أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - فيصل البيطار - محمد علي علوه جي ... وداعا















المزيد.....

محمد علي علوه جي ... وداعا


فيصل البيطار

الحوار المتمدن-العدد: 2995 - 2010 / 5 / 4 - 04:03
المحور: سيرة ذاتية
    


يوم السادس والعشرين من نيسان الماضي، غيب الموت رجلا كنت أحسبه لا يموت لشدة عشقه للحياه وتمسكه بها، واحد ممن لايكرهه أحد من الذين عرفوه، محب للجميع ودودا معهم، وحتى مع حسّاده الكثيرون على ما حقق من نجاح شخصي في مهنته كمحاسب قانوني وعلى حضوره الطاغي في كل مجلس يحضره .

"ابو بيان" كما كنا نعرفه ونناديه، عشق الحياه دون نصب، ونهل من مفاتن زواياها المضيئه والمعتمه على حد سواء، ما يؤمن له سرور اللحظه وذكرى طيبه حاضره أبدا في مجالسه المرحه الكريمه، هذا الكربلائي تنسم حب مدينته بغداد التي وُلد ونشأ فيها ونهل من عذب فراتها دون أن يرتوي، عشقها حد الجنون ولم يتركها إلا لفترة قصيره رغما عنه وعاد اليها وعاش كل أيامها الصعبه رغم أنه يمتلك ما يمكنه من العيش في الغربه وبأحسن حال، أحبها رغم كل ما شابها من تشويه وحزن في لحظات سُرق منها الفرح وجللت بيوتها السواد، وكان له دائما يد طولى في إعانة من يصل إليه من المحتاجين وبصمت لا يكسره تحت أي ظرف، بل لم يعمل أحد معه إلا وناله من كرمه الشيئ الكثير وفوق ما يستحق بدرجات، أبو بيان كان شهما كريما لا يرد أحد ولا تراه عبوسا أبدا، ضاحك القلب قبل الوجه حتى مع أولئك الذين نصبوا له الفخاخ وكادوا أن يوقعوه، لي أن أقول أنه كان أحد أوجه بغداد المتألقه بشخوصها المبدعه، كان بحق واحد من شخوصها ومعالمها البهيه في العقود الثلاثه الأخيره من تاريخها، وقد عرفته وعاشرته وبشكل شبه يومي لما يزيد على عقد ونصف من الزمن، وظلت نفسي تحتفظ له بكل الود والإحترام رغم تعثر العلاقة بسب مشاغل الحياه وهجرته القسريه المؤقته، وكنت قد زرته لآخر مره في بيته عام 2005 قبل مغادرتي بغداد وبعد إنقطاع سنوات .

أبو نؤاس زمنه، وكان محب له ويحفظ له الكثير، ومحب للشعر العامودي وخصوصا شعر الأقرب إلى قلبه شاعر العرب الكبير " محمد مهدي الجواهري " وكان يحفظ من شعره ماكنت أعجب له في قرارة نفسي، فأنا لم أره يوما ممسك بكتاب ولا لمرة واحده، لم يكن من رواد شارع المتنبي في أيام جُمعه الزاخره بالمعارف، ولم يكن من رواد المكتبات منقبا في زواياها، كنت أسآئل النفس متى يقرأ هذا الرجل ومن أين له هذا الكنز الشعري الذي يختزن ذاكرته ! أذكر يوما أنه عرض علينا ونحن في إحدى السهرات في بيته أواسط الثمانينات شريطا كان نادر وممنوع للشاعر الجواهري في لقاء مع الكاتبه الكويتيه " ليلى العثمان " سجلته للتلفزيون الكويتي، إستعرت الشريط منه ولم أرده رغم إلحاحه الشديد والدائم، في تلك الأيام لم تكن لنا إمكانية إستنساخ هكذا شريط، والطريقه المثلى للإحتفاظ به هو سرقته علنا، وكما فعلت أنا، سُرق الشريط مني ولم أعلم الفاعل حتى الآن .

في موقع الحزب الشيوعي العراقي، كتب السيد عبد المنعم الأعسم في الأول من أيار بعنوان / جواهري آخر .. فقدناه / ... " يومَ غيّب الموت محمد مهدي الجواهري في اواخر تموز العام 1997 استقبل محمد علي العلوه جي، سرّا، معزين من اصدقائه في مكتبه بعماره العلوه جي على مشارف ساحة الاندلس. كان اسم الجواهري آنذاك ممنوعا من التداول، فقد اسقطت عنه جنسيته العراقية وطورد في ارض الله الواسعة، لكن العلوه جي عرض على المعزين، شريطا يصوّر وزيرة الثقافة السورية وهي تخاطب رفاة الشاعر الباسق بالقول: لا يهمك فانت الذي تمنح العرب جنسيتهم . " ويقول : " كان محمد علي العلوه جي على السرير الابيض حين تلقى رسالة من مركز في موسكو يُعنى باخبار وآثار الجواهري تدعوه الى الكتابة عما يعنيه شعر الجواهري اليه، فطلب من اصحاب الرسالة امهاله لايام، فلم تمهله الايام اكثر من رمشة عين في حساب الزمن.. هكذا هي الفواجع.. وهكذا قطع الموت على محمد علي العلوه جي طريقا لا يزال مليئا بالحياة وبالشعر. "

