أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال المظفر - أقنعة اللذة في النص الشعري الأنثوي















المزيد.....


أقنعة اللذة في النص الشعري الأنثوي


جمال المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 3011 - 2010 / 5 / 21 - 22:55
المحور: الادب والفن
    


قراءة في مجموعة ( ولااشهى ) لهيلدا اسماعيل


برغبة لاتقاوم اخذني العنوان الباذخ الى متون مجموعة الشاعرة السعودية هيلدا اسماعيل ( ولااشهى ) هذه المجموعة التي استوقفتني كثيرا ، بجرأتها ولغتها الصادمة والصور الشعرية الملغزة التي تحيل المفردات الى مشاهد فلمية ، لم اكن اقرأ قصائد اوفلاشات سريعة وانما سيناريو متكامل لسيرة فتاة شرقية وبمختلف المستويات ، المتعلمة وغير المتعلمة ، الريفية والمدنية ، صراع الانثى مع العادات والتقاليد ، حينما ترتفع الجدران المتمثلة بهذه المسميات وتصبح اعلى من رغبات الانثى ، فرغم احكام السيطرة المجتمعية والعشائرية والدينية على الانثى الشرقية الا انها تنزلق مع نفسها وتصنع في مخيلتها الشخصية الذكورية ، صناعة الحبيب في الخيال الواعي ويكون التمني هو لغة الخطاب الداخلي الانثوي ، وعناصر الاثارة هي النتاج الخارجي للمخيال الداخلي …
بامكان الانثى الشرقية ان تمارس الجنس او تلتقي بالاخر في خلوتها بعيدا عن الرقابة الاسرية والاجتماعية وقد تصل الى قمة اللذة دون ان تمتد اليها عيون العشيرة عبر خرم الباب ، ماتصنعه المخيلة لاتراه العين ..
مجموعة ولا اشهى التي تشتمل على ( 35 ) قصيدة هي سيناريو واحد اعتمدت فيه الشاعرة المونتاج الشعري ، اي التقطيع اللغوي المعادل للتقطيع الصوري واختيار الاصلح من لغة وصور باذخة .. توقفت امام مجموعتها لاكثر من مرة ، هل توازي الكتابة النقدية النص الشعري وهل بامكاني ان اعطي النصوص حقها رغم فكي لالغاز نصوصها وماهيتها ..
شاعرة ذكية ، ماهرة في صناعة النص / الصورة ، حريفة في اختيار المفردات ، لغتها مكثفة جدا ، بامكانها ان توصل الصورة عبر مجموعة مفردات قد يستغرق غيرها اضعاف ماكتبته من ابيات من اجل ايصال نفس الرسالة البرقية / الصورة …
تتقن فن الغواية وتستدرج القارئ / المتلقي الى منطقة اشتغالها ، فنانة تلتقط صورها الشعرية كما تقتنص الصورة الفوتوغرافية ، البعد البؤري لعدستها اللاقطة ( الشعورية ) اعمق وادق من البعد البؤري للكاميرا الفوتوغرافية ، تختزل في نصها الشعري سيرة حياة كاملة ، بل تاريخ المجتمع الشرقي بعاداته وتقاليده والنظرة البدوية للمرأة / الانثى على انها مطيٍَة الرجل …
تبدأ الشاعرة مجموعتها بعنوان يضم تحت متنه ثلاثة نصوص وهوعنوان يشي بالكثير ( سيئة الصنع … ربما ) اختيار ذكي للعنوان ، ليس وصفا لذاتها وانما الرؤية القبلية الضيقة للمرأة في المجتمعات الشرقية ، هذا العنوان المثير الذي لايقل اثارة عن عنوان المجموعة ( ولا اشهى ) والذي يحمل تحت يافطته ثلاثة عناوين فرعية ( فوق السطح – قصيرة ايضا – فجرا ) وهي وصف تعبيري لمرحلة الطفولة وتداعياتها :
رحيم جدا هذا الـ ( ابي ) ..!!
على ابن الجيران
كثيرا
مايخشى
كلما رآه فوق السطح…
لطمني..!!
