أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - احلام














المزيد.....

احلام


عبد الفتاح المطلبي
الحوار المتمدن-العدد: 3045 - 2010 / 6 / 26 - 01:49
المحور: الادب والفن
    



في خضم الانتظار و الترقب الذي كان كحيوان مشرف على الموت في زمن كاد يموت برؤوس جفت على أعناقها فبدت كأنها ثمار يقطين يابس تتدلى على أكتاف متهدلة ، لا توحي بالقوة ولا بالضعف هكذا كان الأمر مع الجميع عندما حدثت الأمور بسرعة توازي ذلك الزمن الطويل الميت الممتد على مدى متسع من اليأس ، لم يصدق الناس بل لم يستطيعوا متابعة و مجاراة الأحداث لذلك بقي كل شيء معلقا في مكانه ، كل شيء قيد الانتظار ، لا يستطيع أي واحد اتخاذ قرار خشية أن يكون ما يحدث مجرد أزمة من تلك الأزمات التي كانت السلطات تجيد صناعتها ، لذلك ظن الضابط المسؤول عن سجن سري يضم سجناء إستثنائيين وسط منطقة جرداء داخل المسيج الكبير الذي يحيط بمباني و منشآت الحرس الجمهوري و مخازنه ، ظن أنه لابد من الاحتفاظ بمفتاح السجن السري معلقا في سلسلة مفاتيحه ، كيف لا يعتني بذلك و هروب المسجونين يعني إعدامه فورا ، و عندما جرت الأحداث بسرعة و سادت الفوضى لا زالت الأهمية القصوى عند ذلك الضابط في تلك الأحوال هي الإحتفاظ برأسه سليما فوق كتفيه لذلك عندما هرب على عجل لم يفكر بالمسجونين و في الوقت نفسه استبعد أن يستطيع أحد ما العثور على باب السجن المموه جيدا وسط ساحة تحجبها أشجار الكالبتوز بعيدا عن مرمى النظر ...، ظن السجناء الخمسة عشر عندما لم يأتهم السجان ب(جلكان) الماء لليوم الثاني ظنوا أنها عقوبة كتلك المرة قبل ثلاثة أشهر لكنهم استبعدوا تلك الفكرة فهم لم يفعلوا ما يستدعي ذلك كما إن حساء العدس الذي كان وجبتهم الوحيدة خلال اليوم لم يصلهم أيضا ليومين خليا لذلك فقد صاروا نهبا للجوع و العطش ، أما باب السجن فكان بإمكانهم الوصول إليه من خلال ارتقاء إحدى و عشرين سلمة منها ثماني عشرة سلمة في الاْسفل و ثلاث فوق حيث الباب المنزلق المصنوع من الفولاذ السميك و الذي لا يمكن فتحه إلا من الخارج كذلك ظنوا أن خللا في التيار الكهربائي سيتم إصلاحه بين لحظة و أخرى و هم يعلمون جيدا أن الكهرباء لا تنقطع في المعسكر ، و هكذا فهم لا يعرفون الليل من النهار كان لهم مصباحا واحدا ينير لهم القاعة المستطيلة المبنية من الإسمنت المسلح على عمق خمسة أمتار تحت الأرض ..........، استندوا جميعا إلى الجدار البارد عراة لكي يجعلوا أجسادهم المنهكة قادرة على تسريب بعض من حرارتها إلى الجدران الباردة نسبيا ثم بدأو يتحدثون ..، قال أحدهم : غير معقول هل ماتوا جميعا ، كيف يفعلون بنا ذلك ؟تت
إنهم بحاجة إلينا فنحن سجناء مرموقون لسنا عاديين .
قال آخر : أخشى أن أمرا قد حدث ذلك أن السجان آخر مرة قبل أربعة أيام كان مشوشا عندما جلب الوجبة و لم يكن على عادته يصرخ بنا ..
أما فوق : فكان الناس منشغلين كانشغال النمال و هي تجمع زبلها ، يحملون
كل شيء على رؤوسهم و في عربات يدوية و سيارات صغيرة و كبيرة ينهبون مخازن المشفى العسكرى بعد أن هرب الجميع حتى المرضى و تركوه للجموع الهائجة ، و هكذا بعد يومين فرغ المعسكر المنهوب و لـــــم
