبر عن الحالة الطبيعية من ارتباط المثقف المعرفي والمتعدد الوجوه بقضايا الواقع، فهذا الارتباط من شأنه ان يجعل الفرد في تواصل مع القضايا التي هي اكثر اثارة ومساساً وتشويقاً، واقصد بها قضايا المجتمع العامة، وبالتالي يصح نعته - كما هو معروف - بالداعية الذي يقتضي حمل ايديولوجيا معينة تتضمن تصوراً وموقفاً محددين من الاحداث والاوضاع الخارجية العامة. على ان هناك درجات متفاوتة من المثقفين يمكن اجمالها بنوعين متميزين؛ احدهما ذلك الذي تكون له المقدرة التامة على التنظير وابتكار الافكار وانشاء المذاهب والمناهج، ويمكن ان نطلق عليه (المفكر). أما النوع الاخر فهو لا يمتلك مثل هذه الخصوصية، انما له القدرة على التمييز وتبني ما يطرقه النوع الاول من افكار ومذاهب بحسب ما يرد في نفسه من اقتناع وتصويب. وبين هذين النوعين توجد درجات متفاوتة غير محددة من الاصناف الوسطى.
ومن حيث المضمون الفكري للمثقفين يلاحظ انهم ينقسمون في مجتمعنا الى تيارين رئيسيين واسعين، احدهما يلتزم بمبدأ الاسلام ويعمل على حمل المشروع الديني ويطلق عليه المثقف الديني او الاسلامي. والاخر على خلافه ليس له علاقة بالمشروع الديني، اسلامياً كان او غيره، ويطلق عليه العلماني. فالفارق بين التيارين يتحدد بحسب الموقف من الدين كمشروع يراد له التطبيق على العلاقات الاجتماعية. ويمكن لحاظ هذا الفارق على الصعيدين الايديولوجي والمعرفي، اذ ما يحرك هؤلاء هو غير ما يحرك اولئك، كما ان توليد المعرفة والقيم المتبناة مختلفة بينهما. مع هذا فهناك اطار مشترك يجمعهما هو الاطار الثقافي ولو بمعناه العام من الاحتكام الرئيسي الى الواقع والعقل الانساني في توليد المعرفة، بغض النظر عن الاعتراف او عدم الاعتراف بوجود مصدر آخر غيبي يعمل على رفد المعرفة الانسانية؛ طالما ان هذه المعرفة لا تأتي - ولا ينبغي ان تأتي - على حساب المعرفة الاولى. على ان للمثقف العلماني توجهات عديدة مختلفة يصل بعضها الى التضاد والتنافي. وهي على العموم توجهات لا تتعدى في نظرنا الاشكال الخمسة التالية: العلموي كما يتمثل لدى شبلي الشميل وفرح انطوان ويعقوب صروف واسماعيل مظهر وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا، والذرائعي (البراجماتي) مثلما هو الحال لدى المفكرين القوميين كبطرس البستاني وابراهيم اليازجي وجرجي زيدان وانطون سعادة وزكي الارسوزي وساطع الحصري وقسطنطين زريق، والعقلاني (التنويري) الذي غالباً ما يلجأ اليه المفكرون القوميون حيث يماهون بين النزعتين العقلانية والنفعية، والميتافيزيائي كما يتمثل لدى المفكرين الماركسيين من أمثال ميشال كامل وياسين الحافظ وحسين مروة وهادي العلوي وصادق العظم ومطاع صفدي وطيب تيزيني وعبد الله العروي، واللاعقلي كما هو الحال لدى عبد الرحمن بدوي وعلي حرب، وعادة ما يعمل هذا الشكل على نقض العقل وتقويض مقولاته المعرفية وفضح التزاماته العملية. ولعل اول شكل برز في تاريخ الفكر العربي الحديث هو الشكل العلموي الممتزج بالذرائعية. فالجيل الاول من المثقفين العلمانيين حمل خليطاً من العلمانية العلموية والنفعية البراجماتية، اذ كان مهتماً بالكيفية التي يمكن ان تتحقق بها نهضة العرب بعد السبات الذي قضوه قروناً طويلة، ومن ثم بلوغهم حد السيادة بمثل ما كانوا عليه من قبل، انطلاقاً من التأثر بالنتاج الحضاري والعلمي للغرب. وعليه كثر الاهتمام لدى هذا الجيل بدوائر المعارف والموسوعات العلمية والادبية والمعاجم اللغوية، وكذلك زاد الاهتمام بانشاء الصحف والتركيز على التعليم ومنه تعليم المرأة، مثلما يظهر ذلك لدى بطرس البستاني.