أية لغة باذخة تلك واية جرأة ، وصف دقيق للكبت الجنسي الذي تعانيه المرأة العربية ، السطح غواية بالنسبة للاهل ، يعرفون ان الخلوة تصنع الاشياء وتنتج الصور الايحائية ، وقد يترنح الشيطان هناك ، لفظة السطح في المجتمعات الشرقية تعني الكثير ، ابن الجيران والبنت اللعوب …
هناك نص وقفت عنده طويلا ، اغواني كقارئ وككاتب ، اي شاعرة شرقية يمكن ان تكتب بهذه اللغة دون ان تتعرض للنقد أو تكنى بالعهر الثقافي كونها تحاول ايقاظ غرائز بنات جلدتها واغوائهن الى مايرونه ( رذيلة ) حتى لو كانت لغة ومجازات لاأفعالا …. ففي نص ( قصيرة جدا ) لم اجد غير صورة عميقة وايجاز او بالاحرى تكثيف للذات الانثوية والكبت الجنسي الذي يقف عائقا امام طموحات الانثى ، لغة الجسد الذي يتكلم سلوكيا بلغة سيميائية صامتة تعبر عن ضمير الاخرين ( الانا – الـ هو ) و ( الانا – الـ هي ) و ( الانا – الـ نحن ) … كل هذه الرمزيات تتحدث من خلال ذات الشاعرة .. ولااعتقد ان الاديبات الغربيات يكتبن بتلك اللغة لان الجنس لايشكل هما يضاف الى الهموم الاخرى :
على المارة ..
انثر بسكويتي
امد لساني
العق دبقي
انتظر ابن الجيران…
” هييييييه … انت
بالسطح لااحد
اص ….. اصـ
اصعد ..)
اصعد هنا حالة تمني لا أمر ، تحاول الانثى الوصول الى اللذة الكبرى عبر استدعاء الاخر الى مخدعها ذهنيا ، فعل انثوي مؤثر للوصول الى نهاية الفعل ، هي قمة اللذة وربما نهايتها ، حالة التهيج التي تصل اليها الانثى المحرومة ، لغة باذخة صادمة مؤثرة عميقة غير مبتذلة ، الانثى المستحضرة هنا هي الفاعل والمفعول به .. ملاقحة ذهنية مابين الواقعي بحضوره الفيزيقي وبين المتخيل الذي يحمل صفة الـ ( هو ) الحاضر ذهنيا الغائب كاستحضار مكاني واقعي …
هذا النص ترجم بشكل دقيق الداخلي الانثوي / الحلم / التطلع / السطح الذي يمثل طموح الانثى لرؤية ابن الجيران ، فدائما ماتبدأ العلاقات العاطفية في المجتمعات الشرقية من السطح ، لانه المكان الذي يمكن ان تجد فيه الانثى ذريعة لاي فعل فردي لااجتماعي ، كنشر الغسيل او اطعام الدجاج ، المكان الذي لايمكن للاخرين ان تصل اليه عيونهم ، الا الصدف وحدها تقود اقدام احد افراد الاسرة كان يكون الاب او الاخ او ابن العم ..
نصوصها اقرب الى القص القصير جدا ، سرد خال من الاسفاف والترهل ، تشعر كأنها تتحدث برشاقة دون تكلف او تصنع لكنها تقرب الصور اكثر الى ذهنية المتلقي ..
مخيلة —— صورة شعرية ——— ( صورة بصرية حسية )
بعد بؤري شعوري —— لغة شعرية ——– بعد بؤري ( فوتوغرافي )
انزلاق النسوة ليس في ممارسة الجنس مع الاخر ، وانما عبر التخيل ، الوصول الى اللذة عبر الخيال الواعي او ان يكون الاصبع عنصرا مؤثرا في اثارة شهية الانثى ، انزلاق النسوة تعبير لغوي غاية في الوضوح لما تحمله مجموعة هيلدا اسماعيل .
هناك حالتان لاثارة الانثى وهما الشعور واللاشعور ، الخيال الواعي واللاواعي ، الاول عبر صناعة الحبيب وبالمواصفات التي تتمناها الانثى كأن يكون فنانا او اديبا او طالبا في مدرسة مجاورة يمكن ان تستدعيه الى مخدعها عبر مخيلتها ، اما الحالة الثانية فهي الحالة الحلمية وتكون عملية تفريغ الشحنات عبر الاحلام وهي حالة موجودة في كلا الجنسين ، وفي هذه الحالة لاتستحضر المخيلة الشخصية الاخرى بنفس المواصفات ولكنها تكون انعكاسات لحالات حياتية وروحانية سابقة ، ودائما ماتكون الحالات الحلمية ممتعة للغاية بعيدا عن اعين الرقابة الاجتماعية او هراوة العشيرة والسلطة الدينية …
الحالات الحلمية ( الشعورية واللاشعورية ) اكبر تحد للاعراف والتقاليد وللسلطة الدينية وهي تمرد على الواقع وقوانينه الوضعية والكونية ، فلو احتجزت امرأة في غرفة محاطة باربعة جدران لاكتشاف علاقة لها مع ابن الجيران او اي شاب اخر فبامكانها ان تنزلق مع ذاتها في تجارب وممارسات تعجز اللواقط الاجتماعية عن تتبع اثارها :
انا ايضا … اخشى على ابن الجيران
من المحطة ذاتها
والعجوز ابيه..
