أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - صور عائمة






















المزيد.....

صور عائمة



حيدر الكعبي
الحوار المتمدن-العدد: 3068 - 2010 / 7 / 19 - 06:32
المحور: الادب والفن
    



من وراء الكوّة الوحيدة في الغرفة، المقطوعة طولياً بأربعة قضبان صدئة، رأى سماعة التلفون السوداء في قبضة أخيه اليمنى تصنع جسراً بين الأذن والفم. ورأى يد أخيه اليسرى، التي انتهتْ تواً من إدارة قرص التلفون، تحك أرنبة الأنف، أو تمسد فروة الرأس، أو تمسح عرقاً وهمياً عن الجبين، أو تبحث عن جيب تندس فيه فلا تجد. كان قضيب الكوة الثاني من اليمين ينصّف جسد أخيه طولياً، فيما انحصرت ذراع الأخ اليمنى، حاملة ُ السماعة، ومعها الرأس وجزء من العنق بين القضيبين الأول والثاني. وكان أخوه شبه عار ٍ. لاشئ يستره سوى سروال داخلي قصير حائل البياض لا يبلغ الركبتين، وفانيلة بيضاء بحمالتين غطت معظم السروال، فكأنه لم يكن يرتدي سواها. وكان في هيئته تلك أشبه بجرذ كبير أبيض يتشمم السماعة بحثاً عن فتات جبن. كان بوسع ناجي أن يجس نبض الخيانة عن بعد، وأن يراها في الفم الفاغر وهو يتهيأ للهمس، وفي العينين الجاحظتين القلقتين، والنظرة الممغنطة. بل كان في وسعه حتى أن يخترق ذهن أخيه الملبّد وأن يرى الوشاية تأخذ زينتها أمام المرآة قبل الخروج. ومن موقعه وراء الكوة، في الغرفة التي تحولت فجأةً الى زنزانة، أحس برنين التلفون الذي يجري الآن في أسلاك تحت الأرض، مستهلاً رحلته من الغرفة المقابلة، قاطعاً المسافات برسالته المشؤومة، أحس بذلك الرنين يسري في أعصابه هو كأزيز أجراس تحت الماء. ثم رأى أخاه يفح في التلفون. رأى اختلاج شفتيه وهما تلتصقان بقرص السماعة، وتفاحة آدم تعلو وتهبط مثل نواة الخوخ. ورأى الفحيح نفسه يدخل كبخار ساخن في ثقوب القرص. ورأى عيني أخيه تحدقان في السماعة كأن محدثه مختبئ في داخلها. وقد استحال التلفون، الذي كان منذ لحظات جهازاً محايداً يقبع في ركن مهجور، الى عنكبوتٍ أسودَ متآمر مليئ بالحيوية والخبث.

الآن أدرك سر الترحاب الذي استقبله به أخوه، واللهفة التي دعاه فيها للدخول، والسرعة التي أغلق بها الباب. لقد حثه على دخول الغرفة باهتمام وارتباك وعجلة. وجلب (بطل) عرق وقدحاً وعلبة لبن، وملأ الكأس حتى الحافة بالعرق الصرف، وألحّ عليه أن يشرب، فشرب. فعاد وملأ الكأس وألح عليه بشرب المزيد. كل ذلك فسره ناجي بفيض العواطف، بفرحة اللقاء بعد فراق طويل، بالكرم. ولم لا؟ أليسا أخوين؟ بلى، كان أخوه فرحاً، لاشكَّ، ولكن بماذا؟ أبمجئ الطريدة من تلقاء نفسها الى الشرك؟

لكن ما أسرع ما شاخ أخوه هذا! لقد تجعد جبينه، ونتأ عظما وجنتيه، واحتشدتْ في زوايا عينيه العروق الدموية، وتغضّن ملتقى الجفنين فغدا كذيل طائر الخـُطـّاف. أما الأجفان ذاتها فقد تورمت فأصبحت كالمِخدّات، واستحال شعره الى ألياف عديمة اللون خشنة كأسلاك جلافة القدور، وشارباه الى فرشاتين مغبرّتين، وتخلخلت أسنانه، واصطبغ ماتبقى منها بالنيكوتين والشاي. كل هذا وهو في الخامسة والثلاثين. إنه لا يستطيع أن يصدق أن هذا الفتى الأمرد التي يطل عليه من الصورة التي على الجدار هو نفسه ذلك المسخ الذي يفح سمومه في التلفون في الغرفة المقابلة الآن. الفتى هذا ينظر اليه من أعماق الصورة المجومة والمحاطة بإطار خشبي بلون قشر البلوط، نظرة منحرفة الى يسار الصورة. وناجي يشعر بهذه النظرة الآن تحط على عاتقه الأيمن، على عظم الترقوة تحديداً. العينان وديعتان والنظرة صافية. الأذن اليمنى مكتملة كعلامة استفهام كبيرة، صيوانها متورد وشحمي. الشفتان مغلقتان لكنهما مشرفتان على الإبتسام. القميص شديد البياض والسترة شديدة السواد، كأن الحدود بينهما محزوزة حزاً بآلة حادة ومسطرة. الشعر ممشط الى الخلف—شعر أسود، جعد قليلاً، لا تشوبه شائبة، لا نتوءات ولا زيادات فكأنه خارج تواً من قالب. هذه الصورة تعود الى ماقبل عام 1963. وهو يتذكر أخاه في هيئته هذه وسيماً وأنيقاً وحافياُ في الوقت نفسه، عائداً من مظاهرة ضد الحرس القومي.

كان أخوه برفقة صديقين له، وكان مازال يرتدي جوربيه مع أنه فقد إحدى فردتي حذائه الجديد في تدافع الحشود المتظاهرة أمام مبنى متصرفية لواء البصرة، فرمى الفردة الأخرى. كانت الشمس قد انحرفت قليلاً عن السَّمْت حين عادوا. ظلالهم تتخبط تحت أقدامهم. أخوه في الوسط. صديقاه يتحدثان بغضب، وهو يهز يديه. والجيران يلحفون بالأسئلة. وأحد صديقيه، وهو أنحف الثلاثة، يصرخ بوجه محتقن: "السفلة ... يرمون الشعب بالدوشكات ... تصوروا." والصديق الآخر، وهو قصير وممتلئ، يؤيد صاحبه: "رمونا بدوشكا .. يعني .. مو معقولة، رموا حتى الحبلى." وأخوه يهز رأسه بحيرة ويمشط شعره بأصابعه كمن يمسح عن رأسه ذكرى بغيضة ويقول من بين أسنانه: "واحد كلب يرمي من فوق البناية." وكان المتظاهرون قد هجموا بالحجارة على افراد الحرس القومي المعتصمين بمبنى المتصرفية، ولكنهم فوجئوا بإطلاق الرصاص الحي عليهم من رشاشة ضخمة في أعلى المبنى، فاحتموا بجرف نهر العشار وبجسر المتصرفية. وفي غمرة الإضطراب انغرزت رجل أخيه في طين الجرف، فانتزعها دون الحذاء. وكان ناجي الصغير قد شاهد أخاه يدشن الحذاء صباح ذلك اليوم نفسه، ويتمخطر به في باحة البيت جيئة وذهاباً "ليطبّعه" كما يقول، قبل أن يخرج مع رفيقيه. لقد انتهى الأمر. فالفتى الذي في الصورة لم يعد ينتمي الى هذا البيت ولا الى هذا العالم. لقد بقي هناك، عند جرف النهر، أمام المتصرفية، يحاول إنقاذ الحبلى الجريحة. وحل محله هذا الغريب شبه العاري الذي يشي به لرجال الأمن الآن.

