أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حاتم عبد الواحد - انا حمار الجنة















المزيد.....


انا حمار الجنة


حاتم عبد الواحد
الحوار المتمدن-العدد: 2994 - 2010 / 5 / 3 - 09:03
المحور: الادب والفن
    


الممر طويل وضيق ، والبلاطات الصفراءالتي يرتفع فوقها حائطان من تركات باشوات آل عثمان تشبه وجوه المصابين بالجدري ، فيما الباحة المكشوفة في وسط البناء باردة وصامتة كصمت البراري السيبيرية ، كنت في عطلة الصيف الماضي هناك ، ووالدي الذي يقضي شتاءاته أرمل بسبب انشغال الام بابنيها اللذين يدرسان في مدرسة الحي ، ولكن والدي يجدد ليالي عرسه يوميا في نهاية نيسان وحتى انقضاء اواخر ايام الصيف كل عام ، فالغرفة الوحيدة التي يشغلها مع زوجته وولديه لا تستوعب فعل الحب ، والشتاء والجوع يدليان راسه الى صدره المدرع بالاسمال ، كان يبدو مثل قنفذ سابت تحت اشواكه ، لا يغادر مكمنه الا ايام الخميس لساعتين او ثلاث عصرا ويعود قبل غروب الشمس وجيوبه معبأة بحلوى الاموات وفواكههم ، يرمي عدة دراهم على سرير حبه ويغادر الى مقهى الحي ليلعب البوكر والدومينو حتى ساعة متأخرة من الليل ، طالما كان يحدثني عن خسائره في سباق الخيل ، وعن سهراته في ملهى " ليالي الصفا " وكيف أُعحبت احدى المطربات المحليات بصوته عند اشتد نزاؤه فقام الى المسرح ليشاركها الغناء ، أميٌّ تعلمَ القراءة والكتابة في الكتاتيب ، مسالم لدرجة الجُبنِ ، حافظ للقرآن ببدائية لا تمت الى النحو والصرف ، مداهن ومحتال، وفي ليال الشتاء الطويلة كان يرمي حبات الكستناء في موقد الحطب الذي نتدفأ به كي يصيبنا دخانها بالغثيان وننام مبكرا .
تفتحت اولى براعم التوت وبدأت اسراب السنونو بالرحيل وغيمات منتصف نيسان بدأت ترش صمغها فوق جفون معلم الدين في مدرسة الحي :
ـــ القاتل والسارق والزاني لا يدخلون الجنة ، دوّى صوته بين جدارن الصف ، وشدقاه فاغران واصابعه تفرك عينيه بملل لزج ، وبين حين وآخر يتطلع الى باب المدرسة الذي يلوح من خلف اسلاك الشباك كورقة محترقة نصف احتراق ، لتراكم الصدأ والذباب عليها ، لاشك ان باب المدرسة كان جنةً للذباب فالدفء لما يزل مطلوبا في منتصف نيسان ، دبت رعشة لذيذة في مفاصلي ومددت يدي باتجاه باب المدرسة بدون وعي ، فانا ساكون من الداخلين للجنة لان ابي يلقن الموتى آيات القرآن عند دفنهم ولا يتقاضي من ذوي الميت الا ما يكفيه للمقامرة في مقهى الحي ، وهكذا ساكون مشمولا بكرامته ، لان الاب الصالح يشفع لبنيه يوم القيامة ، وبصوت متهدج حاولت الاستحواذ على اهتمام مدرس الدين وأنا اساله
ــــ انا احب قراءة الشعر وسماع الموسيقى فهل سيسمح لنا الرب بهذه الرغبة والهواية في جنته الموعودة ان هذا حرام لانه يلهي عن ذكر الله ؟؟
رد عليّ مثل ملدوغ
ــــ اسكت ايها السافل فالحمير امثالك إذا دخلوا الجنة فلكي ترفع على ظهورهم زبالة المؤمنين .
