أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - تأملات في القرآن المكي 2-4















المزيد.....


تأملات في القرآن المكي 2-4


كامل النجار

الحوار المتمدن-العدد: 2982 - 2010 / 4 / 21 - 13:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثالث سورة "نزلت" على محمد كانت سورة "المزمل" التي تقول: (يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا. إنّ ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا. إنّ لك في النهار سبحاً طويلاً. واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا. واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراَ جميلا. وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهّلهم قليلا. إنّ لدينا أنكالاً وجحيما. وطعاماً ذا قُصةٍ وعذاباً أليما. يوم ترجف الأرض والجبالُ وكانت الجبالُ كثيبا مهيلا.)
جاءت هذه السورة ومحمد ما زال خائفاً من جبريل عندما رآه بالغار وشعر بالبرد وطلب من خديجة أن تزمّله بثيابه، كما زعموا. وفي هذا الجو المشحون بالخوف، يقول رب القرآن لمحمد: (قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا). يبدو من الوهلة الأولى أن من كتب هذه الآيات لديه مشكلة مع الحساب، فهو يقول له: قم الليل إلا قليلا. ونفهم من هذا أن المطلوب منه أن يقوم الليل كله إلا قليلاً منه، يعني حتى قبيل الفجر بقليل. ولكنه يشرحها بقوله (نصفه أو انقص منه قليلا). يعني قم نصف الليل أو أقل من النصف، ربما ثلث الليل. ثم يضيف (أو زد عليه). فماذا يفهم السامع من هذه الآيات؟ يقوم الليل كله إلا قليلاً منه، أم يقوم ثلث الليل، أم النصف، أم يزيد على النصف قليلاً فيصبح ثلثين؟ أما كان الأجدر أن يقول له قم ما تيسر من الليل؟ ولكن قافية السجع أجبرته أن يقول "قليلا"، فاضطر إلى الزيادة والنقصان. فواضح من هذه الآيات أن من كتبها كانت تعوزه مَلَكة ترتيب أفكاره قبل النطق بها، وهذا الكاتب لايمكن أن يكون إلهاً.
والغرض من قيام الليل كله إلا قليلا هو ترتيل القرآن. ولكنا نرى هنا أن القرآن لم يكن قد "نزل" منه إلا سورتين قصيرتين قبل هذه السورة، فهل طلب الإله من رسوله أن يقوم الليل كله ليرتل سورتين قصيرتين من القرآن؟ أم أنه استعجل بهذه الآية وأتى بها في بداية الرسالة وهو كان يعلم أن القرآن لن يكتمل إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاماَ؟ أما كان الأفضل أن يؤخر هذه الآية حتى يكتمل القرآن ليجد محمد ما يكفي من الآيات للترتيل طوال الليل؟ وإذا رتل القرآن طوال الليل، فهو حتماً سوف ينام طوال النهار، فمتى يقوم بنشر رسالته؟
(إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلا. إنّ ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا). يقول الإله لمحمد إنه سوف يُلقي عليه قولاً ثقيلاً من الآيات، وإنّ ناشئة الليل أشد وطئاً وأقوم قيلا. والقاريء للقرآن لا يجد فيه قولاً ثقيلا بالمرة. هل آيات مثل (إنا أعطيناك الكوثر) أو (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)، قولٌ ثقيلٌ؟ وما هي ناشئة الليل؟ يقول القرطبي (قال العلماء: ناشئة الليل أي أوقاته لأن أوقاته تنشأ أولاً فأول، يُقال نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ وأقبل شيئاً بعد شيء. والمراد هو ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف عن الاسم.) انتهى. وفسر الماء بعد الجهد بالماءِ. وهل يا ترى أن ساعات النهار لا تنشأ شيئاً فشيئاً مثل ساعات الليل؟ فلماذا تكون ساعات الليل أشد وطئاً وأقوم قيلا؟
وعندما جاءوا لشرح "أقوم قيلا" قال القرطبي (إن القراءة بالليل أقوم منها بالنهار أي أشد استقامة واستمراراً على الصواب لأن الأصوات هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلي). ونستطيع أن نفهم أن القرآن جاء في زمن لم يكن عرب الصحراء قد عرفوا حياة الليل، فكانوا ينامون بعد مغيب الشمس بقليل. ولكن يبدو أن كاتب القرآن لم يحتط للقرن العشرين وما بعده. فالليل في نيويورك لا يختلف عن النهار في شيء من ناحية الضوضاء والصخب، وأصوات الطائرات والقطارات وموسيقى الراب. وحتى في بلاد إسلامية مثل القاهرة وجاكارتا، فالليل لا يختلف عن النهار كثيراً. وفي هذه البلاد لا تكون ناشئة الليل أشد وطئاً ولا أقوم قيلا. وكلمة "قيلا" غير مفهومة المعنى لأن المصدر من الفعل "قال" هو "قول" وأقرب شيء إلى "قيلا" هو "القيلولة" أي رابعة النهار، وهي حتماً لا تنطبق على ناشئة الليل.