هذه هي إذن الغرفة التي شهدت طفولته. لقد اختفى السرير الحديدي ذو الأعمدة الأربعة المنتهية برمانات معدنية صفراء تشير بحَلماتها الأربع الى السقف، وحل محله آخر خشبي مفروش بحشوة سميكة من الإسفنج المضغوط. وتلاشى كانون الفحم الذي اعتاد أن يشوي على جمره الكستناء في الأيام الخوالي، مُخـْلياً مكانه لمدفأة نفطية بارتفاع ذراع تقف الآن شاخصة فوق صينية بجانب البوفيه. كذلك زال الراديو الخشبي الضخم المكشر ذو العين الوحيدة الخضراء، والذي كان دخل البيت دخول الفاتحين أول الأمر، وظل زمناً طويلاً محط فضول العائلة ومدار أحاديثها. ذهب هو الآخر. وفي موضعه، يجلس الآن تلفزيون ذو شاشة مستطيلة بلون الأسمنت مثل مقلة عمياء تعكس الموجودات دون أن تراها—محض كتلة ثقيلة صامتة صمت القبور ألقوا على جوانبها وعلى مؤخرتها المنبعجة إزاراً مطوياً عدة طيات، مرقشاً بدوائر زرقاء. أما المروحة السقفية القديمة التي تبدأ دورانها عادة بالأنين ثم تشرع بإصدار طقطقة أشبه بخبب حصان على بلاط—خبب يتحول الى عدْو بتسارع الدوران—فمازالت في مكانها القديم، لم تتزحزح، وقد اكتست ريشاتها الثلاث بطبقة من الغبار الدهني الداكن. وهي، شأنَ المدفأة، في إجازة الآن، ففي هذا الوقت من السنة لم تدعُ الحاجة بعد لا الى التدفئة ولا الى التبريد، مع أن الجو أمْيـَلُ الى الحرارة في الخارج.

في طفولته كانت هناك صورة للإمام علي وأخرى للزعيم عبد الكريم قاسم تتجاوران على حائط اللـِّـبِْن هذا الذي مازال كعهده يفصل البيت عن الطريق العام. كانت صورة الإمام علي النصفية تبديه جالساًً ويداه مسبلتان الى الجنبين. الذراعان تنحنيان انحناء طفيفاً الى الداخل وتستندان الى الركبتين. واليد اليمنى—اليد التي دحتْ باب خيبر وشطرت قامة عمروٍ بنِ وُدٍّ العامري شطرين متساويين—تحط كالحمامة على مقربة من قبضة سيف ذي الفقار. وهو سيف ذو شفرتين، قصير، مقوس، مرصع بالأحجار الكريمة، يقطع أسفل الصورة عَرْضاً. العينان تنظران الى الأعلى والى اليسار، مقلتاهما بلون القهوة وبياضهما بلون الحليب. والحاجبان فحميان مستدقان ينبسطان كجناحي النسر فوق ربوتي الجفنين. ومن المساحة الجرداء الفاصلة بينهما يهبـِط الأنف شاقولياً مستقيماً متدرجاً في الإرتفاع حتى يتوقف عند منبت الشاربين. الرأس معصوب بكوفية خضراء داكنة تنسدل أطرافها على الكتفين وتغطي الأذنين. وقد اختلط ظل الكوفية بشعر القذال والفودين، وبدت اللحية والشاربان كأنهما مقدودان من المُخمل الأسود. وأحاطت بالرأس هالة ذهبية تخترق الخلفية الخضراء للصورة كشمس تبدد ضباباً.

وكانت صورة الزعيم تجاور صورة الإمام وتضاهيها حجماً. والزعيم ينظر الى الجهة ذاتها التي ينظر إليها الإمام. سدارته أشبه بقارب مقلوب مائل الى جهة الحاجب الأيسر، وفي مقدمتها صقر (أو شئ ما) محصور بين سيفين (أو سعفتين). وهو يبتسم ابتسامة عريضة تعمّق الأخدود الشاقولي في الخد الأيمن، وتضيّق فتحتي العينين وتبديه سعيداً. وقد أسهمت شحة شعر جانب الرأس بإبراز الأذنين، وبخاصة الأذن اليمنى، التي زادها بروزاً ميلان الرأس الى جهة اليسار. وصنع الشاربان شريطاً نحيفاً يحف بالشفة العليا. أما البدلة الخاكية الفاتحة اللون—والأرجح أن الصورة التقطت صيفاً— فلا تبدو أنيقة أو معتنى بها، وربما كانت بدلة جاهزة. وفيما عدا الرتبة والنياشين فقيافة الزعيم لا تكاد تختلف عن هندام أي جندي. رتبته تتكون من تاج يتجه الى الداخل، جهة العنق، ومن ثلاث نجمات تشكل مثلثاً قاعدته الى الخارج ثم شارة الأركان الحمراء على حافة الكتف. وثمة قيطان مضفور بلونين يمر في حلقة الكتافية اليمنى، ويسقط حراً في الفراغ تحت الإبط، ثم يرتفع ويَعْلق بجيب صدر القميص.