وتعالت قهقهات زملائي حد الانبطاح على الارض واصبح اسمي منذ ذلك الحين وحتى تخرجي من المدرسة الابتدائية " حمار الجنة "
لم اتذكر من ايام الصيف الا رائحة البخور وطعم حامض الستريك الممزوج بالسكر ، ففي نهاية الممر الضيق لم يكن هناك احد سوى الشيخ " ابو البركات " ذلك الرجل الاحمر والملتحي حتى عظم القص ، والفارع الطول كأنه عفريت من الجن ، يعطيه ابي اجرا يعادل دولارا واحدا نهاية كل شهر مقابل تدريبي على دخول الجنة من اقصر الطرق ، ادخل صومعة الشيخ منذ الصباح واعود الى البيت ظهرا من اجل طعام الغذاء ، ثم اعود الى الصومعة فاغسل البلاط الاصفر الموبوء وازيل شباك العناكب من الزوايا وامسح ذروق الذباب عن الزجاج الملون ، فيما يكون الشيخ " ابو البركات " غاطسا حتى أذنيه في انهار العسل مع زوجته ، حتى ان بعض شهقات الرعشة الاخيرة كانت ترن تحت هدوء قباب ومنائر الصومعة ، في تلك الساعات القائضة ، وعند اذان العصر كنت اعرف كم كان مرضيا عنه او مغضوبا عليه في السرير الالهي ، فاذا صهل كالحصان فذا يعني ان زوجته كانت راضية عن المبلغ الذي باعنا به حامض الستريك المخلوط بالسكر وكافأته في سريرها احسن مكافأة ، وان ماءَ مثل قط هرم اعرف ان غدأ سيكون يوم القيامة وان الحساب آتٍ.
كنت في التاسعة من عمري عندما حضرت اولى حلقات الاذكار ، فحفظ القرآن عن ظهر قلب يعني الخلاص من الجحيم الرباني والدنيوي ، ويمنح الوجاهة التي تستدعي الاحتفال الباذخ ، زجاجات من ماء الورد الطبيعي تسكب في دلو كبير يحوي محلولا احمر هو خلاصة كيمائية بطعم الفريز ، صحون ملآى بحلويات مصنوعة من الرز والحليب المعطر بالهال والدارسين ، فطائر مرشوشة بالسمسم ومحشوة بالتمر ، دفوف تتدلى من داخلها سلاسل قصيرة ، اسياخ مدببة من الحديد ، مصابيح ملونة تنحدر من قمم المنائر والقباب الى باحة الاحتفال ، حشد من عرجان وطرشان وعميان متدثرين بثياب بالية ، هرج شديد تقطعه بين واخر تكبيرة او هتافات باللغة الارامية يطلقها رجال مصروعون .
ضغط ابي على يدي الصغيرة ضغطة قوية ، وحلقت الحمائم المعششة فوق افريز المسجد ، فيما كان خوار بقرة في الزريبة الملاصقة للمسجد يزداد حدة وتتابعا .
ــ لا تخف فيوم مثل هذا تحتفل به حتى الحيوانات ، ان ذكر الله يلهمها السعادة ، ولان البقرة لا تستطيع الكلام فانها تعبر عن سعادتها بهذا الخوار !!
بدا الاحتفال بتخرج ابن جارتنا من جامعة الشيخ " ابو البركات " وتصاعدت غيمة سوداء الى وجه ابي ، فتململ منزعجا حزينا ، بينما كان الدراويش مقسمين الى مجموعتين ، مجموعة تنقر على الدفوف بهستريا عجيبة ، ومجموعة اخرى يتناوب افرادها المصابون بالغيبوبة على ابداء جسارتهم في مواجهة الموت ، يدورون حول انفسهم وهم مغمضو العيون وفي يد كل منهم سيخ حديد مدبدب وعند لحظة معلومة لهم تلامس فيها اصابعهم اسوار الجنة يغرزون اسياخ الحديد المدببة الرؤوس في عيونهم او وسط بطونهم لتخرج بعد ان تمزق ملابسهم الرثة من بين فقرات اعمدتهم الفقرية ، فيدورون وهم بهذا الوضع على المشاهدين في حلبة الاحتفال ليرى الذين لا يؤمنون بالغيب اي منزلة قد وهب الله هؤلاء المسحوقين .