(إنّ لك في النهار سبحاً طويلا. واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا). رب القرآن هنا يطلب من محمد أن يقوم الليل إلا قليلاً لأن له في النهار سبحاً طويلاً. يقول المفسرون إن "سبحاً" تعني فراغاً، أي أن لك فراغاً لحاجاتك بالنهار، وقيل فراغاً طويلاً لنومك (القرطبي). وكلمة "سبحاً" كلمة فرضها السجع فرضاً على الكاتب، فلم يكن لمحمد في النهار سبحٌ او سباحة أو تسبيح يستدعي إدخال هذه الكلمة في الآية. فإن هذه الآية جاءت في صحراء جرداء ليس بها ماء ولا سباحة.
ونفهم من ذلك أن القرآن جاء لأناس لا يعملون أبداً، فهم يقومون الليل إلا قليلاً، ثم ينامون بالنهار لأن النهار به سبحٌ طويل. ونرى هذه الصورة بوضوح في شهر رمضان حيث يقوم الناس نصف الليل أو يزيدون عليه، في مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأكل، ثم ينامون أغلب ساعات النهار وتتعطل المعاملات. وبعد هذا يقولون إن القرآن صالح لكل زمان ومكان.
(رب المشرق والمغرب فاتخذه وكيلا). الوكيل هو من ينوب عن الشخص في أداء مهمةٍ ما. فمثلاً هناك وكيل بيت المال الذي يقوم بتصريف شؤون بيت المال بالإنابة عن الخليفة وهو مسؤول للخليفة. وهناك الوكيل القانوني (المحامي) الذي يُدافع عن المتهم، وهو مسؤول للمتهم. وهناك وكيل العريس الذي ينوب عنه في مراسم الزواج، كما فعل النجاشي عندما أصبح وكيل محمد في زواجه من أم حبيبة التي كانت في الحبشة وقتها. ووكل إليه الأمر: سلّمه له وتركه له. تواكلوا: اتكل بعضهم على بعض. فكيف يتخذ محمد الله وكيلاً ينوب عنه؟ ويبدو أن الله ينوب عن كل الناس: (قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (آل عمران 173). وينوب حتى عن الأشياء: (وهو على كل شيء وكيل) (الأنعام 100). والمنطق يخبرنا أن محمد هو الوكيل عن الله في الأرض، يقوم بما يقوله له الله، فكيف يصبح الله وكيلاً لمحمد ومسؤولاً له؟
(واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً. وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا. إنّ لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا قُصةٍ وعذاباً أليما). عندما نهجر شخصاً نفعل ذلك لأننا غاضبون عليه، فكيف يكون الهجر جميلاً، أما كان أبلغاً لو قال "هجراً طويلا"؟ وفي ثالث سورة من القرآن يلجأ ربه إلى التهديد والوعيد والتخويف، فيقول (ذرني والمكذبين أولي النعمة ... إنّ لدينا أنكالاً وجحيماً). أين حض الإنسان على استعمال عقله لتحليل آيات القرآن حتى يقتنع أو لا يقتنع بوجود الله أو نبوة محمد؟ ولكن بدل التفكير يهدد رب القرآن المكذبين به الأغنياء (أولي النعمة) بالجحيم والأنكال. وذلك لأن تجار مكة الأغنياء رفضوا أن يصدقوا رسالة محمد. فليسترح فقراء العالم فلا أنكال تنتظرهم لأنهم ليسوا ذوي نعمةٍ.
(يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيبا). رب القرآن يصف للعرب يوم القيامة يوم ترجف الأرض فتصبح الجبال كثيباً مهيباً، أي تصبح مثل كومة من الرمال. ولكنا نرى الآن كيف أن الأرض ترجف مع الزلازل التي تصيب بلاد العالم وتتهدم المنازل والمباني الخراصانية كلها وتظل الجبال كما هي، لا تتحول رمالاً. فالجبال جذورها في باطن الأرض، ولا تندك الجبال حتى تندك الأرض نفسها، ووقتها لن يبقى قبر ولا إنسان ولا حيوان، حيّ أو ميت، ليحاسبه الله. القرآن هنا يعتمد على التخويف برسم صور مهولة ليوم الحساب، حتى وإن كانت الصورة مستحيلة الحدوث وتتعارض مع منطق العقل. وبعد كل هذا يصر أهل الإسلام أن الإسلام يحترم العقل ويشجع على استعماله.
وتستمر سورة المزمل (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعونُ الرسولَ فأخذناه أخذاً وبيلا. فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدانَ شيبا. السماء منفطر به كان وعده مفعولا. إنّ هذه تذكرةٌ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا). رب القرآن يقول في سور لاحقة إنّ محمداً لم يكن يعلم بقصص الأنبياء السابقين حتى ذكرها له الله في القرآن (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص) (غافر 78)، وكذلك (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) (آل عمران 44)، فإذا كانت قصص الأنبياء من الغيب الذي يوحيه الله لمحمد، فهو حتى تلك الساعة لم يكن قد قص عليه قصة فرعون وموسى في السورتين اللتين أنزلهما له، ولا بد كذلك أن عرب مكة في ذلك الوقت كانوا يجهلون هذه القصص كما جهلها محمد، فكيف يتحدث لهم رب القرآن في ثالث سورة "تنزل " إليهم عن عصيان فرعون لموسى قبل أن يحدثهم عن فرعون الذي كانوا لا يعرفون عنه شيئاً؟ فلماذا لم يشرح لهم قصة فرعون أولاً قبل أن يهددهم بمصيره؟ إنه يحدثهم عن هلاك فرعون وعن يوم يجعل الولدان شيباً حتى يخاف عرب مكة ويتبعوا محمد لتفادي مصير فرعون، ومع ذلك يقول لنا (إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)، ومن لا يشاء أن يتخذ السبيلَ فلن يتقي يوما يجعل الولدان شيبا. فهو هنا يقول لنا: لكم مطلق الحرية أن لا تؤمنوا بالله، ولكن إذا استعملتم حريتكم في الاختيار فسوف نعذبكم عذاباً أليماً. وكيف تكون السماء في ذلك اليوم منفطرة، أي منشقة، وهو يقول في آيات أخرى إنه سوف يطوي السماء بيمينه، (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) (الأنبياء 104). فهل السماء منشقة أم مطوية؟
ونجد بعد هذه الآيات (إنّ ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يُقدّر الليل والنهار عَلِمَ أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن). مرة أخرى يرجع كاتب القرآن إلى قيام الليل ومشاكله مع الحساب، فيقول إنه يعلم أن محمد يقوم أدنى من ثلثي الليل، وهذا يعني أنه يقوم ربع أو ثلث أو نصف الليل، ولكنه لا يكتفي إلا بالتكرار غير المفيد، فيقول له "نصفه وثلثه" وما دام النصف والثلث أقل من الثلثين، فلا داعي لذكرهمها لأنه قال إنه يعلم أن محمد يقوم أقل من ثلثي الليل. ثم يقول لنا في جملة طويلة غير مفيدة (الله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم). ونستطيع أن نفهم أنه يقدّر الليل والنهار (مع أنه لم يقدم لنا أي دليل)، ولكن لا نستطيع أن نفهم قوله (علم أن لن تحصوه)، ما هو الشيء الذي لا نستطيع أن نحصيه أو نحسبه؟ وكوننا لا نستطيع أن نحصي هذا الشيء، أيكون هذا سبباً له ليتوب علينا من ذنب لم نقترفه؟
ونستمر في السورة فنجد (فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضاً حسنا).
