أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - الروائي العراقي سلام إبراهيم: سوف أبقى أنهل من سيرتي الذاتية والتجارب التي مررت بها المزيد من القصص والروايات التي قد لا يكفى ما تبقى لي من الحياة لروايتها















المزيد.....



الروائي العراقي سلام إبراهيم: سوف أبقى أنهل من سيرتي الذاتية والتجارب التي مررت بها المزيد من القصص والروايات التي قد لا يكفى ما تبقى لي من الحياة لروايتها


سلام إبراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 3065 - 2010 / 7 / 16 - 23:01
المحور: الادب والفن
    


الروائي العراقي سلام إبراهيم:

سوف أبقى أنهل من سيرتي الذاتية والتجارب التي مررت بها المزيد من القصص والروايات التي قد لا يكفى ما تبقى لي من الحياة لروايتها


حاوره علي حنون العقابي

*بعد أن أزحت الغطاء عن تلك الرحلة الطويلة التي عشتها بين جبال كردستان ثم إيران ، ودمشق، وبيروت، وتركيا، وموسكو، والدنيمارك، فماذا أخذت سنوات المنفى، وما الذي أعطته لسلام إبراهيم؟.

شعور النفي نشأ وترعرع معي منذ طفولتي العنيفة في مدينتي الديوانية ومحلتي حي العصري. وهذا الشعور يستقر في قاع الطفل العراقي منذ سنواته الأولى وهو ينشأ على الضرب من قبل أبويه لأتفه الأسباب. لم يدرك الأب أو الأم مقدار الوحشة والوحدة التي يشعر فيها أبنهم المضروب من أقرب الناس إليه. شعور النفي يبدأ من هناك، وإلى جانبه ينشأ كرد فعل الرغبة في التمرد، ويستشري شعور النفي في البيئة العنيفة كبيئة وتقاليد المجتمع العراقي. ليس الأب والأم فالخال والعم والأخ الأكبر الجميع له الحق في جلدك. شعرت بالنفي منذ الطفولة وهذا ما صورته في نص – أزقة الروح البعيدة – المنشورة في مجموعتي – سرير الرمل – والعديد من النصوص بما فيها – الحياة لحظة – وبطلها يستعيد طفولته على مدار الرواية في تأملاته الشاردة في أمكنة النفي الجغرافي التي آل إليها. ثم يأتي الشارع وعنفه فالمدرسة والمعلم يدخل إلى الصف متأبطا عصاه، لتأتي محنة الوعي والحلم بتغيير العالم وما يجره ذلك من أرتباك العلاقة بينك وبين مؤسسات الدولة بحيث صار شرطي الأمن زمن الدكتاتور باباً للرعب وفتحة تؤدي إلى درب الصد مارد وكل ما يخلفه ذلك في النفس من عدم الشعور في الأمان الذي يشكل المعنى الدفين في الشعور بالنفي الداخلي. فكل مرة اعتقلت فيها كنت أشعر بأنني سوف لا أرى النور والشارع أبدا. لتأتي سنوات الحرب مع إيران في ثمانينات القرن الماضي وجحيم الموت المجاني في الجبهة وحولك يتساقط زملائك الجنود مجزرين. لا جدار أمامك سوى العدم. كنت أشعر بغربة في تلك التجربة عن كل ما يحيطني حتى عدت لا أطيق نفسي وحلمت في الالتحاق بالحركة المسلحة في الجبل متخيلا نفسي كما قرأت عن التجارب المسلحة في كوبا وأمريكا اللاتينية.
كل عراقي عدا من هم في السلطة زمن الدكتاتور كان يعيش حالة نفي داخلي القسم الأكبر يخنع معتقدا أن ذلك قدره أما النخبة الواعية فتقاوم متمردةً.
لازمني هذا الشعور المزدوج – النفي والتمرد - أيضا في تجربة، وأنا أكتشف أن حلمي الرومانسي بالثورة يتحطم في واقع قاسٍ وسط الثوار، فتنافرتُ مع البني الحزبية وضيق أفق التفكير الحزبي لكنني تحملت ذلك العناء الداخلي، فالعديد من زملائي الكتاب لم يطق العيش في مثل هذه البيئة، فغادروا إلى إيران أو سوريا بعد مدة وجيزة. لم أستطع بسبب وجود زوجتي معي ومشدودا إلى أبني – كفاح – أبن الثلاث سنوات الذي تركناه في الديوانية عند هروبنا. كان قدري البقاء لأرى ما رأيت ولأصوره لاحقا في قصصي ورواياتي.
اللحظة التي اجتزنا فيها الحدود العراقية التركية، والجيش العائد مع حرب إيران 1988 يزحف في أعقابنا، مع جموع الأكراد من رجال ونساء وأطفال كانت من أسعد لحظات حياتي. كنت كمن نجا من الجحيم ورسا على بر الأمان.
في رحلة التشرد بين معسكرات اللجوء والدول إلى الاستقرار في الدنمارك وبعد الهول الذي مررت عليه مرورا سريعا في معرض إجابتي كنت متصالحا مع نفسي رغم العطب الجسدي الكبير الذي أصابني في قصف كيمياوي 1987. وفي المكان الجديد بدأت رحلة جديدة كنت أكافح فيها من أجل أن أجد نفسي المنهوبة في وطني منذ الطفولة. فجهدت كي أطور نفسي منكبا على القراءة ودراسة النصوص وتقليب التجربة من كل جوانبها باحثا عما هو مشترك وإنساني فيها يمس القارئ في أي مكان وزمان.. حاولت فكتبت سبعة كتب نشرت منها خمسة.
هل هذا العرض السريع يجيب على سؤالك؟
لا أعتقد ذلك، فليس من السهولة القول بأن المنفى مكان مناسب للمنفي، هذا ينافي ما وقع فيه العراقي البسيط في محنة التشرد. عدا ذلك أنت تحس في هذه الأوطان أنك متطفل وغريب على نظام اجتماعي يكفل للجميع حياة كريمة كما هو الحال في الدول الأسكندنافية ناضل أبنائه طويلا من أجله، وأنت تأتي على الحاضر كما يقول المثل العراقي. لذا تحس أنك تسير على أرض ليست أرضك وتتنفس هواء ليس لك.


