أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الأسدي - رائحة بول غريب






















المزيد.....

رائحة بول غريب



رياض الأسدي
الحوار المتمدن-العدد: 3023 - 2010 / 6 / 3 - 09:21
المحور: الادب والفن
    



-1-
ولدنا من أصقاع خضر نائيات. كانت بداية عالم بالنسبة لنا. هناك. من الصعب أن نرى غير ذلك الآن. وجوهنا خضر، لمّاعة، وعيوننا بلون ورق صباح ندي قبل أن تصبح بفعل الشمس التموزية الحارقة سوداء قاتمة مثل فوهات آبار ناضبة. وكانت كلّ الأشياء بلون واحد. وكنّا نصرخ طوال النهار والليل والشتاء والصيف. نعوي احيانا. ونلوذ بأحراش القصب والبردي. أمنا (شلتاغه) كانت تأتي لنا بحليب العنزة الوحيدة. تهدهدنا. وتلولي. لم نعرف ،وقتذاك ثمة أحدا غيرها: شلتاغه العجوز التي آوتنا - منذ البداية - في الاخضرار المطلق. كانت قد ناهزت التسعين عاما، وربما جازت المائة. من الصعب تحديد عمرها, كما عرفنا بعد ذلك.
قوس سواد أزلي لظهر محني من الضروري التاكد من بشريته. يطوف في المكان طوال الوقت، نرقبه نحن الثلاثة المتبقين من أعداد لا حصر لها من البنات والبنين، وصوت يشبه البكاء ممزوج بالنشيج غالبا. تقول شلتاغه: أنها هبطت من السماء الدنيا في يوم عاصف مليء بالزلق الأرضي المتواصل، فتعثرت، وسقطت، ثم تعثرت، وتمرغلت في تراب الأرض, حتى كادت ان تموت.. ثمّ نهضت، أخيرا، بعد أن تلوثت بطين الأرض كلّه, حتى أصبح لونها ترابيا تماما. فلم تزدد إلا عنادا على المواصلة. شلتاغة. تلك. وحدها. قصة.
كانت تؤكد بانها نزلت إلى الارض من أجلنا فقط. حضرت ألينا من غياهب بعيدة دون ان تملّ من بكائنا الليلي والنهاري نحن المتصارخين طوال الوقت. في البداية, فرحت بنا وأسكنتنا مستنقعات بردي رطب وموحش, في الهور العميق، وغطّتنا بالتبن وأوراق الشجر كي لا تكتشفنا الحيوانات الضارية بسهولة. ثمّ أوقدت نارا عالية من تبن وعاقول وسعف نخيل متيبّس.
كانت النار أول شيء عرفناه منذ أن آوتنا شلتاغه في تلك البقعة المجهولة. وكانت النار هي الشيء الاول. تعلمنا من النار كلّ شيء، وشلتاغة تراقبها في ليل الشتاء القارص وهي تمد ألسنتها عاليا وسط البرية: نار عاقول متيبس.. كم كان عددنا آنذاك؟ يصعب معرفة ذلك. ومن أي مكان جئنا؟ كان هو السؤال الأصعب.. لكننا حينما بدأت شلتاغة ببناء طوف لنا اكتشفنا قدراتها الحقيقية على الملاط.
قالت لنا بعد أن جمعتنا بالقرب من موقد قديم: انتم أبنائي. وجدتكم . هكذا. تائهون . مطاردون. تكاد الذئاب ان تنهش جلودكم. وعلى طريق ترابي يوصل المدينة بالهور، و في ليال ماطرة غالبا، مليئة بالرعد السماوي الذي يصل ضؤه إلى الأرض بقوة؛ وبعد هبوطي إلى العالم السفلي من العالم العلوي البعيد( الكائنات الكبيرة والمصارعات الخطيرة والدماء السائلة بلا هوادة في كلّ أرجاء الكون وأصوات صراخ الآلهة يملأ الأنحاء كلّها) أنتم لا تفهمون ماذا يعني العالم العلوي، طبعا، مازلتم صغارا؛ ولن تفهموا ذلك أبدا وأنتم كبارا. ستكبرون حتما ويشتدّ عودكم. هذه قضية مفروغ منها. مادمت حية. معكم. ولكن افهموا إني كنت في الأعلى قبل ذلك؛ ولا تخبروا أحدا بما تسمعون من صراخ لأن ذلك يغضبني.
الأعلى سرّ دائما. ياأولادي ويابناتي. أجل. كنتم ترتجفون كعصافير (لحيمية) سقطت من عش توا. والدنيا عجائب وغرائب، يوووه، دائما. العجيب يأتي بالعجيب، والغريب يقود إلى الغريب، فلا تكونوا ممن أعمت عيونهم الدهشة؛ لكني, كنت، أنا، شلتاغه بنت شيحان قد شبعت من العجائب والغرائب في العلو، هناك, حيييييل!، ولذلك لم أجد فيكم ما هو مثير أبدا.أحببتكم. هكذا .لله في الله. من كلّ قلبي. كأن ثمة عقوبة علوية احاطت بي: أن اهبطي ياشلتاغة الآن! فجئت لكم على أية حال.
كنتم في الأصل داخل صندوق (منجّم) كبير يشبه الهودج الاسود، يهتزّ بكم؛ أنا التي أوقفته في لحظة ما من بخت.. بختكم وبختي.. أعرف نفسي: لا بخت لي في العلو. هناك. في الأقل. لكنه الوجع الممزوج بالحنين إلى شيء ما ألعب به؛ اللعب هو السبب الاول في رعايتي لكم. فلعبت بكم. جميعا. كأني لم ألعب منذ دهور.
