أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سوادي العتابي - تأملات في ديوان تراتيل انثى - دراسة نقدية شاملة















المزيد.....



تأملات في ديوان تراتيل انثى - دراسة نقدية شاملة


محمد سوادي العتابي

الحوار المتمدن-العدد: 2997 - 2010 / 5 / 6 - 03:19
المحور: الادب والفن
    


مقدمة

لا نجد اليوم شاعرا يستطيع ان يلم بالمعنى والمضمون بشكل متناسق الا القليل النادر فعندما اتجهت انظار الشعراء الى شعر التفعيلة ثم من بعده الى الشعر الحر لم يكن همهم الا التعبير عما يجول في خاطرهم من افكار لا يستطيع شعر الشطرين ان يوفي حقها وذلك نابع من تطور الفكر البشري ومطالبته بمساحة من طرح افكاره في فضاء مفتوح خال من القيود ومن بين تلك القيود التي راها الشعراء هو ما يمس الوزن المقيد بعروض وضرب ومن ثم القافية التي يصفها بعض الكتاب بالجرس الذي يجب على الشاعر الا يتركه بل عليه ان ياتي بمثله من حيث الروي .
ودار الصراع بين المحافظين والمجددين وما كان الا ان اوهم بعض الشعراء انفسهم فاطلقوا على انفسهم هذا اللقب وما هم من الشعر بل ولا يعرفهم الشعر اذ لم يفرقوا بين الهذيان والشعر .

ولم يستوعبو الشعر كشعر فضاعت كتاباتهم بين كلام خال من اي معنى ومن اي مضمون بل ارادوا ان يحاكوا المدارس التشكيلية في شعرهم وتناسوا ان الرسم ليس شعرا وان الشعر ليس رسما بل ان الرسام شاعر طبيعي والشاعر رسام صوري وفرق بين المعنيين ، فلم يكتف البعض بنقد الشعر الشطري بل تجاوزوا عليه وبدل ان يصونوا انفسهم عن اللغط تاهوا في الشعر الحر الذي قوامه الفكر وسرحوا يشوهون هذا الفن الجميل باقلامهم الرخيصة .

ان الشعر الحر يعطي للخيال مساحة حرة مع انه لا يخلو من ايقاع داخلي يشد المنصت اليه اضافة الى لمسات من القافية تعطيه رونقا ويبقى محوره في ربط الشكل بالمعنى وبذلك يكون الشاعر هو الذي يحدد مكانه في وسط الملايين ادعياء الشعر بل وبكل فخر اجد ان عراقية من وطني ونسمة من نسمات دجلة تطل من هذا الزخم الهائل لتجعل من نفسها علما في الشعر الحر حيث لم يطغى عليها المضمون شكلا ولا استعصى عليها المعنى فاجادت بكل ما للاجادة من معنى في تراتيلها الانثوية واعطتنا النموذج الواعد لشعر حر بلا تزييف للمعاني ولا خلط في الاشكال ولا هلوسة في الافكار بل جاء شعرها مزينا بالمعاني مرفودا بالشكل يسمو به الفكر الى عالم ، صنعته شاعرتنا ( فاطمة الفلاحي ) ، عالم تجد فيه عواطفا صادقة ورؤيا حيرى وخيال محلق بين ذكريات واهات سعادة ممزوجة بالم الشاعر الخلاق الذي يمد للكون جسرا ليعبر عليه ، ويصوغ سوارا فضيا معه مفتاح الحرية .

نعم انها تراتيل انثى واستميحها عذرا واي انثى تحمل هذه العواطف ، وتستطيع ان تمزجها في قوالب ادبية لا يقترب من نيرانها الا اخلاء الشعر فبين المذهب الطبيعي تتنفس ومن ذلك المذهب السريالي تتلفظ ومن الوجودية ترى ذلك العالم باحلامه والامه ومحبته ومن ذلك المذهب التعبيري تتقمص تلك الامثلة الجامحة واما عن يراعها فهو يجسد الرومانتيكية ويبحر بها بعيدا في احضان بلد الاغريق فتبدع في وحدة الموضوع ووحدة الزمن ووحدة المكان .

هي تراتيل انثى سافرت عبر الزمن لتضع رحالها هنا حيث انا جالس اطالعها واتامل فيها واسافر معها الى حيث تريد فاطمة الفلاحي متوخيا الحذر من معانيها مخافة ان اخطئ او ان اتجرأ او ان احول بين المعنى وتفسيره بل عل خيالي الجامح يجعلني وسط هذه التراتيل فلا اعرف كيف افك رموزها .
1. المزج اللغوي وسيلة لقولبة المعاني في تراتيل انثى

إن اللغة التي استخدمتها الشاعرة هي نوع من المزج اللغوي الشكلي استخدمته أفضل استخدام لتوظيفه بالجمع بين عدد من المعاني ولولا هذا المزج في الشكل لما استطاعت الشاعرة إيصال المعنى إلى المتلقي ، وهذا المزج الفريد من نوعه قد تكرر كثيرا ، وهو دال على دقة في الاختيار عند التوقف عند حدث ما ومحاولة إثراءه من خلال معناه بهذه الطريقة ، وقد تجاوزت كرة شاعرتنا حدود اللغة التي عجزت – عكس ما يقول حافظ إبراهيم – عن توضيح المعنى والفكرة المعمقة ، لو استخدمت بالشكل التقليدي ...
إن هذا المزج اللغوي يدل على إن فاطمة الفلاحي شاعرة بالفطرة إذ أنها استطاعت إن توازن بين الشكل ومعناها الذي تتوخاه مهما كان هذا المعنى عميقا ، وهو دليل على مقدرتها كشاعرة تتلاعب بالحروف والكلمات كيفما تشاء كما هو حال خيالها المحلق .

واليكم بعض المقاطع التي استخدمت فيه شاعرتنا هذا المزج اللغوي :

* في قصيدة : ( يمارسني الصحو ) .... تقول شاعرتنا
يمارسني الهم مطرا
أضافت الشاعرة ياء المخاطبة إلى الفعل المضارع ( يمارس ) مما أعطى لهذا المقطع معنى مختلفا تماما عما لو صاغته بالطريقة التقليدية ... فقد كان للشاعرة مساحة واسعة من الأشكال ( الكلمات ) بألفاظ أخرى ، حيث كان من الممكن إن تقول : ( إياي يمارس الهم مطرا ) حيث تقوم بفصل ياء المخاطبة وجعله مفعول به مقدم .

* وفي قصيدة ( بين نفسي ونفسي ) هناك مقطع فيه من التركيب والمزج اللغوي ما هو الأجمل والأصعب في قولها :

سأمضي صوب جبل الشريان
ليعصمني من جنوني
سأحرقني فلا يبقيني

لاحظ ( سأحرقني ) وما تحمله هذه الكلمة من مزج لغوي معقد جدا يحتوي على عدة تراكيب لغوية مندمجة مع بعضها وانصهرت في قالب واحد يجمعها كلها .


* أما في قصيدة ( تأويل ) فتطل علينا الشاعرة بمزج هو الأغرب شكلا ومضمونا حيث تقول :

سأستبيح للحلم استغلالي
فيسرقك هدهدي
وسأهديني من شفة فجرك
تأويل الصباحات

إن الشكل هنا قد طابق المعنى تماما خصوصا عندما جاءت الشاعرة بلفظ ( سأهديني ) الذي أعطى بعدا خامسا للمعنى ولولا هذا المزج الموجود في هذه الكلمة وربطه بما قبله وبما يأتي بعده لصار المقطع خاليا عن المعنى تماما ...

3.الايقاع الداخلي في تراتيل انثى
يختلف الشعر الحر عن شعر التفعيلة بكونه يعتمد على إيقاع داخلي يتبع الأفكار المطروحة فيه لذا وجدنا الشعراء خاصة في الحر يتركون الوزن نهائيا ويعتمدون على الأفكار وهذا من الخلط أكيدا فالشعر الحر وان كان تعبيرا عن أفكار إلا لن الإيقاع الداخلي مطلوب في الشعر عموما خاصة الإيقاع الداخلي .. وهذا الإيقاع يختلف عما يسمى بشعر التفعيلة حيث إن الأخير يجب إن يعتمد على نظام وزني خاص وإلا لم يكن شعرا ...

إذن هل استطاعت الشاعرة إن تجعل في قصائدها إيقاعا داخليا بعد إن استغنت عن القافية ولم تجعل لها النصيب الأوفى ، لنأخذ عددا من المقاطع ونرى ما فيها من إيقاع :

(القصيدة الأولى اختناقات )
يقتُلُني الليل
مفتعلن فاع
حين تحرقني الذكريات
فاعلن فعلن فاعلان
أنطفأ
فاعلن
و تقصمَني الأمنيات
مفاعلتن فاعلان
فيرتلني الوجع
فعلن فعلن فعو
مدناً خاويةً
فعلن فاعلن
أتعبتها إختناقاتُ الأحلام
فاعلاتن فاعلن فع لن فع لان
و تشتتْ أعماقي فيك
فعلن فع لن فع لن فاع

قلنا إن الشعر الحر يعتمد في إيقاعه الداخلي على ما هو مطروح من أفكار وفي هذه القصيدة تلمس بوضوح وجود الإيقاع صريحا حيث يغلب على هذه القصيدة إيقاع بحر المتدارك بإضافة بعض اللمسات الوزنية عليه ولكنه احتفظ بالإيقاع الرئيسي وبالرغم من رقي المعنى لم تنجرف الشاعرة إلى التخلي عن هذا الإيقاع بل وإضافة فيه نوع من التقفية زاد المعنى جمالا

(القصيدة السادسة أماني )

تؤرجِحُني في تلابيب قلبك
مفاعلتن فاعلن فاعلاتن
وترسمني قطرات ندى
مفاعلتن فعلن فعلن
ثمَّ تحملُني وفراشاتك
فاعلن فعلن فعلن فع لن
صوب الحقول
فع لن فعول
لتغرسنا
مفاعلتن
ينابيع ضوء
فعولن فعول
يعابث لغبي
مفاعل فعلن
ويغازل جراحي
فعلن فعلتن
ونزفي
فعولن
وتقول أكون أو لا أكون
فعلن فعلن فعو فاعلان

نلاحظ أن الإيقاع الداخلي لهذه القصيدة لم يأت على وتيرة واحدة كما في قصيدة (( اختناقات )) بل نشاهد تنقلات إيقاعية فرضها انتقال الشاعرة بين عدد من الافكار التي تكاد تكون متنوعة النسيج ...
فقد شاهدنا مزيجا من التفعيلات مختلطة بين المتدارك والمتقارب ولكن في قولها (( يعابث لغبي )) شاهدنا ان الايقاع قد انقطع حيث جاءت الشاعرة بخمسة حركات وهو الامر الذي جعله نثرا خالصا ، واذا كان هناك تساؤلا من المعجبين بشعر النثر فأقول لهم ان الاصل النقدي الذي ابتنيه في تاملاتي قائم على ابعاد شعر النثر من كونه شعرا لان الشعر عندي اما ان يكون ذو شطرين مقفى باي نوع من التقفية ( مثلثات / مربعات / مخمسات ) ا وان يكون قائما على التفعيلة مقفاة فقط لان شعر التفعيلة اذا لم يكن مقفى يكون مجرد سرد او هو ما يصطلحون عليه ( بندا ) وهو احد انواع النثر باتفاق الجميع وعندي ايضا ان الشعر الحر يجب ان يكون فيه ايقاع داخلي فان فقد الايقاع نهائيا فهو ليس بشعر .
فاقول : ان قصيدة (( اماني )) كان فيها ايقاع داخلي الا في قولها ( يعابث لغبي ) فان الايقاع قد اختل ولكنها استعادت هذا الايقاع بما بعده من المقاطع .