يعد يغري أحدا و لا زال السجناء الخمسة عشر المرموقون يلصقون أجسادهم الملتهبة عطشا على الجدران الإسمنتية الباردة يذودون بصعوبة بالغة أخيلة الموت التي كانت تنتابهم وقد أشرفوا على الموت عطشا لكنهم عندما تعبوا من النضال ضد أخيلة الموت بدأت تراودهم أحلام جميـــــــــلة وهم أنصاف غائبين عن الوعي ، حلم أحدهم أنه قد نزل الى مجرى نهر بارد شرب منه حتى ارتوى ، يصيح على زملاءه الذين يقفون على جرف النهر تعالوا لكنهم لا يلبون دعوته و تتملكه الحيرة من ذلك...................
أما الثاني فقد كان يحلم أن ابنته ريم الصغيرة قد ألصقت خدها على عظام خده الغائرة فشعر أن خد إبنته ريم بارد كالثلج فتملكه قلق شديد من أن تكون إبنته قد ماتت قبله فصارت باردة كالثلج و تتابعت أحلام الآخرين على المنوال نفسه و في الوقت ذاته الذي بدأ ينفذ شيئا فشيئا ، يجمع أحلامهم جميعا شعور بالبرد اللذيذ ..، وهكذا مر إثنا عشر شهر حين اصطدمت سكين البلدوزر العملاقة بكتلة الإسمنت الكبيرة و المغطاة جيدا ببقايا حوض خشبي على قياس الباب الحديدي المنزلق و الذي كان مفروشا ببقايا عشب أمريكي ميت ، و بعد ثلاثة أيام من العمل الليلي المتواصل توصلوا إلى فتح تلك الخزانة السرية ، ......
أحاط صاحب البلدوزر الأمر بسرية تامة و لم يكن يعلم بالأمر غير إثنين من أولاده و أخيه ، اتفقوا جميعا على أن يتقاسموا ما يجدوه بشكل عادل ، كان ذلك منتصف ليلة من ليالي المحاق و كانت الظلمة شديدة فأخذوا قسطا من الراحة و ناموا جميعا و كأنهم مخدرون لكنهم كانوا يحلمون .....،
وجد سائق البلدوزر في حلمه تلالا من صناديق خشبية مليئة بسبائك من الذهب و راح يفكر بنقلها ووجد أنه مهموم رغم وجودالذهب في حلمه ، أما أحد الولدين فقد حلم بوجود أكياس مليئة بملايين الدولارات الخضراء لأنه كان يعلم أن الدولار كان للحكومة فقط ، أما العم و الأخ الثاني فقد كانت أحلامهم متقطعة و مشوشة ينتابها عراك و عويل ، وفي الليلة التالية ولج سائق البلدوزر وأخوه يتبعهما الولدان ينقلون خطواتهم بحذر شديد و في يد كل منهم مصباحا ولما سقط الضوء على الهياكل العظمية المتكأة على الجدران الإسمنتية ، شعرت أرواحهم الحائمة حولهم بفرح غامر ، تنهدت روح أبي ريم قائلة ....آه لقد وجدونا أخيرا ، إلا أن عاصفة من الخيبة المريرة اجتاحت نفس صاحب البلدوزر و أخيه وولديه بينما انسلت الأرواح الخمسة عشر طائرة بخفة نحو الفضاء ، تم تسجيل خمسة عشر رقما لخمسة عشر رجلا مجهول الهوية في ورقة من سجل لا زال موضوعا على طاولة في غرفة في بناية يدخل ويخرج منها الكثير من الناس الذين ترتسم على وجوههم خرائط أحزان قديمه .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,865,478,281
- السيدة ذات الوردة البيضاء
- الطبول
- الحصن
- المهمة
- إغتيال الحمامة
- الدغل
- ميسان


المزيد.....




- الشاعر عن دعم ليرة تركيا بحجة دعم المسلمين: لماذا لم تدعم ال ...
- الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز تغيب عن بيغ براذر في اللحظات ...
- توقعات ضخمة لأكبر فيلم أنتج في هوليوود يؤديه ممثلون آسيويون ...
- تحب السينما؟ هذه أبرز أفلام العيد
- إزالة أعلام قوس القزح قبل حفل الفنانة نانسي عجرم في مهرجان ي ...
- بالصور... فنانة سعودية تجسد رحلة الحج على قماش الإحرام
- بمناسبة خمسينية نادي السينما السوداني
- دور العرض السينمائي في السودان
- تفاصيل جديدة حول اعتقال الفنان المصري في تركيا
- صور وفيديو... -الحجر لم يخلق للرجم-... لوحات الحرب يرسمها فن ...


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - احلام