الآن زالت الصورتان، وحلت محلهما صورة لصدام حسين في ثياب مدنية — بدلة زرقاء داكنة، وقميص أبيض، وربطة عنق حمراء داكنة مرقطة بالأبيض—وهو يشبك أصابعه حول ركبته اليمنى وينظر الى اليمين مواجهاً صورة الأخ الشاب، ومتغافلاً عن الكاميرا. نظرته تمر فوق كتف ناجي وتتقاطع مع نظرة أخيه في الصورة. صدام هذا يضحك ضحكة عريضة مدروسة تخفي تهدل الشفة السفلى وتكشف عن أسنان سليمة بيضاء مثالية، ضحكة تمط الشِّدقين والشاربين وتتقبب لها الوجنتان. ولاشكَّ أن أدوات عديدة—ملاقط ومقصات وأمواساً وأمشاطاً—قد توقفت لدى الشاربين وأمعنت فيهما قصاً وتشذيباً وتلميعاً وتعطيراًً. وها هو الآن يطل من الصورة ليشمل بنظرته الكأس الفارغة إلا من فص الثلج، وبُطل العَرَق الملئ للنصف، ومنفضة السجائر الصفيحية، وتتحول ضحكته المنجمدة في الصورة الى قهقهة تهز جسد صاحبها وترخي اشتباك أصابعه. ومع أن ناجي يدير ظهره للصورة، فهي تحاصره من اليسار منعكسة في مرآة البوفيه. وبدا له أن صاحب الصورة كف عن الضحك لحظة، ووضَح التهدل في زاوية شفته السفلى، ثم اتسعت الفجوة بين شفتيه، وسمعه ناجي يقول مغالباً الضحك: "خلـّي (بلامٍ غليظة) براسك عقل، يا وَلّ." ومرت لحظة صمت أحس فيها ناجي كأنه في أعماق بئر وكأن الصوت الصادر عن الصورة يدور حوله في حلقات متوالدة، حلقات تبدأ بالتشكل من قعر البئر، وتتسع تدريجياً وهي ترتفع بشكل قمعي الى فوهته، قبل أن يسمع الصورة تضيف: "شوف أخوك ..." لكن صورة صدام عجزتْ عن كبح ضحكتها فشرقتْ بقهقهة مدوية حتى دمعت عيناها. ووجد ناجي نفسه ينقـّل نظره بين أخيه الذي في الصورة ذي العينين السوداوين الوديعتين والوجه البرئ المسالم، وأخيه الحالي الذي يشي به لرجال الأمن الآن، في الغرفة المقابلة، بفانيلته وسرواله الداخلي الأبيضين ونظرته الجاحظة المتآمرة وفحيحه في التلفون، حين جاءه صوت صدام منهياً موعظته كمن يضع نقطة في آخر السطر: "صير مثلـُه." ولعلعت ضحكته ثانية ثم انجمدت.

لدى فتح باب البيت اخترق الظلَّ الذي كان يقبع تحت فتحة الباب مثلثٌ من أشعة الشمس سرعان ما قطعته خطى شرطيين مدنيين. كان أولهما نحيفاً ببزة خضراء داكنة. الآخر بثياب بنية بلون القِرْفة. ثم ســمع ناجي مزلاج باب الغرفة يُسحب فيصدر صليلاً كصليل عجلات القطار لحظة وقوفه. ولاحظ أنه لم يسمع هذا الصوت عندما أغلق أخوه الباب. ما إنْ فـُتح باب الغرفة حتى انقض أخوه عليه، كسبّاح يقذف بجسمه من جرف نهر، مطوقاً إياه بذراعيه كمن يعانقه، وقد حجب بجسده للحظات وجهي الرجلين الغريبين اللذين سدا بجسميهما الباب. ثم، بوثبة أخرى، غيّر موضعه وأمسكه من الخلف. والرجل ذوالبدلة الخضراء يمط إحدى زاويتي شفتيه بنصف ابتسامة، ووجهه يتفصد عرقاً دون سبب واضح. الآخر يدس يده اليمنى وراء خاصرته دافعاً ذيل سترته بذراعه مستعداً لسحب مسدس. ذو البدلة الخضراء تفحصه طويلاً قبل ان يدمدم من بين أسنانه بنغمة منتصرة: "لازم فاجأناك،" فيما راح أخوه يحكم طوق ذراعيه حوله بعنف لم يعد ضرورياً، فهو حتى لم يقاوم. ذو البدلة البنية خطا باتجاهه وتحسس ثيابه من الحزام حتى الجوربين، قبل أن ينهض ويواجهه محدقاً في عينيه مباشرة، ويحشرج بصوت أجش: " شاعر الحزب، هه،" وقد فاحت أنفاسه تبغاً. كان شارباه كثين وبدا كأنه يعضهما حين يتكلم. كان في طوله تقريباً، وهو يواجهه الآن، يكاد يلتصق به. "تشرفنا،" عقـّب ذو البدلة الخضراء، وكشر كاشفاً عن سن بلاتين في مقدمة الفك العلوي. "نحب نعزمك ع العشا الليلة،" أضاف الرجل الآخر بصوته المحشرج، وأمسكه من ذراعه اليسرى حالاًً محل الأخ الأكبر، اليد اليسرى على المرفق واليمنى على الرسغ. لكن أخاه لم يخلِ سبيله تماماً بل أمسك بذراعه اليمنى، قبل أن يحل محله في هذه المهمة أيضاً الرجل ذو البدلة الخضراء. ثم شبك الرجلان أصابعهما بأصابعه بقوة، كلاً من جهته، واتجها الى باب الغرفة. "وين حذاءه؟" قال ذو البدلة البنية، فجلب الأخ الحذاء وألقاه قرب قدميه، وإحدى الفردتين مقلوبة وفي مقدمتها الى الجانب خرق كبصمة الإبهام. حاول هو أن يدخل قدميه في الحذاء دون معونة من يديه. قال ذو البدلة الخضراء: "ساعده." فجثا أخوه يساعده في إقحام القدمين في فردتي الحذاء بحماس وبصورة خرقاء، فقد بقيت الحافة الخلفية للفردة اليمنى مطوية تحت كعب القدم. وراح يشد قيطاني الحذاء بسرعة وارتباك، وكأنه بسرعته يقطع السبيل على المفاجآت. حين انتهى ألقى نظرة راضية على نتيجة عمله ، قبل أن ينهض. وهكذا خرج الرجلان وناجي في منتصفهما، وسُمع الباب المعدني يغلق خلفهم.

الثالثة ظهراً. الجو حار حراً غير معهود في هذا الوقت المبكر من نيسان. بعض صانعي الأسرّة شرعوا يرزمون أدواتهم—مثاقب ومدقات ومقاشط—في حقائب من الجنفاص، وراحوا يصفـّون عيدانهم المنبّـلة المثقـّبة في صندوق كبير يحوي كل رأسمال الحرفة. عاملان من (معمل الحلاوة) المواجه للبيت يمطان ويطويان أفعواناً سميكاً من الحلوى الشعرية، فيما جلس ابن صاحب المعمل يعبث بما يشبه بيادق شطرنجية ضخمة من (البراص). إستقبلتهم رائحة زيت السمسم الساخن، والأصداء المتلاشية لمطارق الخشب على مثاقب صناع السرر. وصمتَ فجأة جهاز التسجيل الضخم في دكان بائع (الدوندرمة)، فأدرك ناجي أن هناك من فطن للأمر. هناك في الأقل عينان في السوق لم يفتـْهما ماكان يحدث، عينا حامد بائع (الدوندرمة) الجاحظتان الفضوليتان. تخيل بياض تلك العينين يحط على دفتيه، وتخيل الجسد المترهل الذي يحمل تلك العينين، والدشداشة التي تحتوي الجسد، وهو يتكئ على برميل الألمنيوم المدفون في جريش الثلج والملح وينتأ برأسه خارج الدكان. كان اشترى دكانه بثمن بطاقة يانصيب فاز بها في بداية العهد الجمهوري. تلك العينان لم تنخدعا بمظهر شرطيي الأمن اللذين حاولا ألا يلفتا الأنظار بالتحديق أمامهما، وهما يشددان في الوقت نفسه قبضتيهما على الرجل الثالث المحصور بينهما. وراحت أصابع قدمه اليمنى تتشبث غريزياً بالحذاء لئلا يفلت، فيما مضى الشرطيان يقودانه وأكتافهما تحتك بكتفيه. الذي على يمينه، ذو البدلة البنية، يتصنع الإبتسام فيبدو كأنه يعض شاربيه، أما الآخر فينظر أمامه متحاشياً أنظار أصحاب الدكاكين والمارة. ولاحظ ناجي خطفاً أن الصائغ (أبو سلام) مازال يقبع كعهده في دكانه الصغير اللصيق ببيته، مستغرقاً في عمله الدقيق، وعلى إحدى عينيه عدسة مكبرة، وبجانبه مصباح منضدي مسقوف بمظلة، وقد أصبحت لحيته الآن في لون رماد السجائر. أما ابنه سلام الذي غزا الصلع رأسه مبكراً فقد وقف خارج الدكان وألقى بعينيه الحولاوين نظرة مستفهمة على الرجال الثلاثة. وواصلت الدكاكين الصغيرة، المتلاصقة، التي رافقت طفولة ناجي انبثاقها من الماضي، باعثةً خليطاً من الروائح العتيقة، وطبقةً من سراب رجراج كزلال البيض حلت محل الفضاء.