*عدت مؤخراً إلى مدينة"الديوانية" تلك المدينة التي ظلت تراودك في الأحلام فماذا تقول عن الأصدقاء الذين أحببتهم ولم تجدهم بعد طول الرجاء، وهل لازال الحنين نابضاً إلى تلك الأيام الأولى؟.


الإنسان مخلوق يظل يحنّ دوما إلى الطفولة. في الديوانية ولدت ونشأت ولم أغادرها إلا إلى بغداد في سنوات دراساتي الجامعية. هنالك في مدينتي المحاطة بالصحراء من جهات ثلاث يكمن سري، طفولتي، صباي، مراهقتي، نضجي، فيها أحببت وتزوجت، عملت موظفا، فيها انخرطت في السياسة والأدب، فاعتقلت في مديرية أمنها أربع مرات خلال سبعينيات القرن الماضي. وعندما هربت أنا وزوجتي إلى الثوار في الجبل تركت فيها أعز وديعة أبني - كفاح - كان عمره ثلاثة أعوام. لتتحول في البعد إلى مادة الحديث والأشواق لاسيما أن زوجتي هي جارتي وأختي الكبيرة كانت مدرستها في مادة الكيمياء بالمرحلة الإعدادية. الديوانية مدار همنا وحديثنا، فتحولت لاحقا إلى حلم عاشر منامي وأحلام يقظتي.
الديوانية تشكل عالمي الداخلي والفيزيقي.
في كتبي الخمس التي نُشِرَتْ تجدها خلف كل سطر مُشكلةً روح النص، وجميع هذه النصوص تدور وتغور في جدران وغرف وشوارع وسوق ودكاكين وبشر المدينة قبل زيارتي لها عقب الاحتلال وسقوط الدكتاتور.
لم أعد مؤخراً إلى الديوانية، هذه زيارتي الثالثة للعراق، الأولى في شباط 2004 ومكثت فيها شهرين، والثانية في كانون الأول 2009 ومكثت فيها أربعة أشهر، والثالثة في هذا العام شباط 2010 ومكثت ستة أشهر.
وغالبية هذه الأيام قضيتها في مدينتي.
لم يبق مكان من أمكنة طفولتي وصباي ونضجي لم أزره مستعيدا تفاصيل وطعم تلك الأيام الحميمة بكل عنائها. زرت مدرستي الابتدائية – الثقافة – المجاورة لموقف سجن – حي العصري – الشهير، وَحدثتُ التلاميذ في الصف الأول والثالث عن ذكريات المكان، عن المعلمين تلك الأيام، قسوة بعضهم وطيبة البعض. حكيت لهم قصة المعلم – جبار – وفرط قسوته، سردتها لاحقا في الفصل الأخير – بم - من - الحياة لحظة – والشخصية تستذكر معلم العربي القاسي شديد التشيع وهو يجبرهم على تعلم الصلاة، عن المعلمين الذين أخنفوا صبيحة 8 شباط 1963 ليكتشفوا لاحقاً أنهم نزلاء سجن - حي العصري - المجاور كونهم شيوعيين. كنت أقضي وقتي في السوق متنقلا بين دكاكين الخياطين والحدادين والنجارين والحلاقين وأصحاب المقاهي من معارفي وأصدقائي منصتا لقصصهم منتشياً أنقب بأسئلتي القصيرة عن مصائر الأصدقاء الذين ضاعوا في الأقبية أو قتلوا في الحروب والانتفاضة، أو ماتوا في غيابي. حرزت العديد من القصص والحكايات الجديرة بالروي والكتابة، وكتبت قصة واحدة عن زيارتي الأولى عمل قتلوه في غيابي – القديس –والقصة مهداة لتلك الشخصية.
كنت أتسكع مع من تبقى من الأصدقاء في بقايا أزقة - الجديدة - والمحلات معيدين تخليق تلك الأمكنة فترة الستينات والسبعينات مع شخوصها الأحياء والأموات في محاولة لصياغة روح المكان القديم وأنا وسطه.
كنت أتملى الوجوه المتعبة للمعارف والأصدقاء الأحياء وقد هرمت فجأة
نفس الوجوه الغضة وجدتها هرمة وفراغ سنين المنفى ردمتها لحظة عودتي وكأنني لم أغب قط.
كانت الوجوه المغضنة تقول لي فداحة السنين التي ضاعت بالمنفى، فأشعر بالغصة وأبناء مدينتي المعجونين في دمي هرموا في غيابي.
أمي وأبي ماتوا في غيابي.
العديد من الأحبة أما قتلوا في سجون الدكتاتور أو قتلوا في جبهات الحرب. سأحكي لك قصة. في زيارتي الأولى كنت أتسلل من الفجر أتسكع في شوارع المدينة مستمتعا بكل صوت ولون وغبار ووجوه الناس وهي تمارس شأنها في الحياة. في طريق عودتي إلى البيت أمرُّ على مقهى صغير وسط المدينة، صاحب المقهى – جواد المراقب - مدرس تحّول إلى هذه المهنة زمن الحصار وفقد ثلاث أخوه أصغر منه أعدمهم الدكتاتور. وفيما كنت أتحدث معه عن الديوانية والحياة وعناء تلك الأيام أطلت عليَّ عينان من ملصق على الجدار المقابل. عينان أعرفها. تأملت القسمات السمراء الغائمة لرداءة التصوير وهتفت بغتة وأنا أقرأ تحت أسمه كلمة شهيد.
- جهاد..
صديقي – الحداد – الذي كنت أضيع معه كلما صادفني في شارع، فيأخذني إلى قاع الديوانية، عمال بناء، حمالون، صباغون، بائعو خضرة، عربنچية فلا أعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل مخمورا. كان يساريا يؤمن بانتصار الطبقة العاملة الأكيد.
أخبرني – جواد المراقب – صاحب المقهى بأنه الجيش العراقي أخذه بعد احتلال المدينة وطرد المنتفضين في 1991 وضاع إلى الأبد.
مثل هذه القصة تكررت مع العديد من الأصدقاء والجيران والأحبة.. فتخيل!.
ظللت مبتهجا وحزينا في زيارتي الأولى، وفي زيارتي الثانية والثالثة بدأت بدراسة وتفحص ما جرى أثناء غيابي للمدينة وبشرها.
ما زلت أحنّ إلى طفولتي الضائعة في شوارعها، فردوسي المفقود.