هوووووو لم يلحظ وجودكم معي أحد ما من الخلق، أجمعين، حتى غادرت بكم إلى بلاد بعيدة في عمق الهور (هور الغموكه) تعرفونه؛ ذلك المكان النائي الذي نشأتم فيه؛ العميق مثل بحر؛ هناك؛ حيث الأخضرار حتى النهاية. طبعا. ربما يتذكّر الكبار منكم ذلك. تعرفون ما كان(لا أحد يعرف شيئا كبيرا هنا مثلي، تذكّروا ذلك جيدا) فأصبحتم أبنائي، جميعا. في لحظة واحدة من بخت.. لا أفرّق بينكم في الشكل إلا بين البنين والبنات.
كنتم بلون اخضر واحد، في البداية، حتى تحولتم إلى ترابيين. يووووه بلون تراب رطب. أنا لم أتصور أن يكون هذا اللون لوني أيضا، حتى أخبرتموني أنتم بذلك؛ فاعلموا حجم ما أنا عليه من تضحية لأجلكم: أنا العجوز التي لم أنجب أحدا من الخلق يوما.. ولم يسمع عني قط أن اقترنت بذكر.. أصبحت أماً لكم بغتة، وفي وهدة من الزمن عجيبة. ما هذه الرائحة هل بلتم جميعا من جديد؟
لم يكن قدرا بالنسبة لي. وما هو بخيار قط. الأقدار كلّها، أعرفها، وتعرفني. منذ البدء. الخيارات خياراتي دائما. ولا تسألوني ما القدر؟ فلم يشر عليّ أحد من السماويين أو الأرضيين ممن اعرفهم، أو ممن لا أعرفهم: أن أفعل ذلك؛ أبدا؛ وما هو بمغامرة مني. وما هو برغبة عارمة بعد مائة عام من العنوسة. كانت حالة ما تشبه اللعب أيضا إلى حدّ بعيد؛ لكنه لعب كبار.
انتم لا تفهمون ذلك في هذه السن، وأشك ان تفهموا شيئا وأنتم كبارا أيضا. هذا أفضل بالنسبة لي ولكم. كثرة الأسئلة مضيعة للوقت. فلست عجوزا تماما كما تتصورون، وقد غادرت اللعب منذ زمن؛ وما زلت ألعب معكم.. (طمّ الخرز) و(عظيم الضائع) و(الصقل واللاق) أليس كذلك؟ فاللعب هو آخر ما تبقّى لي في هذا العالم الأرضي المفروض عليّ منذ ان هبطت ووجدتكم تتصارخون. سرور مفرط وانتم تكسبون خرزي.. هيا لنلعب ما نشاء: هههههه ههههههه هههههه!
في البداية، كانت مجرد لعبة مني: ما أن تحضر بنت صغيرة(كنت بنتا غرّة، وأنا في التسعين! أحمل معي كلّ الأمنيات الحالمات، وكنت قد تعلمت تزيين وجهي بالديرم وتخضيب شعري بالحناء) لعبة مكونة من خيوط ملفوفة على أعواد مثل صلبان خشبية، فألبسها أثوابا من بقايا قماش قديم حيث تشرع بالمناغاة للعب معي. هوووووه!. دنيا. تلك. كانت. أنا جدتكم وأمكم.
يومئذ؛ تتذكرون جاء معنا أطفال آخرون. فبدأ الغناء تارة، والتلولي أخرى ( الأعداء الذين يحرقون الأخضر واليابس بعدي: أراهم يقتلون الجميع من صلبي: يبوووو!) وكنت أغني لأول مرة في حياتي، وأبكي، لأول مرة أيضا؛ فمنذ أن هبطت تعلّمت البكاء عليكم؛ وما بكيت من قبل, ولا سقطت من عيني دمعة واحدة. أبدا. كانت اللعب – وحدها- هي التي تغني معي والدموع منهمرة من عيونها البيض الصغيرة (الجنفاص) التي التصقت على الوجوه الداكنة. أحادثها فتجيب، وأغضب منها فتزعل. ثمّ نتصالح بعد ذلك وسط بحر من دموع.. والدنيا طائرة طائرة لا أحد يوقفها. ولا أحد مثلي.
وقتذاك. يووووه!(جول جول) لا نهاية له. خيط في فراغ دائم ؛ طائر وحيد في فضاء لا نهاية له. ونركض وحدنا، دائما، دون ان يلحظ ذلك احد من الخلق. لا شيء غير أصوات قطا هاربة.
وساعة تنبّهنا كانت أجسادنا عارية، ربنا كما خلقتنا، وقد التصقت على جلودنا دعاميص واشنات وأسماك (ابو دبيلة) ميتة، وبقايا طين القاع. ساعتئذ, كان (هور الغموكه) هو الأب الذي نغوص فيه صيفا وشتاء. أجل. هو الخالق لنا: كما أخبرتنا شلتاغه. و هو كان كلّ ما نعرف.. وكما قالت لنا شلتاغه في أول درس تعلّمناه بالقرب من الموقد الأسود: الهور هو اناء الله في العلى. الربّ العظيم الذي رعانا من المطر والبرد ولهيب الشمس في الصيف ومن الضواري الباحثات عنا. وهذه العصا وحدها هي التي ابقتكم احياء. إياكم أن يترك احد منكم عصاه.
كان كلّ شيء يشبه اخضرارا مطلقا. كان لوننا هو الأخضر حتى الأم شلتاغه التي تحوّلت إلى السواد المائل للتراب كانت في البداية خضراء بوجه متغضّن. نراها ونتذكرها. كنا ندعوها "يما خضيره". نتذكّر كلّ ذلك جميعا في لحظة واحدة. كان الأخضر هو اللون الوحيد الذي حفظنا اسمه منذ البداية. وكنا نحسب بان جميع الألوان قد ولدت منه في لحظة واحدة من التشظي. اخضرار عجيب يحيط بنا من كلّ جانب. لم نصرخ كما يفعل كلّ أطفال العالم. كنا نعوي: ووو وووو وووو. ووو! قالت شلتاغه بعد ذلك: أنها وجدتنا بالقرب من سمكة كبيرة. عودة. تشبه السفينة التي لفظها البحر بعيدا. وكان الناس قد حضروا إلى الميناء حفاة راكضين لرؤية السمكة الحوت.