هيا …. اص
اصـ
اصعد ”
بالداخل عيد
فتات بسكويت
طفلة ملونة
احلام نحوكها
وغيمة شاااااغرة …
خشية الشاعرة على ابن الجيران من الانزلاق ذاته ، قد لايكون معها ربما مع فتاة اخرى في الخيال الواعي ، فتاة البسكويت هي الفتاة الهشة التي يمكن ان تتفتت في اية لحظة ، كما انها تشير الى الحالة الحلمية بـ ( احلام نحوكها ) كتصوير جميل ، الحياكة يعني صناعة وفق المقاسات ..:
“لايمنعون عني الحب
هم ..
ينسون منحي اياه
ينسونني …
وقبل الساعة العاشـ ( ق ) ـة …
احتضر ..”
في عنوان اخر ( انصاص ) والذي يحمل في طياته معان ذات دلالات عميقة غير مباشرة للتداعيات العاطفية والجنسية والتي توصل الى عمق الشاعرة / الانثى ( مقشرة ، ان اتأجل ، نلتقي ، نتجاسد ، لن اصعد ) حالات مثيرة تحوي في طياتها الكثير من المعاني والدلالات والصور الشعرية ، مقشرة اي متعرية عالاخر ، ليس بمعنى التعري الجسدي وانما التعري الفكري والذهني وشحذ المخيلة نحو اللذة الكبرى ، و( لن اتأجل ) تكمل المعنى الاول اي ليس هناك وقت للتأجيل فالشهوة في اعلى مراحلها ، و( نلتقي ) تتفاعل مع ( نتجاسد ) والاخيرة تحمل عنوان مجموعة شعرية لوحدها ، التجاسد هو المضاجعة والشهوة واللذة والرعشة واشياء اخرى تصنعها اللحظات :
عند التعب..
نصف يترهل
يداعب خشب العكاز
نصف يداعب
( سرة ) ضامرة
ودمية من خزف
ارضعتها…
العكاز في اللغة الشعرية يحمل اكثر من دلالة ، يحمل المجاز اللغوي للذكورية ، عكازك اي عنصر فحولتك ، انها مراوغة شعرية ذكية ، والدمية هي الصناعة المخيالية للشخصية الاخرى التي تبادلها نفس المشاعر والتي تصل الى مرحلة الرضاعة الفموية ، صور زاخرة بالمعاني التأويلية والتي تتحمل اكثر من تصوير ..
نصوص هيلدا اسماعيل حلمية نابعة من مخيلة متقدة ، لم تقمعها المنظومة الاجتماعية او الدينية ، تقف بالضد من كل تلك التابوات ، الحلم اكبر ثورة ضد الطغيان والاستبداد الفكري والجسدي والجنسي ، لم تنفع عمليات ختان الاناث من قمع الشهوة الجنسية ولم تنفع الاعراف ولاالرقابة من متابعة وقع ارجلهن في مناطق اللذة ، فلو عرفت هذه المنظومات اثر الحلم والمخيال الشعوري في انزلاق الانثى لفعلوا مافعلوا من اجل عدم انزلاقهن في اللذة والوصول الى الشهوة الكبرى :
قبلة الا ( نصف )
وبعدها
يشطف فمه
شفتانا متوازيتان
ابدا….
لن تلتقيا ..
عنونة المجموعة بـ ( ولا اشهى ) مناورة ذكية ومثيرة للغاية ، التشهي ليس كما التمني ، ليس كل مايتمناه المرء يدركه ولكن مايشتهيه يمكن ان يصل اليه بالعقل الواعي ( الشعور ) وهي الصناعة الحرفية للصورة / النص ..