(القصيدة 27 تميمة).

كنت تخبئني تميمة
مفتعلن فعلن فعولن
لتتعوذ من مثار الدمع
فعلتن فعلن فعولن فعو
حين يستظلك غيابي
فاعلن فعول فعلاتن
أو يتشحك غبار النسيان
مستفعل فعلتن فعولن فعول
أو حين يربكك
مستفعلن فعو
عشب ضلالتك
مفتعلن فعو
ومن ذاكرتي العاثرة
فعولن فعلن فاعلن
يمرقني خيال أحلامي الجريح
فعلتن مفاعلن مستفعلان
فأتهاوى مقصومة الثبج
فعلتن فع لن فاعلن فعو
وبَطُل سحر التميمة
فعلت مستفعلاتن

إن هناك نوعا من الانتقال الايقاعي في مقاطع هذه القصيدة ففي المقاطع الاولى نجد إن الإيقاع كان مزيجا من المتقارب والمتدارك ثم انتقلت الى التسارع بايقاع رجزي ورغم بعض الطفرات النثرية التي دخلت في القصيدة إلا انها حافظت على ايقاعها ولم تغرق في النثر ... واحب إن اضيف شيئا مهما حاصله إن الشعراء عندما يرتقون في صب افكارهم تصعب عليهم السيطرة على الإيقاع الداخلي وربما فقدوه نهائيا كما هو حال من يطلق على النثر اسم الشعر ولكن شاعرتنا استطاعت بحسها إن تسيطر على هذا الإيقاع بالرغم من سمو افكارها والتي من الصعوبة معها السيطرة على هذا الإيقاع .

فلو راجعت جميع القصائد في هذا الديوان لوجدت إن الإيقاع الداخلي موجود وهو شيء تمتاز به فاطمة الفلاحي في هذا الديوان بل لقد تألقت فيه .

4.طوفان من الاحزان في تراتيل انثى

ان الذي نلمسه بوضوح في ( تراتيل انثى ) ذلك الحزن والالم الذي يعتصر ذلك الكيان الانثوي ولا تجد بدا من الكشف عنه واظهاره متى طاوعتها تلك الانامل ورفدتها تلك الافكار .... انها تراتيل انثى تصور لنا ذلك الالم والعذاب ، عذاب أي انسان لم يصل الى ما يريده او ما يحلم به منذ ان فتح عينيه على هذا العالم ... عذاب حاولت صاحبته ان تصوره بريشة حزين عرف معنى الحزن وذاقه زعاقا مرا علقما ... واذا بذلك الوجود الانثوي يتقوقع فيه الالم والحزن والعذاب والوجع ... ولم تنفك عنه ...
تلك الاحزان التي اعتصرت قلب فاطمة الفلاحي لم تكن وليدة صدفة ولا انها قد ولدت من رحم العذاب ... بل كان لتلك الاحزان احداث سبقتها وتلاحقت عليها بمرور لم يك يتوقف ... فوضعتها تلك المواقف والاحداث في حضن الالم ..
كانت فيما مضى من زمانها تميمة وتعويذة ضد الاحزان يفر اليها ذلك المحزون ليجد عندها ما يذيب الهموم من كيان لم يطرق الحزن بابه ولا مر عليه في خيال :

كنت تخبئني تميمة

لتتعوذ من مثار الدمع

حين يستظلك غيابي

(مقطع من القصيدة 27 تميمة(

فكان مجرد ذكرها يجلو الهم ... نشوة فرحة ... تعبق رائحة الافراح .. غصنها الندي ... وكم هي لفتة طريفة ان يكون ذلك الوجه تعويذة من هطول تلك الاحزان ... واين ذلك المنادى الذي يستظل بهذه الصورة المشرقة لتنتهي احزانه عندها ...

فجأة تتحول هذه التميمة الى اعصار من الحزن ... بل هي الحزن ... ولا بد لهذا الوافد من سحاب يتراكم قبل برقه وحبات برده وقطرات مطره

غربة احتوت انسجتي

واذرفتني جرحا على جرح

وسرقتني ريح صرصر

) مقطع من القصيدة 14 غربة)

وها هي تلك السحابة التي تراكمت ( الغربة ) وسيطرت على كيان الشاعرة ... ( انسجتي ) وكانها تصف تلك الذات التي حملت تلك الغربة واتحدت معها ... غربة سبقها جراح ... وجاء بعدها ريح ثلج شعواء اخذت شاعرتنا معها الى حيث لا تريد ولا تتمنى ...
وتصور لنا الجراح على اثر الجراح واي انسان قد يتحمل هذا ...

فاستباحتني جراحاتي

(مقطع من القصيدة 5 هواك)

وماذا تعرف من المستبيح الذي لا يعرف أي معنى للشفقة بل هو يحمل ذلك الطوفان المدمر العاصف بذلك الكيان الانثوي ... يهجم على تلك الرقيقة فيحولها الى جسد كله جراح ...
واذا بتلك الاحزان تتحول الى هم جارف ينزل متسارعا متدافعا

يمارسني الهم مطرا
احتسيه

) مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو (

في تلك الاثناء تتحول الشاعرة الى نهر من صبر يحاول ان يقاوم ويدافع ما اوتي الى ذلك من سبيل انه بمواجهة تلك الهموم ، يمتصها فيحولها الى ماء قراح ...
والى متى وحتام يستمر هذا النهر باحتمال هذا السيل وكم يصبر امامه .. والسماء فم المطر تهطله بلا انقطاع

ولحن حزين

يرسم ثغر السماء

في تميمة

(مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو (

فحياة قد ملاها الحزن حتى فقدت الشاعرة أي احساس بالجمال وحتى اجمل ما في الطبيعة من موجودات ( السماء ) تراه شاعرتنا بل تسمعه لحنا حزينا بلا انقطاع ... فانى لها التجلد وما الذي تفعله لتتخلص من هذه السوداوية المظلمة القاتمة

تقتات الروح على البسملات

في كتاب اتعبه غبار السنوات

(مقطع من القصيدة 15 رؤيا(

ولا بد ان نخضع فنقول بانها لم تفلح في الخلاص ... فاي كتاب هذا الذي مرت عليه العصور الغابرة يستطيع ان يرفع ما هو متحقق لهذا الكيان ... وانى لتلك العواطف ان تصمد ... وكيف تستطيع ان تحتسي هذا الهم .. وما اكثر جنوده الفرعونية التي لا تستطيع فاطمة الفلاحي ان تصمد امامها ....

يحتسيني الشرود

فتحشدني غربة

) مقطع من القصيدة 10 غياب(

فاذا ما تجرعت هي خمرة الهم جعلها الشرود خمرا يحتسيه هو وكأن هذا الشرود هو ذلك الكتاب الذي تقتات عليه شاعرتنا ... فاي شرود هذا الذي هو نفس الهم الم يزد عليه ...
وتستعين ايضا بفارس احلامها مع شرودها ليخلصها من هذه الاهوال واذا به يحوم في خيالها الشارد

وتنتشلني من جب يوسف

فتقبع خلفنا الاحزان

مهرولين في الحقول

تستبقنا الاحلام

(مقطع من القصيدة 11 سفر(

فهي في بئر احزانها قد القيت من قبل الاخرين فيه وتحتاج الى سيارة يدلون بدلوهم ليخرجونها منه ... تخرج كي ترى عالمها الاول حيث كانت في تلك المروج الخضراء ... مكتنزة باحلامها التي كانت ماثلة امامها ... وهل يمكن لفارس احلامها ان يكون هو السيارة المنقذة وهل يستطيع ان ينتشلها من جب يوسف ...

ارقبك على صفحة خدي

لتشاطرني المنفى والشجن

) مقطع من القصيدة 20 منافي(

تلك كانت ابسط امنياتها فهي عارفة بانه لا يمكن لاي احد ان يخرجها مما هي فيه من حزن ... فمن هو ذلك المضحي الذي يرغب ان يدخل معها في بئر الاحزان ... ومن يشاطرها هذه الاحزان في الغربة ...
انها حيرى وما من شريك ... انها تهب تلك الروح الشفافة تطؤها الاحزان

فتسقط الروح

فريسة الاحزان

(مقطع من القصيدة 18 وجع(

فها هي راية الاستسلام ، الراية البيضاء تحملها بدل كؤوس الاحتساء التي لم تكن لتجدي ، وهي انثى عواطف لا انثى معارك ..


فيرتلني الوجع

مدنا خاوية

اتعبتها اختناقات الاحلام

) مقطع من القصيدة 1 اختناقات(

انها تراتيل انثى تراتيل لوجود حزين مغترب صاغته شاعرتنا باروع التشبيهات والاستعارات ، انها تراتيل حزن والم وفي كل قصيدة ترتيل حزين يجعل من ديوانها ...