ساروا معاً، هو في الوسط، أصابع قدمه اليمنى متوفزة، تحاول التشبث بالحذاء القلق كلما رفعها عن الأرض، ونصف قميصه خارج البنطلون. صحبة غريبة، فأناقة الرجلين اللذين يشبكان يديهما بيديه تتناقض مع مظهره المزري. "كيف لم ينتبه أحد لذلك؟" تساءل ناجي في سره. لاشكَّ أن الرجلين لم يكونا وحيدين. "ولكن أين الآخرون؟" كانت معرفة هؤلاء ستسهل عليه الهرب، إذا خطر له ذلك، فهي ستمكنه من اختيار الإتجاه الذي يهرب فيه. فكيف يمكنه أن يحزر مَن مِن أولئك الناس المحيطين به عليه ان يحذر؟ ولكن لماذا يحذر؟ وماذا يحذر؟ وهل المحذور أسوأ مما ينتظره هناك في أقبيتهم؟ وقدم خطوة أخرى، وضرب بوز حذائه القلق بالأرض، دافعاً جنبي الرجلين بكوعيه، مرتداً بجذعه بحركة انتفاضية، وجاذباً يديه. ومع أنه أفلح للحظة بتخليص يده اليمنى، إلا أن الجوع كان قد أنهك قواه، والخمر أجهزت على ماتبقى، وسرعان ما أحكم الرجلان قبضتيهما عليه ثانية. ولعن الحذاء ومن ألبسه إياه، ولعن نفسه لأنه أصر على الإحتفاظ بالحذاء اللعين. وفي تلك اللحظة ذاتها، رأى رجلاً ينزل وثباً من الباب الخلفي لسيارة (جيب) كانت تسد الطريق، ويشهر مسدساً، فيما بقي سائق السيارة ثابتاً وراء المقود، وقد أخفى ظل القمرة ملامحه فبدا كالشبح. تقدم الرجل نحوهم والمسدس في يده. كان بديناً ، يرتدي بدلة بنية ذات ردنين قصيرين. حين أصبحوا على بعد بضع خطوات منه، سمعه ناجي يزمجر فيتطاير الرذاذ من شدقيه: "والله أفرغه براسك،" وهو يسدد المسدس صوب صدر ناجي، "تريد تلم الناس علينا؟" وبحركة نافدة الصبر رسم بيده الأخرى شبه دائرة في الهواء، فأدار الآخران ظهر ناجي ليمكـّنا السمين من تكبيله. ولم يدر ناجي من أين أخرج السمين الحبل، أمن جيب من الجيوب الواسعة المزررة التي حفلت بها بدلته، أم من مكان ما داخل السيارة التي مازال بابها مفتوحاً. لكنه شعر بألياف الحبل الخشنة تلتف حول معصميه وتمنع جريان الدم في عروق يديه.

جلس السمين في صدر السيارة جنب السائق، وأجلس الإثنان الآخران ناجي بينهما في الخلف. ذوالبدلة الخضراء الى يمينه، والآخر الى يساره. أحس بذراعي الرجلين تتقاطعان فوق كتفيه، وبأنفاسهما ورائحة ثيابهما تحاصره—رائحة ... أعقاب سجائر مبتلة، أو علب لحوم فارغة، أو ضمادات مستعملة. إلتفت السائق نصف التفاتة ليلقي عليه نظرة من زاوية عينه، وليتلقى إشارة من السمين، عارضاً لعيني ناجي ثؤلولاً كحبة الزبيب يربض بين زاوية عينه وأعلى وجنته. إتجهت السيارة أولاً صوب منطقة (الروّاسة) يحف بها من اليمين حائط مدرسة (المربد) فيما امتدت من الجهة الأخرى سلسلة دكاكين (التنكجية) وبضعة بيوت ومخبز. توقفوا عند المنعطف، لدى مدخل شارع (الداكير)، وأحس بكف الرجل الذي الى يساره تحط على رأسه وتدفعه الى الأسفل. وسمع الرجل يقول: "إنزل، إنزل." وحين لم تصدر عن ناجي استجابة، وجّه الرجل الآخر لظهره دفعة مفاجئة ألقت به على ظهر المقاعد الأمامية. ثم وضع الرجلان ثقلهما كله على كتفيه، وراحا يدفعانه نحو أرضية السيارة، وهما يرددان: "إنزل، إنزل." والتفت السمين وحدجه بنظرة، ثم عاد ينظر الى الطريق، مريحاً ذراعه على حافة المقعد، وكفه تكاد تلمس كتف السائق. وسمعه ناجي يقول دون أن يلتفت: "إسمح لنا نشد عيونك." وأخرج الذي على يساره خرقة سوداء عصب بها عيني ناجي محكماً عقد طرفيها عند نقرة مؤخرة الرأس، قبل أن تنعطف السيارة يميناً فينقذف جسد ناجي الى اليسار.

وغرقت المدينة في الظلام. لكن الأصوات المتباعدة الكسلى لما بعد الظهيرة كانت تصله من بعيد غير مبالية—صِبْية يسبحون في النهر، منبهات سيارات عابثة تصدر ضوضاء مموسقة بذيئة كالعفاط، هبات هواء مفاجئة تجلبها السيارات المسرعة بالإتجاه المعاكس. أما الصوت الذي لم ينقطع لحظة فكان زعيق عادم سيارة (الجيب) ذاتها، الذي راح يطارده منذ بداية الرحلة، بعصبية وبلاهوادة. أخيراً تباطأت السيارة ثم استدارت يميناً وتوقفت. لم تطل وقفتها سوى لحظات تبادل خلالها السمين كلمات قليلة تخللتها ضحكة مع أشخاص خارج السيارة. ثم بدا لناجي أن السيارة اخترقت بوابة عريضة ثم وقفت ثانية. وسمع حديد باب السيارة الأمامي الأيمن يصلصل وهو يفتح ثم يرن وهو يصفق مسدوداً.