وما الحوت يا أم؟ سمكة ألم اقل لكم ذلك؟ كثرة الأسئلة يضيع الفهم. دبش. تاملوا . ماهذا؟ لكننا في كلّ يوم تحاصرنا سيول من الأسئلة بلا اجوبة. كان الجواب هو الصراخ؛ لم نصرخ كما يفعل كلّ مواليد الأرض الذين عرفناهم بعد ذلك بعد سنين. والسنون سورة ماء. والله شاهد. نحن نركض على طول الجرف في تلك البرّية. ترمقنا نساء الشرائع(1) والجروف النائيات. كنّ يدعوننا منذ ذلك الوقت أولاد شلتاغه. ولا شيء غير ذلك. وكانت الام شلتاغه توصي بنا في كلّ يوم أن لا نقترب من الشرائع والغرباء والبلامه والصيادين وسورات الهور.
لكننا عندما كبرنا خالفنا تعاليم شلتاغه. وتعرّفنا على الناس سرّا. كانت لهجتنا صعبة في البداية، لكننا تعلّمنا كلّ شيء بسرعة. كما ولدنا من جوف الهور. بسرعة بسرعة. فركضنا كبنات آوى ونحن نتصايح ووو ووو ووووو!عرفت شلتاغه أننا قد خدعناها بعد أن سمعت منا كلمات لم تعلّمنا إياها. ووقفت بعمودها الفقري العنيد، وهزّت راسها بأيماءة غريبة لم نفهمها.. لكنها لم تغضب، وقالت: إنها سنّة الحياة ومن يستطيع تغييرها؟ حتى اولئك الذين يسكنون في العلى فشلوا في إيقاف ذلك. يللا!. ولم نعرف قط: ماذا تعني تلك السنّة إلى يومنا هذا. كما أننا لم نسألها.
كم كان عددنا وقت تعلمنا كلمات (الغربه) يصعب علينا أن نحدد ذلك بالضبط. وحتى الأم شلتاغه تخطأ في الحساب مثلنا؛ هي تبكي عند كلّ حادثة، تنوح بعد كلّ موقف لغياب أحدنا. كان الغياب هو كلّ مايقضّ مضجعها. تجلس في الليل وتتذكر اولئك الغائبين يمآآآآآآآآآآآآآآآ! يا الاولاد يمآآآآآآآآآ!! وكنا نرتب السنين حسب الغياب الذي يظهر بيننا: هذا عام أسعيد( مات أسعيد الاسود في حادث غرق) وقبل ذلك سنة الولدين الذين كان رأساهما ملتصقين وماتا عند اول رؤية للقمر. أجل. كان الغياب كلّ ما يخيفنا، ويخيف الام شلتاغه أيضا. ولم نكن نعرف بان شلتاغه تخاف الغياب أيضا إلا في وقت متأخر. بيد أن من بقي منا هم ثلاثة فقط: أنا، ووبريه، وجنجون الصغير. يمكننا أن نذكر الآن كريم الذي افترسه الذئب. وناجي الذي غرق في سورة ماء. وفطيم التي اختفت عنا دون أن نعرف السبب. ليلتئذ بحثنا عنها في كلّ أنحاء الهور بلا جدوى. لم يتبق من كلّ تلك الاعداد إلا نحن الثلاثة.
لا شيء دائما غير أصوات القطا المتقافزة. ونحن نتقافز وجلين، و شلتاغه ترقبنا بعين حانية. هطل المطر على الهور كلّه فاهتزت الأرض و أينعت باخضرار جديد لشتاء آخر. مطر مطر حلبي، عبّر بنات الجلبي.. كانت الأصوات تردد من بعيد.. ورأينا لأول مرة ثلاث بنات نظيفات يلبسن أثوابا هفهافة ويعقصن شعورهن بأشياء براقة لم نر مثلها أبدا. ربما هبطن من السماء أيضا؛ لكن شلتاغه قالت إنهن أرضيات.. وفي عربة بأربعة خيول تسير بتؤدة، وحوذي يضع على رأسه شيئا اسود دائريا غريبا لم نر مثله من قبل .. شارباه أبيضان كثان كبيران. كنّ يرمقننا من خلال الشبّاك المذهّب ويلوحن لنا بأيديهن المزدانة بالأساور الذهبية.
قالت وبرية: ما هذا؟!
وقال جنجون: ربما هو من السماء!
- هل هم مثلنا؟ لنسأل الأم شلتاغه فورا.
وحالما اختفت العربة ركضنا وسألنا الأم شلتاغه عما رأينا من عجب وسط الاخضرار اللامتناهي، فقالت:
- لا تقتربوا من تلك العربة أبدا!
- وما هذا الشيء الذي يضعه السائق على رأسه يا أم؟
- (شفقه)(2).
- وما (الشفقه)؟
- حتى أنا لا أعرف ماهي..
ولم نسأل عن السبب في أوامر ابتعادنا، فقد تعلمنا أن نطيع شلتاغه في كلّ شيء. كانت آخر مرة رأيناها، نحن الثلاثة، قبل هطول المطر الكبيروالفيضان. لم تخبرنا أين ذهبت؟ ولم كان ذلك الغياب المفاجئ؟ ربما اختفت عنا بعد أن ماتت العنزة. لكننا لم نعد نشرب الحليب بعد أن تعلّمنا صيد السمك. كانت وبريه هي الوحيدة التي شاهدتها تعود إلى السماء وقد انتفخ ثوبها الأسود مثل (بقجة)(3) كبيرة وهي ترتفع وترتفع، ووبريه تصرخ:عودي عودي! وأنا اصرخ من بعيد: شلتاغه شلتاغه شلتاغه!. لم نصدق وبريه لأنها طالما ترى أشياء كبيرة وعجيبة. لكنه الخبر الوحيد الذي بقي لدينا من ذلك الزمن. وبكينا خوفا من (العالم) الآتي لأول مرة.
ولم نكن قد جربنا الدموع من قبل.