هكذا فان المثقف العلماني على خمسة أشكال قد تتداخل وتتمازج بنسب واعتبارات، وهي مازالت سائدة حتى يومنا هذا، ويمكن تسليط بعض الضوء عليها كما يلي: 1ـ النموذج العلموي وهو ذلك الذي يجد في العلم ضالته الوحيدة في البحث عن الحقيقة وتأسيس المجتمع السليم. وبالتالي فانه لا يقدم اطاراً قبلياً يعتمد عليه غير وثوقه بالنتاج العلمي، ولا يحمل منظومة محددة غير تلك التي تصاغ صياغة بعدية قابلة للتغيير باستمرار تبعاً لما يقدمه العلم من حقائق نسبية. مما يعني ان نهضة المجتمع لا تتحقق بالدين او غيره من العناصر الحيوية الفاعلة. بل غالباً ما ينظر الى الدين نظرة العائق من التقدم، ويراه طوراً قد انتهت مهمته تاريخياً، طبقاً لقانون الاطوار الثلاثة من تطور الفكر الانساني الذي وضعه اوجست كونت، حيث فيه يكون الطور الديني هو اول المراحل التاريخية للتفكير البشري بما يتصف من سذاجة واسطورة، وبعده جاء الطور الفلسفي الميتافيزيائي منذ الحضارة الاغريقية وحتى العصر الحديث، ثم انتهى الامر اخيراً عند الطور العلمي كما نجني ثماره اليوم. 2ـ النموذج الميتافيزيائي وهو ذلك الذي يفترض وجود نسق قبلي ثابت كحقيقة مطلقة تتجاوز حدود التاريخ والزمان والمكان. ومنه يتم التعامل مع القضايا الموضوعية، سواء بفهمها بحسب ما عليه النسق، او العمل على تطبيق مضامينه ومفرداته ولو افضى الامر احياناً الى تغيير الواقع تغييراً جذرياً، مثلما هو الحال مع الاطروحة الماركسية التي تفترض وجود نسق قبلي جاهز خُيل للماركسيين العرب ان من الممكن تطبيقها على ارض الواقع ومنه الواقع العربي. 3ـ النموذج الذرائعي وهو الذي لا يهمه إن كان مصدر الحقيقة قبلياً او بعدياً، انما يهمه توظيف الحقائق لقضايا نفعية تخدم المجتمع. وبعبارة اخرى ان ما يستقطب تفكير المثقف الذرائعي هو المصلحة التي يسديها الى المجتمع الذي ينتمي اليه عبر اتخاذه معياراً ما من المعايير المعرفية، وليس هو نفس هذا المعيار، فهو من هذه الناحية قابل لاتخاذ اياً كان من الاطر والانساق المعرفية، سواء كانت قبلية او بعدية، طالما تتحقق فيها المنفعة التامة للمجتمع. لذلك فالأصل في هذا النموذج هو خلوه من اي اطار او نسق معرفي؛ قبلياً كان او بعدياً، وإن تعذّر عليه التجرد من هذا الغطاء، وبالتالي كان عليه الامتزاج والاخذ بالصيغ الثقافية من الاشكال الاخرى، سيما الشكلين التنويري والديني، مثلما يلاحظ جلياً لدى المثقف القومي العربي المنشغل بحلم اعادة مجد العرب. 4ـ النموذج العقلاني وهو الذي يؤمن بالعقل ايماناً مطلقاً من حيث قدرته على الكشف عن الحقائق وتحقيق ما تصبو اليه النفوس من نهضة انسانية، لا من منطلق ذرائعي ولا ميتافيزيائي ولا علموي، بل يكفي للعقل حمل قدراته الذاتية في الكشف والمحاكمة والنقد. فهو كما عبّر عنه المفكر القومي قسطنطين زريق بأنه (العقل الممتحن المنضبط المولّد) في قبال (الذاكرة الساردة المرددة المقلدة). فهذه هي عقلانية المثقف التنويري التي يستبعد فيها اي وصاية خارجية تعمل على الاخلال بالممارسة العقلية، كما ويستبعد ايضاً دخالة كل ما هو غيبي خارج عن الحدود الطبيعية، بل (يميل الى الموقف القائل بأن المعقول هو الطبيعي، ولا وجود لشيء خارق للطبيعة، وأقصى ما يعترف به هو المجهول الذي قد يصبح يوماً ما معلوماً). ويسلم بأنه لا طريق للانعتاق العقلي سوى الحرية. ويوصي عادة بضرورة العمل بالديمقراطية في الممارسات السياسية. وهو يعتبر فلاسفة التنوير قدوة له بما حققوه من مكاسب، وعلى رأسها