أنزله أحدهم ممسكاً به من زنده. وما كادت قدماه تستقران على الأرض الحجرية لما بدا أشبه بمجاز أو ممشى، حتى جاءته دفعة من الخلف، فتعثر وأفلت الحذاء من قدمه اليمنى. ومع أنه استرد توازنه فهم لم يمهلوه ليتخلص من فردة الحذاء الأخرى، فاندفع أمامهم يعرج في مشيته، حتى اصطدم أو كاد بشبح رجل يقف أمامه. وسمع الرجل يصرخ: "مالك؟ أعمى؟" وجاء صوت ضاحك من خلفه يقول: "طول بالك ، الحجي سكران." فأمسكه الرجل الذي أمامه من زنده الأيمن وقاده وهو يقول: "سكران؟ والله عمي تسكرون" وحين لم يعلق ناجي بشئ، هتف الرجل مخاطباً صاحب الصوت الأول: "صاحبك سكران ...وأخرس." "طول بالك عليه،" عاد الصوت الأول يقول، "الحجي راح يصحى ويتكلم." وسار به الرجل بضع خطوات ثم هتف به وهو يهزه من زنده: "إنزل." وفتح ناجي فمه للمرة الأولى ليقول: "أنزل وين؟" وسرعان ما خطر له أنه بسؤاله هذا قد حقق نبوءة صاحب الصوت الأول. وبدا أن كسره لصمته قد أرضى الرجل الذي يقوده، والذي قال مجيباً: "أبويه ..هذا درج قدامك ..دا أقول لك إنزل ..إي قابل ح أذبك بهبيّة؟" واغتنم ناجي لحظة وقوفهما ليتخلص من فردة الحذاء الأخرى، قبل أن ينزل مع الرجل درجات سلم حجري ضيق يقود الى قبو، وهو يشعر بإبهام قدمه اليسرى ينتأ عارياً من ثقب في الجورب، ويحس بالحلمات والنتوءات الحجرية الحادة لدرجات السلم تخز باطن قدميه المسطحتين.

في ممر في السرداب، تركه الرجل قرب جدار قائلاً: "إبق هنا." وخطا خطوة أواثنتين قبل أن يتوقف ليضيف محذراً: "إبق بمكانك ، لا تتحرك." وسمع خطواته تبتعد عائدة من حيث جاءا، أو هكذا خيل إليه. ثم سمع خطوات مسرعة تأتي من نفس الإتجاه، لكنها اجتازته دون أن يتحدث إليه أحد. وعاد فسمع خطوات تأتي من الجهة الأخرى. ثم راحت الخطوات تأتي وتذهب بلا انقطاع، ولم يعد يأبه بها. وتحسس بقدميه البلاط الأملس المربع لأرضية السرداب. وشعر بإبهام القدم اليسرى ينطوي وينسحب الى داخل الجورب. كانت يداه المربوطتان خلفه تحولان دون أن يستند بظهره الى الجدار—جدار صلد مستوٍ كالمكواة. وفجأة سمع صرخات استغاثة حادة تنبثق من مكان ما على بعد ذراعين منه "آآآآآآآآآآخ ... ياااااااابويه...آآآآآآآآآآخ." خيل إليه أن مطلق الصرخات كان يواجهه على الجدار المقابل. "دخيييييييل الله ....دخيلكوووووووووم ...آآآآآآآآآآآآآآآخ" ولم يدر من أين جاء أو كيف. "ياااابويه ... راح أمووووووووت." كان بوسع ناجي إذا أحنى رأسه أن يرى الزر الأعلى لقميصه، تحت فتحة الياقة، من خلال فجوة تشبه خيطين من الضوء في شكل جناحي خيمة، بين الحافة السفلى للعصابة وعرنين الأنف. فإذا أراد أن يرى شيئاً أمامه تعين عليه أن يتجه بوجهه الى السقف. لكنه، إن فعل، فسيلفت أنظارهم إليه، هذا إذا لم تكن تلك الأنظار مسلطة عليه أصلاً في تلك اللحظة. لم يكف الرجل عن الضراعة والعويل، "أهل المروووووة ....آآآآآآآآخ ...آآخ ...آآآآآآآآخ ... ." وتساءل ناجي في سره: "كيف يأمل هذا الأحمق بترقيق قلوب هؤلاء، وهو لم يثر عندي، أنا رفيقه في الحبس، سوى الإشمئزاز؟" ثم عنّ له خاطر آخر "ربما كان يعمل معهم." واطمأن الى هذه الفكرة. فهو لم يسمع أحداً يتحدث الى الرجل، ولا صوتاً يدل على الضرب أو الجلد. ثم حدثته نفسه أن الصوت ربما كان صادراً عن جهاز تسجيل، لاغير.