مؤلف القرآن أو ناسخه قد وقع في خطأ جسيم في هذه الآية، فقوله (وآخرون يقاتلون في سبيل الله ....وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) إما أن تكون هذه الآية من سورة مدنية أُدخلت هنا عن طريق الخطأ، أو أن مؤلف القرآن قد أخطأ في التاريخ، لأن القتال لم يُشرع للمسلمين إلا بعد أن هاجر محمد إلى المدينة وقويت شوكته بالأنصار، والصلاة لم تُفرض على المسلمين إلا في العام العاشر بعد بدء الرسالة، والزكاة فُرضت في نهاية حياة محمد بالمدينة، وهذه السورة هي ثالث سورة أتت من القرآن، وكانت في بداية إشهار محمد لرسالته، فكيف يطلب منهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما لم يكونا قد فُرضتا بعد؟ وللخروج من هذا المأزق يقول ابن كثير (هذه الآية، بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شُرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنها من باب الإخبار بالغيب) انتهى. فرب القرآن عالم الغيب عرف أنه سوف يفرض القتال والصلاة بعد عشر سنوات، والزكاة بعد عشرين سنة، ولم يستطع أن يكتم هذا السر عن محمد فأخبره في ثالث سورة أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وهذ علامة من علامات النبوة. مشكلة المسلم هي أنه من المستحيل عليه أن يقول إن محمداً أو ناسخ القرآن قد أخطأ ولذلك يأتون بكل حركة بهلوانية ليقنعوا أنفسهم بصدق القرآن، وليذهب العقل إلى الجحيم فلا حاجة له لأن التفكير في غير مخلوقات الله حرام "تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته"، هكذا قال فقهاء الإسلام. ولم ينسَ محمد أن يطلب من الناس أن يقرضوا الله قرضاً حسناً. تخيل نبياً جديداً يأتي برسالة من المفترض فيها أن تكون لعامة الخلق، وبدل أن يشرح لهم هذه الرسالة، يطلب منهم في ثالث سورة أن يقرضوا الله قرضاً حسناً. نحن نعلم أن محمداً كان فقيراً، فهل كان رب السماء كذلك فقيراً حتى يستعجل بالاستلاف من الناس قبل أن يسلموا؟ وإذا كان فقيراً لماذا يقول (ذرني ومن خلقتُ وحيداً وجعلت له مالاً ممدودا). من أين أتى بهذا المال ليمده لهذا الشخص وهو يطلب من الناس أن يقرضوه قرضاً حسناً؟
أما السورة الرابعة التي أتت بمكة، فهي سورة "المدثر" التي تقول: (يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر. ولا تمنن تستكبر. ولربك فاصبر.) هذه الآيات من سورة المدثر كان يجب أن تكون أول آيات أتت من القرآن لأنها تتحدث عن التوحيد وهجر الأصنام والحرص على الطهارة، وتأمر محمد أن يُشهر رسالته، أي أنها تعريف مختصر بالإسلام، ولذا كان من الأفضل أن تكون بداية القرآن. ورغم أن الآيات ترمز إلى محمد ب "المدثر" وهو ما فعله محمد في أول يوم أتاه جبريل، فخاف منه وقال لخديجة "دثريني، دثريني"، إلا أن رب القرآن "أنزلها" بعد ثلاث سور سبقتها.
ثم يلجأ رب القرآن مرة أخرى للتهديد والوعيد، فيقول: (فإذا نُقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير. ذرني ومن خلقت وحيدا. وجعلت له مالاً ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيدَ. كلا أنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا.)
وكلمة "الناقور" فرضها السجع المنتهي بالحرف "ر"، والكلمة المتعارف عليها هي "الناقوس" الذي كان المسيحيون يضربونه على كنائسهم. فإذا نُقر في الناقوس، فذلك يومئذ يوم عسير. والجملة هنا واضحة المعنى، لكنه يزيد، فيقول: (على الكافرين غير يسير). وهذا تكرار لا معنى له، لأنه لو كان عسيراً، فهو غير يسير على الكافرين وعلى المؤمنين كذلك.