مكاسب الحرية والمساواة والاخاء كما بشرت بها الثورة الفرنسية فيما بعد. 5ـ النموذج اللاعقلي وهو على خلاف سابقه لا يمنح المنطق العقلي دوراً فاعلاً ومميزاً في كشف الحقائق وحل المشاكل العامة. وغالباً ما ينظر الى العقل والواقع نظرة وجودية لا تبعث على التفاؤل لتحقيق ما ينشده الانسان من مبادئ والتزامات. فالعقل لا اعتبار له فيما يقدمه من مقولات منطقية او التزامات عملية. وعلى ما يراه البعض فان خلف العقل جانباً مظلماً يتمثل بالباطن الحيواني او اللامعقول والذي يدفع بالعقل اتجاه مآربه ورغباته. وبالتالي كان لا بد من فضح العقل ومقولاته ونقض منطقه والكشف عن عوراته برده الى منطقته المقفلة المظلمة من العناصر الباطنية اللامعقولة، بغية السيطرة عليها وكبح جماحها او ادارتها بالشكل المناسب. وهذا النوع من المثقف والمتأثر بجملة من الفلاسفة الغربيين، كنيتشه والوجودية وفوكو وغيرهم، يعد نادر الحضور بين مثقفينا قياساً ببقية الانواع الاخرى. وأبرز من يمثله عبد الرحمن بدوي وعلي حرب.
***
يبقى لدينا المثقف الديني، فهل نعدّه نفعياً او علموياً او ميتافيزيائياً او عقلانياً او انه مثقف لا عقلي؟ حقيقة الامر ان جميع هذه النزعات تتجسد فيه وان بنسب وهيئات مختلفة. وقد يصح القول ان الشكل الميتافيزيائي هو المرتكز المعرفي الاساس الذي يحدد هويته الخاصة، حيث يتمثل بظاهرة الوحي والنص. لكنه ليس خلواً من النزعات المعرفية الاخرى التي تكشف عن طبيعة ثقافته، ففي الغالب انه قائم على مزيج من العلموية التي تستند الى حقائق العلم واعتباراته، والعقلانية التي تتمثل بالانشداد الى منطق العقل في محاكمة القضايا العامة. اما النزعة اللاعقلية بالطريقة النقضية التي عرضناها فهو خال منها، لا بمعنى انه لا يعتقد بوجود جانب مظلم حيواني ولا معقول في النفس البشرية، بل انه لا يجعل من العقل مطية هذا اللامعقول الى الحد الذي تتقوض فيه مقولاته المنطقية والتزاماته الوجدانية. ومع هذا فهناك صنف من المثقفين الدينيين ممن لا يعتمد على منطق التفكير العقلي بقدر ما يعتمد على دواعي الحدس والوجدان، مثل عثمان أمين في جوانيته، وعباس محمود العقاد في وجدانيته. ويظل الجانب الذرائعي - لدى المثقف الديني - مكملاً لتلك الاشكال المعرفية ومستنداً الى ما تفرضه من اعتبارات. على ان بين المثقف الديني والمثقف العلموي تنازعاً واختلافاً فيما يخص علاقة الدين بالحياة والواقع. اذ يعتقد المثقف العلموي بأن هناك تضاداً بين الدين والعلم، وفي احسن الاحوال لا يرى ان بالامكان قراءة الواقع، ومنه الواقع العلمي، بعين دينية. فهو بالتالي لا يرى بديلاً عن العلم يمكنه تفسير الواقع والكشف عن اسراره وخفاياه. وعلى خلاف المثقف العلموي يرى المثقف الديني ان ما يضعه الاول من تضاد بين العلم والدين وما ينصّب نفسه كنصير للاول على حساب الثاني؛ انما جاء نتيجة خطأ في التقدير. اذ ليس هناك تضاد بين العلم والدين، انما التعارض قائم بين مسلكين مختلفين للفهم والتفسير، احدهما عائد الى المنهج العلمي كما اتخذه العلماء لتفسير الواقع الموضوعي من خلال الفحص والمراجعة المستمرة اعتماداً على عدد قليل من المسلمات. أما المسلك الآخر فيتمثل بالمنهج البياني الذي ينتمي اليه الفقيه ومن على شاكلته، حيث الميل الى جعل التكوين المعرفي منحصراً بالنص؛ على شاكلة ما يقوله الامام ابن حنبل: (انما أُمرنا ان نأخذ العلم من فوق)، او ما يقوله استاذه الشافعي: (العلم طبقات شتى.. ولا يصار