وشهقة الشجن

مثقلة بها مرافئي

5. المقاطع الزمنية في تراتيل أنثى / الليل

لم تهمل الشاعرة فاطمة الفلاحي الرمز الطبيعي في ديوانها تراتيل أنثى من خلال توظيف الزمن في تكوين عدد كبير من المعاني المترابطة مع الأفكار الأساسية التي حاولت من خلالها أن تجسد تراتيلا تمتاز بالحياة ... وكثير من الشعراء قد وظفوا هذه الرموز الطبيعية ولكن بدرجات متفاوتة من حيث قولبة الزمن في معنى خاص قد لا يفهمه احد إلا قائله وليس بدعا من القول قولهم إن المعنى في قلب الشاعر ما دام الشاعر يقولب تلك الرموز في معنى هو يريده وليس بالضرورة أن يفهم القارئ ما يعنيه الشاعر وعلى الأخير أن يفهم ما يشاء ، لذا جاءت المعميات كتحد للنقاد للمعرفة الوزنية والكلماتية ، وهذا الشيء موجود في هذا الديوان فالشاعرة عندما وظفت الزمان وظفته لغاية في داخلها لم تكشف عنها النقاب كليا ، بل ألبست ذلك الزمان برقعا من الرمز مشوبا بلمسة سرياليزومية ، وحاكت فيها بشكل لا يقبل الشك تلك الجدلية ولمن ليست الجدلية المادية بل هي جدلية من نوع جديد جدلية ارتقت إلى ما هو خارج الجسد ، وهي نقطة قوة في إضافة أكثر عدد ممكن من المعاني والتي لا تستطيع أكيدا أن تعبر عنها إذا ما وقفت على الجدل المادي والمذهب الأدبي الاشتراكي ، فكان الزمان احد العناصر المقومة لما ذكرته في قصائدها ...
استخدمت شاعرتنا عدد من المقاطع الزمنية والتي ربطتها بإحداث ووقائع مختلفة ، فجاء في ديوانها ذكر الليل والمساء والفجر والصباح والنهار ومرة واحدة أشارت إلى الزمن والذي هو معنى عام يجمع تلك المقاطع بين جنبيه ...
فجاء ذكر الليل مشوشا غامضا لا تكاد أن تسير فيه خطوة واحدة ذلك لان الليل عند شاعرتنا كما هو حال أي وقت تذكره هو عبارة عن معنى حقيقي يقابله في ذات الوقت معنى مجازي مبطن بالرمزية ( وهو الذي في قلب الشاعرة )
سأترنمك أغنية
في كنف الليل
( مقطع من القصيدة 16 إليه )

في هذا المقطع استعملت فاطمة الفلاحي وقت الليل بالمعنى الحقيقي ، فهي تحدث الغير من خلال النفس انه أغنية ستستمتع بان تترنمها ليلا ومع الاستخدام الصريح هذا إلا أنها قد رمزت إلى أنها ستكون ليلا وحيدة وبلا رفيق من اجل هذا جعلت من ذلك الغير ( أي شيء يكون هذا الغير ) تسلية لها ومحطة استراحة ، وهذا من المعاني الجميلة حقا كون الشاعرة تلمح للمتلقي ومن طرف خفي بهذه الوحدة ...
ومع انك قد تحمل معنى مشوقا عن الليل كما جاء في مقطعها إلا أنها وكحال امرئ ألقيس تشكو من مجيئه ولا تفيد الأغاني طوال هذه المدة والتي هي من الليالي الشتائية وأي ليل أطول من ليل الشتاء في العراق ( لا اعرف سكن الشاعرة الحالي ) ، فهل تقضيه ترنم تلك الأغنية ...

فجاء الليل سريعا
عبر أجنحة النوافذ
ليشرخني أنينا
( مقطع من القصيدة 19 سفر الأحزان )

إنها تجعل من هذا المقطع سردا لحادثة ما تتعلق بالليل فتجعل من الليل رمزا لعدة معان ممكنة منها :
إن شاعرتنا لا تريد ان يذهب النهار بل تريد أن يستمر هذا النهار مبصرا بضيائه مبعدا عنها وحشة الليل بغربته وثقله ووحدتها ، ولا تنس عزيزي المتأمل إن الشاعرة قد استخدمت تشبيهات بلاغية سنتحدث عنها مفصلا في حلقات لاحقة .
أو إن شاعرتنا تريد أن ترمز لليل بذلك القادم الذي يحمل ذلك الخبر المؤلم الذي يجعل من كيانها أنينا ...
أو إنها ترمز إلى الرغبات التي تعبر نوافذها رغما عنها مع ذلك الرضا الذي ربما قولبته شاعرتنا وفق المذهب التعبيري ( ولنا وقفة خاصة عن هذا الموضوع إن تم اخذ الموافقة من شاعرتنا في حلقة خاصة عن الحب والرغبات في تراتيل أنثى ) .
أو أنها ترمز لهذا الليل السريع بمعنى رومانتيكي

ثم تجيء الشاعرة بمقطع هو الأغرب ولا يخلو من رمزية مبطنة باللاشعور الذي يصرخ قائلا

يحرقني الليل
( مقطع من القصيدة 1 اختناقات )

انه الم الوحدة والفراق وتلك الذكريات التي تمر في خيالها المحلق فتجعل من ذلك القادم السريع جحيما لا يطاق ، ويا له من تشبيه بليغ حيث تشبه الليل كالنار المحرقة ، انه حرق من نوع مختلف ، انه الم كيان الشاعرة وقد عرفنا مقدار هذا الألم الذي احتساها آخرا و(( تسكع )) – عذرا عبارة مقتبسة – في شوارع لا شعورها .
فالليل عند شاعرتنا وكما قلنا شيء أرادته الشاعرة أن يكون مبهما بل وتعمدت إخفاءه ولكن ما بين السطور يحس به المتأمل ، لان الشاعر عاطفة وإحساس وموقف وحسن تعبير ولا يمكن للشاعر أن يقول أقوالا إلا وتخرج تلك الأقوال من مشاعره تدل عليه وترشد إليه ، وما أكثر مذاهب النقد ..

إن الليل عند الشاعرة وقت يحملها عنوة لتمتطي فيه تلك الأغاني وتلك الذكريات وذلك الألم ، ( وحدة ، فراق ، حزن ، رغبات ، شجون وحنين ) ، إنها ترسم لنا منظر الغارقة في جنح ذلك الظلام

ولأقتل ظلاما
من رماد طوقني
( مقطع من القصيدة 16 إليه )


ولم تكتف شاعرتنا بإبراز الليل كسمة لوقت الوحدة والألم بل نراها تزيد من التركيز على ما بعد الغروب بوقت جديد هو (( المساء )) والمساء عادة مرتبط بوقت متأخر نسبيا وهي تربط هذا الوقت بعدد من الأحداث التي تكاد تكون من الدراما المشهدية وهو يعد من احد الاساليب الادبية في التكرار والاطناب في ذكر هذا المشهد الذي يسري على ما بعد الغروب .
ان هذه المساءات تحمل أحداثا ارادت الشاعرة كعادتها ان تلفها بنوع من الرمزية فهي ترى هذا المساء في احدى طلاته عليها بذلك المساء الذي تناغيها فيه ذكريات قريب ما ؟؟؟ بل من المؤكد انه قريب جدا !!! على قلب شاعرتنا حيث كانت تقضي تلك الأوقات معه :

ناغى قلبي
مساءات وجدك
(مقطع من القصيدة 22 تسول)

وهذا المقطع يشابه الى حد بعيد قولها :

ساترنمك اغنية
في كنف الليل
( مقطع من القصيدة 16 اليه)

فهي تجعل من هذا ( القريب ) مناغيا يسليها لتقضي هذه الأمسية معه ، وهذه إحدى المشاهد التي تجعلها الشاعرة معبرة عن احد المعاني وهو معنى يكاد يكون قريبا من المتأمل .
وهذا المساء كما يحمل معه ذلك الوجد الذي يناغي قلب فاطمة الفلاحي الا انه لا يخلو من امور اقتضبت الشاعرة في ذكرها بل ارادت ان تمر منها سريعا رغبة منها بنسيانه وهي تتناسى بمساءات وجد ( القريب ) فهي ترغب من اعماق قلبها بهذا السلو ، انها احدى القصص المؤلمة التي تشير اليها شاعرتنا :

وخيانة المساءات
( مقطع من القصيدة 8 عطاياي )

فالخيانة قد ارتبطت بعدد من الأمسيات فهي لم تقل ( وخيانة المساء ) لان العبارة الأخيرة لا تدل على معنى واقعي بل العبارة الاخيرة دالة على معنى رمزي ، ولكن عبارتها صريحة بتكرر خيانة واقعية من المقربين اليها وايا يكن هذا القريب، المهم انها خيانة آلمت هذا القلب الرقيق مما جعله يترنح في تيهه ويبدي لها الامور بصيغة المجهول الذي اغتالته احدى الايادي الخفية في هذه المساءات الجارحة والتي لا تستطيع شاعرتنا ان تلملم جراحها وتنسى ما حدث بل يزيد في شعورها بالالم مضافا لما مرت به من آلام وأحزان ووحدة وفراق وبين هذه الاحداث لا تجد الشاعرة بدا من ان تقول :

تتمردني المساءات
( مقطع من القصيدة 3 بين نفسي ونفسي)

وكما حدث لشاعرتنا مع الليل يحدث ويتكرر مع المساء فها هي مساءات الشاعرة مساءات متمردة قاسية لا تسيطر الشاعرة عليها بل يكون المساء هو السيد المطلق على فاطمة وهو صاحب الامر والنهي عليها فاذا به قنبلة تحطم هذا الكيان الحالم الممتزج بتلك الانوثة الغضة.

تتشظى بها احلامي والمساءات
( مقطع من القصيدة 19 سفر الاحزان )

فالزمن عند فاطمة الفلاحي رمز لهذه المعاناة التي ارتبطت بعدد من الاحداث وهي قد استخدمت عواطفا واخيلة جمة لتصل بنا الى نفسها عبر اختيار الشكل المناسب الذي وفقته لخدمة المعنى .
وهكذا وجدنا المساء تتخيله الشاعرة كمارد وهو من التشبيهات البليغة، وكانها باسلوبها التصويري تجعل من هذا المساء كائنا مشخصا كداب كبار الشعراء...


اخذتنا تراتيل انثى في ازمنتها الى ابعد مما كنا نتصور ، لان الزمن عندها نسيج واحد وهو من الامور التي امتازت به شاعرتنا بصدق الاحاسيس والتعبير ، فبالمقارنة بين جميع قصائدها تشاهد الصدق ، فلا تجد عواطفا مختلفة ولا تجد من حشو الكلام الذي عادة ما يستخدمه بعض الشعراء والتي تدعى عند البعض بالصنعة ، ان ما يميز تراتيل انثى انها صاغت عبارتها بشيء اشبه ما يكون بالحكاية المتجزءة في ديوانها وهي تختصر فترة عمرية عاشتها الفلاحي وسط هذه الاجواء وهو شيء تميزت به بل وتكاد تكون قد انفردت في صياغة هذه السيرة من خلال هذا الديوان ...
لقد تحدثنا عن الليل والمساء وها نحن ننزل مراكبنا في فجر هذه التراتيل ، وقد قلنا ان شاعرتنا ليست من النائمات في هذه الفترة الزمنية ، بل ان ليلها مملوء باحداث واشياء لم تتنفس منه شاعرتنا الا النزر اليسير ، اذ هي قد صورت نفسها بكيان محطم لا تلوي على أي شيء سوى الاستسلام الذي لم نفهم منه الشيء الكثير انه استسلام باحد معاني الرمز الذي نحاول ان نبحث عن خفاياه في الحلقات القادمة ، وصدق احاسيس الشاعرة هو دليلنا في نهاية المطاف ...
ماذا تريد شاعرتنا من الفجر ؟
وما هو عندها ؟

نغسل الفجر
( مقطع من القصيدة 7 طهر)


تغسل الفجر !!! لياتي الصباح
واي ليلة طويلة هذه !!
انها ليلة تريد شاعرتنا ان تنقضي وتتخلص من همومها واحداثها التي تصاحب تلك الليالي ...
انه حدث حزين .. والحزين لا ينام الليل ... ولعل معه من يشاركونه هذا الحزن ... فكلمة ( نغسل ) تدل على وجود مجموع اقلهم اثنين ...
فجر ... لا يحمل الا الشيء السيء ، انه فجر حزين جدا ...