-2-
هتف الشيخ البلام وسط أصحابه وهو ينفث دخان سيكارته:
- كم هو عدد أبناء شلتاغه الآن؟
- كانوا في البداية سبعة.
- بل ثمانية
- بل تسعة
- أنا عددتهم أثنا عشر ولدا وبنتا.
- لا لا. اكثر.
- ربما كانوا خمسة قبل أن تأخذ سورة الماء أحدهم.
- والذئب؟ هل نسيتم الذئب؟ كم طفلا نهشه؟
- من الصعب أن نعرف عددهم إلا من العجوز نفسها.
- حتى العجوز لا تعرف كم هم الآن.. صدقوني.
- لكن العجوز غابت هذه الايام, ولا أحد يعرف من اين جاءت بكلّ أولئك الصبيان والبنات؟
- ماتت؟
- ربما.
- هذه عجوز لا تسري عليها السنن.
- جنية؟
- اختفت تماما.
- عمي طارت! أنا رأيتها بكلتي عيني هاتين اللتين سيأكلهما الدود: أرتفعت إلى السماء على سعفة نخل خضراء.
- شنووو؟
- طارت طارت!
- والأولاد؟
- في كوخهم.
- هل نذهب لإحضارهم؟
- لا لا لا!
- يا معود من يعرف ماذا سيحلّ بنا بعد ذلك.
- ما الذي سيحلّ بنا؟ ها؟
- ماذا نفعل إذا؟
- من قال ان أولاد شلتاغة من الأنس؟
- لندع كلّ شيء كما هو..
- كيف؟
- وما شأننا وأولاد شلتاغه الغرباء؟
- عووووفووووهم!
صاح البلام. فسكت الجميع.
-3-

