أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سامية نوري كربيت - الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 2















المزيد.....

الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 2


سامية نوري كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 3049 - 2010 / 6 / 30 - 23:02
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



لكي تتوضح للقارئ الذي قد يلتبس عليه الهدف من هذا الموضوع قبل ان ادخل في تفاصيل اسهامات المسيحيين في ارساء قواعد الحضارة الاسلامية , خاصة للذين ليس لهم المام كافي بالتاريخ وذلك لأن مناهج جميع الدول العربية لمادة التاريخ تقفز على هذا الموضوع ولا تذكره بتاتا في مناهجها وتصور شعوب هذه الدول سواء اكانت مشرقية أو مغربية والتي احتلها المسلمون بعد ظهور الاسلام , وخروج العرب من الجزيرة العربية الى الهلال الخصيب ومصر ومن ثم الى باقي الاجزاء التي وقعت تحت السيطرة الاسلامية وكأنها شعوب همجية متخلفة لم يكن لها مساس باية حضارة , مما جعل الكثيرين من الذين يطلعون على مقالات تتحدث عن تأثير الحضارات الاخرى على العرب المسلمين وكأنه كفر وتعدي على الحضارة الاسلامية , ولقد نجحت هذه السياسة التي اتبعتها الدول الاسلامية سواء اثناء الحكم العثماني أو بعد استقلال الدول العربية وقيام حكومات عربية في ابقاء الملايين بعيدين عن الصورة المشرقة لماضي امة عريقة في مضمار الحضارة العالمية , هذا التعتيم ابعد اجيال كثيرة عن الاطلاع على الحقائق التاريخية من جهة وبخس حق الذين لهم الفضل في ارساء اسس الحضارة الاسلامية , علما ان الاقرار بفضل العلماء والادباء والمترجمين والاطباء والمفكرين المسيحيين لا يقلل من شأن العلماء المسلمين الذين اضافوا الشئ الكثير , ولكنها مشكلة العرب الازلية وهي اعتقادهم بمقولة انهم خير امة اخرجت للناس تمنحهم حق التعتيم على حقوق الاخرين , أو بمعنى اصح سلبهم تلك الحقوق ونسبتها اليهم وهذا يعتبر وفق العرف القانوني والانساني سرقة لجهود الاخرين , وسلب تاريخ امم وشعوب تميزت بأعلى درجات الرقي والتطور في مضمار الحضارة في مختلف نواحيها .
سأحاول بأختصار شديد ان استعرض وضع مجتمع الهلال الخصيب ومجتمع شبه الجزيرة العربية الفكري والحضاري عند ظهور الاسلام حيث كان كل منهما يختلف عن الاخر تماما من ناحية الوضع الفكري والحضاري , ففي الوقت الذي امتاز فيه وادي الرافدين بكونه مهد الحضارات العالمية لما تميز به من تطور حضاري حيث على ارضه اكتشف الانسان الزراعة لأول مرة وعلى ارضه عرفت الكتابة وعلى ارضه اقيمت دول وامبراطوريات سادت العالم المعروف في ذلك الوقت كالامبراطورية الاكدية والاشورية والبابلية والكلدانية , حيث بقي التأثير الحضاري لسكان العراق الاصليين , والذي كان حصيلة حضارات كل من السومريين والآشوريين والبابليين والكلدانيين والاراميين , ولم ينتهي بسقوط اخر سلطة لهم في بابل علي يد كورش الفارسي الاخميني بل استمر تأثيرهم الحضاري اداريا وماليا وعسكريا وفكريا وعلميا في الحكومات الاجنبية التي تعاقبت على حكمه كالفارسية الاخمينية والفارسية الفرثية والفارسية الساسانية واليونانية والرومانية والعربية , ويعتبر التراث الانساني لسكان الرافدين من اروع ما خلفته الانسانية فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد حوت مكتبة اشور بانيبال على ( 120 ) ألف رقيم يشمل كافة صنوف التراث الفكري والتاريخي والادبي العالمي , كما تعتبر شريعة حمورابي ركيزة كل الشرائع في العالم حيث انها تشمل كل ما يختص بنواحي الحياة الاجتماعية والقانونية , فحضارة وادي الرافدين هي خلاصة حضارات الدول العظيمة التي قامت على ارضه , والذي ذكرته هنا هو غيض من فيض لا تستطيع الآف المقالات ان تعطيه حقه , وكذلك حضارة بلاد الشام التي امتازت بحضارة متطورة خاصة على يد الاراميين الذين قدموا الى سوريا في منتصف الالف الثاني قبل الميلاد ثم انتشروا في شمال العراق وجنوبه واصبحت لهم دويلات في سوريا والعراق متطورة حضاريا, كما واصبحت لهم مناصب رفيعة في الدولة الاشورية وامتد وجودهم حتى شمل كل سوريا ولبنان والاردن , وابرز مظهر لحضارة الاراميين انتشار اللغة الارامية التي استطاعت ان تزيح اللغة الاكدية التي كانت سائدة في العراق وحلت محلها منذ القرن الخامس قبل الميلاد لسهولة الابجدية الارامية وقابليتها على التشكيل , فحلت اللغة الارامية محل اللغات السامية الاخرى كما انها اصبحت لغة الامبراطورية الفارسية منذ الاحتلال الفارسي للعراق سنة 538 ق . م , في عصر الدولة الاخمينية الفارسية وبعد ذلك انتشر استعمالها في المكاتبات الرسمية فأصبحت لغة عالمية واستمرت هكذا الى ان حلت لغة اخر موجة سامية خرجت من الجزيرة العربية وهي اللغة العربية , اما بالنسبة الى قبائل الجزيرة العربية بأستثناء اليمن فكانت تعيش في جاهلية حقيقية بعيدة عن كل المظاهر الحضارية المعروفة في ذلك الزمان .