نصوص هيلدا اسماعيل تعويضية ، تقابل الحرمان الجنسي بقوة المخيال والوصول الى اللذة الشعرية من خلال تعويم الداخلي ( الخطاب الشعوري ) الى معادل حسي مهيج للوصول الى اللذة السرية بصناعة بطل مخيالي بمواصفات واحتياجات الجسد وضمن شروطها ، قصائدها ذات شفرات داخلية ، ارسال واستلام ، بالضبط كما الاشارات الرادارية ، الفعل يوازي رد الفعل ( الشعوري والحسي ) ، والانفعال هنا ليس لغة خطابية وانما لغة جسدية مشفرة لايحل رموزها الا المستحضر للاخر في المخيال الشعوري ، فالجسد بحد ذاته منظومة ذات سلوكيات فاعلة على مستوى فعلها الايقوني والاشاري والرمزي وماينتج عنها من تعبير وتوصيل صوري تشكل مدركات حسية يقظة …
طقوسها تشبه طقوس الكثيرات من بنات جلدتها ، لكنها تختلف عنهن في جرأة الطرح والكشف عن مكنوناتها عبر النص / الصورة متحدية كل الاعراف والتقاليد صانعة عوالمها التعويضية التي تزيدها نشوة لانها تشعر ان خطابها الجسدي قد فتت المنظومات الرقابية باشكالها المتعددة ، تحرير ذاتها من خلال تحرير نصوصها …
ربما هيلدا اسماعيل تدرك اللعبة جيدا ، الغواية ، غواية الافصاح عن مكنونات الجسد والاشتغال على المنظومة التعويضية كشكل من اشكال التمرد الجسدي وتحرير النص من خلال المخيال الشعري اللاقط لكل الشفرات السرية الاخرى ، المجموعة بكاملها تشكل اعتراف انثوي للوعات الجسد واحتياجه ، رغباته ، اناه وبدرجة عالية من الايحاءات الايروسية :
- هو –
نصفي الحلم
والاخر…
وقت يتكتك باضلاعي
تك … تك … تك
يفسد ترتيب العظام
روزنامتي…
تقف عند البارحة
واجسادنا …
متأخرة تجئ..
يحمل نكهة الانزياح
جسده الذي :
صافحني ومضى ..
لغتها الشعرية صادمة لكنها غير مبتذلة ، مواجهة مع الوضعي والاستلابي للتخلص من عقدة الذنب ( الخطيئة الاولى ) التفاحة وغواية حواء التي ورثتها الاناث منذ ظهور البشرية على هذا الكوكب وحتى يومنا هذا ، لم تكن دناءة الرجل سببا لتلك النظرة الشمولية ..
في المجموعة تتصاعد حدة النصوص ، ابتداءً من المرحلة الطفولية والتي تبدأ عندها مرحلة اكتشاف الذات والتحسس الجسدي مرورا بمرحلة المراهقة وهذه الانتقالة السريعة من النرجسية الى البحث عن الاخر سواء بالاستحضار الواقعي او الحلمي ( الشعوري واللاشعوري ) ، وتلك اللغة الباذخة التي يشي بها احد نصوصها ( في لبي عجوز مؤجلة ) يعكس مدى الجرأة في البوح والتعبير عن الانا المتخيلة ، الانا المستلبة المتوهجة .