اشتد هياج ضاربي الدفوف وبدأت اجسادهم تتأرجح كالمطاط نحو الامام ونحو الخلف ، ولانهم كانوا جالسين على الارض فقد زحف احدهم من مكانه بسبب هذا التارجح والزبد يملأ فمه ، حتى لامس زميلي المحتفى به ، فقفز ابن جارتنا مصعوقا واتجه نحو باب المسجد مبعثرا زهريات نبات الاس ومحطما الكاسات الملآى بالحناء والبخور ، كان يصرخ بجنون فيما كان اقرباؤه يجاهدون ليلحقوا به ، وفي اول ايام عودتنا الى المدرسة نظر الي ابن جارتنا بخجل وعلل هروبه من الاحتفال بالحركة الامامية والخلفية لضاربي الدفوف والتي تشبه حركة ابيه عندما كان ينام مع امه والتي كانت تسبب الاما واوجاعا تعبر عنها امه بتأوهات كانت تفززه من نومه .
كانت ايان الخميس افضل ايام عائلتي ، فطلبات المدرسة والبيت تلبى ، ليس لان الخميس هو اخر يوم في الاسبوع في مجتمعنا ، ابدا ، ولكن اعتاد ابناء المدينة زيارة قبور احبابهم وذويهم قبل غروب شمس ذلك اليوم من كل اسبوع ، ولأن والدي كان قاريء القرآن الوحيد الذي يتقاضى اجورا مخفضة جراء جلوسه امام القبور وترتيل ما يحفظ من آيات بطريقة تقترب كثيرا من النواح ، فقد كان ذوو الاموات يمنحونه اضافة للمال ، بعض قطع القماش التي نجابه بها الشتاء الازرق ، وفواكه مجففة وحلويات ، وفي الاعياد كنا نتذوق طعم اللحم الذي يقدمه ذوو الموتى قرابين لارواح موتاهم .
والدي الذي احترم هدوءه واكره جُبْنه ورث هذه المهنة عن جدي الذي ساقته الجندرمة التركية ليحارب الروس في الجبهة الغربية من القفقاس ايام كان العراق ولاية تركية ، كان جدي رجلا طويلا ذا صرامة واباء باديين على محياه ، ولكن اصيب بالطاعون في اسره الروسي ففقد بصره بعد ان استطاع الهروب من الاسر والوصول الى بيته مرورا بايران برحلة استغرقت ثلاث سنوات على الاقدام ، وبعد ما الم به لم يكن امامه الا ان يتعلم تلاوة القرآن ليعتاش منها هو وعائلته ، هذه هي التركة الوحيدة التي ورثها ابي عن جدي ، وكم حاول والدي ان يزين لي تلك الوظيفة البائرة بالبركة الربانية والنعمة التي لا تزول املا منه ان ارث ما ورث مسلحا بمعارفي المدرسية وتعليمي ولكن محاولاته باءت بالفشل بعد ان غمزني ولمزني ابناء الحي الذين يشاركوني صفي في المدرسة ، فالحقيبة الجديدة والقميص الجديد الذي ارتديه في مناسبات متباعدة تجعل زملائي يتجمعون في زاوية من زوايا المدرسة ويصرخون عاليا بصوت واحد
ـــ من مات اليوم في الحي ؟؟
المقاعد الخلفية في الفصل هي مكاني المفضل في كل عام ، بلا اصدقاء ، اجمع مصروفي اليومي لاشتري مجلة او اقصوصة للفتيان كانت تصدر في بلد مجاور ، افترش عتبة من عتبات سلم بيتنا المؤدي الى سطحه الطيني واغيب في عالم تتجسد به الجنة التي يصفها الشيخ " ابو البركات " ايام انقطاعي له في العطلة الصيفية من كل عام بانها نساء وخمر وخلود ابدي ابدي !!