لكن خطوات جديدة مقرقعة ومتمهلة راحت تقترب من يساره فتقطع تأملاته. وسمع صوتاً صبيانياً شبه أنثوي—صوت شاب في عشريناته—يقول لاثغاً الراء: "وَي وَي ، لابس كاوبوي....السغسغي،" وقد وقف صاحب الصوت بجانبه الآن. وفوجئ ناجي برجل آخر يدمدم متهكماً، بصوت غليظ كالخوار، وباحترام مصطنع: "لا... هذا شاعر الحزب" مبالغاً في تضخيم كلمة "شاعر." واستنتج ناجي أن أحد الرجلين كان يرتدي حذاء رياضياً دون شك، فهو لم يسمع سوى خطوات شخص واحد. "شاعغ الحزب؟" تساءل صاحب الصوت الرفيع. وأضاف بفصحى مكسرة: "بالله ماتشنـِّف أسماعُنا بشعغك البعغوغي؟ هاه ، هاه ، هاه ، ها،" ضاحكاً لنكتته. وقبل أن تهدأ الضحكة حطت على وجه ناجي صفعة شديدة مباغتة، خلفت طنيناً في أذنه، واستدرت الدمع من عينيه، وتردد صداها في السرداب. أدرك حالاً ان مصدرها ذو الصوت الغليظ. أصبح بوسعه الآن أن يلحظ بوز الحذاء الجلدي الأسود اللماع لصاحب هذا الصوت، وجانباً من حذاء الجوت الأسمر الذي يرتديه الفتى ذو الصوت الرفيع. وقدّر أن المسافة التي تفصله عن الأول لن تسمح له بمد رجله بحرية. وكان الجدار خلفه يحول دون تراجعه. وكم تمنى لو كان حذاؤه في رجله في تلك اللحظة، ولو لم يكن قد ملأ جوفه بالخمر التي أغدقها عليه أخوه. وفتح فمه ليقول، آملاً في صرف انتباههما عن انسحابه الحذر بقدميه وعن إمالته لأعلى جسمه الى اليسار—ولعلهما فسرا ذلك بخشيته من تلقي صفعة أخرى— : "أقرا شعر ..وانا.. بهاي الحالة؟" وسمع الصوت الرفيع يقول عابثاً: "قصدك ...الجو مو شاعغي ... ها؟" "لا..." قال الصوت الغليظ مفسراً لزميله: "قصده ..." وندت عنه صرخة وحشية، فقد أسكتته رفسة مفاجئة ضربته في الصدر وغارت فيه. كان ناجي يتمنى لو أصاب بقدمه البقعة الرخوة في منتصف صدر الرجل عند ملتقى الأضلاع أسفل عظم القص. ووجد نفسه يدق الأرض بقدمه، ويستند بجبينه الى الجدار ليحتفظ بتوازنه. أحس بمفاصل قبضة متوترة تضربه بشكل محموم ومتواصل على مؤخرة الرأس. وسمع أقداماً عديدة مسرعة تقترب، ولغطاً كثيراً. استدار فأمسكته كف من شعره وحاولت صدم رأسه بالجدار. رفع قدمه ثانية، لكنه أحس بما يشبه السيخ المحمى يخترق خصيته اليسرى، ويشل حركته. تدفق عليه سيل من اللكمات والركلات مختلطة بالشتائم والصياح. وشعر كأن السقف قد انهار وراحت أحجاره تتساقط، بعضها كبير وبعضها صغير، بعضها يصيبه وبعضها يخطئه. ثم أحس بكتلة ثقيلة صلدة تصطدم برأسه. وأصبحت الأصوات تأتيه من بعيد. وأصبحت الضربات تسقط عليه سقوط حبات البرَد. ثم أصبحت تسقط عليه سقوط ندف الثلج. ثم أصبحت تسقط عليه سقوط ندف القطن.

إقتاده رجلان عميقاً في السرداب. الذي الى يساره يمسكه من إبطه، كمن يحاول رفعه. الآخر يمسكه من باطن أعلى الذراع. ولاحظ أن الفجوة في عصابة عينيه قد اتسعت قليلاً حول الأنف. صار بوسعه أن يرى بلاط أرضية الممرالتي بدت، في الضوء الشحيح للمصابيح الصفراء، كأنها غسلت بالشاي. لاشكَّ أن الخمر كانت قد تبخرت. لكن دواراً أو صداعاً—لا يدري أيهما—استولى عليه. كان عاجزاً عن تثبيت قدميه. وشعر بركبتيه تنثنيان تحت ثقله، وبجوربيه يلتصقان بالبلاط، فكأن الأرض مطلية بالصمغ. ثمة ألم ممض وحارق في أعلى فخذيه. ومازال صوت الفتى الذي يلثغ الراء يصله بين حين وآخر، ومازال الحذاء الجوت يظهر ويختفي على البلاط. لكن الصوت الغليظ للرجل الذي صفعه لم يعد هناك. حل محله صوت غير مألوف، صوت خيشومي مغمغم، فيه غُنـّة، كأن صاحبه يتحدث ويعلك في آن واحد. ولم يكن يصدر عن خطوات الرجلين صوت. كان الصمت والضوء الخافت يلفان المكان بالسرية والغموض. وربما لم يكن الضوء خافتاً. أنى له أن يعرف؟ فالنفق الذي كانوا يقطعونه لا يريد أن ينتهي. وقد مرت عليه دهور وهو يشعر بذراعي الرجلين تجذبانه، وبقدميه تمسحان الأرض خلفه كسمكتين، وبكفيه المنتفختين تتبعانه كصرة ملصقة بظهره، وبالضوء يزداد ضعفاً. وراح الرجلان يجرانه، أو يرفعانه، أو يسندانه. وراح الممر ينحدر وينحدر وينحدر. وراحوا ينزلون وينزلون وينزلون بلا نهاية. ولاشكَّ أنه غرق في غيبوبة.