الى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من اعلى). اذ جرى الكثير من تفسير الواقع والكشف عن اسراره وخفاياه ضمن الاعتبارات الواردة في نصوص الرواية والحديث. وبالتالي فان هذا المسلك يعتمد في الأساس على عالم التدوين والأمر في فهم عالم التكوين والخلق، رغم عدم توفر القطع في سند الاول او دلالته. من هنا فاذا كانت هناك قطيعة فهي ليست بين العلم والدين، وانما بين النهجين العلمي والبياني. فالعلم يعتمد على معطيات الواقع والتحليل العقلي وهو ليس معنياً بالنصوص الدينية، وعلى خلافه يصدق الامر مع المنهج البياني الذي يجد في النص مصدره الرئيسي لتكوين المعرفة، رغم تعامله القائم – في الغالب - على الظنون لا القطعيات. وعلى ما يقوله محمد عبده: (يرى القارئ انه لم يكن هناك جلاد بين العلم والدين، وانما كان بين اهل العلم وبين اهل الدين شيء من التخالف في الاراء). لهذا وجد المثقف الديني نفسه - منذ بداية ظهوره - معنياً بحل هذه القطيعة عبر عملية التوفيق التي نهجها؛ مخالفاً بذلك كلا النزعتين المتشددتين. فهو يتقبل من جانب النتاج العلمي والسلوك المنهجي الذي يتبعه العلماء في الكشف عن اسرار الواقع وخفاياه؛ خلافاً لما عليه المسلك البياني التقليدي، لكنه من جانب اخر حريص على التمسك بالمبادىء والقيم التي جاء بها النص، مما جعله يختلف تماماً عن النهج الذي عليه المثقف العلموي. وبالتالي يرى ان العلم والدين توأمان، او انه لا بد ان ينتهي امرهما الى التآخي. بل ان المثقف الديني يعد النتاج العلمي لعلماء الطبيعة يشكل دعماً كبيراً لتأييد ما ينطق به النص. فالنص عنده سابق في الكشف عن خفايا الواقع مقارنة بما عليه العلم، مع الاعتراف بكونه كاشفاً على نحو الاجمال لا التفصيل، باعتباره لم يوضع بديلاً عن الكشف العلمي، اذ تظل مهمته الاساسية تنحصر بالهداية. وبهذا فان احدى الوظائف التي حملها المثقف الديني على عاتقه هي المزاوجة بين النهجين البياني والعلمي، او بين الفقيه والعلماني. وبعبارة ادق، جاء ليزاوج بين العلم والدين، او الواقع والنص، مخالفاً بذلك السير المتصلب الذي عليه كلا النهجين الآنفي الذكر. على ان نفس ما ذكرناه ينطبق تماماً على ما يخص العلاقة بين المثقف العقلاني والمثقف الديني، وذلك من حيث التنافس الحاصل بينهما حول فهم الواقع وتفسيره، وحول العلاقة التي تربط العقل بالدين، فما يتصوره المثقف العقلاني من ان هناك تضاداً بين العقل والدين، وان الأخير هو الجانب اللامعقول بالقياس الى الاداة العقلية، وان المحاكمة تظل في جميع الاحوال خاضعة للعقل دون غيره من الغيبيات، فكل ذلك يمكن الاجابة عنه بمثل ما ذكرناه بصدد المثقف العلموي. فمن ناحية ان ما ذُكر من تضاد بين العقل والدين ليس صحيحاً، بل الصحيح ان يقال بأن هناك تضاداً بين النهجين البياني والعقلي، وقد يسفر هذا التضاد عن تناقض في مضامينهما، لكن ذلك لا شأن له بالدين وعلاقته بالعقل. وقديماً ظهر الكثير ممن يطرح فكرة التضاد من اصحاب النهج البياني، على الصعيدين الكلامي والفقهي. وواقع الامر ان التضاد الذي ذكروه ليس تضاداً مع الدين، بل مع فهمهم له، فمن الواضح ان جميع المدارس والمذاهب الدينية تمارس انماطاً من الاجتهاد في الدين دون ان تكون ناطقة عنه على وجه القطع. ولا يستثنى منها المدارس البيانية التي تعول على ظواهر النصوص وحرفيتها اللغوية. وربما يكون ابن رشد هو اول من أدرك الطابع الاجتهادي لتلك المدارس – بما فيها المدارس البيانية – باعتبارها قائمة على بعض الاصول والمسلمات