ومرة أخرى يطلب منا أو من محمد أن يتركه مع ذلك الشخص الذي تحدث عنه وهدده في أول سورة، فيقول (ذرني ومن خلقتُ وحيدا وجعلت له مالاً ممدوا). ألم يُخلق كل إنسان وحيداً؟ هل محمد خُلق في مجموعة من التوائم مثلاً؟. هذا الشخص الغني ذو الأولاد الشهود والمال الممدود، سوف يرهقه الله صعوداً كما أرهقت آلهة اليونان "سيزيف" وجعلته يدفع الصخرة إلى أعلى الجبل، لتتدحرج إلى أسفله، فيصعد بها مرة أخرى وهو مرهق. فما فعلته آلهة اليونان مجتمعه يستطيع إله محمد أن يفعله منفرداً.
ثم يأتي لنا بآيات تُلجم كل عقل: (إنه فكّر وقدر. فقُتل كيف قدّر. ثم قُتل كيف قدّر. ثم نظر. ثم عبس وبسرَ. ثم أدبر واسكتبر. فقال إن هذا إلا سحرٌ يؤثر. إنّ هذا إلا قول البشر). فهذا الشخص الذي تجرأ أن يفكر ويقدر، قُتل لأنه قدّر. ثم قُتل مرة أخرى كما قدّر. ثم بعد أن قُتل مرتين (ولا نعلم كيف يمكن أن يُقتل مرتين)، نظر، ثم عبس وبسر. ثم أدبر واستكبر. فكيف لهذا الشخص الذي قُتل مرتين أن ينظر ويعبس. وكلمة "بسر" فرضها سجع الكهان لأنها لا تعني شيئاً لناطق العربية، وحاولوا الالتفاف حولها، فقال القرطبي (بسر، يعني كلح وجهه وتغير لونه) وجاء ببيت شعر لشاعر زعم أنه جاهلي:
صبحنا تميماً غداة الجفرِ *** بشهباءَ ملمومةِ بَسِرة
هذا البيت من الشعر ركيك جداً ويُستبعد أن يكون لشاعر جاهلي. ولا ندري كيف تكون الخمر الشهباء كالحة ومتغيرة اللون، بينما قال عنها الشاعر الفحل أبو نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها *** إنْ مسها حجرٌ مسته سراءُ. ولكنه الاحتيال على اللغة لتعني ما يريدون.
وهذا الشخص الذي تجرأ وقال إن القرآن قول بشر، رد عليه القرآن بالتالي: (سأصليه سقر. وما أدراك ما سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحةٌ للبشر. عليها تسعةُ عشر. وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكةً وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر).
بعد خمس آيات قصيرة مسجوعة، يأتي مؤلف القرآن بآية تكاد تكون مساوية لنصف سورة المدثر في الطول، وغير مسجوعة كبقية آيات السورة، فهي حتماً ليست من السورة ,إنما أُدخلت هنا عن طريق الخطأ. وإله القرآن لا يمل من تكرار الوعيد والتهديد بالعذاب. في هذه المرة فسوف يصلي ذلك الشخص الذي قال إن القرآن قول بشر، سيصليه سقر. ولأن الأعراب وقتها لم يعرفوا كلمة "سقر"، قال لهم (وما أدراك ما سقر). وكاتب القرآن استعمل هذا السؤال مع كل كلمة غريبة لا يفهمها العرب، فقال مثلاً "وما أدراك ما الحاقة" و "ما أدراك ما القارعة" و وما أدراك ما الطارق" و"ما أدراك ما العقبة" و"ما أدراك ما سجين" و "وما أدراك ما عليون". فكل هذه الكلمات ليست عربية، وحتى لا يسأل الناس محمد عن معناها، قال لهم "وما أدراك"، يعني لا أحد يعرف عنها شيئاً فلا تسألوا.