هناك ضوضاء لا يمكنه تبينها. أصوات غاضبة. حشد غاضب. زعيق. هتاف. أمواج بشرية. هدير. "إنـ..ــنَّ أذناااااب الإســ ..ـتعمار، وبعـ ..ـض الخونة .. والغادرين..." صوت الخطيب تتلاعب به الريح. يعلو ويهبط. يظهر ويختفي. "قاتلوهم ...في كلِّ .. زاوية ...وفي كلِّ.. منعطف ..وإنـ ..ــنَّ الله .. معنا." يشعر بجفاف في حلقه. إنه يعلم أنهم هناك أمامه. يندفعون ويتراجعون، غاضبين أو خائفين. "إنـ..ــنا ... نـعـ ..ـمل ... في سبيل الشعب...وفي سبيل الفقراء..بصورةٍ ...خاصة." الهدير يقترب. أما زال الرجلان يقتادانه؟ لقد بدا الظلام مكتملاً الآن. ولم يعد يشعر بوجود العصابة على عينيه. لكن رقبته لا تطيعه. لقد تيبست فأصبحت كالخرسانة. وهو لا يستطيع أن يتجه برأسه الى مصدر الضجة. إن جوفه يحترق. إنه ظمآن. إنه ظمآن. ظمآن. ظمآن. وسمع صوتاً يصيح في أذنه: "عطشان؟...تغيد سم؟ هذا سم، إشغب." لا ليس ظمآن. لا يريد أن يشرب. لا شك أنه محموم. بلى ظمآن. لكنه لن يشرب. مازالت الضجة تأتيه من بعيد مختلطة بأنين مروحتهم السقفية القديمة وقد بدأت تواً بالدوران. صهيل ووقع حوافر. لقد انقشعت الغشاوة عن عينيه. إنه طليق في البراري، تحت السماء، في الهواء الطلق. وهو يسير في الأرض الحرام، في المسافة الفاصلة بين الجيشين المتحاربين. يرى الرايات والبيارق عن يمينه وعن شماله. ويرى صورة الإمام علي (نفس الصورة التي في بيتهم) يرفعها محاربو الجيش الذي الى يساره، وهو أقرب الجيشين إليه. ويرى الإمام علي يترجل من الصورة، ويتقدم أمام الجيش ممتطياً فرساً بيضاء. ويرى فارساً يتقدم من الجهة الأخرى ممتطياً فرساً سوداء. الفارس مدرع بالحديد من أعلاه الى أسفله. وحين يصبح الفارسان على بعد خطوات من بعضهما البعض، يتوقفان، ويتفحصان الواحد الآخر. إنه لا يسمع مايقوله الواحد للآخر. لكنه يراهما ينتضيان سيفيهما وينقضّان كحجارتي منجنيق الواحد على الآخر. يرى الغبار يثور حولهما. ويرى ذراع الإمام علي ترتفع بسيف ذي الفقار المزدوج الشفرة، فتتوهج الشمس على إفرند السيف. ويرى السيف يسقط على رأس الفارس الذي لم يكن يبدو من وجهه سوى عينيه. يرى السيف يشق البيضة الحديدية، أو الخوذة، أو واقية الرأس، أو كائناً ماكان اسمها، ثم ينزل كالمنشار شاطراً الهامة، فالوجه، فالعنق، فالصدر، ثم يمر عبر السرة فيشق البطن ويفصل الردفين دون أن يخدش السرج أو يؤذي الفرس. ويرى شطري الفارس يسقطان الى يمين والى يسار الفرس. وتتناهى الى سمعه عاصفة من التهليل والتكبير ترتفع من معسكر الإمام. ويرى الإمام يستدير بفرسه الآن، ويقفل راجعاً متبوعاً بوقع حوافر الفرس، وبخط طويل من الغبار أشبه بشرنقة. ويتسارع دوران المروحة السقفية فيتكاثف الغبار حتى يكاد يبتلع الفرس التي لم يكن يرى منها سوى رأسها وقائمتيها الأماميتين، فبدت مثل قيدوم سفينة يشق البراري. ويرى البيارق والرايات تهتز وهي تستقبل الإمام العائد. لكن الغبار كان قد غطى الإمام تماماً الآن، ولم يعد يستدل على وجود فرسه إلا من حركتها المتقدمة صوب المعسكر. ويتماسك الغبار فيتحول الى لفافة بيضاء كالكفن. ثم يرى الفرس تقف أمام المعسكر، والغبار يتبدد، والوجوم يخيم على الجميع. ويرى رجلين يركضان باتجاه الفرس. يراهما ينزلان الإمام عن صهوة الفرس، ثم يسندانه من الجهتين ويتجهان به نحو العساكر. وقد ارتسم خلفهما، ابتداء من موقف الفرس، خط طويل من الدم راح يتبعهما حيثما سارا. حين يبلغان مقدمة الجيش يراهما يستديران، ولم يعودا يحملان الإمام، بل صورته (نفس الصورة التي في بيتهم). وتعود الرايات تخفق، والبيارق تهتز، وعواصف التهليل والتكبير تتصاعد من جديد. لكنه عطشان. ومازال الرجلان يسحبانه. الرجلان؟ بلى، مازالا يسحبانه. ومازالت قدماه المفلطحتان تحكان الأرض بجوربيهما المهلهلين. يجب أن لا يكفا عن سحبه. يكفي أن يتخليا عنه ليجد نفسه مقيماً هنا، في قلب الصحراء، الى الأبد. عليهما أن يأخذاه الى النهر. لا، لا، لا يريد أن يشرب هنا. ليأخذاه الى النهر. الى النهر. النهر. النهر. لابُدَّ من إطفاء الحريق. إنه يرى موجات بشرية تندفع كالعواصف خارجة من الحريق. وهذا رجل حاسر يجتازه مسرعاً. "إشرد، إشرد، " قال الرجل، وهو يمسك يشماغاً أبيض مرقطاً بالأحمر، "انفجرت المولدة الكهربائية." وقبل أن يختفي، مرق كالسهم صبي يرتدي دشداشة قصيرة وطاقية رأس تشبه طاسة من القطن يصيح بصوت حاد كالصفير: "حريق، حريق، حريق،" وهو يلقي على ناجي نظرة جانبية دون أن يبطئ، "حريق بسينما الكرنك." تلاهما رجل يحمل فوق رأسه راديو كبيراً كاد أن يصطدم بناجي. لا، إنه لا يحمل الراديو، بل إن الراديو حلّ محل رأس الرجل (نفس الراديو الخشبي الذي في بيتهم). رأى تكشيرة الراديو تتسع أمامه ذهبية شاحبة، وعين الراديو الوحيدة الشاقولية الخضراء تحملق فيه مباشرة، وأذني الراديو (القرصين المحززين اللذين يشبهان دواليب سيارات الأطفال البلاستيكية) تدوران تارة باتجاه عقرب الساعة وتارة بعكسه، بحركة سريعة وقلقة كأنهما بذلك تطردان ذباباً مزعجاً، والإبرة الشاقولية البنيّة تتحرك بسرعة يميناً ويساراً داخل تكشيرة الراديو، التي بدت أشبه بشارع مضاء في ليلة ماطرة، فتصدر ضجيجاً كالذي تثيره جزمات تخوض في أمعاء. وسمع الراديو يهدر وقد توقفت الإبرة في أقصى يمين التكشيرة: "ستستمعون الى خطاب للزعيم المفدى." هنا لطم الرجل جبينه (أعلى واجهة الراديو) كمن نسي أمراً هاماً، فأخرس الراديو. وبعد هنيهةِ صمتٍ، زمجر مرعداً: "الديكتاتووور الأرررعن." فأسرع ناجي ليغلق دكانه، لكن امرأة سمينة كانت تحاول أن تركض فتمنعها كتلتها الضخمة راحت تولول: "مات الزعيم، الزعيم مات." وقد عَلـِق ذيل عباءتها بسلة البيض المعروضة أمام الدكان، فقلبت السلة بما فيها. امتدت يده الى خناق المرأة وهو يدمدم: "لازم تدفعين فلوس البيض،" وهي تتوسل وتقول: "أولادي وحدهم بالبيت، يمه، أطفالي يمه." ليدعها تذهب، المسكينة. ليذهب البيض الى الجحيم. الزعيم مات. رأى صورته تتفطر على جدار الغرفة، والتصدعات في الصورة تمتلئ بسائل أحمر. وقد اختفت ابتسامته، وحلت محلها تقطيبة. ورأى رجلاً يشد شعر الزعيم من الخلف. وسمع زعيقاًً وأصوات شجار أعقبها دوي عيارات نارية، ثم صوت سقوط جسد على بلاط السرداب قربه. ورأى رجلين يسحبان الزعيم من ذراعيه الميتتين ويخرجان به. ولاحظ أن قدمي الزعيم كانتا حافيتين، إلا من جوربين مهلهلين، وهما تمسحان البلاط. لكن الحريق يتسع، وهو عطشان، ولابُدَّ من أن يأخذاه الى النهر. الى النهر. النهر. أخيراً، هاهما يخرجانه من السرداب. الحريق في كل مكان. لقد حلا وثاقه، وراحا يسحلانه من ذراعيه. ورغم أنهما أزالا العصابة عن عينيه، فهو لا يكاد يرى شيئاً. الدخان في كل مكان. وشرع يسمع صوت ترقرق مياه قريبة، يأتيه مختلطاً بضوضاء المدينة المحترقة. وسمع هديراً بشرياً وهتافات وصيحات غاضبة، يقطعها دوي الرصاص الذي ينطلق باتجاهات مختلفة، في صليات طويلة، أو رشقات متقطعة، تتخللها رصاصات مفردة. وغطته موجة من الأقدام الراكضة المرتبكة، مرت فوقه مثل حشد من الأشباح. ومازال ملقى على ظهره، يتطلع الى غيوم الدخان المتصاعدة من كل مكان وهي تواصل احتلالها للسماء شبراً بعد آخر. وراحت شظايا حجرية تشق الفضاء فوقه كطيور السنونو. ووجد نفسه عاجزاً عن النهوض، لكنه تمكن من ثني رقبته ورفع أعلى كتفيه، وهو يحس بالأرض تنزلق تحت يديه، وبنصف جسده السفلي يتحول الى كتلة ميتة ملفوفة ببنطلون متخشب. إنه يدرك إدراكاً غامضاً أن جزءاً حيوياً، بالغ الحساسية من جسمه قد هُرس تماماً ولم يعد يمكن إصلاحه أبداً. وألقى نظرة على قدميه الكبيرتين اللتين ماعادتا تنتميان إليه. كان مظهرهما غريباً—قدمان وحشيتان مستورتان بخرق متهرئة غطتها قشور كالصدف. وأبعد من ذلك، امتد خط طويل من الدم لم يكن بوسعه أن يحدد بدايته. لكنه يشعر بالأرض تحته باردة، رحيمة، رؤوم. إنه يعلم أنه الآن على ضفة النهر. ما عليه سوى أن يزحف قليلاً ليشرب وليطفئ ظمأه الحارق. وهو يعلم أيضاً أن المبنى الذي يواجهه، والذي لم يكن يرى منه سوى جزئه العلوي، هو مبنى المتصرفية، الذي يحتله الآن مسلحون بدوا له مثل دمى كبيرة تطلق النار من النوافذ. أحدهم، بملابس داخلية بيضاء—فانيلة وسروال داخلي قصير—جثم فوق سطح المبنى، كجرذ أبيض كبير مقتطع من الغيم راح يتمترس بدرع رشاشة ضخمة من نوع دوشكا، ويوجه سبطانتها باتجاه النهر. وسمع صوتاً مبحوحاً يصرخ به "لا تبق هناك، تحرك." وجذبته يد خطفاً وبشدة، فشعر بألم فظيع في جسمه كله، كأن تلك اليد قد قشرت جراحه المتيبسة كلها دفعة واحدة، فصاح: "لا ، لاااااااااااا ..." فأفلتته اليد، والتحق صاحبها بالحشد لصق الجدار الذي يحف بحوض النهر. ووجد ناجي نفسه الآن يحتضن الأرض، قدماه باتجاه المتصرفية، ووجهه باتجاه الماء. وأنصت يصغي لأصداء مدينته المعطـَََّلة المجنونة وهي تتلقى رصاص الحرس القومي وترد بالحجارة والهتافات. وسمع صوتاً آخر، صوت امرأة، يرجوه: "لا تبق هناك، يمه، تعال." وانتفضت الحياة في داخله، فزحف نحو الماء. وانتظر لحظة يسترد أنفاسه قبل أن ينحني ليشرب. وقبل أن تمس شفتاه سطح النهر، استوقفه وجه على صفحة الماء يحدق فيه. ليس وجهه، بل وجه يشبه وجه أخيه في الصورة القديمة على جدار بيتهم، وقد تحرر من إطار الصورة الآن. وجه شاب في مقتبل العمر، أمرد، هادئ، حالم، موشك على الإبتسام، ينبع من أعماق النهر، ويتطلع إليه بعينين سوداوين صافيتين. وجه خلو من الخدوش أو الرضوض أو الكدمات، لامبال، بلا تجارب، كأنه ولد من رحم النهر شأن الأسماك والديدان والأشنات والطين. ولم يشرب، خشية أن يعكر صفو الوجه. تبادلا نظرة طويلة. لم يكن بوسعه رؤية القاع. لكنه تأمل الغيم الذي يرسب في طبقة أعمق تحت الوجه الطافي ويشكل وسادة للرأس الغريق، وخمن أن الرصاصة لابُدَّ قد انطلقت من مكان ما في قعرالنهر، وضربت نقرة مؤخرة الرأس، في نفس الموضع الذي عقدوا فيه عصابة العينين عند اعتقاله، وأنها اخترقت الرأس بخط مائل باتجاه الجبين، وأنها خرجت من الرأس عند ملتقى الحاجبين. وكانت مثل حصاة سقطتْ منِ سدّ، فانبجس الماء من موضعها. وقد ثقبت الرصاصة أديم النهر وهي تخرج وتدخل في الوقت نفسه في جبين الصورة. وتجعَّدَ وجه الفتى في النهر، واحمرّ الغيم الذي يكتنفه، فيما واصلت الرصاصة طريقها الى قاع النهر، حيث تعانقت اليوتوبيات الوليدة مع زفرات الغرقى وفقاعات أحلامهم.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,547,511,715
- محمود البريكان ومسألة النَّشْر*
- أسطورة الغريق
- الكل لا يساوي مجموع الأجزاء
- أتَحَدَّثُ عنِ المدينة
- إلى من ينشرون باسم حيدر الكعبي