*أنت واحد من الكتاب الذين يحترمون المرأة ككيان إنساني وعلى أرقى المستويات، ولكن من يقرأ أعمالك الروائية وحتى القصصية، يجد فيها الغوص في عوالم"الجنس" بطريقة قد تفهم على أنك لا تنظر إلى المرأة إلا من خلال"الجسد" فماذا ترد على مثل هذا القول؟.

عشت في بلدان شتى عربية وأجنبية، لم أجد بلداً يغبن المرأة كإنسانه مثل المجتمع العراقي بقيمه الشكلية الصارمة التي تنظر بدونية إلى هذا الكائن الرباني في تكوينه المعجز. أكثر ما يدور من حديث بين الرجال العراقيين في المقاهي والشوارع والنكات عن المرأة والجسد والرغبات المكبوتة التي تمارس سراً في الظلام وتلعن في العلن، مثل هذه الازدواجية الأخلاقية تحتاج إلى كشف فداحتها وفضح ما يمارس في الظلام. في كل نصوصي حاولت ذلك وسأحاول. أما عن علاقة النص بالمرأة كتكوين مقدس لدي فهو؛
النص دون المرأة.. لا طعم له
راجع كل ما مرَّ بك من نصوص، لا بد للمرأة من كينونة ما.. و إلا لما كان نصا.. بمعنى أخر لما كان وجوداً موازياً للحياة، حتى في النصوص التي تبدو ظاهراً خالية من قطب الكينونة الأهم، لو تمعّنا عميقاً في باطن النص، هاجسه، خلف الكلمة، خلف شطح الجملة، خلف الشاردة لوجدنا أن ثمة أنثى مطلقة تحوم بروحها بين الكلمات، وترف بأجنحتها حول قامات الحروف، تلويها، انغلاقها، انبساطها، تحوم الروح الأنثوية فاعلةً. في النصوص الموغلة في القدم نجدها الغاوية، فهي من دجنت أنكيدوا جوار نبع الماء وأخرجته من التوحش إلى التحضر في مهمة نبيلة، وهي في النصوص الدينية من دلت آدم على الشجرة المحرمة وجعلته يرى ذاته، جسده وبمواضع اللذة ممهدة لنسل الإنسان الباقي رغم طرده من الفردوس. في النص المسيحي المقدس هي من أغوت الله. مريم التي أختارها دون نساء العالم ليضع بذرته في رحمها ليكون أبنه المسيح رسول سلام ومحبة للعالم. صلة الوصول الجسدية في الثقافة الدينية بين الله والإنسان.
الأنثى هي من تنحت الوجود العاقل في أحشائها. إذ لولا الكينونة المتدفقة من غورها لما كان لهذا الكون من غائية غامضة، محيرةٍ، مدهشةٍ. لذيذةٌ في التأمل، في التفلسف، في اختلاف التفاسير. كل الأفكار قبل أن تكون كانت في رحمها. في ذلك البحر الأول.. بحرها المطلق الذي لا يبوح للشمس إلا بكائنٍ جديد يطلع من نزفها باكياً عارياً، مستغرباً من وحشة الدنيا والضوء والضجيج، مفزوعاً من الوجوه المنتظرة المحيطة بالجسد الذي نبع منه، الصلبة الفاقدة رقرقة سائل بحره اللزج الدافئ العميق.
من ذاك البحر جاءت الدنيا.
من ذاك البحر الدفين الصغير.. صارت المعاني.
لم نكن سوى سمكة تسبح ببحر المرأة اللزج!.
حينما كنتُ منهمكاً في كتابة نص روايتي الأولى ـ رؤيا الغائب ـ بين عامي 1994 - 1995 وفيما كنت أحاول استحضار أخي الصغير من الذاكرة، من تلك السنين، بالمخيلة وجدتني أعود إلى رحم أمي الجليل في لحظة وجدٍ أمتزج بها زمنينا، بعد أن فقدته قبل أكثر من خمسة عشر عاماً من وقت كتابة النص. أخذوه من مكان اختفاءٍ في بغداد، ولم نعثر عليه في المقابر الجماعية. غيبوه عني في مسافة يباس الإنسان، السجن، الكره، الرعب، التعذيب حتى الموت، يباس يشبه عالم الظلمات في الأساطير. عالم غامض قاسي، موحش صلب نقيض انسيابية وطلاوة ماء الرحم في بحره.
المرأة كونٌ ونحن الرجال لسنا سوى الذرة الدامعة المسكينة.
في غورها، في ظلالها يستطيع المرءُ ذو المخيلة أو المفطور عليها أن يلتقي بما شاء من أحبته الغيّاب. أنا شفت ولمست أخي الغائب في يَمِ بحرهِ، وفي مقدورنا أن نجد في فضائها صديقاً غاب أو غيِّبَ، مات في الحرب، خربته الدنيا، ضاع في المنافي، أو في السجون، أو، أو. تحت ظلال المرأة نستعيدُ أصدقاء، أحبه، رفاق طفولة، صبا، شباب، ونحن ننشغل فيها.. نحلم برائحتها، بلمس يد الحبيبة، نكتب الرسائل ونلقيها أمامها في قارعة الطريق، نتلصص على جسدها من الشبابيك، نضاجعها في الأحلام، وبالخض، وتكون مدرا همسنا في فيء جدار، على مقاعد مقهى، في ليل المحلة تحت أعمدة مصابيح الشارع، في التذكر، في المنفى، في الشيخوخة لما نحن لتلك الأيام!. في نص "أخيلة العيون" المنشور في مجموعتي – سرير الرمل -. وجدتني وأنا على حافة الشيخوخة، مركوناً في المنفى أعيش مع صديقي - هاشم لفتة - المدله بالصبايا.. والشبابيك والعيون فلمسته بأصابعي ورأيت معه عيون الصبايا المختبئات خلف نوافذ البيوت المكتظة في محلة "الجديدة" القديمة، كان معي جواري يغني وكأنه لم يقتل باكرا في الحرب مع إيران. جعلني أرى صبايا صغيرات تعلقنَّ بيّ ولم أعرف الدخول لعالمهن خجلا وكان هاشم عارف بأسراره.