القبلية. لذا كان علم الطريقة علماً حيوياً لدراسة الفكر الاسلامي عبر الكشف عن المولدات المعرفية والاسس القبلية لمناهج الفهم الديني. عموماً لا يجد المثقف الديني في العقل ما يعارض المضامين الدينية. وبالتالي انه لا يعتبر الدين شكلاً غير معقول مقارنة بالعقل. بل يرى ان احدهما جاء ليشهد ما لدى الاخر. فالعقل مؤيد بالدين، والدين مؤزر بالعقل؛ بلا تناقض ولا تعارض. فاغلب القضايا الدينية هي مما يشهد عليها الوجدان العقلي بالاقرار، سيما تلك التي لها علاقة بالمصالح العامة. تظل هناك قضايا تعبدية وغيبية لا يعلم العقل عنها شيئاً، الأمر الذي ليس بغريب طالما ان ذلك يجري حتى في العلوم الطبيعية، حيث هناك من الخفايا ما يعجز العلم عن ادراكها. أما علاقة المثقف الديني بالمثقف الميتافيريائي فيلاحظ ان للأول نوعاً من التعالي الغيبي يجعله من هذه الناحية لا يختلف عن الثاني. فكلاهما يستند الى منظومة ميتافيزيائية متعالية رغم ما بينهما من تعارض على صعيد المحتوى. كذلك فانهما يطمحان الى تحقيق نموذج مثالي بحسب ما تمليه عليهما نزعتهما الميتافيزيائية المتعالية على التاريخ وظروفه الزمانية والمكانية. فما يطمح اليه المثقف الديني هو تحقيق الامر الرباني المتمثل بخلافة الانسان الصالح على ارض الواقع. وما يطمح اليه النموذج الميتافيزيائي، كما في الماركسية، هو تحقيق المجتمع الشيوعي (اللاطبقي) تبعاً للحتمية المادية والتاريخية المفترضة. وبخصوص المثقف الذرائعي ففارقه عن المثقف الديني هو انه من حيث نفعيته لا يملك تكويناً معرفياً محدداً، وبالتالي فهو بحاجة للامتزاج بغيره من الاشكال الثقافية الاخرى. أما المثقف الديني فرغم انه ليس خالياً من النفعية الا انه يعدها مؤطرة باطار منظومته المعرفية والقيمية. واعني ان النفعية لديه هي نفعية محكومة وليست منفصلة او مستقلة عن تلك المنظومة. وعلى العموم فان الفارق بين المثقف الديني والعلماني يمكن لحاظه عبر تصور كل منهما لعلاقات الانسان؛ علاقته بنفسه وبالمجتمع والطبيعة والميتافريقا الغيبية. فالمثقف الديني ينطلق من نظرية الاستخلاف وحمل الامانة الربانية، لا من حيث الأمانة في قوله تعالى: ((إنا عرضنا الأمانة على السماوات والارض والجبال فأبيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوماً جهولاً)) (الاحزاب/72) فقط، ولا من حيث قوله تعالى: ((ان الارض يرثها عبادي الصالحون)) (الانبياء/105) فحسب، بل كذلك من حيث النبوءة التي تبشر بمغزى هذا الاستخلاف والذي عارض فيه المولى جل وعلا ما توقعته الملائكة بقوله: ((واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال اني اعلم ما لا تعلمون)) (البقرة/30)، على مثل هذه الايات يقيم المثقف الديني تصوره الذي يؤسس فيه علاقات الانسان المتعددة طبقاً لمفهوم الامانة والاستخلاف، كالذي يلاحظ بوضوح لدى مثقفي ما بعد منتصف القرن العشرين. مما يعني ان منطلقاته هي منطلقات متعالية غيبية، لكنه لا يفصلها عن ارض الواقع. فهو يعي انها تتجسد في الواقع عند تحقق شروطها، ويرى ان الاسراع في التجسيد وإحكامه يتوقفان على فهم الموضوعات التي تناط بها تلك العلاقات، وهي كل من النفس والمجتمع والطبيعة والميتافيزيقا، ومنه تنشأ الحاجة الى العلوم المتعلقة بها، بغية الافادة منها في تأسيس علاقات مناسبة وتوظيفها للهدف المشار اليه. ويبدو ان المثقف الديني لا يربط نظرية الاستخلاف بشكل النظام السياسي بقدر ما يربطها بوجود المجتمع الصالح، بحيث يرى كل صلاح في