الماورائية في لغتها الملغزة عميقة جدا ، تفتح ابوابا عدة للتأويل وبامكان المتلقي الذكي فك مغاليق اللغة عبر شفرات استيعابية للترددات اللغوية التي تشكل بعدا بؤريا منتجا لصورة مضببة بعض الشئ لكن هذه الضبابية تشي بالكثير ، لم تلجأ الى تسمية الاشياء بمسمياتها ، كأماكن الخصوبة ولكنها اشارت لها باشارات رمزية تقترب من القصدية او بالاحرى المراوغة الشعرية …
لغتها الشعرية تعكس الذات الانوية الانفعالية الشهوانية ، وليس شرطا ان تكون الانوية المخيالية هي نفسها الذات السلوكية ، ربما الداخلي لغة سرانية تكشف حجم الرغبة الجسدية المتمثلة في الصناعة المخيالية والتي هي حق شرعي للانثى من وجهة نظرها والتي تعد تمردا على المقدس الديني والدنيوي ، الشاعرة لاتدعو الى الاباحية او اشاعة ثقافة التخيل لدى الاناث وانما تنقل مالاتقدر ان تقوله او تبوح به الكاتبات الشرقيات الاماندر ، لغة هيلدا اسماعيل لغة اللذة الشعرية الكامنة ، الافصاح عن اللغة المتقاربة مابين الجسد والاخر الذي تستحضره ذهنيا ليبادلها نفس درجة الانفعال او بالاحرى مستوى اللذة …
استدعاء الاخر الصانع للذة المقابلة تتجسد في عدة رمزيات او اقنعة خصصتها الشاعرة لتلك اللحظة اللذوية ( اصعد ، لااحد في السطح ، نتجاسد ، جسده الذي صافحني ومضى ، شفتانا متوازيتان لن تلتقيا ابدا ، نصف يداعب خشب العكاز …… الخ ) اقنعة عدة تتخفى خلفها الشاعرة لصناعة لحظة بمستوى الحالة الاستمتاعية التي تصل اليها ، ربما لاتكون الذات هي انا الشاعرة ، ربما الاخر بنفس انا اية انثى شرقية تصل الى اللذة والاشباع عبر استحضار الاخر وبنفس اللغة الرمزية التي استحضرتها الشاعرة :
في العلاقات العاطفية قد يأتي الاخر او قد لايأتي ، للفرصة دور في اقامة علاقة جسدية تطفئ الرغبة ، فالظروف الاجتماعية تتحكم في الاعداد لذلك اللقاء ، لكن في الاستحضار المخيالي يكون استحضار الاخر ممكنا في اية لحظة ، ابتداءً من تحديد المكان والزمان والفعل الاستعدادي والممارسة الطقوسية وبالشروط التي تحددها الانثى لابشروط الاخر ، انها صناعة ضمن احتياجات الجسد الفعلية ، الوصول الى اللذة بكامل شروطها الجسدية والانفعالية …

هناك من يعد الكتابة بشروط الجسد كتابة تعويمية تخلو من اللغة الشعرية المتوهجة بينما الكتابة بهذا التعويم هو مغامرة بحد ذاتها في مجتمع ينظر لكل الرمزيات المخيالية الجسدية على انها دعارة لغوية او ممارسة سلوكية منحرفة ، فالكتابات الذكورية تستقبل على انها نتاجات متحضرة حتى لو كانت في درجة الانحطاط اللغوي بينما تعد الكتابة الانثوية النابعة من مشاعر حقيقية لازيف فيها انحراف عن النمط السائد وتعديا على المقدس الاسطوري والتي هي صناعة براغماتية خالية من اية نظرة وجدانية لتلك الذات المستلبة عبر مشاعات اكل عليها الدهر وشرب ….
هيلدا اسماعيل لاتتعاطى الشعر كنص او كصور ذهنية ، بل كنمط من انماط الحياة يعاش عبر الحواس ، والجسد نافذة للادراك الحسي مع العالم المحيط بها ، الشعر عندها ليس مجرد عاطفة او انفعال وانما صناعة ومهارة في نقل المشاعر بلغة قريبة من الفعل الاستحضاري ، ماتريد قوله انه لاشعر من دون مجازفات واحتدامات ونقطة تصادم مع التقليدي ، القصيدة عندما تكون صادمة ومؤثرة يكون وقعها اكبر وتثير القارئ بينما القصيدة التي لاتحمل سمة المجازفة تعد ميتة ، وان الكتابة بلغة الجسد كتابة غير امنة لانها لغة محرضة ، متمردة غير واعية لما حولها من نظام قائم على سلسلة طويلة من التابوات الاجتماعية والدينية والاعراف والتقاليد ، القصائد الامنة لاتحمل شكل الاثارة ولاتحرض على الاكتشاف والتأويل .. تؤمن بانسنة اللغة لاتجنيسها وتحاول رفع منسوب ادميتها والعلو بها الى مراتب عليا من خلال النص / القصيدة …
( ايحاءات —- رؤى —— لغة جسدية —— صورة توليدية )
الاستحضار غواية ، استحضار الاخر كرمز وكصورة بالمقاييس الادراكية ، قد تلغى فقرة البكورية من النص فلاخوف من انفضاض عقد النص او تركيبته البنيوية ، الولوج الى المتن الشعري لن يفض اي شفرة من الشفرات السرية ، تلك الميزة التي تمنح للانثى تعويض الجماع الجسدي عبر جماع روحي مخيالي لايفسد ترتيب اي جزء من جسدها ابتداءً من البكورية وحتى اتساع رقعة المخيلة …
التحرر الانثوي يبدأ من التحرر الذهني والنصوصي ، تحرير الانثى لمخيلتها والكاتبة لنصوصها من عقدة الرقيب الذاتي والاجتماعي ، الخوف من الكتابة في منطقة الجسد والتجاوز على مايسمى بالخطوط الحمراء التي تفرضها القوانين الوضعية والاجتماعية ، النصوص المتحررة محرضة ترفع من درجة الاشتعال الجسدي ومفتتة في الوقت نفسه لتلك التابوات الرقابية ، التحرر ليس دعوات لنبذ المتوارث او شعارات ترفع عبر يافطات تلغى مع نهاية كل جلسة احتفائية ، وانما اللغة الذاتية المحرضة التي تدفع الى كبح جماح السلطة الدينية والمجتمعية ..