للمرأة الفسحة المتسعة.. الظليلة، المخفية، الظاهرة.
المرأة كونٌ ضعت فيه منذ بواكير وعيي في الحياة.. في النص، لا فرق لديَّ فأنا لست سوى حالمٍ.. أو فرد أدمن الحلم، أو بتعبير أدق رجلٌ أدمن المرأة في أحلامه وعينيه. أحلم بها في كل الأحوال والظروف.. وسط أهوال جبهة الحرب العراقية ـ الإيرانية، بين ثوار الجبل، في معسكرات اللاجئين، في الصحو والسكر.. في لحظات الخطر والرخاء،. أحلم بكل لحظة وخيالها يُزهر أيامي.
المرأة علمتني الكتابة!.
كنت في محلتي الشعبية ـ حي العصري ـ المكونة من خليطٍ غير متجانس من البشر، فلاحين هجروا الريف، بدو استقروا للتو، أنصاف غجر، فقراء خرجوا من قلب المدينة. كنتُ كاتب رسائل غرام المحلة. كل رفيق من رفاق طفولتي وصباي يقع في حب صبية يترجاني كي أكتب له رسالة لحبيبته، فكنت أطلب منه أن يفضي لي بمشاعره وقصة حبه. أعيد صياغة مشاعره بالحروف، فيفوز هو بلذة وفرتها حروفي، وأفوزُ بأخيلة ذلك اللقاء في السر الذي يقصه عليّ لاهثاً، معترفاً بالجميل. أرحلُ منصتاً، متخيلاً كل ثنية بجسد الصبية، كل لمسه، كل آهة، كل غنج، كل لهاث، والجسد الأنثوي تطوطم لاحقاً بحيث صرت أرى بمنحوتة ما في متحف، أو برسمة لوحة جسداً حياً ينبض فأركن جواره ساعات مثل مخبول، فأراه يتحرك، ينهض من رقدته الأبدية، من الحجر، من جدار اللوحة، من ألوانها.. يجّنني فأهتاج فيه.. احنُّ.. ألمسهُ حالماً بذلك التقلب في بحري الأول، ألمسه وأخاف في خلوة قاعة متحف.. هذا ما يتجلى واضحا في نص "جنية الأحلام" المنشور في مجموعتي – سرير الرمل - وما سيأخذ حيزاً أوسع في نصي الروائي الثاني – الإرسي -". إذ يتحول الحجر إلى عالم أخر يعيش فيه البشر حياة أخرى.
أما في - الحياة لحظة - فالمرأة تستحيل إلى ملاذ لبطلها الضائع في موسكو مدينته الفاضلة المتهاوية هو وصحبه الأنصار الباحثين عن وطن جديد يؤويهم. وهي بهذا المعنى خلاصا نفسيا وروحيا لتلك الذوات المتعبة
وحدها المرأة تمنح الوجود غاية ما.. ودونها تصير الكينونة هباء. هذا يشمل النص والحياة، فليس لدي فصلٌ بينهما. أعيش الدنيا مثل نصٍ، وأعيش النص مثل الدنيا.. لا أقول هذا القول مجازاً بل هذا ما يصير معي. لم أكتب سوى ما عشته، حلمتُ به، تخيلتهُ، ما أخذني في أحلام يقظتي، أو ما رواه لي عابر أو صديق حميم عما حدث معه!.
أثمت التباس تثير الكلام عن النص ـ الحياة؟!.
نعم ثمة التباس، لكن، لدى من؟.
لدى كل من بمنطق اليابسة لا بمنطق البحر، فيفصل بين النص والحياة أو يقارن بينهما مثله مثل ناقد أكاديمي لا يفهم من النص إلا ما التقى ومفاهيمه الجاهزة المستقاة من قياسات محددة قديمة ومعاصرة.
النص والحياة وحدة واحدة رغم استقلالية كينونتهما الظاهرية، فالأول جسده كلمات والثاني من لحم ودم. لكن المصائر والأقدار والحب والكره، القتل والنجاة، وكل تفاصيل الفرد في رحلته القصيرة في العمر واحدةٌ.
فكيف الحديث عن المرأة في النص فقط!.
لسنا إلا ظلال للمرأة.. المرآة التي نرى في عمقها انعكاس ذواتنا في كل حالاتها
سنبقى في عطشٍ أبدي لها
سنبقى حتى لحظاتنا الأخيرة نكتوي بوجودها الفادح!.
أهم رموز الحضارة البشرية ميلا إلى السلام والمحبة سيدنا "المسيح" رغم رجولته بالجسد إلا أنه مسكون بروح أنثى في أقواله، وسيرته. لذا نسج النص النحتي والتشكيلي وبنى تصوراته حوله من هذا المنظور، إذ نراه منحوتاً في جدران الكنائس والأيقونات، وعلى خشب الكراسي وجدران الخشب، وعلى سطح اللوحة الزيتية جسداً مسالماً يستلقي في حضن مريم الكون.
سنبقى نلهث خلف النشوة المنبعثة من خيال جسدها بتضاريسه الخالدة؟!.
سنبقى نهيم بالخصر، والنحر، وقبتي النهدين، والبطن الضامرة، والحوض المستدير، والردف الثقيل، والفخذين المتينين، وبطة الساقين المليئة، والقدمين الصغيرتين الحالمتين، وما بين الفخذين. سر النشوة، سر النشوء، سر الشمس. هذا شيء أكثر من جليل.. أكبر وأهم من معاني الكينونة في عمومية المفاهيم الأسطورية القديمة، والدينية السماوية، وعقلانية الحضارة الحديثة بكل ما جلبته من تشويه لتجلى هذا الكائن الجليل بإباحيتها المقيتة بأفلام البورنو الرخيصة.
جسد جليل يدعوك للصلاة بصمتٍ..
هل في قولي هذا (رؤيتي).. ثمة بدائية وثنية؟!.. لا أدري. لكنني أسجد بخشوع أمام باب الكون، جرحها الصغير النازف مع كل دورة قمر، أسجد متيماً مخبولا.
بهذه الروح أعامل المرأة في النص وفي الحياة.
فهل في هذه الروح العاشقة ثمة لبس كما أثاره محورك أم فيه شيء يفوق الجسد بوجوده الغريزي ويرتقي إلى مصاف العلاقة الصوفية التي يجسدها هذا النحت الكوني لجسدها الجليل.