العلاقة الانسانية تعبيراً عن تحقيق درجة من درجات الاستخلاف غير المنقطعة. والمطلوب هو توسيع رقعة الاستخلاف والشد على حمل الامانة اكثر فاكثر. والملاحظ ان لنظرية الاستخلاف عند المثقف الديني بعدين: ديني مجمل، وواقعي مفصل. فهو يرى ان هناك سنناً طبيعية مرصودة في الواقع ولها علاقة بالاستخلاف. وقد اشار اليها النص اجمالاً. ومن ذلك ان رشيد رضا يرى ان من السنن التي تفيد الغرض هي البقاء للاصلح، فهي سنة الله التي يتم بها الاستخلاف، والاصلح يتمثل بالصالحين (الذين يصلحون لاقامة الحق والعدل وسائر شرائع الله وسننه في العمران، ويدل عليه المثل المشهور في سورة الرعد: ((فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض))). بل انطلاقاً من هذه السنن فان رشيد رضا وأمثاله لا يتحفظون من اعتبار أحقية الغرب وصلاحه علينا طالما انه يتفوق علينا تبعاً لسنة البقاء للاصلح والاستخلاف. فبحسب رأيه ان الغرب على الحق والصلاح وانه افضل من اخلاق ممالك المسلمين واعمالهم وعدلهم واصلاحهم واتباعهم لسنن الله في نظام الاجتماع والسياسة، ولولا ذلك ما استطاعوا ان يتسلطوا على المسلمين. هذا هو الاساس المعرفي الذي ينطلق منه المثقف الديني في ربطه لعالم الغيب بالشهادة، او النص بالواقع، مما يبرر اختلافه الجذري عن المثقف العلماني بجميع اشكاله وصوره. فليس من بين هذه الاشكال من يعد للحساب الغيبي اعتباراته في الحركة الانسانية. وحتى الشكل الميتافيزيائي فانه لا يرى الحركة الانسانية ناشئة عن التخطيط الغيبي، بل هي نتاج عملية تاريخية حتمية تحكمها قوانين مادية معللة ذاتياً دون علل خارجية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,676,246
- البحث الطريقي كعلم جديد للفهم الديني
- نصر حامد أبو زيد وانثروبيا النص القرآني
- القبليات المعرفية وعلاقتها بالفهم الديني
- القطيعة بين الفكر المغربي والمشرقي (قراءة في مشروع المفكر مح ...
- بين الفهم المقصدي والتعبدي للدين
- النظام الوجودي وتحليل العلاقة الوجودية
- حضارة بين حضارتين(مقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارتين ال ...
- الحركة العقلية الاسلامية وتطوراتها
- الصراع والتكامل بين الفلسفة التقليدية والعرفان
- الجابري والخلط بين مفكري اللحظة المغربية
- آليات قراءة النص الديني
- صدور كتاب جديد ليحيى محمد بعنوان منطق فهم النص
- علم الطريقة وفهم الخطاب الديني
- مقارنة بين العقل المثقف الديني والعقل الفقيه
- منطق السنخية والتنظير الفلسفي داخل الحضارة الإسلامية
- مع مشروع نقد (نقد العقل العربي)
- الفهم الديني: سننه وقوانينه وقواعده ومستنبطاته
- القطيعة بين إبن سينا وأرسطو (قراءة في مشروع المفكر محمد عابد ...
- ابن رشد وعلاقة الفلسفة بالدين


المزيد.....




- القضاء اللبناني يصدر مذكرة توقيف بحق سيف الإسلام معمر القذاف ...
- لبنان… مذكرة توقيف ضد سيف الإسلام القذافي 
- إيهود باراك يعتذر عن قتل 13 عربيا عام 2000
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- خان: الجاسوس الذي ساعد الأمريكيين في تصفية بن لادن أحرج باكس ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ «مشروع ليلى»
- الاحتلال الإسرائيلي يبعد «مرابطة» مقدسية عن المسجد الأقصى 15 ...
- ما القصة وراء -طرد مدون سعودي- من المسجد الأقصى؟
- 80 مستوطنا وطالبا تلموديا يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يحيى محمد - المثقف الديني والنزعات العلمانية