كتعويذة فجر حزين يحتسينا
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو)

وما هي التعويذة ..؟ انها تلك الوصمة التي وضعتها الشاعرة ... والسبب مجهول ومبطن بتلك الرمزية المعهودة في هذه التراتيل ... ولكنني متامل ويستطيع أي متامل ان يقرا ما بين السطور يا فاطمة ... مهما حاولت برمزيتك ومهما اشحت النظر الى الجوانب الغامضة فانا اسير معك خطوة بخطوة ..
فجر حزين ...
حادثة ما !!!
الليل والمساء !!!
كلها قاتمة ... مصاب جلل !! وغدر من قريب !! وفقدان عزيز !! ولا يوجد الا اشياء لا تعتبرها الشاعرة بشيء ولا تحسبها من ايامها ... فلا اصدقاء الا في عالم الذات ... ولا قريب الا من بعيد متخف في الذاكرة العالقة ...



6. المقاطع الزمنية في تراتيل أنثى / الصباح والنهار واللازمن

إن تراتيل أنثى تتناول خمس مقاطع زمنية محددة وسادسة ضمت وقتا تناقضيا للزمن يعبر عنه ( لا زمن ) وقد يطلق على هذه اللا معنى ضديا عند البعض ، وهذا ليس غاية تأملاتنا .
لقد جاء ذكر ( الليل – المساء – الفجر – الصباح – النهار ) في تراتيل أنثى وفق هذه الأعداد :
ذكرت كلمة الليل في 3 مناسبات .
ذكرت كلمة المساء ومشتقاتها في 5 مناسبات .
ذكرت كلمة الفجر في 7 مناسبات .
ذكرت كلمة الصباح في 6 مناسبات .
ذكرت كلمة النهار في مناسبة واحدة فقط .
وأنت تلاحظ إنها أولت للمقاطع الزمنية اهتماما واسعا لذلك الترابط الذي ذكرناه وتستطيع أيها المتأمل بنظرة بسيطة أن تعرف إلى أين تتوجه تراتيل أنثى إنها بالفعل تميل إلى الجانب المظلم القاتم الجانب الذي يمثل تلك الخلوة والوحدة للفرد ولا بد أن تكون اوقاتا متأخرة عما هو المألوف والمتعارف بين الناس خاصة وقت الفجر والذي يعتبر الوقت الأنسب للنوم تذكره الشاعرة أكثر الأوقات في تراتيلها عددا ولا بد إن هناك تلازم خاص بين هذا الوقت وبين هذا الكيان .
فنصف اليوم ذكرته الشاعرة 15 مرة بينما النصف الآخر لم تذكره إلا 7 مرات أي اقل من النصف .
ولو تعمقت معي وتأملت لرأيت إن اغلب ذكر الصباح جاء مرتبطا بذكر الفجر وكأنها تشير إلى هذا المزيج المكون من هذين الوقتين لتجعل منهما وقتا واحدا

نغسل الفجر
ليأتينا الصباح
( مقطع من القصيدة 7 طهر)

وسأهديني من شفة فجرك
تآويل الصباحات
( مقطع من القصيدة 12 تأويل)

لأغزل الفجر عطراً
ولأقتل ظلاماً
من رماد طوقني
فأحرقتني أنفاس الصباح
( مقطع من القصيدة 16 إليه)

وفي أديم الصباحات
يلملم الفجر أحلامي الضائعات
( مقطع من القصيدة 18 وجع)

بأناملٍ تختبئ في إنثيالات الفجر
متشظية بعطر الصباحات
( مقطع من القصيدة 19 سفر الإحزان )

لقد جمعت الشاعرة وقت الصباح مع الفجر في خمس مناسبات من أصل ست ذكرت لهذا الوقت ... وهي ترغب بما لا يقبل الشك بإزاحة فجرها وإشراق ذلك الصباح وهذه الرغبة دائمة الاستمرارية فكل فجر وهو وقت يبرز كل يوم نرى تلك اللهفة لانتهائه ، ؟؟؟
فالصباح عند شاعرتنا وجه آخر للفجر بالرغم من المساواة الحاصلة أحيانا بينهما
فنرى إنها تريد أن تغسل الفجر تارة ليأتي الصباح ، وتارة أخرى تخبرنا :

تتأرجح بالجراح
فيئن الصباح
بأحزانه فينا
( مقطع من القصيدة 4 تباركني الجراحات)

انه لتضاد في ذلك الكيان تغسل الفجر بصباح كله جراح وأحزان ... وهذا هو الحال أكيدا ما دام الوقت متداخلا ضمن القدر أو الحتمية التاريخية فالعالم الخيالي عند شاعرتنا جامع لهذه التناقضات فهي تريد الصباح ولا تريده أو ربما إن جراح الصباح اقل وطأة من أحزان ذلك الفجر الكئيب ، إنها مجموعة من الصور التي امتزجت فيما بينها لتكون إحدى الحكايات .
ولا تنس أيها المتأمل إن في هذه المقاطع عددا كبيرا من التشبيهات البلاغية والاستعارات التمثيلية والمزج اللغوي وحتى لا تفوتنا التأملات أفردنا لهذا الكم الهائل من التشبيهات حلقات مستقلة ستنشر تباعا .
إذن الصباح عند شاعرتنا حاله حال بقية الأوقات .
وهو ما يكاد يكون واضحا .
أما النهار فلم يرد إلا في مناسبة واحدة :
وفي أديم الصباحات
يلملم الفجر أحلامي الضائعات
ويودعه للغيم
ليقتفي آيات النهار

فهذا النهار لا وجود له في حياة شاعرتنا وهو ملحق بالصباح وبالفجر وهو دلالة على اختفاء ذلك الكيان في وضح النهار .
وباستخدام هذا الأسلوب الرمزي الممزوج بذلك الأسلوب التعبيري نستدل أن الأوقات هي عبارة عن أحداث أوضحها السعادة والشقاء فالليل هو الشقاء والنهار هو السعادة ولا سعادة تذكر في تراتيل أنثى إلا تلك السعادة الذائبة بين تراكمات هذه الأحداث المتعاقبة ...

أما اللازمن فتجعله شاعرتنا في سويداء لا شعورها محتفظة به لذاتها وحدها حيث لا شريك له ولا ند ينافسه :

فأَرْتَديك ثوبا من جنون
فيمتهننا الوله
بلا زمن
(مقطع من القصيدة 11 سفر)

تأمل في هذه العبارات ( ارتديك ثوبا ) إحدى الأمنيات المستحيلة ( من جنون ) بلا معنى لها ( فيمتهننا الوله ) احد التعابير الرمزية الدالة على تلك الأماني ( بلا زمن ) أي في داخلي وفي لا شعوري محتفظة به خارج حدود هذا المكان والزمان الذي يحتويني ... فتراتيل أنثى ذهبت لمرة واحدة إلى تلك المنطقة المحرمة في المذهب الواقعي والمذهب الوجودي وتسلقت عبر منافذ الرومانتيكية لتجد الألفاظ قاصرة والتعابير قاصرة عن بلوغ تلك الجادة ...



7. الشوق والحنين في تراتيل أنثى

إن أسمى العواطف الإنسانية تتجلى بأبهى صورها في الشوق والحنين الذي يختزنه الفرد تجاه ( الوطن والأهل والأصدقاء ) ، وفي ذات الوقت عينه فان هذه العاطفة تحتاج إلى سقي من الطرف المقابل فانا اشتاق إلى أهلي لأنني اشعر باشتياقهم لي وأنا اشتاق إلى وطني لان ترابه يناديني ...
وهذه المشاعر المنطوية تحت هذين العنوانين الشوق والحنين لا يستطيع إلا الشاعر الصادق إن يدخل في ساحتهما ويبحث عن مكنون قرارهما ، فهو بمشاعره الصادقة وخياله البعيد يستطيع إن يسبر كنهيهما ويجعل منهما طائعين ... تتلاعب أنامله بهما كيف شاء ...
الشوق والحنين في تراتيل أنثى جاء متدفقا منسابا بشدة قد جعلت صورته بأبهى حلة شكلية وبأسمى المعاني التي لا يستطيع ولوجها إلا من بحر فيها وشرب من بحبوحتها ...
إن شاعرتنا جسدت الشوق بلباس قاتم ورأته وهو ينصب ذلك المأتم ... ويقيم أنينه ناعيا ... انه ينعى شاعرتنا لأنها تختزن كل تلك الأشواق الصادقة إلى الوطن والأهل والأصدقاء ... انه شوق بقدر قطرات المطر وبعدد النجوم ...
اطلّ عليها – ذلك الشوق – ليرى قلبا داميا حزينا وشراعا كسرته الرياح العاتية ... رأى شاعرتنا تارة وهي تحتسي ذلك الهم في قصيدة ( يمارسني الصحو ) ويراها تارة أخرى وهي تستسلم وترفع رايتها البيضاء النقية في قصيدة ( وجع ) ، وهي سنة الحياة في مدها وجزرها ...
إذن ما الذي اوجب إن يكون الشوق ناعيا على شاعرتنا فاطمة الفلاحي ... انه رآها باكية في تراتيلها منكسرة الفؤاد ... تكتب بروح الألم ... تقول شاعرتنا في تراتيلها :

ينعاني أنين الشوق
( مقطع من القصيدة 24 صوتك)

أنها لحظات صعبة وقاسية خاصة إذا ما مست تلك المشاعر الصادقة الرقيقة فتجعل منها جاهشة بالبكاء وتضغطها عبرة الأشواق وطوارق الحدثان فتشتاق إلى المكان الذي بكت فيه عندما هبطت إلى هذه الدنيا

يدبني نشيج شوقي
بانين لا ينطفئ
(مقطع من القصيدة 24 صوتك)