*فسر البعض من النقاد روايتك التي صدرت مؤخراً "الحياة لحظة" بطريقة تسيء إلى "حركة الأنصار الشيوعيين" واعتقد شخصياً بان هذه القراءات تتنافى مع ما كنت تقصده، فهل كانت هذه الرواية محاولة جادة لتسليط الضوء على مرحلة تاريخية عاشها الكاتب وأردت الكشف عنها بأمانة ؟ أم هي رسالة مقصودة لإطراف معينة؟.

قبل الدخول في هذا الموضوع المتشعب لابد من الإشارة أولا؛ إلى أن النص مستقى من الحياة وشخصياته لا تزال حية. كنت كلما شرعت بالكتابة في نص من نصوص الرواية أتصل تلفونياً بتلك الشخصية وأبادلها أطراف الحديث واخبرها بأنني أكتب عنها الآن فصلا. والجميع طلب تغيير حتى أسمه الحركي وهذا ما فعلته، وهذا يتعلق بفداحة الأشياء والمعلومات والأفعال والسلوك التي عزمت على سردها.
ثانيا؛ كانت لدي مسافة فكرية مليئة بالشك والحوار مع كل الأيدلوجيات بما فيها الماركسية، وخلال رحلتي مع عالم السياسة والثقافة التي دخلتها مبكرا أواخر ستينات القرن الماضي تنقلت من ماركسي يساري ثوري يؤمن بالكفاح المسلح على الطريقة الجيفارية بحيث عارض جبهة الحزب الشيوعي العراقي مع البعث تموز 1973 ونشط بشدة وقت انفراط الجبهة إذ عمل سرا والتحق بصفوف الثوار بالجبل 1978 - 1989 لينتهي عند وصوله إلى الدنمارك 1992 إلى ماركسي يؤمن باشتراكية إنسانية ويعارض كل أشكال العنف.
كل ما نشرته من كتب من المنظور الأخير. وحتى مجموعتي الأولى – رؤيا اليقين – التي كتبت قصصها بين كردستان ومعسكرات اللاجئين في إيران فيها هذه الروح.
بمعنى حتى عندما كنت وسط الأنصار كانت لدي استقلال فكري تام وكنت أراقب بموضوعية ما كان يجري.
ما يهم الكاتب في التجربة هو الإنسان. الإنسان الخائض غمارها، آلامه، أحزانه، أفراحه، آماله، ما يريد الوصول إليه في التجربة.
التجربة المسلحة للأنصار في عقد الثمانينات من القرن الماضي كان أفقها خاسرا. ليس للأنصار الشيوعيين فحسب وحتى للحركة الكردية المسلحة، إذ كانت الحركة معزولة جماهيريا، فأمام آلاف معدود من المقاتلين الأكراد لا يتعدى السبعة آلاف مقاتل هنالك سبعون ألف كردي ( أفواج خفيفة حسب تعبير السلطة وقتذاك و – جحوش – حسب تعبير الحركة الكردية ) يقاتل مع الجيش العراقي أبناء جلدته، وحتى هؤلاء المقاتلين الأكراد تجدهم يسلمون في عفو يتكرر في المناسبات الوطنية الكثيرة بأعداد كبيرة ويلتحقون عند اشتداد القتال في جبهات الحرب العراقية الإيرانية. العزلة تجسدت بجلاء حال انتهاء الحرب مع إيران في 8 – 8 – 1988 والجيش العائد لتوه من الجبهة أجتاح المساحات الصغيرة والقرى النائية التي كان يتحرك الثوار فيها. فهربنا إلى الحدود التركية والإيرانية دافنين أسلحتنا في الكهوف قبيل دخول الحدود مع جموع سكان القرى الأكراد.
الأنصار الشيوعيون في الحركة الكردية كانوا أشبه بالضيوف على الحركة الكردية غير مندمجين فيها رغم عزلة تلك الحركة أقصد – الكردية - وضعفها.
- هل تعتقد أن الأكراد بمقدورهم أقامة إداراتهم دون حماية دولية في أعقاب الحرب العراقية الأمريكية 1991؟!.
عند وصولي إلى دمشق 12 – 1989. كنت أبحث في تيمة هذا الموضوع فانتخبتُ عينات من الأنصار الذين بقوا حتى الأنفال ووجهت لهم سؤلا محددا:
- هل كنت تعتقد بانتصار الحركة المسلحة؟ إذا كان الجواب بلا فلماذا بقيت كل فترة الثمانيات مقاتلا في صفوفها؟
الجميع أجاب بعدم قناعته وعزا بقائه لأسباب أخلاقية اجتماعية تتعلق بالخجل والخوف من كلام رفاقه وليست فكرية وأيدلوجية.
وأنت تعرف يا صديقي – علي – كم من الأنصار الشيوعيين ترك الحركة ولجأ إلى معسكرات اللجوء في إيران طوال ثمانينات القرن الماضي.
فلنتخيل معا أي ظروف تراجيدية عاشها النصير الذي يخوض المعارك والصعاب ولا أفق أمامه سوى الهزيمة والموت.
هذه الظروف التراجيدية التي يكون فيها الإنسان معذبا مقهورا من الداخل لكنه يقاتل ويظهر قوته وصلابته أمام رفاقه هي التي صورتها في قصصي القصيرة وروايتيَّ – الإرسي – و – الحياة لحظة -. هذه الظروف التي سوف لا يقترب منها السياسي أبدا فكل ما قرأته من مذكرات أنصار أو ما كتب من قصص باهتة تتجنب الوضع الحقيقي، التراجيدي وعالم الصراع الداخلي للإنسان في التجربة والذي ركزت عليه كل جهدي كي أوثق تلك العذابات الصغيرة وأكشف حقيقة التجربة كما عاشها – النصير - الإنسان لا كما يحاول أن يصورها السياسي كي يكسب أمجادا تبنى على دماء شهدائها التراجيديين.
هذا من جانب، من جانب أخر تشكل اللحظة التاريخية التي عاشها – الأنصار – الشيوعيين في – موسكو – عقب حرب الخليج الثانية وطرد الجيش العراقي من الكويت ومحاصرتهم وهم يحاولون العبور إلى دول اللجوء، ورؤيتهم تفتت النظام السوفياتي بعد فشل الانقلاب العسكري وإطلاعهم على التفاصيل اليومية للروس عامل إحباط مضاف جاء بأسئلة جديدة مما عمق حالات المراجعة والكشف عما كانوا به في تجربة فقدوا فيها المئات من رفاقهم من أجل حلم بناء مثل هذه المدينة التي تبين أنها بائسة لا فاضلة.
هذه ظروف شخصيات النص ولحظتهم التاريخية والتي هي لحظة مفصلية في تاريخ العالم – أفول حقبة حكم الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي وهيمنة القطب الواحد – الأمريكي – في السياسة الدولية. الرواية تبحث في تفاصيل صغيرة ساهمت في الوضع الدولي الجديد.
النص ليست رسالة موجهة لأحد بل كما ذكرت في محورك هو تسجيل أمين لمرحلة تاريخية تأملتها طويلا، كل النقاشات الحادة نقلتها بلغتها كما جرت بين الأنصار المختلقين في وجهات نظرهم عما يجري في ذلك الوقت. والنص مكتوب بعد أكثر من أربعة عشر عاما من التجربة، أي بعد اختمار وتأمل كافٍ، فالأحداث المروية جرت في عام 1991 وشرعت في كتابة النص 2004.




*هناك لكل مبدع محطات انتقال من مرحلة إلى أخرى، فأين يجد سلام إبراهيم مراحل تطوره بعد صدور أعمالك قصصياً وروائياً؟ وأي الأعمال التي تعتبرها تمثل انتقاله حقيقية لديك على المستوى الفني والفكري؟!.