كاتبات كثيرات دعون الى التحرر ولكن نصوصهن مغلقة غير محرضة تقف متفرجة عند الخط الاحمر ، هناك رقيب يمسك بمشرطه عند تخوم المخيلة ، ما ان تولد مفردة محرضة حتى يطالها الرقيب بشفرته السرية :
( وحيدا ..
تداعب ثقبا في الجدار
تتلصص
تتقلب
تتذمر
تنتظر
تتوسل امرأة تدير …
مقبض السماء ..
مغامرة لغوية صادمة مؤثرة ، رمزية عالية ، الحالم يتخيل امرأة وان لم يجدها فيعوض عنها باي ثقب في الجدار ، ربما المخدة تشكل حالة تعويضية عن الانثى ، التوسل لغة العاجز في ايجاد الاخر ، لمن لايقدر على الاستحضار الذهني ، والوصول الى ادارة ( مقبض السماء ) لغة باذخة عالية الرمزية والقصدية وللقارئ ان يتخيل حجم المغامرة اللغوية التي تخوضها هيلدا اسماعيل …
شاعرة محرضة غير منفعلة تكتب نصوصها بهدوء وبانسيابية عالية وكأن القصيدة تتسرب من بين اصابعها دون ان تدري ، ليس هناك تكلف او تصنع او محاولات لفلسفة النص وتشتيت القارئ ، وانما تعمل على الاثارة الهادئة الغير مفتعلة ، تقتنص اللحظات كأي صياد ماهر يستطيع اصطياد الفكرة في فراغ اثيري :
( اندلق على فخذيك
و- بينهما –
لماذا يختبئ قلبك : ..!!
لماذا / لماذا / لماذا /
اهكذا تنزع جسدك / لتراه ..؟
انها يوتوبيا خاصة ، نوع من التفكير الذهني تقدم فيه رؤية رغبوية لفعل آني سراني يدفع نحو اللذة الكبرى كما تريده هي ، ضمن اشتهاء الجسد واشتراطاته ، دون التقيد بخصوصيات الزمان والمكان او التابوات الافتراضية ، انها الكينونة السرية ، الشفرة التي يستحيل على اي منظومة ان تلامس احداثها او تقتنص بعضا من سرانيتها ، تماما كما الحلم اللاشعوري ، مرور خاطف لذيذ يأخذ الحالم الى عوالم من اللذة الاستمتاعية باستلال ذاتي ، اي ان ( الحالمة ) لو كانت بين ذويها لما تمكنوا من الدخول على الخط لالتقاط اللحظة / اللذة الحلمية …
هيلدا اسماعيل شاعرة مغامرة ، تضع قدميها في المناطق الخطرة ، تلاقح بين الواقعي والخيالي ، تجمع ضمير الـ ( نحن ) في سيناريو واحد يعبر عن رمزيات الـ ( انا – هي – نحن ) ، كل تلك المسميات ذاتيات مستلبة تشعر بالنكوصية الذاتية في المجتمعات الشرقية ثنائية الاقطاب التي تقلل من شأن الجسد واشتغالاته واحتياجاته ….