إنها صورة لواقع مر وبكاء لقلب ما ترك له الزمان لحظة من قرار ولا سعادة ... وها هي تأن وتبكي بادمع مدرار لا تنقطع ولا أمد لها بل هي تطلق أشواقها ضاجة بها فتتجسد فيها الآلام فتطلقها أنينا ... ويا ليتها صرخت ورفعت صوتها باكية إذ ما أصعب الأنين حين تخنقه تلك الذات ...فيا له من أنين مر وبكاء أمر

إنها تجوب الشوارع وتتسول الحنان ، وتتيه في ذلك الوجود اللاشعوري في منطقة ما خلف نقطة اللقاء ... وما أقساه من منظر حيث تجد هذه العواطف الصادقة تستجدي عواطفا من مثيلاتها وطفح الكيل

ارهقتني مكائد الأحلام
فتسولت حنينك
(مقطع من القصيدة 22 تسول)


8. القدر في تراتيل انثى
مما يميز الادب الكلاسيكي بشكل عام هو ذلك التدخل الذي يكون المحور فيه ايد خفية ترمي بالفرد الى جهة لا يتوقعها ولا يكون له أي سلطة لتغيير ذلك الحدث بل انه مرسوم عليه مفروغ منه وفي شعرنا العربي كثير من هذه النماذج التي تجعل من القدر محورا مهما في تسيير الاحداث ومن امثال ذلك ما جاء من الشعر العربي
قول ابان اللاحقي :

وَكانَت من تِلادٍ مو دعٍ مِن شَفَقٍ حِرزا
حَذارِ أَن يَراها طا مِعٌ يَومـــاً فَتُبتَزّا
فَجاءَ القَدَرُ الجالِ بُ بي يَحفِزُني حَفزا

وقول ولي الدين يكن

أيخذلني وإخواني وينصر خصمنا القدر

ولم تخل تلك التراتيل الانثوية من هذا المعنى في اماكن كثيرة جدا وفي مفردات تكاد تكون مستوعبة لاغلب ذلك الديوان ، ونظرا لاستخدام هذه المفردات في معان مشتركة اثرنا ان ناخذ بعض النماذج الدالة على تلك الايد الخفية المسماة ( قدرا ) ونرى ما الذي ارادت شاعرتنا ان تصل اليه من خلال ما ذكرته في سطور تراتيلها .
ان للقدر دور لا ينكر في تراتيل انثى وهو قدر شاعرتنا ، فلم يبخل القدر عليها بهدية تشبه هدية سليمان الحكيم حيث تمتلك ذلك الهدهد الذكي ( اشارة رمزية مكثفة جدا ) الذي يعمل لدى شاعرتنا وتوجهه حيث تشاء ، وهو من مصادر قوتها لذا احتفظت به لنفسها وكانه ذلك السلاح السري الذي لا تحب ان يتجسس عليه الاخرون ، بل انه يسكن في وجدان فاطمة وسريرتها التي لا يعرفها الا ذلك القدر الذي وهبها ( الهدهد ) ، انه يقوم بكل شيء ملبيا النداء ، بل ان الاشارة تكفيه احيانا ، بل ان هذا الهدهد يتبع ارادة الشاعرة ...
في مرة ما امرت الشاعرة ذلك الهدهد امرا غريبا ( رموز مكثفة ) امرته ان يسرق ... يسرق حاجة ارادت الشاعرة ان تمتلكها ، وحسب ... لم تكن بحاجة الى أي شيء سوى تلك الحاجة التي كانت تفتقدها الشاعرة ، كانت تريدها ... بكل مشاعرها واحاسيسها ... وتخاطب تلك الحاجة كامر كائن امامها لا يفصلها عنه سوى مناداة الصوت وطيران الهدهد ... ولما كان من الصعب عليها ان تملك هذا الشيء ، لم تعط الامر بسرقة تلك ( الحاجة ) فورا ، بل قد اجلت ذلك الامر ... وربما خافت على هدهدها من ان يحدث له امر لا تحبذه ، بل خشيت الا يعود ( الهدهد ) اليها وتفقده هو الاخر ... انها احدى تدخلات القدر ... وتلك الايادي الخفية التي تسير جنبا الى جنب

فيسرقك هدهدي
( مقطع من القصيدة 12 تأويل)

فالفاء دلالة الاستقبال ، وهو ما جعل من امرها مؤجلا ... اما ذلك الهدهد ( الرمزي المكثف ) فهو يكاد يحمل عدة معان منها ( الحنين ) ومنها ( النفس ) ومنها ( القلب ) ومنها ( الوطن ) وانا اترك للمتامل ان يختار أي شيء يحسه هو الاقرب الى نفسه حتى لو كان معنى لم اذكره هنا ... وان كنت اعتقد ان الامر يدور على هذه المراتب الاربعة ...
مسكين هذا الهدهد الذي سيتوجه في مهمة هي اشبه بالمستحيلة ، وبدل ان يتوجه الى سبأ ليجد بلقيس فهو الان يتوجه الى وجدان شاعرتنا ... وان كانت له السيطرة على ما يبصر فلا اعتقد ان له أي سيطرة على ما لا يبصر

يسرقنا الصمت
ثم يسرقنا الكرى
( مقطع من القصيدة 4 تباركني الجراحات)

وما اروعه من مقطع ايحائي ، فالقدر هنا يرقب تلك السرقة الصمتية التي تمر في اعماق شاعرتنا ، وسكون يملأ المكان ، لحظة الاستسلام ... حيث تنتهي وسائل الدفاع وتنسحب امام تلك الفلول الزاحفة ... معركة محتدمة ... وصراع يجعل من كيان شاعرتنا كيانا انهزاميا ، ونومة هي اخر معقل تبقى لذلك الهروب ...
ومع ذلك الهروب نلمس تلك الحقيقة التي تكررت مرارا وتكرارا في تراتيل انثى حيث يلعب القدر دورا كبيرا في هذه الهزائم المتلاحقة ...
وتلك الراية البيضاء التي طالما رفعتها الشاعرة ملوحة الى انها انثى ( انثى بكل ما للكلمة معنى ) ولا يتحمل ذلك القلب الرقيق هذه الويلات متسلسلة واحدة تلو الاخرى ...
فلول وجدان فاطمة لم ينفعها ذلك الهدهد ولا ذلك الصمت ولا ذلك الكرى بل هي تشق عباب الارض هاربة الى حيث الامان والسلام والاشواق ..



9.الذات في تراتيل أنثى

في كل حرف ولفظ في الأدب نجد للذات الشاعرة وجودا متميزا وواضحا فيما تسطره من كلمات حتى قيل ( من كتابك أعرفك ) ، والشعر سيرة وجدانية وحدثية للشاعر من خلال ما يتعرض إليه في الحياة ، وبالتالي فنحن لا نعدم وجود بعض الالتفات إلى ذات الشاعر من خلال ما يكتبه إما تصريحا أو تلويحا ، وفي تراتيل أنثى نلمس تلك السيرة الحياتية التي أبدعت فاطمة في تكثيفها وإلقاء الضوء عليها من خلال قصائدها الـ ( 27 ) ، وأما السيرة الوجدانية إن صح تعبيري فلم تظهر جليا في هذه التراتيل وإنما حاولت شاعرتنا طمسها وإلقاء الضباب عليها لحاجة هي اعرف بها ، لذا فالتأمل في وجدان الشاعرة من خلال المقاطع المتناثرة في ديوانها يكاد تشوبه الصعوبة ، ولا اعتقد أن ما سيقال سيمت إلى الحقيقة واليقين بشيء ولكنه أكيدا لا يبتعد عنها ، إذ هو يحاول أن يقترب ويبتعد ولا يريد الغوص أكثر من ذلك ...
إن شاعرتنا لها جوها الخاص الذي لا يشاركها فيه احد حتى اقرب المقربين إليها ، أنها تشك في كل شيء حولها وكأنها اعتقدت بمذهب هليوم فلا نراها تذكر ذاتها إلا ببصيص قليل وتهرب بك بعيدا حينما تلوح اقترابك منها ، وكأنها ذلك الغزال الشارد الذي يخشى من صائديه ، أنها مع نفسها فقط ومع نفسها لا غير ، في إحدى المقاطع الموجودة في تراتيل أنثى قصيدة بعنوان ( بين نفسي ونفسي ) ، وهذا العنوان دليل على ذلك التقوقع الذي تعيشه هذه الشاعرة ، الابتعاد والوحدة عن الموجودات ، وصنع عالم خاص خلقته فاطمة واحتكرته ومنعت الآخرين إن يصلوا إليه ، فهي تجعل على أبواب نفسها شهبا ثاقبة لا يستطيع شيطان الإنس اختراقه .
إن اغلب الأشياء في تراتيلها أسرارا أغلقته وحاولت إن تقفله ، ولكن ... عند الشعر يبوح القلم بما لا ترغب به أحيانا إن تلك الحالة الشعرية تستغرقها وتأخذ بكيانها إلى حيث لا تريد أحيانا ... والشعر هو هذا ، فالشاعر لا يستطيع إن يتحدث إلا إذا مسه حدث يثير وجدانه ، من هنا كانت التأملات نابعة من تلك الذات الشاعرة فقد أشارت الشاعرة في تراتيلها إلى لفظ ( الروح ) في أكثر من مكان وهو إشارة إلى تلك الذات ( ذات الشاعرة ) وهي الذات التي كانت عندما كتبت الشاعرة تلك السطور ، وليست هي بالضرورة الذات الحقيقة كما ذكرنا آنفا ...
في تلك الذات حدث مهم ومميز يخترقها ويؤثر فيها وهي واضحة اثر انتقال ورحيل من جو إلى جو آخر جديد لم ترغب به شاعرتنا ، وهو بالتالي يؤثر في وجدانها ...

ليخرق الروح المتشحة بالرحيل
(مقطع من القصيدة 17 انتظار )

فهذه الرحلة خرقت تلك الروح وغطتها رداء السفر والتنقل ، وتحس الشاعرة بالفراق والحزن على تلك الأماكن التي هجرتها ، وقد ودعتها وداع زريق البغدادي لزوجته ، حيث لم يكن من سبيل لوقف جماح تلك الرحلة ، ومن المعلوم إن لكل رحلة متاع على صاحبه إن يتزود به ، وكان متاعها ذلك الإيمان الذي زرعته في ذاتها ، إيمان بهدف عازمة على تحقيقه وتنفيذه مهما كانت الظروف ، وكأنها تقول أنها صاحبة إرادة حديدية ، وهل هي فعلا كذلك ، أم إن الظرف في بعض الأحيان يكون محطما وساحقا لأي معدن ...