تصاعد الصراخ في باحة الدار ومن شباك يطل على الفناء رايت ابي يهوي بيده الثقيلة على راس امي ويطرحها ارضا نصف ميتة ، بينما راحت صاحبة المنزل الذي نستاجر غرفة فيه تحاول ابعاده متوددة ومعاتبة
ـــ اهكذا تتصرف يا قاريء القرآن بالمرأة التي خلقها الله من نفسك
ــــ مهملة .. مهملة
حاولت التدخل بولائي الامومي لارجح ما قالته صاحبة المنزل ولكنه نهرني باصقا في وجهي
ــ انت ايها الشيوعي لا تتدخل ، عندما تعرف الله تستطيع مناقشتي
ما تجاوز عمري العاشرة حين سمعت لاول مرة كلمة " شيوعي " في بداية الامر حسبتها " شيعي " وهو مذهب ديني اسلامي يعتنقه ابن جارتنا الذي احتفي به لحفظه القرآن ، فتذكرت اللحظات التي رايت بها ابي عابسا في الاحتفال وقلت في نفسي
هل الشيعي لا يعرف الله ؟؟؟؟
بدأت انسل بعد انتهاء ساعات المدرسة الى حي قريب ، ورش حدادة ونجارون وحسينيات يصلي بها الشيعة ، اجلس امام الباب الكبير المزخرف بالنقوش الفارسية الملونة واتطلع في وجوه الخارجين والداخلين ، كانت مسحة الوقار والسكينة بادية عليهم ، يدخلون الى باحة البناء عبر ممر قصير ويلتقطون من احد زواياه حجرا مثمنا او مسدسا او مربعا ويتجهون صوب المحراب ، كان كل شيء يشبه ما يحصل في المساجد سوى ان المساجد ليس فيها مذخرا للحجارة التي يصلي عليها الشيعة ، تجاسرت مرتعشا وسألت اول الخارجين من الحسينية التي ادمنت الجلوس امامها محاولا ايجاد رد لأسئلتي التي زرعها ابي في راسي
ـــ هل انت شيوعي يا عم ؟
كانت نظرات الرجل مستنكرة ، وتمتم بلغة لم افهم منها سوى كلمة الله ، تجاوزني ورجع الي بوجه حنق :
ـــ اسال امك عن ابيك
في ساعات الظهيرة الكانونية كانت امي تقلي لنا رئات الخراف مع البصل ، وابي يبقى ممدا في سريره الحديدي ذي الصرير ، في ذلك اليوم كان يقلب جريدة بلا صور متدثرا باول بطانية اشتراها لعرسه ، وبيده ورقة صغيرة يسجل عليها بالقلم الرصاص اشياء لا افهمها .
تقربت من امي في اول انعطافة لها باتجاه المقلاة وسالتها
ــ هل انا ابنك وابن هذا الرجل ؟
استطيع الجزم بانني لم اعد بحاجة للدفء في تلك الظهيرة الكانونية ، كانت دموعها تتدفق مثل ينبوع ساخن ، التفتت الي ووجهها نصف عابس ونصف ضاحك وقبلتني مربتة على كتفيَ الصغيرين
ـــ لا تعد هذا الكلام ملاة اخرى
فاحت رائحة التراب في الزقاق ، كان وميض البرق يتكسر فوق زجاج النافذة الوحيدة في غرفتنا ، وصرير السقف الخشبي بدأ يصبح اكثر شدة ، ومن فتحة في الباب نظرت امي نحو السماء الصدئة
ــ لا تخافوا فهذه العاصفة المطرية لن تؤذي احدا لانني رايت " سيف الله " مقوسا في السحب السوداء ، ان هذه السنة ستكون سنة خير ، فيما بدأت المآذن تكبر باسم الله وتعالى صراخ مدوٍ من مكان قريب في الزقاق ، كان اللغط وصوت الارجل الراكضة في الوحل واضحا وبكاء وليد راح يزداد توحشا رغم قرقعة الرعود.