الشاعرة تجيد اللعب في المساحات البيضاء ضمن بنية النص ، لها رؤية في ترك المساحات غير مستغلة لغويا ، لكنها منطقة تأمل واستدراك ، كما انها تجيد التقطيع الصوتي ( الفونولوجي ) تعرف اين تقف ومتى تنزل ، واين تضع المفردة ، النقطة لها دالة وكذلك الفارزة ، حريفة وبموهبة تسبق عمرها الزمني ، متمردة على المقدس المكاني ، فكما هو معروف ان الشاعرة سعودية وضمن المنطق المكاني يجب على شاغله ( ذهنيا وجغرافيا ) ان يلتزم باشتراطاته الاجتماعية والدينية واي خروج عن هذه المقدسات يعد خروجا عن المقدس ، بل تمرد … فلذلك تعد الشاعرة هيلدا اسماعيل متمردة على المقدس بكل مسمياته ، الا المقدس الذي تراه هي بالنسبة لذاتها المتحررة ( الجسد ) الذي يعبر عن اناه عبر الحلم والمخيال :
صباحا …
تغمسني باصبع kitkat
ترشفني
وامعن في الخدر
باشيائك تعبث
تلهو
تتأوه
ترتطم بي
وبرفق
تخونك رغوتي ..
الفعل الجنسي السريري يحتاج الى عنصرين ، ذكوري وانثوي ، اما الصناعة المخيالية الشعورية فلاتحتاج الا الى فكرة واستحضار روحاني شهواني لاخر يقطن في مؤخرة الدماغ .. لاتحتاج الى سرير وانما الى فضاء اثيري للممارسة الشهوانية المفتوحة والمقترحة من قبل الشاعرة / الانثى ، انها تكتب لامتاع ذاتها وايجاد لغة مشتركة مع القارئ / المتلقي ليبادلها نفس الشعور باللذة وتبني فك الشفرات السريرية المخيالية ، والمخيال الجنسي يوصل الى الاستمناء الذهني الذي يعكس فعل سلوكي غرائزي يستلب كل المقدسات التي تقف بالضد من طموحات ورغبات الانثى :
ومن عاداتك ..
باكرا يحين وجعك
وبلا امرأة ….
تراود الثقوب ..!!
هيلدا اسماعيل منجزة حفريات عميقة في الانا الانثوية ، تغور في الممنوع ، تؤرخ جغرافية الجسد الانثوي الشرقي ، الجغرافية المبهمة المدفونة تحت سلسلة من التابوات المتوارثة ، التضاريس المموهة التي تختفي خلف علامات وفوارز واسئلة واستفهامات عدة ، مافائدة جسد من دون لذة ومافائدة انزلاق جسدي من دون مخيال ، رغم ان المخيال لايوصل الى اللذة الحقيقية في التجاسد كتواصل جسدي شهواني.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,605,287
- شخبط شخابيط ... لخبط لخابيط
- رئاسة الوزراء وصراع الاشاوس
- اكذب مين ... واصدق مين
- بلادي ... سيري وعين الله ترعاك
- عبدالله ..لايخشى عباد الله !!
- دماء الشعب لاتعوض بنكتة سياسيه
- انسى العالم كله
- تشكيل ام ترقيع الحكومة
- دولة المؤسسات ام دكاكين الاحزاب
- التلويح بالملف الامني
- عراقيوود ... بدون خدع سينمائية ..!!
- افرازات الانتخابات
- العبوا بعيدا عن مقدرات الشعب
- اين كانت برامجكم الشعاراتية ؟
- عرس ام معركة انتخابيه
- حملة كبرى للوعود لاللبناء والاعمار
- شقاوات السياسة ... واللعب بالنار
- باسم الله ... شرعنوا الحواسم
- الصراع السياسي الى اين
- عندما يحترم المسؤول شعبه


المزيد.....




- فنزويلا ترغب في إرساء علاقات تعاون مع المغرب
- -صلاح الدين دميرتاش-مرشح لنيل جائزة نوبل للسلام
- ما العلاقة بين أفلام العنف والسمنة؟
- -ذا روك- يعلن عن بدء تصوير الجزء الثالث من -Jumanji- (صورة) ...
- السينما الروسية تحقق إيرادات قياسية للسنة الرابعة على التوال ...
- أفلام عربية في الصالات الفرنسية هذا الأسبوع
- بالصور.. ساجد ينصب خديجة بن الشويخ عاملا على عمالة مقاطعة ال ...
- بعد إهمال طويل.. الحياة تدب في مسرح سيرفانتس بطنجة
- حقائب مصرية مستوحاة من التراث الإسلامي تحملها فنانات هوليود ...
- لوحة -المسيح المخلص- الأغلى في العالم -مختفية ومزيفة-!


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال المظفر - أقنعة اللذة في النص الشعري الأنثوي