ولم تكن تلك الرحلة سهلة بل كانت ممزوجة بمختلف المظاهر التي تجعل البقاء على الوضع الأول صعبا وممتنعا ولم تكف تلك البسملات في ردها أو صدها بل استطاعت التقليل منها فحسب ... إذ إن التيار الذي وجدته التراتيل كان جارفا وطاغيا وليس من البساطة والسذاجة الوقوف بوجهه أو تحديه ... وعرفت شاعرتنا ذلك بل وأحست به وجدانا فاستعانت بسلاح غيبي جديد ... سلاح هو بمثابة الدرع الواقي لكل هذه المزالق ...

ارتق الروح بطهر السموات
)مقطع من القصيدة 18 وجع(


وبينما ترتق شاعرتنا روحها المتهرأة بذلك الطهر السماوي ، في تلك الرحلة ، تصل الى حيث كان مقررا لها الوصول ، وتعيش حالة من تناقضات الوجود ، ففاطمة هناك ليست هي اليوم هنا ، وتاخذها تلك الافكار الى المكان الاول حيث تركت فيه كيانها وذاتها

فتسقط الروح
فريسة الاحزان
( مقطع من القصيدة 18 وجع )

وقد قلنا سابقا وكررنا القول ... ان الاستسلام هي السمة الغالبة علة تلك التراتيل بل ان ذات الشاعر اعلنت اليوم ذلك الاستسلام للحزن ، انها الحياة القاتمة التي فرضت على فاطمة ذلك الكدر والبؤس ولا مناص منه ، وتحاول ان تتخلص منه ولكن يبدو ان محاولاتها باءت بالفشل ، ولكن تلك الروح لا تزال تحمل ذلك الحنين والشوق وهي في هذه الاجواء ، ونجد ان الوجدان ينادي ذلك الكائن ، ولكن هنا نداء شعوري وجداني لا تلويح فيه ، وان كانت تناديه هناك بخطابات مختلفة _ عرفناها معا _ فهي اليوم تناديه بكيانها وروحها ، بل هي تدعوه لان يتحد معها ، فتتحد فاطمة بذلك الكائن ( الرمزي ) ( الوطن ) ( الاهل ) ( او أي شيء اخر ) وتجعل منه كل شيء

وكالطل تنصهر روحينا
( مقطع من القصيدة 7 طهر )


تلك الروح ساقول لك عنها ما الذي جعلها هكذا ... وبصوت حزين وقلب موجع ولهفة للقاء ... تحمل شاعرتنا معنى ساميا جليلا لتقدمه ( عطية ) من عطاياها الكثيرة لذلك الكائن ... وهل بامكان تلك الروح المقفرة ان تقدم هذه العطايا ؟
تقول شاعرتنا :

وامنحك دفء روحي
( مقطع من القصيدة 8 عطاياي )

انه دفء المحبة والشوق دفء كانت تحمله فاطمة قبل الرحيل ، ومشاعر جياشة لم تجد متنفسا لها الا مخاطبة نفسها وكائنها الغائب في وجدانها ، صورة رسمته احلامها وامنياتها لتجدها حقيقة ماثلة امامها ...
واذا بكائناها لا يستطيع البقاء بجانبها ، واذا بها ترحل عنه بعيدا ... لاحظ الصورة في جعل المتضادات طائعة لقلم شاعرتنا ، انها تصور اروع الصور في هذه المقاطع ...

فاغتال انفاس رحيلك
لتقتفيني روحك
( مقطع من القصيدة 15 رؤيا )


وترضخ ذات شاعرتنا لهذا المكان مودعة ذلك الكائن وتجعل من هذه الغربة غربة روح ووجدان وتخلق منها ذاتا شاعرة بادق التفاصيل ، روح تالمت وسهرت وعانت ما عانت .

فتصحرت روحي وصدئت
( مقطع من القصيدة 26 النأي )

روح خاوية جرداء اصابها الصدأ وان كانت هذه الروح هكذا فمن اين اتت شاعرتنا بكل هذه الاشعار الرائعة ومن اين اتت بهذا الابداع ، انه تساؤل يجعلنا نرفع القبعة لهذه الشاعرة التي استطاعت ان تخرج الى الوجود مقاطع شعرية سيخلدها الزمان ، ويجعل منها مثالا يحتذى يه لكل من وجد تلك المعوقات امامه ثم اجتازها بتلك المشاعر ويمتد الى تلك العناصر التي تجعل من النصوص نصوصا فريدة في الطرح والاسلوب ...
انها معاناة شاعر ارهقته الاسفار واتعبته فصورها فاحسن تصويرها ....
نعم لا توجد روح تستطيع ان تحتمل هذا الشقاء المتعدد الانواع الا تلك الروح التي اطلقت الالفاظ المزخرفة لترسم لنا ذلك الالم وكانه لوحة لفنان لم تحاصرة مطبات الحياة الشائكة ...


احمل الروح
صوب انتهاء المساءات
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

انها احدى المشاهد النادرة التي تطل من نافذة تراتيل انثى ، مزيج من الابداع وانتقاء الالفاظ لوصف صورة تكاد الكلمات ان تعجز عن ايضاحها او سبر اغوارها ...
انه جسد الشاعرة المنهك الذي يحمل تلك الروح المحتضرة الى الامل الى المحبة والى السلام ... الى ارض ارادت فاطمة ان تكون فيها ولا تتركها لحظة واحدة ...
لقد لمسنا تلك الذات عبر هذه الرحلة الطويلة والتي لا تزال في تلك التراتيل ... وتبدا مسيرة بحث جديدة ، بحث بصيغة اخرى وبطريقة مختلفة ... انها تبحث عن نفسها وكيانها في هذا الوجود ، تبحث عن ذات اودعتها في لا شعورها ، واودعت اخرى عند ذلك البعيد ...
وهكذا هي فاطمة ، انها تهرب بنا بعيدا _ كما قلنا _ عن كنهها ولا نجد نافذة نخترقها منه ، الا تلك التي تحدثنا عنها ...



10.الأمنيات في تراتيل أنثى

كثيرة هي الأماني التي يتمناها الإنسان في حياته ويسعى إلى تحقيقها ، وترتبط هذه الأماني بتلك العاطفة الجامحة التي تريد أن تحقق غاية ما ، من خلال ما تتمناه في واقعها ، وفي طبيعة الإنسان الكامنة نشاهد أن الأمنيات لا حد لها ، والتمني عادة طلب للمستحيل إذا خلي وطبعه ... ولو ظهر لك ذلك المارد وقال لك تمنى وسوف أعطيك ما تتمناه لكان الجواب قائمة طويلة ....
وهذا ما لم نره في تراتيل أنثى اذ انها جمعت بين ضدين ففي الاولى جعلت من تلك الأمنيات كبتا في مجاهيل تلك الذات ، إنها لا تريد أن تأخذها أمنياتها إلى ذلك الأمر المستحيل ولا أن تطلب من ذلك المارد أي شيء إنها تقتضب كل أمنياتها ، فهي إنسانة واقعية وتترفع عن طلب المستحيل ، إنها لا تنظر إلى الحياة بنظرة مثالية بل هي تنظر إليها من عين الوجود والواقع.

كغمائم حبلى بأمنياتي
( مقطع من القصيدة 17 انتظار )

إنها تسير تلك الغيوم لتكون مطرا لا أمنيات وردية ، وهي فلسفة نراها عند الطبيعيين الذين استهدفوا من الحياة الأمر المحسوس والملموس .
ونرى في الطرف الآخر تلك الشاعرة التي لا تكتفي بنظرة الطبيعة من خلال عين البصر بل تحلق إلى غيمها بوجدان الخيال ، وتسمح لنفسها بالتمني في برج الشاعر حيث تكمن تلك النزعة في لا شعورها ، لا شعور فرضه عليها تلك النفس الشاعرة والتي لا ترى باسا من طلب المستحيل ... وهي بذلك تعطينا فلسفة جديدة عن الإنسان الذي يجمع بين متناقضاته ، فعين ترى أن الواقع هو الذي يجب أن يكون ما لا ينبغي أن يكون ، وبعين أخرى ترى أن ما ينبغي أن يكون هو الغاية وليس ما هو كائن ....

وتقصمني الأمنيات
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

وفي عودة إلى ذلك المبدأ الذي رسمته فاطمة وسارت على خطاه ، تنزل من تلك الغيوم لتجد أن التمني ليس بالأمر الممتنع عليها ، وتعيش صراعا بين ما تتنماه وبين وجود فرض عليها بعض الأمور ، ومعركة جديدة تدور ، ويا لها من تراتيل إذ تجمع كل تلك الصراعات ... صراعات حقيقية تحدث للإنسان الذي يريد أن يكون شيئا ما في كل تلك الحشود البشرية....
ولا ترى بدا سوى الرضوخ للأمر الكائن وتقبله رغم علاته وجفاءه

لاختصر فيك الأمنيات
( مقطع من القصيدة 20 منافي )

وكأنه اختزال لكل شيء ويأس من تحقق تلك الأمنيات رغم ترويضها بلبوس الواقع ، اختصار في التمني واختصار في واقع لا مناص إلى الهروب منه ولا خلاص .

سأمنحك شعائرا
لتأتيك بالأمنيات
( مقطع من القصيدة 8 عطاياي )

فهي إذ لم تستطع أن تحقق الأمنيات ولم يكن في مقدورها إطلاق تلك الأمنيات إلا إنها تمتلك شعائرا وطقوسا تأتي للغير بتلك الأمنيات ...
إنها شعائر تعلمتها من الحياة التي عاشتها ومن تلك النفس الشاعرة وباستطاعتها أن تهبها إلى الغير .
إنها مأساة جديدة ونهاية شكسبيرية عند فاطمة ولكنها مأساة حدثت ودارت بتلك العين الثانية

وعند مفترق الأمنيات
اجتبتني المواجع
( مقطع من القصيدة 26 النأي )

انها مفترق طرق الحياة التي لا تجعل احيانا أي خيار امام الانسان في تقرير ذلك المصير ، الذي قد يشكل نقطة انعطاف مهمة في هذا العالم .