ساعدونا في اخراج هؤلاء المساكين ، اتى صوت السيخ " ابو البركات " مبحوحا ، فيما كانت الجلبة تتصاعد متضخمة ، وابي الملتحف ببطانية عرسه يهديء من روعنا
ــ اظنهم يبالغون في الامر ، ربما اسقطت العاصفة حجرا من حائط بيت جارتنا فجرح عابرا في الزقاق ، لا تخافوا ... لا تخافوا
تابع الشيخ " ابو البركات " هياجه
ــ اما من احد غير هذا الصبي المسكين لتاخذه ايها الرب ؟ انه الوحيد الذي حفظ قرآنك أغضبت عليه لانه هرب من احتفال التخرج ؟؟؟
وبدأت استعيد حكاية رواها لي جدي الهارب من اسره القفقاسي ، عندما لاذ بقرية على الحدود الروسية الايرانية ، كان الناس مزارعين بسطاء ، يتامى وعجائز واطفال ببطون منفوخة من الجوع ، وكان هناك فتاة في الثانية عشرة يتيمة الابوين تعيش في كنف جدتها المقعدة ، الحياة تكافلية بينهما ، فالفتاة ولصوص القرية يجلبون الطعام ، والجدة تطبخ ، وبين حين واخر يجود عليهما اشهر لصوص القرية وفاسقيها بشيء من الطحين الذي يسرقه من بيادر اغنياء قرىً اخرى ، فتعجنه الفتاة وتقرب الجدة نحو الفرن لتخبزه ، استمر هذا الوضع طويلا وتمنى اهل القرية ان تموت العجوز لتتحرر الفتاة من هذه الخدمات المجانية ، وحصل ذات صباح ان تعالى الصراخ في بيت العجوز ، ظن الناس انها ماتت ، وعندما وصل كل رجال القرية الى باحة بيتها وجدوا ان الفتاة الصغيرة هي التي ماتت ، فرفع ارذل اراذل القرية وافسق فاسقيها راسه نحو السماء قائلا:
ــ انا الذي انجس الهواء والماء لا افعل فعلتك هذه
نشيج بكاء جارتنا يتصاعد جنائزيا ، منهكا ، وعيناي تدوران في الغرفة من سقفها الى بلاطاتها الحجرية ، كانت الحيطان مزينة بصور رجال مقدسين واماكن مقدسة ، قفزت نحو الموقد النفطي الذي تعد امي طعامنا عليه ، كان عاليا لا استطيع الوصول اليه لاطفائه ، وفجأة ساد هدوء مريب ودخلت امي الى فناء الغرفة منكسرة واهنة ، ورائحة رئات الخروف التي تركتها امي في المقلاة تملأ منخريَّ .
قلت بصوت مشحون بالانكسار ماتوا ، ضربهم الله بسيفه الذي رايته مقوسا في السحاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيف الله اشارة الى قوس قزح الذي يظهر نتيجة انكسار الضوء في بلورات الماء ، وقد جاء في التوراة انه اشارة الى ميثاق الله لنوح ان لا يغرق الارض مرة اخرى بالطوفان
انقضت العاصفة فكانت طوابير من الحمالين وعمال ازالة الانقاض يفترشون اكوام الحجارة ويزيحون الاطيان التي انهدت على رؤوس جيراننا ، ماتت الام وولدها اليافع ، زميلي ، ولم ينج من الحادث الا طفل في المهد هو ثمرة زواجها من رجل آخر بعد وفاة زوجها الاول ، سقط السقف الخشبي بما عليه من طبقات الطين والبردي فوق جسر المهد الذي كان ينام فيه الطفل ، فشكل فجوة منعت الركام من دفن ابن الثلاثة اشهر ، البغال تروح جيئة وذهابا وعلى ظهورها الانقاض ، ابناء الحي يجمعون من بين اكوام التراب ما تبقى من اغراض رخيصة ، صحون من الالمنيوم ، طناجر نحاسية صدئة ، صور صغيرة لمراقد مقدسة ، قلائد من الخضروات المجففة منذ الصيف ، وبضعة كتب مدرسية ممزقة الاغلفة ، هذا كل ما سيرث ابن الثلاثة اشهر عن عائلته .
لم يحل وقت الغروب الا وكان ابي يلقن زميلي ووالدته بقلب اقسى من جلد التمساح اثناء دفنهم في المقبرة القريبة ، لان مقابرهم كانت بعيدة عن العاصمة والشوارع مغمورة بالوحول والسيول ، كنت الى جانبه لالقي نظرة الوداع الاخير على زميلي ، وقف كالببغاء على ارض المقبرة وردد ما ردده الوعاظ قبل الف سنة بوجه عابس ونظرات متطفلة .
الغي نشيد الصباح المدرسي في اليوم التالي ، والقى مدير المدرسة خطبة نعي ودعانا الى سماع تقرير كتبه مدرس مادة الدين لادارة المدرسة ليلة الحادث .