المزيد.....


- حبيبتي حِرتُ كيف أقنِعُها / رياض الحبيّب
- ديسمبر / رمضان الصباغ
- قليل من الملائكة وانفجارية اللغة / محمد يوب
- كن ْ إلها ً أيها العشق ُ / عبد الوهاب المطلبي
- قناة أل- بي بي سي- البريطانية الفضائية ،الخبر السريع من المك ... / خالد ممدوح العزي
- القصة القصيرة جدا بين القبول و الرفض / محمد يوب
- نصائح لي ولصاحبي / فاهم إيدام
- عبث المتعه / هاشم القريشي
- مهرج ألأميرة / شيرزاد همزاني
- الفايس بوك غدار ( facebook raciste ) / محمد بوغابة


المزيد.....

- «قبل الربيع» يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان الإسكندرية ال ...
- فرقة البحرين للموسيقى تختتم مشاركتها بمنتدى أصيلة بتوليفات م ...
- تطبيق عربي مجاني لمشاهدة الأفلام الوثائقية على آي فون
- بدء الدراسة بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنصورة العام المقب ...
- أغنية لشاكيرا -تخرق حقوق الملكية الفكرية-
- بيلان يتفوق على مشاهير الغناء العالميين في السنوات الـ 10 ال ...
- تعلم اللغة الأم بنظام الدراسة عن بعد من أولويات بعض المدارس ...
- لا يصدق!!.. طفل هندي بـ "يدي عملاق" تحير الأطباء
- "داعش".. الانتحار في الانتظار
- وزير ألماني يتهم قطر صراحة بتمويل "داعش"


المزيد.....

- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري
- بئر العالم / حسين علي يونس
- ترجيل الأنثى تسمويا....حزامة حبايب في رواية (قبل ان تنام الم ... / مقداد مسعود
- صرخة من شنكال / شينوار ابراهيم
- فصلان من رواية -ابنة سوسلوف- / حبيب عبدالرب سروري
- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - صور عائمة