أكتب منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. أكتب وأدرس ما توفر من القصة والرواية العالمية والعربية والعراقية بشكل منهجي وبجهد خاص بنصيحة من الشاعر المرحوم – كزار حنتوش – الذي أريته أول قصة أكتبها عام 1972. منذ ذلك التاريخ وحتى التحاقي بالثوار في الجبل كتبت أكثر من خمسين قصة عثرت عليها بعد عودتي، في الجبل كتبت عشرات القصص. كنت طوال هذه السنين أحس بأنني لم أعثر بعد على نفسي.. إلى أن كتبت في 1989 في معسكر اللاجئين – خوي زرعان - في أقصى الشمال الإيراني قصة – رؤيا اليقين – التي فتحت لي أبواباً جديدة جعلتني أخوض غمار عالم كان مدفون في نفسي، وأراه جلياً في أحلامي، وأحلام يقظتي. أعتبر هذه نقطة التحول في وجودي ككاتب. إذ لم أنشر من كل ما كتبته من قصص سوى سبع في مجموعتي الأولى – رؤيا اليقين – 1994 التي وجدت لها صدىً جيدا في الصحافة العربية رغم محلية مواضيعها التي تناولت حياة الثوار في الجبل بست منها.
أدركت أنني أخطو أول خطوة في الطريق الصحيح، فتحولت إلى كتابة الرواية دون أن أدرك ذلك، فقد كنت أكتب قصة عن أخي الشهيد الشيوعي الرسام والطالب الجامعي – كفاح عبد إبراهيم – ما أن انتهيت منها حتى وجدتني أنهمك في قصة أخرى عنه، ثم ثالثة لتشكل النصوص الثلاثة جسد روايتي الأولى – رؤيا الغائب – المدى 1996. ثم – الإرسي – 2008 التي تناولت تجربة الأنصار في الجبل وحكت عن الاختفاء والعودة إلى المدن والتخفي والقصف الكيمياوي. وفي الروايتين يختلط الواقع والحلم والكوابيس في بنية روائية ينحسر فيها الحوار، ويزدهر التأمل والهواجس والأحلام والكوابيس وأطياف الواقع حيث لوعة الفقد والبحث عن الأخ المعتقل والذي يعدم لاحقا ويبلغ الأهل لاحقا في – رؤيا الغائب -. وهاجس الموت قتلا في المعتقل والجبل الذي يمتلك كيان الشخصية المحورية في – الإرسي -.
أما – الحياة لحظة – فبنيتها تختلف كليا عن بنية الروايتين السابقتين.. حيث التيمة اختلفت ودخل حشد من الشخصيات تظهر في الفصل أو عدة فصول وتغيب، فكثر فيها الحوار والكلام باللغة المحكية والسرد الشفهي.اكتشفت في هذا النص إمكانية كتابة التجربة كما هي وبالسرد البسيط والمحكي عبر قصص الواقع كسرد نكات المدينة أو حكايات الأنصار كحكاية المؤلف الحالم – أبو لينا - مع الاستفادة من موروث الحكي الشعبي الشفهي والمكتوب كما في ألف ليلة وليلة التي جرى توظيف مدخلها بسرد حديث يخدم غرض الفصل وتيمته في – اليهودية الجميلة -.
كلما أمعنت في سفر الكتابة والتجربة والمحاولة أكتشف أساليب جديدة عليّ تفرضها طبيعة المادة الخام التي أنتقيها كي أنحت منها قصة أو رواية.
يضاف إلى أنني مقل جدا وأحيانا أقضي يوم كامل في كتابة صفحة واحدة. أي النص لدي منتقى مفردة مفردة، والبناء مراقب ومحسوب، ومعاد تمحصيه عشرات المرات قبل أن يرى النور.




لماذا تذكر بعض الرموز والأسماء الحقيقية وبشكل صريح؟ ألا تعتقد أن ذلك يفقد العمل الإبداعي من الجوهر الفني ويدخله بالسيرة الذاتية؟ مثلما حصل في رواية "الإرسي" وكذلك في رواية"الحياة لحظة"؟!.