لحظة سرنا على اليابسة لم تتعثر خطواتنا. رمقنا السماء بنظرة ملؤها الحنين. أين أنت يا أم الآن؟ لم نكن ثلاثة فقد التحق بنا آخرون ليس لشلتاغه علاقة بهم.. حيرة اخرى. عربة بنات الجلبي تسير بالقرب من كوخ شلتاغه. نرى الملابس الجديدة وأحذية البنات المذهبة لأول مرة وهنّ يهبطن الواحدة تلو الاخرى. كانت الدشاديش بالنسبة لنا حلما بعيد المنال. لنشاهد الآن رومي الأسود السامق الذي التحق بنا مؤخرا: كان يسير أمامنا وهو يلهج بصوت يشبه النواح: يييآآآآآآآآ شششششششللللللللللللللللتاغغغغغغغغغغغغ! وكانت الام في السماء بالنسبة لنا جميعا رؤية حتى لأولئك الذين لم تحتضنهم يوما. البنات يلعبن بالقرب منا، والحوذي يراقبهن باهتمام. وما ان حاول رومي ان يمسك بإحداهن حتى صرخ الحوذي وووووولللك! وغادر الجميع على عجل. ازداد عددنا اكثر فاكثر، فأعلن أهل الهور: أن لا مكان لأولئك "النغول"(4) من سارقي الدجاج والبيض وصغار الخرفان أحيانا بين الناس.
إنهم أخافوا بنات الجلبي أيضا.
هكذا كانت الطلقات تأتي من كلّ صوب،
والكوخ مالتنا قد التهمته النيران، والصراخ ملأ المكان بالقرب من (شريعة الصابئة) حيث حدثت المذبحة..
كانت الام شلتاغه ترقب كلّ شيء من عل..
ــــــــــــــــــ
الشرائع: أماكن للغسيل.
شفقة: غطاء للرأس.
بقجة: صرة للملابس
نغول: لقطاء