والمتتبع لتاريخ الهلال الخصيب في القرون الاولى من العصر الميلادي يجد ان الأشوريين والكلدانيين ولبابليين والآراميين كانوا يشكلون مجموعة بشرية كبيرة تعيش في بلاد الشام والعراق وواقعة تحت سيطرة إمبراطوريتين , الإمبراطورية الفرثية الفارسية التي كانت تسيطر على العراق والإمبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر على بلاد الشام , ولقد انتشرت الديانة المسيحية في العراق وبلاد الشام خلال القرن الاول الميلادي على يد رسل وتلاميذ السيد المسيح , وأصبح يطلق على جميع الذين اعتنقوا الديانة المسيحية من سكان العراق وبلاد الشام الأصليين اسم السريان تمييزا لهم عن الذين لم يعتنقوا الديانة المسيحية , فأصبحت منذ ذلك الحين تسميتهم السريان نسبة إلى سوريا التي قدمت عن طريقها المسيحية إلى المشرق , وقد عانى السريان الأمرين من حكم الفرس والروم في العراق وبلاد الشام وكان سبب اعتناق السكان في العراق وبلاد الشام الديانة المسيحية كونها جاءت كدعوة دينية إنسانية تدعو إلى السلام والمحبة , فوجدوا فيها وسيلة لتحقيق وحدتهم حتى وان كانت بقيادة دينية وهكذا توحدوا من جديد تحت سلطة الكنيسة وأصبحت اللغة السريانية لغة الدين والآداب المسيحية , وأصبح للثقافة السريانية دورا عظيما على نطاق التاريخ الإنساني حيث عملوا على اطلاع الشعوب الأخرى على منجزاتهم العلمية والأدبية وعلى ثقافتهم التي تمثل قيم الانجيل من جهة والآراء الفلسفية لعلماء اليونان ومفكريهم كأرسطو وأفلاطون وغيرهم , ولقد عرف السريان شعوب الشرق بمنجزات الحضارات القديمة خاصة اليونانية والفارسية والهندية بعد أن استفادوا هم من الفلسفة اليونانية والعلوم الشرقية القديمة بعد ان تمت ترجمتها الى اللغة السريانية , كما انهم أضافوا لها عن طريق علمائهم علومهم ومعارفهم النظرية وعلومهم التطبيقية بممارسات عملية حتى ان مدارسهم كانت بمثابة جامعات .
ولقد كانت بدايات القرون الأولى للمسيحية والى القرن السابع الميلادي مرحلة ازدهار للمدارس السريانية شملت كل مناطق الهلال الخصيب وأشهر هذه المدارس مدرسة أنطاكية , مدرسة نصيبين , مدرسة الرها , مدرسة رأس العين , مدرسة المدائن , مدرسة جنديسابور , مدرسة قنسرين , مدرسة دير مار برصوما , مدرسة دير البارد , مدرسة دير متى , مدرسة الحيرة , وغيرها الكثير . وكانت هذه المدارس السريانية قد نهلت من أصول الحضارة اليونانية وعلومها وفلسفتها وخاصة في مجال العلاج والصيدلة واستخدام الأدوية والطب فكانت تدرس العلوم اليونانية والسريانية ومؤلفات أرسطو وجالينوس وابقراط بالإضافة إلى العلوم اللاهوتية والآداب المسيحية , وكذلك مختلف مجالات العلوم كالكيمياء والرياضيات كالفلك والتنجيم والفلسفة والجغرافية والتراث اليوناني الكلاسيكي والذي ساعد السريان في الاستفادة من العلوم اليونانية والفارسية معرفتهم باللغة اليونانية واللغة الفارسية .
وعندما حل العرب المسلمون في العراق وبلاد الشام استفاد الخلفاء الأمويون والعباسيون من علوم السريان وعلمائهم , وعمل السريان على نقل علومهم وعلوم اليونان وفارس إلى اللغة العربية في العصر الأموي والعصر العباسي بالإضافة إلى الخدمات الكبيرة التي قدموها في مجال إدارة الدولة مما أدت إلى نهضة شاملة للعالم الإسلامي وجعلتهم ينتقلون إلى ما سمي بالعصر الذهبي للدولة العربية الإسلامية ولم يكن العرب المسلمون في بداية قيام الدولة الإسلامية يهتمون بالعلوم والآداب والفنون لسببين , الأول انشغالهم بالفتوحات والغنائم والحروب التي حدثت بين الاطراف المتصارعة على السلطة , والثاني اهتمامهم بالعلوم الدينية نتيجة ظهور المذاهب المختلفة والاختلافات التي ظهرت بين المسلمين في أمور عقائدية وفقهية .
ان الدول العربية مطالبة بأدراج الحقائق التاريخية في كتب التاريخ بأعتبار كتابة التاريخ امانة علمية وابراز دور كل من ساهم في اغناء الحضارة الاسلامية لأن ذلك يقع من ضمن المسؤولية الاخلاقية وبخلاف ذلك يكون تزويرا للتاريخ , ولقد تعودنا في الوقت الحالي على تزوير التاريخ حسب اهواء الحكام , ويحضرني هنا مثالا على التزوير في كتابة التاريخ او تحريفه بناء على رغبة الحاكم او منهجية السلطة في فرض ما تشاء على كتاب التاريخ سواء بالترغيب بصرف المكافآت السخية او بالترهيب , فالمطلع على كتاب التاريخ الحديث والمعاصر في العراق بعد ثورة البعث لعام 1968 ولكل المراحل في حينه يجده يعظم بأحمد حسن البكر بأعتباره الاب الروحي للثورة , لأنه كان قبل الثورة يشغل منصب الامين العام لحزب البعث ولهذا كان كتاب التاريخ الحديث يذكر اجتماع قادة الثورة ليلة تنفيذ الثورة في بيته وهناك تم توزيع الادوار ووو وبقيت هذه المعلومات تدرس في المدارس العراقية الى سنة 1979 عندما نحي البكر عن السلطة واستلم صدام حسين السلطة تغيرت كل المعلومات ومحي اسم البكر من كتب التاريخ وحل محل بطولاته في الثورة اسم صدام حسين وهناك الكثير الكثير من الامثلة في تاريخنا المعاصر .
ان كتب التاريخ والتراث العربي الاسلامي مليئة بالشواهد على دور مسيحي الشرق في رفد الحضارة العربية الاسلامية في بداية نشؤها بمقومات ساعدتها على تكملة المسيرة فلماذا لا تحتوي كتب التاريخ في الدول العربية قاطبة الى مايشير الى ذلك , بدلا من احتوائها على الفاظ التحريض والعنصرية والارهاب التي تشحن الناشئة بمشاعر الكره والتعصب الاعمى ضد الاديان الاخرى ووصف المسيحيين واليهود بأنهم رجس او دنس او على ابسط التعابير احفاد القردة والخنازير .