ليس للأسماء والرموز الحقيقة علاقة بالجوهر الفني للعمل الأدبي. فالجوهر الفني يتعلق بالصوغ الفني للنص وأسلوب الكاتب، وهذا بدوره يتعلق بجملة قضايا منها، اللغة، بنية النص، تقنيات النص الفنية، ثيمة النص، حبكته، حكايته، وبالتالي قدرته على جعل القارئ ينفعل معه يمتعه ويمنحه قيمة جمالية وفكرية ويثير لديه الأسئلة المتعلقة بالتجربة والحياة.
هذا من ناحية، من ناحية أخرى وجدت بالحياة سر الكتابة الآسرة، فأكثر أحداث روايتي حقيقية جرت لي أو لما حولي أو سمعتها فتخيلت أنني فاعلها. جربت سردها شفهيا لمن حولي، وكان السرد يأسرهم، أي كنت وما أزال أجرب أحداث قصصي ورواياتي وأثرها على السامع قبل الشروع برويها كتابة.
ما سردته في نصوصي المنشورة هي أحداث حقيقية بهذا الشكل أو ذاك، بمعنى أدق غير مستعارة من تجارب القراءة والكتب، مكيفة لوجهة نظر شخصيات النص. كل شخصيات – الإرسي -، و- الحياة لحظة - حقيقية، لم اختلقها من المخيلة، لكنني عمدت في أحيان كثيرة إلى مزج عدة شخصيات حقيقية في شخصية واحدة كي تبرر فنيا وفكريا كما فعلت في – الحياة لحظة – مع شخصية – عزيز – الصديق السافل. كما تعرف يستطيع الجميع تشخيص هذه الشخصيات التي أعطيتها أسماء أخرى رغم أنني لا أعرف سوى أسمائها الحركية لما في الأحداث من كشف عميق لدوافع الإنسان ومدى الشر الكامن فيه. أما الشهداء والأموات ورموز – الديوانية - مثلا فقد ذكرتهم بأسمائهم الحقيقية رغبة مني ومحبة لهم، هذه الأسماء لم يركز عليها القارئ العربي، لكن هنا في العراق ومدينتي كان وقعها صادماً.
الشق الأخر من محورك المتعلق بعلاقة السيرة بالجوهر الفني أود الإشارة بأن السيرة الذاتية للروائي وتجاربه الروحية والفكرية تشكل المنهل السري للنص الروائي، غالبية الكتاب العالمين يكشفون في مذكراتهم عن العلاقة العضوية بين سيرة الكاتب ونصه، ماركيز في – عشت لأروى – كشف كل الخيوط السرية التي تربط رواياته بسيرته والتي كان يضيع خرزها على حد قوله في النص حتى لا يستطيع القارئ الإشارة إلى وجودها الواقعي، بينما كتب الروائي – هنري ميلر – بشكل مباشر عن زوجته وحياته البوهيمية في – مدار السرطان – وباقي روايته. قبل أسبوع أكملت قراءة مذكرات – أيزابيل أللندي – ( حصيلة الأيام ) والذي كشفت فيها عن أن أهم كتبها يرتبط بشكل مباشر بسيرتها الذاتية ، وأضيف إلى أن أبهت كتبها كتبتها بالتكليف من قبل ناشرين ومحاولة البحث عن موضوع عندما تجد نفسها خالية من تجاربها التي يبدو استنفذت في نصوصها. غالبية روايات – أرنست همنغواي – لها علاقة بسيرته الذاتية ومغامراته، دستيوفسكي كذلك – مذكرات من بيت الموتى و – المقامر –، - ولا أريد الإطالة، لكن أريد الإشارة إلى أن الكاتب العربي بشكل عام كان يتحاشى الخوض في سيرته خوفا من تابوات المجتمع الدين والجنس والسياسة، لكن في الفترة الأخيرة بدأ العديد من الكتاب العراقيين في الخارج والعرب كتابة روايات سيرة ذاتية، لكن المشكلة في هذه النصوص التي أطلعت عليها هي محاولتهم تجميل وتبرير الذات والانتقام من الآخرين بمحاولة تشويههم أكثر من الغوص في أعماقها وكشفها عيوبها ومحاسنها مما وسم تلك النصوص بلا إنسانية شخوصها وقبحهم وهذا مبحث سوف ألقي الضوء عليه لاحقا. ما فعلته في قصصي ورواياتي هو محاولة تعرية الذات كي تتطهر من ذنوبها وتلمس روح الإنسان بعمق وصدق، لا أخفي الغرز ولا أخاف من أحد وسأكتب عما رأيته وسمعته ودققت به عن ازدواج قيمنا الشكلية، وتلك الفظائع التي ترتكب في السر بمجتمعنا العراقي والتي أشرت