وإذا نظرنا إلى وصف "سقر" نجد أن المكانة الأولى كانت للسجع قبل المعنى، فهو يقول (لواحةٌ للبشر. عليها تسعة عشر). "لواحةٌ للبشر" لا تعني أي شيء للقاريء. هل سقر تلّوح بالبشر أم تلوح لهم أم تغير لونهم، لا أحد يعلم ما المقصود هنا. ثم لماذا عليها تسعة عشر ملاك ليعذبوا البلايين من البشر يوم القيامة، بينما يرسل هذا الإله خمسة آلاف من الملائكة مسومين (معممين) ليقاتلوا ألف مشرك من قريش في موقعة بدر؟ هذه الآية تؤكد أن مؤلف القرآن لديه مشكلة في الحساب
ثم ما معنى هذه الآية (وما جعلنا عِدتهم إلا فتنةً للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا. ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون)؟ هل قصد إله القرآن "وما جعلنا عددهم" أي التسعة عشر، إلا اختباراً للكفار؟ ابن كثير يوافق على هذا التفسير ويقول "أي أنه ذكر عدتهم تسعة عشر اختباراً منه للناس ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، أي يعلمون أن هذا الرسول حق لأنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله.) وكلمة "عِدة" رغم أنها قد تعني العدد، إلا أن العرب كانوا يستعملونها لعدة المرأة المطلقة أو المتوفي عنها زوجها، وكذلك كانوا يعنون بها المتاع أو الآلات، فنقول: أعدوا للحرب عدتها من السهام والرماح. فلماذا استعمل مؤلف القرآن غريب الكلام ولم يقل (وماجعلنا عددهم)؟ ثم أن الكتب السماوية الأخرى لم تذكر أن حراس جهنم تسعة عشر، ولكن ابن كثير وغيره يستغلون جهل المسلمين بالكتب الأخرى فيزعمون أنها قالت ما لم تقله. ولا نفهم كيف يكون قراره أن يجعل حراس جهنم تسعة عشر اختباراً للكفار. هل لو جعلهم خمسة آلاف، كما فعل في بدر، يفقد الاختبار معناه؟ وبما أن التكرار سمة من سمات القرآن، يقول لنا: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب). فإذا استيقن أهل الكتاب، فهذا يعني أنهم لم يرتابوا، وليس هناك أي فائدة من ذكر شبه الجملة "ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب".
ثم تدخل سورة "المدثر" في مرحلة القسم الذي يُكثر منه إله القرآن في السور اللاحقة، فتقول (كلا والقمر. والليل إذا أدبر. والصبح إذا أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذير للبشر. لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر).
هذه الآيات تؤكد وثنية الإسلام، الذي هو امتداد لفترة "الجاهلية" التي أخذ محمد كل معتقداتها وعاداتها وجعلها جزءاً من القرآن، مثل الحج والطواف بالكعبة، وتقديم الأضحية، والزواج المتعدد، والطلاق ثلاث مرات، ثم زواج المحلل، والعدة بالنسبة للأرملة والمطلقة. فعرب ما قبل الإسلام قبل أن ينزحوا من اليمن إلى منطقة الحجاز كانوا يعبدون القمر، ويعتقدون أنه تزوج الشمس وانجبا النجوم، مثل الشعرى الذي عبدوه وذكره القرآن (رب الشعرى). فعبادة القمر كانت من صلب معتقدات الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولذلك يقسم به رب القرآن كثيراً. ولهذا السبب نجد القرآن المكي يحتوي على سورة كاملة اسمها "القمر" وسور أخرى اسمها "الشمس" و "النجم" و "الضحى" و "الليل" و "الفجر". ولنفس هذا السبب نجد صورة الهلال تعلو مآذن الجوامع وترفرف على أعلام البلاد الإسلامية، فهو يمثل لهم إلههم القديم. (والليل إذا أدبر والصبح إذا إذا أسفر). ما فائدة هذا القسم بالليل وبالصبح، وما هو الهدف منه؟
وتستمر السورة، فتقول: (كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين. في جنات يتسألون عن المجرمين. ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين. فما تنفعهم شفاعة الشافعين. فمالهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حُمرٌ مستنفرة. فرت من قسورة.)