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,518,070,758
- من أين تبدأ الديمقراطية؟ قراءة في تجربة حزب الوفد المصري
- حسن العلوي : الحصان الشيخ الراكض
- الأرجواني المزرق
- درس علي شريعتي/ مفكر الثورة الإيرانية
- (الدريع)(*)
- (لم يعد الصمت ممكنا) إجابات سريعة في اليسار العراقي الجبان
- بخفة الورقة او أقل
- سعال ديكي
- سعادة الله
- الماركسية الجديدة في المواجهة
- المثقفون والازمات الكبرى
- (القبيس)
- تفيس أبو خنه
- فساء ابن آوى
- تعليب اوثان يهوه
- كردوالة كاظم الاحمدي
- لوردات زمان ولوردات الآن
- تلال القادم/ رواية فانتازيا/ الفصل الثامنوالأخير:
- تلال القادم/ رواية فانتازيا/ الفصل السابع:الخروج
- مبولة محمود درويش


المزيد.....


- هل رأيتِ موت ظلي – 2 - / غريب عسقلاني
- فضاء الابداع للسينما والمسرح بفاس النشأة والتطور / عزيز باكوش
- قصائد - 35 - / سالم الياس مدالو
- أ ُريد حسابي هنا الآن / عبدالله الداخل
- الله في العراق, رب الاغنياء فقط/ كلمات مبعثرة / المراقب العراقي
- شهيدة الصليب المعقوف / محسن ظافرغريب
- فى سكة زمان راجعين / أمجد المصرى
- الأيام الثقافية العربية بالنمسا / حميد لشهب
- اجلسي قرب النهار / أسرار الجراح
- اللحظة الأخيرة / نورس محمد قدور


المزيد.....

- بعد جلالة الملك وأمير قطر: ملك السعودية يلتقي بان كي مون
- السيسي في خطاب 23 يوليوز: قوى تحاول إسقاط الدولة في مصر
- باريس تصرخ : إسرائيل قاتلة !
- مشعل: حماس مستعدة للهدنة بهذا الشرط
- بيانو من فيلم -الدار البيضاء- يباع في المزاد العلني
- والفلسطيني إذ يشهد.. القضية في ضمير الثقافة المصرية
- كواليس 5 أيام لتوم هانكس في مياه الغردقة
- اليوم .. فيلم "Transformermers..Age Of Extionction" في دور ا ...
- أحمد الخميسي: مجانية التعليم كانت الخطوة الثقافية الحاسمة لث ...
- عز الدين نجيب: ثورة يوليو أسست للثقافة المصرية الحديثة


المزيد.....

- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر
- زجاجتان في خاصِرة القلب / ايفان الدراجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الأسدي - رائحة بول غريب