11. الغربة في تراتيل انثى
لعلنا لا نبالغ ان قلنا ان تراتيل انثى ديوان غربة فالغربة تحتل الحيز الاكبر من تلك القصائد المجموعة ، والغربة هو نفس التراتيل الذي تستنشق من خلاله ذلك السمو في تجسيد تلك المعاني ، ان للغربة وقع خاص على قلب شاعرتنا حاولت ان تسطره في كل مكان حتى تكون تلك الصورة واضحة لمن يقرأ تلك التراتيل ...
ان تلك القصة تبدا حينما ارادت فاطمة الفلاحي ان تغادر ارض الاجداد الى مصير غامض مصير لم تحلم في يوم ان يكون هكذا ... لقد عاشت تلك اللحظات بادق تفاصيلها ، انها تنوي الرحيل الى ارض اخرى لم ترها الا في مشاهد ولقطات وكلمات ، واذ هي تقدم على تلك الخطوة الاولى ، مرغمة وربما راضية ، تودع ارض العراق وتتمنى تلك العودة المختفية في الزمن الثالث ...
وعندما نقول الرضا ، فهو عبارة عن ذلك الرضا الذي يحدث لاي انسان عندما يخوض تجربة جديدة ، ثم يهم بالمغادرة ومن ثم ....

وباجنحة الرحيل
اثثني الحزن مدارات
( مقطع من القصيدة 26 الناي )

وهنا يحدث الشجن والالم حين الشروع في الرحيل ...تتجسد و تتضح مشاعر الانسان ، وتظهر خوافيه وما يدور في خاطره ، ولم تكتف شاعرتنا بحزنها ، بل نرى ذلك التاثر يزداد كلما اقترب موعد الرحيل الى تلك الاراضي

ليخرق الروح المتشحة بالرحيل
( مقطع من القصيدة 17 انتظار )

روح تذوب وتحس بالاسى وهي بعد لم تفارق ارض الوطن فكيف بحالها اذا ما غادرت تربته وركبت مركب السفر وسارت فيه نعم صوتها نسمعه بوضوح :

وتدميني المسافات منافي
( مقطع من القصيدة 18 وجع )


تطل علينا هذه البداية بمشهد تراجيدي اذ نشاهد دماء الغربة بدات تسيل عند انطلاق تلك الرحلة ، ويا لها من مسافة طويلة يقطعها جريح لا يجد له معالجا سوى الصبر الذي تعرفنا على جزء كبير منه في هذه التاملات ...
والادهى من ذلك انها في تلك الرحلة لم تترك بحثها المستمر وكانها تريد ان تهرب بالرغم من اساها على بداية الرحلة ودمائها التي تسيل تاركة اثرا في تلك الاجواء ...

ابحث عما يناى المسافات
( مقطع من القصيدة 15 رؤيا )


مجروحا في قعر المسافات
( مقطع من القصيدة 21 وجد )

نحن نرى شخصين في تلك المقاطع فاطمة الجسد وفاطمة الروح واحدة منهما ترغب في الرحيل وتريد العودة واخرى تكره الرحيل ولكنها لا تريد العودة ... وبين ذلك التضاد تصيح شاعرتنا

وساخنق المسافات
( مقطع من القصيدة 13 ابجديات )

وكيف تخنقينها وانت لم تقفي على ارض صلبة ... مرارة واسى ومشهد تصويري رائع عندما يكابد الانسان نفسه ورحيله ويحاول ان يقف ولا يستطيع النهوض ولا يريد ان يرضخ ولكنه يرضخ مرغما ويكره ان يستسلم وهو دائما يرفع رايته البيضاء...
واذ تقف فاطمة بين اضدادها تنادي معشوقها ( الوطن ) بصوت حزين وشكوى تقرح القلب وتفيض العيون منها كمدا ودمعا .

بهجرك عبر المسافات
( مقطع من القصيدة 20 منافي )

ان تلك القصة تبدا حينما ارادت فاطمة الفلاحي ان تغادر ارض الاجداد الى مصير غامض مصير لم تحلم في يوم ان يكون هكذا ... لقد عاشت تلك اللحظات بادق تفاصيلها ، انها تنوي الرحيل الى ارض اخرى لم ترها الا في مشاهد ولقطات وكلمات ، واذ هي تقدم على تلك الخطوة الاولى ، مرغمة وربما راضية ، تودع ارض العراق وتتمنى تلك العودة المختفية في الزمن الثالث ...
وعندما نقول الرضا ، فهو عبارة عن ذلك الرضا الذي يحدث لاي انسان عندما يخوض تجربة جديدة ، ثم يهم بالمغادرة ومن ثم ....

وباجنحة الرحيل
اثثني الحزن مدارات
( مقطع من القصيدة 26 الناي )

وهنا يحدث الشجن والالم حين الشروع في الرحيل ...تتجسد و تتضح مشاعر الانسان ، وتظهر خوافيه وما يدور في خاطره ، ولم تكتف شاعرتنا بحزنها ، بل نرى ذلك التاثر يزداد كلما اقترب موعد الرحيل الى تلك الاراضي

ليخرق الروح المتشحة بالرحيل
( مقطع من القصيدة 17 انتظار )


نشاهد تلك الطائرة تصل الى مطار المنافي حيث تحط بعد تلك الرحلة الصعبة واول ما تفكر فيه شاعرتنا ذلك العزيز الذي فارقته رغما عنها وتدون تلك الاشواق في اوراق وجدانها وعاطفتها ، انها تجعل منه لغة بديلة عن كل اللغات الاخرى ، لغة عشقها وشوقها ومحبتها لغة جعلت منها شاعرة خلاقة ، عبرت عما يجتاح تلك الذات من خلال نافذتها ، نعم انها ليست ابجديتنا ، بل هي ابجدية بحرف مختلف عرفته شاعرتنا واجادت استخدامه وهضمت معناه ...

اكتبك ابجديات عشق
تغنى في المنافي
( مقطع من القصيدة 13 ابجديات )

وهي اكيدا لم تكن تحلم بان تغنيه اغنية من منفى واحد فما بالك بجمع من تلك المنافي ، انها هجرة لم تنقطع في ذلك المطار بل عادت ورجعت الى رحلة اخرى ثانية اقسى من اولاها وثالثة وربما رابعة ...

وبعثرتنا المنافي
( مقطع من القصيدة 5 هواكا )

وهي اشارة الى تلك الفرقة الحاصلة نتيجة كثرة التنقل والسفر ، وقد اجادت الشاعرة باختيار ( بعثرتنا ) في هذا الموضع فله اكثر من دلالة يستطيع المتلقي فهمها بخلاف اذا ما اختارت لفظ اخر مثل ( شتتتنا) ...
ونعود الى هجرة فاطمة وقصة منافيها التي امتزجت فيها وصارت من جنودها ، وهنا تشبيه رائع حيث تشبه شاعرتنا ( المنافي ) على انه قائد عسكري وهي جندي من جنوده ينفذ اوامره وهي اشارة من طرف خفي على قسرية الفعل فالجندي لا حول له وعليه ان ينفذ الامر حتى لو كان فيه الهلاك ...

فتعسكرني المنافي
( مقطع من القصيدة 20 منافي )

وبعد ان تكون جندية طائعة لتلك المنافي تبدا الغربة الحقيقية لشاعرتنا كيانا وروحا وعاطفة فتتخبط في الطرقات وتنظر الى مناظر عساها تاتي بخيال لمن فارقته هناك

غريبة اجول الطرقات
( مقطع من القصيدة 15 رؤيا )

وفي تلك الحال تتنفض اعضاء شاعرتنا وتعلن عصيانها وتطلق المها وجعا وتتلفظ يتلك الكلمات المتراكبة في المعنى والمختلطة اسلوبا وقالبا

فتحشدني غربة
مارسها الوجع
( مقطع من القصيدة 10 غياب )

واترك الدخول في تفاصيل هذا المقطع للمتامل ، ولكن فكرته الجوهرية هو ذلك الالم الذي نتج عن غربة شاعرتنا ....

واخيرا وليس اخرا نرى شاعرتنا وهي تتحد مع غربتها لتكونا كيانا واحدا فعندما تقول فاطمة كانك قلت ( الغربة ) وهي النهاية المتوقعة لهذا الحدث ...

غربة احتوت انسجتي
(مقطع من القصيدة 14 غربة )


يحمل الإنسان في داخله ذكريات كثيرة عن ماضيه وهذه الذكريات قد تكون سعيدة وقد تكون عكس الأولى ، وهذا الكم الهائل يحفظه الانسان في ذاكرته التي خلق ووجدها عنده بلا كسب ... وان كان الامر كذلك فكل ما يحكيه يعبر بطريق ما عن تلك الذاكرة والخزين المعلوماتي والحدثي ، الذي يستمد منه متى اراد ذلك...
وفي كل ديوان شعري نرى ان الشعراء يحكون غالبا عن لحظاتهم النفسية في مواطن شتى وهم بذلك يجعلون من ذاكرتهم مصدرا مهما لهذا الخلق الشعري ...
وتراتيل انثى احد هذه الدواوين التي غلبت عليها تلك الذكريات بماضيها وما حل فيها ، فهي في اغلب تراتيلها تتحدث عن محطات مختلفة من حياتها بطريقة سريالية رمزية ، وهو ما لاحظناه في تاملاتنا السابقة ، الا ان الذي يلفت النظر هنا ان شاعرتنا جعلت في موضوع الذكريات امرا هو اشبه بالنقيض بل هو نقيض بعينه ذلك النقيض الذي لا يجتمع في محل واحد ...

ان ذلك المخزون الذي استعانت به شاعرتنا صادر من تلك الذات ، المزودة بذاكرة ، فاذا تعطلت هذه الذاكرة فبمن تستعين شاعرتنا ، ومن اين تتذكر تلك الاحداث فان كانت ذاكرتها تتارجح بالجراح ...

لتمنحنا ذاكرة
تتارجح بالجراح
( مقطع من القصيدة 4 تباركنا الجراحات )

فهي ذات الوقت تشكو من تلك الذاكرة وتصفها باوصاف شتى :
فهي تارة ذاكرة عقيمة

على ذاكرتي العقيمة
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

وتارة اخرى هي ذاكرة بليدة

وذاكرة بليدة
( مقطع من القصيدة 23 سراب )

وثالثة هي ذاكرة ضريرة

في ذاكرتي الضريرة
( مقطع من القصيدة 25 مرايا )

ورابعة تصفها بالعاثرة

ومن ذاكرتي العاثرة
( مقطع من القصيدة 27 تميمة )

وانت تلحظ ان تلك الذاكرة تعطلت تماما من خلال تتابع الحدث عليها وما تفرزه تلك المحطات الزمانية من نتائج ورغم ذلك نراها ترسل نداء الى من تناديه

تسال عنك المارون
هل يذكرني
( مقطع من القصيدة 25 مرايا )

وهل انت تذكرينه بتلك الذاكرة حتى تطلبي منه ان يتذكرك يا شاعرتنا ، وما هو هذا الكيان الذي يسير في الارض وهو لا يشعر بذاكرة داخل روحه ... ومن اين هذه الالهامات الشعرية ، وهذا هو الفيصل في تراتيل انثى وقد لمسناه سابقا ، ان في تلك التراتيل ذاتين تتكلمان وتشكل احداهما حاجزا للاخرى في بعض اللقطات ، وهو امر طبيعي فالانسان موجود متعدد القوى ، وبتلك الطبيعة تولد الاضداد ، اذن فايهما هي فاطمة ومن هي الشاعرة ومن هي التي مرت عليها الاحداث متوالية ومن هي تلك التي تركناها خلفنا تبحث لترى قبسا من نار ...
سلسلة من التضاد وجدت لتكون ( تراتيل انثى ) تراتيل هي ما تتحدث به فاطمة بينها وبين نفسها وهما تلكما الذاتين واي واحدة تتغلب تظهر القصيدة وفق ذلك المسيطر ...