جاء في التقرير " ان زميلكم الذي مات يوم امس بحادث انهيار سقف بيتهم ، قد كان منذ عودته من العطلة الصيفية يلح علينا في معرفة الفرق بين موت جنود الاسلام وموت جنود اعدائه ، ولم يتوقف عن معرفة مصيرهم والى اين سيذهبون ، اللجنة ام للنار ؟ ولانه يتيم وليس له الا امه فقد انكر عليكم اباءكم مرارا ، وكان يقول كلنا ابناء الحياة وهي التي تمنحنا كرامة وجودنا ، فانتبهوا ايها التلاميذ لوسوسات الشيطان والا كان مصيركم كمصيره "
كانت عينا مدير المدرسة تلاحق وجهي النحيل ، بينما كنت احاول دسه وراء قامات زملائي الاطول مني ، ورياح كانون الحادة كالموسى تسلخ جلود انوفنا حتى اصبحت مثل انوف المهرجين في سيرك يقدم حفلاته في القطب الجنوبي ، فيما بدات اذاننا تتورم من البرد ، نظرت الى السماء الملبدة مترقبا قطرة مطر او بريق رعد كي ننصرف الى فصولنا الدراسية قبل ان يطالبني المدير بالوقوف امام زملائي وادلي بشهادتي التي لا تسره ولا تسر مدرس مادة الدين ولكن السماء كانت بخيلة ، نزع زميلي المسيحي ارام صليبه ودسه في جيبي
ــ لا تخف ما ذنبك انت ؟
وغرقت في دوامة الخوف والرفض ، كنت احس باعضائي تغادر مكانها ، وحواسي مشوشة ويد ابن جارتنا تمتد نحوي وتاخذني بعيدا ، حتى وضحت الرؤيا ، فاذا ببناء فاخر يعبق برائحة الارض في هطول للمطر عليها ، شرفات بانواع من الزهر المحفوف بطيور لم ار مثلها من قبل ، الوان مطرزة بلون ناعم من الموسيقى ، ممرات لا متناهيه يكسوها السجاد الاحمر ، نساء بارعات الجمال والحركة يرحن جيئة وذهابا دون صوت ، سلالم تؤدي الى سلالم اعلى ، مبوقون وطبالون ، جنود يحملون على اكتافهم فؤوسا واقواسا .
كانت القاعة الكبرى في وسط البناء تشع بضوء مالوف لدي ، فكلما كنت اجلس على عتبات سلم بيتنا متاملا حقيقتي ووجودي ، يطلع من صدري قنديل كبير يغمرني بضوئه مبددا وحشة العالم ، ومحيلا كل الموجودات التي تحيطني الى غبار لا قيمة له .
تقدمت مرتعشا وابني جارتنا يسحبني سحبا صوب السلم المؤدي الى القاعة الكبيرة ، لم اعد اذكر ساقيي ، لقد تحولا من الرهبة الى خيطين واهيين ، كان همس ضحكة ودودة قد تناهى الى اسماعنا ، ولم نكد نقترب اكثر من الباب الرئيسي حتى احاطنا فتيان باعمارنا ودلفوا بنا الى الداخل ضاحكين .
ــ اهلا بكم في مملكتي ، ملأت هذه الجملة المكان وكانها تخرج من كل حجر في ذلك البناء الفاخر ، اجلسونا على ارائك من ريش ، وامتلأ المكان بعطر شفيف ، وراح ابن جارتنا يقدمني بلباقة لا تخلو من تمرس ، هذا زميلي الذي سيحاول مدير المدرسة ان يجعله شاهد زور عليّ ، اعلم انه مثلي لا يريد ما يراد له ، ولا يؤمن بقتل بريء من اجل بريء اخر ، وجاءني الصوت من خلف ستار
ــ ماذا يعمل ابوك ؟
قلت انه ملقن موتى
ــ وماذا يلقنهم ؟
قلت يلقنهم دينهم وربهم ونبيهم وشهادة ان لا اله الا الله محمد رسول الله كي يدخلوا الجنة
جلجلت قهقهة عالية هزت المكان
ومن اوصاه بهذا ؟
قلت الله اوصاه
بدأ الحجر والشجر والنساء والجنود يقهقون مع قهقهة السيد القابع خلف الستار ، وشعرت بالاحراج قبل ان تمتد يد دافئة الى وجهي لترفعه الى الاعلى بعد ان سقط من الخجل.