إليها في فصل – الشاعر – في – الحياة لحظة – والمتحاوران الشخصية المحورية – إبراهيم السلامي – والشاعر الكردي – شيركو – يكشفان عما تعرضا له في الطفولة إذ يغتصب – شيركو – من قبل شيخ الطريقة القادرية وهو رجل دين، و- إبراهيم – من قبل فراش مدرسة في يوم العاشر من عاشوراء الذي يعد من أقدس أيام شيعة جنوب العراق دون أن يستطيعا البوح لأقرب الناس الأم والأب، ولم يبوحا إلا عندما نضجا وخاضا عنيف التجارب وفي حالة سكر في موسكو لحظة أكتشافهما خواء فكرة – مدينة لينين الفاضلة – بنموذجها السوفياتي. هنالك أفظع من هذه الحقائق التي من المستحيل أن يكشفها أو يصرح بها من يقع عليه هذا الفعل وغيره، وما يجري للمرأة في المجتمع العراقي يعد سلسلة من الأغتصابات الجسدية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية. ويقع عليها ما لا تستطيع الشكوى والبوح به لأحد. كنت في طفولتي أجلس جوار أمي الباكية الشاكية لشباك الأمام – علي بن أبي طالب – ولعشرات النسوة الناحبات لصق شباك الذهب وهن يهمسن بقصص عذابهن.
سوف أبقى أنهل من سيرتي الذاتية والتجارب التي مررت بها المزيد من القصص والروايات التي قد لا يكفى ما تبقى لي من الحياة لروايتها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,930,426
- الحياة لحظة* رواية سلام إبراهيم.. الرواية الوثيقة..
- بنية الدائرة المغلقة: قراءة في رواية - الحياة.. لحظة - لسلام ...
- حوار مع الروائي العراقي سلام إبراهيم - الشيوعي ليس من معدن خ ...
- فصل من رواية الحياة لحظة/المتشردة الروسية/
- نقاد ومثقفون يناقشون رواية «الحياة لحظة»
- رواية الحياة لحظة تثير جدلاً سياسيا حاداً
- «الحياة لحظة» تشبه الفقاعة حاولت توثيقها قبل ان تنفجر
- سلام إبراهيم في اتحاد الأدباء..رواية (الحياة لحظة) تثير الجد ...
- إغماض العينين للؤي حمزة عباس - تجليات العنف في زمن حرب مليشي ...
- إلى: ناهدة القزمرية - بهار - أنا أكتبُ لكِ فقط
- الناقد د. صبري حافظ: صدرت روايات عربية بعضها أهم كثيراً من ا ...
- عن رواية الإرسي - د. صادق الطائي
- -الإرسي- الخارج من المحرقة*
- شعريّة الكتابة الروائية -قراءة أجناسية في رواية (الأرسي) لسل ...
- ‬-الإرسي- لسلام ابراهيم: الرواية والكناية عن التجربة ا ...
- (الإرسي)..إشكالية التجنيس، والأسئلة المعلقة!!
- رواية الإرسي.. رحلة الكينونة المعذبة ....من منظور اخر
- أماكن حارة/ محاولة لكتابة التاريخ العراقي الحي عبر قرن
- الإرتياب في المكان - قراءة في رواية- الإرسي
- سلام إبراهيم.. الحياة والصداقة


المزيد.....




- ملف الهجرة يجمع لفتيت بوزير الداخلية الإسباني
- الاتحاد المغربي للشغل مهدد بفقدان فريقه النيابي
- نجمة عالمية تمنع طفلتها من مشاهدة أفلام -ديزني-
- نص-جرونيكا - أهداء الى عبير الصفتى احتفاءا بصباحات الحريه ...
- صدر حديثا للقاصة والشاعرة “مريم كعبي” مجموعتها القصصية الأو ...
- كيت بلانشيت تدافع عن حق أداء أدوار مثلية
- أمام الرواية السعودية لمقتل خاشقجي.. ما خيارات ترامب؟
- وزارة الثقافة والحضور المرتبك / حسين ياسين
- واشنطن بوست تكشف عن تسجيل سيدفع البيت الأبيض لرفض الرواية ال ...
- تناقض الاعتراف السعودي.. الرواية التركية لمقتل خاشقجي


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - الروائي العراقي سلام إبراهيم: سوف أبقى أنهل من سيرتي الذاتية والتجارب التي مررت بها المزيد من القصص والروايات التي قد لا يكفى ما تبقى لي من الحياة لروايتها