آنسنا وأمتعنا " أبو بيان " في جلساته اليوميه، المساءات كانت تبدأ في مكتبه قرب ساحة الأندلس، هناك يتجمع الربع، ومنه ينطلق الجميع نحو جمعية المهندسين القريبه، أو أحد النوادي الخاصه بالطائفه المسيحيه الكريمه وغالبا نحو أبو نؤاس وخصوصا ذلك البار الجميل الذي يحجز لنا نوادله أفضل موائده ويرصها جنبا إلى جنب في الطابق الثاني المطل على الشارع حتى تتسع لمجموعتنا، مقابل آخر كشك للسمك المسكوف الخاص بـ " أبو يعرب " أشهر من يسكف السمك في الشارع الشهير كان يقع بار ومطعم " أرز لبنان " وهذا ما كان إسمه أن لم تخذلني الذاكره ، السهره تبدأ هناك مع كل ألوان المسكرات، ونهايتها يقدمها لنا " أبو يعرب " بسمكتين من ذكر القطان، تنتهي السهره في بعض الليالي في أحد الملاهي ... الليل أو النسيم أو الطاحونه الحمراء . وكثيرا ما كنا نقضي سهرتنا في مكتبه، نحتسي مشروباتنا ونلعب الدومينو التي كان يحبها فقيدنا الجميل، كان يخسر ويربح وفي كلتا الحالتين كان لايكف عن الزعيق والتهريج المرح، ومن نِعَم مكتبه ذاك، أن لا ساكنين قريبين منه وإلا لكانوا قد رفعوا الدعاوى القانونيه عليه بتهمة الإزعاج وإقلاق الراحه، صوت " أبو بيان " كان يصل للشارع دون مشقه وخصوصا عندما تنتهي اللعبه بفوزه، المسكوف كان عشاءنا أيضا، والتوصيه وإحضار السمك كانت من مهماتي الدائمه ولم يكن " أبو يعرب " يملك خطا تليفونيا مثله مثل غيره من الأكشاك .

ليست ليالي بغداد الجميله هي التي كانت تجمعنا فقط، كان لظهيراتها حظ وافر في لَمِ شملنا وخصوصا عندما يستضيف " أبو بيان " بعضا من ضيوفه ممن يتعامل معهم من مدراء الشركات الأجنبيه، البعض من مقربيه كانوا مدعوين على مائدته تلك، وكنت واحد منهم، في تلك الظهيرات كانت البيره هي مشروبه ومشروبنا المفضل، والبار الذي نحبه ويحبنا كان بار " بغداد " مقابل سفارة المانيا الإتحاديه في المسبح، لكن لقاء الظهيره لم يكن يُغنينا أبدا عن لقاء المساء اليومي عدا الخميس المخصص له .

طيلة السنوات تلك، لم أرى " أبو بيان " غاضب بصخب أبدا، كان يغضب ويستاء ويبث شكواه أحيانا لي أو لغيري بكلمتين وسريعا ما ينسى، ولم يأخذه المشروب أبدا لمواقع تهز من قيمته وشخصه، كان متماسك على كثرة ما يحتسي، ولم يكن يؤذ أحد لا في صحوه ولا في نشوته، الخمرة كانت مجلس أنسه وطاقة فرحه وأحسب أنها هي التي قتلته، فقد كانت رفيقته الدائمه وله معها صحبة طالت عقودا .

فقدنا عزيزا كريما، لاتكفيه الدموع والكلمات ... القلب هو الذي ينزف على فقيدنا الكبير محمد علي علوه جي .

سلام عليك يا ذا القلب الكبير .













كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,714,658
- اللجان الشعبيه المناطقيه هي الحل .
- هذه هي العصا ...
- اللهو والطرب في حياة العرب (2) .
- غطاء الرأس ... تاريخ ودين
- ما بعد الإنتخابات ... واقع الحال
- ماذا وراء إدعاءات التزوير في الإنتخابات العراقيه .
- يا لأيامكِ المجيده يا إمرأه .
- عرس إنتخابي عراقي فريد والفرص الخارجيه المعدومه
- اللهو والطرب في حياة العرب (1) .
- خف ونعل وحذاء ...
- الرقص على الحبال ... سياسه حمساويه بإمتياز
- التاريخ السري للكيلوت
- خليل خوري وسياسة التضليل القومي (5)
- خليل خوري وسياسة التضليل القومي (4)
- خليل خوري وسياسة التضليل القومي (3)
- شاربيّ ... من وحي سيدي القائد .
- خليل خوري وسياسة التضليل القومي (2)
- خليل خوري وسياسة التضليل القومي (1)
- نقد الدين أم صراع الأديان ؟
- على هامش الغناء للزعماء ...


المزيد.....




- هجوم مضاد للأكراد على القوات التركية في رأس العين شمال شرق س ...
- شاهد: ساحرات يجدفن قبالة سواحل فلوريدا
- رئيس جنوب إفريقيا السابق يمثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بالفسا ...
- آليات الإنصاف ورفع المظالم فى الرعاية الصحية
- شاهد: ساحرات يجدفن قبالة سواحل فلوريدا
- رئيس جنوب إفريقيا السابق يمثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بالفسا ...
- ماذا تفعلين عندما لا يريد طفلك الذهاب إلى المدرسة؟
- خلال زيارته للرياض.. بوتين يبحث مع الملك سلمان بيع منظومة -أ ...
- مهاتير اطلع سابقا على القدرات التركية.. كوالالمبور وأنقرة بص ...
- هاجم الجامعة العربية.. أردوغان يتعهد بمنع فرار مقاتلي تنظيم ...


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - فيصل البيطار - محمد علي علوه جي ... وداعا