ــ انا الله ولم اوص احدا بما ذكرت ، فقل لكل من جعل نفسه وكيلا عني ان الله يقول لكم : لا تضيعوا خلودكم بطلب المعرفة ، ولا تضيعوا المعرفة بطلب الخلود ، اتعضوا من ابيكم الاول الذي لا اعرفه الا سارقا وزانيا ، ومن اخيكم الاول الذي لا اعرفه الا قاتلا.
كانت برودة جسدي كافية لسقوطي على ارضية باحة المدرسة ، لم افق الا بعد يوم في فراشي الرث ، لأرد على اسئلة والدي ومدير المدرسة الذي رابط في غرفتنا ليعرف ماذا حصل لابن جارتنا ولماذا الله انتقم منه ؟.
تشجع يا ولد انها مجرد لسعة برد قال والدي ، بينما كنت احس بشيء كبير ينمو في صدري ويرفع دثاري الى اعلى ، وبدأت اخطط الرحلة النهائية لتلك المملكة ، ساقف على اعلى شرفة فيها واطلب من الخدم ان ياتوني بكل تفاح العالم ، ثم انادي بمرور كل النساء اللواتي خلقن في الارض والسماء من تحت شرفتي العالية ، وعند ارمي بتفاحة على اي منهن فعلى الجنود ان يأتوا بها الى قصري الذي سيكون بلا شك من اعلى قصور مملكة الله ، لانني لم اقتل ولم ازن ولم اسرق ، ولكن ماذا افعل لو رفضت احداهن طلبي ؟؟ لالا .. الله سوف يتدخل على الفور ويرغمها على قبولي ، هل الله يرغم الناس ؟ ربما ، ولكن ما تعلمته في كتب المدرسة ان الله رحيم يحب الرحماء ،والله متسامح ولا يرغم احدا على شيء ، اذن تستطيع اي فتاة اختارها ان ترفض طلبي ، نعم فهي بالتاكيد لها حرية كحريتي في الاختيار ، لا... انني ابالغ في هذا ، فنساء مملكة الله خلقن خصيصا ليمتعن الذين يختارهم الرب الى جانبه ، ومن سيختار القبيحات منهن ؟؟ اتذكر ما قاله مدرس الدين عن الذين يذهبون الى الجنة ، قال ان الله سيجعلهم غاية في الجمال وريعان الشباب ، صاح الديك فوق المزبلة القريبة من بيتنا فانسدلت ستارة احلامي وخرجت من جسدي حشرات تشبه نثيثا من الثلج تتطاير صوب السقف وهي تردد ستبقى حمارا ايها الولد





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,844,432,391
- فنتازيا الوجع
- 337 +316 = صفر
- استكماتزم
- تلغراف عاجل الى الله
- انه الكاكا يا عراق
- مصرع الرافدين
- انفلونزا الاسلام
- العراق الفيدرالي ام العراق الفيودالي
- بنادق ثقافية
- معركة الطف قطب العبودية
- خرافة النسب المقدس
- جبل ام مغسلة ؟
- باي باي بلاد الرافدين
- الحرباويون
- لا تفتونا آجركم الله
- رأسي طبل التوتسي
- عيون الجراد تراك يا اخضر
- انا من الموساد !؟
- أملنا بيهودنا
- السماويون الجدد 2


المزيد.....




- الإمبراطورية العثمانية... ستة قرون في أقاليم تجاوزت 3 قارات ...
- صدور رواية -طلب صداقة- للكاتب محمد عبد الحكم
- تسعة ممثلين رفضوا أدوارا مهمة في أفلام بارزة
- صدر حديثًا ترجمة كتاب بعنوان -لاثاريللو دى تورمس-
- قريبا في الأسواق… أعمال فنية جديدة لتركي آل الشيخ مع فنانة م ...
- جون أفريك تستبعد العفو الملكي على معتقلي أحداث الحسيمة
- لبنان: أم كلثوم -حاضرة- صوتا وصورة في مهرجانات بعلبك الدولية ...
- جميل راتب يفقد صوته ويدخل العناية المركزة
- السينما السورية تخترق الحصار وتحصد الجوائز
- بمشاركة روسية... بيروت تقتبس شعاع -مهرجان كان- السينمائي


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حاتم عبد الواحد - انا حمار الجنة