يتبع





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,300,057
- الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 1
- قادة العرب لا يتعلمون من التاريخ
- اسهامات مسيحي الشرق في اغناء الحضارة الاسلامية
- ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني في حياة المرأة العربية
- اقتل مسيحيا وتمتع بالجنة
- الفساد الاداري والمالي للسلطة الحاكمة واثره في تخلف المجتمع
- حرية الرأي وثقافة الخوف في العراق
- لماذا تهدر حقوق الأقلية المسيحية في العراق
- الصراع بين العلمانية ورجال الدين في العراق
- حقوق الإنسان في العراق المؤمن و حقوق الكلاب في دول الغرب الك ...
- العلمانية بداية الطريق لتحرير المرأة العربية
- حداثة الديمقراطية في دول العالم الثالث
- تعقيب على مقالي عن ختان الفكر والجسد للمراة العربية
- ضياع المرأة العربية بين ختان الجسد وختان العقل
- الحرية الدينية في المجتمعات الديمقراطية
- الأيديولوجيات الدينية وأثرها في تخلف المجتمع
- دور المرأة العربية في الحياة السياسية
- الانتخابات والمصالح الشخصية والفئوية للأحزاب السياسية
- الانتخابات وصراع السلطة !!
- الانتخابات الديمقراطية ومتطلباتها


المزيد.....




- شرطة سريلانكا تبحث عن 140 مشبوها مرتبطين بـ-داعش-
- شاهد: برج خليفة يتزين بألوان علم سريلانكا تكريما لضحايا التف ...
- فاينانشال تايمز: حلفاء الخليج يهددون العودة للحكم المدني في ...
- شاهد: برج خليفة يتزين بألوان علم سريلانكا تكريما لضحايا التف ...
- بوتين: التعاون بين روسيا والصين وصل لمستوى عال وغير مسبوق
- تزامنا مع احتفال ذكرى تحرير سيناء... مصر تتخذ قرارا بشأن الم ...
- 4 حيل لتحسين إشارة هاتفك الخلوي عندما لا يمكنك الاتصال بالشب ...
- 7 ثوان من -سبايدرمان- تعالج رهاب العناكب!
- رئيس سريلانكا: الشرطة تبحث عن 140 مشبوها مرتبطين بـ-داعش-
- انخفاض حصيلة ضحايا اعتداءات الفصح في سريلانكا من 359 إلى 253 ...


المزيد.....

- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سامية نوري كربيت - الجذور المسيحية للحضارة العربية الاسلامية - 2