ونحن نفهم أن كل نفسٍ بما كسبت رهينة، ولكن القرآن يستثني أهل اليمين (إلا أصحاب اليمين). فيبدو أن أصحاب اليمين لا يُسألون عن أعمالهم، وكل بقية البشر يسألون لأنهم مجرمون، وقد دمغهم رب القرآن بهذا الوصف في الدنيا دون أن ينتظر إلى يوم القيامة ليحاسبهم ويقرر وقتها إن كانوا مجرمين أم لا. وعندما يسألهم أهل اليمين عن سبب وجودهم في سقر، يقولون: (لم نك من المصلين). فهذا هو إله القرآن للمرة الثالثة، وفي رابع سورة منه يقول إن سبب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، والصلاة لم تكن قد فُرضت بعد. ويحيرني كثيراً هذا الجدل بين أهل الجنة وأهل النار، ولا أفهم كيف يمكن لأهل النار التي سوف تكون مقراً للغالبية العظمى من البشر، وبالتالي يكون حجمها أكبر مما يمكن أن نتصوره، وسوف تكون حرارتها قد بلغت مئات الدرجات المئوية نسبةً إلى حجمها الكبير وعدد المعذبين بها، فكيف يستطيع أهل اليمين الاقتراب من هذه النار العظيمة لدرجة أنهم يستطيعون التحدث مع أهلها؟ وهل يستطيع الشخص الذي يُشوى جلده ثم يغيره الله بجلد جديد، أن يتحدث مع أهل اليمين ويشرح لهم لماذا هو في النار؟ ورب القرآن يقول لنا عن جهنم: (إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بها سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه) (الكهف 29). وفي حديث ابن سعيد الخدري الذي أخرجه الترمذي، يقول محمد: "إنّ لسرادق النار أربعة جدر كثيفة كل جدار مسافة أربعين سنة". فهل يُعقل أن يقترب أهل اليمين من جهنم التي عليها أربعة جدران ليتحدثوا إلى أهل النار الذين يقول عنهم القرآن (أما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفيرٌ وشهيق) (هود 106). فأهل النار مشغولون بالألم والزفير والشهيق، فحالهم لا تسمح لهم ان "يسولفوا" مع أهل الجنة ويشرحوا لهم سبب وجودهم في النار. ولكنها السادية التي انطوت عليها نفس مؤلف القرآن الذي يصر على وصف أنواع العذاب المهين الذي سوف يسلك فيه المجرمين.
وفي نهاية السورة يقول إله القرآن (بل يريد كل امريء منهم أن يُؤتى صحفاً مُنشرّة. بل لا يخافون الآخرة. كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة).
وكعادة كاتب القرآن، يقول إن الإنسان مسيّر ومخيّر في آنٍ واحد، فهو يقول (فمن شاء ذكره) ولكنهم لا يستطيعون أن يذكروا إلا أن يشاء الله (وما يذكرون إلا أن يشاء الله).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,938,703
- في رحاب القراء 1
- تأملات في القرآن المكي 1-4
- تعقيباً على تعليقات القراء على تاريخ القرآن
- تاريخ وماهية القرآن 3 – 3
- تاريخ وماهية القرآن 2 – 3
- تاريخ وماهية القرآن 1- 3
- يقولون ما لا يفعلون
- الإسلام يزرع الجهل والخزعبلات في أتباعه
- المسلمون يحتكرون كل شيء حتى الله
- خرافة العصر الذهبي في صدر الإسلام 3-3
- خرافة العصر الذهبي في صدر الإسلام 2-3
- خرافة العصر الذهبي في صدر الإسلام 1...؟
- مع القراء عن نباح الكلاب
- على نفسها جنت براقش - النباح حول المآذن
- إنجازات الحوار المتمدن
- نفاق وعاظ السلاطين
- حصاد الهشيم - الحلقة الأخيرة
- حصاد الهشيم - الحلقة قبل الأخيرة
- حصاد الهشيم - الحلقة الثانية
- حصاد الهشيم - الحلقة الأولى


المزيد.....




- -فيس آب- بمصر.. مخاوف أمنية وفتوى تحريم وشيخوخة معتقلين
- غارديان: بوريس جونسون يجهل الإسلام والتاريخ
- مستوطنون و«حاخامات» يقتحمون المسجد الأقصى بحراسة مشددة من ال ...
- تويتر ينتصر للأقليات الدينية المضطهدة في إيران
- فتيات غير محجبات في قوائم حركة النهضة الإسلامية في تونس
- الرئيس الأفغاني يرجح بدء المحادثات بين الحكومة وحركة طالبان ...
- شيخ الأزهر يعود من رحلة علاج
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة «وطن» لليهود في أمريك ...
- صحيفة: الشرطة الإيطالية تبحث عن سوري هدد بالتوجه مباشرة من ر ...
- اتحاد الشغل في تونس يطلب تحييد المساجد والإدارة قبل الانتخاب ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - تأملات في القرآن المكي 2-4