حين تحرقني الذكريات
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

ذكريات محرقة تخص شاعرتنا وهي اعلم بتلك الذكريات ولا بد ان تكون هناك ذكريات سعيدة تسترجعها شاعرتنا لتولد توازنا في ذاتها يجعل منها امراة مقاومة ضد التيارات الاخرى

تغدقني انكساراتي
بعطر الذكريات
( مقطع من القصيدة 18 وجع )


12.الطبيعة في تراتيل انثى

لم تترك تراتيل انثى الطبيعة ومفرداتها بل ذكرتها في تراتيلها ومرت عليها وتاملت فيها ، وهي اذ تعيش تلك الطبيعة بوجدان الشاعر الذي يرى في بعض تلك المناظر صورا لا يدركها الفرد العادي وهذه النظرة تجعل من الشاعر متصيدا لافكار جميلة ذات معنى بعيد ، وقد كان لهذه الطبيعة في تراتيل انثى اشكالا كلها تحمل الرمز والتشبيه ..
ومن جملة الاشياء والمفردات التي ذكرتها شاعرتنا ( المطر والسماء ) وقد اشرنا الى ان استخدام هذه المفردات كان رمزيا ولم تستخدمه بهيئته وصورته الحقيقة ..
فهي عندما تذكر السماء تشخصها وتجعل منها ناطقا حيا وتنظر اليها بعين الشاعر فتجدها كائنا يقف امامها وتعزف لحن فاطمة الحزين بذلك الثغر الذي تشاهده شاعرتنا بعيني وجدانها

ولحن حزين
يرسم ثغر السماء
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

فهي تحكي مع ذلك الموجود الطبيعي وتراه حزينا ، فعلائم الحزن بادية عليه ولا شك ان تلك السماء رمز صريح لفاطمة ذاتها ... فاطمة التي عاشت مع السماء رحلة عمر انطوت في ماضيها في زمن الطفولة راكضة تتناول لون السماء جارية نحوها باحلام جميلة نقشتها تلك الذاكرة العقيمة ...

احلام الطفولة وما رأته من ايام فيها وما حملته من احداث ظلت ماثلة امامها تشاهدها في صفحة السماء الزرقاء

ونركض صوب السماء
( مقطع من القصيدة 12 تأويل )
ومع ان السماء تبدو مؤنثة الا ان تراتيل انثى جعلت من ذلك الكائن المؤنث كائنا ذكريا تسرق منه تلك اللحظات المنزوية في سريالية الأماكن والشخوص وما يكنه هذا اللفظ من مصدر للقوة ، فتسمع تنفسه الشديد واحمرار وجناته وشدة سطوته فتلوذ في احدى الاركان مغطية شعورها بايدي الوجدان الذي ما برح يسترق دقات قلب شاعرتنا ، وتتسلح منه بطهره ونقاوته وتستحلفه بتلك الانسانية وتوقع له صكا من صكوك تراتيلها ابيض ناصع البياض ليكتب به ما يشاء

يمارسني طهر السماء
( مقطع من القصيدة 7 طهر )

وفي قمة التشابه بين مكونات الطبيعة عند فاطمة ووحدتها المعنوية تحدثنا شاعرتنا عن تلك السماء بطهرها وبراءة الاحلام المنسوجة في تلك المخيلة واذا بها تصب عليها مطرا فيه الهم صافيا قراحا

يمارسني الهم مطرا
( مقطع من القصيدة 2 يمارسني الصحو )

وبين تلك القطرات الساقطة تعاين فاطمة الى السماء بعين العتب من جهة والترتيل من جهة اخرى متسائلة بذلك الوجدان الشاعري والحس الانثوي ، وتتحول تلك النظرات الى سمفونية تتردد في ارجاء ذلك الجو المتلبد بالغيوم والماطر بذلك الهم

لتمطرني اغنية اتعبها الحنين
( مقطع من القصيدة 17 انتظار )


13.الحلم في تراتيل انثى

في نهاية المطاف آثرنا ان نختتم قراءاتي باستدعاء اؤلئك الشهود على احلام تراتيل انثى ، انهم 8 شهود يجلسون ، هم يعرفون تلك الاحلام لم يخبرهم بها احد .
الشاهد الاول : ( سفر ) ان تراتيل انثى حالمة منذ نعومة اظفارها كانت تحلم بامور كثيرة وتريد ان تحققها وتسعى اليها بكل طاقتها كانت ترى ذلك الحلم حلما قريبا ، قريب جدا من متناول تلك اليد الراكضة نحوه .

مهرولين في الحقول
تستبقنا الاحلام
( مقطع من القصيدة 11 سفر )

الشاهد الثاني : ( تأويل ) انا مع الشاهد الاول لقد رأيتها وهي تمتطي تلك الاحلام فرحة نشوة ، ورايت ذلك الحلم طائعا لكل ما تريده فاطمة، كان بالفعل رهن اشارتها .

ونمتطي احلاما تشتهينا
( مقطع من القصيدة 12 تاويل )

الشاهد الثالث : ( مرايا ) ولكن ايها الشهود لم تعد فاطمة تتلذذ بهذه الاحلام فيما بعد لقد شاهدتها وهي تنظر الى احلام لا تغني ولا تسمن من جوع ، انها جعلت من واقعها حلما ومن حلمها واقعا رضيت به ، واكتفت بهذا عن أي شيء اخر

ولا طعم
لاحلامي معي
( مقطع من القصيدة 25 مرايا )

الشاهد الرابع : ( اختناقات ) بل الامر اشد يا مرايا ان حلمها الذي رضيت ان يكون واقعا صار يحاصرها ويضيق عليها لقد تحول الى مجنون يحاول ان يحطم شاعرتنا لقد اختلى بها واراد ان يميت فيها تلك الروح الوجدانية

اتعبتها اختناقات
الاحلام
( مقطع من القصيدة 1 اختناقات )


الشاهد الخامس : ( تسول ) نعم ولكن تراتيل انثى كانت اقوى فاحتالت تلك الاحلام عليها ونصبت لها فخا جديدا في حدث ما.

ارهقتني مكائد الاحلام
( مقطع من القصيدة 22 تسول )

الشاهد السادس والسابع ( صوتك – تميمة ) يعز علينا ان نخبركم ان احلام فاطمة اصيبت بعد ان عجزت عن تدمير تراتيل انثى ، لقد راينا ذلك الحلم مدمى بارض الواقع وبسيف المجتمع ، لقد صدمنا لاجله واصابتنا الحيرة اردنا ان ننقذه ، ولكن ....

فضاقت بي احلامي المدماة
( مقطع من القصيدة 24 صوتك )

الشاهد الاخير : ( سفر الاحزان ) لقد ضاع حلم فاطمة في تلك الليلة

يلملم الفجر احلامي الضائعات
( مقطع من القصيدة 19 سفر الاحزان )

كانت تلك احلام فاطمة واحلام تراتيلها الانثوية تبخرت في جدران العتمة والظلام ولعل للحلم من عودة تستعيد بها تلك الكلمات سحرا جديدا


استدراك : في تراتيل انثى استخدمت الشاعرة اسلوبا بلاغيا متميزا وحتى تكتمل الصورة سوف ناخذ مثالا تطبيقيا من قصيدتها الرائعة ( يمارسني الصحو ) وانا اعدها افضل قصيدة من ناحية الاسلوب والفكرة واللغة في تراتيل انثى

تقول الشاعرة المبدعة

ولابقيك مراسيمي العتيقة
كتعويذة فجر حزين يحتسينا

وهنا تشبيه بلاغي حيث ذكرت الشاعرة الاركان الاربعة فيه ( المشبه والمشبه به والاداة ووجه الشبه )

فالمشبه : هو ضمير الكاف المتصل في الفعل ( ابقى ) والمشبه به هو ( مراسيمي العتيقة و تعويذة فجر حزين ) والاداة ( كاف مقدرة ولابقيك كمراسيمي العتيقة ) ( وكاف ظاهرة كتعويذة ) ووجه الشبه ( يحتسينا ) .

وقد استخدمت مجازا صريحا في قولها ( فجر حزين ) .

وهذا نموذج بسيط من المقدرة البلاغية لشاعرتنا





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,652,901,462
- هل عرفت من انا؟
- عراقي ... عربي ... وافتخر
- إياك والنزول
- غاص في الرمال – قصة قصيرة
- قولي : اني عراقية
- أنفخ الكرة - قصة قصيرة
- أتذكرين !؟
- الصندوق المجدول
- الطفل والنعش - قصة قصيرة
- عيد سعيد - سيدي
- أشتاق أليك ... وأنت قربي
- عندما يصمت الكلام
- تأملات في تراتيل انثى - الحلقة 27 والاخيرة
- ماذا تريدين مني ؟؟؟
- تأملات في تراتيل أنثى - الحلقة 26
- تمايلي .. تمايلي
- تأملات في تراتيل أنثى - الحلقة 25
- السّري الرّفاء - شاعر الرومانسية = 2 =
- سيدي يا يسوع
- السّري الرفاء - شاعر الرومانسية ( 1 )


المزيد.....




- وسيط المملكة يفتح جسور التواصل مع الإدارات والمؤسسات العمومي ...
- بالوصف السمعي.. محفل سينمائي مغربي يشارك المكفوفين سحر السين ...
- رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية يستقبل رئيس مجلس النواب
- غوغل تطلق أداة ترجمة فورية للهواتف المحمولة
- لا أخاف شيئا كما أخاف من الرواية!
- روسيا والفنانون العرب
- انطلاق «منتدى تحديات الثقافة القانونية في الوطن العربي» بالج ...
- مصر تعتبر مجلس النواب الممثل الشرعي للشعب الليبي
- رئيس البرلمان المصري: مجلس النواب الليبي الممثل الشرعي الوحي ...
- نجم عراقي يقبل يد أصالة في السعودية (فيديو)


المزيد.....

- من حديقة البشر / صلاح الدين محسن
- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سوادي العتابي - تأملات في ديوان تراتيل انثى - دراسة نقدية شاملة